← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13783

النجم الوهاج في شرح المنهاج

الدميري

Полный текст (5 377 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

بِالشُّرُوطِ السَّابِقَةِ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُلْحَقِ بِهِ مَيْتًا، ــ وليس المراد بإلحاق النسب بغيره أن يلحقه بأجنبي، بل المراد: أن يلحقه بنفسه بواسطة إلحاقه بغيره كإلحاق الأخ والعم، لكن الأخ بواسطة واحدة وهو الأب، والعم بواسطتي الأب والجد، وقد يكون بثلاثة وسائط كابن العم. وخالف البويطي فقال: لا يجوز إقرار الأخ بأخيه عندي، وإنما ألحق النبي ﷺ ابن زمعة لمعرفته بفراشه. كل هذا إذا كان الملحق به رجلًا، فإن كانت امرأة .. فلا؛ لأن اعترافها لا يقبل على الصحيح، كم ذكره المصنف في (كتاب اللقيط)، فبالأولى استلحاق وارثها. تنبيه: شرط المستلحق: أن لا يكون عليه ولا لغيره، فإن أقر من عليه الولاء بأخ أو أب .. لم يقبل على الأصح؛ لما فيه من الإضرار بالمولى. وقيل: يقبل كالحر إذا كان له ابن عم فأقر بأخ، وإن أقر بنسب ابن .. قبل في الأصح؛ لأنه لا يتصور ثبوت نسبه من جهة غيره إلا ببينة، بخلاف الأب والأخ، فإنه يتصور ثبوته من جهة أبيهما. قال: (بالشروط السابقة) أي: في إلحاقه النسب بنفسه وبما ذكره بعد هذا أيضًا. قال: (ويشترط كون الملحق به ميتًا) فما دام حيًا ولو مجنونًا ليس لغيره الإلحاق؛ لاستحالة ثبوت نسب الأصل مع وجوده بإقرار غيره. قال في (التهذيب): فإن كان الملحق به حيًا .. فلابد من تصديقه، ولو كان بينهما اثنان أو أكثر .. فلابد من تصديق الجميع، والذي يقتضيه المذهب: أنه يعتبر

стр. 2172

وَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يَكُونَ نَفَاهُ فِي الأَصَحِّ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُقِرِّ وَارِثًا حَائِزًا ــ تصديق الجد؛ لأنه الأصل الذي ثبت النسب منه. قال: (ولا يشترط أن لا يكون نفاه في الأصح) فيجوز استلحاق من نفاه الملحق به قبل موته بلعان أو بدعوى استبراء في الأصح، كما لو استلحقه المورث بعدما نفاه. والثاني: يشترط عدم النفي، وهو المرجح عند القاضي والماوردي وصاحب (التنبيه) والبغوي؛ لأن الوارث لا يفعل إلا ما فيه حظ للموروث. قال: (ويشترط كون المقر وارثًا حائزًا) فلا يثبت بإقرار الأجنبي والقريب الذي لا يرث لقيام مانع من كفر أو رق أو قتل؛ لأن القائم مقام المورث هو مجموع الورثة لا المستلحق وحده. وفي (الحاوي) و (الشامل): أجمعوا على أن النسب لا يثبت بقول بعض الورثة. وقيل: لا تشترط موافقة المعتق والزوج والزوجة؛ لأنه لا حق لهم في النسب. ولو خلف بنتًا واحدة، فإن كانت حائرة بأن كانت معتقة .. ثبت النسب بإقرارها، وإن لم تكن حائزة فوافقها الإمام .. فالأصح في (الروضة): الثبوت، والأصح عند الماوردي والشيخ: عدمه. ومحل الخلاف: إذا كان ذلك من الإمام على سبيل الإقرار، فإن قاله على سبيل الحكم إما لبينة قامت عنده وإما لعلمه وقلنا: يقتضي به .. كان ذلك حكمًا منه مقبولًا قطعًا وإن كان وارثًا.

стр. 2173

وَالأَصَحُّ: أَنَّ الْمُسْتَلْحَقَ لاَ يَرِثُ، فَلاَ يُشَارِكُ الْمُقِرَّ فِي حِصَّتِهِ، ــ ولو خلف ابنين وارثًا وغير وارث .. كفى إلحاق الوارث ولا يشترط اتفاق دين المقر والمقر به، فلو ألحق الكافر مسلمًا بمورثه الكافر أو ألحق المسلم كافرًا بمورثه المسلم .. ثبت نسبه. قال: (والأصح: أن المستلحق لا يرث، فلا يشارك المقر في حصته) كذا بخط المصنف، ولا خلاف أن المستلحق يرث إذا أقر به الوارث الحائز، سواء كان ذلك واحدًا أو متعددًا، فلو أقر بعضهم وأنكر البعض .. فهي مسألة الكتاب والأصح فيها: أنه لا يرث؛ لأن نسبه لم يثبت قطعًا فكيف يرثه؟ والثاني- وبه قال الأئمة الثلاثة-: يرث وهو من تخريج صاحب (التقريب)، وأيده الرافعي بصورة يثبت فيها الفرع دون الأصل: منها: لو قال أحد الابنين: فلانة بنت أبينا وأنكر الآخر .. حرم على المقر نكاحها مع أنه فرع النسب الذي لم يثبت. ومنها: لو قال أحد الشريكين في عقار لثالث: بعتك نصيبي فأنكر .. لا يثبت الشراء، وتثبت الشفعة في الأصح دون البيع. ومنها: لو قال: لزيد على عمرو كذا وأنا ضامن فأنكر عمرو .. فالأصح أنه يطالب بالضمان. ومنها: لو ادعى الزوج الخلع وأنكرت المرأة .. ثبتت البينوتة وإن لم يثبت المال الذي هو الأصل، وزاد في (المطلب) صورًا أخرى. والمراد: أنه يرث لا من نصيب المنكر، بل يشارك المقر في حصته، وإليه أشار المصنف بقوله: (فلا يشارك) بالفاء، أي: وإن قلنا يرث شاركه، وليس هذا حكمًا زائدًا، بل بيان لحقيقة الوجه القائل بالتوريث. قال الإمام: ومن لم يعترف بإشكال هذه المسألة ليس له في التحقيق نصيب. هذا كله في الظاهر، أما في الباطن .. فعلى المقر إذا كان عند نفسه صادقًا أن

стр. 2174

وَأَنَّ الْبَالِغَ مِنَ الْوَرَثَةِ لاَ يَنْفَرِدُ بِالإِقْرَارِ، وَأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ أَحَدُ الْوَارِثَيْنِ وَأَنْكَرَ الآخَرُ وَمَاتَ وَلَمْ يَرِثْهُ إِلاَّ الْمُقِرُّ .. ثَبَتَ النَّسَبُ، وَأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ ابْنٌ حَائِزٌ بِأُخُوَّةِ مَجْهُولٍ فَأَنْكَرَ الْمَجْهُولُ نَسَبَ الْمُقِرِّ .. لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ وَيَثْبُتُ أَيْضًا نَسَبُ الْمَجْهُولِ، ــ يعطيه نصيبه مما في يده، فإذا أقر أحد الابنين .. لزمه على الأصح أن يعطيه ثلث ما في يده؛ لأن حق الثالث بزعم المقر شائع فيما في يده ويد صاحبه، فله الثلث من هذا والثلث من ذاك. وقيل: يعطيه النصف؛ لأن قضية الميراث التسوية. قال: (وأن البالغ من الورثة لا ينفرد بالإقرار)؛ لأنه غير حائز. والثاني: ينفرد ويحكم بثبوت النسب في الحال احتياطًا له؛ لأن الظاهر من حال الكامل من الروثة أنه يعتني بالنسب ولا يجازف فيه، فأثبتنا صحته بقوله، وحكم الكامل من الورثة أنه يعتني بالنسب ولا يجازف فيه، فأثبتنا صحته بقوله، وحكم المجنون في ذلك حكم الصبي، فلو عبر بـ (الكامل) كان أشمل. قال: (وأنه لو أقر أحد الوارثين وأنكر الآخر) أي: وحلف (ومات ولم يرثه إلا المقر .. ثبت النسب)؛ لأن جميع الميراث صار له. والثاني: لا يثبت؛ لأن إقرار الفرع مسبوق بإنكار الأصل، ورجحه الروياني. والخلاف قريب من اختلاف الأصوليين فيما إذا اختلف أهل العصر ثم مات أحد الطائفتين هل يكون قول الباقين حجة أو لا؟ واحترز بقوله: (أنكر) عما إذا أقر أحد الورثة وسكت الباقي، ثم مات الساكت ووارثه المقر أو غيره فصدقه على النسب .. فلا خلاف أنه يثبت ههنا النسب؛ لأنه لم يسبقه تكذيب من أصله. قال: (وأنه لو أقر ابن حائز) أي: مشهور النسب لا ولاء عليه (بأخوة مجهول فأنكر المجهول نسب المقر .. لم يؤثر فيه ويثبت أيضًا نسب المجهول)؛ لأن صورة المسألة: أن المقر مشهور النسب فلا يبالي بالتكذيب، والمجهول أقر به الوارث الحائز فيثبت نسبه. والثاني: أن المقر يحتاج إلى البينة على نسبه؛ لاعترافه بنسب المجهول وإنكاره إياه.

стр. 2175

وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْوَارِثُ الظَّاهِرُ يَحْجُبُهُ الْمُسْتَلْحَقُ كَأَخٍ أَقَرَّ بِابْنٍ لِلْمَيِّتِ .. ثَبَتَ النَّسَبُ وَلاَ إِرْثَ. ــ والثالث: لا يثبت نسب المجهول؛ لأنه أخرج المقر عن أهلية الإلحاق بتكذيبه، ولو اتفقا وأقرا بنسب ثالث فأنكر الثالث نسب الثاني .. في سقوط نسب الثاني وجهان: أصحهما: السقوط. قال: (وأنه لو كان الوارث الظاهر يحجبه المستلحق كأن أقر بابن للميت .. ثبت السنب) لإقرار الوارث الحائز به (ولا إرث)؛ لأنه لو ورث لحجب الأخ، ولو حجبه لخرج عن أهلية الإقرار، وإذا لم يصح الإقرار لم يثبت النسب ولا الإرث، فيؤدي توريثه إلى عدم توريثه، كما لو اشترى أباه في مرضه .. يعتق عليه ولا يرث. ولو أوصى له بابنه فقبله .. عتق ولا يرث، ولو أعتق المريض أمته ثم تزوجها .. صح النكاح ولا ترث. والثاني: لا يثبتان؛ لأنه لو ثبت النسب .. ثبت الإرث ولزم هذا المحذور. والثالث- قاله ابن سريج واختاره صاحب (التقريب) وابن الصباغ والشيخ-: يثبتان ويحجب المقر؛ لثبوت نسبه فإنه فرعه، وكما لو أقر الابن المستغرق بأخ .. فإنه يثبت نسبه ويرث باتفاق الأصحاب. تتمة: قال: زيد أخي، ثم فسره بأخوة الرضاع، حكى الروياني عن والده أن الأشبه بالمذهب: أنه لا يقبل؛ لأنه خلاف الظاهر، ولهذا لو فسره بأخوة الإسلام لم يقبل. وقال الهروي: لو أقر أن هذا وارث فلان .. لم يقبل، ولو أقر أن هذا وارثي .. قبل، قال: وهذه مسألة حسنة غريبة لا يعرفها من الفقهاء إلا من تقعد في الفقه. * * *

стр. 2176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ خاتمة في يد ثلاثة إخوة جارية معها ولد، فقال أحدهم: هي أم ولد أبينا والابن أخونا، وقال الآخر: هي أم ولدي وولدها مني، وقال الآخر: هي جاريتي وولدها عبدي، قال القاضي أبو الطيب: عتق ثلثها وثلث ولدها بإقرار الأول، وبإقرار الثاني يصير ثلث الولد حرًا؛ لاعترافه ببنوته، وثبت نسبه منه؛ إذ لا منازع له فيه، فإن بإقرار الأول وحده لا يثبت نسبه من الأب، ويصير ثلث الجارية أم ولد، ويسري العتق والاستيلاد إلى حق مدعي الملك، إن كان موسرًا .. فيغرم له قيمة ثلث الأم وقيمة ثلث الولد، وإن كان معسرًا .. لم يسر ويبقى حق مدعي الملك على الرق فيهما والله أعلم. * * *

стр. 2177

كِتَابُ الْعَارِيَّةِ ــ كتاب العارية أفصح لغاتها: تشديد الياء، والثانية: التخفيف، والثالثة: عارة على وزن ناقة، والجمع: العواري مشددًا ومخففًا. قال الجوهري: كأنها منسوبة إلى العار؛ لأن طلبها عار وعيب، وغلط في ذلك بأن عين العارية (واو) وعين العار (ياء) وسيأتي أن النبي ﷺ استعار. وقيل: مشتقة من التعاور وهو التناوب. وقيل: من عار يعير إذا جاء ثم ذهب بسرعة، ومنه قيل للغلام الخفيف: عيار؛ لكثرة ذهابه ومجيئه. وفي حقيقتها قولان: أشهرهما: أنها إباحة الانتفاع بالأعيان التي يحل الانتفاع بها مع بقاء عينها. وثانيهما: أنها هبة المنافع مع استيفاء ملك الرقبة. والأصل في جوازها واستحبابها: قوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾. وفسر الجمهور قوله تعالى: ﴿ويمتنعون الماعون﴾ بما يستعيره الجيران بعضهم من بعض كالدلو والفأس. وقال في (البحر): إن ذلك كان واجبًا في صدر الإسلام. وقال علي وابن عمر: الماعون الزكاة والطاعة. وقال عكرمة: أعلاها الزكاة وأدناها عارية المتاع، واستحسنه الشيخ. وقال البخاري: هو المعروف كله.

стр. 2178

شَرْطُ الْمُعِيرِ: صِحَّةُ تَبَرُّعِهِ، ــ وقال بعض العرب: الماء. وهي مندوب إليها؛ لأنها من جملة المعروف والخير، لكن تقدم في (باب الصلح) عن القديم: أن الجار يجب عليه أن يعير جاره جداره لوضع جذوعه. وأفتى أبو عبد الله الزبيري بوجوب إعارة ما كتب عليه طبقة السماع لينقل منه، ووافقه بعض الحنفية والمالكية. والظاهر من حيث الفقه: وجوب إعارة ما فيه إحياء مهجة محترمة، كمن خشي عطش حيوان محترم ووجد بئرًا، ومع غيره دلو ورشاء يحصل به الماء، وكذا إعارة الحبل لإنقاذ الغريق ونحوه. ويدل لها من السنة ما روى الشيخان [خ٢٣٤١ - م١٥٣٦] عن جابر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (من كانت له أرض فيلهبها أو ليعرها). وروى أبو داوود [٣٥٦] والترمذي [١٢٦٥] وابن حبان [٥٠٩٤] عن أبي أمامة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (العارية مؤداة والزعيم غارم). وعن صفوان بن أمية ﵁: أن النبي ﷺ استعار منه أدرعًا يوم حنين فقال: أغصبًا يا محمد؟ فقال: (لا بل عارية مضمونة) رواه أبو داوود [٣٥٥٧] والنسائي [سك ٥٧٤٧] والحاكم [٢/ ٤٧]. والإجماع منعقد على مشروعيتها، والحاجة داعية إليها. قال: (شرط المعير: صحة تبرعه) فمن لا يتبرع كالصبي والمجنون والسفيه والمكاتب والمحجور عليه .. لا تصح إعارتهم. وأفهم كلامه أن السفيه لا يعير نفسه، وأن المفلس لا يعير العين. قال الشيخ: والمتجه الجواز إذا لم يكن فيه تعطيل كإعارة الدار يومًا ونحوه، بخلاف الإجارة فإنها ممتنعة

стр. 2179

وَمِلْكُهُ الْمَنْفَعَةَ. فَيُعِيرُ مُسْتَاجِرٌ لاَ مُسْتَعِيرٌ عَلَى الصَّحِيحِ. ــ ولم يذكر المصنف شرط المستعير، قال في (الروضة): يشترط كونه أهلًا للتبرع عليه بعقد مشتمل على الإيجاب والقبول بقول أو فعل، فلا يستعير الصبي ونحوه. قال: (وملكه المنفعة)؛ لأن الإعارة ترد عليها دون العين، فللموصى له بخدمة عبد أو سكنى دار أن يعير. وأورد على المصنف: جواز إعارة الأضحية المنذورة وهي قد خرجت عن ملكه. وإعارة الإمام أرض بيت المال .. فالمتجه فيها: الجواز. وإعارة الأب ولده الصغير لما لا يقابل بأجرة لحقارته فالظاهر: جوازه؛ لفعل السلف، أما إعارته لمن يتعلم منه .. فجوزها الروياني، ويدل لذلك قصة أنس ﵁ في (الصحيحين). وقال صاحب (العدة): ليس للأب أن يعير ولده لذلك؛ لأن ذلك هبة لمنافعه كما لا يعير ماله، قال المصنف: هذا محمول على خدمة تقابل بأجرة. قال: (فيعير مستأجر)؛ لأنه مالك للمنفعة، وهذا لا خلاف فيه. قال: (لا مستعير على الصحيح)؛ لأنه غير مالك للمنفعة، وإنما أبيح له الانتفاع، والمستبيح لا يملك نقل الإباحة كما أن الضيف لا يبيح لغيره ما قدم له. والثاني: وبه قال أبو حنيفة له أن يعير كما أن للمستأجر أن يؤجر. فروع: الأول: للمستعير أن يعير إذا أذن له المعير، فإن سمى الثاني .. خرج الأول بالإعارة منها وبرئ من ضمانها ولا رجوع له فيها، وإذا ردها الثاني عليه .. لم يبرأ، بل هو كالوكيل في الإعارة، فإن لم يسمه .. فالأول على استعارته والثاني مستعير منه

стр. 2180

وَلَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَسْتَوْفِي الْمَنْفَعَةَ لَهُ. وَالْمُسْتَعَارِ: كَوْنُهُ مُنْتَفَعًا بِهِ ــ وله الرجوع متى شاء، فإذا ردها الثاني عليه برئ. الثاني: للموقوف عليه أن يعير إن كان الوقف مطلقًا، فإن قال: يسكنها معلم صبيان القرية .. لا يعير، قاله القفال وغيره وقياسه: المنع في البيت الذي يسكنه المدرس والمعيد ونحوه؛ لأنه ملك الانتفاع لا المنفعة، وقيد في (المطلب) جواز الإعارة للموقوف عليه بما إذا كان ناظرًا. الثالث: استعار كتابًا يقرأ فيه فوجد فيه خطأ لا يصلحه إلا أن يكون قرآنًا، قاله العبادي. وتقييده بالإصلاح يعلم منه أن ذلك لو كان يؤدي إلى نقص قيمته لرداءة خط ونحوه .. امتنع؛ لأنه إفساد لماليته لا إصلاح، أما الكتاب الموقوف .. فيصلح جزمًا، خصوصًا ما كان خطأ محضًا لا يحتمل التأويل، والله تعالى يعلم المفسد من المصلح. قال: (وله أن يستنيب من يستوفي المنفعة له)؛ لأن الانتفاع راجع إليه، ولهذا: لو أركب دابته وكيله لغرض الموكل في مكان أرسله إليه أو ليحفظها له فتلفت في يده .. لم يضمنها الوكيل؛ لأنه في حاجته، وكذا له أن يركبها زوجته وغلامه، ولا يخفى أن شرط الراكب أن يكون مثله أو دونه. وإنما جازت الاستنابة وامتنعت الإعارة؛ لأن الإعارة إخراج عن اليد بالكلية، والاستنابة كأنها في يد المستنيب. قال: (والمستعار: كونه منتفعًا به) أي: منفعة مباحة كالدواب والدوار وكل ما يجوز عقد الإجارة علي؛ لأن النبي ﷺ استعار من أبي طلحة فرسًا ومن صفوان أدرعًا وقيس عليهما غيرهما.

стр. 2181

مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ. وَتَجُوزُ إِعَارَةُ جَارِيَةٍ لِخِدْمَةِ امْرَأَةٍ أَوْ مَحْرَمً، ــ وخرج بقيد الانتفاع به: الحمار الزمن ونحوه، وآلة الملاهي، والأمة المشتهاة للخدمة بشرطه. قال: (مع بقاء عينه) فلا تجوز إعارة الشمعة والسراج للوقود والأطعمة فإن منفعتها باستهلاكها حسًا، وكذلك ما تستهلك منفعته شرعًا كخشب أو حجر يبنى به المسجد، قاله البغوي في (فتاويه)؛ لأن حكم العارية جواز الاسترداد، والشيء إذا صار مسجدًا لا يجوز استرداده، وكذلك لا تجوز إعارة النقدين في الأصح. وفهم الرافعي من كلامهم أن الخلاف إذا أطلق فإن صرح بالاستعارة للتزين .. فينبغي أن يقطع بالصحة، وكلام الغزالي في (الإجارة) يدل على طرده فيه، وأجراهما الإمام في الحنطة ونحوها، والغزالي في الشجر للربط والتجفيف عليها. قال: (وتجوز إعارة جارية لخدمة امرأة أو محرم)؛ لأنه لا محذور فيه، وسواء في ذلك محرم الرضاع والنسب والمصاهرة، ومن طريق الأولى إعارتها لزوجها فيما لا يلزمها فعله، وفي هذه الحالة تكون مضمونة عليه إلى أن يسلمها لربها، أو من يقوم مقامه؛ لأن يد الضامن لا تزول إلا بذلك. وكذلك الحكم في إعارتها لمالكها ويتصور ذلك في المستأجر والموصى له بمنفعتها إذا كانت ممن لا تحبل. وقاس في (المهمات) على جواز ذلك إعارة الأمة لخدمة المريض الأجنبي، وفي جواز ذلك نظر. وأفهمت عبارة المصنف أن إعارتها لخدمة الرجال الأجانب لا تجوز؛ لأنه قد

стр. 2182

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يفضي إلى الخلوة المحرمة، وبهذا جزم الرافعي، ومقتضى كلام (المطلب) و (الكفاية): أن الأكثرين على الجواز؛ لأن الخلوة غير لازمة. وظاهر عبارة المصنف: أنه لا فرق بين الخصي وغيره، وفيه نظر. كل هذا في الأمة المشتهاة، فإن لم تكن كذلك .. ففي الجواز وجهان: أصحهما في (الشرح الصغير): عدم الجواز أيضًا. والأصح في زوائد (الروضة) وعند الشيخ: الجواز، وقال في (المطلب): إنه الحق. وإعارة العبد للمرأة كعكسه، ولو كان المستعير أو المستعار خنثى حكم فيه بالاحتياط. وإذا حرمت الإعارة فأعار .. قال الغزالي: صحت العارية مع ذلك؛ لأن المنع لغيره كالبيع في وقت النداء، وفائدة الصحة: أنه إذا استخدم .. لا تجب عليه أجرة. وقال في (الشرح الصغير): الأشبه فسادها كالإجارة للمنفعة المحرمة؛ فإن كان إعارتها للاستمتاع، فلا خلاف في تحريمه وفسادها، فإذا وطئ كان زانيًا ويلزمه الحد على الصحيح إن كان عالمًا، وإن كان جاهلًا .. عزر، وهو وطء شبهة يوجب المهر ويلحق النسب، والولد حر تلزمه قيمته، والكلام في المهر تقدم في (الرهن). فلو كان المستعير أو المستعار خنثى .. امتنع على الصحيح احتياطًا. وفي جواز إعارة الأمة للكافرة الأجنبية للخدمة نظر، وكذلك الفاسقة للعفيفة أو العكس؛ لما سيأتي من أحكام النظر.

стр. 2183

وَتُكْرَهُ إِعَارَةُ عَبْدٍ مُسْلِمٍ لِكَافِرٍ. ــ قال: (وتكره إعارة عبد مسلم لكافر)؛ لقوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكفرين على المؤمنين سبيلا﴾. وهذه الكراهة جزم الرافعي بأنها للتنزيه، وجزم الجرجاني وصاحب (التنبيه) بالتحريم، وجمع ابن الرفعة بين الكلامين فحمل التنزيه على الإعارة لغير الخدمة ببدنه والتحريم على الإعارة لها. فروع: قال ابن الصباغ وغيره: تعيين المعار ليس بشرط، فلو قال: أعرني دابة، فقال: ادخل الإصطبل فخذ ما شئت .. صحت. وتحرم إعارة الصيد للمحرم، والخيل والسلاح للحربي، ولقاطع الطريق والباغي إذا غلب علي الظن عصيانهما بذلك كما تقدم في أول (البيع). وإعارة المصحف وكتب الحديث ونحوها من الكافر كالبيع منه. وتكره استعارة أحد أبويه للخدمة، وقيل: لا تحل، والأجداد والجدات كذلك، قال القاضي أبو الطيب: فإن استعارهما ليرفههما ويخفف من خدمتهما .. كان ذلك مستحبًا. ونقل الشيخ عن القاضي حسين أنه يمتنع استئجار أحد الأبوين، والذي في (تعليقه القاضي) نقل ذلك عن أبي حنيفة فقط، ومن العجب أن مثل ذلك وقع للمصنف في (الروضة) فحكاه وجهًا، والذي في (الرافعي) عزوه إلى أبي حنيفة فقط.

стр. 2184

وَالأَصَحُّ: اشْتِرَاطُ لَفْظٍ كَأَعَرْتُكَ أَوْ أَعِرْنِي، وَيَكْفِي لَفْظُ أَحَدِهِمَا مَعَ فِعْلِ الآخَرِ، وَلَوْ قَالَ: أَعَرْتُكَهُ لِتَعْلِفَهُ أَوْ لِتُعِيرَنِي فَرَسَكَ .. فَهُوَ إِجَارَةٌ فَاسِدَةٌ تُوجِبُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ. ــ وقال أبو يحيى البلخي- من أصحابنا واسمه زكريا بن أحمد-: لا يجوز أن يرتهن الرجل أباه ولا أن يستأجره. قال: (والأصح: اشتراط لفظ كأعرتك أو أعرني)؛ لأن ذلك يدل على الرضا القلبي فأنيط الحكم به. والثاني: لا يحتاج إلى ذلك، حتى لو رآه حافيًا فأعطاه نعلًا أو عاريًا فألبسه ثوبًا .. كان ذلك عارية. قال: (ويكفي لفظ أحدهما مع فعل الآخر)؛ قياسًا على إباحة الطعام فإن اللفظ من أحدهما كاف في الإباحة. وقال الغزالي: يشترط اللفظ من جهة المعير، وأما المستعير .. فيكفي قبوله بالفعل. ويرد على اشتراط اللفظ: إعارة الأخرس واستعارته بالإشارة أو الكتابة، وأما إذا اشترى شيئًا وسلمه له في ظرفها .. فيجوز وهو عارية عند أبي عاصم العبادي. قال المصنف: محل هذا إذا لم تقابل الهدية بعوض، فإن اقتضت عوضًا .. فالمحكي عن أبي عاصم: أن الظرف أمانة كالإجارة الفاسدة. ولو أركب من أعيى فتلفت الدابة .. فالمذهب: أنه يضمنها، سواء التمس منه ذلك أم لا، خلافًا للإمام والغزالي. ولو أركبه مع نفسه .. فعلى الرديف نصف الضان، وقال الإمام: لا شيء عليه تشبيهًا بالضيف. قال: (ولو قال: أعرتكه لتعلفه أو لتعيرني فرسك .. فهو إجارة فاسدة توجب أجرة المثل) المراد: حيث تجب الأجرة في الإجارة الصحيحة بالقبض ومضي زمن لمثله

стр. 2185

وَمُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ ــ أجرة؛ لأن معنى ما صدر منهما هو الإجارة؛ إذ الإعارة لا عوض فيها، وإنما جعلناها فاسدة لجهالة المدة والعوض. وقيل: الذي وقع عارية فاسدة نظرًا إلى اللفظ. وعلى هذا: فلا تجب الأجرة، واستبعده في (المطلب)؛ لأنه لم يبذل المنفعة مجانًا. وأما العين .. فمضمونه على اعتبار اللفظ دون المعنى. هذا كله إذا كان أحد العوضين مجهولًا كما فرضه المصنف، فإن كانا معلومين كما لو قال: أعرتك هذا العبد شهرًا من الآن بعشرة .. فالأصح: أنه إجارة صحيحة. فرعان: أحدهما: نفقة الدابة المستعارة عند القاضي حسين على المستعير وكذلك سترها بما يقيها الحر والبرد، قال: وكذلك إذا استعار عبدًا فطعامه وشرابه وحفظه عما يهلكه عليه، لكن صرح في (الحاوي) و (البيان) بأن نفقة المعار على المالك وهو القياس. الثاني: قال الماوردي: لا يجوز أن يأخذ بالعارية رهنًا ولا ضامنًا، فإن شرط فيها .. بطلت، وهذا تقدم عند قول المصنف: (فصل شرط المرهون به كونه دينًا). قال: (ومؤنة الرد على المستعير)؛ لما سيأتي في أول الباب الذي بعده من قوله ﷺ : (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) ولأنه ضامن فأشبه

стр. 2186

فَإِنْ تَلِفَتْ لاَ بِاسْتِعْمَالٍ .. ضَمِنَهَا وَإِنْ لَمْ يُفِرِّطْ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لاَ يَضْمَنُ مَا يَنْمَحِقُ أَوْ يَنْسَحِقُ بِاسْتِعْمَال ــ الغاصب، ومن جهة المعنى أنا لو كلفناها المعير لرغب الناس عن الإعارة، وستأتي صورة مستثناة من هذا الإطلاق. قال: (فإن تلفت لا باستعمال .. ضمنها وإن لم يفرط) لحديث صفوان ﵁ السابق، ولأنه مال يجب رده فتجب قيمته عند التلف كالمستام، وصفة الضمان ذكرها في آخر الباب. ولنا قول- كمذهب أبي حنيفة-: أن المستعير لا يضمن إلا بالتعدي، والأصح: أن ضمان الأجزاء كضمان العين كما سيأتي. فروع: أعاره بشرط ضمانه عند التلف بقدر معين قال المتولي: يفسد الشرط دون العارية وفيه وقفة. ولو أعار بشرط كونها أمانة .. لغا الشرط وكانت مضمونة. ولو استعار فقيه كتابًا موقوفًا على المسلمين شرط واقفة أن لا يعار إلا برهن تحرز قيمته فسرق من حرزه .. لا ضمان؛ لأنه مستحق تلف في يده بلا تفريط وإن سمي عارية عرفًا. وفي (فتاوى البغوي): إذا استعار عبدًا عليه ثياب .. لا تكون ثيابه مضمونة عليه؛ لأنه لم يأخذها ليستعملها، بخلاف إكاف الدابة. قال: (والأصح: أنه لا يضمن ما ينمحق أو ينسحق باستعمال). (الانمحاق): التلف بالكلية كلبس الثوب إلى أن يبلى و (الانسحاق): النقصان. وفي ضمان ذلك ثلاثة أوجه:

стр. 2187

والثَّالِثُ: يَضْمَنُ الْمُنْمَحِقَ. وَالْمُسْتَعِيرُ مِنْ مُسْتَاجِرٍ لاَ يَضْمَنُ فِي الأَصَحِّ ــ أصحها: أنه لا يضمنهما، لأنهما تلفا بسبب مأذون فيه، فأشبه ما إذا قال: اقتل عبدي أو اقطع يده، أو أذن في إتلاف ماله بإحراق أو غيره. والثاني: يضمنهما؛ لعموم قوله ﷺ : (على اليد ما أخذت حتى تؤديه). ومراد المصنف: الاستعمال المأذون فيه، حتى لو كان قميصًا فاتزر به أو لبسه في غير الوقت المأذون فيه .. كان حكمه حكم الغاصب يضمن المنافع والأجزاء. وتلف الدابة بالركوب أو الجمل المعتادين كالانمحاق، وعقرها أو عجزها كالانسحاق، والأصح: أنه يضمنه في آخر حالات التقويم. قال البغوي: وإذا انتهى الثوب إلى تلك الحالة .. ليس له استعماله. قال: (والثالث: يضمن المنمحق) ولا يضمن المنسحق؛ لأن مقتضى الإعارة الرد ولم يوجد مردود في المنمحق، وضعف بأن المنسحق بعض المنمحق فكيف يضمن المنمحق ولا يضمن المنسحق؟ وهذا الوجه من زيادات الكتاب على (المحرر). وإذا أعاره سيفًا فقاتل به فانكسر .. قال الروياني: كان كانسحاق الثوب. قال: (والمستعير من مستأجر لا يضمن في الأصح)؛ لأنه نائب عن المستأجر وهو لا يضمن، فكذلك نائبه. هذا في الإجارة الصحيحة، أما الفاسدة .. فإنهما يضمناها والقرار على المستعير كما أفتى به البغوي. والثاني: يضمن كالمستعير من المالك، ومؤنة الرد على المستعير إن رد على المستأجر، فإن رد على المالك .. كانت على المالك كما لو رد عليه المستأجر.

стр. 2188

وَلَوْ تَلِفَتْ دَابَّتُهُ فِي يَدِ وَكِيلٍ بَعَثَهُ فِي شُغْلِهِ أَوْ فِي يَدِ مَنْ سَلَّمَهَا إِلَيْهِ لِيُرَوِّضَهَا .. فَلاَ ضَمَانَ. وَلَهُ الاِنْتِفَاعُ بِحَسَبِ الإِذْنِ، ــ ونظير المسألة: المستعير من الموصى له بالمنفعة ومن الموقوف عليه، ومؤنة الرد هنا على المستعير إن رد على المستأجر، وعلى المالك إن رد عليه، فتستثنى هذه الصورة من قوله أولا: (ومؤنة الرد على المستعير). قال: (ولو تلفت دابته في يد وكيل بعثه في شغله أو في يد من سلمها إليه ليروضها .. فلا ضمان)؛ لأنه نائب عنه. فروع: أعار الهدي .. فالظاهر: لا ضمان؛ لأن يد المعير ليست يد ضمان فكذا فرعه. ولو أردف غيره على دابته .. ضمن الرديف النصف على الصحيح، ولو ولدت العارية عنده .. فولدها أمانة على الأصح فلا يستعمله جزمًا. ولو استعار حمارة معها جحش فهلك الجحش .. لم يضمنه؛ لأنه إنما أخذه لتعذر حبسه عن أمه، وكذا لو استعارها فتبعها ولدها ولم يتعرض المالك له بنفي ولا إثبات .. فهو أمانة، قاله القاضي حسين. قال: (وله الانتفاع بحسب الإذن)؛ لأن المالك لم يأذن في غيره. فعلى هذا لو استعار دابة ليركبها إلى موضع فتجاوزه .. كان عليه أجرة المثل ذهابًا وإيابًا إليه، وفي وجوبها من ذلك الموضع إلى بلد العارية وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه مأذون فيه من جهة المالك.

стр. 2189

فَإِنْ أَعَارَهُ لِزِرَاعَةِ حِنْطَةٍ .. زَرَعَهَا وَمِثْلَهَا إِنْ لَمْ يَنْتَهُ، أَوْ لِشَعِيرٍ .. لَمْ يَزْرَعْ فَوْقَهُ كَحِنْطَةٍ، وَلَوْ أَطْلَقَ الزِّرَاعَةَ .. صَحَّ فِي الأَصَحِّ وَيَزْرَعُ مَا شَاءَ. وَإِذَا اسْتَعَارَ لِبِنَاءٍ أَوْ غِرَاسٍ .. فَلَهُ الزَّرْعُ وَلاَ عَكْسَ ــ والثاني: نعم؛ لأن الإذن قد انقطع بالمجاوزة. قال: (فإن أعاره لزراعة حنطة .. زرعها ومثلها إن لم ينهه، أو لشعير .. لم يزرع فوقه كحنطة)؛ لأن ضرر الحنطة أكثر من ضرر الشعير وأقل من ضرر الذرة والقطن، وفي الإجارة قول أو وجه منسوب إلى نقل البويطي أو تخريجه: أن المستأجر لزراعة لا يجوز له أن يزرع غيره، وطرد هذا في المستعير أولى. ويؤخذ من قوله: (ومثلها) الأدون بطريق الأولى، ولهذا عدل عن قول (المحرر): (وما دونها) ليبنه على المساوي. قال: (ولو أطلق الزراعة) أي: أطلق الإذن فيها كأعرتك للزراعك (.. صح في الأصح ويزرع ما شاء)؛ لإطلاق اللفظ. والثاني: لا يصح؛ لتفاوت الضرر في المزروع. قال الرافعي: ولو قيل: إنها تصح ولا يزرع إلا أقل الأنواع ضررًا .. لكان مذهبًا، أما إذا قال أعرتك لتزرع ما شئت .. فيصح ويزرع ما أراد، لأنه عام، وقد نص الشافعي ﵁ في نظيره من الإجارة على الصحة. قال: (وإذا استعار لبناء أو غراس .. فله الزرع)؛ لأنه أخف، فصار كما إذا وكل في الشراء بمئة فاشترى بخمسين. وقيل: لا؛ لأن الزرع يرخي الأرض. وقيل: إن استعار للغراس .. زرع، وإن استعار للبناء لم يزرع. قال: (ولا عكس)؛ لكثرة ضرر البناء والغراس.

стр. 2190

وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لاَ يَغْرِسُ مُسْتَعِيرٌ لِبِنَاءٍ وَكَذَا الْعَكْسُ، وَأَنَّهُ لاَ تَصِحُّ إِعَارَةُ الأَرْضِ مُطْلَقَةً، بَلْ يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ نَوْعِ الْمَنْفَعَةِ ــ قال: (والصحيح: أنه لا يغرس مستعير لبناء وكذا العكس)؛ لاختلاف جنس الضرر، فإن ضرر الغرس في باطن الأرض أكثر، وضرر البناء في ظاهرها أكثر. والثاني: يجوز؛ لأن كلًا منهما للتأبيد. قال: (وأنه لا تصح إعارة الأرض مطلقة، بل يشترط تعيين نوع المنفعة) قياسًا على الإجارة. والثاني: تصح؛ لأنها مكرمة ومعونة فتوسع فيها، وإلى هذا ذهب أكثر الأصحاب واختاره الشيخ، ولم يرجح في (الشرحين) شيئًا، ونقل في زوائد (الروضة) هنا التصحيح عن (المحرر)، وصححه في (الروضة) و (أصلها) في (باب الإجارة). فعلى ما صححه الأكثرون: ينتفع بها كيف شاء لإطلاق الإذن. وقال الروياني: ينتفع بما هو العادة، واستحسنه الرافعي. ثم إن الرافعي استثنى بعد ذلك بدون صفحة دفن الموتى فقال: الوجه: القطع بأن الإطلاق لا يسلط عليه، لما فيه من ضرر اللزوم. تتمة: حيث أعار للبناء أو الغراس لم يكن ذلك للمستعير إلا مرة واحدة، فلو قلع ما غرسه أو بناه .. لم تكن له إعادته إلا بإذن جديد، إلا إذا صرح له بالتجديد مرة بعد أخرى، قاله البغوي. وحكى القاضي أبو الطيب والمتولي في إعادة الغرس وجهين كالوجهين فيما إذا أعار الحائط لوضع الجذوع هل له إعادة غيرها.

стр. 2191

فَصْلٌ: لِكُلٍّ مِنْهُمَا رَدُّ الْعَارِيَةِ مَتَى شَاءَ إِلاَّ إِذَا أَعَارَ لِدَفْنِ مَيْتٍ .. فَلاَ يَرْجِعُ حَتَّى يَنْدَرِسَ أَثَرُ الْمَدْفُونِ ــ قال: (فصل: لكل منهما رد العارية متى شاء)؛ لأنها مكرمة ومبرة من المعير، وارتفاق من المستعير، فلو ألزمناها لامتنع الناس منها، ولا فرق بين المطلقة والمؤقتة. وقال مالك: لا يجوز الرجوع في المؤقتة، وهو وجه لصاحب (التقريب). ومن جوازها يعلم أنها تنتهي بموت أحدهما وإغمائه وبحجر السفه، فإذا مات المستعير .. وجب على ورثته الرد وإن لم يطالب المعير، كذا قاله الرافعي، وزاد غيره أن مؤنة الرد على التركة، فإن لم يخلف شيئًا .. فالواجب عليهم التخلية فقط. قال: (إلا إذا أعار لدفن الميت .. فلا يرجع حتى يندرس أثر المدفون)؛ لأن الدفن يراد للدوام، وفي النبش هتك لحرمة الميت. ويستفاد من منع الرجوع أنه ليس له طلب الأجرة؛ لأن العرف لم يجر به، والميت زائل الملك، والأولياء لا يلزمهم، لكن للمالك سقي الأشجار إن لم يؤد ذلك إلى ظهور شيء من الميت. والمراد بـ (الاندراس): أن يصير ترابًا، وذلك يختلف باختلاف الأرض والموتى، وكذا بعد الاندراس عند القاضي حسين يمتنع الرجوع أيضًا. ومسألة الكتاب مصورة بما إذا كان الرجوع بعد الدفن، فإن رجع بعد الوضع في القبر وقبل المواراة .. فالصحيح: امتناعه أيضًا، كما صرح به في (الشرح الصغير)، وليس في (الكبير) ولا في (الروضة) في ذلك تصحيح.

стр. 2192

وَإِذَا أَعاَرَ لِلْبِنَاءِ أَوِ الْغِرَاسِ وَلَمْ يَذْكُرْ مُدَّةً ثُمَّ رَجَعَ؛ إِنْ كَانَ شَرَطَ الْقَلْعَ ومَجَّانًا .. لَزِمَهُ، ــ وإن كان قبل الوضع .. جاز، وفي هذه الحالة قال المتولي: يغرم الراجع لولي الميت مؤنة الحفر؛ لأنه ورطه. ووهم الرافعي فنقل عنه أن الحفر على ولي الميت، وتبعه في (المطلب) فجزم به، لكن في (فتاوى البغوي): لو أعار أرضًا للزراعة ثم رجع المعير بعد أن حرثها المستعير .. لم تلزمه أجرة الحراثة، والمعير قد ورطه في المسألتين، إلا أن يقال: إن الدفن واجب لابد منه على الولي؛ بخلاف الزرع، فهو راجع إلى خيرته، فيغرم الأول دون الثاني. وأورد على حصر الكتاب: إذا كفنه أجنبي وقلنا: إنه باق على ملك الأجنبي كما صححه المصنف في (باب السرقة) .. فهو عارية لازمة. وإذا استعار دارًا لسكنى معتدة .. فهي لازمة من جهة المستعير فقط. وإذا قال: أعيروا داري بعد موتي لزيد شهرًا .. لم يكن للوارث الرجوع. وإذا أعار جدارًا لوضع الجذوع فوضعها وأحكمها .. فقيل ليس له في هذه الرجوع، لكن الأصح: جوازه كما تقدم في (باب الصلح). وإذا أراد الصلاة المفروضة فأعاره ثوبًا يستر به عورته أن يفرشه في مكان نجس ففعل وأحرم وكان الرجوع يؤدي إلى بطلان الصلاة .. فالمتجه: منعه، ويحتمل الجواز، وفائدته طلب الأجرة. وإذا أعار سلاحًا أو دابة للغزو والتقى الزحفان .. قال في (الخصال): ليس له الرجوع فيهما حتى ينكشف القتال. قال: (وإذا أعار للبناء أو الغراس ولم يذكر مدة ثم رجع) أي: بعد أن بنى أو غرس (إن كان شرط القلع مجانًا .. لزمه)؛ لأنه رضي بالتزام الضرر الذي يدخل عليه

стр. 2193

وَإِلاَّ: فَإِنِ اخْتَارَ الْمُسْتَعِيرُ الْقَلْعَ .. قَلَعَ، وَلاَ تَلْزَمُهُ تَسْوِيةُ الأَرْض فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: تَلْزَمُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ ــ بالقلع، وتلزمه أيضًا تسوية الأرض إن شرطها، وإلا .. فلا، سواء في ذلك المؤقتة والمطلقة. وقوله: (مجانًا) كذا هو في (الروضة) وكتب الرافعي، وهو يوهم أنه لو شرط القلع لم يقل: مجانًا .. لا يكون كذلك، والصواب: حذفه كما حذفه أبو الطيب والدارمي والمحاملي وأصحاب (الحاوي) و (البحر) و (المهذب) و (الشامل) و (البيان) ونص عليه في (المختصر)، لا جرم حذفه الرافعي في نظيره من الإجارة. ولو اختلفا في وقوع شرط القلع .. فالظاهر تصديق المستعير؛ إذ الأصل عدمه واحترام ماله، كذا قاله بعض المتأخرين، ولا خلاف أنه بعد الرجوع لا يجوز للمستعير البناء والغراس، فلو فعلا عالمًا بالرجوع .. فكما تقدم. ونبه في (البحر) على أن المراد بالغراس: الغرس؛ فإن الغراس هي نفس الأغصان التي تغرس، قال: فلو عبر بـ (الغرس) لكان أخصر وأحسن. قال: (وإلا) أي: وإن لم يشترط عليه القلع أصلًا (فإن اختار المستعير القلع .. قلع) أي: بلا أرش؛ لأنه ملكه وقد رضي بنقصانه. قال: (ولا تلزمه تسوية الأرض في الأصح)؛ لأنه مأذون فيه فلم يلزمه ضمان نقصه كاستعمال الثوب المستعار. قال: (قلت: الأصح: تلزمه والله أعلم) ليرد ما أخذ كما أخذ، والأكثرون أطلقوا الوجهين من غير تصحيح، والرافعي رجح في (الشرحين) الثاني كما رجحه المصنف، وصحح الشيخ أن ما حصل من حفر بسبب البناء والغراس في مدة العارية

стр. 2194

وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ .. لَمْ يَقْلَعْ مَجَّانًا، بَلِ الْمُغِيرُ بِالخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُبْقِيَهُ بِأُجْرَةٍ، أَوْ يَقْلَعَ وَيَضْمَنَ أَرْشَ النَّقْصِ، قِيلَ: أَوْ يَتَمَلَّكَهُ بِالْقِيمَةِ. ــ لا تلزم تسويته، وما حصل بسبب القلع زائد على ذلك تلزم تسويته، وقال: إنه الذي تتعين الفتيا به. وموضع الخلاف: إذا كانت الحفرة الحاصلة في الأرض على قدر الحاجة، فإن زادت على حاجة القلع .. لزم طم الزائد قطعًا. قال: (وإن لم يختر) أي: المستعير القلع (.. لم يقلع مجانًا)؛ لقوله ﷺ : ليس لعرق ظالم حق) فأفهم أن غير الظالم له حق وقال أبو حنيفة: يقلع مجانًا. قال: (بل المعير بالخيار بين أن يبقيه بأجرة، أو يقلع ويضمن أرش النقص، قيل: أو يتملكه بالقيمة)؛ لأن العارية مكرمة لا يليق بها منع المعير ولا تضييع مال المستعير، فأثبتنا الرجوع على وجه لا يتضرر به المستعير. فعلى هذا: أي خصلة اختارها المعير أجبرنا المستعير على موافقته عليها، وإلا كلفناه تفريغ الأرض، ونعتبر مع ذلك أيضًا أرش نقصان الثمرة إن كانت على الأشجار. والمراد بـ (النقصان): التفاوت بين قيمته قائمًا ومقلوعًا، وعلى القائل: لا يتملك، أن ذلك بيع، فلابد فيه من التراضي. مهمة: حاصل ما في (الشرحين) و (الروضة) أوجه: أصحهما في هذا الباب: يتخير بين التمليك بالقيمة والقلع بالأرش، ليس له

стр. 2195

فَإِنْ لَمْ يخَتَرْ .. لَمْ يَقْلَعْ مَجَّانًا إِنْ بَذَلَ الْمُسْتَعِيرُ الأُجْرَةَ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَبْذُلْهَا فِي الأَصَحِّ، ــ الإبقاء بأجرة وهو المجزوم به في (المهذب) هنا وفي (المنهاج) في (الفلس) وفي (التنبيه) في (الشفعة. والثاني: يتخير بين الثلاث، وهو ما أجاب به في (الروضة) و (أصلها) في أبواب منها (الهبة). والثالث: يقلع بالأرش قهرًا. وأما الأخيران فلا يجبر عليهما المستعير، فالثابت له على هذا خصلة واحدة. ثم قوله: (يبقيه بأجرة) لا يصح أن يكون ما يطلبه المعير، ولا أن يفرض الحاكم أجرة المثل حالة؛ إذ لا ضابط للمدة، ولا مسقطة؛ لأنه لا يفرض مسقطًا، وأقرب ما يمكن سلوكه ما ذكره في (الصلح) من بيع حق البناء دائمًا بعوض حال بلفظ البيع أو الإجارة وإن جهلت المدة، لكن يلزم منه أن يبني ويغرس غيره عند تلفه أو قلعه، أو يؤجره لغيره وهو بعيد. ومحل تخيير المعير بين الخصال الثلاث: إذا كانت الأرض خالصة له، فإن بنى أحد الشريكين أو غرس في مشتركة بإذن شريكه .. لم يكن للشريك إذا رجع إلا الإبقاء بأجرة. قال: (فإن لم يختر .. لم يقلع مجانًا إن بذلك المستعير الأجرة)؛ لانتفاء الضرر. قال: (وكذا إن لم يبذلها في الأصح)؛ لأن المعير مقصر بترك الاختيار راض بإتلاف منافعه. والثاني: له القلع مجانًا؛ لأن العارية قد انتهت بالرجوع فلابد من الأجرة في مقابلة الانتفاع، هذا الذي قطع به المخيرون بين الثلاث، ويقابله أن له القلع مجانًا،

стр. 2196

ثُمَّ قِيلَ: يَبِيعُ الْحَاكِمُ الأَرْضَ وَمَا فِيهَا وَتُقْسَمُ بَيْنَهُمَا، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُعْرِضُ عَنْهُمَا حَتَّى يَخْتَارَا شَيْئًا. وَلِلْمُعِيرِ دُخُولُهَا وَالاِنْتِفَاعُ بِهَا، وَلاَ يَدْخُلُهَا الْمُسْتَعِيرُ بِغَيرِ إِذْنٍ لِتَفَرُّجٍ، وَيَجُوزُ لِلسَّقْيِ وَالإِصْلاَحِ فِي الأَصَحِّ ــ وأغرب الشاشي وابن يونس فحكياه مع بذلها أيضًا. قال: (ثم قيل: يبيع الحاكم الأرض وما فيها وتقسم بينهما) فصلًا للخصومة. قال: (والأصح: أنه يعرض عنهما حتى يختارا شيئًا)؛ إذ لا تقصير من المستعير، فكيف يزال ملكه قهرًا؟ قال الإمام: والظاهر لزوم الأجرة في مدة التوقف. وقوله: (يختارا) كذا هو مثنى بخط المصنف و (المحرر) وبعض نسخ (الشرحين)، والصواب: حذف الألف، كما هو بخطه في (الروضة)؛ لأن اختيار المعير كاف. قال: (وللمعير دخولها والانتفاع بها) أي: في مدة التنازع؛ لأنها ملكه ويستظل بالبناء والغراس لكن لا يربط بهما شيئًا ولا يستند إليهما، هكذا قاله القاضي وجماعة، فإن حمل على ما يضر .. فلا إشكال كما سبق في (الصلح). قال: (ولا يدخلها المستعير بغير إذن لتفرج)؛ لأنه لا ضرورة به إلى ذلك. و (التفرج): لفظة مولدة مأخوذة من انفراج الهم وهو انكشافه، ووقع في (الوسيط) التنزه بدل التفرج وهو مراده، لكن هذه اللفظة معدودة من لحن العوام. قال أهل اللغة: التنزه التبعد عن المياه والبلاد، ومن لحن العامة: كنا نتنزه، أي: نتفرج. قال: (ويجوز للسقي والإصلاح في الأصح) صيانة لملكه عن الضياع. والثاني: لا؛ لأنه يشغل ملك غيره إلى أن يصل إلى ملكه، وضعفه الإمام بأنه يؤدي إلى تعطيل الثمار.

стр. 2197

وَلِكُلٍّ بَيْعُ مِلْكِهِ، وَقِيلَ: لَيْسَ لِلْمُسْتَعِيرِ بَيْعُهُ لِثَالِثٍ ــ وتعبيره بـ (الإصلاح) أعم من قوله في (المحرر) و (الروضة) و (الشرحين): ومرمة الجدار. ومحل الجواز ما إذا لم تتعطل المنفعة على مالك الأرض بدخوله، فإن تعطلت لم يمكن إلا بأجرة، قاله المتولي وصوبه الشيخ. قال: (ولكل بيع ملكه) من الآخر ومن ثالث كسائر الأملاك، ثم إن باعه أحدهما للآخر .. فلا كلام، وإن باع المعير لثالث .. تخير المشتري كما كان يتخير البائع، وإن باع المستعير .. فالمعير باق على خيرته، وللمشتري الخيار إن جهل. قال: (وقيل: ليس للمستعير بيعه لثالث) بل يبيعه للمعير فقط؛ لأن ملكه غير مستقر. والصحيح: الأول؛ لأن عدم الاستقرار لا يمنع البيع، كالشقص المشفوع، يجوز للشريك بيعه وإن جاز أن ينزعه الشفيع، أما إذا أذن له المعير .. فمقتضى كلام الماوردي والإمام القطع بالصحة. وقال في (المطلب): الذي يظهر طرد الخلاف مطلقًا. وقيل: لا يجوز للمعير البيع لثالث أيضًا، وصححه الماوردي والروياني؛ لأن مدة بقاء الغرس فيها مجهولة. كل هذا في حال التنازع وقبل استقرار الأمر بينهما على أجرة، فإن اتفقنا على أجرة مسماة .. صار الحكم كالحكم في العين المستأجرة. ولو باعا لثالث بثمن واحد .. صح في الأصح للحاجة، بخلاف ما لو كان لاثنين عبدان لكل منهما عبد فباعاهما بثمن واحد ولم يعلم ما يقابل كلًا منهما عن العقد .. فإن المصحح في (شرح المهذب) و (تصحيح التنبيه) ونقله الرافعي في (الصداق) عن النص: البطلان.

стр. 2198

وَالْعَارِيَةُ الْمُؤَقَّتَةُ كَالْمُطْلَقَةِ، وَفِي قَوْلٍ: لَهُ الْقَلْعُ فِيهَا مَجَّانًا إِذَا رَجَعَ. وَإِذَا أَعَارَ لِزِرَاعَةٍ وَرَجَعَ قَبْلَ إِدْرَاكِ الزَّرْعِ .. فَالصَّحِيحُ: أَنَّ عَلَيْهِ الإِبْقَاءَ إِلَى الْحَصَادِ، وَأَن لَهُ الأُجْرَةَ. فَلَوْ عَيَّنَ مُدَّةً وَلَمْ يُدْرِكْ فِيهَا لِتقْصِيرِهِ بِتَاخِيرِ الزِّرَاعَةِ .. قَلَعَ مَجَّانًا. ــ قال: (والعارية المؤقتة كالمطلقة) أي: في جميع ما سبق، سواء انتهت المدة أو رجع قبلها. وقيل: لا رجوع قبلها، وفائدة التأقيت إنما هي المنع من إحداث غرس أو بناء. قال: (وفي قول: له القلع فيها مجانًا إذا رجع) ومحل هذا القول بعد المدة وهو بعدها لا يحتاج إلى رجوع، فكان ينبغي أن يعبر بالانتهاء دون الرجوع، والضمير في (فيها) يعود إلى المؤقتة. قال: (وإذا أعار لزراعة ورجع قبل إدراك الزرع .. فالصحيح: أن عليه الإبقاء إلى الحصاد)؛ لأن له أمدًا ينتظر، بخلاف البناء والغراس، فإن كان الزرع مما يعتاد قلعه .. كلف القلع. والثاني: حكمه حكم البناء والغراس في التخيير السابق. قال: (وأن له الأجرة)؛ لأن الإباحة انقطعت بالرجوع فأشبه ما إذا أعاره دابة إلى بلد فرجع في الطريق .. فإنه يجب عليه نقله إلى مأمن بأجرة المثل. والثاني: يبقيه بغير أجرة استصحابًا للأصل، لأن منفعة الأرض إلى الحصاد كالمستوفاة بالزرع، وهو رأي المزني واختاره الروياني، فلو كان الزرع يعتاد قطعه كالباقلاء والقصيل .. كلف القلع. قال: (فلو عين مدة ولم يدرك فيها لتقصيره بتأخير الزراعة .. قلع مجانًا) أشار بذلك إلى علة الحكم وهذا لا خلاف فيه، ويلزمه مع ذلك تسوية الأرض. وأفهم كلامه: أنه إذا لم يكن مقصرًا .. لم يقلع مجانًا، بل يكون كما لو أعار مطلقًا، سواء كان عدم الإدراك لحر أو برد أو مطر، أو لقلة المدة المعينة، أو لأكل

стр. 2199

وَلَوْ حَمَلَ السَّيْلُ بَذْرًا إِلَى أَرْضِهِ فَنَبَتَ .. فَهُوَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى قَلْعِهِ. وَلَوْ رَكِبَ دَابَّةً وَقَالَ لِمَالِكِهَا: أَعَرْتَنِيهَا، فَقَالَ: بَلْ أَجَّرْتُكَهَا، أَوِ اخْتَلَفَ مَالِكُ الأَرْضِ وزَارِعُهَا كَذلِكَ .. فَالْمُصَدَّقُ الْمَالِكُ عَلَى الْمَذْهَبِ ــ الجراد رأس الزرع فينبت ثانيًا، وفي نظيره من الإجارة وجه: أنه يقلع مجانًا، فهنا أولى. قال: (ولو حمل السيل بذرًا إلى أرضه فنبت .. فهو لصاحب البذر)؛ لأنه عين ماله وكذلك ما حمله الهواء، فإن كان ذلك البذر لا قيمة له كحبة أو نواة .. فهل النابت لمالك الأرض أو الحبة؟ وجهان، صحح المصنف الثاني، واستثنى منه: ما إذا كان المالك ألقى ذلك الشيء أو أعرض عنه؛ فقطع بأنه لصاحب الأرض. قال: (والأصح: أنه يجبر على قلعه) أي: مجانًا؛ لأن المالك لم يأذن فيه، فأشبه ما إذا انتشرت أغصان شجرة الغير إلى هواء داره .. له قطعها ولا أجرة عليه وإن كثر لعدم الفعل منه. والثاني: لا يجبر؛ لعدم التعدي. فعلى هذا: يكون كالمستعير، فينظر في النابت أهو زرع أم شجر ويكون الحكم كما سبق، وإذا قلع في هذه المسألة .. تلزمه تسوية الحفر .. لأنه أدخل النقص في ملك غيره لاستصلاح ملكه، فلو بذلك صاحب الأرض الأرش .. أجبر قطعًا، ويجبر أيضًا على تسوية الحفر. قال: (ولو ركب دابة وقال لمالكها: أعرتنيها، فقال: بل أجرتكها) أي: مدة كذا بكذا (أو اختلف مالك الأرض وزارعها كذلك .. فالمصدق المالك على المذهب)؛ لأن المنافع تصح المعاوضة عليها كالأعيان. ولو اختلفا في العين بعد استهلاكها فقال المالك: بعتكها، وقال: بل وهبتنيها .. صدق المالك، فكذا هنا.

стр. 2200

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وكما لو أكل طعام الغير وقال: كنت أبحته لي، وأنكر المالك .. فإن القول قوله، وبهذا قال مالك والمزني. والثاني: يصدق الراكب والزارع وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنهما اتفقا على تلف المنافع على ملك الراكب إما بالإجارة كما زعم المالك أو بالإعارة كما زعم الراكب، والمالك يدعي عوضًا والأصل براءة ذمته منه. والثالث: يصدق المالك في الأرض دون الدابة، وهذا هو المنصوص في (المختصر) وأظهر عند القفال؛ لأن الدواب تكثر فيها الإعارة والأرض تندر، فيصدق في كل صورة من الظاهر معه، وضعف هذا بأن الشافعي ﵁ لا يعتبر العادة في الدعاوى، ولهذا لا تقدم دعوى العطار على الدباغ في دعوى العطر كما سيأتي في بابه. والفرق بين هذا وبين ما إذا غسل ثوبه غسال أو خاطه خياط ثم قال: فعلته بالأجرة، وقال المالك: مجانًا حيث كان القول المالك مع يمينه: أن الغسال فوت منفعة نفسه ثم ادعى لها عوضًا على الغير، وههنا المتصرف فوت منفعة مال الغير وأراد إسقاط الضمان عن نفسه .. فلم يقبل. تنبيهان: أحدهما: إطلاق تصديق المالك يوهم استحقاقه المسمى إذا حلف على نفي الإعارة وإثبات الإجارة إتمامًا لتصديقه، والأصح: أجرة الثل. والثاني: صورة مسألة الكتاب: أن يختلفا بعد مضي مدة لها أجرة والدابة باقية، فإن لم تمض مدة لها أجرة .. فإن المالك يسترد العين، ولا معنى للاختلاف. وإن وقع ذلك بعد تلف الدابة، فإن تلف عقب الأخذ .. فالراكب مقر بالقيمة لمنكرها، وإن تلفت بعد مدة لها أجرة .. فالراكب مقر له بالقيمة، والمالك ينكرها ويدعي الأجرة، فإن كانت الأجرة مثل القيمة أو أقل .. أخذها بلا يمين، وإن كانت أكثر .. أخذ قدر القيمة، وفي المصدق في الزائد الخلاف.

стр. 2201

وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَعَرْتَنِي، وَقَالَ: بَلْ غَصَبْتَ مِنِّي، فَإِنْ تَلِفَتِ الْعَيْنُ .. فَقَدِ اتَّفَقَا عَلَى الضَّمَانِ. لَكِنِ الأَصَحُّ: أَنَّ الْعَارِيَةَ تُضْمَنُ بِقِيَةِ يَوْمِ التَّلَفِ، لاَ بِأَقْصَى الْقِيَمِ، وَلاَ بِيَوْمِ الْقَبْضِ، ــ قال: (وكذا إن قال: أعرتني، وقال: بل غصبت مني) والحال أنه مضى زمن لمثله أجرة والعين باقية .. فالمصدق المالك؛ لأنه يدعي أجرة المثل ههنا، كما يدعي المسمى هناك، وقيل: يصدق الراكب والزارع؛ لأن الأصل براءة الذمة. وقيل: يصدق المنتفع قطعًا؛ لأن الظاهر من حال المسلم أنه لا يتصرف إلا على وجه جائز. أما إذا دفع ألفًا إلى إنسان وقال: كانت وديعة فهلكت وقال الدافع: بل قرضًا .. فقال البغوي في (فتاويه) القول قول المدفوع إليه بيمينه؛ لأن الأصل براءته بخلاف ما إذا قال: غصبتني، فقال: بل أكريتني؛ لأنه أتلف منفعة ما له ص قال: (فإن تلفت العين .. فقد اتفقا على الضمان)؛ إذ كل من الغصب والإعارة مضمن، لكن إنما يستمر ما ذكره إذا ثبت أنها تلفت تلفًا يضمن العارية كما سبق. قال: (لكن الأصح: أن العارية تضمن بقيمة يوم التلف، لا بأقصى القيم، ولا بيوم القبض) أشار إلى ثلاثة أوجه مشهورة في الذي تضمن به العارية التالفة بغير الاستعمال المأذون فيه وبغير تعد: الصحيح منها: ما ذكره، وهو قيمة يوم التلف؛ لأنا لو اعتبرنا الأقصى أو يوم القبض .. لأدى إلى تضمين الأجزاء المستحقة بالاستعمال المأذون فيه. والثاني: قيمة يوم القبض، واتفقوا على أنه أضعف الأوجه تشبيهًا بالقرض. والثالث: أقصى القيم كالمغصوب، فالمالك في هذه الصورة يدعي ضمان الغصب والآخر يدعي ضمان العارية، وبنوا على الخلاف ضمان ولد العارية، فإن قلنا: يضمن بالأقصى .. ضمن، وإلا .. فلا، وليس له استعماله بلا خلاف.

стр. 2202

فَإِنْ كَانَ مَا يَدَّعِيهِ الْمَالِكُ أَكْثَرَ .. حَلَفَ لِلزِّيَادَةِ. ــ والخلاف المذكور في كيفية ضمان العارية جار في ضمان المأخوذ بالسوم، لكن الأصح فيه: اعتبار يوم القبض؛ لأن تضمين أجزائه غير ممتنع، كذا قاله الإمام، وقال غيره: الأصح فيه كالأصح في العارية. قال: (فإن كان ما يدعيه المالك أكثر) بأن تكون قيمتها يوم التلف أقل. قال: (... حلف للزيادة)؛ لأن غريمه ينكرها، وأما المتفق عليه .. فيأخذه بلا يمين؛ لموافقة غريمه على الاستحقاق، وإليه أشار المصنف بقوله: (حلف للزيادة). نعم؛ إن قلنا: إن اختلاف الجهة يمنع الأخذ .. فلابد من اليمين في أظهر الوجهين. تتمة: إذا استعمل المستعير المعار بعد رجوع المعير وقبل العلم به .. نقل الرافعي الرافعي عن (فتاوى القفال): أنه لا تلزمه أجرة، ونقل في (كتاب القسم والنشوز): أن مبيح الطعام إذا رجع عن إباحته فأكله المباح له بعد الرجوع وقبل العلم في وجوب الضمان طريقين. قال في (المطلب): والأشبه القطع بوجوب الضمان في المسألتين. * * * خاتمة أخذ كوزًا من سقاء ليشرب مجانًا كان الكوز عارية، وإن دفع إليه فلسًا وأخذ الكوز ليشرب فسقط من يده فانكسر ضمن الماء؛ لأنه أخذه بشراء فاسد، ولم يضمن الكوز؛ لأنه بحكم الإجارة الفاسدة. * * *

стр. 2203

كِتَابُ الْغَصْبِ ــ كتاب الغصب قال الجوهري: هو أخذ الشيء ظلمًا، فيدخل فيه المأخوذ بسرقة أو محاربة أو اختلاس، ولا يمتنع أن يسمى غصبًا وإن اختص بأسماء، كما يسمى بيع أحد النقدين بالآخر صرفًا وإن شمله اسم البيع. وهو من كبائر الذنوب، واشترط الهروي فيه أن يكون نصابًا، ونقل الماوردي الإجماع على فسق فاعله وكفر مستحله. والأصل في تحريمه آيات منها: قوله تعالى: ﴿ويل للمطففين﴾. وفي (الصحيحين) [خ١٠٥ - م١٢١٨]: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم). وافتتحه في (المحرر) بقوله تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ ومعناها: لا يأكل بعضكم أموال بعض بالباطل. قال: وفي الحديث: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) وأيضًا: (من غصب شبرًا من أرض طوقه من سبع أرضين يوم القيامة) فأما الحديث الأول .. فرواه الأربعة والحاكم عن الحسن عن سمرة ﵁، والثاني في (الصحيحين) [خ٢٤٥٣ - م١٦١٠] وغيرهما بلفظ (من ظلم) و (من أخذ) وهو يعم الغصب، وأما لفظ (غصب) .. ففي كتب الفقهاء. والآيات والأحاديث في الباب كثيرة.

стр. 2204

هُوَ: الاِسْتِيلاَءُ عَلَى حَقَّ الْغَيْرِ عُدْوَانًا، ــ قال: (هو: الاستيلاء على حق الغير عدوانًا). (الاستيلاء): الغلبة على الشيء، تقول استولى زيد على كذا إذا صار في يده. وقوله: (حق الغير) أشمل من قول غيره: مال غيره؛ إذ يدخل فيه ما يجري مجرى المال كالكلب وجلد الميتة والسرجين وحبة الحنطة، وحق التحجر، والمنافع كإقامة من قعد في المسجد أو موات أو استحق سكنى بيت برباط. أما الفواسق كالغرب ونحوه .. فلا ملك فيها لأحد ولا يد ولا اختصاص، فلا يجب ردها على من أخذت منه، كذا نقله الرافعي في (كتاب ضمان البهائم) عن الإمام وأقره. ودخول الألف واللام على (غير) قليل في اللغة كثير في ألسنة الفقهاء، وقد عده الحريري لحنًا. وخرج بقوله: (عدوانًا) المقبوض بالعقود مضمونًا كان أو غير مضمون كالعارية والوديعة، والأمانات كاللقطة وما ألقته الريح. وهذا الحد غير جامع؛ لخروج ما إذا أخذ مال غيره وهو يظنه له .. فإنه يضمنه ضمان المغصوب وليس بعدوان فلو قال: (بغير حق) كما نقل القاضي والإمام .. لا طرد، ولا مانع لدخول السرقة فلو زاد: (جهرًا) كما استحسنه في (الشرح الصغير) .. لانعكس. ثم لفظ الاستيلاء يقتضي: أنه لو كان له أشجار فأراد سوق الماء إليها فمنعه ظالم حتى تلفت .. لا يضمن؛ لأنه لم يستول، وهو أصح الوجهين عند الرافعي، وأجراهما المتولي فيما لو قرب النار إلى السمن حتى ذاب أو نقله إلى الشمس، وقطع

стр. 2205

فَلَوْ رَكِبَ دَابَّةً أَوْ جَلَسَ عَلَى فِرَاشٍ .. فَغَاصِبٌ وَإِنْ لَمْ يَنْقُلْ. وَإِنْ دَخَلَ دَارَهُ وَأَزْعَجَهُ عَنْهَا، أَوْ أَزْعَجَهُ وَقَهَرَهُ عَلَى الدَّارِ وَلَمْ يَدْخُلْ .. فَغَاصِبٌ، ــ الماوردي بالضمان واختاره الشيخ. قال: (فلو ركب دابة أو جلس على فراش .. فغاصب وإن لم ينقل)؛ لحصول غاية الاستيلاء وهو الانتفاع على وجه التعدي. وقيل: يشترط النقل، فلا يكون غاصبًا بدونه؛ لأن أهل العرف لا يعدونه بدونه غاصبًا. قال الرافعي: يشبه أن تكون المسألة مصورة بما إذا قصد الجالس أو الراكب الاستيلاء، أما إذا لم يقصد .. ففي كونه غاصبًا وجهان، وأغفل في (الروضة) هذا وقال: أصحهما: أنه غاصب، سواء قصد الاستيلاء أم لا. وفي ترجيح كونه غاصبًا إذا لم يقصد نظر، فقد صرح المتولي والخوارزمي بأنه لا ضمان عليه. ولو كان بين يديه شيء منقول فأخذه إنسان لينظر هل يصلح له فيشتريه، أو ليعمل له مثل فتلف في يده .. ضمنه. ولو دخل دارًا لينظرها لشرائها أو لبناء مثلها فانهدمت في تلك الحالة .. لا ضمان على الصحيح. قال: (وإن دخل داره وأزعجه عنها) أي: أخرجه منها وانفرد باليد عليها (أو أزعجه وقهره على الدار ولم يدخل .. فغاصب) وإن لم يقصد الاستيلاء؛ لأن نفس الاستيلاء مغن عن قصده. و (القهر): الغلبة، والمراد بدخول الدار: بأن يكون على هيئة من يقصد السكنى، بأن يكون معه أهله وأمتعته.

стр. 2206

وَفِي الثَّانِيَةِ وَجْهٌ وَاهٍ. وَلَوْ سَكَنَ بَيْتًا وَمَنَعَ الْمَالِكَ مِنْهُ دُونَ بَاقِي الدَّارِ .. فَغَاصِبٌ لِلْبَيْتِ فَقَطْ. وَلَوْ دَخَلَ بِقَصْدِ الاِسْتِيلاَءِ وَليْسَ الْمَالِكُ فِيهَا .. فَغَاصِبٌ، وَإِنْ كَانَ وَلَمْ يُزْعِجْهُ .. فَغَاصِبٌ لِنصْفِ الدَّارِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا لاَ يُعَدُّ مُسْتَوْلِيًا عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ ــ قال: (وفي الثانية وجه واه) أي: فيما إذا استولى ولم يدخل وجه: أنه لا يكون غاصبًا؛ لأن أهل العرف لا يطلقون عليه الغصب. قال المتولي: والأقمشة التي في الدار إن منع المالك من نقلها .. صار ضامنًا لها، وإلا .. فلا. قال: (ولو سكن بيتًا ومنع المالك منه دون باقي الدار .. فغاصب للبيت فقط)؛ لقصر الاستيلاء عليه. قال: (ولو دخل بقصد الاستيلاء وليس المالك فيها .. فغاصب) سواء كان الداخل ضعيفًا أو قويًا؛ لوجود الاستيلاء، كمن غصب قلنسوة ملك .. فإنه غاصب مع سهولة استرجاعها. وقيل: إن كان الداخل ضعيفًا لم يكن غاصبًا؛ لأنه لا يعد مستوليًا. قال: (وإن كان ولم يزعجه .. فغاصب لنصف الدار)؛ لاجتماع يديهما عليها واستيلائهما. وقال بعض الأصحاب: لا يكون غاصبًا لشيء منها، كما لو أخذ بعنان الدابة وصاحبها راكب. قال: (إلا أن يكون ضعيفًا لا يعد مستوليًا على صاحب الدار) ففي هذه الحالة لا يكون غاصبًا لشيء منها، لأنه في هذه الحالة لا يتحقق منه الاستيلاء، وما لا يمكن تحقيقه لا اعتبار بقصده. ولو كان المالك ضعيفًا والداخل قويًا .. فقياسه أن يكون غاصبًا لجميعها، ولم

стр. 2207

وَعَلَى الْغَاصِبِ الرَّدُّ، فَإِنْ تَلِفَ عِنْدَهُ .. ضَمِنَهُ ــ يصرحوا به، ولعله لاستمرار يد المالك على القبض، وحيث لا يجعل الداخل غاصبًا تلزمه أجرة المثل بشرطه. وحكم الأرض حكم الدار، حتى لو غرقها سيل أو علاها رمل في يده ضمنها. فرع: أعطى عبد إنسانًا شيئًا ليوصله إلى بيته بغير إذن سيده، قال القاضي: يكون ضامنًا؛ لأنه لو استعمله لذلك ضمنه. وما ضمن بالعارية ضمن بالغصب. قال البغوي في (الفتاوى): هذا عندي فيما إذا قهره على العمل أو كان أعجميًا يرى العمل لكل من يأمره. قال: ولو أن الزوج بعث عبد زوجته في شغل دون إذنها .. ضمن بكل حال؛ لأن عبد المرأة قد يرى طاعة زوجها، فهو كالأعمى في حق الأجنبي. وسئل ابن الصلاح عن رجل أخذ بيد مملوك لغيره وأخافه بسبب تهمة فهرب لوقته، فأجاب بأنه لا يضمنه إن لم يكن نقله من مكان إلى مكان بقصد الاستيلاء. قال: (وعلى الغاصب الرد) أي: على المالك أو وكيله أو وليه وإن غرم عليه أضعاف قيمته؛ لقوله ﷺ : (على اليد ما أخذت حتى تؤديه). قال: (فإن تلف عنده .. ضمنه) بالإجماع، وكذا لو أتلفه هو أو أجنبي من باب أولى.

стр. 2208

وَلَوْ أَتْلَفَ مَالاً فِي يَدِ مَالِكِهِ .. ضَمِنَهُ. وَلَوْ فَتَحَ رَاسَ زِقٍّ مَطْرُوحٍ عَلَى الأَرْضِ فَخَرَجَ مَا فِيهِ بِالْفَتْحِ، أَوْ مَنْصُوبٍ فَسَقَطَ وَخَرَجَ مَا فِيهِ .. ضَمِنَ، ــ هذا إذا كان المتلف له قيمة، فإن لم يكن كالسرجين ونحوه .. فلا ضمان، ولو كان مستحق السرجين غرم على نقله مؤنة .. لم نوجبها على الغاصب كما أجاب به البغوي. ولو رد الدابة إلى الإصطبل .. برئ إذا علم المالك بها أو أخبره من يعتمد خبره، ولا يبرأ قبل العلم أو الإخبار. قال: (ولو أتلف مالًا في يده مالكه .. ضمنه) بالإجماع، لكن يستثنى منه: العبد المرتد، والحيوان الصائل وغيره، والقاتل حرابة، وكسر الباب، ونقب الجدار في مسائل الظفر كما سيأتي. وما إذا لم يتمكن المنكر في إراقة الخمر إلا بكسر ظرفها. وما إذا لم يتمكن من دفع الصائل وقاطع الطريق إلا بعقر جواده وكسر سلاحه. وما يتلفه العادل على الباغي في حالة الحرب وعكسه، وما يتلفه الحربي فإنه لا ضمان عليه؛ لأنه مخاطب بفروع الأحكام لا بالضمان، وهذه المسألة ليست من الغصب، لكن الأصحاب ذكروا ههنا أسباب العدوان استطرادًا، سواء كان باليد العادية وهو الغصب بالمباشرة كهذه، أو بالسبب كفتح القفص ونحوه. فرع: دخل دكان حداد وهو يطرق الحديد فطارت شرارة فأحرقت ثوبه كان هدرًا وإن دخل بإذن الحداد. قال: (ولو فتح رأس زق مطروح على الأرض فخرج ما فيه بالفتح، أو منصوب فسقط وخرج ما فيه .. ضمن)؛ لأنه باشر إتلافه. واحترز بقوله: (بالفتح) عن جامد قرب إليه نارًا فالأصح: أن الضمان على المقرب كما تقدم قريبًا.

стр. 2209

وَإِنْ سَقَطَ بِعَارِضِ رِيحٍ .. لَمْ يَضْمَنْ. وَلَوْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ وَهَيَّجَهُ فَطَارَ .. ضَمِنَ، وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْفَتْحِ .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ إِنْ طَارَ فِي الْحَالِ .. ضَمِنَ، وَإِنْ وَقَفَ ثُمَّ طَارَ .. فَلاَ. ــ و (الزق) بكسر الزاي: السقاء، جمعه في القلة أزقاق، وفي الكثرة زقاق بكسر الزاي وضمها. قال: (وإن سقط بعارض ريح .. لم يضمن) وكذا عارض الزلزلة ووقوع طير؛ لأن الهلاك لم يحصل بفعله. قال ابن الصباغ: وكذا لو لم يعلم كيف سقط، أما إذا طلعت الشمس على الجامد فأذابته .. ضمنه في الأصح. والفرق بينه وبين عروض الريح: أن طلوع الشمس محقق فلذلك قد يقصده الفاتح بخلاف الريح. ويجري الوجهان فيما إذا أزال أوراق العنب وجرد عناقيده للشمس فأفسدتها، وفيما لو ذبح شاة فهلكت سخلتها أو حمامة فهلك فرخها. وقيل: إن كان المالك حاضرًا وأمكنه التدارك فلم يفعل .. لم يضمن. ولو حل رباط سفينة فغرقت بالحل .. ضمنها، أو بحادث كهبوب ريح أو غيره .. فلا. واحترز بـ (العارض) عن المقارن فإنه من ضمان الفاتح حينئذ وهو متجه. قال: (ولو فتح قفصاً عن طائر وهيجه فطار .. ضمن)؛ لأنه ألجأه إلى ذلك، وادعى الماوردي فيه الإجماع. قال: (وإن اقتصر على الفتح .. فالأصح: أنه إن طار في الحال .. ضمن، وإن وقف ثم طار .. فلا)، لأن طيرانه في الحال دليل على أن تنفيره وطيرانه بعد الوقوف أمارة ظاهرة على أنه طار باختياره.

стр. 2210

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والثاني: يضمن مطلقًا؛ لأن الفاتح متسبب في إعدامه. والثالث: لا يضمن مطلقًا؛ لأن للطائر قصدًا واختيارًا. وقيل: إن اضطراب وطار في الحال .. ضمن، وإن طار من غير اضطراب. فلا. ولو كان الطائر في أقصى القفص فأخذ يدب قليلًا قليلًا ثم طار .. فحكمه حكم ما لو طار عقبه. و (الطائر) مفرد والجمع طير. والمصنف اعترض في (نكت التنبيه) على الشيخ في قوله: (ولو فتح قفصًا عن طائر) بأن قال: الأولى أن يقول: (عن طير) وعلله بأنه غير طائر في القفص، وهو قد عبر بما أنكره عليه. فروع: كسر الطائر في خروجه قارورة، أو انكسر القفص بخروجه، أو وثبت هرة عند الفتح فدخلت وأكلت الطائر .. لزمه الضمان، كذا قاله الشيخان، ولعل هذا إذا كانت حاضرة حالة فتحه وعلم بها، وإلا .. فهو كعروض مطر وهبوب ريح بعد الفتح. ولو حل رباط أو فتح إصطبلها فخرجت وضاعت .. فهو كفتح القفص. ولو حل قيد العبد فهرب، فإن كان مجنونًا .. فكالبهيمة، وإن كان عاقلًا .. لم يضمن، وقيل: إن كان آبقًا ضمن. ولو أمر طفلًا أو مجنونًا بإرسال طائر في يده فأرسله وطار .. فهو كفتح القفص عنه إن نفره أو أمر الطفل بتنفيره .. ضمنه، وإلا .. فوجهان.
следующие страницы →