Полный текст (5 377 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
وَيَدُ الْوكِيلِ يَدُ أَمَانَةٍ وَإِنْ كَانَ بِجُعْلٍ، فَإِنْ تَعَدَّى .. ضَمِنَ
ــ
وصيغة الخطاب المتفق على صحته في البيع أن يقول البائع: بعتك لموكلك، فيقول: اشتريت أو قبلت له، أو يقول الوكيل: اشتريت لموكلي فيقول: بعتك.
فروع:
الأول: لابد في وكيل المتهب من التصريح باسم الموكل، وإلا .. فيقع عنه لجريان الخطاب معه، ولا ينصرف بالنية إلى الموكل؛ لأن الواهب قد يقصد بتبرعه المخاطب خاصة، بخلاف الشراء فإن المقصود منه حصول العوض.
الثاني: قال: بعتك لنفسك، فإن كنت تشتريه للغير .. فلا أبيعه لك، فاشتراه للغير لم يصح بلا خلاف، فإن وجد هذا الشرط قبل العقد ثم قال: بعتك فقبل ونوى موكله .. صح على الأصح.
الثالث: قال الماوردي في (كتاب الأيمان): لو وكله في شراء الخبز، وعادته أكل البر فاشترى له خبز الأرز .. لم يقع للموكل، ولو حلف لا يأكل الخبز حنث بخبز الأرز؛ لأنه لا يعتبر في الأيمان عادة الحالف، وتعتبر في الوكالة عادة الموكل دون غيره، وهذا حسن تتقيد به إطلاقات كثيرة.
قال: (ويد الوكيل يد أمانة وإن كان بجعل)؛ لأنه نائب عن المالك فإذا تلف في يده بغير تفريط .. لم يضمن، كما لو تلف في يد المالك.
قال: (فإن تعدى .. ضمن) كسائر الأمناء، والتعدي يكون بالركوب واللبس والتفريط في الحفظ ونحو ذلك، وهل يضمن بتأخير بيع ما وكل في بيعه؟ وجهان: أظهرهما عند القاضي: لا يضمن؛ لأنه لا يجب عليه امتثال أمره.
стр. 2102
وَلاَ يَنْعَزِلُ فِي الأَصَحِّ.
ــ
فرع:
في (فتاوى البغوي): لو دفع ثوبًا إلى دلال ليبيعه فضاع ولم يدر أنه سرق أو سقط منه أو نسيه في موضع أو سلمه للمشتري .. ضمنه؛ لأن الغفلة عن حفظ الأمانة حتى تضيع مضمن، وكذلك لو وضعه في موضع فنسيه، وإنما لم يجب الضمان إذا وقع الخسران لا من جهته.
قال: (ولا ينعزل في الأصح)؛ لأن الوكالة إذن في التصرف، والأمانة حكم مترتب عليها، ولا يلزم من ارتفاع هذا الحكم بطلان أصل العقد، بخلاف الوديعة فإنها ائتمان محض فيزول بالتعدي.
والثاني: ينعزل؛ لأنها أمانة ترتفع بالتعدي كالوديعة، فعلى الأولى: يصح تصرفه.
ولو باع وسلم الثمن .. زال الضمان، فلو رد عليه بعيب .. قال المتولي: عاد الضمان.
ومحل الوجهين: إذا تعدى بالفعل، كما إذا باع بغبن فاحش وسلم المبيع، فإن لم يسلم .. لم ينعزل جزمًا؛ لأنه لم يتعد فيما وكل فيه، قاله في (البحر).
стр. 2103
وَإَحْكَامُ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ دْنَ الْمُوَكِّلِ، فَتُعْتَبَرُ فِي الرُّؤْيَةِ، وَلُزُومِ الْعَقْدِ بِمُفَارَقَةِ الْمَجْلِسِ وَالتَّقَابُضِ فِيهِ، حَيْثُ يُشْتَرَطُ الْوَكِيلُ دُونَ الْمُوَكِّلِ. وَإِذَا اشْتَرَى الْوَكِيلُ .. طَالَبَهُ الْبَائِعُ بِالَّمَنِ إِنْ كَانَ دَفَعَهُ إِلَيهِ الْمُوَكِّلُ، وَإِلاَّ .. فَلاَ إِنْ كَانَ الثَّمَنُ مُعَيَّنَاً، وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ .. طَالَبَهُ إِنْ أَنْكَرَ وَكَالَتَهُ أَوْ قَالَ: لاَ أَعْلَمُهَا، وَإِنِ اعْتَرَفَ بِهَا .. طَالَبَهُ أَيْضًا فِي الأَصَحِّ كَمَا يُطَالِبُ الْمُوَكِّلَ،
ــ
قال: (وأحكام العقد تتعلق بالوكيل دون الموكل، فيعتبر في الرؤية، ولزوم العقد بمفارقة المجلس والتقابض فيه، حيث يشترط الوكيل دون الموكل)؛ لأنه العاقد الحقيقي، لو أجازه الموكل .. فللوكيل الفسخ، وكذا خيار الرؤية إن جوزنا بيع الغائب، بخلاف الرد بالعيب، ومتى طالب الموكل الوكيل برد ماله .. لزمه أن يخلي بيه وبينه، فإن امتنع .. صار ضامنًا كالمودع.
والمراد: أنه إذا امتنع بلا عذر، أما لو أخر بعذر .. فلا ضمان، والعذر هنا كعذر الرد بالعيب وأزيد من ذلك.
قال: (وإذا اشترى الوكيل .. طالبه البائع بالثمن إن كان دفعه إليه الموكل) سواء اشترى بعينه أم في الذمة؛ لتعلق أحكام العقد به وقضاء العرف بذلك، وهذا هو الفارق بين جزم المصنف هنا بالتسليم وحكايته الخلاف في وكيل البائع هل يسلم المبيع ويقبض الثمن أو لا؟
قال: (وإلا .. فلا إن كان الثمن معينًا)؛ لأنه ليس في يده.
قال: (وإن كان في الذمة .. طالبه إن أنكر وكالته)؛ لأن العقد وقع معه، فالظاهر أنه يشتري لنفسه.
قال: (أو قال: لا أعلمها) فكذلك الحكم، وهذه ليست في (المحرر)، لكنها في (الروضة).
قال: (وإن اعترف بها .. طالبه أيضًا في الأصح كما يطالب الموكل)؛ لأن العقد
стр. 2104
وَيَكُونُ الْوَكِيلُ كَضَامنٍ وَالْمُوَكِّلُ كَأَصِيلٍ. وَإِذَا قَبَضَ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ الثَّمَنَ وَتَلِفَ فِي يَدِهِ وَخَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقّاً .. رَجَعَ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي وَإِنِ اعْتَرَفَ بِوَكَالَتِهِ فِي الأَصَحِّ،
ــ
للموكل، والوكيل قابل، فخيرنا البائع في مطالبة من شاء منهما.
والثاني: أن المطالب الموكل لا غير؛ لأن الوكيل سفير.
والثالث: المطالب الوكيل لا غير؛ لأن أحكام العقد تتعلق به، والعهدة من جملة الأحكام.
قال: (ويكون الوكيل كضامن) أي: في المطالبة والرجوع وغيرهما.
قال: (والموكل كأصيل) فيتعلق به ما يتعلق به، وملخص ما قاله المصنف هنا وفي (الروضة) تبعًا (للشرحين) أن البائع لا يطالب الموكل إذا كان قد سلم الثمن إلى الوكيل، وليس كذلك، بل في المسألة طريقان:
أحدهما: القطع بمطالبته.
وأقيسهما: وجهان أصحهما: أن له ذلك أيضًا، كما ذكره الرافعي في معاملات العبيد.
فرع:
الوكيل إذا اشترى شراء فاسدًا وقبض المبيع وتلف في يده أو في يد الموكل .. فللمالك مطالبه بضمانه، وهو يرجع على الموكل.
قال: (وإذا قبض الوكيل بالبيع الثمن وتلف في يده وخرج المبيع مستحقًا .. رجع عليه المشتري وإن اعترف بوكالته في الأصح)؛ لحصول التلف عنده.
والثاني: يرجع به على الموكل؛ لأنه سفيره ويده كيده، ونسبه القاضي إلى عامة الأصحاب.
والثالث: يرجع به على من شاء منهما للمعنيين، وهذه الأوجه هي الأوجه السابقة.
стр. 2105
ثُمَّ يَرْجِعُ الْوَكِيلُ عَلَى الْمُوَكِّلِ. قُلْتُ: وَلِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعُ عَلَى الْمُوَكِّلِ ابْتِدَاءً فِي الأَصَحِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ
ــ
قال: (ثم يرجع الوكيل على الموكل) أي: بعد الغرم؛ لأنه غره.
قال: (قلت: وللمشتري الرجوع على الموكل ابتداء في الأصح والله أعلم)؛ لأن الوكيل مأمور من جهته ويده كيده، وصوره الشيخ بما إذا قبض الثمن بإذن صريح، أو بمقتضى الإذن في البيع إن جوزناه، فإن قبضه بغير إذن وقلنا: ليس له قبضه .. فلا رجوع على الموكل؛ إذ لم يصل إلى يده ولا أذن فيه.
والوجه الثاني: لا رجوع له عليه؛ لتلفه في يد الوكيل.
وجزم المصنف في نظيره من الرهن بتخيير المشتري بين رجوعه على العدل وبين رجوعه على الراهن والقرار عليه، وإذا قلنا بالتخيير .. فقرار الضمان على الموكل، والخلاف جميعه يأتي في وكيل المشتري إذا تلف المبيع في يده، ثم ظهر استحقاقه وله مطالبة البائع قطعًا؛ لأنه غاصب ومن يده خرج المبيع.
فرع:
قال الماوردي: أبو الطفل وولي اليتيم إذا لم يذكرا في العقد اسم الطفل .. ضمنا الثمن، ولا يضمنه الطفل في ذمته ولا ينقدان ذلك من ماله، وإن ذكراه في العقد .. لم يلزمهما ضمان الثمن، بخلاف الوكيل في أحد الوجهين؛ لأن شراءهما لازم للمولى عليه بغير إذنه فلم يلزم الولي ضمانه، بخلاف الوكيل.
تتمة:
أرسل رسولاً يستقرض له فهو كوكيل المشتري، والظاهر: أنه يطالبه، ثم إذا غرم .. رجع على الموكل، قاله الرافعي ووافقه الشيخ.
وقال ابن الرفعة: إن صرح بالسفارة .. لم يطالب، والمطالب الموكل، وإن لم
стр. 2106
فَصْلٌ:
الْوَكَالَةُ جَائِزَةٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، فَإِذَا عَزَلَهُ الْمُوَكِّلُ فِي حُضُورِهِ، أَوْ قَالَ: رَفَعْتُ الوَكَالَةَ، أَوْ أَبْطَلْتُهَا، أَوْ أَخْرَجْتُكَ مِنْهَا .. انْعَزَلَ. فَإِنْ عَزَلَهُ وَهُوَ غَائِبٌ .. انْعَزَلَ فِي الْحَالِ،
ــ
يصرح بل نوى وعلم المقرض أنه وكيل .. فطريقان: الأظهر: أنه يطالب، وإن لم يعلم به المقرض .. ضمنه الوكيل قطعًا.
قال: (فصل:
الوكالة جائزة من الجانبين)؛ لأن الموكل قد يرى المصلحة في ترك ما وكل فيه أو في توكيل آخر، والوكيل قد لا يتفرغ فيكون اللزوم مضرًا بهما جميعًا.
ولا فرق بين أن يكون بصيغة الأمر أو الإذن أو التوكيل، ولا بين أن يتعلق بثالث، وبخصومة أو لا، هذا إذا لم تكن بجعل، فإن ذكرا جعلًا معلومًا ووجدت شروط الإجارة، فإن عقدا بلفظ الإجارة .. لزمت، أو الوكالة .. بني على أن العبرة بصيغ العقود أو بمعانيها.
قال: (فإذا عزله الموكل في حضوره، أو قال: رفع الوكالة، أو أبطلتها، أو أخرجتك منها .. انعزل)؛ لدلالة كل من هذه الألفاظ عليه، ولأنها إما عقد جائز .. فيفسخ بالفسخ، وإما إذن .. فيبطل برجوع من منه الإذن.
قال: (فإن عزله وهو غائب .. انعزل في الحال)؛ لأنه رفع عقد لم يحتج فيه إلى الرضا، فلم يحتج إلى العلم كالطلاق، وكما لو جن الموكل فإنه ينعزل الوكيل وإن لم يعلم، وكما لو وكله في بيع عبد أو إعتاقه ثم باعه أو أعتقه الموكل فإنه ينعزل ضمنًا فهذا أولى.
وقد روى البيهقي [٦/ ٨٢]: أن أمة أمر مولاها رجلًا ببيعها، ثم أعتقها سيدها قبل أن يبيعها فقضى عمر بعتقها، ورد ثمنها وأخذ صداقها من المشتري؛ لأنه وطئها.
стр. 2107
وَفِي قَوْلٍ: لاَ حَتَّى يَبْلُغَه الْخَبَرُ. وَلَوْ قَالَ: عَزَلْتُ نَفْسِي أَوْ رَدَدْتُ الْوَكَالَةَ .. انْعَزَلَ. وَيَنْعَزِلُ بِخُرُوجِ أَحَدِهِمَا عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ بِمَوْتٍ أَوْ جُنُونٍ، وَكَذَاَ إِغْمَاءٌ فِي الأَصَحِّ،
ــ
وإذا قلنا بهذا .. فينبغي للموكل أن يشهد على العزل؛ لأنه إذا ادعى بعد التصرف أنه كان قد عزله .. لم يقبل إلا ببينة.
قال: (وفي قول: لا حتى يبلغه الخبر) كالقاضي وكالنسخ لا يلزم المكلف قبل بلوغ الخبر، وإلى هذا ذهب الأئمة الثلاثة.
والجواب عن القاضي: أنه تتعلق بأحكامه مصالح كلية وعن النسخ أن الاعتداد بالعبادة حق لله تعالى، والله تعالى قد شرط العلم في الأحكام بدليل أنه لم يكلف بالمستحيل، والعقود حق للموكل ولم يشترط العلم.
وإذا قلنا بهذا القول .. فالمعتبر خبر من تقبل روايته دون الصبي والفاسق، كذا جزم به الرافعي، ولا يبعد جريان خلاف في الصبي كروايته، وعلى المذهب لو تلف المال في يده بعد عزله .. لم يضمن.
قال: (ولو قال: عزلت نفسي أو رددت الوكالة .. انعزل) وكذا كل ما كان في معناه؛ لدلالته عليه، وقيل: إن كانت صيغة الموكل أمرًا كبع أو أعتق .. لم ينعزل.
ولقائل أن يقول: كيف ينعزل بذلك مع قولهم: لا يلزم من فساد الوكالة فساد التصرف؛ لبقاء الإذن؟
قال: (وينعزل بخروج أحدهما عن أهلية التصرف بموت أو جنون)؛ لأن الأصل إذا لم يملك التصرف ففرعه أولى.
قال في (المطلب): والصواب: أن الموت ليس بعزل، بل انتهت الوكالة إليه كالنكاح، وقيل: إن قصر زمن الجنون بحيث لا يحوج إلى نصب القوام .. لم يؤثر، أما المطبق .. فأجمعوا على الانعزال به.
قال: (وكذا إغماء في الأصح) قياسًا على الجنون.
والثاني: لا ينعزل كالمرض، وصححه الإمام والغزالي في (الوسيط)، وصحح
стр. 2108
وَبِخُرُوجِ مَحَلِّ التَّصَرُّفِ عَنْ مِلْكِ الْمُوَكِّلِ.
ــ
الأول في (الوجير) وقال القاضي حسين: إنه ظاهر المذهب.
واختار الشيخ: أن الإغماء لا يقتضي العزل ولا يسلب الولاية؛ لأنه مرض وإن طالت مدته لا يدوم.
لكن يستثنى من إطلاق المصنف: الوكيل في رمي الجمار، فإن الأصح: أنه لا ينعزل بإغماء الموكل كما تقدم.
ويحصل الانعزال أيضًا بطرآن الرق، وطرآن حجر السفه والفلس في كل تصرف لا ينفذ من السفيه والمفلس، وكذا ردة الموكل، والفسق فيما العدالة شرط فيه.
ولو وكل اثنين ثم عزل أحدهما ولم يعينه .. فوجهان.
أحدهما: أن لكل منهما أن يتصرف ما لم يعلم أنه المعزول.
وأصحهما: أنه ليس لواحد منهما أن يتصرف حتى يبين الموكل مراده.
قال: (وبخروج محل التصرف عن ملك الموكل) كما إذا باعه أو أعتقه أو وقفه؛ لاستحالة بقاء الولاية في هذه الحالة وكذا لو وكله في بيع أمة ثم زوجها .. كان عزلًا، وكذا لو أجرها وإن جوزنا بيع المستأجر؛ لأن من يريد البيع لا يؤجر غالبًا لقلة الرغبات في المستأجر.
فرع:
وكل عبده في بيع أو تصرف آخر ثم أعتقه ففي انعزاله احتمالان لصاحب (التنبيه)، وهما وجهان، وقيل: قولان ينبنيان على أنه استخدام أو توكيل:
أحدهما: ينعزل؛ لأن أمر السيد زال بعقته.
والثاني: لا ينعزل، كما لو وكل زوجته ثم طلقها، وصحح المصنف الانعزال، فعلى هذا لا يشترط القبول.
стр. 2109
وَإِنْكَارُ الْوَكِيلِ الْوَكَالَةَ لِنِسْيَانٍ أَوْ لِغَرَضٍ فِي الإِخْفَاء لَيْسَ بِعَزْلٍ، فَإِنْ تَعَمَّدَ وَلاَ غَرَضَ .. انْعَزَلَ. وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي أَصْلِهَا، أَوْ صِفَتِهَا بِأَنْ قَالَ: وَكَّلْتَنِي فِي الْبَيْعِ نَسِيئَةً، أَوِ الشِّرَاءِ بِعِشْرِينَ، فَقَالَ: بَلْ نَقْدًا أَوْ بِعَشَرَةٍ .. صُدِّقَ الْمُوَكِّلُ بِيَمِينِهِ
ــ
ولو قال العبد عزلت نفسي .. فهو لغو.
ولو وكل عبد غيره بإذن سيده ثم عتق أو بيع .. جعله الرافعي على الخلاف، وقال المصنف: المذهب: القطع ببقاء الوكالة.
وفي طحن الحنطة الموكل في بيعها وجهان، وأما العرض على البيع وتوكيل وكيل آخر .. فلا يقتضي انعزالًا، وفي التوكيل وجه.
قال: (وإنكار الوكيل لنسيان أو لغرض في الإخفاء ليس بعزل)؛ لأنه لم يأت بلفظ يدل على العزل، فكان كما لو قيل له: ألك زوجة؟ فقال: لا، فإن زوجته لا تطلق. وفي (الجواهر): أنه المشهور في المذهب.
وقيل: ينعزل بذلك مطلقًا، وقيل: لا ينعزل مطلقًا.
وقد أطلق الرافعي في (باب التدبير) أن الأصح: ارتفاع الوكالة بالإنكار، وهو محمول على ما هنا، والأوجه الثلاثة جارية في التوكيل.
قال: (فإن تعمد ولا غرض .. انعزل)؛ لزوال المعنى المقتضي لعدم عزله، ولو أنكر وقد ادعى عليه بحق على موكله فقامت بينة بقبوله .. لم ينعزل، ولم تندفع عنه الخصومة إلا أن يعزل نفسه.
قال: (وإذا اختلفا في أصلها، أو صفتها بأن قال: وكلتني في البيع نسيئة، أو الشراء بعشرين، فقال: بل نقدًا أو بعشرة .. صدق الموكل بيمينه)؛ لأن الأصل في الأولى عدم الإذن، والأصل في الثانية عدم ما يدعيه الوكيل، والموكل أعرف بحال الإذن الصادر منه، ومن كان القول قوله في شيء كان القول قوله في صفة ذلك الشيء، وإنما لم يقبل قول المالك للخياط: أمرتك بقطعه على غير هذا الوجه ..
стр. 2110
وَلَوِ اشْتَرَى جَارِيَةً بِعِشْرِينَ وَزَعَمَ أَنَّ الْمُوَكِّلَ أَمَرَهُ، فَقَالَ: بَلْ بِعَشَرةٍ وَحَلَفَ: فَإِنِ اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِ المُوَكِّلِ وَسَمَّاهُ فِي الْعَقْدِ أَوْ قَالَ بَعْدَهُ: اشْتَرَيْتُهُ لِفُلاَنٍ وَالْمَالُ لَهُ وَصَدَّقَهُ الْبَائِعُ .. فَالْبَيعُ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَذَّبَهُ .. حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِالْوَكَالَةِ وَوَقَعَ الشِّرَاءُ لِلْوَكِيلِ، وَكَذَا إِنِ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ وَلَمْ يُسَمِّ الْمُوَكِّلَ، وَكَذَا إِنْ سَمَّاهُ وَكَذَّبَهُ الْبَائِعُ فِي الأَصَحِّ،
ــ
لتضمنه إلزام الأرش للخياط، والأصل عدمه.
قال: (ولو اشترى جارية بعشرين وزعم أن الموكل أمره، فقال: بل بعشرة) أي: أذنت في عشرة (وحلف: فإن اشترى بعين مال الموكل وسماه في العقد أو قال بعده) أي: بعد العقد (اشتريته لفلان والمال له وصدقة البائع .. فالبيع باطل)؛ لأنه ثبت بالتسمية في الصورة الأولى، وبتصديق البائع في الثانية أن الدنانير لغير العاقد، وثبت بيمين من له المال أنه لم يأذن في التصرف فيها على ذلك الوجه، فيبطل البيع؛ لأن الشراء بمال الغير بغير إذنه باطل، ولا شك أن قيام البينة على ذلك ملحق بما ذكرناه.
قال: (وإن كذبه) أي: البائع بأن قال: إنما اشتريت لنفسك والمال لك ولا بينة.
قال: (.. حلف على نفي العلم بالوكالة ووقع الشراء للوكيل) أي: في ظاهر الشرع، وسلم الثمن المعين للبائع، وغرم الوكيل مثله للموكل.
قال: (وكذا إن اشترى في الذمة ولم يسم الموكل) أي: ونواه، فإن الشراء يقع للوكيل ظاهرًا، وظاهر كلام المصنف وغيره أنه لا فرق في وقوع العقد للوكيل بين أن يصرح بالسفارة أم لا، ولا بين أن يصدق البائع الموكل أو يكذبه.
قال: (وكذا إن سماه وكذبه البائع في الأصح) أي: كذبه في الوكالة بأن قال: سميته ولم تكن وكيلًا عنه، كما لو اقتصر على النية.
стр. 2111
وَإِنْ صَدَّقَهُ .. بَطَلَ الشِّرَاءُ. وَحَيْثُ حُكِمَ بِالشِّرَاءِ لِلْوَكِيلِ .. يُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي أَنْ يَرْفُقَ بِالْمُوَكِّلِ لِيَقُولَ لِلْوَكِيلِ: إِنْ كُنْتُ أَمَرْتُكَ بِعِشْرِينَ فَقَدْ بِعْتُكَهَا بِهَا، وَيَقُولُ هُو: اشْتَرَيْتُ؛ لِتَحِلَّ لَهُ
ــ
والثاني: أن الشراء يبطل من أصله، والوجهان هما الوجهان المتقدمان في قول المصنف: (وإن سماه فقال: البائع بعتلك، فقال: اشتريت لفلان كذا في الأصح).
قال: (وإن صدقه .. بطل الشراء)؛ لاتفاقهما على أن العقد للغير، وقد ثبت بيمين الغير أنه لم يأذن فيه.
قال: (وحيث حكم بالشراء للوكيل .. يستحب للقاضي أن يرفق بالموكل ليقول للوكيل: إن كنت أمرتك بعشرين فقد بعتكها بها، ويقول هو: اشتريت؛ لتحل له) ولا يضر التعليق للضرورة، وهذه الكيفية ذكرها المزني؛ لأنه لا يتمكن من البيع إلا بهذا الشرط فلا يضر التعرض له كما لو قال: هذا عن زكاة مالي الغائب، إن كان سالمًا ثمَّ .. يجزئه، وسواء أطلق أو علق لا يجعل ذلك إقرارًا بما قاله للوكيل وتكذيبًا لنفسه.
وهذا واضح إذا اشترى في الذمة وسماه وكذبه البائع، أو لم يسمه، أما إذا اشترى بالعين وكذبه، فإن كان الوكيل صدقًا .. فالملك للموكل، وإلا .. فللبائع، فينبغي للحاكم أن يرفق بهما جميعًا، وهذا الرفق لا يجب على الحاكم، ولا يجب على البائع أن يجيبه إليه.
وقيل: لا يصح التعليق، وطريقه أن يجزم بالبيع ولا يكون مقرًا بذلك.
ولو أقام الوكيل بينة بما ادعاه .. لزم الشراء للموكل، وهل يحل له وطؤها؟ فيه وجهان.
وإن أقام الموكل بينة .. لم تسمع؛ لأنها تشهد على نفي الإذن في الشراء بعشرين، ولا سبيل إلى معرفته.
стр. 2112
وَلَوْ قَالَ: أَتَيْتُ بِالتَّصَرُّفِ الْمَاذُونِ فِيهِ، وَأَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ .. صُدِّقَ الْمُوَكِّلُ، وَفِي قَوْلٍ: الْوَكِيلُ
ــ
وإن أقر الموكل بالإذن بعد الإنكار .. حلت له قطعًا؛ لجواز نسيانه، وإذا أنكر ونكل عن الحلف فحلف الوكيل .. قال القاضي الطبري: الحكم كما لو قامت عليه بينة.
ولو اشترى جارية لموكله فقال الموكل: التي أذنت في شرائها جارية غير هذه .. فالقول قوله، فإن حلف بقيت الجارية المشتراة في يد الوكيل، والحكم كما مر في المسألة قبله.
وإن أذن له في أن يقبل له نكاح امرأة فادعى أن التي قبل نكاحها له غير المأذون فيها .. بطل النكاح قطعًا، فلو كان الوكيل ضمن المهر .. غرمه، وهل يلزمه جميعه أو نصفه؟ فيه وجهان.
قال: (ولو قال: أتيت بالتصرف المأذون فيه، وأنكر الموكل .. صدق الموكل)؛ لأن الأصل عدم التصرف وبقاء الملك.
قال: (وفي قول: الوكيل)؛ لأن الموكل ق ائتمنه فعليه تصديقه، وصححه جماعة، وقال الإمام في (باب الرجعة): من أنكر هذا القول .. كان هاجمًا على خرق الإجماع.
ومحل هذا الخلاف إذا كان النزاع قبل العزل، فإن كان بعده .. لم يقبل إلا ببينة قطعًا.
فرع:
في (فتاوى البغوي): لو قال الموكل: باع وكيلي بغبن فاحش، وقال المشتري: بل بثمن المثل .. فالقول قول الموكل، فلو أقاما بينتين .. فبينة المشتري أولى؛ لأن معها زيادة علم وهو انتقال الملك.
стр. 2113
وَقَوْلُ الْوَكِيلِ فِي تَلَفِ الْمَالِ مَقْبُولٌ بِيَمِينِهِ، وَكَذَا فِي الرَّدِّ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ بِجُعْلٍ .. فَلاَ. وَلَوِ ادَّعَى الرَّدَّ عَلَى رَسُولِ الْمُوَكِّلِ وَأَنْكَرَ الرَّسُولُ .. صُدِّقَ الرَّسُولُ، وَلاَ يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ تَصْدِيقُ الْوَكِيلِ عَلَى الصَّحِيحِ.
ــ
قلت: لعل البغوي إنما قال هذا لأنه يرى في البيع أن القول قول مدعي الفساد، وهو خلاف الأصح المنصوص، وسيأتي نظير ذلك في خاتمة (كتاب الكتابة).
قال: (وقول الوكيل في تلف المال مقبول بيمينه)؛ لأنه أمين فيصدق في التلف، كالمودع وغيره من الأمناء، ومقصوده بقبول القول عدم الضمان، فإن الغاصب وغيره ممن يده يد ضمان يصدق أيضًا في دعوى التلف كما سيأتي في بابه.
وصورة المسألة: أن يطلق التلف، فإن أسنده إلى سبب .. فلابد من التفصيل المذكور في (الوديعة).
قال: (وكذا في الرد)؛ لأنه إن كان بغير جعل .. فقد أخذ المال لمحض غرض المالك فكان المودع، وإن كان بجعل .. فهو إنما ينتفع بالعمل في العين لا بنفس العين، وخصه في (المطلب) بما قبل العزل، أما بعده .. فلا يقبل، ومقتضى إطلاق الرافعي والمصنف و (الكفاية) عدم الفرق.
قال: (وقيل: إن كان بجعل .. فلا)؛ لأنه أخذه لغرض نفسه فأشبه المرتهن.
ويوخذ من عبارة المصنف أنها تجوز بغير جعل وبجعل، لكن يشترط أن يكون معلومًا، فإن قال: بع هذا ولك عشر ثمنه، أو من كل مئة درهم من ثمنه .. لم يصح للجهل بمبلغ الثمن وله أجرة مثله.
قال: (لو ادعى الرد على رسول الموكل وأنكر الرسول .. صدق الرسول)؛ لأنه لم يأتمنه.
قال: (ولا يلزم الموكل تصديق الوكيل على الصحيح)؛ لأنه يدعي الرد على من لم يأتمنه.
стр. 2114
وَلَوْ قَالَ: قَبَضْتُ الثَّمَنَ وَتَلِفَ، وَأَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ .. صُدِّقَ الْمُوَكِّلُ إِنْ كَانَ قَبْلَ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، وَإِلاَّ .. فَالْوَكِيلُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَوْ وَكَلَّهُ بِقَضَاءِ دَيْنٍ، فَقَالَ: قَضَيْتُهُ وَأَنْكَرَ الْمُسْتَحِقُّ .. صُدِّقَ الْمُسْتَحِقُّ بِيَمِينِهِ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ لاَ يُصَدَّقُ الْوَكِيلُ عَلَى الْمُوَكِّلِ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ
ــ
والثاني: يلزمه التصديق؛ لأن يد رسوله كيده فكأنه يدعي الرد عليه، فلو اعترف الرسول بالقبض وادعى التلف في يده .. لم يلزم المالك الرجوع إليه.
قال: (ولو قال: قبضت الثمن وتلف) أي: والغرض أن له ولاية قبضه بالتنصيص أو الإطلاق (وأنكر الموكل .. صدق الموكل إن كان قبل تسليم المبيع)؛ لأن الأصل بقاء حقه.
ولو انعكست الدعوى فقال الموكل: أنت قبضت الثمن فادفعه إلي، وقال الوكيل: لم أقبضه .. صدق الوكيل، وليس للموكل طلبه من المشتري؛ لاعترافه ببراءة ذمته.
قال: (وإلا) أي: وإن كنت دعواه تلف الثمن بعد تسليم المبيع (.. فالوكيل على المذهب)؛ لأن الموكل ينسبه إلى الخيانة بالتسليم قبل قبض الثمن، ويلزمه الضمان والوكيل ينكره، فأشبه ما إذا قال الموكل: طالبتك برد المال فامتنعت بلا عذر إلى أن تلف المال، وقال الوكيل: لم تطالبني ولم أقصر .. فإن القول قوله.
قال: (ولو وكله بقضاء دين، فقال: قضيته، وأنكر المستحق .. صدق المستحق بيمينه)؛ إذ الأصل عدم القضاء، ولأنه لم يأتمن الوكيل حتى يلزمه تصديقه، فإذا حلف .. طالب الموكل بحقه، وليس له مطالبة الوكيل.
قال: (والأظهر: أنه لا يصدق الوكيل على الموكل إلا ببينة)؛ لأنه أمره بالدفع إلى من لم يأتمنه فكان من حقه الإشهاد عليه.
والثاني: يصدق؛ لأنه ائتمنه فأشبه ما إذا ادعى الرد عليه، فلو دفع بحضرة الأصيل .. فلا رجوع للموكل عليه في الأصح، وإن دفع في غيبته .. رجع، سواء صدقه الموكل بالدفع أم لا على الصحيح؛ لتقصيره، فلو قال: دفعت بحضرتك .. صدق الموكل بيمينه؛ لأن الأصل عدم الحضور حينئذ.
стр. 2115
وَقَيِّمُ الْيَتِيمِ إِذَا ادَّعَى دَفْعَ الْمَالِ إِلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ .. يَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ
ــ
ولو أشهد الوكيل شهودًا فماتوا أو جنوا أو غابوا .. فلا غرم، وإن أشهد واحدًا أو مستورين .. فوجهان.
قال المتولي: والقول قوله في الإشهاد.
ولو اختلفا فقال الوكيل: دفعت بحضرتك وأنكر الموكل .. فالقول قول الموكل مع يمينه.
قال: (وقيم اليتيم إذا ادعى دفع المال إليه بعد البلوغ) أي: وإيناس الرشد (.. يحتاج إلى بينة على الصحيح)؛ لقوله تعالى: ﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم﴾ فدل على أنهم لو جحدوا احتاج إلى بينة، ولأنه لم يأتمنه، وقد صرح الغزالي في (الوسيط) في آخر (الوديعة) بوجوب الإشهاد، ويخالف الإنفاق فإنه يعسر إقامة البينة عليه.
والثاني: لا يحتاج إليه فإنه أمين فأشبه المودع، وتحمل الآية على الإرشاد.
تنبيه:
مراد المصنف بـ (قيم اليتيم): منصوب القاضي فقط، فإن الأب لا يتم معه، والجد في معناه، والوصي قد ذكره في آخر الوصية وجزم فيه بأنه لا يصدق، وإذا قبلنا قول الولي .. فلابد من يمينه، فإذا نكل .. حلف المحجور عليه وغرم.
وولي السفيه والمجنون إذا ادعى دفع المال بعد رشده كولي الطفل فيما ذكرناه، وأما الحاكم .. فالأصح: أنه كالأب والجد، ومحل هذا في القاضي العدل الأمين، أما غيره .. فلا، ومحله إذا دعاه في حال قضائه، أما بعد عزله .. فلا.
стр. 2116
وَلَيْسَ لِوَكِيلٍ وَلاَ مُودَعٍ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ طَلَبِ الْمَالِكِ: لاَ أَرُدُّ الْمَالَ إِلاَّ بِإِشْهَادٍ فِي الأَصَحِّ، وَلِلْغَاصِبِ وَمَنْ لاَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ ذَلِكَ
ــ
قال: (وليس لوكيل ولا مودع أن يقول بعد طلب المالك: لا أرد المال إلا بإشهاد في الأصح)؛ لأن قوله في الرد مقبول.
والثاني: له ذلك كيلا يحتاج إلى اليمين؛ فإن الأمناء يحترزون عنها ما أمكنهم.
والثالث: إن كان التأخير إلى الإشهاد يورث تعويقًا .. لم يكن له الامتناع، وإلا كان له ذلك.
والرابع: إن كان عليه بينة .. فله ذلك، وإلا .. فلا.
قال: (وللغاصب ومن لا يقبل قوله في الرد) كالمستعير والمضارب والوكيل بجعل والشريك (ذلك) أي: التأخير إلى الإشهاد؛ لأنه يحتاج إلى بينة الأداء إن توجهت عليه بينة الأخذ، هذا إذا كانت عليه بينة، فإن لم تكن بينة .. فوجهان: أصحهما عند البغوي: أن له أن يمتنع من الأداء؛ لأن قوله في الرد غير مقبول.
والثاني: المنع؛ لأنه يمكنه أن يقول: ليس عندي شيء ويحلف عليه، وهو الذي أورده العراقيون.
تنبيهان:
أحدهما: المديون في هذا الحكم كمن لا يقبل قوله في رد الأعيان، فله أن يمتنع من أداء الدين إلى الإشهاد، وهذه تندرج في كلام المصنف، وما أحسن قول (الحاوي الصغير): ولغير المصدق في الأداء طلب الإشهاد.
الثاني: استشكل ابن الرفعة والقمولي والشيخ جواز التأخير للغاصب؛ لأن التوبة واجبة على الفور، وهي متوقفة على الرد.
стр. 2117
وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ: وَكَّلَنِي الْمُسْتَحِقُّ بِقَبْضِ مَا لَهُ عِنْدَكَ مِنْ دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ وَصَدَّقَهُ .. فَلَهُ دَفْعُهُ إِلَيْهِ، وَالْمَذْهَبُ: أَنُّهُ لاَ يَلْزَمُهُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ عَلَى وَكَالَتِهِ
ــ
قال: (ولو قال رجل: وكلني المستحق بقبض ما له عندك من دين أو عين وصدقه .. فله دفعه إليه)؛ لأنه محق بزعمه.
قال: (والمذهب: أنه لا يلزمه إلا ببينة على وكالته)؛ لاحتمال إنكار الموكل الوكالة.
وقال المزني: يلزمه؛ لاعترافه باستحقاقه الأخذ.
وعبر بـ (المذهب)؛ لأن المنصوص هنا: أنه لا يجب، ونص فيما إذا ادعى أنه وارثه وصدقه أنه يجب، فقيل: قولان، والأصح: تقريرهما، والفرق ما سيأتي من اعترافه بانتقال الحق إلى الوارث.
واحترز بقوله: (وصدقه) عما إذا لم يصدقه بأن كذبه أو قال: لا أعلم، فلا يكلف الدفع إليه، فإن دفع ثم حضر المستحق وحلف على نفي الوكالة .. غرم الدافع، وكان له أن يرجع على القابض دينًا كان أو عينًا؛ لأنه لم يصرح بتصديقه وإنما اعتمد قوله.
وإذا ادعى عند القاضي أنه وكيل زيد، فإن كان المقصود بالخصومة حاضرًا وصدقه .. قال الرافعي تثبت الوكالة وله مخاصمته، وقال الروياني: مذهب الشافعي ﵁: أن الحاكم لا يسمع مخاصمتها؛ لما فيه من إثبات الحجة على صاحبها.
ومن قال: أنا وكيل في بيع أو نكاح ومصدقه من يعامله .. صح العقد، فلو قال بعد العقد: لم أكن وكيلًا .. لم يلتفت إليه.
стр. 2118
وَلَوْ قَالَ: أَحَالَنِي عَلَيْكَ، وَصَدَّقَهُ .. وَجَبَ الدَّفْعُ في الأَصَحِّ. قُلْتُ: وَإِنْ قَالَ: أَنَا وَارِثُهُ، وَصَدَّقَهُ .. وَجَبَ الدَّفْعُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَاللهُ أَعْلَمُ
ــ
قال: (ولو قال: أحالني عليك، وصدقه .. وجب الدفع في الأصح)؛ لأنه اعترف بانتقال الحق إليه فأشبه الوارث.
والثاني: لا؛ لاحتمال إنكار صاحب الحق، واختاره ابن أبي عصرون.
قال: (قلت: وإن قال: أن وارثه، وصدقه .. وجب الدفع على المذهب والله أعلم)؛ لاعترافه بانتقال الحق.
قال ابن الرفعة: هذا إذا قال مع ذلك: لا وارث له غيري وبين جهة الوراثة، كما قيده القاضي حسين في (الفتاوى).
والطريق الثانية ذات قولين كما تقدم.
ولو قال: مات فلان وله عندي كذا وهذا وصية .. فهو كما لو قاله: هذا وارثه، ولو قال: أوصى له به .. فهو كإقراره بالحوالة.
تتمة:
أمره بشراء عبد لم يجز أن يشتري بعضه وإن كان بغبطة مثل أن يقول: اشتره بألف، فاشترى نصفه بأربع مئة .. لم يصح، وهذا لا خلاف فيه إذا اقتصر عليه، ولكن لو اشترى النصف الثاني بأربع مئة أخرى هل ينقلب الجميع إلى الموكل بعد انصرافه عنه؟ فيه وجهان: أصحهما: المنع، وقال الإمام إن ما عداه هذيان، وقال ابن الرفعة: إنه في ذلك هاجم على أئمة المذهب، ثم شرع يوجه ذلك.
قلت: وما قاله الإمام وغيره محله إذا كان العبد لواحد، فإن كان لاثنين ووكله في شرائه .. فإنه إذا اشترى نصفًا ونصفًا ينبغي أن يصح قطعًا، ولم أر من تعرض لذلك.
* * *
стр. 2119
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خاتمة
الوكيل باستيفاء حق هل يثبته؟ وبإثباته هل يستوفي عينًا كان أو دينًا؟ فيه أوجه: أصحها: لا.
والثاني: نعم.
والثالث: يثبت ولا يستوفي، ولو كان الحق قصاصًا أو حدًا .. لم يستوفه على المذهب.
ولو أمره بالبيع مؤجلًا .. لم تلزمه المطالبة بعد الأجل، ولكن عليه بيان الغريم.
ولو قال: ادفع هذا لصانع، فقال: دفعته، فطالبته المالك ببيانه .. لزمه البيان، فإن امتنع .. صار متعديًا، حتى لو بينه بعد ذلك وكان تلف في يد الصانع .. لزمه الضمان.
* * *
стр. 2120
كِتَابُ الإِقْرَارَ
ــ
كتاب الإقرار
في اللغة: الإثبات، من قولهم: قر الشيء يقر قرارًا إذا ثبت.
وفي الشرع: إخبار عن وجوب حق عليه بسبب سابق، فإن كان بحق له على غيره .. فهو الدعوى، وإن كان بحق لغيره على غيره .. فهو الشهادة، هذا إذا كان خاصًا، فإن اقتضى شرعًا عامًا، فإن كان عن أمر محسوس .. فهو الرواية، وإن كان عن حكم شرعي .. فهو الفتوى، ويسمى الإقرار اعترافًا.
والأصل في الباب: قوله تعالى: ﴿قال ءأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا﴾.
وقوله: ﴿* يأيها الذين ءامنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم﴾ وفسرت شهادة المرء على نفسه بالإقرار.
واستدل في (المحرر) بقوله ﷺ : (قولوا الحق ولو على أنفسكم) وهو ثابت في (الأجزاء) عن علي بن أبي طالب ﵁ ولفظه: (وجدت في قائم سيف النبي ﷺ رقعة فيها: صل من قطعك وأحسن إلى من أساء إليك وقل الحق ولو على نفسك).
وفي أحاديث (الشهاب): قل الحق ولو كان مرًا.
وفي (الصحيحين): (اغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت .. فارجمها).
ورجم ﷺ ماعزًا والغامدية بإقرارهما.
وأجمعت الأمة على المؤاخذة بالإقرار الصحيح، ودل عليه القياس أيضًا؛ لأن
стр. 2121
يَصِحُّ مِنْ مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ، وَإِقْرَارُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لاَغٍ،
ــ
الإقرار أبعد عن التهمة من الشهادة، ولهذا يبدأ الحاكم بالسؤال عنه قبل السؤال عن الشهادة.
ولو شهد شاهدان للمدعي ثم أقر المدعي عليه .. حكم بالإقرار وبطلت الشهادة.
قال: (يصح من مطلق التصرف) رجلًا كان أو امرأة، مسلمًا كان أو كافرًا، عدلًا أو فاسقًا؛ للأدلة السابقة.
وشملت عبارته السكران وهو كذلك على الأصح، لكن يستثنى المكره كما سيأتي.
والأصل: أن من قدر على الإنشاء .. قدر على الإقرار، ومن لا .. فلا.
واستثنى من طرده الوكيل بالبيع وقبض الثمن، إذا أقر بذلك وكذبه الموكل .. لا يصدق الوكيل على الأصح مع قدرته على الإنشاء.
وولي الثيب ينشئ نكاحها ولا يقر به، ومن عكسه: إقرار المرأة بالنكاح، والمجهول الحرية أو الرق بالنسب، والمفلس ببيع الأعيان، والأعمى بالبيع، والوارث بدين على مورثه.
وإقرار المريض بأنه كان قد وهب وارثه كذا، فإن زيد فيه من قدر على إنشاء يستقل به أو يؤاخذ به .. فلا استثناء.
قال الشيخ عز الدين: قولهم: من ملك الإنشاء ملك الإقرار هذا بالنسبة إلى الظاهر، أما في الباطن .. فبالعكس.
قال: (وإقرار الصبي والمجنون لاغ) كتصرفها، سواء المراهق وغيره، أذن الولي أم لا يأذن وإن كانت عبارته معتبرة في اختيار أحد أبويه، وفي دعواه استعجال الإنبات بالدواء، وفي الإذن في دخول الدار، وحمل الهدية.
نعم؛ يستثنى إقرار المميز بالتدبير والوصية والإسلام إذا صححنا ذلك منه.
стр. 2122
فَإِنِ ادَّعَى الْبُلُوغَ بِالاِحْتِلاَمِ مَعَ الإِمْكَانِ .. صُدِّقَ وَلاَ يُحَلَّفُ،
ــ
والمغمى عليه وزائل العقل بما يعذر فيه كالمجنون، أما الخنثى المشكل .. فقال الشافعي ﵁: لا يجوز إقراره حتى يستكمل خمس عشرة سنة، وقد تقدم في (باب الحجر) أن الأصحاب أولوا هذا النص، قال الشيخ: وتأويله مشكل.
قال: (فإن ادعى البلوغ بالاحتلام مع الإمكان .. صدق ولا يحلف)؛ لأن ذلك لا يعرف إلا من جهته.
والمراد بـ (الاحتلام): خروج المني على أي صفة كان في يقظة أو منام كما تقدم.
قال أبو زيد والغزالي: ولا يحلف؛ لأنه إن كان صادقًا .. فلا حاجة إلى اليمين، وإن كان كاذبًا .. فيمينه غير منعقدة لكن جزم الرافعي في (باب النكول) وفاقًا لابن القاص بأن ولد المرتزق إذا ادعى البلوغ بالاحتلام وطلب إثبات اسمه في الديوان .. لابد من يمينه إذا اتهم، ومثله إذا حضر المراهق الوقعة فادعى الاحتلام وطلب السهم .. يعطى إن حلف، وإلا .. فوجهان: أصحهما: لا يعطى.
وقد تقدم في (باب الحجر) أن الكتابي إذا ادعى أنه إنما أنبت بالاستعجال .. لا يقبل قوله في دفع الجزية عنه.
ثم إذا لم يحلف وبلغ مبلغًا يقطع فيه ببلوغه .. قال الإمام الظاهر أيضًا أنه لا يحلف؛ لانتهاء الخصومة، وعدم الإجابة إلى التحليف إنما يتصور إذا كان له خصم يدعي صباه لغرض ما من بطلان تصرف أو غيره.
ولو أقر ثم ادعى أنه صغير .. لم يحلف أيضًا، ودعوى الجارية الحيض كدعواه الاحتلام.
стр. 2123
وَإِنِ ادَّعَاهُ بِالسِّنِّ .. طُولِبَ بِبَيِّنَةٍ. وَالسَّفِيهُ وَالْمُفْلِسُ سَبَقَ حُكْمُ إِقْرَارِهِمَا. وَيُقْبَلُ إِقْرَارُ الرَّقِيقِ بِمُوجِبِ عُقُوبَةٍ،
ــ
قال: (وإن ادعاه بالسن .. طولب ببينة)؛ لإمكانها، وقيل: لا يطالب بها لعسرها، فإن كان غريبًا خامل الذكر .. ففيه ثلاثة احتمالات للإمام:
أظهرها: أنه يطالب بالبينة.
والثاني: يلحق بدعوى الاحتلام.
والثالث: يعتبر الإنبات.
ولو أطلق الإقرار بالبلوغ ولم يعين نوعًا .. ففي قبوله وجهان.
ولو قال: كنت وقت الإقرار صبيًا وأنا بالغ الآن .. فإنه يحلف، وكذا إذا قال: كنت مجنونًا وعرف له حال جنون في الأصح.
قال: (والسفيه والمفلس سبق حكم إقرارهما) في بابي (الحجر) و (التفليس)، لكن لم يتقدم حكم إقرار السفيه بالنكاح، وقد جزم الرافعي هنا بأن إقراره به باطل، وقال: إن بطلانه يشكل بقبول إقرار المرأة به، وفي (التهذيب) أنه لا يقبل كالمرأة.
قال: (ويقبل إقرار الرقيق بموجب عقوبة) سواء كانت لله أو لآدمي.
و (موجب) بكسر الجيم، أي: ما يوجبها، وذلك كالقصاص في النفس أو الطرف أو المنفعة، وكذلك القذف والزنا والسرقة وشرب الخمر؛ لبعده عن التهمة ويقام عليه موجب ذلك.
قال الشافعي ﵁: لا أعلم في قبول ذلك خلافًا عن أحمد ممن أرضى،
стр. 2124
وَلَوْ أَقَرَّ بِدَيْنِ جِنَايَةٍ لاَ تُوجِبُ عُقُوبَةً وَكَذَّبَهُ السَّيِّدُ .. تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ دُونَ رَقَبَتِهِ،
ــ
وقد أمرت عائشة رضي الله عها بعبد أقر بسرقة فقطع، ومقطع علي ﵁ عبدًا بإقراره ولم ينكر ذلك أحد، ونقل الأصحاب عن المزني: أنه لا يقبل إقراره بالحد والقصاص، ورده الأصحاب بقوله ﷺ : (من يبد لنا صفحته نقم عليه حد الله).
ثم ولي القصاص مخير إن شاء اقتص وإن شاء عفا، وأم الولد والمدبر كالقن، والمبعض سيأتي حكمه قريبًا.
والمكاتب يقبل إقراره في البدن والمال كالحر، ويؤديه مما في يده، فإن عجز نفسه ولا مال معه .. فديون معاملاته يؤديها بعد عتقه، وأروش جناياته في رقبته تؤدى من ثمنه.
وإذا أقر العبد بسرقة توجب القطع .. قبل في القطع، وفي المال أربعة أوجه:
أصحها: لا يقبل.
والثاني: يقبل.
والثالث: يقبل إن كان المال باقيًا.
والرابع: يقبل إن كان تالفًا.
قال: (ولو أقر بدين جناية لا توجب عقوبة وكذبه السيد .. تعلق بذمته دون رقبته)؛ لأن الحجر عليه لحق السيد، فعمل بمقتضاه في متعلق حقه وهو الرقبة والكسب، ولأن العبد متهم فيتبع به إذا عتق؛ إذ لا حق للسيد في ماله حينئذ، وقيل: فيه القولان.
ولا خلاف أنه لا يتعلق برقبته للتهمة، فإن صدقه السيد تعلق .. بها، فيباع إلا أن
стр. 2125
وَإِنْ أَقَرَّ بِدَيْنِ مُعَامَلَةٍ .. لَمْ يُقْبَلْ عَلَى السَّيِّدِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَاذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ، وَيُقْبَلُ إِنْ كَانَ، وَيُؤَدِّي مِنْ كَسْبِهِ وَمَا فِي يَدِهِ
ــ
يفديه السيد، وإذا بيع فبقي شيء من الدين .. فالأظهر: أنه لا يتبع به إذا عتق.
قال: (وإن أقر بدين معاملة .. لم يقبل على السيد إن لم يكن مأذونًا له في التجارة) بل يتعلق بذمته، يتبع به إذا عتق، ولا فرق بين أن يكذبه السيد أو يصدقه؛ لتقصير من يعامله، بخلاف الجناية.
قال: (ويقبل إن كان) أي: مأذونًا له لقدرته على إنشائه، اللهم إلا أن يكون مما لا يتعلق بالتجارة كالقرض؛ فإن الإقرار به لا يقبل على السيد.
ولو اشترى المأذون شراء فاسدًا .. لم يؤد من كسبه على الصحيح؛ لأن الإذن إنما يتناول الصحيح فقط، فيكون كغير المأذون يشتري بغير إذن، قاله البغوي.
قال: (ويؤدي من كسبه وما في يده)؛ لأنه قادر على إنشائه كما تقدم في (باب العبد المأذون).
وما أطلقه المصنف من القول في المأذون محله إذا لم يحجر السيد عليه، فإن حجر عليه فأقره بعد الحجر بدين معاملة أضافه إلى حال الإذن .. لم يقبل على الصحيح؛ لانتفاء القدرة على الإنشاء، ولا يقاس على المفلس، فإنه يصح إقراره في حق الغرماء على الإظهر كما تقدم؛ لأنه يقتضي من ماله ويطالب به بعد فك الحجر، والفك حاصل قطعًا، بخلاف العبد فلو أطلق العبد الإقرار بالدين .. لم ينزل على دين المعاملة في الأصح، كذا أطلقه الشيخان، وهو ظاهر إذا تعذرت المراجعة، وإلا فيراجع، كنظيره من المفلس.
والمبعض إذا أقر بدين جناية .. لم يقبل فيما يتعلق بسيده، إلا أن يصدقه ويقبل في نصفه، وعليه قضاؤه مما في يده.
стр. 2126
وَيَصِحُّ إِقْرَارُ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ لِأَجْنَبِيٍّ، وَكَذَا لِوَارِثٍ عَلَى الْمَذْهَبِ
ــ
وإقرار السيد على عبده بدين الجناية مقبول، إلا أنه إذا بيع وبقي شيء .. لم يطالب به بعد العتق إلا أن يصدقه.
قال: (ويصح إقرار المريض مرض الموت لأجنبي) ويكن من رأس المال عينًا كان المقر به أم دينًا، قال الغزالي: بالإجماع، وفي (التلخيص) و (النهاية) قول: إنه من الثلث.
قال: (وكذا لوارث على المذهب)؛ لعموم الأدلة المتقدمة، ولأنه انتهى إلى حالة يصدق فيها الكذوب ويتوب فيها العاصي.
والظاهر: أنه لا يقر إلا بتحقيق، وفي قول: لا يصح؛ لأنه متهم في حرمانه بعض الورثة.
والأصح: طريقة القولين، وقيل: يقبل قطعًا.
واختار الروياني مذهب مالك أن الحاكم يجتهد، فإن اتهم .. لم يصح، وإلا .. فيصح.
وشملت عبارة المصنف ما إذا أقر أنه كان وهب وارثه في الصحة وأقبضه، والأصح في زوائد (الروضة): الصحة، وفي (الحاوي الصغير): البطلان، ويجري الخلاف فيما إذا أقرت المرأة أنها كانت أبرأت الزوج من صداقها في الصحة، قاله القاضي حسين.
ولو أقر أنه كان وقف هذا الشيء في صحته على فقراء أهله، وليسوا وارثين .. صح الوقف وكان من رأس المال، والاعتبار في كون المقر له وارثًا بحال الموت لا بحالة الإقرار على الأشهر كالوصية، ولا نظر إلى الحالة المتخللة بينهما بالاتفاق.
ولو أقر لوارثه وأجنبي .. خرج على قولي تفريق الصفقة.
فرع:
إقرار الورثة على الميت بالدين والعين مقبول، فلو أقر بعضهم بدين وأنكر البعض .. فقولان:
стр. 2127
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القديم: أن على المقر قضاء جميع الدين من حصته من التركة إن وفى به، وإلا .. فتصرف جميع حصته إليه؛ لأنه إنما يستحق بعد قضاء الدين.
والجديد: لا يلزمه إلا بقسط حصته من التركة.
فعلى هذا: لو مات المنكر وورثه المقر .. لزمه الآن جميع المقر به على الأصح؛ لحصول جميع التركة في يده.
ويتفرع على القولين: لو شهد بعض الورثة بدين على المورث إن قلنا لا يلزمه بالإقرار إلا حصته .. قبلت شهادته، وإلا .. فلا؛ لأنه متهم، وسواء كانت الشهادة بعد الإقرار أو قبله.
وإذا مات عن ابنين فأقر أحدهما أن أباه أوصى لزيد بعشرة .. فهو كما لو أقر عليه بدين، فعلى القديم: يتعلق كل العشرة بثلث نصيبه، وعلى الجديد: يتعلق نصف العشرة بثلث نصيبه.
ولو أقر أحدهما أنه أوصى بربع ماله وأنكر الآخر .. فعلى المقر أن يدفع إلى الموصى له ربع ما في يده، فلو أقر أنه أوصى بعين من أعيان أمواله، فإن لم يقسما التركة .. فنصيب المقر من تلك العين يصرف إلى الموصى له والباقي للمنكر، وإن اقتسماها، فإن كانت تلك العين في يد المقر .. لزمه دفعها إلى المقر له، وإن كانت في يد المنكر .. فللموصى له أخذ نصف القيمة من المقر؛ لأنه فوته عليه بالقسمة.
حادثة:
رجل أقر لبعض ورثته بدين ومات الوارث محجور عليه، فادعى وليه بالدين وطلب بقية الورثة يمينه وهو بالغ- أعني المقر له- فهل يلزمه يمين؟ وهل للحاكم أن يحكم من غير يمينه؟ وإذا نكل هل يكون المبلغ له؟
أجاب الشيخ: نعم يلزم المقر له اليمين، وليس للحاكم أن يقضي له من غير
стр. 2128
وَلَوْ أَقَرَّ فِي صِحَّتِهِ لِوَاحِدٍ بِدَيْنٍ، وَفِي مَرَضِهِ لآخَرَ .. لَمْ يُقَدَّمِ الأَوَّلُ. [وَلَوْ أَقَرَّ فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ وَأَقَرَّ وَارِثُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ لآِخَرِ .. لَمْ يُقَدَّمِ الأَوَّلُ فِي الأَصَحِّ]. وَلاَ يَصِحُّ إِقْرَارُ مُكْرَهٍ.
ــ
يمينه، فإذا نكل .. وقل الحكم إلى أن ينفك الحجر عنه.
فإذا انفك .. حلف بقية الورثة اليمين المردودة، ولا يحلفون في مدة الحجر؛ لأن اليمين المردودة كالإقرار، وإقرار المحجور عليه بالمال لا يقبل.
قال: (ولو أقر في صحته لواحد بدين، وفي مرضه لآخر .. لم يقدم الأول) بل يقسم بينهما بالنسبة كما لو ثبتا بالبينة.
وقوله: (لآخر) يجوز أن يقرأ بـ (الباء) أي: بدين آخر، وحكى في (البيان) قولًا شاذًا: إنه يقدم دين الصحة.
[قال: (ولو أقر في صحته أو مرضه وأقر وارثه بعد موته لآخر .. لم يقدم الأول في الأصح)].
وقال: (ولا يصح إقرار مكره) بما أكره عليه؛ لقوله تعالى: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمن﴾، والكفر أعظم الذنوب وسقط أثره بالإكراه فغيره من باب أولى.
стр. 2129
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فروع:
أحدها: ضرب ليقر، فأقر في حال الضرب .. لم يصح، وإن ضرب ليصدق فأقر .. صح؛ لأن الصدق لم ينحصر في الإقرار، كذا قاله المصنف.
قال الشيخ: قوله: إنما ضرب ليصدق صحيح، ولكن إذا انحصر الصدق في ذلك .. صار مكرهًا عليه، وهو صورة المسألة، قال: وخطر لي أن يقال: الإكراه إنما أبطل حكم الإقرار؛ لأنه قد يقر كاذبًا، وفي الإكراه على الصدق لا يتأتى ذلك.
الثاني: أقر أو باع أو تصرف تصرفًا آخر ثم قال: كنت مكرهًا، فإن قاله متصلًا بإقراره .. فهي مسألة تبعيض الإقرار، وإن قاله منفصلًا ولا قرينة على إكراهه .. لم يقبل عند الأكثرين.
ويستثنى منه: إذا شهد عليه بأنه تلفظ بالردة فادعى أنه كان مكروهًا .. فإنه يقبل فإن كانت قرينة مثل كونه محبوسًا بغير حق أو مقيدًا أو موكلًا به .. قبل قوله، صرح به جميع الأصحاب إلا الماوردي فإنه أطلق عدم القبول في هذه الحالة أيضًا.
كل هذا إذا أطلقت البينة الشهادة، فإن قيدت بأنه غير مكره .. فقال الإمام: لا يقبل قول المشهود عليه وإن ظهرت أمارات على صدقه، فإن الشهادة لا يعارضها أمارات. الثالث: الصحيح المنصوص: سماع الشهادة بالإقرار مطلقة من غير تعرض لبلوغ أو حرية أو عقل أو طواعية، وما يذكر في الوثائق من التعرض لذلك احتياط، عن صاحب (التقريب) خلاف في جميع ذلك عند الاحتمال.
فعلى الصحيح: للقاضي أن يسأل الشاهد، فإن فصل .. فذاك، وإن امتنع، فإن
стр. 2130
وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُقَرِّ لَهُ أَهْلِيَّةُ اسْتِحْقَاقِ الْمُقَرِّ بِهِ، فَلَوْ قَالَ: لِهَذِهِ الدَّابَةِ عَلَيَّ كَذَاَ .. فَلَغْوٌ، فَلَوْ قَالَ: بِسَبَبِهَا لِمَالِكِهَا .. وَجَبَ، وَلَوْ قَالَ: لِحَمْلِ هِنْدٍ كَذَا بِإِرْثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ .. لَزِمَهُ. وَإِنْ أَسْنَدَهُ إِلَى جِهَةٍ لاَ تُمْكِنُ فِي حَقِّهِ .. فَلَغْوٌ ......
ــ
كان امتناعًا لا يورث ريبة .. أمضى القاضي القضاء، وإن ارتاب .. توقف.
ويجوز للقاضي ترك السؤال إن علم أن الشاهد خبير بشرائط الشهادة فطنًا، وإن تمارى في أمره .. قال الإمام: لابد من الاستفصال في الشرائط، وأما تعيين الزمان والمكان .. فلا يجب على الشاهد تعيينه بلا خلاف.
قال: (ويشترط في المقر له أهلية استحقاق المقر به)؛ لأن الإقرار بدونه كذب.
قال: (فلو قال: لهذه الدابة عليَّ كذا .. فلغو)؛ لأنها لا تملك شيئًا ولا تستحقه، وفي قول مخرج: إنه يصح.
قال: (فلو قال: بسببها لمالكها .. وجب) حملًا على أنه جنى عليها أو اكتراها، فهو إقرار للمالك لا لها، وقد تكون هي السبب.
وقيل: لا يصح إلا أن يبين السبب، لأن الغالب لزوم المال بالمعاملة، والمراد: مالكها حالة الإقرار.
ولو لم يذكر المالك بل قال: علي بسبب هذه الدابة ألف درهم .. حمله الأصحاب على الالتزام لمن هو مالك في الحال، قال الإمام: وفيه نظر.
قال: (ولو قال: لحمل هند كذا) أي: علي أو عندي (بإرث أو وصية .. لزمه)؛ لأن ما قاله ممكن والخصم في ذلك ولي الحمل.
وأشار بقوله: (هند) إلى أنه لابد من تعيينها؛ لأن إبهامها يلزم منه إبهام المقر له.
قال: (وإن أسنده إلى جهة لا تمكن في حقه .. فلغو)؛ للقطع بكذبه، كما إذا قال: له علي ألف أقرضنيها، كذا جزم به الرافعي في (المحرر).
стр. 2131
وَإِنْ أَطْلَقَ .. صَحَّ فِي الأَظْهَرِ. وَإِذَا كَذَّبَ الْمُقَرُّ لَهُ الْمُقِرَّ .. تُرِكَ الْمَالُ فِي يَدِهِ فِي الأَصَحِّ،
ــ
وحكى في (الشرح) في المسألة ثلاثة طرق، صحح منها الصحة، وعللها بأنه عقب الإقرار بما هو غير مقبول، فأشبه قوله: علي ألف لا يلزمني، فلذلك استدركه عليه في (الروضة) بقوله: الأصح البطلان، كما قطع به في (المحرر)، وفرق بينه وبين قوله: ألف من ثمن خمر بأن بيع الخمر معتاد، بخلاف معاملة الأجنة.
قال: (وإن أطلق .. صح في الأظهر) حملاً للكلام على الجهة الممكنة.
والثاني: لا يصح؛ لأن المال في الغالب إنما يجب بالمعاملة، وهي مستحيلة في الحمل.
قال: (وإن كذب المقر له المقر .. ترك المال في يده في الأصح)؛ لدلالتها على المالك ظاهرًا، والإقرار عارضه التكذيب فسقط، كذا علله الرافعي، ومقتضاه أن يقر في يده لنفسه لا لغيره، وبه صرح في (المهذب).
والثاني: يحفظه القاضي إلى أن يظهر مالكه؛ لأنه كالمال الضائع.
والثالث: يجبر المقر له على قبوله، وهذا بعيد.
تنبيهات:
أحدها: موضع الخلاف إذا قال: هذا لزيد، أما إذا قال للقاضي: في يدي مال لا أعرف مالكه أو ليس هو لي .. فالوجه القطع بأن القاضي يتولى حفظه، وأبعد بعضهم فلم يجوز انتزاعه أيضًا.
الثاني: قال ابن الرفعة والشيخ: محل الخلاف فيما إذا كان المقر به عينًا، فإن كان دينًا .. فالمشهور: أنه لا يؤخذ منه. قال ابن الرفعة: وأجراه ابن يونس في الدين، ولم أره لغيره.
قال الشيخ جمال الدين: وهذا غريب، فقد ذكره الرافعي قبيل الركن الثالث.
стр. 2132
فَإِنْ رَجَعَ الْمُقِرُّ فِي حَالِ تَكْذِيبِهِ وَقَالَ: غَلِطْتُ .. قُبِلَ قَوْلُهُ فِي الأَصَحِّ.
فَصْلٌ:
قَوْلُهُ: لِزَيْدٍ كَذَا .. صِيغَةُ إِقْرَارٍ،
ــ
وصرح المتولي بأنه لا فرق بين العين والدين، وهو الصواب.
الثالث: لو كان المقر به قصاصاً أو حد قذف وكذبه المقر له .. سقط جزمًا، وكذا لو أقر بسرقة توجب القطع وأنكر رب المال السرقة .. فلا قطع، وفي المال ما سبق، وهذه المسألة تكررت في الكتاب هنا وفي (الشفعة) و (النكاح) و (الدعاوى).
قال: (فإن رجع المقر في حال تكذيبه وقال: غلطت .. قبل قوله في الأصح) هذه المسألة مبنية على الخلاف السابق، فإن قلنا بالأصح وهو أن يترك في يد المقر .. أبطلنا حكم الإقرار.
فعلى هذا: يقبل رجوعه ههنا، وإن قلنا يحفظه القاضي لم يقبل.
تتمة:
تقييد المصنف بحالة التكذيب يوهم أنه لو رجع المقر له وصدقه لا يكون كذلك، وليس كذلك؛ فإن الأصح عند المتولي وغيره: أن رجوع المقر له غير مقبول، ولا يصرف إليه إلا بإقرار جديد، وتقييده بالغلط وقع في (المحرر) وفي (الوسيط) في (كتاب الدعاوى)، وقواه في (المطلب)، لكن في (الروضة) و (الشرحين): أنه لا فرق بين أن يقول: غلطت أو تعمدت.
قال: (فصل:
قوله: لزيد كذا .. صيغة إقرار)؛ لأن اللام للملك، فإن كان المقر به معينًا كهذا الثوب .. وجب أن يسلمه له، وإن لم يكن كألف وثوب .. فلابد أن يضيف إليه شيئًا من الألفاظ الآتية كعلي أو عندي ونحوه.
стр. 2133
وَقَوْلُهُ: عَلَيَّ وَفِي ذِمَّتِي لِلدَّيْنِ، وَمَعِي وَعِنْدِي لِلْعَيْنِ. وَلَوْ قَالَ: لِي عَلَيْكَ أَلْفٌ، فَقَالَ: زِنْ، أَوْ خُذْ، أَوْ زِنْهُ، أَوْ خُذْهُ، أَوْ اخْتِمْ عَلَيْهِ، أَوِ اجْعَلْهُ فِي كِيسِكَ .. فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ، ولَوْ قَالَ: بَلَى، أَوْ نَعَمْ، أَوْ صَدَقْتَ، أَوْ أَبْرَاتَنِي مِنْهُ، أَوْ قَضَيْتُهُ، أَوْ أَنَا مُقِرٌّ بِهِ .. فَهُوَ إِقْرَارٌ،
ــ
قال: (وقوله: علي وفي ذمتي للدين)؛ لأنه المتبادر عرفًا، ولو عبر المصنف بـ (أو) فقال: علي أو في ذمتي كما عبر به في (الشرح) و (الروضة) .. كان أولى من (الواو)؛ لأنها توهم أن الاجتماع مراد.
قال: (ومعي وعندي للعين) أي: كل منهما للعين؛ لأن (مع) و (عند) ظرفان فيسبق إلى الذهن عند المخاطبة ذلك، فيحمل على أدنى المراتب وهي الوديعة، لا على الغصب والعارية كما ذكره المصنف بعد هذا في زوائد (الروضة).
فإن أتى بلفظ من ألفاظ العين ولفظ يدل على الدين بأن قال: علي ومعي عشرة .. فالقياس أنه يرجع إليه في تفسير بعض العشرة بالعين وبعضها بالدين.
وقوله: قبلي كذا عند البغوي للدين، وقال الرافعي يشبه أن يقال: هو صالح للدين والعين جميعًا، والماوردي صرح بما حكاه الرافعي، والصواب المنصوص: ما أجاب به البغوي.
قال: (ولو قال: لي عليك ألف، فقال: زن، أو خذ، أو زنه، أو خذه، أو اختم عليه، أو اجعله في كيسك .. فليس بإقرار)؛ لأن ذلك يذكر في معرض الاستهزاء، وقيل: الأربعة الأخيرة إقرار.
وأغرب أبو عبد الزبيري من أصحابنا فقال: إذا قال: زنه أو خذه .. كان إقرارًا، وإن قال: زن أو خذ بلا (هاء) .. لا يكون إقرارًا.
قال: (ولو قال: بلى، أو نعم، أو صدقت، أو أبرأتني منه، أو قضيته، أو أنا مقر به .. فهو إقرار) أما المسائل الثلاثة الأول .. فلأنها موضوعة للتصديق والموافقة، وحكم (أجل) في هذا حكم (نعم) وهو عند أهل اللغة أحسن من
стр. 2134
وَلَوْ قَالَ: أَنَا مُقِرٌّ، أَوْ أَنَا أُقِرُّ بِهِ .. فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ .. وَلَوْ قَالَ: أَلَيْسَ لِي عَلَيْكَ كَذَا؟ فَقَالَ: بَلَى أَوْ نَعَمْ .. فَإِقْرَارٌ، وَفِي (نَعَمْ) وَجْهٌ.
ــ
(نعم) في التصديق، و (نعم) أحسن منه في الاستفهام و (بلى) لتحقق ما يسأل عن نفيه.
والثاني: يكون إقرارًا للعرف، وحيث لا عرف يقطع بعدم الإقرار إلا أن يثبت في اللغة أنه يجاب بها الإثبات، ويقصد بها تقريره كـ (نعم) وهذا قليل.
وفي معنى (نعم): (جير) و (إي) ولا تستعمل في اللغة إلا مع القسم قال تعالى: ﴿قل إي وربي إنه لحق﴾، والعامة يستعملونه بغير قسم، ويلحقون به هاء السكت.
وأما دعوى الإبراء والقبض .. فلأنه قد اعترف بالشغل وادعى الإسقاط، والأصل عدمه.
وقيل: لا يكون مقرًا بدعوى الإبراء؛ لأن الإبراء يستعمل لإظهار البراءة، قال الله تعالى: ﴿فبرأه الله مما قالوا﴾.
وفي دعوى القبض وجه أيضًا: أنه لا يكون مقرًا.
وقوله: (أنا مقر به) يفهم منه الاعتراف، ولو ادعى ألفا فقال: قبضته .. فمقر به.
قال: (ولو قال: أنا مقر) ولم يقل به (أو أنا أقر به .. فليس بإقرار) أما الأول .. فلجواز أن يريد الإقرار ببطلان دعواه، أو بأن الله واحد، وأما الثاني .. فلاحتمال الوعد بالإقرار، وفي كل منهما وجه، وكذلك الحكم لو قال: أنا أقر لك به كما مثل به في (الشرح) و (الروضة).
قال: (ولو قال: أليس لي عليك كذا؟ فقال: بلى أو نعم .. فإقرار)؛ لأن ذلك يدل على التصديق.
قال: (وفي (نعم) وجه): أنها لا تكون إقراراً.
стр. 2135
وَلَوْ قَالَ: اقْضِ الأَلْفَ الَّذِي لِي عَلَيْكَ، فَقَالَ: نَعَمْ، أَوْ أَقْضِي غَدًا، أَوْ أَمْهِلْنِي يَوْمًا، أَوْ أَقْعُدَ، أَوْ أَفْتَحَ الْكيِسَ، أَوْ أَجِدَ الْمفْتَاحَ .. فَإِقْرَارٌ فِي الأَصَحِّ.
ــ
والفرق أن (نعم) لتقرير ما سبق و (بلى) لنفيه وإثبات ما بعده، والسابق هنا نفي فقررته (نعم) ونفته (بلى).
والأصح: أنه إقرار؛ لأن الإقرار يحمل على ما يفهمه أهل العرف، ولم يرحج الرافعي في (الشرح) شيئًا، وصحح في زوائد (الروضة) و (الشرح الصغير) كـ (المنهاج)، لكن ورد في (صحيح مسلم) [٨٣٢] استعماله جوابًا للإثبات في قوله ﷺ : (أنت الذي لقيتني بمكة عام أول؟ فقال: بلى. ...).
قال: (ولو قال: اقض الألف الذي لي عليك، فقال: نعم، أو أقضي غدًا، أو أمهلني يومًا، أو حتى أقعد، أو أفتح الكيس، أو أجد المفتاح .. فإقرار في الأصح)؛ لأنه المفهوم من هذه الألفاظ.
والثاني: لا؛ لأنه ليس بصريح في الالتزام، قال الشيخ: وهو الأشبه عندي.
فروع:
كتب لزيد علي ألف درهم ثم قال للشهود: اشهدوا علي بما فيه، فليس بإقرار خلافًا لأبي حنيفة.
لنا: أن الإقرار لا يثبت بالفعل، بل بالقول ولم يوجد.
ولو قال: إن شهد علي فلان وفلان أو شاهدان بكذا فهما صادقان .. فهو إقرار في الأظهر وإن لم يشهدا.
ولو قال: إن شهدا علي بكذا صدقتهما أيضًا .. فإقرار أيضًا، أما إذا قال: إن شهدا علي فهما عدلان .. فإنه لا يكون إقرارًا، بل تزكية وتعديلاً للمخاطب.
стр. 2136
فَصْلٌ:
يُشْتَرَطُ فِي الْمُقَرِّ بِهِ أَنْ لاَ يَكُونَ مِلْكًا لِلْمُقِرِّ، فَلَوْ قَالَ: دَارِي، أَوْ ثَوْبِي، أَوْ دَيْنِي الذَّي عَلَى زَيْدٍ لِعَمْرٍ و ... فَهُوَ لَغْوٌ،
ــ
تتمة:
أفتى الشيخ برهان الدين المراغي مدرس الفلكية بدمشق في امرأة أشهد على نفسها أن هذا الرجل ابن عمها وصدقها: أن العصوبة تثبت ويرثها إذا ماتت، وهي مسألة تعم بها البلوى، لاسيما إذا كان المقر به غائبًا، فكثيرً ما يقر مريض بأن له وارثًا غائبًا إما ابن عم أو أخوة فيضع وكيل بيت المال يده على المال مدعيًا أن بيت المال لا يندفع بهذه الدعوى، وأفتى الشيخ باندفاع وكيل بيت المال بذلك، وحفظ هذا المال بمجرد هذا الإقرار حتى يحضر الغائب، قال: (وفي (فتاوى القاضي) و (شيخه القفال) و (ابن الصلاح): ما يرشد إلى ذلك.
قال: (فصل:
يشترط في المقر به) وهو ما جازت المطالبة به (أن لا يكون ملكًا للمقر)؛ لأن الإقرار ليس مزيلاً للملك، بل إخبار عن كونه مملوكًا للمقر له، فلابد من تقدم المخبر عنه على الخبر.
قال: (فلو قال: داري، أو ثوبي، أو ديني الذي على زيد لعمرو .. فهو لغو)؛ لأنه جملة واحدة أولها مناقض لآخرها، وعلم من عبارته صحة الإقرار بالدين، فإذا قال: الدين الذي لي على زيد لعمرو واسمي في الكتاب عارية .. صح؛ لاحتمال أنه وكيله، لكن يستثنى من ذلك الصداق وبدل الخلع وأرش الجناية على الحر، فلا
стр. 2137
وَلَوْ قَالَ: هَذَا لِفُلاَنٍ وَكَانَ مِلْكِي إِلَى أَنْ أَقْرَرْتُ .. فَأَوَّلُ كَلاَمِهِ إِقْرَارٌ وَآخِرُهُ لَغْوٌ. ولْيَكُنِ الْمُقَرُّ بِهِ فِي يَدِ الْمُقِرِّ لَيُسَلَّمَ بِالإِقْرَارِ إِلَى الْمُقَرِّ لَهُ.
ــ
يصح الإقرار بها عقب ثبوتها، كما نقله الرافعي عن صاحب (التلخيص) وأقره.
وأورد على حصره: المتعة والحكومة والمهر الواجب عن وطء الشبهة وأجرة بدن الحر فلا يصح الإقرار بها أيضًا.
قال: (ولو قال: هذا لفلان وكان ملكي إلى أن أقررت .. فأول كلامه إقرار وآخره لغو)؛ لمناقضته الأول، فيطرح آخر ويؤاخذ بأوله، ولو عكس فقال: هذه الدار ملكي هذه الدار لفلان .. صح الإقرار أيضًا.
ولو أقر ثم شهدت بينة أنه لم يزل ملكه إلى أن أقر .. لم يصح الإقرار، كما قاله الهروي وغيره، وكذلك الحكم في الدين أيضًا إذا قال: ديني الذي على زيد لعمرو .. فهو باطل.
قال: (وليكن المقر به في يد المقر ليسلم بالإقرار إلى المقر له) المراد: أنه يشترط في الحكم بالإقرار كون المقر به في يد المقر حسًا أو شرعًا، فإنه حينئذ يسلم للمقر له.
ويستثنى من هذه القاعدة: ما إذا باع الحاكم مال الغائب بسبب اقتضاه، ثم قدم وادعى أنه كان تصرف فيه قبل بيع الحاكم .. فإنه يقبل منه، كما سيأتي قبيل (كتاب الصداق) عن النص.
ويشترط في اليد الاستقلال، فلو كانت يده نائبة عن غيره بأن أقر بمال تحت يده ليتيم أو جهة وقف .. لم يصح إقراره، وكذلك المفلس فإن العين وإن كانت في يده لكنها ليست في ولايته، فلا يصح إقراره بها.
стр. 2138
فَلَوْ أَقَرَّ ولَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ ثُمَّ صَارَ .. عُمِلَ بِمُقْتَضَى الإِقْرَارِ. وَلَوْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ فِي يَد غَيْرِهِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ .. حُكِمَ بِحُرِّيَّتِهِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ قَالَ: هُوَ حُرُّ الأَصْلِ .. فَشِرَاؤُهُ افْتِدَاءٌ، وَإِنْ قَالَ: أَعْتَقَهُ .. فَافْتِدَاءٌ مِنْ جِهَتِهِ وَبَيْعٌ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ عَلَى الْمَذْهَبِ، فَيَثْبُتُ فِيهِ الْخِيَارَانِ لِلْبَائِعِ فَقَطْ
ــ
قال: (فلو أقر ولم يكن في يده ثم صار .. عمل بمقتضى الإقرار)؛ لأن الشرط قد وجد فآخذناه بإقراره.
قال: (ولو أقر بحرية عبد في يد غيره ثم اشتراه .. حكم بحريته) مؤاخذة له بإقراره السابق، ويصح الشراء في هذه الصورة تنزيلًا للعقد على قول من صدقه الشارع وهو البائع وإن اعتقد المشتري حريته استنفاذًا له من الظلم، كما لو اشترى المسلم أسيرًا من مشرك .. يصح الشراء وإن كان حراً استنفاذًا له لا تمليكًا.
قال: (ثم إن كان قال: هو حر الأصل .. فشراؤه افتداء) أي: من جهة المشتري؛ لأن اعترافه بحريته مانع من جعله بيعًا من جهته، وهذا لا خلاف فيه، وكذا إن قال: أعتقه فلان والبائع اشتراه منه.
قال: (وإن قال: أعتقه) أي: البائع ويسترقه ظلمًا، ويوجد في بعض النسخ: أعتقه على الخطاب، والذي بخط المصنف على الغيبة.
قال: (.. فافتداء من جهته وبيع من جهة البائع على المذهب)؛ لاعترافه بحريته، وامتناع شراء الحر.
والثاني: أنه بيع من الجانبين.
والثالث: أنه افتداء من الجانبين، قال الرافعي: وهذا الثالث مما ينبو عنه الطبع.
قال: (فيثبت فيه الخياران للبائع فقط) بناء على أنه بيع من جهته، فلو ظهر بالعبد عيب .. لم يكن له رده، لكن له الأرش على قولنا: شراء، وليس له على قولنا: افتداء.
ولو قال: هذا العبد الذي في يدك غصبته من زيد، ثم اشتراه منه .. صح في الأصح استنقاذًا لملك الغير كما يستنقذ الحر.
стр. 2139
وَيَصِحُّ الإِقْرَارُ بِالْمَجْهُولِ، فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَى شَيْءٌ .. قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِكُلِّ مَا يُتَمَوَّلُ وَإِنْ قَلَّ، وَلَوْ فَسَرَّهُ بِمَا لاَ يُتَمَوَّلُ لَكِنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ كَحَبَّةِ حِنْطَةٍ، أَوْ بِمَا يَحِلُّ اقْتِنَاؤُهُ كَكَلْبٍ مُعَلَّمٍ أَوْ سِرْجِينٍ .. قُبِلَ فِي الأَصَحِّ، ... ..
ــ
قال: (ويصح الإقرار بالمجهول) إما من بعض الوجوه كقوله: له علي ثوب، أو من كلها كقوله: له علي شيء؛ لأن الإقرار إخبار عن حق سابق، والشيء يخبر عنه مبينًا ومجملًا وغير معين، إما لثبوته مجهولًا بوصية ونحوها، وإما لغير ذلك.
ولو عبر المصنف بـ (المجمل) كما في (الشرح) و (الروضة) .. كان أحسن، فإن الإقرار بالمبهم كأحد العبدين صحيح ودخوله في المجمل أظهر من دخوله في المجهول.
قال: (فإذا قال: له علي شيء .. قبل تفسيره بكل ما يتمول وإن قل)؛ لأن اسم الشيء صادق عليه، وبدأ بلفظ (شيء)؛ لأنها أعلم النكرات فإنها تصدق على كل موجود، ولا خلاف في قبول تفسيرها بما يتمول؛ لصدق الاسم وحصول المقصود الأعظم من الأقارير وهو المال.
قال في (الجواهر): وضابط ما يتمول: ما سد مسدًا، ووقع موقعًا يحصل به جلب نفع أو دفع ضر كفلس ورغيف وتمرة لها قيمة.
وظاهر نص الشافعي ﵁ أنه لابد من اليمين، فيحلف أن ما له عليه شيء سوى ما فسره، فإن نكل قيل للمدعي: سم ما شئت، فإذا سمى فإن حلف المقر .. برئ، وإلا .. حلف المدعي واستحق.
قال: (ولو فسره بما لا يتمول لكنه من جنسه كحبة حنطة، أو بما يحل اقتناؤه ككلب معلم أو سرجين .. قبل في الأصح)؛ لأنه شيء يحرم أخذه وعلى من أخذه رده، ونظير الكلب المعلم: القابل للتعليم وجلد الميتة القابل للدبغ والخمرة المحترمة.
أما الأول .. فلأنه لا قيمة له، فلا يصح التزامه بكلمة (علي).
وأما الثاني .. فلأنه ليس بمال، وصاحب هذا الوجه يقول: لا تصح الدعوى به.
стр. 2140
ــ
هذا كله إذا كان الإقرار بصيغة: له علي، فإن قال: له في ذمتي، ثم فسره بحبة حنطة أو بكلب أو خنزير .. فلا يجري هذا الخلاف؛ لأن هذه الأشياء لا تثبت في الذمة.
و (السرجين): الزبل، عجمي معرب، ويقال بالقاف بدل الجيم، وحكى في (المحكم) فيه فتح السين أيضًا، لكن قال القاضي عياض وغيره: ليس في الكلام فعليل بالفتح.
فرع:
مات المقر بالشيء قبل البيان .. طولب به الوارث، فإن امتنع .. فقولان:
أحدهما: يوقف مما ترك أقل متمول.
والأظهر: يوقف الجميع؛ لأنه مرتهن بالدين.
واستشكل في (المطلب) القولين معًا؛ لأن التفسير بالاختصاصات مقبول.
نعم؛ يتجه الخلاف إذا قال: له علي مال، وألحق الهروي جنونه بموته، فإذا غاب المقر .. حكى الهروي عن الشافعي ﵁ أنه قال: يبين المدعي مقدارًا ويحلف أن له ذلك، وأنه أراده بإقراره، وحينئذ يعطيه الحاكم له، ولو فسره بحق الشفعة .. قبل، وكذا بالقصاص والوديعة على الصحيح.
وقيل: لا؛ لأنهما في يده لا عليه.
следующие страницы →