Полный текст (5 377 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
فَصْلٌ:
الْمَذْهَبُ: صِحَّةُ كَفَالَةِ الْبَدَنِ،
ــ
تتمة:
قال رجلان: ضمنا ما لك على زيد، فهل يطالب كل منهما بجميع الدين أو بنصفه؟ فيه وجهان: أصحهما عند المتولي: بالجميع، كما لو قالا: رهنا عبدنا على ألف يكون نصف كل منهما رهنًا بجميع الألف، وبهذا أفتى الشيخ ﵀ وفقهاء عصره؛ لأن الضمان وثيقة كالرهن، ولأنه لو كفل رجلان رجلًا في وقت واحد، أو في وقتين فسلمه أحدهما قال المزني: يبرأ صاحبه، وقال ابن سريج والأكثرون: لا يبرأ وهو الأصح؛ لأن كلًّا منهما التزم بإحضار وحده فعليهما إحضاران.
وقال الماوردي والبندنيجي والروياني: إن كلًّا منهما يطالب بنصف الألف، كما لو قالا: اشترينا هذا بألف، ولعل هذا أحد الوجهين اللذين حكاهما المتولي.
فإن قيل: إذا قال: ألق متاعك في البحر وأنا وركبان السفينة ضامنون وأطلق .. حمل على التقسيط ولزمه ما يخصه فقط .. فلم لا كان هنا كذلك؟ فالجواب: أن هذا ليس بضمان حقيقة، وإنما هو استدعاء إتلاف مال لمصلحة، كما سيأتي في موجبات الدية والعاقلة والكفارة.
قال: (فصل:
المذهب: صحة كفالة البدن) وهي نوع من الضمان؛ إذ المضمون ينقسم إلى حق في الذمة وإلى عين، وتساهل الغزالي في جعله هذا ركنًا في الضمان.
стр. 2032
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإلى صحتها ذهب الأئمة الثلاثة وكافة العملاء مستدلين بقوله تعالى: ﴿فخذ أحدنا مكانه﴾ أي: كفيلًا عنه ببدنه.
وبما روى البخاري عن أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﷺ ذكر رجلًا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، قال: ائتني بالشهود أشهدهم عليك، قال: كفى بالله شهيدًا، قال: فأتني بكفيل، قال: كفى بالله كفيلًا ...) الحديث.
وروى البيهقي [٨/ ٢٠٦]: أن ابن مسعود ﵁ لما ضرب عنق ابن النواحة حيث أذن في مسجده فقال: أشهد أن مسيلمة رسول الله .. شاور الصحابة في بقية من كان في المسجد حين الأذان، فقال عدي بن حاتم: ثؤلول كفر قد أطلع رأسه فاحسمه، وقال غيره: استتبهم، فإن تابوا .. كفلهم عشائرهم، وإلا .. قتلوا، فتابوا فكفلهم عشائرهم. ورواه البخاري في الترجمة بلا إسناد، وهذا يدل على إجماعهم على صحتها.
ولأن بالناس حاجة إليها كما في كفالة المال، وتسمى أيضًا: كفالة الوجه، وملخص ما فيها في المذهب طريقان: أصحهما: قولان: الأصح: الصحة.
والثاني: عدمها كالكفالة ببدن الشاهد والزوجة، ولأن المكفول به لا يجب عليه تسليم نفسه، وإنما يلزمه الخروج مما عليه من الحق، وهذا هو القياس.
وعلى هذا حمل قول الشافعي ﵁: كفالة البدن ضعيفة، أراد من جهة القياس؛ لأن الحر لا يدخل تحت اليد، ولأنها ضمان ما لا يقدر على تسليمه والجواب عن أثر ابن مسعود ﵁: أنه وقع بعد التوبة، ثم هو ضمان من عليه حد لله تعالى والخصم يسلِّم عدمَ صحة ضمانه، وإلى هذا ذهب القفال والجرجاني
стр. 2033
فَإِنْ كَفَلَ بَدَنَ مَنْ عَلَيْهِ مَالٌ .. لَمْ يُشْتَرَطِ الْعِلْمُ بِقَدْرِهِ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مِمَّا يَصِحُّ ضَمَانُهُ. وَالْمَذْهَبُ: صَحَّتُهَا بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ لِآدَمِيٍّ كَقِصَاصٍ وَحَدِّ قَذْفٍ، وَمَنْعُهَا فِي حُدُودِ اللهِ تَعَالَى. وَتَصِحُّ بِبَدَنِ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ ...
ــ
مستدلين بقوله تعالى: ﴿معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متعنا عنده﴾.
قال: (فإن كفل بدن من عليه مال .. لم يشترط العلم بقدره)؛ لأن تكفل بالبدن لا بالمال.
وقيل: يشترط؛ بناء على أنه لو مات .. غرم الكفيل ما عليه.
قال: (ويشترط كونه مما يصح ضمانه) فلا يصح ببدن المكاتب للنجوم التي عليه؛ لأنه لو ضمن النجوم .. لم يصح.
قال: (والمذهب: صحتها ببدن من عليه عقوبة لآدمي كقصاص وحد قذف)؛ لأنه حق لازم فأشبه المال، وفي قول: لا؛ لأن العقوبات مبنية على الدرء، هذه الطريقة الصحيحة.
والثانية: القطع بالصحة.
والثالثة: القطع بعدمها.
قال: (ومنعها في حدود الله تعالى) كحد السرقة والخمر والزنا؛ للأمر بسترها والسعي في إسقاطها ما أمكن.
وقيل: تصح؛ قياسًا على حقوق الآدميين، والأشهر هنا: طريقة القطع بالمنع، وادعى القاضي أبو الطيب الإجماع عليها.
والثانية: طرد القولين, والخلاف كالخلاف في ثبوت العقوبات بالشهادة على الشهادة وكتاب القاضي.
وتعبيره أولًا بـ (الحقوق) وثانيًا بـ (الحدود) موافق لتعبير (الروضة) و (أصلها)، والأول يشمل التعزير بخلاف الثاني.
قال: (وتصح ببدن صبي ومجنون) أي: بإذن وليهما؛ لأنه قد يستحق
стр. 2034
وَمَحْبُوسٍ وَغَائِبٍ وَمَيِّتٍ لِيُحْضِرَهُ فَيُشْهَدَ عَلَى صُورَتِهِ
ــ
إحضارهما لإقامة البينة على صورتهما في الإتلافات وغيرها إذا لم يعرف الشهود اسمهما ولا نسبهما.
وقال الماوردي: لا يصح التكفل ببدنهما وإن أذن الولي، ثم إذا صححناها بإذن الولي فزال الحجر .. بطلت مطالبته.
والظاهر: أن المعتبر في كفالة بدن السفيه إذن وليه لا إذنه، ويحتمل غيره.
قال: (ومحبوس وغائب)؛ لأن حصول المقصود متوقع فكان كضمان المعسر بالمال، ومنعه أبو حنيفة؛ لتعذر الحصول في الحال.
وعلى المذهب: لابد في الغائب من اشتراط الإذن، ولا فرق فيه بين أن يكون في موضع يلزم الحضور منه إلى مجلس الحكم أو لا، حتى لو أذن ثم انتقل بعد ذلك إلى بلد بها حاكم، أو إلى ما فوق مسافة العدوى فوقعت الكفالة بعد ذلك .. صحت ووجب عليه الحضور معه؛ لأجل إذنه له في ذلك.
قال: (وميت ليحضره فيشهد على صورته)؛ لأن الحاجة قد تدعو إلى ذلك إذا شهد عليه من لا يعرف نسبه، ومحل ذلك قبل الدفن، فإن دفن .. لم تصح الكفالة جزمًا وإليه أشار بقوله: (ليحضره).
وإذا شرطنا في كفالة الحي الإذن .. فههنا يشترط إذن الوارث، ويشترط تعيين المكفول ببدنه، فلو قال: تكفلت ببدن أحد هذين .. لم يصح.
وضابط من تصح الكفالة ببدنه: كل من وجب عليه حضور مجلس الحكم عند
стр. 2035
ثُمَّ إِنْ عَيَّنَ مَكَانَ التَّسْلِيمِ .. تَعَيَّنَ، وَإِلَّا .. فَمَكَانُهَا. وَيَبْرَأُ الْكَفِيلُ بِتَسْلِيمِهِ فِي مَكَانِ التَّسْلِيمِ بِلَا حَائِلٍ كَمُتَغَلِّبٍ
ــ
الطلب لحق الآدمي، أو وجب على غيره إحضاره، فتصح ببدن الكفيل والأجير المعين، وببدن من ادعى عليه فأنكر وانصرف قبل الحلف، وكذلك ببدن العبد الآبق لمولاه ويلزم الكفيل السعي في إحضاره، وببدن المرأة لزوجها، أو لمن يدعي زوجيتها، والمودع ونحوه؛ لأنه يجب عليهما الحضور إذا طلبا لتمكن المرأة من نفسها والمودع من الوديعة ومن عليه حق مالي لله تعالى.
قال: (ثم إن عين مكان التسليم) أي: وكان صالحًا (.. تعين، وإلا .. فمكانها) أي: مكان الكفالة؛ لأن العرف قاض بذلك.
فإن قيل: تقدم في (باب السلم) أن السلم الحال لا يشترط فيه بيان الموضع بلا خلاف، والأصح في المؤجل: أنه لابد من بيان الموضع إذا كان لا يصلح للتسليم، أو يصلح ولكن لنقله مؤنة فما الفرق؟ فالجواب: أن وضع السلم التأجيل، ووضع الضمان الحلول، وسيأتي أنه لا يصح تأقيت الكفالة، وذاك عقد معاوضة وهذا باب غرامة فافترقا.
قال: (ويبرأ الكفيل بتسليمه في مكان التسليم)؛ لقيامه بما وجب عليه، سواء طالبه به المكفول له أم لا، فلو أحضره في غير مكان التسليم .. لم يجب قبوله، لكن يجوز ويبرأ به إذا رضي المكفول له.
قال: (بلا حائل كمتغلب) وكذلك الحبس بغير حق لعدم التمكن، بخلاف حبس الحاكم بالحق؛ فإنه لا يمنع صحة التسليم لإمكان إحضاره ومطالبته، فلو أتى به في غير ذلك المكان .. فللمكفول له أن يمتنع إن كان له فيه غرض بأن كان في غير مجلس الحكم، أو في مكان لا يجد فيه من يعينه على خصمه، فإن لم يختلف الغرض .. لزمه قبوله، فإن امتنع .. رفعه إلى الحاكم ليتسلمه عنه، فإن لم يكن حاكم .. أشهد شاهدين أنه سلم إليه.
стр. 2036
وَبِأَنْ يَحْضُرَ الْمَكْفُولُ وَيَقُولَ: سَلَّمْتُ نَفْسِي عَنْ جِهَةِ الْكَفِيلِ، وَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ حُضُورِهِ. فَإِنْ غَابَ .. لَمْ يَلْزَمِ الْكَفِيلَ إِحْضَارُهُ إِنْ جَهِلَ مَكَانَهُ، وَإِلَّا .. فَيَلْزَمُهُ، وَيُمْهَلُ مُدَّهَ ذَهَابٍ وَإِيَابٍ،
ــ
قال: (وبأن يحضر المكفول ويقول: سلمت نفسي عن جهة الكفيل) كما يبرأ الضامن بأداء الأصيل، وتسليم الأجنبي بإذن الكفيل كتسليمه وبدون إذنه لا يلزمه قبوله، فإن قبل .. برئ، وتسليم الولي كتسليم الكفيل.
وإطلاق المصنف يقتضي: أن الصبي والمجنون إذا سلما أنفسهما عن جهة الكفالة .. كفى، وفيه نظر؛ إذ لا حكم لقولهما، والظاهر أنه إن قبل .. حصل التسليم، وإلا .. فلا.
قال: (ولا يكفي مجرد حضوره) بل لابد أن يقول: سلمت نفسي عن جهة الكفيل؛ إذ لا تسليم من الكفيل ولا ممن ينوب عنه، حتى لو ظفر به خصمه في مجلس حاكم فادعى عليه بتلك الخصومة .. لم يبرأ الكفيل، قاله القاضي حسين.
ولو تكفل برجل لرجلين فسلمه إلى أحدهما .. لم يبرأ عن حق الآخر.
قال: (فإن غاب .. لم يلزم الكفيل إحضاره إن جهل مكانه)؛ لعدم إمكانه فكان كالمعسر بالدين، وقال الجوري: يحبس، وهو شاذ.
قال: (وإلا) أي: وإن عرف مكانه والطريق آمن ولم يذهب إلى قوم يمنعونه (.. فيلزمه)؛ لإمكانه، ومؤنة الإحضار عليه.
قال: (ويمهل مدة ذهاب وإياب) أي: على العادة وإن بعدت المسافة؛ لأنه الممكن، وقال القاضي حسين: لا يمهل.
فإن كان قد ارتد والتحق بدار الحرب ولم يمكن إحضاره .. لم يجب، وإن أمكن .. وجب إحضاره منها.
وإن حبس في بلد آخر .. لزمه أن يخرج إليه ويقضي ما عليه، وإن حبس في البلد
стр. 2037
فَإِنْ مَضَتْ وَلَمْ يُحْضِرْهُ .. حُبِسَ، وَقِيلَ: إِنْ غَابَ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ .. لَمْ يَلْزَمْهُ إِحْضَارُهُ. وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِذَا مَاتَ وَدُفِنَ .. لَا يُطَالَبُ الْكَفِيلُ بِالْمَالِ،
ــ
الذي يجب تسليمه فيها في حبس القاضي .. لم يلزمه إلا أن يحضر مجلس الحكم مع الكفيل، والحاكم مخير إن شاء أحضره إلى مجلس الحكم وسلمه ثم أعاده إلى الحبس، وإن شاء وجهه إلى الحبس ليسلمه فيه.
قال: (فإن مضت) أي: مدة ذهابه وإيابه (ولم يحضره .. حبس)؛ لتقصيره فيما وجب عليه.
وفي (سنن البيهقي): أن رجلًا خاصم ابنًا لشريح إلى شريح كفل له رجلًا عليه دين، فحبسه شريح، فلما كان الليل .. أرسل إليه بفراش وطعام.
وإذا حبس .. سعى في تحصيله بالوكيل، ويدام حبسه إلى أن يتعذر إحضاره بموت ونحوه.
وإذا أدى الدين ثم حضر المكفول .. فالظاهر: أن له استرداده.
قال: (وقيل: إن غاب إلى مسافة القصر .. لم يلزمه إحضاره) كما لو غاب الولي أو شاهد الأصل إلى هذه المسافة .. فإنها كالغيبة المنقطعة، ولا فرق بين أن تطرأ الغيبة أو يكون وقت الكفالة غائبًا.
قال: (والأصح: أنه إذا مات ودفن .. لا يطالب الكفيل بالمال)؛ لأنه لم يلتزمه.
والثاني –وبه قال مالك- يطالب؛ لأنه وثيقة كالرهن.
وعلى هذا: هل يطالب بالدين أو بالأقل منه ومن دية المكفول؟ فيه وجهان: المختار منهما في (الروضة): المطالبة بالدين، والوجهان يجريان في هربه وتواريه.
وإطلاق المصنف يقتضي: أنه لا فرق على الوجهين بين أن يخلف المكفول وفاء
стр. 2038
وَأَنَّهُ لَوْ شُرِطَ مَعَ الْكَفَالَةِ أَنْ يَغْرَمَ الْمَالَ إِنْ فَاتَ التَّسْلِيمُ .. بَطَلَتْ، وَأَنَّهَا لَا تَصِحُّ بِغَيْرِ رِضَا الْمَكْفُولِ .....
ــ
أم لا، قال الشيخ: وظاهر كلامهم: اختصاصه بما إذا لم يخلف.
واحترز بقوله: (دفن) عما إذا لم يدفن واحتيج إلى إحضاره لإقامة البينة على عينه .. فالأصح: أن عليه إحضاره لإقامتها.
واحترز بقوله: (بالمال) عما إذا تكفل ببدن من عليه عقوبة ومات .. فإنه لا يطالب بها، وكذلك إذا تكفل ببدن عبد ومات .. لا شيء عليه، وكذلك لو كان المكفول زوجة الكافل.
قال: (وأنه لو شرط مع الكفالة أن يغرم المال إن فات التسليم .. بطلت)؛ لأنه خلاف مقتضاها.
وقيل: يصح؛ بناء على أنه يغرم عند الإطلاق.
والثالث: تصح الكفالة ويبطل شرط المال، كما سبق في (القرض) أنه إذا شرط أن يرد مكسرًا عن صحيح، أو أن يقرضه غيره .. بطل الشرط، ولا يبطل القرض على الأظهر؛ لأنه زاد خيرًا فلم يفسد العقد.
قال: (وأنها) أي: كفالة البدن (لا تصح بغير رضا المكفول)؛ لأنه لا ولاية للكفيل عليه حتى تلزمه إجابته.
والثاني: تصح، قاله ابن سريج؛ بناء على قوله: إنه يغرم عند العجز.
وأما المكفول له .. فلا يشترط رضاه على الصحيح، كما في ضمان المال.
تتمة:
تكفل ببدن الكفيل كفيل ثم كفيل وكذلك من غير حصر .. جاز؛ قياسًا على ضمان المال، ثم إذا برئ الأصيل .. برئ الجميع، وإذا برئ الكفيل الأول .. برئ من بعده، وإن برئ الأخير .. لا يبرأ من قبله.
ولو مات المكفول له .. بقي الحق لوارثه في الأصح، وقيل: تبطل.
стр. 2039
فَصْلٌ:
يُشْتَرَطُ فِي الضَّمَانِ والْكَفَالَةِ لَفْظٌ يُشْعِرُ بِالالْتِزَامِ كَضَمِنْتُ دَيْنَكَ عَلَيْهِ، أَوْ تَحَمَّلْتُهُ، أَوْ تقَلَّدْتُهُ، أَوْ تَكَفَّلْتُ بِبَدَنِهِ، أَوْ أَنَا بِالْمَالِ، أَوْ بِإِحْضَارِ الشَّخْصِ ضَامِنٌ، أَوْ كَفِيلٌ، أَوْ زَعِيمٌ، أَوْ حَمِيلٌ. وَلَوْ قَالَ: أُؤَدِّي الْمَالَ أَوْ أُحْضِرُ الشَّخْصَ .. فَهُوَ وَعْدٌ
ــ
قال: (فصل:
يشترط في الضمان والكفالة لفظ يشعر بالالتزام)؛ لأن الرضا القلبي لا يعرف إلا بذلك، لكن تعبيره بـ (اللفظ) يخرج الخط والإشارة من الأخرس، مع أن الضمان ينعقد بهما.
قال: (كضمنت دينك عليه، أو تحملته)؛ لاشتهارهما على ألسنة حملة الشرع، وكذلك ضمنت لك كذا.
قال: (أو تقلدته)؛ لأنها في معنى ذلك.
قال: (أو تكفلت ببدنه)؛ لدلالتها على المقصود، وحكم الجزء الشائع كالثلث ونحوه والجزء الذي لا يعيش الشخص بدونه كالوجه والكبد .. حكم جميع البدن كما قاله صاحب (التنبيه) وأقره المصنف عليه، ولا ترجيح في ذلك في (الشرح) و (الروضة)، ولو تكفل بشعره .. لم يصح.
قال: (أو أنا بالمال أو بإحضاره الشخص ضامن، أو كفيل)؛ لما تقدم.
قال: (أو زعيم)؛ لثبوتها في الكتاب والسنة.
قال: (أو حميل) من الحمالة وكذا قبيل على الأصح، وكذلك: أنه به صبير.
وفي قوله: دين فلان علي وجهان: أقواهما: أنه ليس بصريح.
قال: (ولو قال: أؤدي المال أو أحضر الشخص .. فهو وعد)؛ لأن صيغته لا تشعر بالالتزام.
стр. 2040
وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُمَا بِشَرْطٍ، وَلَا تَوْقِيتُ الْكَفَالَةِ، وَلَوْ نَجَّزَهَا وَشَرَطَ تَاخِيرَ الإِحْضَارِ شَهْرًا .. جَازَ، وَأَنَّهُ يَصِحُّ ضَمَانُ الْحَالِّ مُؤَجَّلًا أَجَلًا مَعْلُومًا،
ــ
قال: في (المطلب) هذا إذا خلا عن القرينة، فإن اقترن بما يشعر بالالتزام .. فينبغي أن يصح.
قال: (والأصح: أنه لا يصح تعليقهما بشرط) أي: كفالة المال والبدن؛ لأنهما عقدان فلا يقبلان التعليق كالبيع، وجوز ابن سريج ذلك؛ لأن القبول لا يشترط فيهما فجاز تعليقهما كالطلاق والعتاق.
والخلاف في كفالة البدن مرتب على الخلاف في كفالة المال.
قال: (ولا توقيت الكفالة) قياسًا على الضمان.
والثاني: يصح؛ لأنه قد يكون له غرض في تسليمه في مدة معينة، بخلاف المال؛ فإن المقصود أداؤه.
قال: (ولو نجزها وشرط تأخير الإحضار شهرًا .. جاز)؛ لأنه التزم لعمل في الذمة فجاز مؤجلًا قياسًا على العمل في الإجارة، وفيه وقفة للإمام جعلها في (الوسيط) وجهًا، وكذا في (الشرح الصغير).
وصورة المسألة أن يقول: ضمنت إحضاره بعد شهر، وهو كنظيره من الوكالة، فلو أحضره قبله فامتنع .. فهو كإحضاره في غير مكانه.
قال: (وأنه يصح ضمان الحالِّ مؤجلًا أجلًا معلومًا)؛ لأن الحاجة قد تدعو إلى ذلك.
والثاني: يفسد الضمان؛ لمخالفة الملتزم ما على الأصيل.
والثالث: يصح الضمان ويبطل التأجيل، والزيادة في الأجل بمثابة أصل التأجيل فتأتي فيه الأوجه، والذي صححه المصنف هو الأصح، ووقع في (المحرر) تصحيح أنه لا يصح، ولك أن تقول: ما الفرق بين هذا وبين ما إذا رهن على دين حال وشرط
стр. 2041
وَأَنَّهُ يَصِحُّ ضَمَانُ الْمُؤَجَّلِ حَالًّا، وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّعْجِيلُ. وَلِلْمُسْتَحِقِّ مُطَالَبَةُ الضَّامِنِ وَالأَصِيلِ، .....
ــ
في الرهن أجلًا؛ فإنه لا يصح ولا عكسه كما صرح به الماوردي، والضمان والرهن كلاهما وثيقة؟
قال: (وأنه يصح ضمان المؤجل حالًّا)؛ لأنه تبرع بالتزام التعجيل فصح كأصل الضمان.
والثاني: لا؛ للمخالفة وصححه الروياني.
وعلى الأصح: لو أطلق الضمان .. ثبت مؤجلًا على الصحيح.
قال: (وأنه لا يلزمه التعجيل) كما لو كان عليه دين مؤجل فالتزم تعجيله.
والثاني: يلزمه ما التزم؛ لأنه صفة لتبرع لازم فكان كما لو نذر عتق عبد مؤمن أو سليم من العيوب ونحو ذلك، ولا خلاف أن الدين على الأصيل لا يتغير.
قال: (وللمستحق مطالبة الضامن والأصيل) أما الضامن .. فلقوله ﷺ : (الزعيم غارم) وأما الأصيل .. فلأنه لم يبرأ.
وقال مالك وأبو ثور: لا تجوز مطالبة الضامن إلا بعد عجز المضمون عنه، واختاره ابن أبي هريرة.
وقال ابن جرير: يطالب من شاء منهما، فإذا طالب أحدهما .. لم يكن له مطالبة الآخر، والمذهبان شاذان.
وعلى المذهب: له مطالبة أحدهما بالبعض والآخر بالباقي.
وعدل المصنف عن قول (المحرر): (وللمضمون له) إلى قوله: (المستحق)؛ ليدخل فيه الوارث، لكنه يشمل المحتال مع أنه لا يطالب الضامن؛ لأن ذمته قد برئت كما تقدم.
وشملت عبارة المصنف: ما إذا كان عليه ألف بها رهن وضامن والأصح: أنه إن
стр. 2042
وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الأَصِيلِ. وَلَوْ أَبْرَأَ الأَصِيلَ .. بَرِئَ الضَّامِنُ، وَلَا عَكْسَ. وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا .. حَلَّ عَلَيْهِ دُونَ الآَخَرِ
ــ
شاء طالب الضامن، وإن شاء باع الرهن، وقيل: ليس له بيع الرهن إلا بعد العجز عن مطالبة الضامن، وقيل: عكسه.
قال: (والأصح: أنه لا يصح) أي: الضمان (بشرط براءة الأصيل)؛ لمنافاته مقتضى العقد.
والثاني: يصح الضمان والشرط؛ لما رواه جابر ﵁ في قصة ضمان أبي قتادة ﵁ قال: (فجعل النبي ﷺ يقول: (هما عليك وفي مالك والميت منهما برئ) فقال: نعم، فصلى عليه) قال الحاكم [٢/ ٥٨]: صحيح الإسناد.
والثالث: يصح الضمان ويبطل الشرط، كما لو أعتق عبدًا بشرط أن يعطيه شيئًا.
قال: (ولو أبرأ الأصيل .. برئ الضامن)؛ لسقوط الحق.
قال: (ولا عكس)؛ لأنه إسقاط للوثيقة فلا يسقط بها الدين كفك الرهن، وفي معنى الإبراء: أداء الدين والاعتياض عنه والحوالة به، فلو عبر بقوله: (برئ) .. كان أشمل.
قال: (ولو مات أحدهما .. حل عليه) الدين (دون الآخر)؛ لأن ذمة الميت خربت، والحي يرتفق بالأجل، وقيل: لا يحل على الضامن بموت نفسه، وقيل: يحل عليه بموت الأصيل.
والجنون والاسترقاق كالموت في الحلول كما تقدم في (الفلس).
وعلى الصحيح: لو أخر المستحق المطالبة .. كان للضامن –على الأصح- أن
стр. 2043
وَإِذَا طَالَبَ الْمُسْتَحِقُّ الضَّامِنَ .. فَلَهُ مُطَالَبَةُ الأَصِيلِ بِتَخْلِيصِهِ بِالأَدَاءِ إِنْ ضَمِنَ بِإِذْنِهِ،
ــ
يطالبه بأخذ حقه من تركة الأصيل، أو إبرائه من الضمان؛ لأنه قد تهلك التركة ولا يجد مرجعًا.
واستثنى شارح (التعجيز) ما لو ضمن المؤجل حالًا –وقلنا بالأصح أنه يكون مؤجلًا- فإنه يحل على الضامن بموت الأصيل على الأصح، وهو حسن.
تحقيق:
الدين الذي على الأصيل هو الذي على الضامن باعتبار ذاته كفرض الكفاية، وإنما عرض له التعدد باعتبارهما؛ فلذلك حل على أحدهما دون الآخر، ويثبت على أحدهما حالًّا وعلى الآخر مؤجلًا.
قال: (وإذا طالب المستحق الضامن .. فله مطالبة الأصيل بتخليصه بالأداء إن ضمن بإذنه) قياسًا على تغريمه إذا غرم، ومعنى التخليص: أن يؤدي دين المضمون له ليبرأ الضامن، وقيل: ليست له هذه المطالبة، قال الإمام: وهو متجه في القياس.
وإذا كان المضمون عنه صغيرًا، وطولب الضامن بإذن الولي .. فله مطالبة الولي بالتخليص ما لم يبلغ، فإذا بلغ .. كان هو المطالب به.
стр. 2044
وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُطَالِبُهُ قَبْلَ أَنْ يُطَالَبَ.
وَلِلضَّامِنِ الرُّجُوعُ عَلَى الأَصِيلِ إِنْ وُجِدَ إِذْنُهُ فِي الضَّمَانِ وَالأَدَاءِ،
ــ
فرع:
إذا حبس المضمون له الضامن هل له حبس الأصيل؟ فيه وجهان:
أصحهما: كما قال الرافعي: لا، وتابعه عليه في (المطلب) وزاد أنه لا يلازمه بترسيم ولا غيره.
وصحح الشيخ أن له حبسه قال: وإلا .. فلا فائدة في طلبه، بل ينبغي أن يكون له حبسه إذا طولب وإن لم يحبس؛ ليرهقه إلى تخليصه، لأن المطلوب إذا علم أنه لا يحبس .. لم يبال بالامتناع.
قال: (والأصح: أنه لا يطالبه قبل أن يطالب)؛ لأنه لم يتوجه إليه خطاب ولم يغرم شيئًا.
والثاني: له المطالبة بالتخليص، كما لو استعار شيئًا فرهنه .. فإن للمالك مطالبته بفكه.
وفرق الأولون بأن الرهن محبوس بالدين وفيه ضرر، والضامن ليس محبوسًا به.
ومحل الخلاف إذا كان الدين حالًّا، فإن كان مؤجلًا .. لم يكن له مطالبته قطعًا.
قال: (وللضامن الرجوع على الأصيل إن وجد إذنه في الضمان والأداء)؛ لأنه صرف ماله إلى منفعة غيره بإذنه فكان كما لو قال: اعلف دابتي .. ففعل، واستدل له البيهقي [٦/ ٧٤] بأن الفضل بن العباس ﵄ قال: أتاني رسول الله ﷺ وهو يوعك وعكًا شديدًا قد عصب رأسه فقال: (خذ بيدي يا فضل، قال: فأخذت بيده حتى قعد على المنبر ثم قال: من كنت أخذت منه شيئًا .. فهذا
стр. 2045
وَإِنِ انْتَفَى فِيهِمَا .. فَلَا. وَإِنْ أَذِنَ فِي الضَّمَانِ فقَطْ .. رَجَعَ فِي الأَصَحِّ،
ــ
مالي فليأخذ منه، فقام رجل فقال: يا رسول الله؛ إن لي عندك ثلاثة دراهم، فقال: أما أنا فلا أكذب قائلًا ولا أستحلف على يمين، فيم كانت لك عندي؟ فقال: أما تذكر أنه مر بك سائل فأمرتني فأعطيته ثلاثة دراهم؟ فقال: أعطه يا فضل).
وعبارة (المحرر): (إذا ضمن وأدى بإذنه) وهي أحسن؛ لأنه لا يلزم من الإذن في الأداء حصول الأداء، والرجوع متوقف على نفس الأداء وفي المسألة وجه رمز له صاحب (التقريب).
أما إذا شرط مع ذلك الرجوع .. فلا خلاف أنه يرجع.
ثم الرجوع في المثلي بالمثلي وفي المتقوم بالمثل الصوري كالقرض على الأصح، وقيل: بالقيمة.
قال: (وإن انتفى فيهما .. فلا)؛ لأنه متبرع، وخالف في ذلك مالك وأحمد.
لنا: حديث أبي قتادة ﵁؛ لأنه ﷺ صلى على الميت، ولو كان لأبي قتادة ﵁ الرجوع .. لما صلى لبقاء الدين.
قال: (وإن أذن في الضمان فقط .. رجع في الأصح)؛ لأنه أذن في سبب الرجوع والأداء مرتب عليه.
والثاني: لا رجوع .. لأنه غرم بغير إذن.
والثالث: إن طولب ولم تمكنه مراجعة الأصيل لغيبة أو حبس ونحوهما .. رجع؛ لأنه مضطر إلى الأداء، وإلا .. فلا.
وقوله: (فقط) يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يسكت عن الأداء وهذا واضح.
والثاني: أن ينهاه عنه.
قال شيخنا: ويتجه أن يقال: إن كان النهي بعد الضمان .. لم يؤثر، وإن كان قبله، فإن انفصل عن الإذن .. كان رجوعًا عنه، وإن اتصل به .. أفسده.
стр. 2046
وَلَا عَكْسَ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ أَدَّى مُكَسَّرًا عَنْ صِحَاحٍ أَوْ صَالَحَ عَنْ مِئَةٍ بِثَوْبٍ قِيمَتُهُ خَمْسُونَ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إِلَّا بِمَا غَرِمَ
ــ
قال: (ولا عكس في الأصح) أي: إذا ضمن غير إذن وأدى به .. فالأصح: لا يرجع؛ لأن وجوب الأداء سببه الضمان ولم يأذن فيه.
والثاني: يرجع؛ لأنه أسقط الدين عن الأصيل بإذنه، فلو كان الإذن في هذه الصورة بشرط الرجوع .. فالأصح في (الروضة): أنه يرجع وبه جزم الماوردي.
تنبيهان:
أحدهما: إنما يرجع الضامن حيث يكون قد أدى من ماله، فإن أدى من يتهم الغارمين .. لم يرجع على الأصح، كذا قاله الشيخان وغيرهما في (قسم الصداقات).
الثاني: إحالة الضامن المضمون له وقبوله الحوالة عليه، ومصالحتهما عن الدين على عوض، وصيرورة الدين ميراثًا للضامن كالأداء في ثبوت الرجوع وعدمه، كذا وقع في (الشرح) و (الروضة)، وغلطهما في (المهمات) فيما ذكراه في الميراث؛ لأن ذمته برئت من الضمان بالإرث، وأما الحق فباق في ذمة المضمون، ولا يلزم من براءة ذمة الكفيل براءة ذمة الأصيل، وحينئذ فله مطالبته وإن ضمن بغير إذن.
قال: (ولو أدى مكسرًا عن صحاح أو صالح عن مئة بثوب قيمته خمسون .. فالأصح: أنه لا يرجع إلا بما غرم)؛ لأنه الذي بذله.
والثاني: يرجع بالصحاح والمئة؛ لحصول براءة الذمة به، والنقصان جرى من رب الدين مسامحة للضامن.
والثالث: يرجع في المئة لا في الصحاح؛ لأن غير الجنس يقع عوضًا، والمكسر
стр. 2047
وَمنْ أَدَّى دَيْنَ غَيْرِهِ بِلَا ضَمَانٍ وَلَا إِذْنٍ .. فَلَا رُجُوعَ، وَإِنْ أَذِنَ بِشَرْطِ الرُّجُوعِ .. رَجَعَ، وَكَذَا إِنْ أَذِنَ مُطْلَقًا فِي الأَصَحِّ
ــ
لا يقع عوضًا عن الصحيح، بل هو مجرد مسامحة، فلو كانت قيمة الثوب أكثر من مئة .. لم يرجع إلا بمئة.
فلو قال: بعتك هذا الثوب بما ضمنته لك .. فالمختار في (الروضة): صحة البيع والرجوع بما ضمنه.
ولو ضمن ذمي لذمي دينًا على مسلم، ثم تصالحا على خمر .. فالأصح: أنه لا يرجع ولا يبرأ؛ لتعلقهما بالمسلم ولا قيمة للخمر.
قال: (ومن أدى دين غيره بلا ضمان ولا إذن .. فلا رجوع)؛ لأنه متبرع، وخالف ما لو وضع طعامه في فم مضطر حيث يرجع عليه وإن لم يأذن؛ لأنه واجب عليه استنقاذًا لمهجته.
قال: (وإن أذن بشرط الرجوع .. رجع)؛ لقوله ﷺ : (المسلمون عند شروطهم) صححه ابن حبان من رواية أبي هريرة ﵁.
وفي حكم الإذن بشرط الرجوع التوكيل بالشراء على الأصح؛ لأن في ضمن أمره بالشراء أمره بدفع الثمن وستأتي المسألة.
قال: (وكذا إن أذن مطلقًا في الأصح)؛ لاقتضاء العرف الرجوع.
والثاني: لا يرجع واختاره الشيخ أبو حامد؛ لأنه لم يوجد منه إلا الإذن في الأداء كما هو الأصح فيما إذا قال: اغسل ثوبي ولم يسم له أجرًا، لكن الفرق أن المسامحة في المنافع أكثر منها في الأعيان.
والثالث: إن كان حالهما يقتضي الرجوع .. رجع، وإلا .. فلا، فلو قال: أدِّ دين فلان .. لم يرجع على الآمر، وإن قال: أدّ دين ضامني .. فهو كما لو قال: أدّ ديني.
стр. 2048
وَالأَصَحُّ: أَنَّ مُصَاَلَحَتَهُ عَلَى غَيْرِ جِنْسِ الدَّيْنِ لَا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ. ثُمَّ إِنَّمَا يَرْجِعُ الضَّامِنُ وَالْمُؤَدِّي إِذَا أَشْهَدَ بِالأَدَاءِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ، وَكَذَا رَجُلٌ لِيَحْلِفَ مَعَهُ فِي الأَصَحِّ
ــ
قال: (والأصح: أن مصالحته على غير جنس الدين لا تمنع الرجوع)؛ لأن الإذن إنما يقصد به البراءة وقد حصلت.
والثاني: تمنع؛ لأنه إنما أُذن في الأداء دون المصالحة.
والثالث: إن قال: أدِّ ما علي من الدراهم مثلًا .. لا يرجع، وإن قال: أدِّ ديني أو ما علي .. رجع.
فإن قيل: جزموا في الضمان بأن المصالحة لا تمنع الرجوع، ولم يخرجوه على الخلاف هنا .. فالجواب: أن مصالحة الضامن وقعت عن حق وجب عليه، بخلاف المأذون له بلا ضمان.
هذا في المأذون له إذا صالح على غير الجنس، أما الضامن .. فإنه إذا صالح على غير جنس الدين .. فإنه يرجع اتفاقًا، والفرق بينه وبين المأذون: أن مصالحة الضامن وقعت عن حق وجب عليه؛ لأن الدين ثبت في ذمته ثبوته في ذمة الأصيل، والمأذون له من غير ضمان ليس كذلك.
قال: (ثم إنما يرجع الضامن والمؤدي إذا أشهد بالأداء رجلين أو رجلًا وامرأتين)؛ لثبوت الحق بكل منهما.
قال: (وكذا رجل ليحلف معه في الأصح)؛ لأنه كاف في إثبات الأموال.
والثاني: لا؛ لأنهما قد يترافعان إلى من لا يقضي بالشاهد واليمين فنسب في ذلك إلى تقصير.
وصورة هذه المسألة: أن يموت الشاهد أو يغيب ويرفع الواقعة إلى حنفي لا يقضي بشاهد ويمين، أما لو حضر وشهد وحلف معه الضامن عند من يحكم به .. فإنه يرجع قطعًا، كذا نقله في (المطلب) عن جماعة.
стр. 2049
فَإِنْ لَمْ يُشهِدْ .. فَلَا رُجُوعَ إِنْ أَدَّى فِي غَيْبَةِ الأَصِيلِ وَكَذَّبَهُ، وَكَذَا إِنْ صَدَّقَهُ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمَضْمُونُ لَهُ أَوْ أَدَّى بِحَضْرةِ الأَصِيلِ .. رَجَعَ عَلَى الْمَذْهَبِ.
ــ
ولا يكفي إشهاد من يعلم سفره عن قريب أو موته؛ لأنه لا يفضي إلى مقصود.
ولو أشهد مستورين فبانا فاسقين .. رجح الرافعي والمصنف الاكتفاء بذلك؛ لأنه لا اطلاع له على الباطن.
قال الشيخ: وعندي أنه لابد أن يكونا معدلين على حاكم؛ ليكون معذورًا في خفاء باطن أمرهما، أما المستور الذي لم يعدله حاكم .. فلا يكفي، ولو كان هو يعرف عدالتهما وأنهما ممن يزكيان عند الحاجة .. أغنى ذلك عن كونهما معدلين عند الحاكم.
وإن أشهد مستورين فعدلا .. رجع، وكذا إن أشهد من لا تقبل شهادته ثم صار مقبولًا.
قال: (فإن لم يشهد .. فلا رجوع إن أدى في غيبة الأصيل وكذبه)؛ لأن الأصل عدم الأداء؛ وهو بترك الإشهاد مقصر.
قال: (وكذا إن صدقه في الأصح)؛ لأنه لم يؤد ما ينتفع به الأصيل، لأن طلب الحق مستمر.
والثاني: يرجع؛ لاعترافه ببراءة ذمته.
ومحل الوجهين: إذا لم يأمره الأصيل بالإشهاد، فإن أمره به فلم يفعل .. لم يرجع جزمًا، وإن أذن له في تركه .. رجع، قالهما في (البحر).
قال: (فإن صدقه المضمون له أو أدى بحضرة الأصيل .. رجع على المذهب).
فيما إذا صدقه المضمون له وجهان:
أصحهما: الرجوع؛ لسقوط طلب المستحق بإقراره الذي هو أقوى من البينة.
والثاني: لا؛ لأن قول رب المال ليس حجة على الأصيل.
стр. 2050
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفيما إذا أدى بحضرة الأصيل .. المنصوص: أنه يرجع؛ لأن التقصير في تلك الحالة منسوب إلى الأصيل حيث لم يحتط لنفسه بخلاف الغيبة.
وقيل: لا يرجع، كما لو ترك الإشهاد مع الغيبة، والمسألتان ليس فيهما طرق إنما عبر في (الروضة) في الأولى بالأصح وفي الثانية بالصحيح.
تتمة:
قال: أشهدت فلانًا وفلانًا فكذباه .. فهو كما لو لم يشهد، بخلاف ما لو أقرت المرأة بالنكاح بحضرة شاهدين فكذباها، فإنه لا يقدح في إقرارها على وجه؛ لأنها قد أقرت بحق عليها فلم يلغ بإنكارهما، وهذا يريد أن يثبت له حقًا.
* * *
خاتمة
ضمن عشرة فأدى خمسة وأبرئ عن الباقي لم يرجع إلا بما أدى، ويبرأ الضامن والأصيل عن الباقي، وهذه تقدمت في (الصلح).
وإذا باع من رجلين وشرط أن يكون كل منهما ضامنًا عن صاحبه .. بطل البيع؛ لأنه شرط على المشتري التزام غير الثمن.
وعن القديم: لو كاتب عبدين وشرط أن كلًّا منهما ضامن لصاحبه .. جاز، فيحتمل أن يطرد في البيع، والمشهور: القطع بالبطلان.
قال الشيخ: وقد رأيت ابن الرفعة في حسبته يمنع أهل الأسواق من البيع مسلمًا، ومعناه: التزام المشتري بما يلزم البائع من الدلالة وغيرها، ولعله أخذه من هذه المسألة.
* * *
стр. 2051
فهرس الكتاب
كتاب البيع
... ٧
باب الربا
... ٥٧
باب في البيوع المنهيّ عنها
... ٧٧
فصل: فيما نهي عنه من البيوع
... ٩٠
فصل: في تفريق الصفقة وتعددها
١٠٠
باب الخيار
١٠٩
فصل: في خيار الشرط
١١٦
فصل: في خيار النقيصة
١٢٢
فرع: اشترى عبدين معيبين صفقة ردهما
١٤٢
فصل: في التغرير الفعلي
... ١٤٧
باب في حكم المبيع قبل قبضه وبعده
... ١٥٢
فرع: للمشتري قبض المبيع استقبالًا
... ١٦٦
فرع: قال البائع لا أسلم المبيع حتى أقبض ثمنه وقال المشتري في الثمن مثله
... ١٦٨
باب التولية وَالإشراك وَالمرابحة
... ١٧٤
باب في بيان بيع الأصول وَالثمار وغيرهما
... ١٨٤
فرع: باع شجرة رطبة دخل عروقها وورقها
... ١٩٦
فصل: في بيان بيع الثمر والزرع
... ٢٠٤
باب اختلاف المتبايعين
... ٢١٨
باب في معاملة الرقيق
... ٢٢٧
كتاب السلم
... ٢٣٧
فصل: في بقية الشروط
... ٢٤٩
فرع: يصح السلم في الحيوان
٢٦٠
فصل: في أداء غير المسلم فيه عنه
٢٧٤
فصل: في القرض
٢٧٧
كتاب الرهن
٢٩٣
فصل: في شروط المرهون به
٣٠٣
فصل: فيما يترتب على لزوم الرهن
٣١٩
فصل: في الجناية من المرهون
٣٣٦
فصل: في الاختلاف في الرهن
٣٤٠
стр. 2052
فصل: في تعلق الدين بالتركة
٣٤٦
كتاب التفليس
٣٥٣
فصل: فيما يفعل في مال المحجور عليه بالفلس
٣٦٥
فصل: في رجوع المعامل للمفلس
٣٨١
باب الحجر
٣٩٦
فصل: فيمن يلي الصبي وكيفية تصرفه في ماله
٤٢١
باب الصلح
٤٣٢
فصل: في التزاحم على الحقوق المشتركة
٤٤٣
باب الحوالة
٤٦٨
باب الضمان
٤٨١
فصل: في كفالة البدن
٤٩٥
فصل: في بيان الصيغة
٥٠٣
فهرس الكتاب
٥١٥
* * *
стр. 2053
كِتَابُ الشِّرْكَةِ
ــ
كتاب الشركة
أفصح لغاتها: كسر الشين وإسكان الراء.
والثانية: فتح الشين وكسر الراء.
والثالثة: فتح الشين وسكون الراء.
وهي في اللغة: الاختلاط والامتزاج.
وفي الشرع: ثبوت الحق في الشيء الواحد لاثنين فصاعدًا على جهة الشيوع.
ومقصود الباب الشركة التي تحدث بالاختيار لقصد التصرف وتحصيل الأرباح، وليست عقدًا مستقلًا، بل هي في الحقيقة وكالة وتوكيل.
والأصل فيها: قوله تعالى: ﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر﴾ وبالضرورة كانوا مشتركين إما في عينها ملكًا، أو في منفعتها إجارة أو إعارة.
وقوله تعالى: ﴿وإن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض﴾.
وقوله ﷺ : (يقول الله ﵎: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه .. خرجت من بينهما) أي: تنزع البركة من مالهما. رواه أبو داوود [٣٣٧٦] والحاكم [٢/ ٥٢] وقال: صحيح الإسناد.
وروى البخاري [٢٤٩٨] وأحمد [٣/ ٤٢٥]: أن البراء بن عازب وزيد بن أرقم ﵄ كانا شريكين، وكان السائب بن أبي السائب ﵁ فيما قيل- شريكًا لرسول الله ﷺ قبل المبعث، وافتخر بعد البعثة بشركته فقال: (كان ﵊ شريكي، نعم شريك لا يداري ولا يماري ولا يشاري).
стр. 2054
هِيَ أَنْوَاعٌ: شِرْكَةُ الأَبْدَانِ كَشِرْكَةِ الْحَمَّالِينَ وَسَائِرِ الْمُحْتَرِفَةِ؛ لِيَكُونَ بَيْنَهُمَا كَسْبُهُمَا مُتَسَاوِيًا أَوْ مُتَفَاوِتًا مَعَ اتِّفَاقِ الصَّنْعَةِ أَوِ اخْتِلاَفِهَا. وَشِرْكَةُ الْمُفَاوَضَةِ؛ لِيَكُونَ بَيْنَهُمَا كَسْبُهُمَا وَعَلَيْهِمَا مَا يَعْرِضُ مِنْ غُرْمٍ.
ــ
و (المشاراة): الملاحاة واللجاج في الأمر، وأجمعت الأمة على جوازها.
قال: (هي أنواع) أي: أربعة، وهذا التقسيم لمطلق الشركة لا للشركة الصحيحة.
قال: (شركة الأبدان كشركة الحمالين وسائر المحترفين؛ ليكون بينهما كسبهما متساويًا أو متفاوتًا، مع اتفاق الصنعة أو اختلافها) كخياط ونجار وهي باطلة؛ لأنها نوع من القمار، ولأن كل واحد منهما متميز ببدنه ومنافعه فيختص بفوائده، كما لو اشتركا في الاصطياد والاحتطاب .. فإن الأئمة اتفقوا على امتناع ذلك، وجوزها أبو حنيفة مطلقًا، وحكاه صاحب (التقريب) وجهًا شاذًا.
وقال مالك: تجوز بشرط اتحاد الصنعة.
وعن أحمد روايتان كالمذهبين.
واحتج المجوزون بما روى أبو داوود [٣٣٨١] عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: (اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر، فجاء سعيد بأسيرين ولم أجيء أنا وعمار بشيء).
وجوابه: أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه شيئاً، وفي معناه إشكال؛ لأن الغنيمة للغانمين وهم في بدر كلهم سواء، وإن كانت للنبي ﷺ .. فهو يعطيها لمن شاء، فلا دليل على صحتها، وإذا فعلا ذلك واكتسبا، فإن انفردا .. فلكل كسبه، وإلا .. فيقسم الحاصل على قدر أجرة المثل.
قال: (وشركة المفاوضة؛ ليكون بينهما كسبهما) أي: بالبدن (وعليهما ما يعرض من غرم) فهي باطلة أيضًا خلافًا لأبي حنيفة.
لنا: أنها مشتملة على أنواع من الغرر، ولهذا قال الشافعي ﵁: لا أعرف شيئًا في الدنيا يكون باطلًا إن لم تكن شركة المفاوضة باطلًا ولا أعلم القمار إلا هذا.
стр. 2055
وَشِرْكَةُ الْوُجُوهِ؛ بِأَنْ يَشْتَرِكَ الْوَجِيهَانِ لِيَبْتَاعَ كُلٌ مِنْهُمَا بِمُؤَجِّلٍ لَهُمَا، فَإِذَا بَاعَا .. كَانَ الْفَاضِلُ عَنِ الأَثْمَانِ بَيْنَهُمَا
ــ
قال الشيخ: وقوله: (باطلًا) بغير هاء صحيح؛ لأن الباطل مصدر وما رأيت الشافعي ﵁ يستعمله إلا هكذا.
وسميت مفاوضة من قولهم: تفاوضا في الحديث إذا شرعا فيه جميعًا.
وقيل: من قولهم: قوم فوضى، أي: مستوون.
وإذا فعلا ذلك .. أخذ كل منهما ربح ماله وأجرة عمله وضمن ما يختص به، وإذا استعملا لفظ المفاوضة وأرادا شركة العنان .. فالمنصوص الجواز، وهو يقوي صحة العقود بالكنايات.
قال: (وشركة الوجوه؛ بأن يشترك الوجيهان ليبتاع كل منهما بمؤجل لهما، فإذا باعا .. كان الفاضل عن الأثمان بينهما) وعبر في (الروضة) بـ (يشتري) بدل (يشترك) وهو سبق قلم.
و (الوجيه): الذي له وجاهة، وكذلك الحكم لو كان لأحدهما وجاهة فيقول لمن لا وجاهة له: أنا آخذ المال بجاهي وأنت تتصرف فيه والربح بيننا .. فهي باطلة؛
стр. 2056
وَهَذِهِ الأَنْوَاعُ بَاطِلَةٌ .. وَشِرْكَةُ الْعِنَانِ صَحِيحَةٌ، وَيُشْتَرَطُ فِيهَا: لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَى الإِذْنِ فِي التَّصَرُّفِ، فَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى: اشْتَرَكْنَا .. لَمْ يَكْفِ فِي الأَصَحِّ،
ــ
لأنها شركة في غير مال، فبطلت كالشركة في الاحتطاب والاصطياد، ولأن ما اشتراه كل منهما ملك له وخسرانه عليه.
قال: (وهذه الأنواع باطلة)؛ لما تقدم.
قال: (وشركة العنان صحيحة) بالإجماع، وهي بالكسر العين مأخوذة من عنان فرسي الرهان؛ لأن الفارسين إذا استبقا تساوى عنان فرسيهما، فاستواؤهما كاستواء الشريكين في ولاية الفسخ والتصرف واستحقاق الربح على قدر رأس المالين.
وقيل: من عن الأمر إذا ظهر؛ لأن جوازها ظاهر.
قال: (ويشترط فيها: لفظ يدل على الإذن في التصرف)؛ لأن المال مشترك، وكل يتصرف في ماله ومال الآخر فاشترط الإذن منهما.
وفي (الشرح) و (الروضة): لابد من لفظ يدل على الإذن في التجارة، وعبارة الكتاب قاصرة عن ذلك.
وعن ابن سريج: إذا خلطا المالين بقصد الشركة أو ابتاعا شيئًا على قصدها .. كان كافيًا في التصرف، وبه أجاب صاحب (الإفصاح)، وهو مخرج على انعقاد البيع بالمعاطاة.
قال: (فلو اقتصر على: اشتركا .. لم يكف في الأصح)؛ لأنه يحتمل أن يكون إخبارًا عن حصول الشركة، ولا يلزم من حصولها جواز التصرف، كما في الشركة بالإرث وغيره.
والثاني: يكفي؛ لأنه يفهم منه الإذن عرفًا، ولو اقتصرا على الإذن ولم يقولا: اشتركنا .. كفى في الأصح كالقراض.
стр. 2057
وَفِيهِمَا: أَهْلِيَّةُ التَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُّلِ
ــ
والتحقيق: أنهما إذا قالا: اشتركنا ونويا الإذن في التصرف .. صح، وإنما الوجهان عند تجرد اللفظ عن الإرادة.
وإشارة الأخرس قائمة مقام لفظه كما تقدم، فهي وما قبلها واردان على المصنف.
ثم على الصحيح: إذا أذن كل منهما للآخر .. فذاك، وإن أذن أحدهما فقط .. تصرف المأذون له في الجميع، ولم يتصرف الآخر إلا في نصيبه.
وإذا عين جنسًا .. لم يتصرف المأذون له في غيره، سواء كان مما يعم وجوده أم لا، بخلاف القراض.
قال: (وفيهما: أهلية التوكيل والتوكل)؛ لأن كلاً منهما وكيل عن صاحبه وموكل له، هذا إذا أذن كل منهما للآخر في التصرف، فإن كان التصرف من أحدهما فقط .. اشترط فيه أهلية التوكل، وفي الإذن أهلية التوكيل، حتى يصح أن يكون الثاني أعمى دون الأول.
ودخل في إطلاق المصنف مسألتان لم يصرح بهما الرافعي.
إحداهما: المكاتب، قال في (المطلب): وينبغي أن لا يصح ذلك منه إن كان هو المأذون له؛ لما فيه من التبرع بعمله، ويصح إن كان هو الآذن.
الثانية: عقد الشركة على مال المحجور عليه.
قال: وقد يقال بمنعها؛ لاستلزامها خلط ماله قبل العقد بلا مصلحة، بل قد يؤثر نقصًا. اهـ
وإذا جوزناها .. فلابد أن يكون شريكه عدلًا يجوز إيداع المال عنده.
стр. 2058
وَتَصحُّ فِي كُلِّ مِثْلِيٍّ دُونَ الْمُتَقَوِّمِ، وَقِيلَ: تَخْتَصُّ بِالنَّقْدِ الْمَضْرُوبِ. وَيُشْتَرَطُ خَلْطُ الْمَالَيْنِ بِحَيْثُ لاَ يَتَمَيَّزَانِ،
ــ
فرع:
تكره مشاركة الذمي، سواء كان هو المتصرف أو المسلم، كما يكره أكل طعامهم.
وقال الحسن البصري: إن كان المسلم متصرفًا .. لم يكره، وإلا .. كره، وكذلك تكره مشاركة من لا يحترز من الربا والمعاملات الفاسدة.
قال: (وتصح في كل مثلي) أما في النقدين الخالصين .. فبالإجماع، وفي المغشوش وجهان: أصحهما في زوائد (الروضة): الجواز.
وأما غير النقدين كالقمح والحديد ونحوهما .. فلأنه إذا اختلط بجنسه .. ارتفع عنه التمييز فأشبه النقدين.
وعلى هذا: لا يشترط التساوي في القيمة على الصحيح، فإن اختلفت كما إذا كان إردب هذا يساوي عشرة وإردب هذا يساوي خمسة .. فهما شريكان مثالثة، كذا قاله العراقيون والبغوي.
كل هذا إذا أنشأ العقد على عروض متميزة لكل واحد منهما، فلو عقداها على عروض مشتركة بإرث أو ابتياع أو غيرهما .. فتصح، سواء كانت مثلية أو متقومة.
قال: (دون المتقوم)؛ لأنه لا يتحقق الخلط فيه، وجوزها أبو الحسن الجوري في جميع العروض إذا استوت قيمتها، سواء كانت من جنس أو أجناس، وهو مذهب مالك.
قال: (وقيل: يختص بالنقد المضروب) أي: الخالص؛ لأنه موضوع للتصرف في ملك الغير طلبًا للربح فاختص بالنقد قياسًا على القراض.
وخرج بقوله: (المضروب) التبر والسبائك والحلي فلا تصح الشركة فيها.
قال: (ويشترط خلط المالين بحيث لا يتميزان)؛ ليتحقق معنى الشركة، وهذا
стр. 2059
وَلاَ يَكْفِي الْخَلْطُ مَعَ اخْتِلاَفِ جِنْسٍ، أَوْ صِفَةٍ كَصِحَاحٍ وَمُكَسَّرَةٍ، هَذَا إِذَا أَخْرَجَا مَالَيْنِ وَعَقَدَا، فَإِنْ مَلَكَا مُشْتَرَكًا بِإِرْثٍ أو شِرَاءٍ أوَ غَيْرِهِمَا وَأَذِنَ كُلٌّ لِلآخَرِ فِي التِّجَارَةِ فِيهِ .. تَمَّتِ الشِّرْكَةُ. وَالْحِيلَةُ فِي الشِّرْكَةِ فِي الْعُرُوضِ: أَنْ يَبِيعَ كُلُّ وَاحِدٍ بَعْضَ عَرْضِهِ بِبَعْضِ عَرْضِ الآخَرِ وَيَاذَنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ.
ــ
شرط في صحة العقد فيعتبر تقدمه على قولهما: اشتركنا وعلى الإذن، فإن وقع في المجلس .. فالأصح أنه لا يكفي، وإن تأخر على المجلس .. لم يجز على الوجهين، ومال الإمام إلى تجويزه؛ لأن الشركة توكيل وتوكل.
قال: (ولا يكفي الخلط مع اختلاف جنس) كدراهم ودنانير (أو صفة كصحاح ومكسرة)؛ لأن التمييز حاصل، وكذا الدراهم المثقوبة أو الجديدة أو السود بغيرها، وكذلك الحنطة الحمراء بالبيضاء وما أشبه ذلك.
قال: (هذا إذا أخرجا مالين وعقدا، فإن ملكا مشتركًا بإرث أو شراء أو غيرهما وأذن كل للآخر في التجارة فيه .. تمت الشركة)؛ لحصول الغرض بذلك على وجه أكمل.
قال: (والحيلة في الشركة في العروض) أي: باقيها؛ لأن المثليات عروض.
قال: (أن يبيع كل واحد بعض عرضه ببعض عرض الآخر ويأذن له في التصرف) هذه الحيلة ذكرها المزني واتفق عليها الأصحاب، والمراد حصول الإذن بعد التقابض وغيره مما شرط في البيع، فكان الصواب أن يقول: (ثم يأذن) كما في (التنبيه)؛ لأن شرطه أن يتأخر عن الملك.
لكن قول المصنف وغيره: (بعض عرضه) أحسن من قول (المحرر) و (الروضة): نصف عرضه بنصف عرض الآخر؛ فإنه يجوز أن يبيع ربع عرضه بثلاثة أرباع عرض الآخر فيصير مشتركًا بينهما كذلك، غير أن لفظة (كل) في كلام المصنف لا حاجة إليها.
ثم إذا باع كل واحد بعض عرضه ببعض عرض الآخر .. لا يشترط علمهما بقيمة
стр. 2060
وَلاَ يُشْتَرَطُ تَسَاوِي قَدْرِ الْمَالَيْنِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ الْعِلمُ بِقَدْرِهِمَا عِنْدَ الْعَقْدِ.
ــ
العرضين على الأصح في زوائد (الروضة).
وكان الأحسن أن يقول: (ومن الحيلة كذا)؛ فإن منهما أن يبيع بعض عرضه لصاحبه بثمن في ذمته ثم يتقاصا، أو يأذنا في التقاص على الأظهر.
ومنها أن يشتريا السلعة بثمن واحد، ثم يدفع كل عرضه مما يخصه من الثمن، ولو كان المالان عرضًا ودراهم .. باع نصف العرض بنصف الدراهم.
قال: (ولا يشترط تساوي قدر المالين)؛ لأنه لا محذور فيه، إذ الربح والخسران على قدرهما، وخالف فيه الأنماطي فشرط التساوي محتجًا بأن الربح يحصل بالمال والعمل، فكما لا يجوز الاختلاف في الربح مع التساوي في المال لا يجوز الاختلاف في المال مع التساوي في العمل، ورد الأصحاب عليه بأن المال في الشركة أصل والعمل تبع؛ ولهذا يجوز مجهولاً.
قال: (والأصح: أنه لا يشترط العلم بقدرهما عند العقد) أي: العلم بمقدار النسبتين في المال المختلط بينهما من كونه مثلاً مناصفة أو مثالثة إذا أمكن معرفتهما بعد ذلك بمراجعة حساب أو وكيل؛ لأن الحق لهما لا يعدوهما.
مثاله: أن يضع أحدهما دراهم في كفة الميزان، ويضع آخر مثلها بإزائها، ويشتركا ويتجرا من غير أن يعلما وزنها، فإنه يصح؛ لأنه لا محذور فيه كما صرح به الماوردي وغيره؛ لتراضيهما بذلك.
والوجه الثاني- ورأى ابن الرفعة القطع به-: أن ذلك يشترط، وإلا .. أدى إلى جهل كل منهما بما أذن فيه وبما أذن له فيه.
وأشار بقوله: (عند العقد) إلى أن شرط المسألة أن تمكن معرفتها بعد العقد وهو كذلك، فإن لم يكن كذلك .. بطل.
فلو كان لهما ثوبان فاشتبها .. لم يكف ذلك لعقد الشركة، فإن المالين متميزان لكن عرض لهما الاشتباه.
стр. 2061
وَيَتَسَلَّطُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى التَّصَرُّفِ بِلاَ ضَرَرٍ، فَلاَ يَبِيعُ نَسِيئَةً وَلاَ بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ وَلاَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ وَلاَ يُسَافِرُ بِهِ وَلاَ يُبْضِعُهُ بِغَيْرِ إِذْنٍ. وَلِكُلٍّ فَسْخُهُ مَتَى شَاءَ، وَيَنْعَزِلاَنِ عَنِ التَّصَرُّفِ بِفَسْخِهِمَا،
ــ
قال: (ويتسلط كل منهما على التصرف بلا ضرر؛ فلا يبيع نسيئة ولا بغير نقد البلد ولا بغبن فاحش)؛ لأن الشركة في الحقيقة توكيل وتوكل، فإن خالف .. لم يصح تصرفه في نصيب شريكه، وفي نصيب نفسه قول تفريق الصفقة.
وأغرب الشيخ كمال الدين بن يونس فجوز البيع بغير نقد البلد كما في (القراض).
فرع:
قال أحدهما لصاحبه: بع بما ترى .. وجب مراعاة النظر، ولو قال: بما شئت .. كان له أن يبيع بالمحاباة قاله الروياني، وفرق بأن قوله: بما ترى تفويض إلى الرأي، والرأي: الاجتهاد، بخلاف قوله: بما شئت، وهذا يأتي في الوكيل أيضًا.
قال: (ولا يسافر به ولا يبضعه بغير إذن) الإبضاع: أن يدفعه إلى من يعمل فيه متبرعًا؛ لما في السفر والإبضاع من الخطر، ولأنه لم يرض بغير يده، وكذلك لا يشارك فيه، هذا فيما إذا اشتركا في الحضر، فإن عقدا وهما مسافران .. فالظاهر أن له السفر إلى مقصده من غير إذن، وكذا لو كانا من أهل النجعة.
وأما ركوب البحر الملح .. فلا يستفيده بمجرد الإذن في السفر بل لابد من التنصيص عليه.
قال: (ولكل فسخه متى شاء)؛ لأنه من العقود الجائزة، لأنه توكيل وتوكل كما تقدم.
قال: (وينعزلان عن التصرف بفسخهما)؛ لأن العقد قد زال، ومراد المصنف
стр. 2062
فَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: عَزَلْتُكَ، أَوْ لاَ تَتَصَرَّفْ فِي نَصِيبِي .. لَمْ يَنْعَزِلِ الْعَازِلُ. وَتَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا وَبِجُنُونهِ وَإِغْمَائِهِ
ــ
أن أحدهما إذا قال: فسخت الشركة .. انعزلا وارتفع عقدهما، ولا خلاف أن لكل منهما بعد الانعزال أن يتصرف في نصيب نفسه.
وقال ابن الرفعة: لا يجوز، وزعم أن نص الشافعي ﵁ شاهد له، وأن كلام الأصحاب مشكل، ورد الشيخ عليه ذلك وصوب كلام الأصحاب.
قال: (فلو قال أحدهما: عزلتك، أو لا تتصرف في نصيبي .. لم ينعزل العازل) بل يختص العزل بالمخاطب فقط؛ لأن المتكلم لم يمنعه أحد بخلاف المخاطب.
قال: (وتنفسخ بموت أحدهما وبجنونه وإغمائه) كالوكالة، وكذا بطروء الحجر بالسفه كما قاله في (الكفاية).
ومحل الفسخ بالإغماء: إذا طال زمنه بحيث أسقط عنه فرض صلاة واحدة بمرور وقتها، فلو أغمي عليه أقل من ذلك .. لم يضره، قاله في (البحر)، ثم إن شاء الوارث .. قاسم الشريك أو أبقاه على الشركة بأن يجدد له إذنًا في التصرف كما تقدم، ولا فرق بين أن يكون المال عرضًا أو نقدًا.
وصورة المسألة: أن لا يكون على الميت دين ولا هناك وصية، فإن كان عليه دين .. لم يكن له إبقاء الشركة إلا إا قضى الدين من موضع آخر.
وإن كان هناك وصية، فإن كانت لمعين كما إذا أوصى لزيد بالثلث .. تخير بين الأمرين كالوارث إن كان رشيدًا، وإن كان محجوراً عليه .. تخير وليه، وإن كانت لغير معين كالفقراء .. لم تجز إنشاء عقد الشركة إلا بعد إخراج الوصية، فإذا أخرجها .. صار المال ناقصًا، وفي الشركة في المال المتفاضل وجه الأنماطي.
فرع:
انفسخت الشركة وفي مال الشركة ديون، فاتفقا على أن يكون لكل منهما على
стр. 2063
وَالرِّبْحُ وَالْخُسْرَانُ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ، تَسَاوَيَا فِي الْعَمَلِ أَوْ تَفَاوَتَا، فَإِنْ شَرَطَا خِلاَفَهُ .. فَسَدَ الْعَقْدُ، فَيَرْجِعُ كُلٌّ عَلَى الآخَرِ بِأُجْرَةِ عَمَلِهِ فِي مَالِهِ، وَتَنْفُذُ التَّصَرُّفَاتُ، وَالرِّبْحُ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ. وَيَدُ الشَّرِيكِ يَدُ أَمَانَةٍ، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ وَالْخُسْرَان وَالتَّلَفِ،
ــ
بعض الغرماء حصة .. لم تصح؛ لأنه بيع دين بدين، قاله في (الإستقصاء).
قال: (والربح والخسران على قدر المالين، تساويا في العمل أو تفاوتا)؛ عملًا بقضية الشركة.
قال: (فإن شرطا خلافه .. فسد العقد)؛ لأنه مخالف لموضوع الشركة وقيل: يبطل الشرط دون العقد، وقيل: إن اختص أحدهما بمزيد عمل وشرط له مزيد ربح .. صح العقد.
قال: (فيرجع كل على الآخر بأجرة عمله في ماله) أي: في مال الآخر، كما في القراض إذا فسد.
وقيل: إن الشركة إذا فسدت لا يرجع أحدهما على الآخر؛ لأن الفاسد كالصحيح في وجوب الضمان وعدمه، والشركة الصحيحة لا يرجع فيها بأجرة العمل، فكذا إن كانت فاسدة، وبهذا أفتى القفال.
قال: (وتنفذ التصرفات)؛ لأن الإذن موجود، وادعى الإمام وغيره اتفاق الأصحاب عليه، لكن حكى الماوردي وجهًا: أنها لا تنفذ، وحكى الروياني وجهًا: أن الشرط يبطل دون عقد الشركة، ولأجل نفاذ التصرف منع بعض الأصحاب إطلاق لفظ الفساد عليها.
قال: (والربح على قدر المالين)؛ لأنه ثمرتهما، كما لو كان بينهما نخل فأثمرت.
قال: (ويد الشريك يد أمانة، فيقبل قوله في الرد والخسران والتلف)؛ قياسًا على المودع والوكيل إذا أطلق أو أسنده إلى سبب خفي.
стр. 2064
فَإِنِ ادَّعَاهُ بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ .. طُولِبَ بِبَيِّنَةٍ بِالسَّبَبِ، ثُمَّ يُصّدَّقُ فِي التَّلَفِ بِهِ، وَلَوْ قَالَ مَنْ فِي يَدِهِ الْمَالُ: هُوَ لِي، وَقَالَ الآخَرُ: مُشْتَرَكٌ، أَوْ بِالْعَكْسِ .. صُدِّقَ صَاحِبُ الْيَدِ، وَلَوْ قَالَ: اقْتَسَمْنَا وَصَارَ لِي .. صُدِّقَ الْمُنْكِرُ، وَلَوِ اشْتَرَى وقَالَ: اشْتَرَيْتُهُ لِلشِّرْكَةِ أَوْ لِنَفْسِي، وَكَذَّبَهُ الآخَرُ .. صُدِّقَ الْمُشْتَرِي.
ــ
قال: (فإن ادعاه) أي: التلف (بسبب ظاهر .. طولب ببينة بالسبب، ثم يصدق في التلف به) كالمودع، والمصنف ذكر المسألة هناك.
قال: (ولو قال من في يده المال: هو لي، وقال الآخر: مشترك، أو بالعكس .. صدق صاحب اليد)؛ لدلالتها على الملك.
قال: (ولو قال: اقتسمنا وصار لي .. صدق المنكر) عملًا بالأصل.
قال: (ولو اشترى وقال: اشتريته للشركة أو لنفسي، وكذبه الآخر .. صدق المشتري)؛ لأنه أعرف بقصده وسواء ادعى أنه صرح بالشراء للشركة أو نواه، والأول يقع عند الخسران، والثاني عند الربح غالباً.
تتمة:
قال في (البويطي): لواحد بغل ولآخر رواية، فتشاركا مع ثالث ليستقي والحاصل بينهم .. فهو فاسد، ثم إن كان الماء مملوكًا للمستقي أو مباحًا وقصد به نفسه .. فهو له وعليه أجرة مثل البغل والرواية، وإن قصد الشركة .. فعلى الخلاف في النيابة في تملك المباحات، فإن جوزناه وهو الأصح .. فقيل: يقسم بينهم على نسبة أجور أمثالهم، والصحيح: أنه يقسم بينهم بالسوية.
فعلى هذا للمستقي أن يطالب كلًا من صاحبيه بثلث أجرته، ويرجع كل من صاحبيه بثلثي أجرة ماله على صاحب وعلى المستقي، فإن استوت .. جرى التقاص، وإلا .. رجع بالتفاوت.
ولو كان لواحد بيت رحى ولآخر حجر ولآخر بغل والرابع يعمل على أن الحاصل من أجرة الطحن بنيهم .. فهو فاسد أيضًا، فإن اتفق طحن .. قسم الحاصل على أجرة أمثال ذلك.
стр. 2065
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولو كان لواحد بذر ولآخر أرض فاشتركا مع ثالث ليزرع .. فالزرع لصاحب البذر، وعليه لصاحبيه أجرة المثل.
قال المتولي: فلو أصاب الزرع آفة ولم يحصل من الغلة شيء .. فلا شيء لهم، قال الرافعي ولا يخفى عدول كلامه عن القياس، وصوب المصنف وابن الرفعة والشيخ كالم المتولي؛ لأن منافعهم تلفت تحت أيديهم، وإنما ضمناه إذا حصل له نفع بالزرع؛ لدخول منفعتهم بواسطة ما في يده.
* * *
خاتمة
قال: سمن هذه الشاة ولك نصفها، أو هاتين على أن لك إحداهما .. لم يصح، واستحق أجرة المثل للنصف الذي سمنه للمالك، كذا أفتى به القاضي حسين، وأنهما لو اشتركا في دود القز على أن من أحدهما الورق ومن الآخر التعهد .. فالفيلج لصاحب البزر وعليه قيمة الورق وأجرة عمله.
* * *
стр. 2066
كِتَابُ الْوَكَالَةِ
ــ
كتاب الوكالة
هي بفتح الواو وكسرها .. التفويض، يقال: وكل أمره إلى فلان، أي: فوضه إليه واكتفى به، ومنه: ﴿توكلت على الله﴾ ويقع على الحفظ أيضًا، ومنه: ﴿ونعم الوكيل﴾ أي: الحافظ.
وهي في الشرع: إقامة الوكيل مقام الموكل في العمل المأذون فيه.
والأصل فيها: قوله تعالى: ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة﴾
وقوله: ﴿اذهبوا بقميصي هذا﴾.
ومن السنة: ما ثبت في (الصحيحين) [خ٢٣٠٣ - م١٥٩٣] من إرسال السعاة لقبض الصدقات، وحديث عروة ﵁ المتقدم في (بيع الفضولي).
وفي (أبي داوود) [٣٦٣٢]: عن جابر ﵁ أنه قال: أردت الخروج إلى خيبر فأتيت النبي ﷺ ، فسلمت عليه وأخبرته بذلك فقال: (إذا أتيت وكيلي .. فخذ منه خمسة عشر وسقًا، فإن ابتغى منك آية .. فضع يدك على ترقوته).
وذكر الفقهاء أن النبي ﷺ : (وكل عمرو بن أمية الضمري ﵁ في نكاح أم حبيبة ﵂ والذي ذكره أهل السير: (أنه ﷺ بعثه إلى النجاشي فزوجه أم حبيبة ﵂ وأصدقها أربع مئة دينار، والذي أنكحها خالد بن سعيد بن العاصي ﵁ وهو عم أبيها، وكان أبوها كافرًا ولا ولاية له مع غيبته) وهذا الكلام يحتمل أن يكون الوكيل فيه عمرًا وأن يكون النجاشي.
стр. 2067
شَرْطُ الْمُوَكِّلِ: صِحَّةُ مُبَاشَرَتِهِ مَا وَكَّلَ فِيهِ بِمِلْكٍ أَوْ وِلاَيَةٍ، فَلاَ يَصِحُّ تَوْكِيلُ صَبِيٍّ وَلاَ مَجْنُونٍ، وَلاَ الْمَرْأَةِ وَالْمُحْرِمِ فِي النِّكَاحِ،
ــ
وانعقد الإجماع على جوازها، والقياس يقتضيه أيضًا؛ فإن الشخص قد يعجز عن القيام بمصالحه كلها، بل قال القاضي حسين وغيره: إنها مندوب إليها؛ لقوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾.
قال: (شرط الموكل: صحة مباشرته ما وكل فيه) هو بفتح الواو؛ لأن التصرف الخاص بالإنسان أقوى من تصرفه عن غيره، فإذا لم يقدر على الأقوى .. فعلى الأضعف أولى.
قال: (بملك أو ولاية، فلا يصح توكيل صبي ولا مجنون)؛ لما تقدم، وينبغي أن يأتي في توكيل الصبي في التدبير والوصية الخلاف في صحتهما منه، والمغمى عليه كالمجنون، وكذا الفاسق في تزويج ابنته إذا قلنا: لا يلي.
قال: (ولا المرأة والمحرم في النكاح)؛ لأنهما لا مدخل لهما في ذلك.
والمراد: أن المرأة لا توكل أجنبيًا في تزويجها، فأما إذا أذنت للولي بلفظ التوكيل .. فإنه يصح كما سيأتي في موضعه، كذا قاله شيخنا وهو عجيب؛ لأن إذنها لوليها بلفظ التوكيل ليس مما نحن فيه أصلًا.
وإطلاق المصنف المحرم محمول على ما إذا وكل ليعقد عنه في حال الإحرام، أما إذا قال: ليزوج بعد التحلل. فقال الرافعي في (كتاب النكاح) يصح؛ لأن الإحرام يمنع الانعقاد دون الإذن، واختار الشيخ أن المحرم لا يصح توكيله في النكاح، سواء قيد بما بعد التحلل أم لا فعلى هذا يبقى كلام المصنف على إطلاقه.
ولو وكل حلال محرمًا ليوكل حلالًا في التزويج .. فالأصح عند الرافعي: الجواز، وعند الشيخ: المنع.
و (المحرم) بضم الميم من تلبس بالإحرام بنسك، أما المحرم بفتح الميم فيجوز توكيله كما سيأتي في (كتاب النكاح).
стр. 2068
وَيَصِحُّ تَوْكِيلُ الْوِليِّ فِي حَقِّ الطِّفْلِ، وَيُسْتَثْنَى تَوْكِيلُ الأَعْمَى فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ .. فَيَصِحُّ.
ــ
قال: (ويصح توكيل الولي في حق الطفل) في النكاح وغيره؛ لولايته عليه.
والمراد بـ (الولي) الأب والجد وكذا الوصي في الأصح.
وتقييده بـ (الطفل) تبع فيه (المحرر)، وفي (الشرح) لم يقيده بذلك وهو الصواب؛ لأن كل محجور عليه كذلك من سفيه أو مجنون أو صبي، ثم الولي بالخيار إن شاء وكل عن نفسه وإن شاء وكل عن موليه.
ويصح توكيل السفيه والمفلس والعبد فيما يستقلون به من التصرفات، ولا يصح فيما لا يستقلون به إلا بعد إذن الولي والغريم والسيد.
قال: (ويستثنى توكيل الأعمى في البيع والشراء .. فيصح) وإن لم يقدر على مباشرته؛ للضرورة، وكذلك في القبض وفيه سر لطيف وهو: أن الأعمى مالك رشيد فالمقتضي لصحة تصرفه موجود، وقارنه مانع لا لخلل فيه ولكن يرجع إلى المبيع لعدم رؤيته، فإذا وكل قام وكيله مقامه في الرؤية.
والتقييد بـ (البيع والشراء) مضر، فسائر العقود التي تفتقر إلى الرؤية كالإجارة والمساقاة والأخذ بالشفعة ونحوها يصح توكيله فيها أيضًا.
ولم يستثن المصنف سوى هذه المسألة مع أنه يستثنى مسائل طردًا وعكسًا، فمن طرده: الولي غير المجبر إذا نهته عن التوكيل .. لا يوكل كما سيأتي، والظافر بحقه لا يوكل في كسر الباب وأخذ حقه كما صرح به جماعة، ومن العكس الأعمى كما تقرر.
والمحرم ليس له أن يزوج وله أن يوكل فيه، وكذا إذا وكل الولي امرأة أن توكل رجلًا عن الولي، خلافًا للمزني.
وإذا وكل المشتري البائع أو المسلم المسلم إليه أن يوكل من يقبض منه .. صح مع أنه لا يباشر القبض من نفسه، وكذلك إذا علق الطلاق بسبق الثلاث وقلنا
стр. 2069
وَشَرْطُ الْوَكِيلِ: صِحَّةُ مُبَاشَرَتِهِ التَّصَرُّفَ لِنَفْسِهِ،
ــ
بانسداده .. فإنه يوكل فيه؛ لأن الطلاق مملوك له، وإنما امتنع وقوعه منه لأمر خارج فهو كالأعمى في البيع.
قال الرافعي: سمعت بعضهم في المباحثة يقول: ينبغي أن لا يقع طلاق الوكيل.
ويستثنى استيفاء القصاص في الأطراف؛ فإنه لا يباشره المستحق على الأصح بل يوكل فيه، وكذلك استيفاء حد القذف على الأصح، وإذا قال: كلما عزلتك فأنت وكيلي .. فإنه لا يقدر على عزله، ويصح منه التوكيل فيه.
قال: (وشرط الوكيل: صحة مباشرته التصرف لنفسه)؛ لأن تصرف الشخص لنفسه أقوى من تصرفه لغيره، فإذا لم يقدر على الأقوى .. لا يقدر على الأضعف، فكأنه قال: من صحت مباشرته .. صحت وكالته، ومن لا .. فلا.
ويرده على طرده: ما لو وكل الولي فاسقًا في بيع مال الطفل؛ فإنه لا يجوز، وعلى عكسه مسائل تأتي عقب مسألة العبد الآتية.
ويصح توكيل المرتد وإن لم يصح تصرفه في ماله.
ولا يجوز للمسلم أن يوكل كافرًا في استيفاء قود أو حد من مسلم، ولا للإمام نصبه لإقامة الحدود على المسلمين.
وقال الماوردي والروياني: لا يجوز للزوجة أن تتوكل عن غير زوجها إلا بإذنه، وكأنهما أرادا الحرة أما الأمة إذا أذن لها سيدها .. فلا اعتراض للزوج.
فرع:
يشترط في الوكيل أن يكون معينًا، فلو قال: أذنت لكل من أراد بيع داري أن يبيعها .. لم يصح، أو قال لرجلين: أيكما أراد بيع داري فجائز. . لم يجز لأحدهما
стр. 2070
لاَ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ، وَكَذَا الْمَرْأَةُ وَالْمُحْرِمُ فِي النِّكَاحِ،
ــ
أن يبيعها، ولو قال: وكلت زيدًا وهو لا يدري من زيد .. لم يصح.
فلو أذنت من لا ولي لها لكل عاقد في البلد في تزويجها .. أفتى الشيخ بصحة إذنها؛ إذ لا غرض لها في أعيان العقاد والقضاة.
وقال ابن الصلاح: إن قام بإذنها قرينة تقتضي التعيين مثل أن تكون أذنت عن قرب له في تزويجها، أو كانت تعتقد أن لا عاقد في البلد سواه .. فإذنها يختص به ولا يعم، وإن لم يكن كذلك .. جاز لكل عاقد تزويجها.
قال: (لا صبي ومجنون)؛ لسلب عبارتهما، ومثله المعتوه والمبرسم والنائم والمغمى عليه ومن شرب ما أزال عقله لحاجة.
قال: وكذا المرأة والمحرم في النكاح) أي: إيجابًا وقبولًا؛ لما سبق، وكذا المرأة في الرجعة لا ترجع نفسها ولا غيرها؛ لأن الفرج لا يستباح بقولها، ولا يصح توكيلها في اختيار الزوجات إذا أسلم على أكثر من أربع أو طلق إحدى امرأتيه، وفي توكيلها باختيار المفارقات وجهان: أصحهما: المنع؛ لأنه يتضمن اختيار الباقيات للنكاح.
وصورة المسألة: أن يعين لها من تختار منهن أو يفارقها، فإن أطلق .. لم يصح لا من الرجل ولا من المرأة.
والخنثى إذا وكل في قبول النكاح أو الطلاق قال في (شرح المهذب): ينبغي أن يكون كالمرأة للشك في أهليته.
وقال الماوردي والروياني: يمتنع على المرأة أن لا تتوكل إلا بإذن الزوج، ولعل هذا في أمر يحوج إلى الخروج.
следующие страницы →