Полный текст (5 377 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
وَلَهُ أَنْ يَسْتَنِدَ إِلَيْهِ وَيَسْنِدَ مَتَاعًا لَا يَضُرُّ، وَلَهُ ذَلِكَ فِي جِدَارِ الأَجْنَبِيِّ. وَلَيْسَ لَهُ إِجْبَارُ شَرِيكِهِ عَلَى الْعِمَارَةِ فِي الْجَدِيدِ
ــ
فرع:
إذا فتح بابًا بالإذن .. فليس له السد أيضًا إلا بالإذن؛ لأنه تصرف في ملك الغير.
قال: (وله أن يستند إليه ويسند متاعًا لا يضر)؛ لقوله ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام).
قال: (وله ذلك في جدار الأجنبي) أيضًا؛ لفعل السلف والخلف، كما له أن يستضيء بسراجه ويستظل بظل جداره.
فرع:
لو منع أحدهما الآخر من الاستناد .. فالأصح في زوائد (الروضة): أنه لا يمتنع؛ لأنه عناد محض كما لو قال: لا تنظر إلى حسن داري ونضارة أشجاري ورونق ثيابي، وادعى الإمام فخر الدين في (المحصول) الإجماع عليه، وقيده غيره بما إذا لم يحصل ثقله عليه.
قال المتولي: ولو أراد أن يملأ البيت بشيء يظهر ثقله على الحائط بحيث يخشى أن يدفعه .. لم يجز.
قال: (وليس له إجبار شريكه على العمارة في الجديد) كما لا يجبر على زراعة الأرض المشتركة؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر، لكنه يجبر في الأرض على إجارتها على الصحيح، وبه يندفع الضرر.
والقديم: يجبر على العمارة؛ صيانة للأملاك المشتركة عن التعطيل، وصححه في (الشامل) و (الذخائر) و (المرشد)، وأفتى به الشاشي وابن الصلاح، وكذلك الغزالي إن ظهر للقاضي أنه معاند.
стр. 1997
فَلَوْ أَرَادَ إِعَادَةَ مُنْهَدِمٍ بِآلَةٍ لِنَفْسِهِ .. لَمْ يُمْنَعْ، وَيَكُونُ الْمُعَادُ مِلْكَهُ، يَضَعُ عَلَيْهِ مَا شَاءَ وَيَنْقُضُهُ إِذَا شَاءَ. وَلَوْ قَالَ الآخَرُ: لَا تَنْقُضْهُ وَأَغْرَمُ لَكَ حِصَّتِي .. لَمْ تَلْزَمْهُ إِجَابَتُهُ. وَإِنْ أَرَادَ إِعَادَتَهُ بِنقْضِهِ الْمُشْتَرَكِ .. فَلِلآخَرِ مَنْعُهُ ....
ــ
وأطلق الرافعي القولين، وقيدهما الإمام والغزالي بعمارة يختل الملك بتركها، فلا إجبار في الزيادة على ذلك قولًا واحدًا، وقيدهما ابن داوود بما إذا لم تمكن القسمة، فإن أمكنت .. فلا إجبار قطعًا.
قال الرافعي: والقولان يجريان في تنقية البئر والقناة والنهر، وفي السترة بين السطحين إذا تشعثت واحتاجت إلى الإصلاح، وفيما لو كان علو الدار لواحد وسفلها لآخر فانهدمت وطلب صاحب العلو من صاحب السفل أن يعيد سفله ليبني عليه.
قال: (فلو أراد) أي: الشريك (إعادة منهدم بآلة لنفسه .. لم يمنع)؛ لأن له غرضًا في الوصول إلى حقه، كما لو سقطت جذوعه الموضوعة على الجدار المشترك .. ينفرد بإعادتها.
قال: (ويكون المعاد ملكه؛ يضع عليه ما شاء وينقضه إذا شاء)؛ لأنه بآلته، لكن إذا كان للممتنع عليه حمل فهو على حاله.
واستبعد الشيخ وغيره جواز إعادة المنهدم وقال: إنه بعيد عن القواعد؛ لأن العرصة مشتركة، ولا حق لأحدهما على الآخر في الاستبداد بها، لاسيما وهو يمكنه المقاسمة فإن الأصح: جواز القسمة في ذلك بالتراضي عرضًا في كمال الطول وبها يندفع الضرر.
قال: (ولو قال الآخر: لا تنقضه وأغرم لك حصتي .. لم تلزمه إجابته)؛ لأنه ملكه وهذا تفريع على الجديد، أما على القديم وهو لزوم العمارة .. فعليه إجابته.
قال: (وإن أراد إعادته بنقضه المشترك .. فللآخر منعه)؛ لأنه تصرف في ملك غيره بغير إذنه فمنع كسائر الأعيان المشتركة، وفي وجه ليس له منعه.
قال في (الوسيط): واتفق عليه الأصحاب.
وقال في (المطلب): إنه الأشبه، وبه جزم في (التنبيه).
стр. 1998
وَلَوْ تَعَاوَنَا عَلَى إِعَادَتِهِ بِنُقْضِهِ .. عَادَ مُشْتَرَكًا كَمَا كَانَ. وَلَوِ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا وَشَرَطَ لَهُ الآخَرُ زِيَادَةً .. جَازَ وَكَانَتْ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِهِ فِي نَصِيبِ الآخَرِ
ــ
وقال الإمام: مفهوم كلامهم: جواز الإقدام عليه عند عدم المنع، وهذا الوجه ذكره الرافعي وحذفه من (الروضة)، واختار الشيخ: أن صاحب الأسفل ليس له منع صاحب العلو، ولصاحب العلو منع صاحب السفل.
و (النقض): البناء المنقوض، وهو بضم النون عند ابن سيده والأزهري، وعند الجوهري وابن فارس بكسرها، وجمعه أنقاض، قال سيبويه: ولم يكسر على غير ذلك.
قال: (ولو تعاونا على إعادته بنقضه .. عاد مشتركًا كما كان) سواء تعاونا بعمل يد أو أجرة، فلو شرط التفاوت في الملك .. فسد الشرط في الأصح.
قال: (ولو أنفرد أحدهما وشرط له الآخر زيادة .. جاز وكانت في مقابلة عمله في نصيب الآخر) وللمسألة صورتان:
إحداهما –وهي أقرب إلى لفظ المصنف-: أن يعاد بنقضها وهو الظاهر، فيشترط أن تجعل له الزيادة من النقض في الحال، فإن شرط له بعد البناء .. لم يصح؛ لأن الأعيان لا تؤجل.
الثانية: أن تصور بالإعادة بآلة أحدهما، فهي مخرجة على قولي الجمع بين بيع وإجارة؛ لأنه قابل آلته وعمله ببعض العرصة.
فرع:
إذا هدم أحد الشريكين الجدار المشترك من غير إذن صاحبه لاستهدام وغيره، أو الجدار الخالص لغيره .. فالنص إجبار الهادم على إعادته؛ لحديث جريج الثابت في (الصحيحين) [خ٢٤٨٢ - م٢٥٥٠] فإنه قال: (أعيدوها كما كانت).
стр. 1999
وَيَجُوزُ أَنْ يُصَالِحَ عَلَى إِجْرَاءِ الْمَاءِ وَإِلْقَاءِ الثَّلْجِ فِي مِلْكِهِ عَلَى مَالٍ
ــ
وقيل: فيه القولان في الإجبار على العمارة، والقياس: غرامة النقصان؛ لأن الجدار ليس بمثلي.
والصواب: أن المراد الإجبار على أن يبني مع شريكه، وأما وجوب إعادتها على الهادم .. فلا يمكن بل تجب قيمته عليه؛ لأنا لو أجبرناه على إعادته مستهدمًا .. فهو غير منضبط، أو غير مستهدم .. كان زائدًا على ما هدمه، وذلك حيف.
وأما الجدار المختص بالغير .. فلا يضمنه إلا بالأرش بلا نزاع سواء كان الهادم عاصيًا أم لا.
قال: (ويجوز أن يصالح على إجراء الماء وإلقاء الثلج في ملكه على مال) كحق البناء، فإن قدر المدة .. فإجارة، وإلا .. فعلى الأوجه الثلاثة المتقدمة في بيع حق البناء.
وعن القديم: أن الجار إذا احتاج إلى ذلك .. وجب ولا يجوز الاعتياض عنه.
وقوله: (في ملكه) يشمل السطح والأرض، وهو كذلك بالنسبة إلى الماء، أما إلقاء الثلج .. فلا تجوز المصالحة عليه على السطح.
والمراد من إجراء الماء: ماء المطر ونحوه، أما الغسالة .. فلا تجوز المصالحة على إجرائها؛ لأنها مجهولة لا تدعو الحاجة إليها، وفي وجه تصح؛ للحاجة إلى ذلك.
وإن كان على الماء المتحصل في السطح من الأمطار .. فشرط صحة الصلح عليه أن يعرفا قدر السطح الذي يجري منه الماء.
وإن كان على الماء المجلوب في نهر أو عين .. فيصح أيضًا بشرط بيان موضع
стр. 2000
وَلَوْ تَنَازَعَا جِدَارًا بَيْنَ مِلْكَيْهِمَا: فَإِنِ اتَّصَلَ بِبِنَاءِ أَحَدِهِمَا بِحَيْثُ يُعْلَمُ أَنَّهُمَا بَنَيَا مَعًا .. فَلَهُ الْيَدُ، ....
ــ
الإجراء وطوله وعرضه وعمقه وتقدير المدة.
قال في (الشامل): ولابد أن يكون الموضع محفورًا أيضًا.
فروع:
تجوز المصالحة على قضاء الحاجة في حش غيره بمال، وعلى جمع الزبل والقمامة في ملكه، وهي إجارة تراعى فيها شرائطها، وكذا المصالحة على البيتوتة على سطح داره.
ولو حصلت أغصان شجرته في هواء ملك غيره .. لزمه إزالة الأغصان إلا أن يرضى صاحب الملك بتركها، فإن طالبه بذلك فلم يفعل .. فله تحويل الأغصان عن ملكه باللّي ونحوه، فإن لم يمكن .. فله قطعها، ولا يحتاج فيه إلى إذن القاضي على الصحيح.
وإن صالحه على إبقائها بعوض، فإن لم يستند الغصن إلى شيء .. لم يصح، وإن استند، فإن كان بعد الجفاف .. جاز، وإن كان رطبًا .. لم يجز؛ لأنه يزيد، وانتشار العروق كانتشار الأغصان، وكذلك ميل الجدار.
قال: (ولو تنازعا جدارًا بين ملكيهما: فإن اتصل ببناء أحدهما بحيث يعلم أنهما بنيا معًا .. فله اليد)؛ لأن اتصاله به أمارة ظاهرة على يده وتصرفه، ونقل الإمام الاتفاق عليه، ويعرف ذلك بأن يدخل أنصاف لبنات الجدار المتنازع فيه في جداره الخاص، ونصف لبنات جداره الخاص في لبنات المتنازع فيه، ويظهر ذلك في الزوايا.
ومن صور الاتصال: أن يكون لأحدهما عليه أزج لا يمكن إحداثه بعد بناء الجدار بتمامه، فعلى هذا: يحلف ويحكم له به إلا أن تقوم بينة بخلافه.
стр. 2001
وَإِلَّا .. فَلَهُمَا. فَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً .. قُضِيَ لَهُ، وَإِلَّا .. حَلَفَا، فَإِنْ حَلَفَا أَوْ نَكَلَا .. جُعِلَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا .. قُضِيَ لَهُ
ــ
فلو كان الجدار المتنازع فيه على خشبة طرفها في ملك أحدهما، وليس منها شيء في ملك الآخر .. فالخشبة لمن طرفها في ملكه والجدار المبني عليها تحت يده ظاهرًا، وفيه احتمال للإمام.
قال: (وإلا .. فلهما) أي: إذا لم يحصل الاتصال المذكور بأن كان منفصلًا عنهما أو متصلًا بهما اتصالًا لا يمكن إحداثه .. فتكون اليد لهما؛ لعدم المرجح.
قال الشافعي ﵁: ولا نظر إلى الدواخل والخوارج وأنصاف اللبن ومعاقد القمط –وهو بكسر القاف وإسكان الميم- وأغلب ما يكون ذلك في السترة بين السطحين فتشد بحبال أو خيوط.
قال: (فإن أقام أحدهما بينة .. قضي له)؛ لأنها مقدمة على اليد.
قال: (وإلا .. حلفا) أي: إذا لم يقم أحدهما بينة أو أقاماها .. حلف كل منهما لصاحبه؛ لأن كلًّا مدعيً عليه ويده على النصف، فالقول قوله فيه كالعين الكاملة، وهل يتخير القاضي فيمن يبدأ بتحليفه منهما أو يقرع؟ وجهان في (الحاوي).
قال الرافعي: ويجوز أن يقال: من سبق دعواه بدأ بتحليف صاحبه.
قي قدر ما يحلفه عليه وجهان: الأصح: على نصفه، وقيل: على جميعه.
قال: (فإن حلفا أو نكلا .. جعل بينهما)؛ لظاهر اليد.
قال: (وإن حلف أحدهما .. قضي له) أي: بالجميع.
وصورة المسألة: أن يحلف على نفي استحقاق صاحب النصف الذي في يده بعد طلبه، ثم يحلف أنه يستحق النصف الذي في يد صاحبه بعد أن يرد اليمين عليه، فلو كان القاضي قد بدأ بصاحبه أولًا فنكل وطلب يمين غريمه، فعرض على هذا فحلف أن جميعها له .. قال الشيخ: فالظاهر: أن ذلك يكفي؛ لأنه متضمن للنفي
стр. 2002
وَلَوْ كَانَ لأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ جُذُوعٌ .. لمْ يُرَجَّحْ. وَالسَّقْفُ بَيْنَ عُلْوِهِ وَسُفْلِ غَيْرِهِ كَجِدَارٍ بَيْنَ مِلْكَيْنِ، فَيُنْظَرُ: أَيُمْكِنُ إِحْدَاثُهُ بَعْدَ الْعُلْوِ؟ .. فَيَكُونُ فِي يَدِهِمَا، أَوْ لَا .. فَلِصَاحِبِ السُّفْلِ
ــ
والإثبات، فلو بدأ بأحدهما فحلف ثم عرض على الآخر فنكل .. فلابد من يمين الحالف أولًا اليمينَ المردودة.
قال: (ولو كان لأحدهما عليه جذوع .. لم يرجح)، لأنه قد تكون وضعت بإجارة أو إعارة أو بيع فلا يترك المحقق بمحتمل، فإذا حلفا بقيت الجذوع بحالها؛ لاحتمال أنها وضعت بحق، وهذا بخلاف ما لو تنازعا دابة أحدهما راكبها والآخر سائقها أو آخذ بزمامها .. فإن القول قول الراكب على الأصح بيمينه؛ لانفراده باليد، بخلاف الجذوع فإنه لا يرجح بها؛ لأن كلًّا منهما منتفع بالجدار.
وإن امتاز صاحب الجذوع بزيادة كما لو كان في دار ولأحدهما فيها متاع .. فإنها بينهما، والوجهان فيما لو تنازعا ثوبًا وأحدهما لابسه والآخر متعلق به يجاذبه.
واتفقوا على أنهما لو تنازعا سفينة وأحدهما راكبها والآخر ممسكها .. أنها للراكب؛ لأنه متصرف.
وإنما عبر بـ (الجذوع) تبعًا لـ (المحرر) دون الجذع؛ لأن أبا حنيفة ﵀ يقول: إن الجمع منها يحصل به الترجيح دون الواحد، وفي الاثنين اختلاف رواية عنه.
قال: (والسقف بين علوه وسفل غيره كجدار بين ملكين، فينظر: أيمكن إحداثه بعد العلو؟ .. فيكون في يدهما)؛ لأنهما يشتركان في الانتفاع به، فإنه أرض لصاحب العلو وساتر لصاحب السفل، وصورة ذلك في السقف الخشب؛ فإن إحداثه ممكن بأن ينقب الحائط وتجعل الجذوع وتوضع عليه الألواح وغيرها.
و (العلو) مثلث العين و (السفل) بضم السين وكسرها.
قال: (أو لا .. فلصاحب السفل) أي: إذا لم يمكن إحداثه كالأزج .. فإنه يكون في يد صاحب السفل؛ لاتصاله ببنائه.
стр. 2003
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تتمة:
حيث جعل بينهما .. فللأعلى الانتفاع به بالجلوس ووضع المتاع المعتاد، وينتفع الأسفل بالاستظلال به وله أن يعلق فيه ما لا يتأثر به كالثوب ونحوه، وأما تعليق ما يتأثر به ففيه أوجه:
أصحها: الجواز مطلقًا؛ ليساوي الأعلى لأن ثقله عليه.
والثاني: المنع.
والثالث: إن أمكن من غير إثبات وتد في جرم السقف .. جاز من غير سرف، وإلا .. فلا، وعلى هذا ليس للأعلى غرز وتد فيه أيضًا.
* * *
خاتمة
لإنسان دار وعرصة متجاورتان، وللدار ميزاب يرمي في العرصة فباع العرصة .. فهل لمشتريها منعه من إرسال ماء الميزاب فيها؟
قال ابن الصلاح: إن كان ذلك مستندًا إلى اجتماعهما في ملك واحد .. فله ذلك، وإن كان مستندًا إلى سبب سابق على اجتماعهما في ملكه جعل هذا حقًا من حقوق الدار .. لم يكن له ذلك.
ولو تنازعا في حيطان السفل التي عليها الغرفة .. فالمصدق صاحب السفل؛ فإنها في يده، أو في حيطان الغرفة .. فالمصدق صاحب العلو؛ لأنها في يده.
* * *
стр. 2004
بَابُ الْحَوَالَةِ
ــ
باب الحوالة
هي بفتح الحاء وحكى الجيلي كسرها: مشتقة من التحويل والانتقال، يقال: حال فلان عن العهد، أي: انتقل عنه.
وهي في الشرع: نقل الحق من ذمة إلى ذمة، فكأن الحق حول من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، ويطلع على العقد الذي يحصل به الانتقال، وهو الذي يستعمله الفقهاء غالبًا.
والأصل فيها: ما روى الشيخان [خ٢٢٨٧ - م١٥٦٤] عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء .. فليتبع) وفي رواية لأحمد [٢/ ٤٦٣] والبيهقي [٦/ ٧٠]: (وإذا أحيل أحدكم على مليء .. فليحتل) وهو الذي في (المحرر).
وألف (أتبع) مضمومة، وتاء (فليتبع) مشددة.
و (المليء) بالهمز: من الامتلاء.
وهذا الأمر عندنا وعند جمهور العلماء للندب، فمن أحيل على مليء .. استحب له القبول.
وقال الماوردي: للإباحة، لوروده بعد الحظر وهو: (نهيه ﷺ عن بيع الدين بالدين) كقوله: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾.
وقال أبو ثور وداوود: واجب.
стр. 2005
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وللعلماء اختلاف في أن المماطل يفسق بمطله مرة واحدة، أو لابد من التكرر؛ لأن المطل إطالة المدافعة.
قال المصنف: ومقتضى مذهبنا: اشتراط التكرر.
قال الشيخ: بل مقتضاه: عدم اشتراط التكرر؛ لأن منع الحق بعد طلبه وانتفاء العذر عن أدائه يشبه الغصب، والغصب كبيرة، وأيضًا تسمية النبي ﷺ له ظلمًا تشعر بكونه كبيرة، والكبيرة لا يشترط فيها التكرر، لكن لا يحكم عليه بذلك حتى يظهر عدم عذره؛ لأنه قد يكون معذورًا في الباطن.
وأجمع المسلمون على جواز الحوالة في الجملة، ومن جهة المعنى ما فيها من الارتفاق؛ فإن الإنسان قد يستحق دينًا وعليه مثله فيشق عليه الاستيفاء والإيفاء .. فجوزت لدفع هذه الكلفة، وإلا .. فالقياس: أنها لا تجوز؛ لأنها بيع دين بدين وقد نهي عنه.
وفي حقيقتها أوجه، وقيل: قول ووجهان.
الأظهر المنصوص: أنه بيع دين بدين جوز للضرورة.
فعلى هذا: تجوز الإقالة منها كما صرح به الخوارزمي في (الكافي).
والثاني –واختاره الشيخ وجماعة-: أنها استيفاء حق، كأن المحتال استوفى ما كان له من الحق في ذمة المحيل وأقرضه من المحال عليه.
والثالث –وهو اختيار القاضي والإمام ووالده-: أنها مركبة من المعاوضة والاستيفاء.
قال القاضي الطبري: وليس لهذا الخلاف فائدة إلا ثبوت خيار المجلس إن قلنا:
стр. 2006
يُشْتَرَطُ لَهَا: رِضَا الْمُحِيلِ وَالْمُحْتَالِ،
ــ
بيع .. ثبت، وإلا .. فلا وهو الأصح، وليس كذلك، بل له فوائد كثيرة تأتي في الباب، منها: اشتراط الضمان والرهن وظهور المحال عليه مفلسًا عند الحوالة، والترجيح فيها مختلف.
قال: (يشترط لها: رضا المحيل)؛ لأن له قضاء الحق من حيث يشاء، ولا يتعين قضاؤه من محل معين، كما لو طلب منه الوفاء من كيس بعينه.
وقيل: يصح من غير رضاه حكاه في (الكفاية) عن بعض الشارحين قال: وصوره بما إذا قال: أحلتك على نفسي بالدين الذي لك على فلان فيقول المحتال: قبلت.
وأجاب الشيخ عنه بأن هذا ضمان لا حوالة.
قال: (والمحتال)؛ لأن حقه في ذمة المحيل، فلا ينتقل إلا برضاه؛ لأن الذمم متفاوتة.
وقال ﷺ : (إن لصاحب الحق يدًا ومقالًا).
ويعتبر في المحيل والمحتال من أهلية التصرف ما يعتبر في سائر المعاملات.
وعلم من اشتراط الرضا –وهو لا علم إلا بالإيجاب والقبول_ أنه لابد منهما كما في البيع، وإنما اقتصر الأصحاب هنا على لفظ (الرضا)؛ ليتكلموا على أن المحال عليه لا يشترط رضاه، ولينبهوا على أن الرضا للمحتال غير واجب عليه، بل موكول إلى خيرته، وحملوا الأمر الوارد في الحديث المتقدم على الاستحباب.
وتنعقد بلفظ الحوالة وما في معناها كقوله: أحلتك على فلان، أو حولت ما في ذمتي إلى ذمته، أو نقلت أو أتبعتك عليه بما لك علي كما اقتضاه الخبر، وما أشبه ذلك فيقول: قبلت أو احتلت أو اتبعت وما أشبهه.
ولو قال المحتال: أحلني، فقال: أحلتك .. فعلى الخلاف في الاستحباب والإيجاب في البيع.
стр. 2007
لَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ فِي الأَصَحِّ. وَلَا تَصِحُّ عَلَى مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: تَصِحُّ بِرِضَاهُ. وَتَصِحُّ بِالدَّيْنِ اللَّازِمِ وَعَلَيْهِ
ــ
وقيل: ينعقد مطلقًا؛ لأن الحوالة تسومح فيها، وفي انعقادها بلفظ البيع خلاف مبني على مراعاة اللفظ أو المعنى كالبيع بلفظ السلم.
قال: (لا المحال عليه في الأصح)؛ للحديث، ولأن الحق عليه فلا يعتبر رضاه، كما لا يعتبر رضا العبد المبيع، وهذا نص عليه في (المختصر)، وبه قال مالك وأحمد.
والثاني: يشترط؛ لأنه أحد أركان الحوالة، فأشبه المحيل، وهذا منصوص (الأم)، وبه قال أبو حنيفة والإصطخري، وبُني الخلاف على أنها معاوضة فلا يشترط، أو استيفاء فيشترط، والخلاف قولان، فكان ينبغي التعبير بالأظهر.
ولو كان لأحد الطفلين على أخيه مال فأحاله الأب بماله على أخيه على نفسه، أو على ابن له آخر صغير .. جاز.
قال: (ولا تصح على من لا دين عليه) وهو قول ابن سريج؛ بناء على أنها معاوضة، وليس على المحال عليه شيء حتى يجعل عوضًا.
قال: (وقيل: تصح برضاه) كصلحه عليه؛ بناء على أنها استيفاء، فكأنه استوفاه من المحيل وأقرضه المحال عليه، وهذا قول المزني وابن الحداد وصححه القاضي أبو الطيب، وإذا قلنا بهذا .. فلا يبرأ المحيل، بل حقيقة هذه الحوالة إنما هو الضمان.
ونبه بقوله: (برضاه) على أنه في هذه الحالة يشترط رضا المحال عليه بلا خلاف، ونقل الإمام عن العراقيين وجهًا: أن هذه الحوالة جائزة لا لازمة، حتى يجوز للمحال عليه أن يرجع قبل الأداء، وكأن صاحب هذا الوجه يراعي أنها توكيل مجرد.
قال: (وتصح بالدين اللازم وعليه) سواء اتفق سبب الوجوب فيهما أو اختلف؛ بأن كان أحدهما ثمنًا والآخر أجرة أو قرضًا أو بدل متلف.
стр. 2008
الْمِثْلِيِّ، وَكَذَا الْمُتَقَوِّمُ فِي الأَصَحِّ، وَبِالثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَعلَيْهِ فِي الأَصَحِّ
ــ
قال الرافعي: ولا يكفي اللزوم بل لابد أن يكون مستقرًا، واستدركه عليه في (الروضة)؛ لأن دين السلم لازم، وأصح الأوجه: لا تجوز الحوالة به ولا عليه، وما أطلقاه من اشتراط الاستقرار غير مستقيم؛ لأن الأجرة قبل مضي المدة غير مستقرة، وكذلك الصداق قبل الدخول والموت، والثمن قبل قبض المبيع، ونحو ذلك تصح الحوالة بها وعليها كما صرحوا به، فلو عبرا بقولهما: يصح الاستبدال عنه .. لخرجت صورة السلم؛ لأن المنع فيها لتعذر الاعتياض، لا لعدم الاستقرار.
قال: (المثلي) هذا بدل من الأول، وذلك كالحبوب والأثمان، وقد تقدم حق المثلي.
قال: (وكذا المتقوم في الأصح) كالثياب والعبيد؛ لثبوته في الذمة ولزومه.
والثاني: لا؛ لأن المقصود من الحوالة إيصال المستحق إلى الحق من غير تفاوات، وهذا لا يتحقق في المتقوم، وقيل: لا يصح إلا بالأثمان خاصة.
و (المتقوم) بكسر الواو حيث ورد؛ لأنه اسم فاعل، فلا يصح الفتح على أن يكون اسم مفعول؛ لأنه مأخوذ من تقوم كتعلم وهو قاصر، واسم المفعول لا يبنى إلا من متعد.
قال: (وبالثمن في مدة الخيار، وعليه في الأصح)؛ لأنه صائر إلى اللزوم، والجواز عارض فيه، كذا علله الرافعي، ولا تأتي هذه العلة في خيار المجلس؛ لأنه لازم للبيع لا عارض، مع أن إطلاقه وإطلاق غيره يقتضي: أنه لا فرق بينه وبين خيار الشرط.
стр. 2009
وَالأَصَحُّ: صِحَّةُ حَوَالَةِ الْمُكَاتَبِ سَيِّدَهُ بَالنُّجُومِ، دُونَ حَوَالَةِ السِّيِّدِ عَلَيْهِ
ــ
صورته: أن يحيل المشتري البائع على إنسان، أو يحيل البائع إنسانًا على المشتري.
والثاني: لا يصح لا به ولا عليه؛ لعدم اللزوم، وبهذا قال القاضي أبو الطيب، وكلام الماوردي والمتولي يقتضي تصحيحه.
واحترز بقوله: (في مدة الخيار) عما إذا أحال به بعد انقضائها وقبل قبض المبيع؛ فإنها جائزة قطعًا.
قال: (والأصح: صحة حوالة المكاتب سيده بالنجوم، دون حوالة السيد عليه)؛ لاستقرار ما أحال به السيد بخلاف العكس.
والثاني: يصحان أما الحوالة من المكاتب .. فلاستقرار الدين عليه، وأما الحوالة عليه .. فنظرًا إلى أنها استيفاء.
والثالث: لا يصحان؛ نظرًا لما تقدم، ولأن الاعتياض عن نجوم الكتابة لا يصح، وإذا قلنا بصحة حوالة المكاتب سيده بالنجوم، فإذا أحاله .. برئ وعتق، ويلزم الدين في ذمة المحال عليه.
وقال الإمام: إذا أحال العبد بالنجوم دفعة واحدة، أو بالنجم الأخير .. جاز؛ لأنه يعتق ويبقى الدين على المحال عليه، ولو أحال السيد بالنجم الأخير .. لم يصح؛ إذا لو صح .. لعتق، ولو عتق .. لبرئ وسقط الدين.
واحترز بـ (النجوم) عما لو كان للسيد على المكاتب دين معاملة فأحال به عليه .. فالأصح الصحة.
فرع:
الجعل في الجعالة جزم الماوردي والمتولي بعدم صحة الحوالة به قبل العمل وبالصحة بعده، قال الرافعي: والقياس: أن يأتي في الحوالة به، وعليه الخلاف في الرهن به وفي ضمانه.
стр. 2010
وَيُشْتَرَطُ: الْعِلْمُ بِمَا يُحَالُ بِهِ وَعَلَيْهِ قَدْرًا وَصِفَةً، وَفِي قَوْلٍ: تَصِحُّ بِإِبِلِ الدِّيَةِ وَعَلَيْهَا. وَيُشْتَرَطُ تَسَاوِيهِمَا جِنْسًا وَقَدْرًا، وَكَذَا حُلُولًا وأَجَلًا وَصِحَّةً وَكَسْرًا فِي الأَصَحِّ.
ــ
قال: (ويشترط: العلم بما يحال به وعليه)؛ لأن المجهول لا يصح بيعه ولا استيفاؤه.
قال: (قدرًا وصفة) المراد: صفات السلم، سواء كان مثليًا أم متقومًا كما تقدم، ولم يذكر المصنف الجنس؛ لأنه استغنى عنه بالصفة.
قال: (وفي قول: تصح بإبل الدية وعليها)؛ لأنها معلومة العدد والصفات.
والأظهر: المنع، لأن صفاتها لا تنضبط، والخلاف فيها مبني على جواز المصالحة عليها والاعتياض عنها.
والأصح فيهما: المنع، فكذلك الحوالة.
قال: (ويشترط تساويهما جنسًا وقدرًا)؛ لأنا إن جعلناها استيفاء .. استحال مع المخالفة، أو معاوضة .. فهي معاوضة إرفاق جوزت للحاجة، فاشترط فيها التجانس والتساوي في القدر والصفة كالقرض، فلا تصح مع اختلاف الجنس، كما لو أحال بالدراهم على الدنانير وعكسه.
والمراد بعدم الصحة: أن الحق لا يتحول، فإن جرت .. فهي حوالة على من لا دين عليه.
وأغرب الزبيلي فجوزها مع اختلاف الجنس، ولا تصح مع اختلاف القدر، وقيل: تصح بالقليل على الكثير والمحيل متبرع بالزيادة، واتفقوا على أنها تصح بالقليل على من له عليه أكثر.
قال: (وكذا حلولًا وأجلًا وصحة وكسرًا في الأصح)؛ إلحاقًا لتفاوت الوصف بتفاوت القدر، والجودة والرداءة كالصحة والكسر.
والثاني: إن كان النفع فيه للمحتال .. جاز، وإلا .. فلا.
فعلى هذا: يجوز أن يحيل بالمؤجل على الحال، ولا يجوز أن يحيل بالحال
стр. 2011
وَيَبْرَأُ بِالْحَوَالَةِ الْمُحِيلُ عَنْ دَيْنِ الْمُحْتَالِ، وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ عَنْ دَيْنِ الْمُحِيلِ، وَيَتَحَوَّلُ حَقُّ الْمُحْتَالِ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ. فَإِنْ تَعَذَّرَ بِفَلَسٍ أَوْ جَحْدٍ وَحَلِفٍ وَنَحْوِهِمَا .. لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُحِيلِ،
ــ
على المؤجل، فإن كانا مؤجلين بأجلين مختلفين .. جاز أن يحيل بالأبعد على الأقرب دون عكسه، وإن كان أحدهما صحيحًا والآخر مكسرًا .. جاز أن يحيل بالمكسر على الصحيح، ويكون المحيل متبرعًا بصفة الصحة، ولا يحال بالصحيح على المكسر، ووقع فيه سبق قلم في (الروضة).
وفي وجه ثالث: يجوز أن يحيل بالمكسر على الصحيح وعكسه؛ لأنه يجوز أن يأخذه بالتراضي، لكن تعبيره بـ (الأصح) يقتضي أن الخلاف قوي وهو ضعيف، فكان ينبغي أن يعبر بـ (الصحيح) كما فعل في (الروضة).
وتجري الأوجه الثلاثة في الجيد والرديء.
فرع:
كان بالمحال به أو عليه ضامن أو رهن برئ الضامن وانفك الرهن، ولا ينتقل بصفة الضمان كما صرح به الرافعي في آخر الباب، وفي أول الباب الثاني من أبواب (الضمان)، وظاهر كلام (المطلب): أنه لا خلاف فيهما.
والفرق بين المحال وبين الوارث: أن الوارث خليفة الموروث فيما ثبت له من الحقوق، وأجاب البارزي بانتقال الرهن والضمان قياسًا على الوارث.
قال: (ويبرأ بالحوالة المحيل عن دين المحتال، والمحال عليه عن دين المحيل، ويتحول حق المحتال إلى ذمة المحال عليه)؛ لأن ذلك فائدة الحوالة، وقال الماوردي: أجمعوا عليه.
قال: (فإن تعذر بفلس أو جحد وحلف ونحوهما .. لم يرجع على المحيل)؛ لأن حقه تحول، وبرئت بعقد الحوالة الذمة، فوجب أن لا يعود إليه كما لو أبرأه.
стр. 2012
فَلَوْ كَانَ مُفْلِسًا عِنْدَ الْحَوَالَةِ وَجَهِلَهُ الْمُحْتَالُ .. فَلَا رُجُوعَ لَهُ،
ــ
وقال محمد بن الحسن: يرجع إذا أفلس.
وقال أبو حنيفة: يرجع إذا مات مفلسًا، أو جحد وحلف؛ لورود ذلك عن عثمان ﵁.
لنا: أنه منقطع ومشكوك في متنه، ومعارض بقول علي ﵁: لا يرجع.
وقوله: (ونحوهما) من زيادة الكتاب على (الشرح) و (الروضة)، وأراد به امتناعه أو موت البينة بعد موته موسرًا.
ولا فرق في الجحد بين أن يكون للدين أو للحوالة؛ فلذلك أطلقه المصنف، وكان الأولى أن يعبر بالإنكار؛ لأنه أعم من الجحد.
فروع:
أحال بشرط الرجوع على المحيل بتقدير الإفلاس أو الجحد فثلاثة أوجه في (الشرح) و (الروضة) من غير تصحيح ثالثها: تصح الحوالة دون الشرط، وهو مقتضى إطلاق المصنف.
ولو أحال بمؤجل على مؤجل .. حلت الحوالة بموت المحال عليه، ولا تحل بموت المحيل لبراءته بالحوالة.
وإذا قبل المحتال الحوالة من غير اعتراف بالدين .. قال في (المطلب): كان قبوله متضمنًا لاستجماع شرائط الصحة، فيؤاخذ بذلك لو أنكر المحال عليه، وهل له تحليف المحيل أنه لم يعلم براءته؟ فيه وجهان.
قال: (فلو كان مفلسًا عند الحوالة وجهله المحتال .. فلا رجوع له) كما لو طرأ الإفلاس، ولأنه مقصر؛ إذا كان من حقه أن يفحص عن حاله قبل الحوالة.
стр. 2013
وَقِيلَ: لَهُ الرُّجُوعُ إِنْ شُرِطَ يَسَارُهُ. وَلَوْ أَحَالَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، فَرَدَّ الْمَبِيعَ بِعَيْبٍ .. بَطَلَتْ فِي الأَظْهَرِ، أَوِ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ فَوُجِدَ الرَّدُّ. لَمْ تَبْطُلْ عَلَى الْمَذْهَبِ
ــ
قال: (وقيل: له الرجوع إن شرط يساره) كما لو اشترى عبدًا بشرط أنه كاتب فأخلف، وإلى هذا ذهب ابن سريج وسليم، وهو خلاف ما عليه الجمهور، وأجابوا بأنه لو ثبت الرجوع عند الشرط .. لثبت عند عدمه؛ لأنه نقص كالعيب.
وفي وجه آخر: أنه يرجع وإن لم يشرط، واختاره الغزالي.
ولو خرج المحال عليه عبدًا .. فهو كما لو علم رقه.
قال: (ولو أحال المشتري بالثمن فرد المبيع بعيب) وكذا بإقالة أو تحالف أو غيرهما (.. بطلت في الأظهر) هذا المسألة: وما بعدها إلى آخر الباب من تخريجات المزني على قواعد الشافعي.
ووجه البطلان في هذه المسألة: أنه أحال بالثمن، فإذا انفسخ العقد خرج المحال به عن كونه ثمنًا، فبطلت الحوالة.
والثاني: لا تبطل، كما لو استبدل عن الثمن ثوبًا ثم رد المبيع بعيب فإن الاستبدال لا يبطل على المعروف، وقيل: تبطل الحوالة قطعًا، وقيل: لا قطعًا.
ولو أحال الزوج زوجته بصداقها على شخص، ثم انفسخ النكاح قبل الدخول واقتضى الحال الرجوع .. لم تنفسخ الحوالة على الأصح؛ لأن الصداق أثبت من غيره، ولهذا لو زاد زيادة متصلة .. لم يرجع في نصفه إلا برضاها، بخلاف المبيع ونحوه.
قال: (أو البائع بالثمن) أي: أحال البائع بالثمن رجلًا (فوجد الرد .. لم تبطل على المذهب) سواء قبض المحتال مال الحوالة من المشتري أم لا؛ لتعلق الحق بثالث.
والطريق الثاني: طرد القولين في المسألة قبلها.
стр. 2014
وَلَوْ بَاعَ عَبْدًا وَأَحَالَ بِثَمَنِهِ، ثُمَّ اتَّفَقَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالْمُحْتَالُ عَلَى حُرِّيَّتِهِ، أَوْ ثَبَتَتْ بِبَيِّنَةٍ .. بَطَلَتِ الْحَوَالَةُ، فَإِنْ كَذَّبَهُمَا الْمُحْتَالُ وَلَا بَيِّنَةَ .. حَلَّفَاهُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، ثُمَّ يَاخُذُ الْمَالَ مِنَ الْمُشْتَرِي. وَلَوْ قَالَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ: وَكَّلْتُكَ لِتَقْبِضَ لِي، وَقَالَ الْمُسْتَحِقُّ: أَحَلْتَنِي،
ــ
قال: (ولو باع عبدًا وأحال بثمنه، ثم اتفق المتبايعان والمحتال على حريته، أو ثبتت ببينة .. بطلت الحوالة) وكذا لو اتفقوا على أنه مستحق أو قامت البينة به؛ لأنه بان أن لا ثمن، فيرد المحتال ما أخذه على المشتري، ويبقى حقه في ذمة البائع.
والمراد بالبطلان ههنا: عدم الصحة؛ لأن الحوالة لم تتقدم لها صحة، وهذه البينة يقيمها العبد أو تشهد حسبة، ولا يتصور أن يقيمها واحد من المتبايعين؛ لأنه كذبها بالدخول في البيع، قال البغوي والروياني.
قال: (فإن كذبهما المحتال ولا بينة .. حلفاه على نفي العلم) طردًا للقاعدة فيقول: والله لا أعلم حريته.
قال: (ثم يأخذ المال من المشتري)؛ لأن الحوالة باقية بحلفه، وهل يرجع المشتري على البائع المحيل؟ قال البندنيجي وسليم والبغوي: لا؛ لأنه يقول: المحتال ظلمني بما أخذه، والمظلوم لا يطالب غير ظالمه.
وقال الأكثرون: نعم؛ لأنه قضى دينه بإذنه الذي تضمنته الحوالة، قال ابن الرفعة: وهو الحق.
وإذا قلنا بالرجوع .. فهل يرجع قبل دفع المال إلى المحتال؟ فيه الوجهان السابقان، أصحهما: المنع.
فإن نكل المحتال عن اليمين .. حلف المشتري، وبطلت الحوالة إن جعلنا اليمين المردودة كالإقرار، وإلا .. فلا؛ إذ ليس له إقامة البينة.
قال: (ولو قال المستحق عليه: وكلتك لتقبض لي، وقال المستحق: أحلتني،
стр. 2015
أَوْ قَالَ: أَرَدْتُ بِقَوْلِي: أَحَلْتُكَ الْوَكَالَةَ، وَقَالَ الْمُسْتَحِقُّ: بَلْ أَرَدْتَ الْحَوَالَةَ .. صُدِّقَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ، وَفِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ وَجْهٌ. وإِنْ قَالَ: أَحَلْتُكَ، فَقَالَ: وَكَّلْتَنِي .. صُدِّقَ الثَّانِي بِيَمِينِهِ
ــ
أو قال: أردت بقولي: أحلتك الوكالة، وقال المستحق: بل أردت الحوالة .. صدق المستحق عليه بيمينه)؛ لأن الأصل بقاء الحقين، ولأنه أعرف بقصده.
قال في (المطلب): ويتخرج عليهما ما إذا لم تكن له بينة، قال: ولم أر فيه نقلًا.
قال: (وفي الصورة الثانية وجه)؛ لأن ظاهر اللفظ يوافق دعواه.
فعلى الأول: إن لم يكن المستحق قبض .. فليس له القبض؛ لأن الحوالة لم تثبت والوكالة ارتفعت بالإنكار، وإن قبض .. برئت ذمة المقبوض منه؛ لتسليمه إلى وكيل أو محال، وعليه تسليمه للمستحق عليه، وله مطالبة المستحق عليه بحقه في الحالين.
قال: (وإن قال: أحلتك، فقال: وكلتني .. صدق الثاني بيمينه)؛ لأن الأصل بقاء حقه، وفي وجه: أن القول قول المحيل اعتبارًا بالظاهر.
وموضع الوجهين في المسألة والتي قبلها: إذا كان اللفظ الجاري بينهما أحلتك بمئة على عمرو مثلًا، فأما إذا قال: أحلتك بالمئة التي لك علي بالمئة التي لي على عمرو .. فهذا لا يحتمل إلا حقيقة الحوالة، فالقول قول زيد بلا خلاف، كذا قاله الشيخان، ونوزعا في نفي الخلاف؛ فإن كلام (النهاية) يشير إلى إثباته.
فرع:
لك على رجل دين فلما طالبته به .. قال: قد أحلتك به على زيد، وزيد غائب، فأنكرت .. صدقت بيمينك، فلو أقام بينة .. سمعت وسقطت مطالبتك عنه.
وفي ثبوت الحوالة في حق الغائب حتى لا يحتاج إلى إقامة بينة إذا قدم وجهان.
стр. 2016
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تتمة:
أحال من عليه الزكاة الساعي .. جاز إن قلنا: الحوالة استيفاء، وإن قلنا: اعتياض .. فلا؛ لامتناع أخذ العوض عن الزكاة، كذا نقله الرافعي عن المتولي وأقره، وكأن صورة المسألة فيما إذا تلف النصاب بعد التمكن، فإن كان باقيًا .. فلا دين حتى يحال به؛ لأن الزكاة تجب في العين.
* * *
خاتمة
جندي أجر إقطاعه وأحال ببعض الأجرة على المستأجر ثم مات؟ أجاب الشيخ بتبين بطلان الإجارة فيما بعد موته من المدة، وبطلان الحوالة فيما يقابله.
وتصح الإجارة في المدة التي قبل موت المؤجر، وتصح الحوالة بقدرها، ولا يرجع المحال عليه بما قبضه المحتال منه من ذلك، ويبرأ المحيل منه.
* * *
стр. 2017
بَابُ الضَّمَانِ
ــ
باب الضمان
لفظه مأخوذ من التضمن، ومعناه تضمين الدين في ذمة من لا دين عليه مع بقائه في ذمة من هو عليه.
وادعى ابن الصباغ أنه مأخوذ من الضم، وأراد تفسير معناه دون اشتقاقه.
والضامن يسمى: الضمين والحميل والزعيم والكفيل والصبير.
والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿سلهم أيهم بذلك زعيم﴾.
وقوله: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ وكان حمل البعير معلومًا.
وقوله ﷺ : (الزعيم غارم) رواه أحمد [٥/ ٢٦٧] وأبو داوود [٣٥٦٥] والترمذي [١٢٦٥] وقال: حسن صحيح.
وفي (الصحيحين) [خ٢٢٩١ - م١٦١٩]: أن النبي ﷺ أتي بجنازة فقال: (هل ترك شيئًا؟ قالوا: لا، قال: هل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير، قال: صلوا على صاحبكم) قال أبو قتادة: صل عليه يا رسول الله وعلي دينه فصلى عليه).
قال جابر ﵁: كان ذلك في ابتداء الإسلام وفي المال قلة، فلما فتح الله الفتوح .. قال ﷺ : (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من خلف .. مالًا .. فلورثته، ومن خلف كلًّا أو دينًا .. فكَلُّه إليَّ ودينه علي، فقيل: يا رسول الله؛
стр. 2018
شَرْطُ الضَّامِنِ: الرُّشْدُ، وَضَمَانُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ بِفَلَسٍ كَشِرَائِهِ
ــ
وعلى كل إمام بعدك؟ قال: وعلى كل إمام بعدي) رواه الطبراني في (الكبير) [٢٠/ ٢٦٥].
قال: (شرط الضامن: الرشد) فلا يصح ضمان الصبي والمجنون والسفيه؛ لعدم رشدهم.
ومراده بـ (الرشد): إطلاق التصرف، سواء كان المضمون عنه حيًا أو ميتًا، أما الميت .. فلما تقدم، وأما الحي .. فلما روى ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ تحمل عن رجل عشرة دنانير) رواه الحاكم [٢/ ١٠] وقال: على شرط الشيخين.
وذكر في (المحرر) مع هذا الشرط صحة العبارة، والمصنف رأى دخوله في الرشد .. فلهذا حذفه.
نعم؛ يرد عليه المكره والمكاتب؛ فإن ضمانهما لا يصح وهما رشيدان، وكذا المبذر بعد بلوغه رشيدًا ولم يحجر الحاكم عليه يصح ضمانه وغيره من التصرفات وليس برشيد.
وصرح المصنف والرافعي في (كتاب الصيام) بأن الرشد يطلق على الصبيان، فاقتضى ذلك دخولهم في عبارته ههنا وليس مرادًا، فلو ضمن وقال: كنت يوم الضمان صبيًا أو مجنونًا .. قبل ذلك بيمينه إن أمكن الصبا وعرف الجنون.
والفرق بينه وبين ما إذا زوج أمته ثم ادعى ذلك أن المصدق الزوج على الأصح: أن الأنكحة يحتاط فيها غالبًا، والظاهر: أنها تقع بشروطها.
وشملت عبارته المرأة فيصح ضمانها مزوجة كانت أو غيرها، ولا حاجة إلى إذن الزوج خلافًا لمالك.
قال: (وضمان محجور عليه بفلس كشرائه) فيكون صحيحًا كما تقدم في بابه، ويطالب به إذا أيسر بعد فك الحجر، وهذا يصح ضمانه وليس من أهل التبرع.
стр. 2019
وَضَمَانُ عَبْدٍ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ بَاطِلٌ فِي الأَصَحِّ، وَيَصِحُّ بِإِذْنِهِ، فَإِنْ عَيَّنَ لِلأَدَاءِ كَسْبَهُ أَوْ غَيْرَهُ .. قَضَى مِنْهُ ....
ــ
واحترز عن المحجور عليه لسفه، فلا يصح ضمانه مطلقًا؛ لأنه تبرع.
قال: (وضمان عبد بغير إذن سيده باطل في الأصح) كنكاحه.
والثاني: يصح؛ لأنه لا ضرر فيه على السيد فكان كما لو أقر بإتلاف مال، وكما لو خالعت الأمة بمال في ذمتها بغير إذنه.
واختلف تصحيح الإمام في هذين الوجهين، فصحح في آخر (النهاية): أنه لا يصح، وفي (باب مداينة العبيد): الصحة.
وعلى الأصح: الفرق بين الضمان وخلع الأمة: أن الضمان لا ضرورة إليه والخلع قد تحتاج إليه الأمة لسوء معاشرة الزوج.
قال: (ويصح بإذنه)؛ لأن المنع كان لأجله وقد زال بإذنه، وهذا الإذن تمكين لا أمر، فلو أمره سيده بالضمان .. لم يلزمه الامتثال، بخلاف البيع وغيره من التصرفات فإنه يجب عليه امتثال أمر السيد فيها.
لكن يرد على المصنف: ما إذا ضمن العبد بالإذن مالًا على أجنبي لسيده .. فإنه لا يصح؛ لأن كسبه الذي يؤدي منه ملك للسيد، بخلاف ما إذا ضمن ما عليه بإذنه .. فإنه يصح.
قال: (فإن عين للأداء كسبه أو غيره .. قضى منه)؛ امتثالًا لأمره، لكن قوله: (أو غيره) يشمل مال التجارة والذي في يد المأذون، وإنما يصح تعيين السيد لذلك إذا لم يتعلق به حق غيره، فلو كان على المأذون ديون وعين ما في يده .. فأوجه:
أصحها: يتعلق بما فضل عن ديونهم.
والثاني: لا يتعلق الضمان بما في يده؛ لأنه كالمرهون.
والثالث: يشارك المضمون له الغرماء كسائر الديون.
ومحل الأوجه: إذا لم يحجر عليه بطلب الغرماء، فإن حجر عليه .. لم يتعلق الضمان بما في يده جزمًا.
стр. 2020
وَإِلَّا .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ مَاذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ .. تَعَلَّقَ بِمَا فِي يَدِهِ وَمَا يَكْسِبُهُ بَعْدَ الإِذْنِ، وَإِلَّا .. فَبِمَا يَكْسِبُهُ
ــ
قال: (وإلا) أي: وإن اقتصر على الإذن في الضمان للعبد ولم يعين له طريقًا (.. فالأصح: أنه إن كان مأذونًا له في التجارة .. تعلق بما في يده وما يكسبه بعد الإذن) سواء كان الكسب نادرًا أو معتادًا؛ لأنه عقد يقتضي الغرم صدر بإذن السيد فيتعلق غرمه بما ذكرناه قياسًا على النكاح.
والثاني: لا يتعلق برأس المال، بل بالربح الحاصل والمستقبل.
والثالث: بالمستقبل خاصة.
والرابع –وهو المصحح في (التنبيه) -: يكون في ذمته إلى أن يعتق؛ لأنه إنما أذن في الالتزام دون الأداء.
وعلى الأوجه كلها: لا يتعلق بذمة السيد، ولم يصرح الأصحاب باشتراط علم السيد بمقدار الدين الذي أذن لعبده في ضمانه، وهو محتمل في المأذون وغيره فالأشبه: اشتراط ذلك.
قال: (وإلا .. فبما يكسبه)؛ قياسًا على النكاح.
والثاني: يتعلق بالذمة؛ لأن الإذن في الالتزام يفيد الاستقلال دون الأداء كما تقدم، وقيل: يتعلق برقبته، وفي قول قديم: بذمة السيد كما قيل به في النكاح.
وقوله: (بما يكسبه) المراد: بعد الإذن كما صرح به الرافعي وغيره هنا، وهذا بخلاف الإذن في النكاح؛ فإن المؤن وغيرها تتعلق بالأكساب المتجددة بعد عقدة النكاح؛ لأن مؤن النكاح إنما تجب بالعقد، والدين ثابت قبل الضمان، وأيضًا الضمان غرامة محضة بخلاف النكاح فهو قريب من المعاملات.
فروع:
أم الولد والمدبر كالقن في الضمان، وكذلك المبعض إذا لم تكن مهايأة، أو كانت وضمن في نوبة السيد، فإن ضمن في نوبته .. صح قطعًا، وجوز الرافعي أن يخرج
стр. 2021
وَالأَصَحُّ: اشْتِرَاطُ مَعْرِفَةِ الْمَضْمُونِ لَهُ،
ــ
على الخلاف في دخوله في الأكساب النادرة.
والعبد الموقوف قال في (المطلب): ينبغي أن يجزم بعدم صحة ضمانه إذا قلنا بالمشهور: إنه لا يصح عتقه؛ لعدم فائدته.
والموصى بمنفعته دون رقبته أو عكسه يظهر: أنه كالقن، لكن هل المعتبر إذن مالك الرقبة أو المنفعة؟ فيه نظر.
وإذا أدى العبد في الرق .. فالرجوع لسيده، وإن أدى بعد عتقه .. فالرجوع للعبد في الأصح.
قال: (والأصح: اشتراط معرفة المضمون له)؛ لتفاوت الناس في الاستيفاء، والأغراض تختلف بذلك، فأشبه معرفة قدر الدين.
والثاني: لا يشترط؛ لظاهر الآية وحديث أبي قتادة ﵁، فإنه لم ينقل فيه العلم بمعرفة الغريم، والله أعلم.
حادثة:
وقع في فتاوى المتأخرين: أن زيدًا عامل عمرًا بدين ضمنه خالد، ثم أقر زيد أن المال الذي عامل فيه كان لبكر، وتصرف فيه بطريق الوكالة فأفتى الشيخ عز الدين بن عبد السلام وجماعة ببطلان الضمان؛ لأنه بان أن الضامن لم يعرف المضمون له وقد ضمنه لزيد، وليس لزيد على عمرو شيء.
وأفتى ابن الصلاح ووافقه ابن الرفعة وعلماء عصره بالصحة، وقالوا: معرفة وكيل المضمون له كمعرفته، وقد عرف الوكيل فضمانه الدين لزيد أعم من أن يكون زيد مالكًا أو وكيلًا، والتعليل المذكور في معرفة المضمون له يأبى أن تكون معرفة الوكيل كمعرفة الموكل.
стр. 2022
وَأَنَّهُ لَا يُشْترَطُ قَبُولُهُ وَرِضَاهُ. وَلَا يُشْتَرَطُ رِضَا الْمَضْمُونِ عَنْهُ قَطْعًا،
ــ
قال: (وأنه لا يشترط قبوله ورضاه)؛ لما تقدم من عدم التعرض له في الحديث.
والثاني –وهو قول ابن سريج وصاحب (الإفصاح) وابن كج-: يشترط القبول؛ لأنه عقد وثيقة فاشترط ذلك فيه كالرهن.
والثالث: لا يشترط القبول بل الرضا؛ لأن الضمان تجدد له سلطنة، وتمليك الشخص شيئًا بغير رضاه بعيد.
وعلى هذا: فيكفي رضا الوكيل كما صرح به الماوردي.
ويجوز تقديم الرضا على الضمان، فإن تأخر عنه .. فهو إجارة إن جوزنا وقف العقود، وكذا نقله الرافعي عن الإمام وأقره.
وقال الماوردي: يجوز وقوعه بعده قبل مفارقة المجلس، وجوز رجوع الضامن قبل رضا المضمون له.
وعبر في (المحرر) بقوله: (ولا رضاه) بزيادة: (لا) ولابد منها؛ لأن المقصود نفي كل منهما، لا نفي الهيئة الاجتماعية.
قال: (ولا يشترط رضا المضمون عنه قطعًا)؛ للحديث السابق، ولأنه يجوز أداء دين الغير بغير إذنه فالتزامه أجوز، وما ادعاه من القطع تبع فيه (الشرح) و (الروضة) و (النهاية)، وليس كذلك، ففي (تعليق القاضي حسين) وجه: أنه يشترط رضاه، وإليه ذهب الجوري في (شرح المختصر) لكنه بعيد يرده الحديث الصحيح.
وعلم من عبارته أنه لا تشترط حياته ولا يساره أيضًا.
وقال أبو حنيفة: لا يصح ضمان الميت إلا إذا خلف وفاء، أو كان به ضامن، ووافقنا على أنه إذا ضمن عنه في حياته ثم مات معسرًا .. أن الضمان لا يبطل.
стр. 2023
وَلَا مَعْرِفَتُهُ فِي الأَصَحِّ. وَيُشْتَرَطُ فِي الْمَضْمُونِ: كَوْنُهُ ثَابِتًا وَصَحَّحَ الْقَدِيمُ ضَمَانَ مَا سَيَجِبُ
ــ
قال: (ولا معرفته في الأصح) كما لا يشترط رضاه.
والثاني: يشترط؛ ليعرف هل يستحق اصطناع المعروف أو لا، وصحح هذا الغزالي في (الخلاصة) تبعًا للشيخ أبي محمد.
قال: (ويشترط في المضمون: كونه ثابتًا) أي: حال الضمان، فلا يصح ضمان ما سيجب ببيع أو قرض، سواء جرى سبب وجوبه كنفقة الغد للمرأة أما لا؛ لأن الضمان توثقة بالحق فلا يسبق وجوب الحق كالشهادة.
وقوله: (ثابتًا) صفة لموصوف محذوف، أي: حقًا ثابتًا، فتدخل فيه الأعيان المضمونة والديون، سواء كانت مالًا أو عملًا ثابتًا في الذمة بعقد الإجارة، بخلاف الرهن؛ فإنه لا يصح على الأعيان كما تقدمت الإشارة إليه بقوله: (شرط المرهون به كونه دينًا ثابتًا لازمًا).
فجملة الشروط التي اعتبرها المصنف تبعًا للرافعي ثلاثة: أن يكون ثابتًا لازمًا معلومًا، واعتبر الغزالي رابعًا وهو: أن يكون قابلًا لأن يتبرع الإنسان به على غيره ليخرج به حد القصاص وحد القذف والأخذ بالشفعة.
والمراد: أن يكون ثابتًا باعتراف الضامن لا المضمون عنه، فلو قال شخص: لزيد على عمرو ألف وأنا ضامنه فأنكر عمرو .. فلزيد المطالبة في الأصح، قاله الرافعي في آخر (الإقرار بالنسب)، وسيأتي ذكره في (كتاب الصداق) في تتمة (فصل: نكحها بخمر).
قال: (وصحح القديم ضمان ما سيجب)؛ لأن الحاجة قد تمس إليه، وفي قول: إن جرى سبب وجوبه .. صح، وإلا .. فلا، وإذا جوزنا ضمان النفقة المستقبلة .. فلابد من تقديرها بمدة وأن تكون نفقة المعسرين.
стр. 2024
وَالْمَذْهَبُ: صِحَّةُ ضَمَانِ الدَّرَكِ بَعْدَ قَبْضِ الثَّمَنِ،
ــ
وقيل: يجوز ضمان [نفقة] الموسر والمتوسط لمن حاله كذلك، وصححه في (المطلب).
ويصح ضمان نفقة المدة الماضية للزوجة، سواء كانت نفقة الموسرين أو المعسرين، وكذا ضمان الكسوة والإدام ونفقة الخادم ونفقة اليوم، وفي نفقة اليوم وجه: أنه لا يصح كالثمن في زمن الخيار، وهذا يظهر على القول بأن النشوز في أثناء اليوم يسقط نفقة جميعه.
ولا يجوز ضمان نفقة القريب مدة مستقبلة، وفي نفقة يومه وجهان: أرجحهما عند الشيخ: عدم الصحة؛ لأن سبيلها سبيل البر والصلة.
قال: (والمذهب: صحة ضمان الدرك)؛ لأن الحاجة تدعو إلى معاملة من لا يعرف، ويخاف عدم الظفر به لو ظهر الاستحقاق فاحتيج إلى التوثق، وبهذا قال الأئمة الثلاثة، وخرج ابن سريج قولًا: إنه لا يصح؛ لأنه ضمان ما لم يجب.
وجوابه: أنا نشترط في صحته قبض الثمن كما سيأتي، وقطع بعضهم بالمنصوص؛ فلذلك عبر المصنف عنه بـ (المذهب).
و (الدرك) بفتح الدال وبفتح الراء وإسكانها: التبعة، سميت بذلك؛ لالتزام الغرامة عند إدراك المستحق عين ماله، ويسمى أيضًا: ضمان العهدة، وهي الصك الذي يكتب فيه الثمن، والفقهاء يعبرون به عن الثمن.
قال: (بعد قبض الثمن)؛ لأن الضامن إنما يضمن ما دخل في ضمان البائع، والثمن لا يدخل في ضمانه إلا بالقبض.
وقيل: يصح قبل القبض؛ لأن المشتري قد لا يثق بتسليم الثمن إلا بعد التوثق.
ومحله بالاتفاق إذا علم الضامن قدر الثمن، فلو جهله .. قال المتولي: يتخرج على بيع السلعة برقمها.
стр. 2025
وَهُوَ: أَنْ يَضْمَنَ لِلْمُشْتَرِي الثَّمَنَ إِنْ خَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا أَوْ مَعِيبًا أَوْ نَاقِصًا لِنَقْصِ الصَّنْجَةِ
ــ
تنبيه:
ظاهر إطلاق المصنف وغيره: أن المراد القبض الحقيقي، فلو أحال بالثمن أو صالح عنه .. لم يكف وإن جعلنا الحوالة استيفاء؛ لأن ذلك ليس بقبض حقيقي، ولو قبضه في المجلس .. لم يكف أيضًا كما تقدم في (السلم)، وكذلك لو أبرأه منه، فقد صرح الماوردي في (باب الربا) بأن أحد العوضين لو كان دينًا وأبرأه منه .. لم يكف، وعلله بعدم الاستقرار.
وفي (فتاوى البغوي): إذا أثبت دينًا على غائب، وللغائب دار فأمر القاضي ببيعها من المدعي بالدين، فباع وضمن البائع أو غيره للمدعي الدين، إن خرجت مستحقة .. لا يصح؛ لعدم القبض، وعلى قياسه لو باعها صاحبها بالدين المذكور وضمن دركه .. لا يصح.
قال: (وهو: أن يضمن للمشتري الثمن إن خرج المبيع مستحقًا) فيقول: ضمنت لك عهدته أو دركه أو خلاصك منه، فلو قال: خلاص المبيع .. لم يصح؛ لأنه لا يستقل بخلاصه بعد ظهور الاستحقاق، ولو ضمن عهدته إن أخذ المبيع بالشفعة لأجل بيع سابق .. صح.
قال في (المطلب): والمضمون في هذا الفصل ليس هو رد العين، وإلا .. كان يلزم أن لا تجب قيمته عند التلف بل المضمون إنما هو ماليته عند تعذر رده، حتى لو بان الاستحقاق والثمن في يد البائع .. لا يطالب الضامن بقيمته.
قال: (أو معيبًا) فيضمن رد الثمن إن خرج المبيع معيبًا، ورده للحاجة إليه.
قال: (أو ناقصًا لنقص الصنجة)؛ للاحتياج إلى ذلك أيضًا.
وصورة المسألة: أن يبيع شيئًا بشرط أن وزنه كذا، فإذا خرج دونه .. بطل البيع على قول، ويثبت للمشتري الخيار في قول آخر كما تقدم في بابه، على أن ضمان
стр. 2026
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
العهدة قد يكون للبائع أيضًا، بأن يخرج الثمن المعين مستحقًا أو ناقصًا ونحو ذلك.
وقوله: (لنقص الصنجة) كتبه المصنف بخطه بـ (اللام) أي: بأن جاء المشتري بصنجة وزن بها، فاتهمه البائع فيها، فضمن شخص نقصها إن نقصت؛ فإنه يصح، ويقع في بعض النسخ بـ (الكاف)، وهي أعم من اللام.
و (الصنجة) بفتح الصاد: فارسية معربة، والجمع: صنج، ويقال: سنجة –بالسين- خلافًا لابن السكيت.
تنبيه:
قال الشيخ: قال الأصحاب في (كتاب البيع): إن ما وجب بكيل أو وزن لا يصح قبضه جزافًا، ومتى قبضه بكيل أو وزن وادعى بعد ذلك أنه أنقص من حقه نقصًا كثيرًا .. لم يقبل قوله في الأصح، وههنا قالوا: يقبل، وما قالوه في البيع محمول على ما إذا قبض بكيل أو وزن معروف لهما، وههنا قبض بصنجة المشتري، والبائع جاهل بها ولكن اعتمد عليه فهل نقول: إن القبض صحيح اعتمادًا على تصديقه ظاهرًا؟ أو نقول: فاسد حتى لا يجوز له التصرف فيما قبضه في الأصح كما إذا قبضه جزافًا؟ لم أر فيه نقلًا، والاقرب: أنه صحيح؛ اعتمادًا على ظن الصدق، ولكن يقبل قوله؛ لعدم حصول الموافقة على الصنجة.
فروع:
الأول: إذا عين الضامن في ضمانه جهة كخروجه مستحقًا .. لم يطالب بجهة أخرى كالرد بالعيب، وإن أطلق ضمان العهدة أو الدرك .. طولب عند خروجه مغصوبًا أو مستحقًا بشفعة، فلو بان الفساد بشرط أو غيره أو خرج المبيع معيبًا فرده .. فوجهان لم يصحح الرافعي في (الكبير) منهما شيئًا، وأقربهما في (الشرح الصغير)
стр. 2027
وَكَوْنُهُ لَازِمًا، لَا كَنُجُومِ كِتَابَةٍ. وَيَصِحُّ ضَمَانُ الثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فِي الأَصَحِّ.
ــ
وزوائد (الروضة): عدم المطالبة، وأجاب في (الحاوي الصغير) بالمطالبة.
الثاني: في صحة ضمان الدرك للمستأجر وجهان حكاهما الرافعي في آخر بابها، وجزم الشيخ بأن ضمان الدرك في الإجارة كهو في البيع.
الثالث: قال ابن القطان: إذا عقد البيع وكتب في شرطه، وأن على البائع إن استحق المبيع غرم ما يحدثه المشتري من بناء وغراس .. فالشرط فاسد؛ لأنه ضمان مجهول، والحيلة لمن أراد ذلك أن يكتب في الصك: ثم بعد تمام العقد وتفرقهما عن تراض ضمن فلان بن فلان لفلان بن فلان –إن خرج المبيع مستحقًا- أرشَ ما يحدثه من بناء أو غراس.
قال: (وكونه لازمًا) أي: حالًا ومآلًا؛ لأنه وثيقة يستوفى منها الحق فصحت في كل دين لازم وإن لم يكن مستقرًا كالرهن.
والمراد بـ (اللازم): ما يلزم من هو عليه أداؤه عند طلب مستحقه.
قال: (لا كنجوم كتابة) كما لا يصح الرهن بها، وقيل: يصح، وهو مخرج من الخلاف في ضمان ما لم يجب وجرى سبب وجوبه، أما ضمان ما على المكاتب من دين لغير سيده .. فإنه يصح.
قال: (ويصح ضمان الثمن في مدة الخيار في الأصح)؛ لأنه آيل إلى اللزوم فألحق به.
والثاني: لا؛ لعدم اللزوم في الحال.
وقال المتولي: الخلاف مفروض فيما إذا كان الخيار للمشتري، أو لهما، فإن كان للبائع وحده .. صح ضمانه بلا خلاف؛ للزومه في حق من عليه.
стр. 2028
وَضَمَانُ الْجُعْلِ كَالرَّهْنِ بِهِ. وَكَوْنُهُ مَعْلُومًا فِي الْجَدِيدِ. وَالإِبْرَاءُ مِنَ الْمَجْهُولِ بَاطِلٌ فِي الْجَدِيدِ
ــ
قال: (وضمان الجعل) في الجديد (كالرهن به)؛ لأن كلًّا منهما للتوثق، وتقدم أنه يصح بعد الفراغ لا قبله، وعبر بـ (الجديد)؛ لأن القديم يصحح ضمان ما لم يجب ولا جرى سبب وجوبه فهذا أولى.
وضمان مال المسابقة إن جعلناها إجارة .. صح، وإلا .. فكالجعل.
قال: (وكونه معلومًا في الجديد)؛ لأنه إثبات مال في الذمة بعقد فأشبه البيع والإجارة، فيشترط العلم بالجنس والقدر والصفة.
والقديم: لا يشترط؛ لأن معرفته متيسرة.
ومحل الخلاف في مجهول تمكن الإحاطة به مثل: أنا ضامن لثمن ما بعت من زيد، كما مثل به في (المحرر) فإن قال: لشيء منه .. بطل جزمًا، ولو قال: لثمن ما ستبيعه .. بطل على الجديد؛ للجهالة وعدم الاستقرار.
وإذا شرطنا العلم فوكل .. ففي اشتراط علم الوكيل أيضًا وجهان: أشبههما في (الرافعي): لا يشترط، وقال في (الكفاية): الجمهور على اشتراطه، والأصح في (الشرح) و (الروضة): أنه لا يشترط القبول، وفي (باب الهبة) من (المطلب): المنصوص اشتراطه.
قال: (والإبراء من المجهول باطل في الجديد) سواء في ذلك مجهول العين والقدر والصفة؛ لأن البراءة متوقفة على الرضا، والرضا بالمجهول غير معقول؛ لأنه تمليك.
والقديم: يصح؛ لأنه إسقاط، فأشبه ما إذا قطع عبد عضوًا من عبد فعفا السيد عن القصاص وهو لا يعلم عين المقطوع .. فإنه يصح، والمصحح في (الشرح) و (الروضة): أن الإبراء تمليك، وفي (الصغير): أنه إسقاط.
стр. 2029
إِلَّا مِنْ إِبِلِ الدِّيَةِ،
ــ
وقال في زوائد (الروضة) في (الرجعة): المختار: أنه لا يطلق ترجيح واحد من القولين، وإنما يختلف الراجح بحسب المسائل؛ لظهور دليل أحد الطرفين.
فروع:
لفظ الترك صريح في الإبراء كما صرح به الروياني، ولو قال: أبرأتك من الدين شهرًا، إن قلنا: إسقاط .. صح، وإن قلنا: تمليك .. فوجهان.
ولو قال: إذا جاء رأس الشهر فقد أبرأتك .. لم يصح جزمًا.
ولو قال: أبرأتك من درهم إلى ألف .. فوجهان، وقيل: قولان: المنصوص منهما في (البويطي): الصحة، وسيأتي قريبًا نظير ذلك من الضمان.
وإذا قال المغتاب لمن اغتابه: اجعلني في حل وهو لا يدري ما اغتابه به فوجهان:
أحدهما: يصح؛ لأنه محض إسقاط.
والأصح في (الأذكار): لا يكفي؛ لأن المقصود رضاه ولا يمكن الرضا بالمجهول، لكن أفتى الحناطي بأن الغيبة إذا لم تبلغ المغتاب .. يكفي فيها الندم والاستغفار، وأنه لو قال: أبرأتك في الدنيا دون الآخرة .. برئ في الدنيا والآخرة، لأن من برئ في الدنيا برئ في الآخرة.
وقوله له: أنت في حل من كذا هل هو صريح في البراءة أو كناية؟ فيه وجهان.
قال: (إلا من إبل الدية) فتصح البراءة منها وإن كانت مجهولة اللون والصفة؛ لأنها تثبت في ذمة الجاني مع اغتفار هذه الجهالة فكذا هنا.
стр. 2030
وَيَصِحُّ ضَمَانُهَا فِي الأًصَحِّ. وَلَوْ قَالَ: ضَمِنْتُ مِمَّا لَكَ عَلَى زَيْدٍ مِنْ دِرْهَمٍ إِلَى عَشَرَةٍ .. فَالأَصَحُّ: صِحَّتُهُ، وَأَنَّهُ يَكُونُ ضَامِنًا لِعَشَرَةٍ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: لِتِسْعَةٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ
ــ
قال: (ويصح ضمانها في الأصح) قياسًا على الإبراء، ولأنها معلومة السن والعدد، والمرجع في صفتها ولونها إلى غالب إبل البلد.
والثاني: لا، لأن الإبراء مطلوب مأمور به فسومح فيه، بخلاف الضمان.
ولا يجوز ضمان الدية على العاقلة قبل تمام السنة؛ لعدم ثبوتها.
قال: (ولو قال: ضمن مما لك على زيد من درهم إلى عشرة .. فالأصح: صحته)؛ لانتفاء الضرر بذكر الغاية.
والثاني: لا يصح؛ لجهالة المقدار، فإنه متردد بين الدرهم والعشرة، وهذا الوجه أقيس عند الغزالي، وأصح عند البغوي والروياني.
قال: (وأنه يكون ضامنًا لعشرة) أي: إذا كانت عليه أو أكثر منها؛ إدخالًا للطرفين.
قال: (قلت: الأصح: لتسعة والله أعلم)؛ إدخالًا للطرف الأول، وهذا الذي صححه المصنف في نظيره من الإقرار كما سيأتي.
وقيل: يكون ضامنًا لثمانية؛ إخراجًا للطرفين، كما لو قال: بعتك من هذا الجدار إلى هذا الجدار .. فإنهما لا يدخلان في البيع، واختار الشيخ موافقة صاحب (التهذيب) في لزوم عشرة في الضمان والإقرار، وكأنه قال: له علي دراهم من درهم إلى عشرة.
والغاية إذا كانت بيانًا لما قبلها دخل طرفاها كما تقول: قرأت القرآن من فاتحته إلى خاتمته، وغسلت يدي من رؤوس الأصابع إلى الإبط، وهذا معنى قولهم: إذا كان من جنس المغيا .. دخلت.
стр. 2031
فَصْلٌ:
الْمَذْهَبُ: صِحَّةُ كَفَالَةِ الْبَدَنِ،
ــ
تتمة:
قال رجلان: ضمنا ما لك على زيد، فهل يطالب كل منهما بجميع الدين أو بنصفه؟ فيه وجهان: أصحهما عند المتولي: بالجميع، كما لو قالا: رهنا عبدنا على ألف يكون نصف كل منهما رهنًا بجميع الألف، وبهذا أفتى الشيخ ﵀ وفقهاء عصره؛ لأن الضمان وثيقة كالرهن، ولأنه لو كفل رجلان رجلًا في وقت واحد، أو في وقتين فسلمه أحدهما قال المزني: يبرأ صاحبه، وقال ابن سريج والأكثرون: لا يبرأ وهو الأصح؛ لأن كلًّا منهما التزم بإحضار وحده فعليهما إحضاران.
وقال الماوردي والبندنيجي والروياني: إن كلًّا منهما يطالب بنصف الألف، كما لو قالا: اشترينا هذا بألف، ولعل هذا أحد الوجهين اللذين حكاهما المتولي.
فإن قيل: إذا قال: ألق متاعك في البحر وأنا وركبان السفينة ضامنون وأطلق .. حمل على التقسيط ولزمه ما يخصه فقط .. فلم لا كان هنا كذلك؟ فالجواب: أن هذا ليس بضمان حقيقة، وإنما هو استدعاء إتلاف مال لمصلحة، كما سيأتي في موجبات الدية والعاقلة والكفارة.
قال: (فصل:
المذهب: صحة كفالة البدن) وهي نوع من الضمان؛ إذ المضمون ينقسم إلى حق في الذمة وإلى عين، وتساهل الغزالي في جعله هذا ركنًا في الضمان.
стр. 2032
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإلى صحتها ذهب الأئمة الثلاثة وكافة العملاء مستدلين بقوله تعالى: ﴿فخذ أحدنا مكانه﴾ أي: كفيلًا عنه ببدنه.
وبما روى البخاري عن أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﷺ ذكر رجلًا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، قال: ائتني بالشهود أشهدهم عليك، قال: كفى بالله شهيدًا، قال: فأتني بكفيل، قال: كفى بالله كفيلًا ...) الحديث.
وروى البيهقي [٨/ ٢٠٦]: أن ابن مسعود ﵁ لما ضرب عنق ابن النواحة حيث أذن في مسجده فقال: أشهد أن مسيلمة رسول الله .. شاور الصحابة في بقية من كان في المسجد حين الأذان، فقال عدي بن حاتم: ثؤلول كفر قد أطلع رأسه فاحسمه، وقال غيره: استتبهم، فإن تابوا .. كفلهم عشائرهم، وإلا .. قتلوا، فتابوا فكفلهم عشائرهم. ورواه البخاري في الترجمة بلا إسناد، وهذا يدل على إجماعهم على صحتها.
ولأن بالناس حاجة إليها كما في كفالة المال، وتسمى أيضًا: كفالة الوجه، وملخص ما فيها في المذهب طريقان: أصحهما: قولان: الأصح: الصحة.
والثاني: عدمها كالكفالة ببدن الشاهد والزوجة، ولأن المكفول به لا يجب عليه تسليم نفسه، وإنما يلزمه الخروج مما عليه من الحق، وهذا هو القياس.
وعلى هذا حمل قول الشافعي ﵁: كفالة البدن ضعيفة، أراد من جهة القياس؛ لأن الحر لا يدخل تحت اليد، ولأنها ضمان ما لا يقدر على تسليمه والجواب عن أثر ابن مسعود ﵁: أنه وقع بعد التوبة، ثم هو ضمان من عليه حد لله تعالى والخصم يسلِّم عدمَ صحة ضمانه، وإلى هذا ذهب القفال والجرجاني
стр. 2033
فَإِنْ كَفَلَ بَدَنَ مَنْ عَلَيْهِ مَالٌ .. لَمْ يُشْتَرَطِ الْعِلْمُ بِقَدْرِهِ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مِمَّا يَصِحُّ ضَمَانُهُ. وَالْمَذْهَبُ: صَحَّتُهَا بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ لِآدَمِيٍّ كَقِصَاصٍ وَحَدِّ قَذْفٍ، وَمَنْعُهَا فِي حُدُودِ اللهِ تَعَالَى. وَتَصِحُّ بِبَدَنِ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ ...
ــ
مستدلين بقوله تعالى: ﴿معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متعنا عنده﴾.
قال: (فإن كفل بدن من عليه مال .. لم يشترط العلم بقدره)؛ لأن تكفل بالبدن لا بالمال.
وقيل: يشترط؛ بناء على أنه لو مات .. غرم الكفيل ما عليه.
قال: (ويشترط كونه مما يصح ضمانه) فلا يصح ببدن المكاتب للنجوم التي عليه؛ لأنه لو ضمن النجوم .. لم يصح.
قال: (والمذهب: صحتها ببدن من عليه عقوبة لآدمي كقصاص وحد قذف)؛ لأنه حق لازم فأشبه المال، وفي قول: لا؛ لأن العقوبات مبنية على الدرء، هذه الطريقة الصحيحة.
والثانية: القطع بالصحة.
والثالثة: القطع بعدمها.
قال: (ومنعها في حدود الله تعالى) كحد السرقة والخمر والزنا؛ للأمر بسترها والسعي في إسقاطها ما أمكن.
وقيل: تصح؛ قياسًا على حقوق الآدميين، والأشهر هنا: طريقة القطع بالمنع، وادعى القاضي أبو الطيب الإجماع عليها.
والثانية: طرد القولين, والخلاف كالخلاف في ثبوت العقوبات بالشهادة على الشهادة وكتاب القاضي.
وتعبيره أولًا بـ (الحقوق) وثانيًا بـ (الحدود) موافق لتعبير (الروضة) و (أصلها)، والأول يشمل التعزير بخلاف الثاني.
قال: (وتصح ببدن صبي ومجنون) أي: بإذن وليهما؛ لأنه قد يستحق
стр. 2034
وَمَحْبُوسٍ وَغَائِبٍ وَمَيِّتٍ لِيُحْضِرَهُ فَيُشْهَدَ عَلَى صُورَتِهِ
ــ
إحضارهما لإقامة البينة على صورتهما في الإتلافات وغيرها إذا لم يعرف الشهود اسمهما ولا نسبهما.
وقال الماوردي: لا يصح التكفل ببدنهما وإن أذن الولي، ثم إذا صححناها بإذن الولي فزال الحجر .. بطلت مطالبته.
والظاهر: أن المعتبر في كفالة بدن السفيه إذن وليه لا إذنه، ويحتمل غيره.
قال: (ومحبوس وغائب)؛ لأن حصول المقصود متوقع فكان كضمان المعسر بالمال، ومنعه أبو حنيفة؛ لتعذر الحصول في الحال.
وعلى المذهب: لابد في الغائب من اشتراط الإذن، ولا فرق فيه بين أن يكون في موضع يلزم الحضور منه إلى مجلس الحكم أو لا، حتى لو أذن ثم انتقل بعد ذلك إلى بلد بها حاكم، أو إلى ما فوق مسافة العدوى فوقعت الكفالة بعد ذلك .. صحت ووجب عليه الحضور معه؛ لأجل إذنه له في ذلك.
قال: (وميت ليحضره فيشهد على صورته)؛ لأن الحاجة قد تدعو إلى ذلك إذا شهد عليه من لا يعرف نسبه، ومحل ذلك قبل الدفن، فإن دفن .. لم تصح الكفالة جزمًا وإليه أشار بقوله: (ليحضره).
وإذا شرطنا في كفالة الحي الإذن .. فههنا يشترط إذن الوارث، ويشترط تعيين المكفول ببدنه، فلو قال: تكفلت ببدن أحد هذين .. لم يصح.
وضابط من تصح الكفالة ببدنه: كل من وجب عليه حضور مجلس الحكم عند
стр. 2035
ثُمَّ إِنْ عَيَّنَ مَكَانَ التَّسْلِيمِ .. تَعَيَّنَ، وَإِلَّا .. فَمَكَانُهَا. وَيَبْرَأُ الْكَفِيلُ بِتَسْلِيمِهِ فِي مَكَانِ التَّسْلِيمِ بِلَا حَائِلٍ كَمُتَغَلِّبٍ
ــ
الطلب لحق الآدمي، أو وجب على غيره إحضاره، فتصح ببدن الكفيل والأجير المعين، وببدن من ادعى عليه فأنكر وانصرف قبل الحلف، وكذلك ببدن العبد الآبق لمولاه ويلزم الكفيل السعي في إحضاره، وببدن المرأة لزوجها، أو لمن يدعي زوجيتها، والمودع ونحوه؛ لأنه يجب عليهما الحضور إذا طلبا لتمكن المرأة من نفسها والمودع من الوديعة ومن عليه حق مالي لله تعالى.
قال: (ثم إن عين مكان التسليم) أي: وكان صالحًا (.. تعين، وإلا .. فمكانها) أي: مكان الكفالة؛ لأن العرف قاض بذلك.
فإن قيل: تقدم في (باب السلم) أن السلم الحال لا يشترط فيه بيان الموضع بلا خلاف، والأصح في المؤجل: أنه لابد من بيان الموضع إذا كان لا يصلح للتسليم، أو يصلح ولكن لنقله مؤنة فما الفرق؟ فالجواب: أن وضع السلم التأجيل، ووضع الضمان الحلول، وسيأتي أنه لا يصح تأقيت الكفالة، وذاك عقد معاوضة وهذا باب غرامة فافترقا.
قال: (ويبرأ الكفيل بتسليمه في مكان التسليم)؛ لقيامه بما وجب عليه، سواء طالبه به المكفول له أم لا، فلو أحضره في غير مكان التسليم .. لم يجب قبوله، لكن يجوز ويبرأ به إذا رضي المكفول له.
قال: (بلا حائل كمتغلب) وكذلك الحبس بغير حق لعدم التمكن، بخلاف حبس الحاكم بالحق؛ فإنه لا يمنع صحة التسليم لإمكان إحضاره ومطالبته، فلو أتى به في غير ذلك المكان .. فللمكفول له أن يمتنع إن كان له فيه غرض بأن كان في غير مجلس الحكم، أو في مكان لا يجد فيه من يعينه على خصمه، فإن لم يختلف الغرض .. لزمه قبوله، فإن امتنع .. رفعه إلى الحاكم ليتسلمه عنه، فإن لم يكن حاكم .. أشهد شاهدين أنه سلم إليه.
следующие страницы →