← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13783

النجم الوهاج في شرح المنهاج

الدميري

Полный текст (5 377 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

وَلَوْ أَكْرَى جِمَالاً وَهَرَبَ وَتَرَكَهَا عِنْدَ الْمُكْتَرِي .. رَاجَعَ الْقَاضِيَ لِيَمُونَهَا مِنْ مَالِ الْجَمَّالِ، ــ مهمة: مسألة (المحرر) و (المنهاج) إذا غصب العين من غير مضي المدة، أما إذا انقضت المدة .. فالذي نص عليه الشافعي والأصحاب فيها انفساخ الإجارة، وجزم في (تحرير التنبيه) بعدم الانفساخ، ثم المالك يخاصم الغاصب بحق الملك، وهل للمستأجر المخاصمة؟ فيه وجهان: الأصح: لا؛ لعدم ملك العين فأشبه المودع والمستعير والمرتهن، وجزم الرافعي في (كتاب الحج) بأن للمودع أن يخاصم، وجزم في آخر (الدعاوى) بأن للمرتهن أن يخاصم. كل هذا إذا غصبه أجنبي، فإن غصبه المالك فطريقان: أحدهما: كغصب الأجنبي. والثاني: تنفسخ قطعاً، وإن كانت الغاصب المستأجر، ويتصور بأن يأخذ العين من الآجر من غير إذنه قبل إقباض الأجرة، والحكم فيه استقرار الأجرة. فرع: أجر عيناً ثم أقر بها .. فالأصح قبوله في العين دون المنفعة. والثاني: يقبل فيهما ويبطل حق المستأجر وحكي عن نصه في (عيون المسائل). والثالث: عكسه. والرابع: إن كانت في يد المستأجر .. فلا تزال يده إلى انقضاء المدة، وإن كانت في يد المقر له .. لم تنزع. قال: (ولو أكرى جمالاً) أي: بعينها أو في الذمة وسلمها. قال: (وهرب وتركها عند المكتري .. راجع القاضي ليمونها من مال الجمال)، وكذلك مؤنة من يحفظها ويخدمها كما صرح به الماوردي.

стр. 2417

فَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ مَالاً .. اقْتَرَضَ عَلَيْهِ، فَإِنْ وَثِقَ بِالْمُكْتَرِي .. دَفَعَهُ إِلَيْهِ، وَإِلاَّ .. جَعَلَهُ عِنْدَ ثِقَةٍ، وَلَهُ أَنْ يَبِيعَ مِنْهَا قَدْرَ النَّفَقَةِ، وَلَوْ أَذِنَ لِلْمُكْتَرِي فِي الإِنْفَاقِ مِنْ مَالِهِ لِيَرْجِعَ .. جَازَ فِي الأَظْهَرِ. ــ قال: (فإن لم يجد له مالاً .. اقترض عليه)؛ لأن ذلك الممكن، ولأن الحاكم هو الناظر في أموال الغائبين وقد تعين ذلك طريقاً. والاقتراض إما من بيت المال، وإما من المكتري، أو من غيره، وهذا إذا لم يتبرع المكتري بالإنفاق، ويستوفي المكتري حقه من الجمال بمقتضى العقد. واحترز بقوله: (تركها) عما لو أخذها معه، فإن كانت إجارة عين .. فله الفسخ، وإن كانت إجارة ذمة .. اكترى الحاكم عليه من ماله، فإن لم يكن .. اقترض عليه، فإن تعذر .. فله الفسخ. قال: (فإن وثق) أي: القاضي (بالمكتري .. دفعه إليه) سواء اقترضه منه أم من غيره. قال: (وإلا) أي: إن لم يثق به (.. جعله عند ثقة) لتعين ذلك طريقاً، هذا إذا لم يكن فيها فضل، فإن كان. بيع قبل القرض. قال: (وله) أي: للقاضي (أن يبيع منها قدر النفقة)؛ للاحتياج إلى ذلك، ولا يخرج على الخلاف في بيع المستأجرة؛ لأنه محل ضرورة، قال الفوراني: ولا يجوز بيع جميعها خشية أن تؤكل أثمانها، وضعفه مجلي. قال: (ولو أذن للمكتري في الإنفاق من ماله ليرجع .. جاز في الأظهر)؛ لأنه محل ضرورة كما لو استقرض منه وفدع إليه، ولأن الحاكم قد لا يجد غيره. والثاني: المنع؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون القول قوله فيما يستحقه على غيره، بل يؤخذ المال منه ويدفع إلى أمين. فعلى الأولى لو اختلفا في قدر ما أنفق .. فالصحيح أن القول قول المنفق إذا ادعى نفقة معتادة. وعلى الأظهر: لو قدر له نفقة معتادة .. لم يزد عليها، فإن زاد .. كان متبرعاً بالزائد.

стр. 2418

وَمَتَى قَبَضَ المُكْتَرِي الدَّارَ أَوِ الدَّابَّةَ وَأَمْسَكَهَا حَتَّى مَضَتْ مُدَّةُ الإِجَارَةِ .. اسْتَقَرَّتِ الأُجْرَةُ وَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ، وَكَذَا لَوِ اكْتَرَى دَابَّةً لِرُكُوبٍ إِلَى مَوْضِعٍ وَقَبَضَهِا وَمَضَتْ مُدَّةُ إِمْكَانِ السَّيْرِ إِلَيْهِ، وَسَوَاءٌ فِيهِ إِجَارَةُ الْعَيْنِ أَوِ الذِّمَّةِ إِذَا سَلَّمَ الدَّابَّةَ الْمَوْصُوفَةَ. ــ ولو أنفق المكتري بغير إذن الحاكم مع إمكانه .. لم يرجع، وإن لم يكن حاكم فأنفق وأشهد وشرط الرجوع .. رجع على الأصح. قال: (ومتى قبض المكتري الدار أو الدابة وأمسكها حتى مضت مدة الإجارة .. استقرت الأجرة وإن لم ينتفع) سواء كانت إجارة عين أم ذمة؛ لأن المعقود عليه تلف تحت يد متملكه فلزمه بدله كالمبيع إذا تلف في يد المشتري، وهذا لا خلاف فيه كما قاله الإصطخري في (أدب القضاء). وليس له الانتفاع بعد المدة، فإن فعل .. لزمه أجرة المثل مع المسمى. وعبارة المصنف تفهم أنه لو عرضها عليه فامتنع ومضى زمان يمكن فهي الاستيفاء .. أن الأجرة لا تتقرر وليس كذلك، بل الحكم كذلك عندنا كما صرح به في (البحر) خلافاً لأبي حنيفة، وحاول ابن الرفعة تخريج وجه فيما إذا وضع البائع المبيع بين يدي المشتري .. أنه لا يكون إقباضا. وسكت المصنف عما لو اكترى حراً وسلمه نفسه ولم يستعمله حتى مضت المدة، والذي عليه الأكثرون استقرار الأجرة بذلك خلافا للقفال. قال: (وكذا لو اكترى دابة لركوب إلى موضع وقبضها ومضت مدة إمكان السير إليه)؛ لتمكنه من الانتفاع، وهذه الصورة في الإجارة المقدرة بالعمل، والتي قبلها في المقدرة بالمدة، لكن يرد عليها العرض كالتي قبلها. قال: (وسواء فيه إجارة العين أو الذمة إذا سلم الدابة الموصوفة) لتعين حقه بالتسليم وحصول التمكين. وقوله: (فيه) أراد في المسألتين المتقدمتين المقدرة بمدة والمقدرة بعمل؛ لأن كلاً منهما قد يقع على العين وقد يقع على الذمة والحكم فيهما سواء، لكن يستثنى من

стр. 2419

وَتَسْتَقِرُّ فِي الإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ بِمَا يَستَقِرُّ بِهِ الْمُسَمَّى فِي الصَّحِيحَةِ ..... ــ تسويته بينهما ما لو شردت الدابة من راكبها فإن نسب إلى تفريط .. ضمنها ولم يرجع بالأجرة، وإلا .. لم يضمنها. قال الماوردي: ثم إن كانت الإجارة مقدرة بمدة ومضت والدابة شاردة .. بطلت سواء كانت معينة أو في الذمة، وإن كانت مقدرة بمسافة .. لم تبطل الإجارة؛ لبقاء المعقود عليه وإن تأخر قبضه، وللراكب الخيار بين المقدم والفسخ. ويستثنى من إطلاقه إذا كان الامتناع لعذر في الدابة كمرضها أو لخوف في الطريق .. فلا أجرة على المستأجر؛ لأنه ممنوع من استيفاء حقه بنفسه وبغيره فافترقت إجارة العين والذمة في ذلك. وقوله: (إذا سلم) متعلق بالذمة فقط. قال: (وتستقر في الإجارة الفاسدة أجرة المثل بما يستقر به المسمى في الصحيحة) سواء انتفع أم لا، وسواء كانت أجرة المثل أقل من المسمى أو أكثر؛ لأن فاسد كل عقد كصحيحه في الضمان وعدمه، لكن يرد على إطلاقه التخلية؛ فإنها كالقبض في الصحيحة دون الفاسدة، بل يترتب الضمان فيها إلا بدخول الدار والقبض الحقيقي، وكذلك لو وضع بين يديه يكفي في الصحيحة دون الفاسدة. ويستثنى من إيجاب أجرة المثل في الفاسدة: إذا عقد الإمام الذمة مع الكفار على سكنى الحجاز فسكنوا ومضت المدة .. فإنه يجب المسمى لتعذر إيجاب عوض المثل، فإن منفعة دار الإسلام في سنة لا يمكن أن تقابل بأجرة مثلها فتعين إيجاب المسمى، كذا قاله العبادي والهروي وشريح الروياني وغيرهم. وكذا لو استأجر الإمام العامل بأكثر من أجرة المثل فهل تجب أجرة المثل لفساد الإجارة، أو المسمى والزيادة على الإمام في ماله؟ وجهان: أصحهما في زوائد (الروضة) في (قسم الصدقات): الأول. واحترز بـ (الفاسدة) عن الباطلة كما لو استأجر صبي بالغاً فعمل عملاً .. فإنه لا يستحق شيئاً؛ لأنه الذي فوت على نفسه عمله، وتكون الإجارة باطلة لا فاسدة،

стр. 2420

وَلَوْ أَكْرى عَيْنًا مُدَّةً وَلَمْ يُسَلِّمْهَا حَتَّى مَضَتِ .. انْفَسَخَتْ، وَلَوْ لَمْ يُقَدِّرْ مُدَّةً وَأَجَّرَ لِرُكُوبٍ إِلَى مَوْضِعٍ وَلَمْ يُسَلِّمْهَا حتَّى مَضَتْ مُدَّةُ السَّيْرِ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهَا لاَ تَنْفَسِخُ. ــ وكل عقد باطل يسقط فيه المسمى إلا مسألة واحدة وهي: إذا عقد الإمام الذمة مع الكفار على سكنى الحجاز، وستأتي في بابها. قال: (ولو أكرى عيناً مدة ولم يسلمها حتى مضت .. انفسخت)؛ لفوات المعقود عليه قبل قبضه، وسواء أمسكها لاستيفاء الأجرة أم لغيره. وقوله: (مضت) ليس بقيد، بل لو مضى بعضها .. انفسخ فيه، وفي الباقي الخلاف في تلف بعض المبيع قبل القبض، فإن قلنا: لا تنفسخ .. فللمستأجر الخيار ولا يبدل زمان بزمان. تنبيه: أفهمت عبارة المصنف: أنه لا يجب على المستأجر تسليم العين التي استأجره فيها، وقال الرافعي في الكلام على ما إذا استأجره لخياطة ثوب: قال الإمام: المتجه أنه لا يجب عليه ذلك، لكن تستقر عليه الأجرة إذا سلم الأجير نفسه. قال ابن الرفعة: وهو ظاهر إذا قلنا: تستقر الأجرة بالتمكين ومضي المدة، وإلا .. فلا. وذكر الرافعي في (المساقاة): أن من استأجر قصاراً لقصارة ثوب بعينه .. يكلف تسليمه إليه، وذكر في (باب المبيع قبل القبض) أن من استأجر صباغاً ليصبغ له ثوباً وسلمه إليه .. ليس له أن يبيعه ما لم يصبغه. قال: (ولو لم يقدر مدة وأجر لركوب إلى موضع ولم يسلمها حتى مضت مدة السير .. فالأصح: أنها لا تنفسخ)؛ لأنها متعلقة بالمنفعة لا بالزمان ولم يتعذر استيفاؤها.

стр. 2421

وَلَوْ أَجَّرَ عَبْدَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لاَ تَنْفَسِخُ الإِجَارَةُ، وَأَنَّهُ لاَ خِيَارَ لِلْعَبْدِ، ــ والثاني: تنفسخ واختاره الإمام كما لو حبسها المكتري .. فعلى الأصح: لا خيار للمكتري، كما لا خيار للمشتري إذا امتنع البائع من تسليم المبيع ثم سلمه، في (الوسيط): يخير لتأخر حقه. وقال ابن الرفعة: إنه الأوجه، وبه أجاب الماوردي؛ لأن الإجارة لا تراد للدوام فيفوت غرضه بالتأخير بخلاف الملك. واحترز بـ (العين) عن إجارة الذمة إذا لم يسلم ما تستوفى منه المنفعة حتى مضت مدة يمكن استيفاؤها .. فلا فسخ، ولا انفساخ قطعًت؛ لأنه دين تأخر وفاؤه. قال: (ولو أجر عبده ثم أعتقه .. فالأصح: أنه لا تنفسخ الإجارة)؛ لأنه أجر ملكه ثم طرأ ما يزيله فأشبه موته بعد الإجارة. والثاني: تنفسخ كموت البطن الأول وضعفه الإمام، لا جرم عبر عنه في (الروضة) بالصحيح؛ لأن العتق لم يصادف إلا الرقبة مسلوبة المنافع، لاسيما إذا قلنا بالأصح وهو: أن المنفعة إنما تحدث على ملك المستأجر .. فيبطل إلحاقه بموت البطن الأول. والذي ذكره المصنف محله في العتق المنجز، أما المعلق بصفة إذا أجره، فإن وجدت الصفة .. عتق العبد وانفسخت الإجارة، خلافاً لما اقتضاه كلام الرافعي في (باب الوقف). ولو أجره ثم كاتبه .. لم تصح الكتابة كما جزم به المصنف في بابها وفي معنى العتق الوقف .. فيصح وقف المستأجر على المذهب كما صرح به في (الروضة) في بابه، ولا يرجع الموقوف عليه بشيء من الأجرة قولاً واحداً كما صرح به الماوردي؛ لأن الوقف مقصور على شرط واقفه. قال: (وأنه لا خيار للعبد) أي: في فسخ الإجارة بعد العتق؛ لأن سيده تصرف في خالص ملكه فلا وجه للاعتراض عليه.

стр. 2422

وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ لاَ يَرْجِعُ عَلَى سَيِّدِهِ بِأُجْرَةِ مَا بَعْدَ الْعِتْقِ ــ والثاني: له الخيار كما لو عتقت الأمة المزوجة برقيق، ومحل الوجهين إذا قلنا: لا تنفسخ. قال: (والأظهر: أنه لا يرجع على سيده بأجرة ما بعد العتق)؛ لأنه تصرف في منافعه حال ملكه فأشبه ما إذا زوج أمته واستقر مهرها بالدخول ثم أعتقها .. لا ترجع عليه بشيء، وهذا هو الجديد. والثاني: يرجع بأجرة مثل تلك المدة الباقية؛ لأن المنافع تستوفى منه قهراً فصار كما لو أكرهه سيده على العمل، ومنهم من حكاهما وجهين، وكما لا يرجع عليه بالأجرة .. لا يطالبه بنفقة هذه المدة على الأصح، بل نفقته في بيت المال، وقيل: على سيده. وعلى هذا فقيل: تجب بالغة ما بلغت، والأصح عند المصنف: الأقل منها ومن أجرة المثل. وكما لا تنفسخ الإجارة بطروء الحرية لا تنفسخ بطروء الرق، فلو استأجر مسلم حربياً فاسترق، أو استأجر داراً في دار الحرب ثم ملكها المسلمون .. لم تنفسخ الإجارة قطعاً. وقيل على الخلاف في الزوجة إذا سبيت، هل ينفسخ نكاحها؟ كذا قاله الشيخان في (باب السير). فرع: أجره ثم أعتقه ثم ظهر به عيب وفسخت الإجارة بعد العتق .. فالمنافع للعبد على الأصح، وقيل: للسيد. ولو أجر أم ولده ومات في المدة .. عتقت، وفي بطلان الإجارة ما قيل في إيجار البطن الأول قاله الرافعي، ومقتضاه تصحيح الانفساخ، وسيأتي في (الوقف) في موت المستولدة الموقوفة ما يخالفه في تعليل المتولي.

стр. 2423

وَيَصِحُّ بَيْعُ الْمُسْتَاجَرَةِ لِلْمُكْتَرِي، وَلاَ تَنْفَسِخُ الإِجَارَةُ فِي الأَصَحِّ، ــ قال: (ويصح بيع المستأجر للمكتري)؛ لأنها في يده من غير حائل فأشبه بيع المغصوب من الغاصب، ولأن الإجارة قد وردت على المنافع فلا يمنع بيع الرقبة كبيع الأمة المزوجة، وهذه متفق عليه. وقال في (الوسيط): الظاهر الصحة، فأشعر بخلاف صرح به تلميذ محمد بن يحيى في (شرح الوسيط)، وأبو الخير سلامة بن جماعة المقدسي، وابن يونس في (شرح التعجيز). وشرط جواز بيع المستأجر أن يعلم المشتري مقدار مدة الإجارة، فإن جهلها .. لم يصح. فإن قيل: في صحة بيع العين المستأجرة من المستأجر إشكال؛ فإنه يصير كالمبيع المستثنى المنافع، فصار كما لو باعه الدار بشرط أن لا يسكنها شهراً .. فالجواب: أن هذا مستثنى شرعًا كما لو باع أمة حاملا بحر على رأي، بخلاف ما لو باع حاملاً واستثنى حملها. فإن قيل: المشتري لا يبيع المبيع من البائع ولا من غيره فلما استوى البائع وغيره .. ينبغي أن يستوي المستأجر وغيره .. فالجواب: أن المانع من بيع المبيع عدم دخوله في ضمان المشتري ولا فرق فيه بين البائع والأجنبي، والمانع من بيع المستأجر حيلولة اليد وذلك غير موجود في المبيع من المستأجر. قال: (ولا تنفسخ الإجارة في الأصح)؛ لأن الملك لا ينافيها، ولهذا يستأجر ملكه من مستأجره. والثاني: أنها تنفسخ وهو قول ابن الحداد؛ لأنه إذا ملك الرقبة .. حدثت المنافع على ملكه، والإجارة والملك لا يجتمعان كما لو اشترى زوجته فعلى الأصح: يستوفي المنفعة بحكم الإجارة، حتى لو رد المبيع بعيب .. فله استيفاء بقية المدة. ولو فسخ الإجارة بعيب أو تلفت العين .. رجع عليه بأجرة باقي المدة، وعلى الثاني: يسترد حصة ما بقى من الأجرة.

стр. 2424

وَلَوْ بَاعَهَا لِغَيْرِهِ .. جَازَ فِي الأظْهَرِ وَلاَ تَنْفَسِخُ ــ قال: (ولو باعها لغيره .. جاز في الأظهر) سواء أذن المستأجر أم لا؛ لأن استثناء المنفعة فيه شرعي لا حسي، ولأن ثبوت العقد على المنفعة لا يمنع بيع الرقبة كالأمة المزوجة. والثاني: المنع؛ لأن يد المستأجر مانعة من التسليم بحق فكانت أولى من يد الغاصب بالمنع. وقال أبو حنيفة: ينعقد موقوفاً إن أجازه المستأجر .. نفذ، وإلا .. فلا. وتستثنى من جريان الخلاف مسائل: منها: إذا هرب الجمال وترك الجمال كما تقدم. ومنها: إذا قال: أعتق عبدك عني على كذا فأعتقه عنه وهو مستأجر .. فإنه يصح قطعاً؛ لقوة العتق كما أفتى به القفال وارتضاه ابن الرفعة. قال: (ولا تنفسخ) كما لا ينفسخ النكاح ببيع الأمة المزوجة وتترك في يد المستأجر إلى انقضاء المدة، وللمشتري فسخ البيع إن كان جاهلاً، وإن كان عالماً .. فلا فسخ ولا أجرة لتلك المدة، والقولان في صحة بيع المستأجر يجريان في هبته من غيره، وفي رهنه طريقان: إحداهما: طرد القولين. والثانية: القطع بالبطلان، وتجوز الوصية به ووقفه. تتمة: أجر عيناً ثم باعها لغير المستأجر، ثم انفسخت الإجارة في المدة بما اقتضى الفسخ، فأجرة بقية المدة للبائع أو المشتري؟ فيه وجهان: جواب ابن الحداد أنها للمشتري. وقال أبو زيد: إنها للبائع، وبناهما المتولي على أن الفسخ إن رفع العقد من

стр. 2425

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حينه .. فتكون للبائع، أو من أصله .. فللمشتري. ولو تقايلا الإجارة، فإن قلنا: الإقالة عقد .. عادت المنافع إلى البائع، وإن قلنا: فسخ .. فالصحيح أنها تعود إليه أيضاً؛ لأنها ترفع العقد من حينه قطعاً، وأفتى الشيخ بعودها إلى المشتري وفقاً لابن الحداد وبه قضى بدمشق. ونظير المسألة: إذا أوصى بعبد لإنسان وبمنفعته لآخر فقبل الموصى له بالرقبة الوصية وردها الآخر، فمنفعته هل تعود إلى الموصى له بالرقبة أو إلى الوارث؟ فيه وجهان، قال ابن الرفعة: الذي يظهر: الجزم بأنها للورثة لإخراجها عن التبعية بالوصية لغير الموصى له بالرقبة. * * * خاتمة استأجر رجلاً يعمل له مدة .. كان زمن الطهارة وصلاة الفرض والراتب مستثنى، ولا ينقص من الأجرة شيء، ولا فرق بين صلاة الجمعة وغيرها. وقال ابن سريج: يجوز له ترك الجمعة بهذا السبب. والسبوت في استئجاره اليهودي تقع مستثناة إذا اطرد عرفهم بذلك، كذا قاله الغزالي. وقال أبو بكر الشامي: لا تستثنى ويلزم بالعمل فيها؛ لأن العبرة بشرعنا لا بما اعتقدوه. فإن أسلم اليهودي .. ألزم بعمل يوم السبت؛ لأن الإجارة اشتملت على جميع المدة، وإنما امتنع الاستثناء لأمر عرفي مشروط باليهودية وقد زال ذلك بالإسلام،

стр. 2426

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وتستثنى به بعد الإسلام أوقات الصلوات، كما لو استأجر امرأة فحاضت .. فأوقات الصلاة في زمن الحيض خرجت عن الاستثناء، ولا ينظر في ذلك إلى حال العقد، بل إلى حال الاستثناء. وقال القاضي أبو الطيب: لا يجوز أن يشترط على المكتري سلفاً، فإن شرط ذلك .. أبطل العقد. قال الشيخ: وأما عكس ذلك إذا شرط المكري على المكتري قرضاً ليزيد في الأجرة .. فهو أيضاً حرام؛ لأنه قرض جر منفعة، وهو الذي يسمونه التقوية. وقال في (الأحياء): الأسواق التي ينالها السلاطين بالأموال الحرام يحرم سكناها والتجارة فيها. وفي (فتاوى ابن الصلاح): أنه سئل عن ناظر في ملك أجره سنة بأجرة شهد الشهود أنها أجرة المثل يومئذ، ثم طرأت أسباب توجب زيادة أجرة المثل على ذلك .. فأجاب بأنه يتبين بطلان الإجارة والشهادة؛ فإن تقويم المنافع في مدة مستقبلة إنما تصح إذا استمرت الحال الموجودة، فأما إذا تغيرت .. فإنا نتبين أن التقويم لم يطابق، خلاف تقويم الأعيان، ثم أفتى في (كتاب الوقف) بعدم البطلان. وأفتى الغزالي بأنه إذا جعل متاعاً في مسجد وأغلقه .. لزمه أجرة مثله. قال المصنف: لا حاجة إلى تقييده بالإغلاق، فلو لم يغلقه .. ينبغي أن تجب عليه أجرته. وحكى الغزالي وجهاً أن الأجرة لا تجب، فإن قلنا: تجب .. صرفت في مصالح المسلمين، وقال المصنف: تصرف في مصالح المسجد، ولو شغل جانباً منه .. وجبت أجرة ما شغل، ولو اقتصر على غلقه ومنع الصلاة فيه .. فلا أجرة.

стр. 2427

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وفيها: إذا توجه الحبس على الأجير، إن أمكنه العمل في الحبس .. جمع بينهما، وإن تعذر، فإن كانت الإجارة على العين .. قدم حق المستأجر كما يقدم المرتهن، وأطلق البغوي في (فتاويه) القول بأنه يحبس وإن تعطل حق المستأجر. وفي (فتاوى ابن الصلاح): لو استأجر رجلاً يقعد مكانه في الحبس مدة .. صح واستحق الأجرة؛ لأن المنافع كالأعيان وهذا استدعاء لإتلاف منافعه بعوض لغرض صحيح كما لو قال: ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه، أو طلق زوجتك وعلي ألف، وفيما قاله نظر؛ لأن الحبس عقوبة معلقة ببدن المحبوس فلا تتأتى فيه النيابة. وفي (فتاوى البغوي): استأجره ليرعى بقرة شهراً أو سنة على أن يكون نتاجها للأجير، فرعاها ونتجت ثم سرقت وولدها .. يضمن الولد دون الأم؛ لأنه في يده بالبيع الفاسد، وهي بالإجارة الفاسدة. * *

стр. 2428

كِتَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ الأَرْضُ الَّتِي لَمْ تُعَمَّرْ قَطُّ إِنْ كَانَتْ بِبِلاَدِ الإِسْلاَمِ .. فَلِلْمُسْلِمِ تَمَلُّكُهَا بِالإِحْيَاءِ، ــ كتاب إحياء الموات (الموات) بفتح الميم والواو: فعال من الموت، ومنه: بلد ميت، والأرض الميتة: التي تعطلت عن النبات. والموات في الاصطلاح: الأرض التي لا مالك لها ولا ينتفع بها أحد، وافتتح ابن خيران الباب بقوله تعالى: ﴿وفي الأرض قطع متجورت﴾ وفي (المحرر) بقوله ﷺ : (من أحيا أرضًا ميتة .. فهي له) وهو في (الترمذي) [١٣٧٨] و (أبي داوود) [٣٠٦٨] و (النسائي) [سك٥٧٣٠] من رواية سعيد بن زيد بإسناد حسن. والإجماع منعقد على جوازه في الجملة. وقال في (المهذب): إن الإحياء مستحب، ووافقه المصنف عليه؛ لما روى ابن حبان [٥٢٠٥] والنسائي [٥٧٢٤] عن جابر: أن رسول الله ﷺ قال: (من أحيا أرضًا ميتة .. له فيها أجر، وما أكلت العوافي منها .. فهو له صدقة). و (العوافي): طلب الرزق من طير أو وحش أو غيرهما. و (الموات) عندنا: ما لم يكن عامراً ولا حريماً لعامر قرب من العامر أو بعد، وهو طارئ وأصلي، فالطارئ: ما خرب بعد عمارته، والأصلي: ما لم يعمر قط. قال: (الأرض التي لم تعمر قط إن كانت ببلاد الإسلام .. فللمسلم تملكها بالإحياء)؛ لقوله ﷺ : (العباد عباد الله، والبلاد بلاد الله، فمن

стр. 2429

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحيا شيئاً من موات الأرض .. فهو له) رواه أبو داوود [٣٠٧١] والطيالسي [١٤٤٠] من رواية عائشة. وسواء أذن الإمام في ذلك أم لا، لكن يستحب استئذانه خروجاً من الخلاف. وقال الجوري: كان موات الأرض ملكاً لرسول الله ﷺ ، ثم رده على أمته. واشترط أبو حنيفة إذن الإمام، وبه قال مالك في القريب من العمران، وخالفهما أبو يوسف ومحمد- وهو الحق- اكتفاء بإذن إمام الأئمة شفيع الأمة، فقد أذن ﷺ وإذنه عام؛ لأنه إذن عن الله تعالى فهو نافذ على جميع الخلق إلى يوم القيامة، ولو كان إذناً لأهل عصره .. لعين المأذون له فيه والبقعة؛ لأن عند أبي حنيفة أن الإمام إنما يأذن في معين، فأما أن يأذن لأهل عصره في جميع الموات .. فلا، وهذا ما لم يتعلق به حق، فلو حمى الإمام قطعة من الموات فجاء شخص وأحياها .. لا يملكها إلا بإذن الإمام على الأصح؛ لما فيه من الاعتراض على الأئمة. ثم لا يشترط في عدم العمارة التحقق، بل تكفي غلبة الظن بأن لا يرى أثرها ولا ما يدل عليها من أصول شجر ونهر وجدار. وتعبيره بـ (التملك) يفهم اشتراط التكليف؛ لأن الصبي والمجنون يملكان ولا يتملكان، والمذهب أنه يستوي في التملك بالإحياء البالغ والصبي والعاقل والمجنون. ودخل في إطلاق المصنف سواد العراق؛ فإن وقف عمر مختص بعامره. وحكي عن أحمد أنه قال: ليس في السواد موات، فقيل: أراد العامر، وقيل: لأن السواد كله كان معموراً حين أخذه المسلمون. والملك في اللغة: القوة، وفي الشرع: ليس أمراً حقيقياً قائماً بالمملوك، إنما هو مقدر فيه، وهو: إباحة الانتفاع بالمملوك والتصرف فيه. و (قط) معناها الزمان الماضي، والمشهور فيها فتح القاف وضم الطاء المشددة، ومنهم من يضم القاف، ومنهم من يخفف فيها.

стр. 2430

وَلَيْسَ هُوَ لِذِمِّيٍّ، وَإِنْ كَانَتْ بِبِلاَدِ الْكُفَّارِ .. فَلَهُمْ إِحْيَاؤُهَا، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ إِنْ كَانَتْ مِمَّا لاَ يَذُبُّونَ الْمُسْلِمِينَ عَنْهَا ــ قال: (وليس هو لذمي) فلا يحيي في بلاد الإسلام لا بإذن الإمام ولا بغير إذنه، وإن أذن له .. لم يصح إذنه، ولو أحيا .. لم يملكه؛ لأنه استعلاء وليس له أن يستعلي في دار الإسلام. واحتج بعض الأصحاب بقوله ﷺ : (عادي الأرض لله ولرسوله، ثم هي لكم مني) رواه الشافعي [أم٤/ ٤٥] وسعيد بن منصور في (سننه)، والبيهقي [٦/ ١٤٣] عن طاووس مرسلاً، وأما ما زاده البغوي والرافعي من قوله: أيها المسلمون .. فلا يعرف. والعادي: نسبة إلى عاد وثمود ومن بعدهم من الأمم، وكل قديم ينسبونه إلى عاد وإن لم يدركهم. وخالف الأئمة الثلاثة وأبو طاهر الزيادي فقالوا: يجوز بإذن الإمام؛ لأنه موضع اجتهاد. وعلم من امتناع الذمي منع الحربي والمعاهد من باب أولى. أما الاحتطاب والاحتشاش والاصطياد .. فجائز للذمي والمستأمن في دار الإسلام، وليس ذلك للحربي. وللذمي نقل التراب من موات دار الإسلام إذا لم يتضرر به المسلمون ويملكه، والفرق بينه وبين إحيائه الأرض: أن الإحياء يصير به مالكاً لأصل دار الإسلام وبنقل التراب لا يصير. قال: (وإن كانت ببلاد الكفار .. فلهم إحياؤها)؛ لأنه من حقوق دارهم، وليس فيه ضرر على المسلمين. قال: (وكذا لمسلم إن كانت مما لا يذبون المسلمين عنها) أي: يدفعونهم؛ لأنها كموات دار الإسلام، فإن ذبوهم عنها .. لم يملكها المسلم بالإحياء كالمعمور من بلادهم. وقال الإمام والغزالي وأبو الطيب: يملك المسلم بذلك، واختاره الشيخ، ويظهر

стр. 2431

وَمَا كَانَ مَعْمُوراً .. فَلِمَالِكِهِ، فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ وَالْعِمَارَةُ إِسْلاَمِيَّةٌ .. فَمَالٌ ضَائِعٌ، فَإِنْ كَانَتْ جَاهِلِيَّةَ .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُمْلَكُ بِالإِحْيِاءِ. ــ أن محل ذلك في أرض صولحوا على أنها لهم، أو في أرض الهدنة، وإلا .. فدار الحرب معمورها يملك بالاستيلاء، ومواتها بالاستيلاء يصير كالمتحجر فكيف لا يملك بالإحياء؟ قال: (وما كان معموراً .. فلمالكه) سواء كان في بلاد الإسلام أو الكفر، لأن الإحياء لأحداث الملك وهي مملوكة. وعبارة المصنف تشمل ما كان معموراً في الحال وما كان معموراً في الزمن السالف ثم اندرس، واستثنى في (الكفاية) منها- تبعاً للماوردي- ما أعرض عنه الكفار قبل القدرة فيملك بالإحياء. قال: (فإن لم يعرف) أي: المالك (والعمارة الإسلامية .. فمال ضائع)؛ لأنه لمسلم أو ذمي، وأمره إلى رأي الإمام فيحفظها لمالكها أو يبيعها ويحفظ ثمنها، أو يقترضه لبيت المال. وعبارة (الروضة): حكمه حكم المال الضائع، وظاهره: أنه لا يجوز للإمام إقطاعه؛ فإن المال الضائع لا يقطع، لكن في (الكفاية): الأصح في (البحر): جواز إقطاعه، وفيها وفي (الحاوي) وجهان. قال: (فإن كانت جاهلية .. فالأظهر: أنه يملك بالإحياء) كالركاز. والثاني: المنع؛ لأنه ليس بموات.

стр. 2432

وَلاَ يُمْلَكُ بِالإِحْيَاءِ حَرِيمُ الْمَعْمُورِ، وَهُوَ مَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ لِتَمَامِ الاِنْتِفَاعِ. فَحَرِيمُ الْقَرْيَةِ: ــ وقال الشيخ أبو حامد وأتباعه: إنه المذهب، وتابعه ابن الرفعة، ولعلهم يجعلونه فيئا، وأما الرافعي والمصنف .. فتابعا البغوي وعمما الخلاف، وحكى جماعة الخلاف وجهين وهو الأقرب. قال: (ولا يملك بالإحياء حريم المعمور)؛ لأن مالك المعمور يستحق مرافقه، وله يملكه صاحب العمارة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأن الملك بالإحياء ولم يحيها. وأصحهما: نعم كما يملك عرصة الدار تبعًا للدار. قال: (وهو ما تمس الحاجة إليه لتمام الانتفاع) كالطريق ومسيل الماء ونحوهما، ويختلف ذلك باختلاف الأمكنة والأبنية؛ لأن مالك المعمور يستحق الانتفاع بحريمه. وسمي حريمًا؛ لأنه حرم على غير من له اختصاص به أن ينتفع به، وحرم منع صاحبه منه، وهل يملك الحريم؟ وجهان: الأصح: نعم كما يملك عرصة الدار، لكن لا يملك بيعه منفردًا. ولا يمنع من الإحياء ما وراء الحريم قرب أم بعد؛ لما روى الدارقطني وابن سعد [٣/ ١٥٢] وغيرهما: (أن النبي ﷺ أقطع ابن مسعود الدور لما قدم المدينة) وهي بين ظهراني عمارة الأنصار من المنازل والنخل. روى البيهقي [٦/ ١٤٥] والشافعي مرسلاً [شم ١/ ٣٨١]: (أن النبي ﷺ أقطع الدور) فيقال: إن الدور اسم موضع، ويقال: أقطع تلك البقعة لتتخذ دورًا. قال: (فحريم القرية: النادي) وهو مجتمع القوم للحديث، ولا يسمى المجلس ناديًا إلا والقوم فيه، ويقال لأهل المجلس أيضًا: النادي، ولهذا عبر في (الشرحين) و (الروضة) و (المحرر) بـ (مجتمع النادي) وما أحسن ما أنشد بعض الشعراء لما أتى بجمال الدين الأصفهاني الجواد من بلاده ميتًا إلى مدينة النبي ﷺ وصلى عليه بالحجرة الشريفة [من الطويل]:

стр. 2433

النَّادِي، وَمُرْتَكَضُ الْخَيْلِ، وَمُنَاخُ الإِبِلِ، وَمَطْرَحُ الرَّمَادِ وَنَحْوُهَا، وَحَريمُ الْبِئْرِ فِي الْمَوَاتِ: مَوْقِفُ النَّازِحِ، وَالْحَوْضُ وَالدُّولاَبُ، وَمُجْتَمَعُ الْمَاءِ، وَمُتَرَدَّدُ الدَّابَّةِ، ــ سرى نعشه فوق الرقاب وطالما .... سرى جوده فوق الركاب ونائله يمر على الوادي فتثني رماله .... عليه وبالنادي فتبكي أرامله قال: (ومرتكض الخيل) وهو مكان سوقها، وقيده ابن الرفعة والقمولي تبعًا للإمام بما إذا كانوا خيالة. قال: (ومناخ الإبل) وهو بضم الميم كما ضبطه المصنف بخطه: الموضع الذي تناخ فيه. قال: (ومطرح الرماد ونحوها) كالسماد والقمامات ومراح الغنم وملعب الصبيان وسائر ما يعد من المرافق عرفاً، أما مرعى البهائم .. فقال الإمام: إن بعد .. لم يكن حريمًا، وأما القريب المستقل .. فينبغي أن يقطع بأنه حريم، وقال البغوي: المرعى: حريم قطعًا، واختاره الشيخ. قال: (وحريم البئر في الموات: موقف النازح) وهو القائم عليها للاستقاء بيده، واحترز بذلك عن المحفورة في ملكه، والمعتبر في ذلك العرف. واعتبر قوم قدر عمقها فإن كان عشرة أذرع .. فحريمها عشرة أذرع، وإن كان ألف ذراع .. فألف ذراع من كل جانب. قال: (والحوض، والدولاب، ومجتمع الماء، ومتردد الدابة) لتوقف الانتفاع بالبئر على هذه الأشياء، وأهمل المصنف سادسًا- ذكره الرافعي- وهو: الموضع الذي يطرح فيه ما يخرج من الحوض.

стр. 2434

وَحَرِيمُ الدَّارِ فِي الْمَوَاتِ: مَطْرَحُ رَمَادٍ وَكُنَاسَةٍ وَثَلْجٍ، وَمَمَرٌّ فِي صَوْبِ الْبَابِ، وَحَرِيمُ آبَارِ الْقَنَاةِ: مَا لَوْ حُفِرَ فِيهِ نَقَصَ مَاؤُهَا أَوْ خِيفَ الاِنْهِيَارُ. ــ فإن قيل: الحوض ومجتمع الماء واحد فكيف غاير المصنف بينهما .. فالجواب أن الماء قد يجتمع في حوض وفي غيره. ومراده بـ (الدولاب) موضعه. وما أطلقه في موضع الدولاب و (متردد البهيمة) مقيد بما إذا كان الاستقاء بهما، وكان ذلك فيما المقصود منه السقي، أما ما يتخذ للشرب فقط .. فالمعتبر فيه موضع وقوف المستقي. و (الدولاب) فارسي معرب، قال ابن سيده: هو على شكل الناعورة، وضم داله أشهر من فتحها، ولم يحك في (العباب) سوى الفتح. قال: (وحريم الدار في الموات: مطروح رماد وكناسة وثلج، وممر في صوب الباب) أي: جهته؛ لأن العرف قاض بذلك وقوله (ممر) مرفوع. ومراده بـ (صوب الباب): جهته، وليس المراد امتداده طويلا قبالته، بل يجوز لغيره إحياء ما قبالته، إذا بقي له ممر وإن احتاج إلى انعطاف وازورار. ونص الشافعي والأكثرون على أن من حريم الدار فناءها، وجعل الغزالي من الحريم مصب ماء الميزاب. قال: (وحريم آبار القناة: ما لو حفر فيه نقص ماؤها أو خيف الانهيار) أي: السقوط، ويختلف ذلك باختلاف رخاوة الأرض وصلابتها، ولا يحتاج إلى موقف نازح ولا شيء مما تقدم في بئر الاستقاء، وفي وجه: حريمها حريم البئر التي يستقى منها وإليه ذهب العراقيون وأبو حامد وأصحابه، وقال الماوردي: إنه مذهب الشافعي وأبي حنيفة خلافاً لمالك، وما جعله المصنف حريمًا هو بالنسبة إلى حفر الآبار لا مطلقًا؛ فإنه يجوز لغيره أن يبني في الحريم المذكور. ومحل ما ذكره في البئر المحياة، أما المملوكة .. فلا يمنع من حفرها وإن نقص غيرها.

стр. 2435

وَالدَّارُ الْمَحْفُوفَةُ بِدُورٍ لاَ حَرِيمَ لَهَا، وَيَتَصَرَّفُ كُلُّ وَاحِدً فِي مِلْكِهِ عَلَى الْعَادَةِ، فَإِنْ تَعَدَّى .. ضَمِنَ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَّخِذَ دَارَهُ الْمَحْفُوفَةَ بِمَسَاكِنَ حَمَّامًا وَإِصْطَبْلاً، وَحَانُوتَهُ فِي الْبَزَّازِينَ حَانُوتَ حَدَّادٍ إِذَا احْتَاطَ وَأَحْكَمَ الْجُدْرَانَ. ــ وضبط المصنف (أبآر) بالهمز على الأصل، ويجوز ترك الهمز على الإبدال أيضاً، وجمع البئر قلة كذلك، وعلى الكثرة بئار. قال: (والدار المحفوفة بدور لا حريم لها)؛ إذ لا أولوية لبعضها على بعض. وقوله: (المحفوفة) ليس بقيد، بل غير المحفوفة كذلك إذا كانت في طريق نافذ؛ لأنه لعامة المسلمين، بخلاف ما لو كانت في غير نافذ، قاله الرافعي في (باب الأصول والثمار). قال: (ويتصرف كل واحد في ملكه على العادة) ولو أدى إلى ضرر جاره أو أدى إلى تلف كما إذا حفر بئرًا في داره فتلف بها بئر جاره، ولو عمل بئر حش أو بالوعة .. جاز خلافاً للقفال. قال: (فإن تعدى .. ضمن)؛ لقوله ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام). قال: (والأصح: أنه يجوز أن يتخذ داره المحفوفة بمساكن حمامًا وإصطبلًا، وحانوته في البزازين حانوت حداد إذا احتاط وأحكم الجدران)؛ لأنه يتصرف في خالص ملكه فلا يعترض عليه، فلو عمل ملكه مخبزة أو مدبغة .. فأولى بالجواز؛ لأن التأذي إنما هو بالرائحة والدخان. وحاصله: منع ما يضر الملك دون المالك، فإن فعل ما الغالب منه ظهور الخلل في جدار جاره .. فالأصح المنع كما إذا دق في داره دقاً عنيفًا يزعج الأبنية، أو حبس الماء في ملكه بحيث تنتشر النداوة إلى جدار جاره.

стр. 2436

وَيَجُوزُ إِحْيَاءُ مَوَاتِ الْحَرَمِ دُونَ عَرَفَاتٍ فِي الأَصَحِّ. ــ والوجه الثاني في أصل المسألة: عدم الجواز؛ لما فيه من الضرر، واختار الروياني في الجميع أن الحاكم يجتهد ويمنع ما يظهر فيه قصد التعنت، ومنه إطالة البناء ومنع الشمس والقمر، وأعلى الجدار كأسفله. واختار ابن الصباغ وابن الصلاح وابن رزين والفارقي أنه يمنع من كل مؤذ لم تجر العادة به مطلقًا، وهو مذهب أحمد. وقال في (البحر): لو كان دق القصار يمنع ثبوت الحمام في البرج .. لم يمنع. و (الحانوت) يذكر ويؤنث وهو: الدكان، وجمع في (الوجيز) بينهما، والصواب حذف أحدهما، وهل نونه أصلية أو زائدة؟ قولان. قال: (ويجوز إحياء موات الحرم) كما يجوز تملك معموره بالبيع والهبة، ومن يقول: لا تباع دور مكة .. ينبغي أن يقول: لا يحيى مواتها، ومن يقول: إنها فتحت عنوة أو صلحاً .. يأتي فيه ما تقدم. واختار الشيخ في كل موات أنه يجوز لكل مسلم إحياؤه لعموم إذن رسول الله ﷺ ، وبالجملة موات مكة لا يكره إحياؤه وإن كره بيع دورها؛ لأن عمارتها مطلوبة. قال: (دون عرفات في الأصح)؛ لتعلق حق الوقوف بها للخاصة والعامة، فكانت كالمساجد والطرق. والثاني: يجوز مطلقاً وإن ضيق، ويبقى حق الوقوف في الدور، ويكون التملك بالإحياء كبيع الدار المستأجرة. والوجه الثالث: إن ضيق .. امتنع، وإلا .. فلا وهو الراجح في (الوجيز)، ونسبه الإمام إلى القياسين. وموضع الخلاف في إحياء بعضها كما فرضه الإمام، واقتضى كلامه امتناع إحياء الجميع بالاتفاق. ولو قال المصنف: ولا يجوز في عرفات في الأصح .. كان أحسن؛ لئلا يتوهم

стр. 2437

قُلْتُ: وَمُزْدَلِفَةُ وَمِنَىً كَعَرَفَاٍ، وَالله أَعْلَمُ. وَيَخْتَلِفُ الإِحْيَاءُ بِحَسَبِ الْغَرَضِ؛ فَإِنْ أَرَادَ: مَسْكَناً .. اشْتُرِطَ تَحْوِيطُ الْبُقْعَةِ وَسَقْفُ بَعْضِهَا وَتَعْلِيقُ بَابٍ، وَفِي الْبَابِ وَجْهٌ. ــ أن عرفات مستثناة من الحرم وأن الخلاف فيهما، وعرفات من الحل قطعاً والخلاف مختص بها. قال: (قلت: ومزدلفة ومنى كعرفات والله أعلم) فلا تحيى أرضها للمعنى المذكور ولما روى الحاكم [١/ ٤٦٦] وأبو داوود [٢٠١٢] والترمذي [٨٨١] عن عائشة أنها قالت: قيل لرسول الله ﷺ : ألا نبني لك بمنى بيتًا يظلك؟ فقال: (لا، منى مناخ من سبق). ومنع الإحياء ثابت وإن قلنا باستحباب المبيت بها؛ لكونه مطلوبًا، لكن لا يظهر أن يلحق بذلك المحصب. قال: (ويختلف الإحياء بحسب الغرض) والمرجع في جميع ذلك إلى العرف؛ لأن الشارع أطلقه، ولا حد له فيه ولا في اللغة فكان كالقبض والحرز. قال: (فإن أراد مسكنًا .. اشترط تحويط البقعة) بما جرت العادة به في ذلك المكان من لبن أو طين أو حجر أو خشب؛ لما روى أبو داوود [٣٠٧٢] عن سمرة: أن النبي ﷺ قال: (من أحاط حائطاً على أرض .. فهي له). قال: (وسقف بعضها) ليتهيأ للسكنى، ولأن اسم الدار حينئذ يقع عليه، وقيل: لا يشترط. و (السقف) جمعه سقوف وسقف مثل رهن ورهن، تقول: سقف البيت أسقفه سقفًا. قال: (وتعليق باب)؛ لأن العادة جارية بذلك. قال: (وفي الباب وجه)؛ لأن فقده لا يمنع السكنى، وإنما ينصب لحفظ

стр. 2438

أَوْ زَرِيبَةَ دَوَابَّ .. فَتَحْوِيطٌ لاَ سَقْفٌ، وَفِي الْبَابِ الْخِلاَفُ. أَوْ مَزْرَعَةً .. فَجَمْعُ التُّرَابِ حَوْلَهَا وَتَسْوِيَةُ الأَرْضَ ــ المتاع، واقتصاره على حكاية الخلاف فيه فيه نظر؛ لأن الخلاف في السقف أيضا؛ فلو قال: وفيهما وجه .. كان أولى. ولا تشترط السكنى جزمًا وقال المحاملي: يشترط الإيواء. قال: (أو زريبة دواب .. فتحويط لا سقف) ولا يشترط أن يكون تحويطها كتحويط الدار، بل يكفي دون ذلك، وتشترط فيه التعلية بحيث يمنع الطارق وفرار البهائم. ولا يكفي نصب سعف وأحجار من غير بناء؛ لأن العادة لا تقضي بالتملك بذلك، وإنما يفعله المجتاز. ولو حذف المصنف لفظة (دواب) .. كان أولى؛ لأن زريبة الحطب وتجفيف الثمرة كذلك. قال: (وفي الباب الخلاف) أي: السابق في المسكن، وهنا أولى بالمنع كما قاله في (الذخائر)؛ لأن الحارس أو الراعي يقعد بباب الحظيرة بخلاف الدور، وشرط صاحب (الإيضاح) أن يجعل على الحيطان شوكاً. قال: (أو مزرعة .. فجمع التراب حولها)؛ لينفصل المحمي عن غيره، وفي معناه نصب قصب أو حجر أو شوك. قال: (وتسوية الأرض)؛ لأن العادة قاضية بذلك. و (المزرعة) مثلثة الراء، والأفصح فتحها، ولم يحك المصنف في تحريره الكسر. والمراد بـ (تسوية الأرض) طم المنخفض وكسح العالي، وحراثتها إن لم تزرع إلا به لتتهيأ للزرع، وذلك يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة.

стр. 2439

وَتَرْتِبُ الْمَاءِ لَهَا إِنْ لَمْ يَكْفِهَا الْمَطَرُ، لاَ الزِّرَاعَةُ فِي الأَصَحِّ. أَوْ بُسْتَانًا .. فَجَمْعُ التُّرَابِ وَالتَّحْوِيطُ حَيْثُ جَرَتِ الْعَادُ وَتَهْيِئَةُ مَاءٍ، وَيُشْتَرَطُ الْغَرْسُ عَلَى الْمَذْهَبِ. ــ قال: (وترتيب الماء لها إن لم يكفها المطر) وذلك بحفر بئر أو إجراء قناة، ويستثنى من اعتبار هذا الشرط أرض الجبال التي لا يمكن سوق الماء إليه ولا يكفيها المطر، فإنها تملك بالحراثة وجمع التراب بأطرافها، وقال صاحب (التقريب) والقفال: لا مدخل للإحياء فيها، وكذلك أرض البطاح وهي: ناحية بالعراق غلب عليها الماء .. فيشترط في إحيائها حبس الماء عنها كما أن إحياء اليابس بسوق الماء إليه. قال: (لا الزراعة في الأصح)؛ لأنها استيفاء منفعة الأرض وهو خارج عن الإحياء، ولهذا لا تعتبر في إحياء الدار سكناها. والثاني: تشترط؛ لأن الدار لا تصير محياة حتى يصير فيها عين مال المحيي فكذلك المزرعة، ولا خلاف أن الحصاد لا يشترط. قال: (أو بستاناً .. فجمع التراب) كالمزرعة، وحكم الكرم حكم البستان، وليس المراد جمعه حوله كما توهمه عبارته، بل تهيئة أرض البستان وإصلاحه كما قاله الروياني وغيره. قال: (والتحويط حيث جرت العادة به) بقصب أو شوك أو بناء عملاً بها، ورجوعًا إلى عادة ذلك المكان. قال: (وتهيئة ماء) كما سبق في المزرعة. قال: (ويشترط الغرس على المذهب) بخلاف المزرعة، فإن الأرض للزراعة تحصل عمارتها بالحرث وإن لم تزرع وعمارة البستان بالغراس، ولأن الغراس للدوام فالتحق ببناء الدار، أما من اعتبر الزرع في المزرعة .. فيعتبر الغرس هنا من باب أولى. ولا يشترط غرس جميعها، بل يكفي غرس بعض الأرض كما صححه الإمام.

стр. 2440

وَمَنْ شَرَعَ فِي عَمَلِ إِحْيَاءٍ وَلَمْ يُتِمَّةُ، أَوْ أَعْلَمَ عَلَى بُقْعَةٍ بِنَصْبِ أَحْجَارٍ أَوْ غَرَزَ خَشَبًا .. فَمُتَحَجِّرٌ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ- لَكنِ الأَصَحُّ: أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ، ــ ولا يشترط أن يثمر الغرس، وقال البالسي: رأيت في بعض التعاليق أن في اشتراط ذلك خلافًا. والثاني: لا يشترط الغرس كالزراعة. قال: (ومن شرع في عمل إحياء ولم يتمه، أو أعلم على بقعة بنصب أحجار أو غرز خشبًا .. فمتحجر، وهو أحق به)؛ لقوله ﷺ : (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم .. فهو له) رواه أبو داوود [٣٠٦٦] ولم يضعفه، وهذه الأحقية أحقية اختصاص لا ملك على الأصح، ولها شرطان: أن لا يزيد على قدر كفايته. وأن يقدر على إكماله. فإن فقدا أو أحدهما .. امتنعت الأحقية. قال: (لكن الأصح: أنه لا يصح بيعه)؛ لأن حق التملك لا يباع كحق الشفيع. والثاني- وبه قال أبو إسحاق-: يصح بيعه مع موافقته على عدم الملك وكأنه بيع اختصاص كبيع علو البيت للبناء والسكنى دون سفله. وإذا قلنا بهذا .. فالبيع حينئذ حق اختصاص فيصير المشتري كالبائع، فمن بادر وأحياه .. ملكه في الأصح، ولا يسقط الثمن عن المشتري في الأصح عن المصنف؛ لحصول التلف بعد القبض. ولو أحياه المشتري قبل الحكم بفسخ البيع .. فالأصح عند المصنف: أنه له، وقيل: للبائع. تنبيهان: أحدهما: عبارة جماعة- منهم الرافعي-: أنه لا يجوز بيع الأرض المحتجزة، وهو صريح في إيراد العقد على الأرض، وعبارة الإمام والغزالي: أنه لا يجوز بيع حق

стр. 2441

وَأَنَّهُ لَوْ أَحْيَاهُ آخَرُ مَلَكَهُ- وَلَوْ طَالَتْ مُدَّةُ التَّحَجُّرِ .. قَالَ لَهُ السُّلْطَانُ: أَحْيِ أَوِ اتْرُكْ، فَإِنِ اسْتَمْهَلَ .. أُمْهِلَ مُدَّةً قَريِبَةٍ ــ التحجر، وهو صريح في إيراد البيع على حق التملك لا الأرض. الثاني: لو ولاه المتحجر غيره .. صح وصار الثاني أحق به بلا خلاف، قال الماوردي: وليست هبة، بل هي تولية وإيثار، وإذا باعه- وقلنا بالفساد- فهل يكون ذلك إيثارًا ضمنيًا أو لا؟ قال الشيخ: الظاهر المنع؛ لأن البيع الفاسد لا أثر له ولا للتسليم. قال: (وأنه لو أحياه آخر ملكه)؛ لأنه حقق الملك وإن كان ظالماً كما لو اشترى على سوم أخيه أو خطب على خطبته، وهذا معطوف على (الأصح) ولا خلاف أنه حرام، وتقابله أوجه: قيل: لا يملك لئلا يبطل حق غيره، قال الإمام: وهو أقيس، واختاره القفال. وقيل: إن انضم إليه إقطاع .. لا يملك المبتدر، وإلا .. ملك. وقيل: إن أخذ المتحجر في العمارة .. لم يملك المبادر، وإن اقتصر على التحويط .. ملك. وشبهوا المسألة بالخلاف فيما إذا عشش الطائر في ملكه وأخذ الفرخ غيره هل يملكه؟ قال في (الروضة): الأصح: نعم، وكذا لو توحل طير في أرضه ونحو ذلك. قال: (ولو طالت مدة التحجر .. قال له السلطان: أحي أو اترك)؛ لأن في ترك العمرة ضرراً بدار المسلمين فمنع منه، ولأن فيه نوعاً من الحمى وقال ﵊: (لا حمى إلا لله ولرسوله) والقائل له ذلك هو الإمام أو نائبه، ويعرف الطول بالعرف. قال: (فإن استمهل .. أمهل مدة قريبة) رفقاً به ودفعاً لضرر غيره، وقيده

стр. 2442

وَلَوْ أَقْطَعَهُ الإِمَامُ مَوَاتاً .. صَارَ أَحَقَّ بِإِحْيَائِهِ كَالْمُتْحَجِّرِ. ــ الماوردي بما إذا أبدى عذرًا من غيبة صناع أو تعذر آلة أو نحوها، وهذه المدة مرجعها إلى رأي الإمام، والأصح أنها لا تتقيد بثلاثة أيام، وقدرها أو حامد من عشرة أيام إلى شهرين لا ما زاد. وفي وجه رابع: أنها مدة تتهيأ فيها أسباب العمارة قاله القاضي أبو الطيب والإمام. وقدرها أبو حنيفة بثلاث سنين استدلالاً بأثر ورد في ذلك عن عمر. قال الشيخ: وينبغي إذا علم الإمام أنه لا عذر له فيها، أو علم منه الإعراض أن ينتزعها منه في الحال. ولو مات المتحجر .. قام وارثه مقامه، أو جن .. قام وليه مقامه في إحيائها له إن رآه، فإن أحياها لنفسه .. فحكمه حكم المتغلب قاله الروياني. قال: (ولو أقطعه الإمام مواتًا .. صار أحق بإحيائه كالمتحجر) لظهور فائدة الإقطاع؛ فقد أقطع النبي ﷺ أرضًا للزبير كما رواه الشيخان [خ٣١٥١ - م٢١٨٢] من حديث أسماء، وأقطع وائل بن حجر أرضًا بحضر موت، رواه الترمذي [١٣٨١]. وفي (أبي داوود) [٣٠٥٥] بإسناد جيد: عن عمرو بن حريث قال: (انطلق بي أبي إلى رسول الله ﷺ وأنا غلام شاب، فدعا لي بالبركة ومسح رأسي، وخط لي دارًا بالمدينة بقوسي ثم قال: ألا أزيدك) فاشتمل الحديث على مكارم الأخلاق وجواز إقطاع الصبي، والإقطاع بالمدينة والإحياء بها، وقد تقدم: (أن النبي ﷺ أقطع الدور من المدينة)، لكن ابن الأثير ذكر في (النهاية) [٤/ ٨٢] عن بعضهم أنه كان يتأول إقطاع المهاجرين الدور على معنى العارية، أي: أنزلهم دور الأنصار، والشافعي أعلم من ابن الأثير بذلك.

стр. 2443

وَلاَ يُقْطِعُ إِلاَّ قَادِراً عَلَى الإِحْيَاءِ، وَقَدْرًا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَكَذَا الْمُتَحَجِّرُ ــ فائدة: قد يقول من لا خبرة له: إن التمليك يحتاج إلى تقدم ملك، وجوابه: أن التمليك في هذا الباب من جهة الله، فهو حاصل للنبي ﷺ في كل ما فتح من الأرض وفيما لم يفتح؛ لأن ملك الله تعالى عليها كلها وملك رسول الله ﷺ مستفاد منه. وقد ورد: أنه ﷺ أعطى تميمًا الداري قرية عينون التي بالشام قبل أن تفتح الشام- وممن ذكر ذلك من الفقهاء الماوردي، ومن المحدثين ابن سعد [٧/ ٤٠٨]- وأعطى أبا ثعلبة الخشني أيضًا شيئا من بلاده قبل أن تفتح، والذي أعطاه لتميم الداري باق بيد أهله إلى اليوم، وأراد بعض الولاة التشويش عليهم، وساعده بعض من لا بصيرة له، فأفتى الغزالي بكفره وقال: النبي ﷺ كان يقطع الجنة فكيف لا يقطع الدنيا؟ قال الشيخ: ووقعت لي هذه القضية وأنا بدمشق، فأقررت أهل تميم الداري عليها. وقال الشافعي: يجب على الإمام الإقطاع إذ طلب منه؛ لقوله ﷺ لما أقطع ابن مسعود: (إن الله لا يقدس أمة لا يؤخذ لضعيفها من قويها) وقصة العباس مع عمر في الإقطاع شهيرة رواها البيهقي وغيره. قال: (ولا يقطع إلا قادراً على الإحياء، وقدراً يقدر عليه)؛ لأنه ينظر بالمصلحة. قال: (وكذا المتحجر) لا يتحجر إلا ما يحتاج إليه ويقدر عليه، فإن زاد .. كان لغيره أن يحيي الزائد. والإقطاع قسمان: إقطاع تملك وهو: الموات ليحييه فيملكه، وإقطاع إرفاق كمقاعد الأسواق.

стр. 2444

وَالأَظْهَرُ: أَنَّ لِلإِمَامِ أَنْ يَحْمِيَ بُقْعَةَ مَوَاتٍ لِرَغْيِ نَعَمِ جِزْيَةٍ وَصَدَقَةٍ وَضَالَّةٍ وَضَعِيفٍ عَنِ النُّجْعَةِ، ــ والإقطاعات المعروفة في هذا الزمان للأمراء والأجناد من أرض عامرة لتكون لهم منافعها بالاستعمال وغيره ليس له ذكر في كلام الفقهاء. قال الشيخ: وتسميته إقطاعًا مخالف لقولهم: إن الإقطاع إنما يكون في الموات، وكذلك الرزق التي يعطيها الإمام للفقهاء وغيرهم كذلك. ومن فوائد النظر في ذلك: أنه لو تعدى شخص على المختص بها وزرعها، هل تلزمه أجرة المثل له لأنه ملك منفعتها بالإقطاع، أو لا لأنه كالمتحجر وهي باقية على اشتراك المسلمين؟ فيه نظر، لكن القاضي عياض نص على اختصاصها بالمقطع، ويؤيد ذلك ما تقدم من فتوى المصنف بصحة إيجارها. فرع: لو تحجر على أن يعمر بعد سنة ونحوها .. قال في (الوسيط): لا يجوز، وكان لغيره أن يحييه بغير إذن الإمام. قال: (والأظهر: أن للإمام أن يحمي بقعة موات لرعي نعم جزية وصدقة وضالة وضعيف عن النعجة) وهي: الذهب لطلب الرعي وغيره، وهي بضم النون. ومعناه: أن يمنع سائر الناس منها؛ لأن النبي ﷺ حمى النقيع- بالنون- لخيل المسلمين، رواه ابن حبان [٤٦٨٣]. وحمى أبو بكر الصديق وحمى عمر السرف والربذة، رواه البخاري [٢٣٧٠]، وكان له غلام على الحمى اسمه هني، ولما استعمله .. قال له: يا هني اضمم جناحك للناس، واتق دعوة المظلوم؛ فإنها مجابة، وأدخل رب الصريمة والغنيمة، وإياك ونعم ابن عفان وابن عوف؛ فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى نخل وزرع، وإن رب الغنيمة يأتني بعياله يقول: يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين؛ أفتاركهم أنا لا أبا لك، الكلأ أهون علي من الدينار والدرهم، وأيم الله! لولا المال الذي أحمل عليه في

стр. 2445

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سبيل الله .. ما حميت على المسلمين في بلادهم شبراً [خ٣٠٥٩]. و (الصريمة): الإبل القليلة، و (الغنيمة): الغنم القليلة. وإنما يجوز ذلك إذا لم يضر بالمسلمين، فإن أضر .. لم يجز قطعاً. والقول الثاني: لا يحمي؛ لقوله ﷺ : (لا حمى إلا الله ورسوله) رواه البخاري [٢٣٧٠] من حديث الصعب بن جثامة. وأجاب الأول بأن معناه لا يحمي، إلا أن يقصد به وجه الله كفعله ﷺ لا كفعل الجاهلية؛ فإن العزيز منهم كان يصعد على نشز من الأرض ويستنبح كلباً، فحيث انتهى صوت الكلب من كل ناحية .. كان حمى لنفسه يمنعه من غيره، ويشارك هو غيره في غيره، فنهوا عن ذلك. يقال: حميت المكان منعته، وأحميته جعلته حمى، فيجوز أن يقرأ ما في الكتاب بفتح الياء ثلاثيًا، وبضمها رباعياً، والفتح أشهر. واحترز بـ (الإمام) عن آحاد الرعية، فليس لهم الحمى قطعاً. والمراد بـ (الإمام) الخليفة، فليس للأمير ولا لوالي الإقليم أن يحمي إلا بإذن الإمام كذا صرح به الماوردي والروياني، وألحق الفوراني الولاة بالخليفة، ووافقه الرافعي فرجح لهم الجواز، ثم مما يحمى له خيل المجاهدين، بل هي أحق به من غيرها. والمراد بـ (نعم الجزية): ما يؤخذ بدلاً عن الذهب والفضة، وبـ (نعم الصدقة): ما يفضل عن سهمان أهل الصدقات فيعاد على أهلها، أو رعيها في زمن انتظار قسمتها عليهم لعدم حضور بعضهم. أما الماء العد .. فيحرم على الإمام أن يحميه لشرب خيل الجهاد وإبل الصدقة وغيرها بلا خلاف.

стр. 2446

وَأَنَّ لَهُ نَقْضَ مَا حَمَاهُ لِلْحَاجَةِ، وَلاَ يَحْمِي لِنَفْسِهِ ــ وهل يجوز لعامل الصدقة أن يحمي موضعًا لرعيها إذا لم يضر بأهل البلد؟ فيه قولان. ويحرم على الإمام وغيره من الولاة أن يأخذ من أصحاب المواشي عوضًا عن الرعي في الحمى أو الموات بلا خلاف. قال: (وأن له نقض ما حماه للحاجة) رعاية للمصلحة، وليس ذلك من نقض الاجتهاد بالاجتهاد. والثاني: لا؛ لتعينه لتلك الجهة كالمسجد والمقبرة، أما حمى النبي ﷺ .. فلا ينقض بحال؛ لأنه نص لا ينقض ولا يغير، وألحق به الصيمري ما حماه عمر، وقال أبو محمد في (مختصره) والغزالي في (الخلاصة): إنه الصحيح. وحكى صاحب (الرونق) قولاً: إنه لا يجوز نقض ما حماه الخلفاء الأربعة وهو حسن، وجعل صاحب (التلخيص) القولين في حق الخلفاء الأربعة، وأما غيرهم .. فيجوز نقض حماهم قطعاً. وقوله: (للحاجة) متعلق بـ (نقض) لا بـ (حماه). قال: (ولا يحمي لنفسه)؛ لأن ذلك من خصائص رسول الله ﷺ ، ولم يقع ذلك منه، ولو وقع .. لكان لمصالح المسلمين أيضاً؛ لأن ما كان مصلحة له .. فهو مصلحة لهم. واستدل له البيهقي [٦/ ١٤٧] بما رواه عن ابن عمر أنه قال: (اشتريت إبلاً، ثم انتجعتها في الحمى، فلما سمنت .. قدمت بها السوق، فدخله عمر فرأى إبلا سماناً فقال: لمن هذه الإبل؟ فقالوا: لعبد الله بن عمر، قال: فجعل يقول: يا عبد الله بن عمر؛ بخ بخ، أبن أمير المؤمنين؟! قال: فجئته أسعى فقلت: ما لك

стр. 2447

فَصْلٌ: مَنْفَعَةُ الشَّارِعِ: الْمُرُورُ، وَيَجْوزُ فِيهِ الْجُلُوسُ لِلاِسْتِرَاحَةِ وَالْمُعَامَلَةِ وَنَحْوِهِمَا ــ يا أمير المؤمنين؟ فقال: ما هذه الإبل؟ قلت: إبل أنضاء، اشتريتها وبعثت بها إلى الحمى أبتغي ما يبتغي المسلمون، فقال: ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين، استقوا إبل ابن أمير المؤمنين، يا عبد الله بن عمر؛ اغد على رأس مالك واجعل باقيه في بيت المال). وروى أبو عمر بن عبد البر وغيره عن عمر أنه بلغه عن يعلى بن أمية- ويقال: ابن منية نسبة إلى جدته، وكان عاملاً على اليمن- أنه حمى لنفسه، فأمره أن يمشي على رجليه إلى المدينة، فمشى أياماً إلى صعدة فبلغه موت عمر فركب. تتمة: لو غرس شخص في الحمى أو بنى .. أزيل، وادعى المتولي الإجماع على أن لا يجوز إحياء النقيع الذي حماه رسول الله ﷺ ، وينبغي أن يكون على الحمى حفاظ من جهة الإمام يمنعون أهل القوة من إدخال مواشيهم، ويتلطفون بالضعفاء، فإن كان للإمام ماشية .. لم يدخلها الحمى؛ لأنه من أهل القوة، فإن فعل .. فقد ظلم المسلمين، وسيأتي في (باب التعزيز) حكم ما إذا حمى واحد من الناس مواتاً ومنع الناس منه، وحكم ما إذا رعى واحد من أهل القوة ماشيته في الحمى. قال: (فصل: منفعة الشارع: المرور)؛ لأنه وضع لذلك وهي مستحقة للناس أجمعين وهذه المسألة تقدمت في (الصلح). قال: (ويجوز فيه الجلوس للاستراحة والمعاملة ونحوهما) والوقوف أيضاً إذا لم يضيق على المارة وفي (البيهقي) [٦/ ١٥٠] عن علي ﵁ أنه قال: (من سبق إلى موضع بالسوق .. فهو أحق به إلى الليل).

стр. 2448

إِذَا لَمْ يُضَيِّقْ عَلَى الْمَارَّةِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ إِذْنُ الإِمَامِ، وَلَهُ تَظْلِيلُ مَقْعَدِهِ بِبَارِيَّهٍ أَوْ غَيْرِهَا. ــ قال الإمام: وللإمام مطالبة الواقف فيه بقضاء حاجته والانصراف، ويختص الجالس بما حوله بالقدر المحتاج إليه، لكن ليس له منع من قعد ليبيع مثل متاعه إذا لم يزاحمه، لكن ليس لغيره أن يقعد حيث يمنع رؤية متاعه أو وصول المعاملين إليه، أو يضيق عليه الكيل أو الوزن والأخذ والإعطاء. قال: (إذا لم يضيق على المارة)؛ لقوله ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام). قال: (ولا يشترط إذن الإمام) كما لا يحتاج في الإحياء إليه؛ لإطباق الناس على ذلك في سائر الأعصار من غير إنكار. وشمل إطلاق الذمي، وفي ثبوت هذا الإرفاق له وجهان: رجح الشيخ منهما الثبوت وإن لم يؤذن له، وإليه مال شيخه ابن الرفعة، وهو ظاهر كلام (المهذب) و (التنبيه) و (البيان)؛ لأن ضرره لا يتأبد، ولا فرق بين أن تطول إقامته بحيث يتقادم عهده أم لا. وقيل: يقام عنه إذا تقادم عهده؛ لئلا يصير ذريعة إلى ادعاء الملك فيه، ثم هذا الحكم لا يختص بالشارع، بل الارتفاق بالصحارى والفلوات لنزول المسافرين لا نظر للإمام فيه، ولهم النزول حيث لا يضر بمجتاز. وأما الارتفاق بأفنية المنازل في الأملاك، فإن أضر ذلك بأربابها .. منعوا إلا بإذنهم، وإلا فإن كان الجلوس على عتبة الدار .. لم يجز إلا بإذنهم، ولا يجوز أن يأخذ على القعود في فناء الدار أجرة بحال، كما لا يجوز أن يبيعه منفرداً، وحكم فناء المسجد حكم فناء الدار. قال: (وله تظليل مقعده ببارية أو غيرها) لجريان العادة بذلك وعدم إضراره بالمارة، وكان الأولى أن يقول: ونحوها؛ لأن الجواز مقيد بما إذا كان المظلل به ينقل معه، فإن كان مثبتاً ببناء .. لم يجز. و (البارية) بتشديد الياء وربما خففت، ويقال فيها: بورياء كلوبياء وهي: شيء ينسج من القصب كالحصير.

стр. 2449

وَلَوْ سَبَقَ إِلَيْهِ اثْنَانِ .. أُقْرِعَ، وَقِيلَ: يُقَدِّمُ الإِمَامُ بِرَايِهِ. ــ قال: (ولو سبق ليه اثنان .. أقرع)؛ إذ لا مزية لأحدهما على الآخر، اللهم إلا أن يكون أحدهما مسلماً والآخر ذمياً .. فيظهر أن يقدم المسلم إن أثبتنا للذمي هذا الارتفاق، وقد أطلق الشيخان فيه وجهين، وإطلاق الكتاب وغيره يقتضي أن له ذلك، وعليه عمل الناس من غير نكير. قال: (وقيل: يقدم الإمام برأيه) كما بيت المال، ولا يأتي هنا. الوجه الثالث: في المعدن الظاهر: أنه يقسم بينهما؛ لأن موضع الواحد لا يكفي الاثنين، لكن في (الاستقصاء) حكى وجهاً بالمهايأة، ووجهاً أنهما يتركان حتى يصطلحا. ومحل الخلاف ما لم يبن دكة، فإن بناها .. لزمه الأجرة. وأجمعوا على أنه ليس للإمام ولا لغيره أن يأخذ ممن يرتفق بالجلوس للبيع وغيره في الشوارع عوضاً. قال الشيخ: وقد رأينا في هذا الزمان من وكلاء بيت المال من يبيع من الشوارع ما يقول: إنه يفضل عن حاجة المسلمين، وهذا لا يقتضيه قول أحد؛ لأن البيع يقتضي تقدم الملك، ولو جوزنا ذلك .. لجوزنا للإمام أن يبيع الموات ولا نعرف من يقول به، وهذا الذي يفعله وكلاء بيت المال من بيع ذلك لا يجوز، فليحذر منه، وقد قال لي ابن الرفعة عن بعض وكلاء بيت المال بالديار المصرية وقد فعل ذلك: لا أدري بأي وجه يلقى الله. فرع: الأصح أن للإمام أن يقطع الشارع فيصير المقطع أحق به كالمتحجر، ولا يجوز لأحد تملكه بالإحياء على الصحيح، وذكر الرافعي في (الجنايات) أنه تقدم في (الإحياء) أن الأكثرين جوزوا الإقطاع، وأن المقطع يبنى فيه ويتملك، وما ذكره في الإقطاع صحيح، وأما في البناء والتمليك .. فهو وجه ضعيف.

стр. 2450

وَلَوْ جَلَسَ لِمُعَامَلَةٍ ثُمَّ فَارَقَهُ تَارِكًا لِلْحِرْفَةِ أَوْ مُنْتَقِلاً إِلَى غَيْرِهِ .. بَطَلَ حَقُّهُ، وَإِنْ فَارَقَهُ لِيَعُودَ .. لَمْ يَبْطُلْ إِلاَّ أَنْ تَطُولَ مُفَارَقَتُهُ بِحَيْثُ يَنْقَطِعُ مُعَامِلُوهُ عَنْهُ وَيَالَفُونَ غَيْرَهُ. ــ قال: (ولو جلس لمعاملة ثم فاقه تاركاً للحرفة أو منتقلا إلى غيره .. بطل حقه)؛ لإعراضه عنه، وكذا إذا كان جلوسه للصناعة كخياطة ونحوها، أما الجالس للاستراحة .. فيبطل حقه بمفارقته جزماً، وكذلك الجوال يزول حقه بمفارقته. قال: (وإن فارقه ليعود .. لم يبطل)؛ لقول رسول الله ﷺ : (من قام من مجلس ثم رجع إليه .. فهو أحق به) رواه مسلم [٢١٧٩]. قال: (إلا أن تطول مفارقته بحيث ينقطع معاملوه عنه ويألفون غيره) سواء فارق بعذر أو غيره؛ لأن مثل ذلك يعد معرضاً، ولا يبطل حقه برجوعه ليلاً إلى منزله، وليس لغيره مزاحمته في اليوم الثاني. وقال الإصطخري: إذا رجع ليلاً، فمن سبقه .. كان أحق ونقله في (المطلب) عن النص والعراقيين، وكذا الحكم في الأسواق التي تقام في كل سنة أو شهر إذا اتخذ فيها مقعداً .. كان أحق به في النوبة الثانية. فروع: لو أراد غيره أن يجلس في مدة غيبته القصيرة .. لم يمنع في الأصح. ولو أرسل نعمة في صحراء .. لم يكن لغيره تنحيتها وإرسال نعمه. ويجوز وضع آلات البناء ونحوها في الطرق ما لم تضر، فإن ضرت .. منع من ذلك. ويكره الجلوس في الشارع للحديث ونحوه؛ لنهيه ﷺ عن ذلك إلا أن يعطى الطريق حقه قالوا: وما حقه قال: (غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر).

стр. 2451

وَمَنْ أَلِفَ مِنَ الْمَسْجِدِ مَوْضِعاً يُفْتِي فِيهِ وَيُقْرِيءُ .. كَالْجَالِسِ فِي شَارِعٍ لِمُعَامَلَةٍ، وَلَوْ جَلَسَ فِيهِ لِصَلاَةٍ .. لَمْ يَصِرْ أَحَقَّ بهِ فِي غَيْرِهَا، ــ ويدخل في كف الأذى اجتناب الغيبة وظن السوء واحتقار الناس وتضييق الطريق. قال: (ومن ألف من المسجد موضعًا يفتي فيه ويقرئ) أي: القرآن أو العلم الشرعي. قال: (.. كالجالس في شارع لمعاملة)؛ لأن له غرضاً في ملازمة ذلك الموضع ليغشاه الناس، هذا قول أبي عاصم العبادي والغزالي ورجحه الشيخان. وقال صاحب (التقريب) والجويني والماوردي والروياني: متى قام .. بطل حقه؛ لقوله تعالى: ﴿سواء العكف فيه والباد﴾ وهو مذهب جمهور الفقهاء. وأجاب الأولون عن الآية بأن المراد بها المسجد الحرام بالاتفاق، والجالس فيه لاستماع الحديث والوعظ الظاهر أنه كالصلاة لا يختص فيما سوى ذلك المجلس، ولا فيه إن فارق بغير عذر، ويختص إن فارق بعذر. وظاهر عبارة المصنف أنه لا يشترط في جلوسه إذن الإمام، وهو كذلك في المساجد الصغيرة ومساجد القرى، أما الجلوس لذلك في الجوامع وكبار المساجد .. فنقل الرافعي عن الماوردي اعتبار إذن الإمام فيها إذا كانت عادة البلد الاستئذان فيه، وكلام الإمام يخالفه. ومن له عادة بالقرب من المدرس ونحوه وينتفع الناس بقربه منه لعلمه ونحوه .. يدوم اختصاصه، وما جرى به العرف من مجلس فقيه في موضع معين من مدرسة أو رباط .. الظاهر دوام اختصاصه فيه. ويمنع الناس من استطراق حلق القراء والفقهاء في الجوامع توقيراً لها. قال: (ولو جلس فيه لصلاة .. لم يصر أحق به في غيرها) بلا خلاف، بخلاف مقاعد الأسواق، والفرق أن غرض المعاملة يختلف باختلاف المقاعد، والصلاة في بقاع المسجد لا تختلف.

стр. 2452

فَإِنْ فَارَقَهُ لِحَاجَةٍ لِيَعُودَ .. لَمْ يبْطُلِ اخْتِصَاصُهُ فِي تِلْكَ الصَّلاَةِ فِي الأَصَحِّ وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ إِزَارَهُ. ــ قال الرافعي: ويجوز أن يمنع ذلك بالصف الأول فهو آكد، ولا فرق في ذلك بين الصبي البالغ؛ لأن الصبي إذا سبق إلى الصف الأول كان أحق به. قال: (فإن فارقه لحاجة ليعود) كالخروج لرعاف أو تجديد وضوء وقضاء الحاجة وإجابة داع. قال: (.. لم يبطل اختصاصه في تلك الصلاة في الأصح وإن لم يترك إزاره)؛ لحديث مسلم المتقدم: (إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به) زاد الإمام والغزالي وتبعهما الرافعي فيه فقالوا: من مجلسه في المسجد، وقال الإمام: إنه صحيح، ووقع كذلك في (الروضة)، ولا تعرف هذه الزيادة في الحديث، لكن في (الترمذي) [٢٧٥١]: (إذا خرج لحاجته ثم عاد) وظاهره إرادة المسجد، ووهم ابن الرفعة فنسب حديث مسلم إلى البخاري. والوجه الثاني: يبطل كغيرها من الصلوات. والثالث: إن ترك إزاره .. بقي حقه، وإلا .. فلا، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: (وإن لم يترك إزاره). والرابع- حكاه ابن الرفعة-: إن خرج لعذر بعد الشروع في الصلاة وأمكن قبل الفراغ .. لم يبطل، وإلا .. بطل، أما بالنسبة إلى غير ذلك .. فيبطل حقه جزماً. وعمت البلوى بوضع السجادات بالروضة الشريفة بمسجد رسول الله ﷺ ، وهو من المنكرات التي يجب النهي عنها. والظاهر: أن الخلاف فيما إذا لم تقم الصلاة في غيبته، فإن أقيمت واتصلت الصفوف وراء بقعته، فإن كان كذلك .. سد مكانه.

стр. 2453

وَلَوْ سَبَقَ رَجلٌ إِلَى مَوْضِعٍ مِنْ رِبَاطٍ مُسَبَّلٍ، أَوْ فَقِيهٌ إِلَى مَدْرَسَةٍ، أَوْ صُوفِيٌّ إِلَى خَانِقَاهُ .. لَمْ يُزْعَجْ، وَلَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ بِخُرُوجِهِ لِشِرَاءِ حَاجَةٍ وَنَحْوِهِ. ــ ولا فرق بين أن تكون الصلاة المنتظرة دخل وقتها أم لا؛ لعموم قوله ﷺ : (ولا يزال العبد في صلاة ما دام ينتظر الصلاة) وعبارة المصنف تشمل هذه الصورة. فرع: إذا اعتكف ولم ينو وقتاً فمتى خرج .. بطل حقه، وإن نوى وقتاً كأيام فخرج لحاجة جائزة .. ففي اختصاصه إذا رجع احتمال، والظاهر بقاؤه. قال: (ولو سبق رجل إلى موضع من رباط مسبل، أو فقيه إلى مدرسة، أو صوفي إلى خانقاه .. لم يزعج، ولم يبطل حقه بخروجه لشراء حاجة ونحوه) وإن لم يترك فيه متاعاً ولا نائباً؛ لعموم الحديث السابق، وهذا ما لم يتخذه مسكناً فإنه يمنع منه. ولو ازدحم اثنان .. فكمقاعد الأسواق. وأفهم قوله: (لشراء حاجة ونحوه) أن غيبته إن طالت .. بطل حقه، والمرجع في الطول وعدمه إلى العرف، ثم إنما يكون السابق أحق إذا لم يكن للمكان ناظر، فإن كان .. لم يجز النزول فيه إلا بإذنه إن أمكن للعرف، وكذا لو كان للمدرسة مدرس دون ما إذا فقد ذلك، وهل المراد عرف زمن الواقف أو زمن السكنى؟ قال في (المطلب): الظاهر الأول، قال: وعلى هذا كان بعض أكابر علماء وقتنا يقول: يستحق الفقهاء الجامكية إذا بطلوا في الأشهر الثلاثة التي وقفت في زمان عهد فيه البطالة فيها، أما المدارس القديمة الموقوفة في زمن لم يعهد ذلك فيها .. فلا يجوز أخذها فيها.

стр. 2454

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وفي (فتاوى ابن الصلاح): لو قال: وقفته على مقرئ يقرئ الناس بموضع كذا كل يوم وجرت عادة البلد بترك الإقراء يوم الجمعة .. ليس له ترك الإقراء فيه؛ لأن قوله: (كل يوم) تصريح بالعموم فلا يترك لعرف خاص. وقال الشيخ عز الدين: العرف المطرد بمنزلة الشرط فينزل الشرط عليه. ومحل ما ذكره المصنف إذا كان السابق أهلا للسكنى، فأما سكنى غير الفقهاء في بيوت المدارس .. فيتبع في ذلك شرط الواقف إن كان ثم شرط، فإن لم يكن ثم شرط .. منع، ففي (قواعد ابن عبد السلام): أن من لم يشتغل اشتغال مثله على العادة .. لا يحل له سكنى المدارس، ولا يحل له أن يتناول شيئاً من وقفها، قال: وكذلك المدرس والمعيد. وقد تقدم في آخر (زكاة الفطر) عن أبي علي الفارقي أنه قال: يجوز للفقهاء الإقامة في الربط وتناول معلومها، ولا يجوز للمتصوف القعود في المدارس وأخذ جرايتها؛ لأن المعنى الذي يطلق على المتصوف موجود في الفقيه ولا عكس. فائدة: الصوفي واحد الصوفية، قال القشيري: ولا شهد لهذا الاسم من حيث العربية قياس ولا اشتقاق، والأظهر: أنه كاللقب؛ إذ لا يصح أخذه من الصفاء ولا من لبس الصوف ولا من ملازمة الصفة. قال: وتكلم الناس في التصوف: ما معناه؟ وفي الصوفي: من هو؟ وكل عبر عما وقع له. فقال الجنيد: الصوفي من كان مع الله بلا علاقة. وقال معروف: التصوف الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق. وقال الأستاذ أبو سهل الصعلوكي: التصوف الإعراض عن الأغراض.

стр. 2455

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وسيأتي للصوفية ذكر في أول (كتاب الوقف) وفي (كتاب الوصية). و (الخانكاه) بالكاف وهي بالعجمية: ديار الصوفية، ولم يتعرضوا للفرق بينها وبين الزاوية والرباط وهو: المكان المسبل للأفعال الصالحة والعبادة. قال ﷺ : (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع الدرجات به؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلك الرباط فذلكم الرباط). وقوله تعالى: ﴿ورابطوا﴾ قيل: هي في انتظار الصلاة بعد الصلاة؛ إذ لم يكن في زمن النبي ﷺ غزو يرابط فيه، وسيأتي في (كتاب الوقف) حكم بناء المدارس وأول من أحدثها. فروع: يجوز لغير سكان المدارس من العوام والفقهاء دخولها، والجلوس فيها، والشرب من مائها، والاتكاء والنوم فيها، ودخول سقاياتها، ونحو ذلك مما جرت العادة به. قال في (الجواهر): وينبغي أن يختلف الحال في بيوت سقاياتها بين قلتها وكثرتها، والظاهر أن المراد بالشرب من مائها: الماء الجاري فيها كما في مدارس الشام، لا المنقول إليها كما في مدارس مصر. قال: وكان ابن الرفعة يحكي عن بعض مشايخه المتورعين أنه كان لا يليق منه
следующие страницы →