Полный текст (5 377 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
وَيَبْنِي دُورَهُ بِالطِّينِ وَالآجُرِّ لَا اللَّبِنِ وَالْجِصِّ، وَلَا يَبِيعُ عَقَارَهُ إِلَّا لِحَاجِةٍ أَوْ غِبْطَةٍ ظَاهِرَةٍ،
ــ
لظاهر القرآن، وكذا حكم الوصي، وستأتي الإشارة إلى ذلك في آخر (الوصايا) إن شاء الله تعالى.
قال: (ويبني دوره بالطين والآجر)؛ لأن الآجر يبقى، والطين قليل المؤنة وينتفع به بعد النقض، واختار الماوردي والروياني وطائفة أنه ينبني بما جرت العادة به في عرف البلد.
وقال في (البيان): الحجر أولى من الآجر.
و (الآجر): الطوب المشوي، فارسي معرَّب، حكى في (التحرير) وغيره في ست لغات أشهرها: تشديد الراء، الواحدة آجرة، وأول من صنعه هامان.
قال: (لا اللبن والجص)؛ لأن اللبن يصير إذا انهدم ترابًا، والجص كثير المؤنة، ويلتصق بالطوب فلا ينتفع به إذا انهدم ويكسر كثيرًا من الطوب.
وعبارة المصنف وافق فيها (المحرر) و (الروضة)، والذي في (الشرح الكبير) عطف الجص بـ (أو) وهي أولى؛ لأنها تدل على الامتناع في اللبن، سواء كان مع الطين أو الجص، وعلى الامتناع في الجص سواء كان مع اللبن أو الآجر، فيفيد ذلك منعهما مجتمعين، ومنع اللبن والطين، ومنع الآجر مع الجص، والتعبير بـ (الواو) لا يفيد إلا منع الاجتماع.
و (الجص) بكسر الجيم وفتحها، فارسي معرب أيضًا.
واشترط ابن الصباغ في بناء العقار: أن يساوي بعد بنائه قدر ما صرف عليه، وهذا في زماننا في غاية الندور، فهو في الحقيقة منع للبناء.
قال: (ولا يبيع عقاره إلا لحاجة أو غبطة ظاهرة)؛ لأن العقار أحسن ما يقتنى.
стр. 1962
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وحكم الأواني من صُفر ونحوه مما يعد للقنية حكم العقار، قاله البندنيجي، وما عدا ذلك من أمواله لا يجوز أيضًا بيعه إلا لحاجة أو غبطة، لكن يجوز لحاجة يسيرة وربح قليل بخلاف العقار.
وأما أموال التجارة .. فينبغي جواز بيعها من غير تقييد بشيء مما ذكر.
والمراد بـ (الحاجة): خوف خراب العقار، أو إعواز نفقة ولم يجد مقرضًا.
وأما الغبطة .. فكثقل خراجه مع قلة ريعه، أو راغب بزيادة على ثمن مثله وهو يجد مثله ببعضه، وهذا على سبيل المثال لا على سبيل الاشتراط، وكذلك الحكم لو وجد مثله ببعض ذلك الثمن.
وقوله: (ظاهرة) ليست في (المحرر) ولا في (الشرح) ولا في (الروضة)، لكن فيها تفسير الغبطة بما ذكرناه.
وضبط الإمام الزيادة بأن لا يستهين بها العقلاء بالنسبة إلى شرف العقار.
وقال الجوهري: الغبطة حسن الحال، ويظهر جواز بيعه بثمن مثله دفعًا لرجوع الواهب، وفي دخوله في الغبطة نظر.
فروع:
أمسك الولي عن البيع؛ لتوقع زيادة فرخص قال القفال: لا يضمن، وقال الجيلي: يضمن.
وسئل القفال عن ضيعة خراب ليتيم تستأصل في خراجها فقال: يجوز بيعها ولو بدرهم؛ لأنه المصلحة.
وأفتى ابن الصلاح بأن من في يده مال ليتيم وليس بوصي، ولو سلمه إلى ولي
стр. 1963
وَلَهُ بَيْعُ مَالِهِ بِعَرْضٍ وَنَسِيئَةً لِلْمَصْلَحَةِ، وَإِذَا بَاعَ نَسِيئَةً .. أَشْهَدَ وَارْتَهَنَ بِهِ
ــ
الأمر .. خاف ضياعه: أنه يجوز له النظر في أمره، والتصرف في ماله بالتجارة والإنفاق للضرورة، ومخالطته في الأكل.
وإذا باع الأب أو الجد عقارًا للطفل ورفع إلى القاضي .. سجل على بيعه ولم يكلفه إثبات الحاجة أو الغبطة بالبينة؛ لأنه غير متهم، وفي بيع الوصي والأمين لا يسجل إلا إذا قامت البينة بذلك.
ومقتضى التعليل في الأب والجد: استثناء الأم من الأوصياء.
وأطلق الشيخان هنا: أنه لا يهب أمواله بشرط الثواب ولا دونه؛ إذ لا يقصد بالهبة العوض، لكنهما صححا: أنه إذا ذكر فيها ثوابًا معلومًا جرى عليها جميع أحكام البيع، وحينئذ ينبغي أن يجوز ذلك حيث يجوز البيع.
قال: (وله بيع ماله بعرض) هذا لا خلاف فيه إذا كانت فيه مصلحة.
قال: (ونسيئة للمصلحة) هذا قيد في العرض والنسيئة، ولابد أن يزيد على ثمنه نقدًا؛ لأن الأجل يقابل بقسط من الثمن.
ويشترط كون المشتري موسرًا ثقة والأجل قصيرًا، واختلفوا فيه فقيل: لا يزيد على سنة، والأصح: اتباع العرف، فإن بطل شرط من هذه .. بطل البيع.
قال: (وإذا باع نسيئة .. أشهد وارتهن به) أي: أشهد بالبيع وارتهن بالثمن رهنًا وافيًا احتياطًا للمحجور عليه.
ومقتضى عبارة المصنف: أنه إذا ترك واحدًا من الرهن والإشهاد .. بطل البيع،
стр. 1964
وَيَاخُذُ لَهُ بِالشُّفْعَةِ أَوْ يَتْرُكُ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ،
ــ
والذي يجتمع من كلام الرافعي وابن الرفعة: أن الإشهاد لا يجب؛ لأن ابن الرفعة جعله كإقراض ماله، والرافعي جزم في الإقراض بعدم وجوبه، بل يفعل ما يراه مصلحة.
نعم؛ لو باع مال ولده من نفسه نسيئة .. لم يحتج إليه كما صرح به البغوي وغيره.
قال: (ويأخذ له بالشفعة أو يترك بحسب المصلحة)؛ لأنه مأمور بطلب الحظ، فإن ترك والأخذ أحظ .. فللمحجور الأخذ عند زوال الحجر، وإن كان الترك أحظ .. فلا في الأصح، فإن استوى الأمران .. ففيه أوجه:
أحدها: يحرم الأخذ.
والثاني: يجب.
стр. 1965
وَيُزَكِّي مَالَهُ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ. فَإِنِ ادَّعَى بَعْدَ بُلُوغِهِ عَلَى الأَبِ وَالْجَدِّ بَيْعًا بِلَا مَصْلَحَةٍ .. صُدِّقَا بِالْيَمِينِ. وَإِنِ ادَّعَاهُ عَلَى الْوَصِيِّ وَالأَمِينِ .. صُدِّقَ هُوَ بِيَمِينِهِ.
ــ
والثالث: يتخير، والأول مقتضى كلام الرافعي في (الشفعة) والنص يفهمه والآية تشهد له.
ولو قال المحجور: كان الأخذ بالشفعة أحظ، ونازع الولي .. فكما لو اختلفا في بيع العقار كما سيأتي.
قال: (ويزكي ماله، وينفق عليه بالمعروف) هذان واجبان على الولي؛ لأنه قائم مقامه، ولا يسرف في الإنفاق عليه ولا يقتر، فإن أسرف .. ضمن، وكذلك يخرج عنه كل واجب عليه.
قال: (فإن ادعى بعد بلوغه على الاب والجد بيعًا بلا مصلحة .. صدقا باليمين)؛ لأنهما لا يتهمان؛ لوفور شفقتهما، كذا علله الرافعي وغيره، ومقتضاه: قبول قول الأم إذا كانت وصية، وكذلك من في معناها كأصولها.
قال: (وإن ادعاه على الوصي والأمين .. صدق هو بيمينه) وعليهما البينة؛ للتهمة، ولا فرق في ذلك بين العقار وغيره على الأصح.
وقيل: يقبل قول الولي مطلقًا أبًا كان أو وصيًا، وهو اختيار الغزالي.
وقيل: لا يقبل مطلقًا.
وقيل: يقبل قول الأب والجد في كل شيء، ولا يقبل قول غيرهما في العقار ويقبل في غيره، واختاره الشيخ؛ لأن الوصي أمين وتكليفه البينة في كل قليل وكثير يعسر.
وأما العقار .. فيحتاط فيه ما لا يحتاط في غيره، ودعواه على المشتري من الولي كهي على الولي، ودعواه على القاضي إن كان على ولايته .. فالمصدق القاضي، وإن
стр. 1966
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عزل .. فإطلاق (التنبيه) يقتضي: أنه كالوصي، وكلام الجرجاني فيه إشارة إليه، واختاره في (الإقليد).
وإذا قبلنا قول الولي، فأقام المحجور بينة على البيع من غير غبطة ولا حاجة .. حكم بها، وكذا إذا صدقنا المحجور فأقام الولي بينة على ما يدعيه، وقد صرح بهما في (المحرر).
فرعان:
أحدهما: إذا كان للصبي كسب .. أجبره الولي على الاكتساب؛ ليرتفق به في النفقة وغيرها، وألحق في زوائد (الروضة) السفيه بالصبي في ذلك، وتوقف في (المطلب) في وجوب العمل عليه.
الثاني: إذا وكل الأب في حق الطفل .. يشترط في وكيله العدالة.
تتمة
إذا دعت ضرورة إلى إقراض مال المحجور أو إيداعه .. جاز كل من الأمرين.
وقال الرافعي: يجوز للقاضي أن يقرض مال الصبي لغير ضرورة؛ لكثرة أشغاله دون غيره، وسبقه إلى ذلك البغوي.
قال الشيخ: وهذا شيء لم أره لغيرهما، قال: والصحيح: أنه لا يجوز لأحد من الأولياء أن يقرض إلا لضرورة، وهذا الذي يقتضيه إطلاق الشافعي والشيخ أبي حامد وابن الصباغ والشيخ أبي إسحاق والمحاملي والجراجاني والقاضي والإمام والمتولي والفوراني والغزالي والروياني وصاحب (العدة) والعمراني.
وقال الهروي: إنه المذهب، قال: ولا أشك فيه؛ فإن القرض فيه خطر وإن كان
стр. 1967
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من موسر ثقة، فقد يفلس أو يموت وتعرض آفات، وليس هذا من الأحسن والله تعالى قال: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هى أحسن﴾، وما سمعت قط في هذا الزمان أن أحدًا أقرض مال اليتيم لمصلحة اليتيم، ومن العجب أن الرافعي يقول هذا، ويطلق أنه يشترط في المقرض أهلية التبرع، أما غير الأب والجد والقاضي .. فلم يقل أحد: إنه يجوز أن يقرض لغير ضرورة.
* * *
خاتمة
سئل الشيخ عن امرأة سفيهة تحت الحجر أقامت بينة برشدها، ثم حضر وليها فأقام بينة بسفهها، أيهما يقدم؟ فأجاب: تقدم بينة السفيه، لأن معها زيادة علم.
وصورة المسألة: أن تشهد بينة الرشد في الوقت الفلاني، فتشهد تلك بأنها في ذلك الوقت كانت تشرب الخمر أو نحو ذلك مما يوجب السفه، وأما إذا أطلقت .. فالوجه: تقديم بينة الرشد، ثم استدل لذلك بما تقدم في أول (كتاب التفليس) عن (فتاوى ابن الصلاح).
* * *
стр. 1968
بَابُ الصُّلْحِ
ــ
باب الصلح
هو في اللغة: قطع المنازعة، وفي الشرع: عقد يحصل به ذلك.
ويطلق على الصلح بين المسلمين والمشركين، وعلى الصلح بين الإمام والفئة الباغية، وعلى الصلح بين الزوجين عند الشقاق، وعلى الصلح في المعاملات والديون وهو المراد هنا ولا يقع غالبًا إلا على حطيطة لبلوغ بعض الغرض.
وأصل الباب قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿والصلح خير﴾.
وقوله ﷺ : (الصلح جائز بين المسلمين) رواه الحاكم [٤/ ١٠١] وقال على شرط الشيخين، زاد ابن حبان [٥٠٩١] والترمذي [١٣٥٢]: (إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا، والمسلمون عند شروطهم إلا شرطًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا).
فالصلح الذي يحرم الحلال: أن يصالح زوجته على أن لا يطلقها ونحو ذلك، والذي يحلل الحرام: أن يصالح على خمر أو خنزير، ومن حال على مؤجل، أو من دراهم على أكثر منها.
وانعقد الإجماع على جوازه، وأكثر أحكام عمر ﵁ كانت صلحًا.
ولفظه يتعدى إلى المتروك بـ (من) و (عن) وإلى المأخوذ بـ (على) و (الباء) وهو أقسام:
بيع وإجارة، ويجمعهما صلح المعاوضة.
وهبة وإبراء، ويجمعهما صلح الحطيطة وهذه الأربعة في الكتاب.
وأهمل أقسامًا:
منها: أن يكون عارية يرجع فيها متى شاء، كالصلح من الدار على سكناها، وهي
стр. 1969
هُوَ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا يَجْرِي بَيْنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ، وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: صُلْحٌ عَلَى إِقْرَارٍ، فَإِنْ جَرَى: عَلَى عَيْنٍ غَيْرِ الْمُدَّعَاةِ .. فَهُوَ بَيْعٌ بِلَفْظِ الصُّلْحِ تَثْبُتُ فِيهِ أَحْكَامُهُ؛ كَالشُّفْعَةِ، وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَمَنْعِ تَصَرُّفِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَاشْتِرَاطِ التَّقَابُضِ إِنِ اتَّفَقَا فِي عِلَّةِ الرِّبَا
ــ
في (الرافعي) قبيل الكلام على صلح الإنكار.
ومنها: أن يكون فسخًا، كما إذا صالح المسلم المسلم إليه على رأس ماله، وهي في (الكفاية) في (باب السلم) عن ابن سريج.
ومنها: أن يكون جعالة كقوله: صالحتك على كذا على رد عبدي.
ومنها: أن يكون خلعًا كقول المرأة: صالحتك عن كذا على أن تطلقني طلقة.
ومنها: أن يكون معاوضة عن دم العمد، وأن يكون فداء للحربي كقوله: صالحتك عن كذا على إطلاق الأسير.
واختلف الأصحاب: هل الصلح رخصة أو أصل بنفسه مندوب إليه؟
فقال أبو إسحاق وابن أبي هريرة والشيخ أبو حامد وآخرون: هو رخصة مستثنىً من المحظورات.
وقال ابن أبي سلمة والقاضي أبو حامد: إنه أصل بنفسه مندوب إليه.
فمن قال بالأول .. قال: الحديث المذكور مجمل، ومن قال بالثاني .. قال: إنه عام.
وتظهر فائدة الخلاف فيما إذا ترددنا في جواز نوع من الصلح، فإن جعلناه مجملًا .. لم يصح الاستدلال بالخبر على جوازه، وعلى الثاني يجوز إلا أن يقوم دليل على تخصيصه.
قال: (وهو قسمان: أحدهما يجري بين المتداعيين، وهو نوعان:
أحدهما: صلح على إقرار، فإن جرى: على عين غير المدَّعاة .. فهو بيع بلفظ الصلح تثبت فيه أحكامه؛ كالشفعة، والرد بالعيب، ومنع تصرفه قبل قبضه، واشتراط التقابض إن اتفقا في علة الربا) وغير ذلك من أحكامه؛ لأن حد البيع صادق
стр. 1970
أَوْ عَلَى مَنْفَعَةٍ .. فَإِجَارَةٌ تَثْبُتُ أَحْكَامُهَا
ــ
عليه، لكن المصنف تبع (الشرح) و (المحرر) في قوله: (على عين غير المدعاة) وصوابه: على غير العين المدعاة؛ ليشمل ما إذا صالح منها على عين وعلى دين فإن الحكم سواء، وعلى عبارة الكتاب يكون الصلح من العين على دين غير مذكور.
قال: (أو على منفعة) أي: كسكنى دار وخدمة عبد (.. فإجارة تثبت أحكامها)؛ لصدق حد الإجارة عليه.
وصورة المسألة: أن يصالح عن العين المدعاة المقر بها على منفعة عين أخرى مدة معلومة بما يجوز عقد الإجارة عليه، فيملك المقر العين التي أقر بها، ويملك المقر له منفعة العين المصالح عليها، وكأنه استأجر العين التي أخذها بالعين التي ادعاها وأقر له بها.
وهكذا لو صالح من منافعها سنة على عين أو دين أو منفعة معلومة .. صح، وكأنه أجرها للمقر بما أخذ من العين أو الدين أو المنفعة، وهذان المثالان اللذان ذكرهما المصنف تشملهما المعاوضة، وهي أحد ضربي الصلح على الإقرار.
ولو صالح من العين على منافعها .. لم يجز؛ لأن العين ومنافعها ملك المقر له، فكيف يتعوض ملكه بملكه؟!
ولو صالح في هذه الصورة من منافعها عليها .. لم تكن إجارة لذلك،
стр. 1971
أَوْ عَلَى بَعْضِ الْعَيْنِ الْمُدَّعَاةِ .. فَهِبَةٌ لِبَعْضِهَا لِصَاحِبِ الْيَدِ فَتَثْبُتُ أَحْكَامُهَا. وَلَا يَصِحُّ بِلَفْظِ الْبَيْعِ، ...
ــ
لكنها عارية مؤقتة إن أقت المدة، ومطلقة إن أطلق، وله الرجوع فيها متى شاء مؤقتة كانت أو مطلقة.
قال: (أو على بعض العين المدعاة .. فهبة لبعضها لصاحب اليد فتثبت أحكامها) أي: التي تقررت في بابها من اشتراط القبول ومدة إمكان القبض وغيرها، وهذا يسمى صلح الحطيطة.
وقوله: (المدعاة) احتراز عما إذا ادعى بعض عين وصالح منها على بعض عين أخرى ملكه، فإنه بيع .. دخل في قوله (عين غير المدعاة) وكذا لو صالح على منافع البعض الآخر كان إجارة.
وقوله: (فهبة) إلى آخره محل الاتفاق عليه إذا جرى بلفظ الهبة وما في معناها من التمليك ونحوه، فإن كان بلفظ الصلح .. فسيأتي.
كل هذا إذا جرى عقد الهبة من غير شرط، كما إذا أقر له بالدار فقال: وهبتك نصفها ولم يشترط شيئًا، فلو قال: وهبتك نصفها على أن تسلمني النصف الآخر .. لم يصح، كما سيأتي في نظيره من الإبراء.
قال: (ولا يصح بلفظ البيع)؛ لأن العين كلها ملك المقر له فإذا باعها ببعضها .. فقد باع الشيء ببعضه وهو باطل، وهذه إحدى المسائل التي فارق فيها الصلح البيع، حيث قطع الأصحاب بأنه لا يصح صلح الحطيطة بلفظ البيع، ويصح بلفظ الصلح في الأصح كما ذكره المصنف حيث قال:
стр. 1972
وَالأَصَحُّ: صِحَّتُهُ بِلَفْظِ الصُّلْحِ. وَلَوْ قَالَ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ خُصُومَةٍ: صَالِحْنِي عَنْ دَارِكَ بِكَذَا .. فَالأَصَحُّ: بُطْلَانُهُ. وَلَوْ صَالَحَ مِنْ دَيْنٍ عَلَى عَيْنٍ .. صَحَّ
ــ
(والأصح: صحته بلفظ الصلح) وعلى هذا: يكون هبة في القبول، وسائر أحكامها كما سبق.
والثاني: لا يصح؛ لأن الصلح يتضمن المعاوضة وهي مستحيلة هنا.
قال: (ولو قال من غير سبق خصومة) سواء كانت عند الحاكم أم غيره (: صالحني عن دارك بكذا .. فالأصح: بطلانه) نظرًا إلى اللفظ؛ لأن لفظ الصلح يقتضي سبق الخصومة.
والثاني: يصح نظرًا إلى المعنى؛ لأنه معاوضة فلم يشترط فيه ذلك قياسًا على البيع.
قال الرافعي والمصنف: وكأن هذا الخلاف مفروض فيما إذا استعمل لفظ الصلح ولم ينويا أو أحدهما، أما إذا استعملا ونويا أو أحدهما البيع .. فإنه يكون كناية بلا شك، ويجري فيه الخلاف في انعقاد البيع بها، وقواه الشيخ، وضعفه في (المطلب) وقطع بعدم التخريج؛ لكون اللفظ منافيًا للمعنى، فأشبه ما إذا قال: بعتك بلا ثمن .. فإنه لا يصح إذا نظرنا إلى اللفظ.
قال: (ولو صالح من دين على عين .. صح)؛ لعموم الأدلة على جواز الصلح، سواء عقد بلفظ الصلح أو البيع.
وشرط الدين: أن يجوز الاعتياض عنه كدين القرض والإتلاف، وكذلك ثمن المبيع ونحوه على الجديد كما تقدم، ولا يجوز عن دين السلم، وكذلك في إبل الدية على الأصح.
وقوله: (على عين) صوابه: على غيره بالغين المعجمة وبالهاء في آخره؛ فإنه قسمه بعد ذلك إلى عين ودين.
стр. 1973
فَإِنْ تَوَافَقَا فِي عِلَّةِ الرِّبَا .. اشْتُرِطَ قَبْضُ الْعِوَضِ فِي الْمَجْلِسِ، وَإِلاَّ: فَإِنْ كَانَ الْعِوَضُ عَيْنًا .. لَمْ يُشْتَرَطْ قَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ فِي الأَصَحِّ، أَوْ دَيْنًا .. اشْتُرِطَ تَعْيِينُهُ فِي الْمَجْلِسِ، وَفِي قَبْضِهِ الْوَجْهَانِ. وَلَوْ صَالَحَ مِنْ دَيْنٍ عَلَى بَعْضِهِ .. فَهُوَ إِبْرَاءٌ عَنْ بَاقِيهِ. وَيَصِحُّ بِلَفْظِ الإِبْرَاءِ وَالْحَطِّ وَنَحْوِهِمَا،
ــ
قال: (فإن توافقا) أي: الدين المصالح منه والعوض المصالح عليه (في علة الربا .. اشترط قبض العوض في المجلس) فمتى تفرقا قبل قبضه .. بطل الصلح، أما تعيينه في العقد .. فلا يشترط في الأصح.
قال: (وإلا) أي: وإن لم يتوافقا في علة الربا كالفضة بالحنطة.
قال: (فإن كان العوض عينًا .. لم يشترط قبضه في المجلس في الأصح، أو دينًا .. اشترط تعيينه في المجلس، وفي قبضه الوجهان) جميع هذا تقدم تعليله في الكلام على الاستبدال عن الثمن، ولو كان العوض منفعة .. فيقبض بقبض محلها.
قال: (ولو صالح من دين على بعضه .. فهو إبراء عن باقيه)؛ لأنه معناه، هذا صلح الحطيطة في الدين وما بعده وما قبله صلح معاوضة.
قال: (ويصح بلفظ الإبراء والحط ونحوهما) كالإسقاط والوضع فيقول لمن عليه مئة: أبرأتك من خمسين، أو وضعت عنك خمسين وأعطني الباقي، فيبرأ المديون من غير قبول كما سيأتي.
وفي (الصحيحين) [خ٤٥٧ - م١٥٥٨]: أن كعب بن مالك ﵁ طلب من عبد الله بن أبي حدرد ﵁ دينًا له عليه، فارتفعت أصواتهما في المسجد حتى سمعها رسول الله ﷺ ، فخرج إليهما ونادى: (يا كعب) قال: لبيك يا رسول الله، فأشار بيده أن ضع الشطر، قال: فقال: قد فعلت، فقال رسول الله ﷺ : (قم فاقضه).
(وحدرد): قال الجوهري: وزنه فعلع لا فعلل.
وإذا جرى ذلك بصيغة الإبراء ونحوها مما تقدم .. لا يشترط القبول على المذهب، سواء قلنا: الإبراء إسقاط أم تمليك، ولا يشترط قبض الباقي في المجلس.
стр. 1974
وَبِلَفْظِ الصُّلْحِ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ صَالَحَ مِنْ حَالٍّ عَلَى مُؤَجَّلٍ مِثْلِهِ أَوْ عَكَسَ .. لَغَا، فَإِنْ عَجَّلَ الْمُؤَجَّلَ .. صَحَّ الأَدَاءُ. وَلَوْ صَالَحَ مِنْ عَشَرَةٍ حَالَّةٍ عَلَى خَمْسَةٍ مُؤَجَّلَةٍ .. بَرِئَ مِنْ خَمْسَةٍ وَبَقِيَتْ خَمْسَةٌ حَالَّهٌ، وَلَوْ عَكَسَ .. لَغَا ..
ــ
قال: (وبلفظ الصلح في الأصح).
صورتها: أن تقول: صالحتك عن المئة التي لي في ذمتك بخمسين وفيها وجهان:
أحدهما: لا يصح؛ لأن الصلح بيع.
والثاني –وهو الأصح-: الصحة؛ لأن معناه أعطني خمسين وأبرأتك من خمسين، ولو صرح بذلك .. صح كما تقدم، وعلى الأصح هل يشترط القبول في هذه الحالة؟ خلاف مدركه مراعاة اللفظ أو المعنى، والأصح اشتراطه.
قال: (ولو صالح من حال على مؤجل مثله) أي: جنسًا وقدرًا وصفة.
قال: (أو عكس .. لغا)؛ لأن الأول وعد من رب المال، والثاني وعد من المديون فلا يؤثران.
قال: (فإن عجل المؤجل .. صح الأداء)؛ لصدور الإيفاء والاستيفاء من أهلهما.
ومحل هذا: إذا لم تظن صحة الصلح ووجوب التعجيل، فإن ظن ذلك .. فإنه يسترد قطعًا، كمن ظن أن عليه دينًا فأداه فبان خلافه، وهذا فيه اضطراب حرره في (المهمات).
قال: (ولو صالح من عشرة حالّة على خمسة مؤجلة .. برئ من خمسة وبقيت خمسة حالّة)؛ لأن الصلح على بعض الدين إبراء، والتأجيل لا يلحق، وهذا تفريع على صحة المصالحة من الدين على بعضه بلفظ الصلح، فإن أبطلنا ذلك .. بقيت العشرة بحالها.
قال: (ولو عكس .. لغا) أي: صالح من عشرة مؤجلة على خمسة حالة فذلك لاغ؛ لأن صفة الحلول لا يصح إلحاقها، والخمسة الأخرى إنما تركها في مقابلته،
стр. 1975
النَّوْعُ الثَّانِي: الصُّلْحُ عَلَى الإِنْكَارِ، فَيَبْطُلُ إِنْ جَرَى عَلَى نَفْسِ الْمُدَّعَى،
ــ
فإذا لم يحصل الحلول .. لا يحصل الترك.
وحكم الصحيح والمكسر حكم المؤجل والحالّ.
قال: (النوع الثاني: الصلح على الإنكار، فيبطل إن جرى على نفس المدعى) خلافًا للأئمة الثلاثة.
لنا: أنه لا أثر فيه يجب اتباعه، وهو صلح محرم للحلال إن كان المدعي صادقًا؛ لتحريمه المدعى به عليه بعد ذلك، أو محلل للحرام إن كان كاذبًا بأخذه ما لا يستحق، ولم يقل أحد من الأصحاب بجواز ذلك وإن كان كلام (المطلب) يفهم أن فيه وجهًا، وهو وهم.
وصورة الصلح على الإنكار: أن يقول: صالحني، أو يقول: صالحني عن دعواك، أو عن دعواك الكاذبة.
واستدل الأئمة الثلاثة لجوازه بما روى أحمد [٦/ ٣٢٠] وأبو داوود [٣٥٨٣]: أن رجلين اختصما في مواريث بينهما قد درست وليس بينهما بينة، فقال لهما رسول الله ﷺ : (إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا .. فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من نار يأتي بها إسطامًا في عنقه يوم القيامة) فبكى الرجلان وقال كل منهما: حقي لأخي، فقال رسول الله ﷺ : (أما إذ قلتما .. فاذهبا فاقتسما، ثم توخيا الحق، ثم استهما، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه).
و (الإسطام): الحديدة التي تحرك بها النار وتسعر، أي: أقطع له ما تسعر به النار على نفسه وتشعلها، أو أقطع له نارًا مسعرة.
والجواب: أنه ﵊ قسمه بينهما؛ لأن المال في يديهما ولا مرجح لأحدهما على الآخر.
وأما التحليل مع الجهالة .. فمن باب الورع؛ لأنه أقصى ما يمكن في هذه الحالة، بخلاف الجهل الذي يمكن استكشافه لا يصح معه التحلل ولا الصلح، ولا فرق في مسألة الكتاب بين أن يكون المدعى به عينًا أو دينًا.
стр. 1976
وَكَذَا إِنْ جَرَى عَلَى بَعْضِهِ فِي الأَصَحِّ. وَقَوْلُهُ: صَالِحْنِي عَنِ الدَّارِ الَّتِي تَدَّعِيهَا لَيْسَ إِقْرَارًا فِي الأَصَحِّ ....
ــ
وإذا سكت المدعى عليه .. كان كالإنكار، قاله سليم وغيره، حكاه في (المطلب).
وإن أقيمت عليه بينة بعد إنكاره .. قال الماوردي: جاز الصلح؛ للزوم الحق بالبينة كلزومه بالإقرار، وإذا أقر ثم أنكر .. جاز الصلح، وإذا تصالحا ثم اختلفا في أنهما تصالحا على إقرار أو إنكار .. فالذي نص عليه الشافعي ﵁: أن القول قول مدعي الإنكار؛ لأنه الغالب كما تقدم في (اختلاف المتبايعين).
ولو أنكر فصولح ثم أقر .. قال في (الحاوي): يستمر البطلان، واستشكله الشيخ.
والمراد بـ (البطلان) ههنا: إنما هو في الظاهر، أما فيما بينه وبين الله تعالى .. فيحل له الأخذ إن كان محقًا.
قوله: (إن جرى على نفس المدعى) لا يستقيم؛ فإن (على) و (الباء) يدخلان على المأخوذ، و (من) و (عن) على المتروك كما تقرر، فصوابه: (إن جرى على غير المدعى) بالغين المعجمة والراء، وكذا هو في (المحرر)، كان الراء تصحفت على المصنف بالنون فعبر عنها بالنفس.
قال: (وكذا إن جرى على بعضه في الأصح) كما لو كان على غير المدعى، ولأن الاعتبار بقول الدافع، وهو يزعم أنه إنما بذله لكف الأذى، وأخذ المال لكف الأذى لا يجوز.
والثاني: يصح ويجعل المدعي واهبًا للنصف إن كان صادقًا، وموهوبًا له إن كان كاذبًا، ولا يبالى باختلافهما في ذلك.
قال: (وقوله: صالحني عن الدار التي تدعيها ليس إقرارًا في الأصح)؛ لأنه قد يريد قطع الخصومة.
стр. 1977
الْقِسْمُ الثَّانِي: يَجْرِي بَيْنَ الْمُدَّعِي وَأَجْنَبِيٍّ؛ فَإِنْ قَالَ: وَكَّلَنِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الصُّلْحِ وَهُوَ مُقِرٌ لَكَ .. صَحَّ، وَلَوْ صَالَحَ لِنَفْسِهِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ .. صَحَّ
ــ
والثاني: نعم كما لو قال: هبنيها .. فالمشهور: أنه إقرار.
ولو قال: ملكني الدار التي تدعيها .. جزموا بأنه إقرار، فلو قال: أجرني أو أعرني .. لم يكن إقرارًا.
ولو كان النزاع في دين فقال: أبرئني .. فهو إقرار على المشهور وقال بعض الأصحاب: لا يكون إقرارًا؛ لقوله تعالى: ﴿فبرأه الله مما قالوا﴾ وموسى ﵇ لم يكن آدر، وتبرئته مما قالوا لا تقتضي إثباته.
قال: (القسم الثاني: يجري بين المدعي وأجنبي؛ فإن قال: وكلني المدعى عليه في الصلح وهو مقر لك .. صح)؛ لأن قبول الإنسان في دعوى الوكالة مقبول في جميع المعاملات، ثم إن كان صادقًا في دعوى الوكالة .. فيفعل ما وكل فيه من المصالحة على بعض المدعى، أو على شيء آخر عينًا كان أو دينًا، وإن لم يكن صادقًا .. فهو شراء فضولي وقد تقدم حكمه في (البيع).
وشمل قوله: (وهو مقر) ما إذا وقع الإقرار في الظاهر، وما إذا أقر عند الأجنبي الذي وكله فقط ولم يظهر خوفًا من أخذ المالك له، وقد صرح بالقسمين في (المحرر).
فلو قال: وكلني في مصالحتك وأن أعلم أنك محق .. فالصلح صحيح، جزم به القاضي أبو الطيب، وصاحب (التنبيه) وأقره عليه المصنف، وصححه الماوردي، وحكى وجهًا آخر: أنه لابد مع ذلك من الاعتراف بالإقرار.
وعلم من عبارة المصنف: أنه لا يكفي مجرد التوكيل بالمصالحة، وهو كذلك.
قال: (ولو صالح لنفسه والحالة هذه .. صح) أي: ظاهرًا، وكذا باطنًا، أما إذا كان دينًا .. فيأتي فيه الخلاف السابق في بيع الدين لغير من عليه.
واحترز بقوله: (والحالة هذه) عما إذا صالح لنفسه مع الإنكار وسيأتي.
стр. 1978
وَكَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ. وَإِنْ كَانَ مُنْكِرًا وَقَالَ الأَجْنَبِيُّ: هُوَ مُبْطِلٌ فِي إِنْكارِهِ .. فَهُوَ شِرَاءُ مَغْصُوبٍ، فَيُفَرَّقُ بَيْنَ قُدْرَتِهِ عَلَى انْتِزَاعِهَا وَعَدَمِهَا، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: هُوَ مُبْطِلٌ .. لَغَا الصُّلْحُ
ــ
قال: (وكأنه اشتراه)؛ لأن الصلح قد وقع بعد دعوى وجواب.
وتعبيره بكاف التشبيه أحسن من قول (الروضة): (كما لو اشتراه)؛ فإنه شراء حقيقة فلا معنى للتشبيه.
قال: (وإن كان منكرًا وقال الأجنبي: هو مبطل في إنكاره .. فهو شراء مغصوب فيفرق بين قدرته على انتزاعها وعدمها) وأشار المصنف بتأنيث الضمير في قوله: (انتزاعها) إلى أن صورة المسألة في العين، أما الدين .. فطريقة الكتاب بطلانه.
كل هذا إذا صالح الأجنبي لنفسه، فإن صالح للمدعى عليه والصورة كما في الكتاب .. فوجهان: أصحهما في الدين الصحة وفي العين المنع؛ لأنه لا يمكن أن يملكه العين قهرًا، بخلاف قضاء الدين.
قال: (وإن لم يقل: هو مبطل .. لغا الصلح)؛ لأنه اشترى منه ما لم يثبت له ملكه)، وهذه العبارة تشمل ثلاث صور:
إحداها: أن يقول: وهو محق.
والثانية: لا أعلم حاله.
والثالثة: أن يقول: صالحني ولا يذكر شيئًا، وهذه الثالثة ليست في (الشرح) ولا في (الروضة)، وإطلاق الكتاب و (المحرر) يقتضي البطلان فيها وهو كذلك.
تتمة:
قال أبو إسحاق: لا يحل للمنكر فيما بينه وبين الله تعالى أن يوكل في المصالحة؛ لأنه مع الإنكار إلجاء إلى بيعه منه، ولا يحل لأحد أن يلجئ غيره إلى بيع ماله.
стр. 1979
فَصْلٌ:
الطَّرِيقُ النَّافِذُ لَا يُتَصَرَّفُ فِيهِ بِمَا يَضُرُّ الْمَارَّةَ، وَلَا يُشْرَعُ فِيهِ جَنَاحٌ وَلَا سَابَاطٌ يَضُرُّهُمْ،
ــ
وقال أبو العباس: يجوز؛ لأن إنكاره حرام للكذب والإضرار، فإذا أراد إزالة الضرر .. جاز كمن أذنب ذنبين وأراد التوبة من أحدهما، والأشبه: أن الخلاف في الحل والقطع بالصحة.
ولو صالح الأجنبي من الدين على عين، ثم جحد الأجنبي وحلف هل يعود إلى من كان عليه الدين؟ فيه وجهان، صحح في زوائد (الروضة) في (باب الحوالة) العود وينفسخ الصلح.
قال: (فصل:
الطريق النافذ لا يتصرف فيه بما يضر المارة)؛ لقوله ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام) وهو حديث حسن رواه ابن ماجه [٢٣٤٠ عن عبادة] والدارقطني [٣/ ٧٧] وغيرهما عن أبي سعيد الخدري ﵁، ورواه مالك في (الموطأ) [٢/ ٧٤٥] مرسلًا كما قاله المصنف في (الأربعين).
ورورى حرملة عن الشافعي ﵁: أنه صحح حديث: (لا ضرر ولا ضرار).
ولأن الحق فيه ليس له خاصة بل لجميع المسلمين.
و (الطريق) يذكر ويؤنث.
و (النافذ) بالذال المعجمة، وبين الطريق والشارع اجتماع وافتراق فالطريق يكون في الصحارى والبنيان، والشوارع مختصة بالبنيان، والشارع لا يكون إلا نافذًا، والطريق يكون نافذًا وغير نافذ.
وقوله: (لا يتصرف) بضم الياء والتعبير بـ (يضر المارة) أولى من تعبير (الشرحين) و (الروضة) بما يبطل المرور؛ لأن كل ما يبطل يضر من غير عكس.
قال: (ولا يشرع فيه جناح ولا ساباط يضرهم) هذا تخصيص بعد تعميم؛ فإن عبارته الأولى شاملة لهذا وغيره.
стр. 1980
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال أبو حنيفة: لا اعتبار بالضرر وعدمه في إخراج الجناح، ولكن إن خاصمه إنسان فيه .. نزع وإن لم يضر، وإلا .. ترك.
وقال أحمد: لا يجوز إشراعه بحال إلا بإذن الإمام.
لنا: اتفاق الناس عليه في سائر الأعصار من غير إنكار، و (أن النبي ﷺ نصب بيده ميزابًا في دار العباس ﵁ وقيس الجناح عليه، كذا استدل به الرافعي وغيره.
فأما نصب الميزاب .. فرواه أحمد [١/ ٢١٠] والحاكم [٣/ ٣٣١] والبيهقي [٦/ ٦٦]، وليس فيه دليل على أبي حنيفة ولا على أحمد، أما أبو حنيفة .. فلأنه لا يقول بمنع النصب كما تقدم.
وقوله: (يشرع) معناه يخرج.
وأما أحمد .. فإنما منعه عند عدم إذن الإمام، وفعل النبي ﷺ آكد وأبلغ من الإذن.
فائدة:
(الجناح): مأخوذ من جناح الطائر، قال الجوهري: وهو يده، وقيل: من جنح إذا مال، و (الجوانح): الأضلاع التي تلي الصدر، والضلوع مما يلي الظهر.
و (الساباط): سقيفة بين حائطين تحتها طريق، والجمع سوابيط وساباطات.
وقولهم في المثل: أفرغ من حجام ساباط، قال الأصمعي: كان يمضي الأسبوع فلا يدنو منه أحد، فعندها يخرج أمه فيحجمها؛ ليرى الناس أنه غير فارغ، فما زال ذلك دأبه حتى أنزف دمها فماتت فجأة فسار مثلًا.
قال الشاعر [من السريع]:
مطبخه قفر وطباخه .... أفرغ من حجام ساباط
وقيل: إنه حجم كسرى إبرويز مرة .. فأغناه، فلم يحجم بعده أحدًا.
стр. 1981
بَلْ يُشْتَرَطُ ارْتِفَاعُهُ بِحَيْثُ يَمُرُّ تَحْتَهُ مُنْتَصِبًا
ــ
فائدة أخرى:
قدر الطريق في أرض مملوكة سبلها مالكها ما اختاره، والأفضل توسيعها، وإن كانت بين أرض يريد أصحابها إحياءها: فإن اتفقوا .. فذاك، وإن اختلفوا .. فقدر سبعة أذرع؛ لما في (الصحيحين) [خ٢٣٤١ - م١٦١٣] عن أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﷺ قضى عند الاختلاف في الطريق أن يجعل عرضه سبعة أذرع) كذا قال المصنف في زيادات (الروضة)، وهذا تابع فيه ابن الصلاح، والمنقول ما ذكره الماوردي في (باب القسمة) أن المرجع فيه إلى الحاجة، والحديث محمول على عرف المدينة.
ومعنى الحديث: إذا أريد ابتداؤها.
قال: (بل يشترط ارتفاعه بحيث يمر تحته منتصبًا) أي: الماشي، واعتبر الماوردي مع هذا أن تكون على رأسه الحمولة العالية، ولابد من ذلك.
ويشترط أيضًا أن لا يؤثر في إظلام الموضع، وقيل: لا أثر لذلك، وقيل: إن منع الضوء بالكلية .. أثر، وإلا .. فلا، فاجتمع ثلاثة أوجه.
تنبيهات:
أحدها: ما ذكره مخصوص بالمسلم، أما الكافر .. فلا يخرج جناحًا في شارع المسلمين على الأصح؛ لأنه كإعلام البناء على المسلمين، نبه عليه المصنف وابن الصلاح.
قال في (المطلب): وسلوكهم طرقات المسلمين ليس عن استحقاق ملك، بل إما بطريق التبع للمسلمين، أو بما بذلوه من الجزية.
وقال في (البحر) في (كتاب الجزية): ويجري الخلاف في آبار حشوشهم إذا أرادوا حفرها في أفنية دورهم.
стр. 1982
وَإِنْ كَانَ مَمَرَّ الْفُرْسَانِ والْقَوَافِلِ .. فَلْيَرْفَعْهُ بِحَيْثُ يَمُرُّ تَحْتَهُ الْمَحْمِلُ عَلَى الْبَعِيرِ مَعَ أَخْشَابِ الْمِظَلَّةِ ....
ــ
أما إذا اشترى الذمي دارًا كانت لمسلم وبها روشن فهل يقر عليه أو يهدم؟ يشبه أن يكون كالدار العالية إذا اشتراها الذمي من المسلم، وسيأتي في (باب الجزية) إن شاء الله تعالى.
الثاني: مقتضى كلام المصنف: أنه يجوز أن يخرج الجناح فوق جناح جاره أو تحته، وكذلك في موضعه أيضًا إذا انهدم أو هدمه وإن كان على عزم إعادته، وهو كذلك.
واستشكل الرافعي وضعه موضع جناح الجار إذا لم يعرض عن ذلك، وقاسه على مقاعد الأسواق، ورده المصنف وجعله مقيسًا على الواقف في الطريق إذا فارق مكانه، والذي قاله الرافعي أولى.
الثالث: من وضع جناحًا على وجه لا يجوز .. قلعه الحاكم لا كل أحد على أشبه الوجهين في (المطلب)؛ لما فيه من توقع الفتنة.
وقال البندنيجي: لكل أحد قلعه كما لو بنى دكة على باب داره.
وقال سليم: لكل أحد مطالبته بقلعه؛ لأنه من إزالة المنكر، وينبغي حمل كلام البندنيجي عليه.
قال: (وإن كان ممر الفرسان والقوافل .. فليرفعه بحيث يمر تحته المحمل على البعير مع أخشاب المظلة)؛ لأنه قد يتفق ذلك نادرًا.
و (القوافل) جمع قافلة، وهي: الرفقة الراجعة من السفر.
و (المحمل) بفتح الميم الأولى وكسر الثانية.
و (المظلة) بكسر الميم –وحكى ابن الأعرابي فتحها-: البيت الكبير من الشعر.
стр. 1983
وَيَحْرُمُ الصُّلْحُ عَلَى إِشْرَاعِ الْجَنَاحِ، وَأَنْ يَبْنِيَ فِي الطَّرِيقِ دَكَّةً، أَوْ يغْرِسَ شَجَرَةً، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَضُّرَّ .. جَازَ ..
ــ
قال: (ويحرم الصلح على إشراع الجناح) سواء كان المصالح الإمام أو غيره؛ لأن الهواء تابع لا يفرد بالعقد كالحمل مع الأم، ولأنه إن ضر .. لم يجز أخذ العوض عنه، وإلا .. فهو مستحقه، وما يستحقه الإنسان لا يؤخذ منه عوض عنه كالمرور.
قال: (وأن يبني في الطريق دكة، أو يغرس شجرة) قال الرافعي: لأن المارة قد تزدحم فيه، ولأن مكانهما يشتبه بالأملاك عند طول المدة، والتعليل الأول منقوض بغرس الشجرة في المسجد؛ فإنه جائز مع الكراهة كما قاله في زيادات (الروضة) في آخر (شروط الصلاة).
والثاني: ينتقض بجواز فتح الباب إلى درب غير نافذ إذا سمره كما سيأتي.
و (الدكة) بفتح الدال: المسطبة، قال الشيخ: وينبغي أنها إذا كانت بفناء داره وكانت لا تضر .. لاتمنع؛ لأن الناس ما زالوا يتخذون ذلك من غير إنكار.
قال (وقيل: إن لم يضر جاز)؛ قياسًا على إشراع الجناح.
وأفهم كلامه جواز اتخاذ الطين في الطريق، وهو كذلك إن بقي مقدار المرور للناس، وإذا جوزنا نصب الدكة وغرس الشجرة فتلف بذلك شيء .. ضمنه.
وحكى الماوردي قولين فيما لو حفر بئرًا في طريق واسع بفناء داره فتلف به إنسان هل يضمنه؟ والشجرة والدكة في ذلك كالبئر.
وإذا كان الطريق واسعًا .. لم يجز لأحد أن يستولي على شيء منه بلا خلاف.
стр. 1984
وَغَيْرُ النَّافِذِ يَحْرُمُ الإِشْرَاعُ إِلَيْهِ لِغَيْرِ أَهْلِهِ،
ــ
قال الشيخ: وقد عظمت البلية في هذا الزمان فصار وكلاء بيت المال يبيعون من الطرق ما يقولون: إنه لا يضر ولا يضيق، وهذا حرام ينبغي التحرز منه؛ لأنا لا نعلم مبتدأ الطريق هل هو بوقف أو غيره، فإن كان وقفًا .. لم يجز بيع شيء منه، وإن كان بطريق الإحياء .. فيحرم؛ لثبوت حق الاستطراق فصار كالوقف.
فإن قيل: إنه ملك المسلمين فيباع منه ما فضل عن حاجاتهم .. فالجواب أن ذلك مع الشك لا يجوز الإقدام عليه، فليحذر من هذا غاية الحذر.
قال: (وغير النافذ يحرم الإشراع إليه لغير أهله) بلا خلاف سواء ضر أم لا؛ لأنه ملك لهم فأشبه الإشراع إلى الدور، وإنما جاز لغيرهم الدخول فيه بغير إذنهم؛ لأن ذلك من قبيل الإباحات المستفادة من قرائن الأحوال، وليس لأجنبي أن يجلس فيها بغير إذنهم ولو كان فيهم صبي أو مجنون، بل قال الشيخ عز الدين: في جواز الدخول نظر؛ لأن الإباحة ممتنعة منه ومن وليه.
ولو اجتمع أهلها فسدوا رأسها .. لم يمنعوا عند الجمهور.
وقال العبادي: يحتمل أن يمنعوا؛ لأن أهل الشارع يفزعون إليه إذا عرضت زحمة.
وليس لبعضهم السد قطعًا، ولو سدوا باتفاقهم .. لم يستقل بعضهم بالفتح، ولو اتفقوا على قسمة صحن السكة .. جاز، ولو أراد أهل رأس السكة قسمة رأسها بينهم .. منعوا لحق من يليهم.
وما تقرر من جواز سد رأسها وقسمة الصحن مفروض فيما إذا لم يكن في السكة مسجد أو بئر مسبلة، فإن كان .. منعوا من السد والقسمة؛ لأن المسلمين كلهم يستحقون الاستطراق إليه.
وأما الإشراع إليها عند عدم الضرورة، فإن كان برضا أهلها .. فلا شك في
стр. 1985
وَكَذَا لِبَعْضِ أَهْلِهِ فِي الأَصَحِّ إِلَّا بِرِضَا الْبَاقِينَ، وَأَهْلُهُ: مَنْ نَفَذَ بَابُ دَارِهِ إِلَيْهِ،
ــ
الجواز، وإن كان بغير رضاهم، فإن كان المسجد هناك قبل إحياء الزقاق .. جاز وصار كالشارع في جميع وجوهه من رأس الزقاق إلى باب المسجد، وإن كان المسجد وقف بعد صيرورة الزقاق واستحقاق أهله بأن وقف أحدهم مكانه مسجدًا .. فقد تردد في (المطلب) في جواز الإخراج إليه وقال: الأشبه المنع.
قال الشيخ: وعندي ينبغي القطع به؛ لأنه ليس للواقف إبطال حقوق بقية أهلها.
وإن لم يكن في السكة إلا دار واحدة فوقفها صاحبها مسجدًا .. فههنا يحتمل احتمالًا ظاهرًا أن يقال بجواز إشراع الجناح إليها؛ لأن وقف المسجد تحرير ولا حق لغيره، ويحتمل أن يقال: وهو الأشبه بالمنع؛ لأنها تابعة للمسجد.
وكما لا يجوز الإشراع في هواء المسجد لا يجوز فيما هو من حقوقه.
قال: (وكذا لبعض أهله في الأصح) كسائر الأملاك المشتركة.
والثاني: يجوز إذا لم يضر؛ لأن كل واحد منهم يجوز له الارتفاق بقراره، فيجوز بهوائه كالشارع.
قال: (إلا برضا الباقين) فيجوز؛ لأنه ملكهم.
هذا إذا رضوا مجانًا، فإن رضوا بعوض .. لم يجز ويبطل العقد؛ لأن الهواء لا يفرد بعقد، وإنما يتبع القرار كالحمل مع الأم.
ويشترط مع إذن أهل الدرب إذن المستأجر إن تضرر، وإلا .. فلا.
وفي (طبقات العبادي) نقلًا عن الاصحاب: أنه يجوز المرور في ملك الغير إذا لم يصر بذلك طريقًا للناس، فلو أراد الشركاء الرجوع بعد الإذن في الإخراج .. قال في (المطلب): يشبه أن لا يجوز؛ لأنه موضوع بحق فلا سبيل إلى قلعه.
قال: (وأهله) أي: أهل غير النافذ (من نفذ باب داره إليه)؛ لأنهم الذين يسمون سكانه.
стр. 1986
لَا مَنْ لَاصَقَهُ جِدَارُهُ، وَهَلِ الِاسْتِحْقَاقُ فِي كُلِّهَا لِكُلِّهِمْ، أَمْ تَخْتَصُّ شِرْكَةُ كُلِّ وَاحِدٍ بِمَا بَيْنَ رَاسِ الدَّرْبِ وَبَابِ دَارِهِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي. وَلَيْسَ لِغَيْرِهِمْ فَتْحُ بَابٍ إِلَيْهِ لِلِاسْتِطْرَاقِ. وَلَهُ فَتْحُهُ إِذَا سَمَّرَهُ فِي الأَصَحِّ ....
ــ
قال: (لا من لاصقة جداره)؛ لأن صاحب الباب له به انتفاع بخلاف الملاصق.
قال: (وهل الاستحقاق في كلها لكلهم، أم تختص شركة كل واحد بما بين رأس الدرب وباب داره؟ وجهان، أصحهما: الثاني)؛ لأن ذلك القدر هو محل تردده، وما عداه حكمه فيه حكم غير أهل السكة.
ووجه الأول: أنهم ربما احتاجوا إلى التردد في جميعه والارتفاق به لوضع الأثقال ونحوها، وكان ينبغي أن يقول: (في كله) كما في غيره؛ فإنه عائد على غير النافذ وهو مذكر.
وقوله: (لكلهم) كان ينبغي أن يقول: (لكل منهم).
قال: (وليس لغيرهم فتح باب إليه للاستطراق)؛ لتضررهم به، فإن أذنوا .. جاز ولهم الرجوع، فإن رجعوا بعد الفتح .. قال الإمام: لا يلزمهم بالرجوع شيء، بخلاف ما لو أعار الأرض للبناء والغراس ثم رجع .. فإنه لا يقلع مجانًا.
قال الرافعي: ولم أره لغيره، والقياس: أنه لا فرق.
قال ابن الرفعة: والفرق واضح؛ لأنه هنا بنى في ملكه وليس لأحد نقضه، بخلاف إعارة الأرض، لكن هذا يشكل بما إذا أعار أرضًا للدفن ثم رجع بعد الحفر كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
قال: (وله فتحه إذا سمره في الأصح)؛ لأن له رفع جميع الجدار فبعضه أولى، وهذا الوجه صححه الكرخي والعمراني.
والثاني: لا؛ لأنه قد يطول الزمان فيستطرقه، وصححه الجرجاني والشاشي وابن أبي عصرون. قال المصنف: وهو أفقه.
стр. 1987
وَمَنْ لَهُ فِيهَا بَابٌ فَفَتَحَ آخَرَ أَبْعَدَ مِنْ رَاسِ الدَّرْبِ .. فَلِشُرَكَائِهِ مَنْعُهُ. وَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى رَاسِهِ وَلَمْ يَسُدَّ الْبَابَ الْقَدِيمَ .. فَكَذَلِكَ، وَإِنْ سَدَّهُ .. فَلَا مَنْعَ. وَمَنْ لَهُ دَارَانِ تُفْتَحَانِ
ــ
وجزم الماوردي والبندنيجي بالجواز إذا ركب عليه شباكًا، وخصا الخلاف بما إذا قال: افتحه واسمره، والخلاف جار في الفتح للاستضاءة أيضًا دون الاستطراق، وحيث منعنا فتح الباب المذكور ففتح .. قال في (المطلب): يظهر أن يؤمر بإزالة هيئة الباب.
قال: (ومن له فيها باب ففتح آخر أبعد من رأس الدرب .. فلشركائه منعه) أي: لكل من الشركاء منعه؛ لتضررهم بذلك، سواء سد الاول أو أبقاه؛ لأن الحق لغيره.
والمراد: من بابه أبعد من الباب الأول الذي للفاتح، ولا يثبت لمن بابه أقرب إلى باب الدرب في الأصح؛ بناء على كيفية الشركة، ولو كان باب شريكه مقابلًا لبابه .. فهو كمن هو أقرب إلى رأس السكة.
قال: (وإن كان أقرب إلى رأسه ولم يسد الباب القديم .. فكذلك)؛ لأن انضمام الثاني إلى الأول يورث زيادة زحمة الناس ووقوف الدواب في السكة فيتضررون به، وتحويل الميزاب من موضع إلى موضع كفتح باب وسد باب.
قال: (وإن سده .. فلا منع)؛ لأنه ترك بعض حقه، وقيل: يمتنع، حكاه صاحب (التعجيز) في شرحه له.
ولو كان بابه في آخر الدرب، فأراد أن يقدمه ويجعل الباقي دهليزًا .. انبنى ذلك على كيفية الشركة كما قاله في زوائد (الروضة)، ومقتضاه: تصحيح الجواز، وهو مقتضى إطلاق الكتاب.
قال: (ومن له داران تفتحان) هو بالتاء من فوق.
стр. 1988
إِلَى دَرْبَيْنِ مَسْدُودَيْنِ، أَوْ مَسْدُودٍ وَشَارِعٍ، فَفَتَحَ بَابًا بَيْنَهُمَا .. لَمْ يُمْنَعْ فِي الأَصَحِّ. وَحَيْثُ مُنِعَ فَتْحَ الْبَابِ فَصَالَحَ أَهْلَ الدَّرْبِ بِمَالٍ .. صَحَّ. وَيَجُوزُ فَتْحُ الْكَوَّاتِ
ــ
قال: (إلى دربين مسدودين أو مسدود وشارع ففتح بابًا بينهما) أي: للاستطراق (.. لم يمنع في الأصح)؛ لأن المرور مستحق له، ورفع الحائل بين الدارين تصرف في ملكه فلا يمنع منه، وهذا تبع فيه الرافعي والبغوي فقط.
والثاني واختاره الجمهور: يمنع؛ لأنه يثبت لكل من الدارين استطراقًا إلى الدرب الآخر.
وموضع الوجهين إذا قصد الاستطراق، فإن قصد اتساع ملكه .. فلا منع قطعًا، ولو عبر بـ (المملوك) بدل (المسدود) .. كان أولى؛ لأنه لا يلزم من السد الملك، بدليل ما لو كان في أقصاه مسجد أو نحوه.
قال: (وحيث منع فتح الباب فصالح أهل الدرب بمال .. صح)؛ لأنه انتفاع بالأرض، بخلاف إشراع الجناح كما تقدم، فإن قدروا مدة .. كان إجارة، وإن أطلقوا أو شرطوا التأبيد .. كان بيعًا لجزء شائع من الدرب، ويجعل الفاتح كأحدهم، كما لو صالح رجلًا على مال ليجري في أرضه نهرًا .. كان ذلك تمليكًا للنهر.
ولو صالحه بمال على فتح باب من داره إلى داره .. صح، ويكون كالصلح على إجراء الماء على سطحه، ولا يملك شيئًا من الدار والسطح، لان السكة لا تراد إلا للاستطراق، فإثبات الاستطراق فيها يكون نقلًا للملك، وأما الدار والسطح .. فلا يقصد بهما الاستطراق وإجراء الماء.
وقوله: (فصالح أهل الدرب) أشار به إلى أنهم الذين يستحقون المنع أما أهل الشارع .. فليس لهم منع، ولا تصح منهم المصالحة.
قال: (ويجوز فتح الكوات) أي: في غير الدرب النافذ؛ لأنه تصرف في ملك نفسه.
стр. 1989
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و (الكوة) بفتح الكاف: الطاقة، وفي لغة غريبة ضمها، والواو مشددة فيهما، وجمعها المصنف جمع تصحيح، وفي كافة اللغتان، ويجمع تكسيرًا على كوىً بضم الكاف وكسرها، وغالب ما تفتح للاستضاءة.
وله نصب شباك عليها بحيث لا يخرج منه شيء، فإن خرج هو أو غطاؤه .. كان كالجناح، قال الشيخ: فلينتبه لهذا، فإن العادة أن يعمل في الطاقات أبواب تخرج فتمنع من هواء الدرب.
هذا كله في حق من ليس له الفتح فيه اللاستطراق، فإن كان له ذلك .. فلا منع من أبواب الطاقات.
وقيد صاحب (الشافعي) جواز فتح الكوى بما إذا كانت عالية لا يمكن النظر منها إلى دار جاره.
تتمة:
قال المتولي وسليم: لو كان لداره باب إلى الشارع وباب إلى درب غير نافذ فأراد أن يدخل غيره من الباب الذي بالشارع ويخرجه من الباب الآخر الذي بالدرب .. لم يجز، والظاهر: أنه شيء انفرادا به.
وإذا كان بين داريه طريق نافذ فحفر تحته سردابًا من إحداهما إلى الأخرى .. جاز باتفاق الأصحاب؛ لأن القرار كالهواء فهو كالساباط الذي لا يضر، ولو لم يكن الطريق نافذًا .. لم يجز.
وقول الروياني: إنه يجوز ضعيف، ونقله عن الأصحاب شاذ لعله اعتمد فيه على قول بعضهم.
ولو أذن صاحب الدرب لإنسان في حفر سرداب تحت داره ثم باعها .. فللمشتري أن يرجع كما كان للبائع، قاله العبادي.
стр. 1990
وَالْجِدَارُ بَيْنَ الْمَالِكَيْنِ قَدْ يَخْتَصُّ بِهِ أَحَدُهُمَا، وَقَدْ يَشْتَرِكَانِ فِيهِ: فَالْمُخْتَصُّ: لَيْسَ لِلآخَرِ وَضْعُ الجُذُوعِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ في الْجَدِيدِ، وَلَا يُجْبَرُ الْمَالِكُ،
ــ
قال: (والجدار بن المالكين قد يختص به أحدهما، وقد يشتركان فيه:
فالمختص: ليس للآخر وضع الجذوع عليه بغير إذن في الجديد) ونقله البغوي في (شرح السنة) عن أكثر العلماء.
قال: (ولا يجبر المالك)؛ لقوله ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام) وتقدم في أول الفصل أنه صحيح.
ولقوله ﷺ : (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه منه) رواه الدارقطني [٣/ ٢٦] والحاكم [١/ ٩٣] بإسناد صحيح.
ولأنه انتفاع بملك الغير، فأشبه البناء في أرضه، والحمل على بهيمته.
والقديم وراوه البويطي عن الشافعي ﵁ في الجديد وبه قال مالك وأحمد: يجوز ذلك، ويجبر المالك عليه؛ لقوله ﷺ : (لا يمنع جار جاره أن يضع خشبة في جداره) ثم يقول أبو هريرة: (ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم) متفق عليه [خ٢٤٦٣ - م١٦٠٩].
وقوله: (خشبة) يروى بالإفراد والجمع، قال الحافظ عبد الغني: الناس كلهم يروونه بالجمع إلا الطحاوي.
وقوله: (عنها) و (بها) المراد به السنة.
و (أكتافكم) بالمثناة من فوق، أي: بينكم، ونقل القاضي عياض عن بعضهم: أنه رواه بالنون ومعناه أيضًا بينكم.
وفي (تعليقة القاضي حسين): أن أبا هريرة ﵁ قال ذلك حين كان متوليًا مكة والمدينة.
وقال البيهقي في (إحياء الموات): لم نجد في سنن رسول الله ﷺ ما يعارض هذا الحديث، ولا تصح معارضته بالعمومات، وقد نص الشافعي ﵁ في القديم والجديد على القول به، فلا عذر لأحد في مخالفته.
стр. 1991
فَلَوْ رَضِيَ بِلَا عِوَضٍ .. فَهُوَ إِعَارَةٌ لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْبِنَاءِ عَلَيْهِ، وَكَذَا بَعْدَهُ فِي الأَصَحِّ
ــ
وأجاب الأصحاب بأن الضمير في (جدار) لصاحب الخشب، أي: لا يمنعه الجار أن يضع خشبه في جدار نفسه وإن تضرر به من جهة منع الضوء والهواء.
ويشترط للإجبار –على القديم-:
أن لا يكون على المالك ضرر فيه بأن كانت الأخشاب ثقيلة لا يحتملها الجدار، أو أراد هو أن يبني عليها لم يكن له وضعها.
وأن لا يزيد الجار في ارتفاع الجدار، ولا يبني عليه أزجًا، ولا يضع عليه ما يضر الجدار.
وأن لا يكون له جدار أصلًا، أو لا يكون له إلا جدار واحد، فلو كان له جداران أمكن التسقيف عليهما .. فلا حاجة إلى جدار غيره، هذا هو المشهور عن القديم.
وعكس الإمام فقال: إن كانت الجدر كلها لغيره .. فلا يضع عليها، وإن كانت الثلاثة له والرابع لجاره .. فله الوضع عليه.
ولا فرق بين أن يحتاج في وضع الجذوع إلى نقب الجدار أو لا؛ لأن رأس الجذع يسد الفتح ويقوي الجدار، بخلاف فتح الكوة ونحوها؛ فإنه لا يجوز.
والفرق بين وضع الخشب على القديم وبين وضع رأس الرف ونحوه فإنه لا يجوز؛ لان المنع من وضع الجذوع قد يؤدي إلى تعذر الانتفاع بملكه بسبب امتناع التسقيف، بخلاف هذه الأمور.
ولو أراد أن يبني ساباطًا على شارع أو درب غير نافذ ويضعه على جدار جاره المقابل .. لم يجز قولًا واحدًا.
قال: (فلو رضي بلا عوض .. فهو إعارة) وهذا وما بعده تفريع على عدم الإجبار، وإنما كان هذا إعارة؛ لأن حدها منطبق عليه، ويستفيد بها المستعير الوضع مرة واحدة، حتى لو رفع جذوعه أو سقطت بنفسها، أو سقط الجدار فبناه صاحبه بتلك الآلة .. لم يكن له الوضع ثانيًا على الأصح.
قال: (له الرجوع قبل البناء عليه، وكذا بعده في الأصح) قياسًا على سائر العواري.
стр. 1992
وَفَائِدَةُ الرُّجُوعِ: تَخْيِيرُهُ بَيْنَ أَنْ يُبْقِيَهُ بِأُجْرَةٍ أَوْ يَقْلَعَ وَيَغْرَمَ أَرْشَ نَقْصِهِ، وَقِيلَ: فَائِدَتُهُ: طَلَبُ الأُجْرَةِ فَقَطْ. وَلَوْ رَضِيَ بِوَضْعِ الْجُذُوعِ وَالْبِنَاءِ عَلَيْهَا بِعِوَضٍ: فَإِنْ أَجَّرَ رَاسَ الْجِدَارِ لِلْبِنَاءِ .. فَهُوَ إِجَارَةٌ،
ــ
والثاني: لا يرجع بعده؛ لأن مثل هذه الإعارة المقصودة بها التأبيد، كما إذا أعار لدفن ميت، وهذا عليه أكثر العراقيين، وإذا قلنا لا رجوع .. فلا أجرة، لكن إذا رفع الجذوع صاحبها أو سقطت بنفسها فهل له إعادتها بمقتضى الإذن الأول؟ وجهان: أصحهما: لا؛ لأن الإذن إنما يتناول مرة، فلابد من إذن جديد.
تنبيه:
محل المنع من إعادة الجذوع إذا وضعت بإذن، فلو ملكا علوًا وجذوعًا موضوعة عليه، ولم يعلم كيف وضعت: فإذا سقط الجدار .. فليس له المنع من إعادة الجذوع بلا خلاف، ولو أراد صاحب الجدار نقضه، فإن كان مستهدمًا .. جاز، وحكم إعادة الجذوع ما سبق، وإن لم يكن مستهدمًا .. فلا.
قال: (وفائدة الرجوع: تخييره بين أن يبقيه بأجرة أو يقلع ويغرم أرش نقصه) كما إذا أعار أرضًا للبناء والغراس.
قال: (وقيل: فائدته: طلب الأجرة فقط)؛ لأن ضرر القلع يتعدى إلى خالص ملك المستعير، لأن الجذوع إذا قلعت أطرافها لم تستمسك على الجدار الباقي، وسيأتي في (العارية) ما في ذلك من التناقض إن شاء الله تعالى.
قال: (ولو رضي بوضع الجذوع والبناء عليها بعوض: فإن أجر رأس الجدار للبناء .. فهو إجارة) ويجوز ذلك بلا خلاف كسائر الأعيان التي تؤجر للمنافع، ويصح بلفظ الإجارة والصلح، وكذا بلفظ بيع المنفعة إذا صححنا الإجارة.
ويشترط فيها شروطها، لكن لا يشترط فيها بيان المدة في الأصح؛ لأن الحاجة تدعو إلى دوامه وهذا أيضًا مفرع على عدم الإجبار، أما على الإجبار .. فلا يجوز أخذ العوض عليه.
стр. 1993
وَإِنْ قَالَ: بِعْتُهُ لِلْبِنَاءِ عَلَيْهِ، أَوْ بِعْتُ حَقَّ الْبِنَاءِ عَلَيْهِ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّ هَذَا الْعَقْدَ فِيهِ شَوْبُ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ، فَإِذَا بَنَى .. فَلَيْسَ لِمَالِكِ الْجِدَارِ نَقْضُهُ بِحَالٍ. وَلَوِ انْهَدَمَ الْجِدَارُ فَأَعَادَهُ مَالِكُهُ .. فَلِلْمُشْتَرِي إِعَادَةُ الْبِنَاءِ
ــ
قال: (وإن قال: بعته) أي: رأس الجدار (للبناء عليه، أو بعت حق البناء عليه .. فالأصح: أن هذا العقد فيه شوب بيع وإجارة) أما شوب البيع .. فللتأبيد، وأما شوب الإجارة .. فلأن المستحق به منفعة، وجوز الشافعي ﵁ ذلك في حقوق الأملاك كحق المرور ومجرى الماء ومسيله؛ لمسيس الحاجة في ذلك إلى إثبات الارتفاق على التأبيد، ولو كان إجارة محضة .. لاشترط تأقيتها، ولو كان بيعًا محضًا .. لكان رأس الجدار لصاحب الجذوع.
والثاني: أنه إجارة، واغتفر فيها التأبيد؛ للحاجة كخراج السواد.
والثالث: أنه بيع يملك المشتري به رأس الجدار، واستشكله الرافعي.
ولو باعه وشرط أن لا يبني عليه .. جاز وانتفع به فيما عدا البناء، وإن باع ولم يتعرض للبناء .. فكذلك في أصح الوجهين، وقيل: يبني.
و (الشوب): الخلط، وعبر في (المحرر) وغيره بـ (شائبة) هنا وفي (الخلع) وغيرهما وهو غير مستقيم؛ فإن الشائبة مؤنث شائب، وقد نبه في (الدقائق) على ذلك إلا أنه قال: التعبير بشائبة تصحيف، وصوابه: تحريف.
قال: (فإذا بنى .. فليس لمالك الجدار نقضه بحال) أي: نقض بناء المشتري؛ لأنه استحق دوامه بعقد لازم، وليس للمالك أيضًا منعه من البناء، ولا هدم جدار نفسه، لكن طريق مالك الجدار أن يشتري منه حق البناء بثمن معلوم، فإن ذلك جائز كما صرح به المحاملي، وحينئذ يتمكن من الخصال التي يتخير المعير بينها؛ لزوال استحقاق صاحب الجذوع، ولا يتمكن من القلع مجانًا.
قال: (ولو انهدم الجدار فأعاده مالكه .. فللمشتري إعادة البناء)؛ لأنه حق ثبت له.
стр. 1994
وَسَوَاءٌ كَانَ الإِذْنُ بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِهِ يُشْتَرَطُ بَيَانُ قَدْرِ الْمَوْضِعِ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ طُولًا وَعَرْضًا، وَسَمْكِ الْجُدْرَانِ، وَكَيْفِيَّتِهَا، وَكَيْفِيَّةِ السَّقْفِ الْمَحْمُولِ عَلَيْهَا
ــ
هذا إذا بناه بتلك الآلة .. وبمثلها، فإن بناه بغير تلك الآلة .. ففي (الشرح) و (الروضة) لا خلاف أنه لا يعيد إلا بإذن جديد؛ لأنه جدار آخر، واعترضا بأن الخلاف مذكور في (البحر) في (باب العارية).
قال في (المطلب): ولعل قائله يقول: الأس أصل، فما دام .. فالاعتبار به، فلو حذف المصنف لفظة (الإعادة) وقال: فللمشتري البناء .. لشمل هذه، وأما مالك الجدار .. فلا يجبر على إعادته في الجديد.
ولو أراد صاحب الجذوع إعادة الجدار من ماله ليتمكن من وضع الجذوع عليه .. لم يكن لصاحب الجدار منعه؛ لأنه ثبت له حق لازم في الجدار وما تحته.
وعبر المصنف بـ (الانهدام)؛ ليحترز عما لو هدمه صاحب السفل أو غيره، فإن هدم قبل بناء المشتري .. فعلى الهادم قيمة حق البناء؛ لأنه حال بين المشتري وبين حقه بالهدم، فإذا أعاد البائع حائطه .. استرد الهادم القيمة؛ لأن الحيلولة قد ارتفعت وإن كان الهدم بعد بنائه.
والقياس أن يقال: إن قلنا: إن من هدم جدار الغير يلزمه إعادته .. فعليه إعادة السفل والعلو، وإن قلنا: يلزمه أرش النقص فعليه .. أرش نقص الآلات وقيمة حق البناء؛ للحيلولة، كذا قاله الرافعي.
قال: (وسواء كان الإذن بعوض أو بغيره يشترط بيان قدر الموضع المبني عليه طولًا وعرضًا، وسمك الجدران، وكيفيتها، وكيفية السقف المحمول عليها)؛ لأن الأغراض تختلف بذلك، والغرر مجتنب في البيع والإجارة والعارية التي لا ينفصل الحال فيها بمجرد الرجوع، وقيل: يكفي إطلاق البناء، ويحمل على ما يحتمله المبني عليه، والصحيح: أنه لا يشترط التعرض لوزن ما يبنيه؛ لأن تعريف كل شيء بحسبه، وإذا كانت الآلات مشاهدة .. أغنت مشاهدتها.
стр. 1995
وَلَوْ أَذِنَ فِي الْبِنَاءِ عَلَى أَرْضِهِ .. كَفَى بَيَانُ قَدْرِ مَحَلِّ الْبِنَاءِ. وَأَمَّا الْجِدَارُ الْمُشْتَرَكُ: فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا وَضْعُ جُذُوعِهِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ فِي الْجَدِيدِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتِدَ فِيهِ وَتِدًا أَوْ يَفْتَحَ كَوَّةً بِلَا إِذْنٍ،
ــ
و (السمك) بفتح السين: الارتفاع إذا أخذت من أسفل صاعدًا، فإن عكست .. سمي عمقًا بضم العين المهملة.
والمراد بكيفية الجدران: أهي مجوفة أم لا؟ بالحجر أم بالطوب؟ وكيفية السقف: أهو عقد أم غيره؟ بالقصب أم بالجريد أم بخشب؟
قال: (ولو أذن في البناء على أرضه .. كفى بيان قدر محل البناء)؛ لأن الأرض تحتمل كل شيء فلا يختلف الغرض إلا بقدر محل البناء.
وقيل: يجب بيان السمك والكيفية أيضًا؛ لأنه قد تطول بسببه مدة التفريغ عند انتهاء المدة، وهذا التعليل يقتضي: أنه لا يأتي إذا باع حق البناء عليها؛ لأنه لا رجوع له.
نعم؛ ينبغي اشتراط قدر ما يحفر؛ لأن الغرض به يختلف.
قال: (وأما الجدار المشترك: فليس لأحدهما وضع جذوعه عليه بغير إذن في الجديد) هما القولان السابقان في جدار الأجنبي.
قال: (وليس له أن يتد فيه وتدًا أو يفتح كوة بلا إذن) هذا لا خلاف فيه قياسًا على منع الانتفاع بسائر الأملاك المشتركة بغير إذن، وكذا يمتنع أن يترب الكتاب من ترابه إلا بإذن، أما بالإذن .. فيجوز، لكن يشترط عدم العوض؛ لئلا يكون صلحًا على الضوء والهواء المجرد.
و (الوتد) بكسر التاء على المشهور: واحد الأوتاد، وبالفتح لغة.
стр. 1996
وَلَهُ أَنْ يَسْتَنِدَ إِلَيْهِ وَيَسْنِدَ مَتَاعًا لَا يَضُرُّ، وَلَهُ ذَلِكَ فِي جِدَارِ الأَجْنَبِيِّ. وَلَيْسَ لَهُ إِجْبَارُ شَرِيكِهِ عَلَى الْعِمَارَةِ فِي الْجَدِيدِ
ــ
فرع:
إذا فتح بابًا بالإذن .. فليس له السد أيضًا إلا بالإذن؛ لأنه تصرف في ملك الغير.
قال: (وله أن يستند إليه ويسند متاعًا لا يضر)؛ لقوله ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام).
قال: (وله ذلك في جدار الأجنبي) أيضًا؛ لفعل السلف والخلف، كما له أن يستضيء بسراجه ويستظل بظل جداره.
فرع:
لو منع أحدهما الآخر من الاستناد .. فالأصح في زوائد (الروضة): أنه لا يمتنع؛ لأنه عناد محض كما لو قال: لا تنظر إلى حسن داري ونضارة أشجاري ورونق ثيابي، وادعى الإمام فخر الدين في (المحصول) الإجماع عليه، وقيده غيره بما إذا لم يحصل ثقله عليه.
قال المتولي: ولو أراد أن يملأ البيت بشيء يظهر ثقله على الحائط بحيث يخشى أن يدفعه .. لم يجز.
قال: (وليس له إجبار شريكه على العمارة في الجديد) كما لا يجبر على زراعة الأرض المشتركة؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر، لكنه يجبر في الأرض على إجارتها على الصحيح، وبه يندفع الضرر.
والقديم: يجبر على العمارة؛ صيانة للأملاك المشتركة عن التعطيل، وصححه في (الشامل) و (الذخائر) و (المرشد)، وأفتى به الشاشي وابن الصلاح، وكذلك الغزالي إن ظهر للقاضي أنه معاند.
стр. 1997
فَلَوْ أَرَادَ إِعَادَةَ مُنْهَدِمٍ بِآلَةٍ لِنَفْسِهِ .. لَمْ يُمْنَعْ، وَيَكُونُ الْمُعَادُ مِلْكَهُ، يَضَعُ عَلَيْهِ مَا شَاءَ وَيَنْقُضُهُ إِذَا شَاءَ. وَلَوْ قَالَ الآخَرُ: لَا تَنْقُضْهُ وَأَغْرَمُ لَكَ حِصَّتِي .. لَمْ تَلْزَمْهُ إِجَابَتُهُ. وَإِنْ أَرَادَ إِعَادَتَهُ بِنقْضِهِ الْمُشْتَرَكِ .. فَلِلآخَرِ مَنْعُهُ ....
ــ
وأطلق الرافعي القولين، وقيدهما الإمام والغزالي بعمارة يختل الملك بتركها، فلا إجبار في الزيادة على ذلك قولًا واحدًا، وقيدهما ابن داوود بما إذا لم تمكن القسمة، فإن أمكنت .. فلا إجبار قطعًا.
قال الرافعي: والقولان يجريان في تنقية البئر والقناة والنهر، وفي السترة بين السطحين إذا تشعثت واحتاجت إلى الإصلاح، وفيما لو كان علو الدار لواحد وسفلها لآخر فانهدمت وطلب صاحب العلو من صاحب السفل أن يعيد سفله ليبني عليه.
قال: (فلو أراد) أي: الشريك (إعادة منهدم بآلة لنفسه .. لم يمنع)؛ لأن له غرضًا في الوصول إلى حقه، كما لو سقطت جذوعه الموضوعة على الجدار المشترك .. ينفرد بإعادتها.
قال: (ويكون المعاد ملكه؛ يضع عليه ما شاء وينقضه إذا شاء)؛ لأنه بآلته، لكن إذا كان للممتنع عليه حمل فهو على حاله.
واستبعد الشيخ وغيره جواز إعادة المنهدم وقال: إنه بعيد عن القواعد؛ لأن العرصة مشتركة، ولا حق لأحدهما على الآخر في الاستبداد بها، لاسيما وهو يمكنه المقاسمة فإن الأصح: جواز القسمة في ذلك بالتراضي عرضًا في كمال الطول وبها يندفع الضرر.
قال: (ولو قال الآخر: لا تنقضه وأغرم لك حصتي .. لم تلزمه إجابته)؛ لأنه ملكه وهذا تفريع على الجديد، أما على القديم وهو لزوم العمارة .. فعليه إجابته.
قال: (وإن أراد إعادته بنقضه المشترك .. فللآخر منعه)؛ لأنه تصرف في ملك غيره بغير إذنه فمنع كسائر الأعيان المشتركة، وفي وجه ليس له منعه.
قال في (الوسيط): واتفق عليه الأصحاب.
وقال في (المطلب): إنه الأشبه، وبه جزم في (التنبيه).
стр. 1998
وَلَوْ تَعَاوَنَا عَلَى إِعَادَتِهِ بِنُقْضِهِ .. عَادَ مُشْتَرَكًا كَمَا كَانَ. وَلَوِ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا وَشَرَطَ لَهُ الآخَرُ زِيَادَةً .. جَازَ وَكَانَتْ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِهِ فِي نَصِيبِ الآخَرِ
ــ
وقال الإمام: مفهوم كلامهم: جواز الإقدام عليه عند عدم المنع، وهذا الوجه ذكره الرافعي وحذفه من (الروضة)، واختار الشيخ: أن صاحب الأسفل ليس له منع صاحب العلو، ولصاحب العلو منع صاحب السفل.
و (النقض): البناء المنقوض، وهو بضم النون عند ابن سيده والأزهري، وعند الجوهري وابن فارس بكسرها، وجمعه أنقاض، قال سيبويه: ولم يكسر على غير ذلك.
قال: (ولو تعاونا على إعادته بنقضه .. عاد مشتركًا كما كان) سواء تعاونا بعمل يد أو أجرة، فلو شرط التفاوت في الملك .. فسد الشرط في الأصح.
قال: (ولو أنفرد أحدهما وشرط له الآخر زيادة .. جاز وكانت في مقابلة عمله في نصيب الآخر) وللمسألة صورتان:
إحداهما –وهي أقرب إلى لفظ المصنف-: أن يعاد بنقضها وهو الظاهر، فيشترط أن تجعل له الزيادة من النقض في الحال، فإن شرط له بعد البناء .. لم يصح؛ لأن الأعيان لا تؤجل.
الثانية: أن تصور بالإعادة بآلة أحدهما، فهي مخرجة على قولي الجمع بين بيع وإجارة؛ لأنه قابل آلته وعمله ببعض العرصة.
فرع:
إذا هدم أحد الشريكين الجدار المشترك من غير إذن صاحبه لاستهدام وغيره، أو الجدار الخالص لغيره .. فالنص إجبار الهادم على إعادته؛ لحديث جريج الثابت في (الصحيحين) [خ٢٤٨٢ - م٢٥٥٠] فإنه قال: (أعيدوها كما كانت).
стр. 1999
وَيَجُوزُ أَنْ يُصَالِحَ عَلَى إِجْرَاءِ الْمَاءِ وَإِلْقَاءِ الثَّلْجِ فِي مِلْكِهِ عَلَى مَالٍ
ــ
وقيل: فيه القولان في الإجبار على العمارة، والقياس: غرامة النقصان؛ لأن الجدار ليس بمثلي.
والصواب: أن المراد الإجبار على أن يبني مع شريكه، وأما وجوب إعادتها على الهادم .. فلا يمكن بل تجب قيمته عليه؛ لأنا لو أجبرناه على إعادته مستهدمًا .. فهو غير منضبط، أو غير مستهدم .. كان زائدًا على ما هدمه، وذلك حيف.
وأما الجدار المختص بالغير .. فلا يضمنه إلا بالأرش بلا نزاع سواء كان الهادم عاصيًا أم لا.
قال: (ويجوز أن يصالح على إجراء الماء وإلقاء الثلج في ملكه على مال) كحق البناء، فإن قدر المدة .. فإجارة، وإلا .. فعلى الأوجه الثلاثة المتقدمة في بيع حق البناء.
وعن القديم: أن الجار إذا احتاج إلى ذلك .. وجب ولا يجوز الاعتياض عنه.
وقوله: (في ملكه) يشمل السطح والأرض، وهو كذلك بالنسبة إلى الماء، أما إلقاء الثلج .. فلا تجوز المصالحة عليه على السطح.
والمراد من إجراء الماء: ماء المطر ونحوه، أما الغسالة .. فلا تجوز المصالحة على إجرائها؛ لأنها مجهولة لا تدعو الحاجة إليها، وفي وجه تصح؛ للحاجة إلى ذلك.
وإن كان على الماء المتحصل في السطح من الأمطار .. فشرط صحة الصلح عليه أن يعرفا قدر السطح الذي يجري منه الماء.
وإن كان على الماء المجلوب في نهر أو عين .. فيصح أيضًا بشرط بيان موضع
стр. 2000
وَلَوْ تَنَازَعَا جِدَارًا بَيْنَ مِلْكَيْهِمَا: فَإِنِ اتَّصَلَ بِبِنَاءِ أَحَدِهِمَا بِحَيْثُ يُعْلَمُ أَنَّهُمَا بَنَيَا مَعًا .. فَلَهُ الْيَدُ، ....
ــ
الإجراء وطوله وعرضه وعمقه وتقدير المدة.
قال في (الشامل): ولابد أن يكون الموضع محفورًا أيضًا.
فروع:
تجوز المصالحة على قضاء الحاجة في حش غيره بمال، وعلى جمع الزبل والقمامة في ملكه، وهي إجارة تراعى فيها شرائطها، وكذا المصالحة على البيتوتة على سطح داره.
ولو حصلت أغصان شجرته في هواء ملك غيره .. لزمه إزالة الأغصان إلا أن يرضى صاحب الملك بتركها، فإن طالبه بذلك فلم يفعل .. فله تحويل الأغصان عن ملكه باللّي ونحوه، فإن لم يمكن .. فله قطعها، ولا يحتاج فيه إلى إذن القاضي على الصحيح.
وإن صالحه على إبقائها بعوض، فإن لم يستند الغصن إلى شيء .. لم يصح، وإن استند، فإن كان بعد الجفاف .. جاز، وإن كان رطبًا .. لم يجز؛ لأنه يزيد، وانتشار العروق كانتشار الأغصان، وكذلك ميل الجدار.
قال: (ولو تنازعا جدارًا بين ملكيهما: فإن اتصل ببناء أحدهما بحيث يعلم أنهما بنيا معًا .. فله اليد)؛ لأن اتصاله به أمارة ظاهرة على يده وتصرفه، ونقل الإمام الاتفاق عليه، ويعرف ذلك بأن يدخل أنصاف لبنات الجدار المتنازع فيه في جداره الخاص، ونصف لبنات جداره الخاص في لبنات المتنازع فيه، ويظهر ذلك في الزوايا.
ومن صور الاتصال: أن يكون لأحدهما عليه أزج لا يمكن إحداثه بعد بناء الجدار بتمامه، فعلى هذا: يحلف ويحكم له به إلا أن تقوم بينة بخلافه.
следующие страницы →