Полный текст (5 377 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.
стр. 2451
وَمَنْ أَلِفَ مِنَ الْمَسْجِدِ مَوْضِعاً يُفْتِي فِيهِ وَيُقْرِيءُ .. كَالْجَالِسِ فِي شَارِعٍ لِمُعَامَلَةٍ، وَلَوْ جَلَسَ فِيهِ لِصَلاَةٍ .. لَمْ يَصِرْ أَحَقَّ بهِ فِي غَيْرِهَا،
ــ
ويدخل في كف الأذى اجتناب الغيبة وظن السوء واحتقار الناس وتضييق الطريق. قال: (ومن ألف من المسجد موضعًا يفتي فيه ويقرئ) أي: القرآن أو العلم الشرعي.
قال: (.. كالجالس في شارع لمعاملة)؛ لأن له غرضاً في ملازمة ذلك الموضع ليغشاه الناس، هذا قول أبي عاصم العبادي والغزالي ورجحه الشيخان.
وقال صاحب (التقريب) والجويني والماوردي والروياني: متى قام .. بطل حقه؛ لقوله تعالى: ﴿سواء العكف فيه والباد﴾ وهو مذهب جمهور الفقهاء.
وأجاب الأولون عن الآية بأن المراد بها المسجد الحرام بالاتفاق، والجالس فيه لاستماع الحديث والوعظ الظاهر أنه كالصلاة لا يختص فيما سوى ذلك المجلس، ولا فيه إن فارق بغير عذر، ويختص إن فارق بعذر.
وظاهر عبارة المصنف أنه لا يشترط في جلوسه إذن الإمام، وهو كذلك في المساجد الصغيرة ومساجد القرى، أما الجلوس لذلك في الجوامع وكبار المساجد .. فنقل الرافعي عن الماوردي اعتبار إذن الإمام فيها إذا كانت عادة البلد الاستئذان فيه، وكلام الإمام يخالفه.
ومن له عادة بالقرب من المدرس ونحوه وينتفع الناس بقربه منه لعلمه ونحوه .. يدوم اختصاصه، وما جرى به العرف من مجلس فقيه في موضع معين من مدرسة أو رباط .. الظاهر دوام اختصاصه فيه.
ويمنع الناس من استطراق حلق القراء والفقهاء في الجوامع توقيراً لها.
قال: (ولو جلس فيه لصلاة .. لم يصر أحق به في غيرها) بلا خلاف، بخلاف مقاعد الأسواق، والفرق أن غرض المعاملة يختلف باختلاف المقاعد، والصلاة في بقاع المسجد لا تختلف.
стр. 2452
فَإِنْ فَارَقَهُ لِحَاجَةٍ لِيَعُودَ .. لَمْ يبْطُلِ اخْتِصَاصُهُ فِي تِلْكَ الصَّلاَةِ فِي الأَصَحِّ وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ إِزَارَهُ.
ــ
قال الرافعي: ويجوز أن يمنع ذلك بالصف الأول فهو آكد، ولا فرق في ذلك بين الصبي البالغ؛ لأن الصبي إذا سبق إلى الصف الأول كان أحق به.
قال: (فإن فارقه لحاجة ليعود) كالخروج لرعاف أو تجديد وضوء وقضاء الحاجة وإجابة داع.
قال: (.. لم يبطل اختصاصه في تلك الصلاة في الأصح وإن لم يترك إزاره)؛ لحديث مسلم المتقدم: (إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به) زاد الإمام والغزالي وتبعهما الرافعي فيه فقالوا: من مجلسه في المسجد، وقال الإمام: إنه صحيح، ووقع كذلك في (الروضة)، ولا تعرف هذه الزيادة في الحديث، لكن في (الترمذي) [٢٧٥١]: (إذا خرج لحاجته ثم عاد) وظاهره إرادة المسجد، ووهم ابن الرفعة فنسب حديث مسلم إلى البخاري.
والوجه الثاني: يبطل كغيرها من الصلوات.
والثالث: إن ترك إزاره .. بقي حقه، وإلا .. فلا، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: (وإن لم يترك إزاره).
والرابع- حكاه ابن الرفعة-: إن خرج لعذر بعد الشروع في الصلاة وأمكن قبل الفراغ .. لم يبطل، وإلا .. بطل، أما بالنسبة إلى غير ذلك .. فيبطل حقه جزماً.
وعمت البلوى بوضع السجادات بالروضة الشريفة بمسجد رسول الله ﷺ ، وهو من المنكرات التي يجب النهي عنها.
والظاهر: أن الخلاف فيما إذا لم تقم الصلاة في غيبته، فإن أقيمت واتصلت الصفوف وراء بقعته، فإن كان كذلك .. سد مكانه.
стр. 2453
وَلَوْ سَبَقَ رَجلٌ إِلَى مَوْضِعٍ مِنْ رِبَاطٍ مُسَبَّلٍ، أَوْ فَقِيهٌ إِلَى مَدْرَسَةٍ، أَوْ صُوفِيٌّ إِلَى خَانِقَاهُ .. لَمْ يُزْعَجْ، وَلَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ بِخُرُوجِهِ لِشِرَاءِ حَاجَةٍ وَنَحْوِهِ.
ــ
ولا فرق بين أن تكون الصلاة المنتظرة دخل وقتها أم لا؛ لعموم قوله ﷺ : (ولا يزال العبد في صلاة ما دام ينتظر الصلاة) وعبارة المصنف تشمل هذه الصورة.
فرع:
إذا اعتكف ولم ينو وقتاً فمتى خرج .. بطل حقه، وإن نوى وقتاً كأيام فخرج لحاجة جائزة .. ففي اختصاصه إذا رجع احتمال، والظاهر بقاؤه.
قال: (ولو سبق رجل إلى موضع من رباط مسبل، أو فقيه إلى مدرسة، أو صوفي إلى خانقاه .. لم يزعج، ولم يبطل حقه بخروجه لشراء حاجة ونحوه) وإن لم يترك فيه متاعاً ولا نائباً؛ لعموم الحديث السابق، وهذا ما لم يتخذه مسكناً فإنه يمنع منه.
ولو ازدحم اثنان .. فكمقاعد الأسواق.
وأفهم قوله: (لشراء حاجة ونحوه) أن غيبته إن طالت .. بطل حقه، والمرجع في الطول وعدمه إلى العرف، ثم إنما يكون السابق أحق إذا لم يكن للمكان ناظر، فإن كان .. لم يجز النزول فيه إلا بإذنه إن أمكن للعرف، وكذا لو كان للمدرسة مدرس دون ما إذا فقد ذلك، وهل المراد عرف زمن الواقف أو زمن السكنى؟
قال في (المطلب): الظاهر الأول، قال: وعلى هذا كان بعض أكابر علماء وقتنا يقول: يستحق الفقهاء الجامكية إذا بطلوا في الأشهر الثلاثة التي وقفت في زمان عهد فيه البطالة فيها، أما المدارس القديمة الموقوفة في زمن لم يعهد ذلك فيها .. فلا يجوز أخذها فيها.
стр. 2454
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفي (فتاوى ابن الصلاح): لو قال: وقفته على مقرئ يقرئ الناس بموضع كذا كل يوم وجرت عادة البلد بترك الإقراء يوم الجمعة .. ليس له ترك الإقراء فيه؛ لأن قوله: (كل يوم) تصريح بالعموم فلا يترك لعرف خاص.
وقال الشيخ عز الدين: العرف المطرد بمنزلة الشرط فينزل الشرط عليه.
ومحل ما ذكره المصنف إذا كان السابق أهلا للسكنى، فأما سكنى غير الفقهاء في بيوت المدارس .. فيتبع في ذلك شرط الواقف إن كان ثم شرط، فإن لم يكن ثم شرط .. منع، ففي (قواعد ابن عبد السلام): أن من لم يشتغل اشتغال مثله على العادة .. لا يحل له سكنى المدارس، ولا يحل له أن يتناول شيئاً من وقفها، قال: وكذلك المدرس والمعيد.
وقد تقدم في آخر (زكاة الفطر) عن أبي علي الفارقي أنه قال: يجوز للفقهاء الإقامة في الربط وتناول معلومها، ولا يجوز للمتصوف القعود في المدارس وأخذ جرايتها؛ لأن المعنى الذي يطلق على المتصوف موجود في الفقيه ولا عكس.
فائدة:
الصوفي واحد الصوفية، قال القشيري: ولا شهد لهذا الاسم من حيث العربية قياس ولا اشتقاق، والأظهر: أنه كاللقب؛ إذ لا يصح أخذه من الصفاء ولا من لبس الصوف ولا من ملازمة الصفة.
قال: وتكلم الناس في التصوف: ما معناه؟ وفي الصوفي: من هو؟ وكل عبر عما وقع له.
فقال الجنيد: الصوفي من كان مع الله بلا علاقة.
وقال معروف: التصوف الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق.
وقال الأستاذ أبو سهل الصعلوكي: التصوف الإعراض عن الأغراض.
стр. 2455
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وسيأتي للصوفية ذكر في أول (كتاب الوقف) وفي (كتاب الوصية).
و (الخانكاه) بالكاف وهي بالعجمية: ديار الصوفية، ولم يتعرضوا للفرق بينها وبين الزاوية والرباط وهو: المكان المسبل للأفعال الصالحة والعبادة.
قال ﷺ : (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع الدرجات به؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلك الرباط فذلكم الرباط).
وقوله تعالى: ﴿ورابطوا﴾ قيل: هي في انتظار الصلاة بعد الصلاة؛ إذ لم يكن في زمن النبي ﷺ غزو يرابط فيه، وسيأتي في (كتاب الوقف) حكم بناء المدارس وأول من أحدثها.
فروع:
يجوز لغير سكان المدارس من العوام والفقهاء دخولها، والجلوس فيها، والشرب من مائها، والاتكاء والنوم فيها، ودخول سقاياتها، ونحو ذلك مما جرت العادة به.
قال في (الجواهر): وينبغي أن يختلف الحال في بيوت سقاياتها بين قلتها وكثرتها، والظاهر أن المراد بالشرب من مائها: الماء الجاري فيها كما في مدارس الشام، لا المنقول إليها كما في مدارس مصر.
قال: وكان ابن الرفعة يحكي عن بعض مشايخه المتورعين أنه كان لا يليق منه
стр. 2456
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
دواته، كما نصوا على أنه لو وجد ماء مسبلا بالطريق .. لم يجز له الوضوء منه ويتيمم.
وقال ابن الرفعة: مما تعم به البلوى إذا نزل في مدرسة جماعة للاشتغال ولم يعين الواقف عدداً، وقدر لهم ما يستوعب ارتفاع وقفها .. لا يجوز تنزيل أحد عليهم بحيث ينقص ما قرر لهم، وأيده بما ذكره الماوردي أنه لو قال: من قام بوصيتي .. فله مئة درهم، فمن قام بها وهو من أهلها .. استحقها، فإن قام بها جماعة .. كانت بينهم، وإن قام بها واحد، فإن كان كافياً .. منع غيره بعد الشروع أن يشاركه فيها، ووافق ابن الرفعة على ذلك بعض قضاة القضاة والقمولي والشيخ، وهو الصواب.
وسئل القفال عن تعليم الصبيان في المساجد فقال: الأغلب على الصبيان الضرر بالمسجد فيجوز منعهم.
تتمة:
رباط وقف على المسافرين .. ليس لأحد أن يسكنه أكثر من مدة المسافرين ثلاثة أيام بلياليها، إلا أن يكون مقامه في البقعة لمصلحة المكان فله المقام ما دامت المصلحة، قاله المتولي.
وإذا ازدحم اثنان على موضع من غير سبق فهل يقرع بينهما أو يقدم الإمام أحدهما؟ فيه الخلاف المتقدم في المقاعد.
وإذا طال مقام واحد في بقعة موقوفة، وخاف الإمام من مقامه أن تشتهر البقعة به فيملكها ويندرس الوقف .. فله نقله عن الموضع؛ صيانة للوقف عن الإبطال.
وإذا وقف على المسافرين أو المارة .. فلكل أحد ينزل فيه من المسلمين وأهل الذمة، فإن خص الواقف طائفة .. لم يحل لغيرهم.
стр. 2457
فَصْلٌ:
الْمَعْدِنُ الظَّاهِرُ- وَهُوَ: مَا خَرَجَ بِلاَ عِلاَجٍ كَنِفْطٍ وَكِبْرِيتٍ وَقَارٍ وَمُومْيَاءَ وَبِرَامٍ وَأَحْجَارِ رَحَىً- لاَ يُمْلَكُ بِالإِحْيَاءِ، وَلاَ يَثْبُتُ فِيهِ اخْتِصَاصٌ بِتَحَجُّرٍ وَلاَ إِقْطَاعٍ.
ــ
قال: (فصل):
هذا معقود لحكم الأعيان المستفادة من الأرض، وتنقسم إلى ظاهر على وجهها وباطنة في طباقها.
قال: (المعدن الظاهر- وهو: ما خرج بلا علاج كنفظ وكبريت وقار ومومياء وبرام وأحجار رحى).
(النفط) بكسر النون وفتحها والكسر أفصح والفاء ساكنة: دهن معروف.
و (الكبريت): عين تجري فإذا جمد ماؤها .. صار كبريتاً أبيض وأصفر وأكدر، والأحمر منه جوهر، وضربوا به المثل في العزة فقالوا: أعز من الكبريت.
قال الشاعر [من الكامي]:
عز الوفاء فلا وفاء وإنه ... لأعز وجداناً من الكبريت
والقار والقير: الزفت.
و (المومياء) بضم الميم والمد: شيء يلقيه الماء في بعض السواحل فيجمد ويصير كالقار، ويقال: إنها حجارة سود، وأما المومياء التي من الموتى .. فنجسة.
و (البرام) بكسر الباء: حجارة تعمل منها القدور.
ومن المعادن: القطران المائي والجبلي، والمدر وأحجار النورة والياقوت، والبلور والملح والكحل والجص.
قال: (لا يملك بالإحياء ولا يثبت فيه اختصاص بتحجر ولا إقطاع) بل هي مشتركة بين الناس كالمياه الجارية والحطب والكلأ، يستوي فيها المسلم والكافر؛ لأن أبيض بن حمال سأل النبي ﷺ أن يقطعه ملح مأرب .. فأقطعه.
стр. 2458
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال الأقرع بن حابس: يا رسول الله؛ إنه كالماء العد، قال: (فلا إذن) رواه الأربعة وصححه ابن حبان [٤٤٩٩].
والإجماع منعقد على منع إقطاع مشاريع الماء وكذلك المعادن الظاهرة.
و (الماء العد): الكثير الدائم الذي لا ينقطع.
و (مأرب) بهمزة ساكنة بعد الميم ثم راء مكسورة، ويجوز تخفيف الهمزة وهي: مدينة باليمن كانت بها بلقيس.
وامتناع إقطاع المعادن الظاهرة لا خلاف فيه بين العلماء.
وقال القاضي أبو الطيب: إنما أقطع النبي ﷺ ملح مأرب على ظاهر ما سمع منه، كما استفتى في مسألة وصورت له على خلاف ما هي عليه فأفتى ثم بانت له على خلاف صورة الاستفتاء.
وأما قوله ﷺ : (إنكم تختصمون إلي ..) الحديث .. فقضية شريطة لا تستدعي وقوعاً ولا جوازاً، ولم يثبت لنا قط أن النبي ﷺ حكم بحكم ثم بان خلافه، وقد صان الله أحكام نبيه ﷺ عن ذلك.
قال الشيخ: وما يروى من قوله حين قتل النضر بن الحارث لما سمع شعر أخته: (لو سمعته ما قتلته) فلم يثبت بإسناد صحيح، بل قال الزبير بن بكار في (كتاب أنساب قريش): إن شعرها موضوع، مع أنه لو صح .. لم يكن من هذا الباب؛ لأنه ﷺ كان يباح له القتل وهو مخير فيه، له أن يقتل وله أن لا يقتل.
وتستثنى من إطلاق المصنف صورتان:
إحداهما: ما لا تلزم عليه مؤنة من ذلك بأن يكون بقرب الساحل موضع إذا حصل فيه الماء حصل منه ملح. جاز أن يملك بالإحياء، وجاز للإمام إقطاعه.
стр. 2459
فَإِنْ ضَاقَ نَيْلُهُ .. قَدِّمَ السَّابِقُ بِقَدْر ِ حَاجَتِهِ فِإِنْ فَإِنْ طَلَبَ زِيَادَةً .. فَالأَصَحُّ: إِزْعَاجُهُ. فَلَوْ جَاءَا مَعاً .. أُقْرِعَ فِي الأَصَحِّ.
ــ
والثانية: إذا ظهر شيء من هذه المعادن في أرض ملكها بالإحياء .. فإنه يملكه بلا خلاف، قاله الإمام وغيره، وسيأتي هذا في قول المصنف: (ومن أحيا مواتاً فظهر فيه معدن باطن .. ملكه).
قال: (فإن ضاق نيله .. قدم السابق بقدر حاجته) لسبقه، قال الرافعي: ولم يبينوا أنها حاجة يوم أو سنة، وقال الإمام: يرجع فيه إلى العادة فيأخذ ما تقتضيه عادة أمثاله، قال ابن الرفعة: أي: ما دام فيه، فإذا انصرف عنه .. فغيره ممن سبق أولى، وعبارة (الوجيز): السابق لا يزعج قبل قضاء وطره.
قال: (فإن طلب زيادة) على حاجته (.. فالأصح: إزعاجه)؛ لأن إقامته عليه كالتحويط المانع لغيره من الأخذ، قال الرافعي: ويمكن الفرق بينه وبين مقاعد الأسواق في عدم الإزعاج لشدة الحاجة إلى المعادن.
والثاني: لا يزعج، ويأخذ بحق السبق ما أراد؛ لما تقدم من قوله ﷺ : (من سبق إلى ما لم يسبق إليه .. فهو أحق به) وحمله الأولون على ما لا يضر بالغير.
قال: (فلو جاءا معاً .. أقرع في الأصح) لعدم المزية.
والثاني: يجتهد الإمام ويقدم الأحوج.
والثاني: ينصب من يقسم الحاصل بينهما، فإن تشاحا في البداءة .. أقرع بينهما، فإن وجد تاجر ومحتاج .. فيشبه أن يقدم المحتاج.
وألحق في (التنبيه) بالمعدن الظاهر المباحات كالصيد والسمك، وما يؤخذ من البحر من اللؤلؤ والصدق، وما ينبت في الموات من الكلأ والحطب، وما ينبع من المياه، وما يسقط من الثلوج، وما يرمى رغبة عنه.
стр. 2460
وَالْمَعْدِنُ الْبَاطِنُ- وَهُوَ: مَا لاَ يخْرُجُ إِلاَّ بِعِلاَجٍ كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَحَدِيدٍ وَنُحَاسٍ
ــ
فرع:
ليس للإمام أن يقطع بركة ليؤخذ سمكها، ولا أرضاً ليؤخذ حشيشها ولا حطبها؛ إذ لا يدخل في هذه الأشياء تحجر ولا إقطاع، ولو عمر أحد المعدن الظاهر حتى زاد نيله .. لم يصر أحق به.
قال: (والمعدن الباطن، وهو: ما لا يخرج إلا بعلاج كذهب وفضة وحديد ونحاس) وكذلك الرصاص والبلخش والفيروزج والياقوت والعقيق، وجميع الجواهر المركوزة في طبقات الأرض.
فأما (النحاس) بضم النون وكسرها فهو: عين القطر الذي أساله الله تعالى لسليمان بن داوود كما ألان الحديد لأبيه، والظاهر أنه جعله في معدنه عيناً تسيل كعيون الماء دلالة على نبوته ﷺ ليستعملها فيما يريد، وعن ابن عباس: (أجريت له ثلاثة أيام بلياليهن وكانت بأرض اليمن).
و (الحديد) تولده في الأرض كتولد سائر الأجساد، وهو أكثر نفعاً من سائر المعادن، قال الله تعالى: ﴿وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنفع للناس﴾.
وقال ابن عباس: أنزل الله مع آدم من الجنة السندان والمطرقة والكلبتين والإبرة، هذا مذهب المفسرين.
وذهب قوم إلى أن معنى ﴿وأنزلنا الحديد﴾: أنشأناه، كقوله: ﴿وأنزل لكم من الأنعم ثمنية أزواج﴾.
ومن خواصه العجيبة: أن برادته إذا علقت على إنسان يغط في نومه .. يزول ذلك عنه.
و (الرصاص): قال أرسطو: أنه صنف من الفضة، لكن دخل عليه ثلاث آفات رائحة ورخاوة وصرير، كما تدخل على الجنين في بطن أمه الآفات فيفسد.
ومن خاصته إذا ألقي في قدر لم ينضج لحمها.
وذكر ابن سراقة في (أدب الشاهد): أن العمل في المعادن مكروه إلا إذا كان قريبا
стр. 2461
لاَ يُمْلَكُ بِالْحَفْرِ وَالْعَمَلِ فِي الأَظْهَرِ. وَمَنْ أَحْيَا مَوَاتًا فَظَهَرَ فِيهِ مَعْدِنٌ بَاطِنٌ .. مَلَكَهُ.
ــ
لا يفوت الجماعة ولا يخرج به عن الوطن.
قال: (لا يملك بالحفر والعمل في الأظهر) كالمعدن الظاهر، ولأن المعدن يشبه الموات، والموات لا يملك إلا بالعمارة، وحفر المعدن تخريب، وعلى هذا إذا انصرف عنه .. كان غيره أحق به.
والثاني- وبه قال أبو حنيفة-: لا يملك إلى القرار؛ لأنه لا يتوصل إلى نيله إلا بتعب ومؤنة فأشبه الموات إذا أحيي.
ومحل القولين إذا قصد التملك ووصل إلى نيل، فإذا لم يقصد التملك بل قصد الأخذ والانصراف .. فلا يملكه قولا واحداً، وأما قبل الوصول .. فهو كالمتحجر.
وسكوت المصنف عن الإقطاع هنا يفهم جوازه وهو الأظهر؛ لأن النبي ﷺ أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية جلسيها وغوريها وحيث يصلح للزرع، رواه سلم، وهذه من ناحية الفرع.
قال: (ومن أحيا مواتاً فظهر فيه معدن باطن .. ملكه) بلا خلاف؛ لأنه بالإحياء ملك الأرض بجميع أجزائها، بخلاف الركاز فإنه مودع فيها.
واحترز بقوله: (فظهر) عما إذا كان عالماً به ثم اتخذ عليه داراً .. فقيل: إن هذا على القولين السابقين، وقيل: يملكه قطعاً.
وإذا تملك معدناً باطناً فجاء غيره واستخرج منه شيئًا بغير إذنه .. لزمه رده ولا أجرة له، أما بيعه .. فالأصح: منعه؛ لأن المقصود النيل وهو مجهول وفي معناه الهبة، قال في (البحر): لكن ترتفع يده بالهبة لا بالبيع.
ولو اشترى داراً فوجد فيها معدناً باطناً .. فهو للمشتري، بخلاف الركاز.
стр. 2462
وَالْمِيَاهُ الْمُبَاحَةُ مِنَ الأَوْدِيَةِ وَالْعُيُونِ فِي الْجِبَالِ يَسْتَوِي النَّاسُ فِيهَا،
ــ
تنبيه:
تقييده بالباطن يفهم أنه لو حصل معدن ظاهر .. لا يملكه، وبه صرح شراح (الحاوي) وليس كذلك، فقد حكى الإمام فيه الإجماع كما تقدم في أول الفصل، فالصواب حذف لفظه (باطن).
قال الشيخ: لم يرد أنه لا يملك الظاهر، بل يملكه ملكًا مؤبدًا قطعًا؛ لإجماع الأصحاب على أن من أحيا أرضا مواتاً ملكها بجميع أجزائها، وصرح كثير بملك النوعين بذلك، منهم الإمام والماوردي والدارمي وابن الصباغ وغيرهم، ولم يذكر في (البسيط) ولا (الوسيط) لفظة (الباطن).
ولو قال المالك: اعمل فيه وما استخرجته فهو لك، أو قال: استخرج لنفسك .. فالحاصل لمالك المعدن؛ لأنه هبة مجهول، والأصح أنه يستحق الأجرة.
قال: (والمياه المباحة من الأودية والعيون في الجبال يستوي الناس فيها)؛ لقوله ﷺ : (الناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار) رواه أبو داوود [٢٤٧١].
وفي (ابن ماجه) [٢٤٧٣]: (ثلاث لا يمنعن) فذكره.
فلا يجوز تحجرها لأحد، ولا للإمام إقطاعًا بالإجماع، ولا بيعها، وإن حضر اثنان فصاعدًا .. أخذ كل ما يشاء، فإن ضاق .. قدم السابق، فإن جاءا معًا .. أقرع، ويقدم طالب الشرب على طالب السقي.
والمراد بالمباح ما لا مالك له كالنيل والفرات ودجلة.
واحترز به عن المملوكة بأن حفر رجلا نهراً يدخل فيه الماء من الوادي أو النهر المتخرق منه .. فالماء باق على إباحته لكن مالك النهر أحق به كالسيل يدخل ملكه، فليس لأحد مزاحمته بسقي الأرض، وأما للشرب والاستعمال وسقي الدواب .. فيجوز ما لم يضر به، ولو جهل أمره بأن وجد نهر تسقى منه أراض ولم يدر هل انخرق بنفسه أو حفر .. فالأصح- وبه جزم الشيخان-: الحكم بأنه مملوك.
стр. 2463
فَإِنْ أَرَادَ قَوْمٌ سَقْيَ أَرَاضِيهِمْ مِنْهَا فَضَاقَ .. سُقِيَ الأَعْلَى فَالأَعْلَى وَحَبَسَ كُلُّ وَاحِدٍ الْمَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ،
ــ
ويستثنى من إطلاق ما لو كان عليه قاطنون فأهل النهر أولى به، قاله القاضي أبو الطيب.
قال: (فإن أراد قوم سقي أراضيهم منها فضاق .. سقي الأعلى فالأعلى) حتى لو كان زرع الأسفل يهلك إلى أن ينتهي الماء إليه لم يجب على من فوقه الإرسال إليه، بل يحبس الماء إلى أن يبلغ الكعبين؛ لما روى الحاكم [٢/ ٦٢] عن عائشة وأبو داوود [٣٦٣٤] عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن النبي ﷺ قضى بذلك في سيل مهزور- بتقديم الزاي- ومذنب، وهما موضعان بالمدينة) وروى ابن ماجه [٢٤٨٢] قريباً من ذلك.
مهمة:
المراد بـ (الأعلى) الذي لا يتقدمه أحد، وبالتالي الذي أحيي بعد الأول، وليس المراد بالثاني الأقرب إلى أصل النهر فالأقرب، بل الاعتبار بالسبق، كذا صرح به القاضي أبو الطيب وصاحبًا (المهذب) و (الشافي).
وفي (مغنى الحنابلة): وكثير من الناس يغلطون في ذلك ويجمدون على ظاهر قولهم: الأعلى فالأعلى، وإنما خرج ذلك على الغالب، وبعضهم يقول: الأول فالأول، والمراد: أول إحياء، وما أوهم خلاف ذلك من كلام الماوردي وابن الصباغ مؤول.
قال: (وحبس كل واحد الماء حتى يبلغ الكعبين) أي: يبلغ الجانب الأعلى منهما كما في آية الوضوء؛ لما روى الشيخان [خ٢٣٦٠ - م٢٣٥٧] وأصحاب السنن من حديث عبد الله بن الزبير: أن رجلاً من الأنصار خاصم الزبير في شراج الحرة التي
стр. 2464
فَإِنْ كَانَ فِي الأَرْضِ ارْتِفَاعٌ وَانْخِفَاضٌ .. أُفْرِدَ كُلُّ طَرَفٍ بِسَقْيٍ.
ــ
يسقون بها النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر فأبى عليه، فاختصما عند رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ للزبير: (اسق يا زبير حتى تبلغ الكعبين، ثم أرسل لماء إلى جارك) فغضب الأنصاري فقال: أن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال: (اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدار) فأولا أمره بأخذ بعض حقه، وثانياً أمره باستيفائه، والذي قاله المصنف هو ما ذهب إليه الجمهور.
وقيل: يرجع فيه إلى العادة، وهي تختلف باختلاف الأرض وما فيها من زرع، وبالزمان كما جزم به المتولي والماوردي، وقواه الشيخ.
وقيل: لا يقدم الأعلى، بل يسقون بالحصص، وهو غريب بل غلط.
واحترز بقوله أولاً: (ضاق) عما إذا لم يضق بأن كان يكفي الجميع، فإن كلا يسقي ما شاء متى شاء، وربما يظن أن الأنهار الكبار لا تحتاج إلى هذا الترتيب فيها لسعتها وليس كذلك، فإن أعظم الأنهار نيل مصر وسقي بلادها منه يحتاج إلى ضبط بالجسور ونحوها لتروى بلادها، وإلا .. فيضيع على بعضها، وكذلك أنهار الشام بالنسبة إلى بساتينها ودورها.
قال: (فإن كان في الأرض ارتفاع وانخفاض .. أفرد كل طرف بسقي) وطريقه: أن يسقي المنخفض أولاً حتى يبلغ الكعبين، ثم يسده ويسقي المرتفع، لأنهما لو سقيا معاً .. لزاد الماء في المنخفضة على القدر المستحق، بل طريقه: أن يسقي المنخفض حتى يبلغ الكعبين، ثم يسد ويسقي المرتفع.
قال الشيخ: والظاهر أنه لا يتعين البداءة بالأسفل، بل لو عكس .. جاز، ومرادهم لئلا يزيد في المستفلة على الكعبين، ولو سقى الأول ثم احتاج إلى السقي مرة أخرى .. مكن منه في الأصح.
وعمارة حافات هذه الأنهار من بيت المال.
ولو أراد رحل أحياء أرض وقيها من هذا الماء، فإن ضيق على الباقين .. منع، وإلا .. فلا.
стр. 2465
وَمَا أُخِذَ مِنْ هَذَا الْمَاءِ فِي إِنَاءٍ .. مُلِكَ عَلَى الصَّحيحِ. وَحَافِرُ بِئْرٍ بِمَوَاتٍ لِلاِرْتِفَاقِ أَوْلَى بِمَائِهَا حَتَّى يَرْتَحِلَ
ــ
قال: (وما أخذ من هذا الماء) أي: المباح (في إناء .. ملك على الصحيح) كالاحتطاب والاحتشاش، ولا يجب بذله إلا لمضطر، وكذلك إذا وضعه في حوض مسدود المنافذ .. نقل عن ابن المنذر فيه الإجماع، ولا يجب بذله إلا لمضطر، ومقابله وجه ضعيف يحكى عن أبي إسحاق: أنه لا يملك بحال؛ لأن الناس شركاء فيه.
واحترز بـ (المأخوذ في إناء) عن الداخل في ملكه بسيل؛ فإنه لا يملك بدخوله في الأصح.
وخص المتولي الوجهين بماء المطر إذا اجتمع في أرضه، وجزم بأنه لا يملك ماء السيل بدخوله في أرضه، وهذا إن صح كان وجهاً ثالثاً.
وقال ابن الصلاح: إذا دخل الماء في كيزان الدولاب الذي يديره الماء .. ملكه صاحب الدولاب كما لو استقى بنفسه، وكذا لو أدارته دابة من طريق أولى، ولو أخذه ثم أعاده إليه .. لا يصير شريكاً في النهر باتفاق الأصحاب.
قال: (وحافر بئر بموات للارتفاق أولى بمائها حتى يرتحل) المراد أولى بما يحتاج إليه من مائها لسقيه وماشيته وزرعته، لقوله ﷺ : (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم .. فهو أحق به) فإذا ارتحل .. صارت كالمحفورة للمارة، فلكل أحد الشرب منها ويسقي الزرع، فإذا عاد حافرها .. فهو فيها كغيره.
والمراد بقوله: (للارتفاق): ارتفاق نفسه، أما الحفر لارتفاق المارة .. فهو كأحدهم، وكذا الحافر بلا قصد في الأصح.
والمراد بكونه (أولى بمائها): فيما يحتاج إليه له ولماشيته وزرعته لا مطلقاً، فليس له منع ما فضل عنه عن المحتاج إليه للشرب إذا استقى بدلو نفسه، ولا منع مواشيه، وله منع غيره من سقي الزرع به، وفيه احتمال للإمام.
стр. 2466
وَالْمَحْفُورَةُ لِلَّمَلُّكِ أَوْ فِي مِلْكٍ .. يُمْلَكُ مَاؤُهَا فِي الأَصَحِّ، وَسَوَاءٌ مَلَكَهُ أَمْ لاَ .. لاَ يَلْزَمُهُ بَذْلُ مَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ لِزَرْعٍ، وَيَجِبُ لِمَاشِيَتِهِ عَلَى الصَّحِيحِ
ــ
قال: (والمحفورة) أي: في الموات (للتملك أو في ملك يملك ماؤها في الأصح)؛ لأنه نماء ملكه كالثمرة واللبن، ولأن الركاز له فالماء أولى.
والثاني- وهو قول أبي إسحاق-: لا يملكه؛ لظاهر قوله ﷺ : (الناس شركاء في ثلاث).
ويجري الخلاف فيما لو انفجرت عين في ملكه، وفي كل ما ينبع في ملكه من القير والنفط والمومياء والملح، والمنصوص أنه يملكه، وقال أبو إسحاق: لا.
واحترز بـ (المحفورة للتملك) عما إذا حفرها لمارة أو حفرها بلا قصد، والأصح أنه لا اختصاص له، والناس فيها سواء.
قال: (وسواء ملكه أم لا .. لا يلزمه بذلك ما فضل عن حاجته لزرع)؛ لأنه لا يجب سقيه، وقيل: يجب إذا احتاج الزرع إليه، وهو رواية عن أحمد؛ لما روى الأربعة: (أن النبي ﷺ نهى عن منع فضل الماء).
قال: (ويجب لماشيته على الصحيح)؛ لما روى الشافعي [شم ١/ ٣٨٢] عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: (من منع فضل الماء ليمنع به الكلأ .. منعه الله فضل رحمته يوم القيامة) وفيه إشارة إلى أن الكلأ من رحمة الله، فكما منعه بمنع الماء منعه الله من رحمته، وفيه إشارة إلى تحريمه؛ لأن رحمة الله تعالى لا يمنعها إلا معصيته، فلما كان فضل الماء مانعاً من الرحمة .. كان معصية، وخالفت البهائم الزرع؛ لما للروح من الحرمة بدليل وجوب سقيها بخلاف الزرع.
والثاني: لا يجب؛ لعموم: (لا يحل مال امرء مسلم إلا بطيب نفس منه).
стр. 2467
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكما لا تجب إعارة الدول والرشاء وبذل الماء المحرز في الأواني، والحديث محمول على الاستحباب.
تنبيهات:
أحدها: قول المصنف: (على الصحيح) يمكن عوده إلى عدم الوجوب للزرع والوجوب للماشية، فإن الخلاف فيهما، والتصحيح مختلف.
الثاني: للوجوب في الماشية شروط:
أن يكون فاضلاً عن حاجته كما تقدم، فإن لم يفضل .. لم يجب بلا خلاف؛ لأن الوعيد إنما جاء في بذلك الفضل، فإن لم يحتج إليه في الحال ولكن يحتاج إليه في ثاني الحال .. لزمه بذله؛ لأنه قد يستخلف.
وأن لا يجد للماشية ماء مباحاً، ووقع في كلام الرافعي: كلأ مباحاً، وهو سبق قلم.
وأن يكون بقرب الماء كلأ ترعاه المواشي، فإن لم يكن .. لم يجب.
وأن لا يكون عليه في وصول ماشيته إلى الماء ضرر لزرع ولا شجر، فإن استضر .. لم يلزمه التمكين.
وأن يكون الفاضل لم يحز في إناء أو حوض، فإن حازه .. لم يلزمه بذل فضله على الصحيح.
الثالث: المراد بـ (البذل): تمكين صاحب الماشية من الماء، ولا يلزمه استقاؤه لهم، ولا تمكينهم من دلوه وحبله وغربه، بل يسقيه أرباب الماشية بأنفسهم بآلتهم ودلائهم، وإذا دعت الضرورة إلى إعارة الدلو والرشاء وجب بالعوض، قاله القاضي حسين.
وأما بذله للرعاء .. فأصح الوجهين وجوبه؛ لأنهم أولى بذلك من الماشية، وهو وارد على المصنف، وإذا قلنا: لا يجب بذله .. كان له بيعه مقدراً بالكيل أو الوزن دون ري الماشية والزرع.
стр. 2468
وَالْقَنَاةُ الْمُشْتَرَكَةُ يُقْسَمُ مَاؤُهَا بِنَصْب خَشَبَةٍ فِي عُرْضِ النَّهْرِ فِيهَا ثُقَبٌ مُتَساوِيَةٌ أَوْ مُتَفَاوِتةٌ عَلَى قَدْرِ الْحِصَصِ، وَلَهُمُ الْقِسْمَةُ مُهَايَأَةً.
ــ
وإذا أوجبنا البذل .. لم يجز لحافر البئر طمها، فإن انطمت .. لم تلزمه تنقيتها لهم، فإن أرادوا تنقيتها .. لزمه تمكينهم ليتوصلوا إلى حقلهم منه، وقد يقال: إن حقهم إنما يكون إذا كان فضل، وعند الانطمام لا ماء ولا فضل، وتنقيتها تصرف في ملك الغير.
وجوابه أنه تصرف بمصلحة يعود نفعها عليهما وقد تعلق حقه بما هو ممكن منه.
قال: (والقناة المشتركة يقسم ماؤها بنصب خشبة في عرض النهر فيها ثقب متساوية أو متفاوتة على قدر الحصص) ليصل كل إلى حقه، ويجوز أن تكون الثقب متساوية مع تفاوت الحقوق ليأخذ صاحب الثلث ثقباً وصاحب الثلثين ثقبين، فلو كان لزيد العشر ولعمرو الخمس ولبكر الباقي .. جعل فيها عشر ثقب متساوية، لزيد واحدة ولعمرو ثنتان ولبكر الباقي.
هذا عند ضيق الماء، فإن اتسع بحيث يحصل لكل واحد قدر حاجته .. فلا حاجة لذلك.
قال الرافعي: والقناة كالبئر في ملك الماء ووجوب البذل وغيرهما، إلا أن حفرها لمجرد الإرفاق لا يكاد يتفق، ومهما اشتركوا في الحفر .. اشتركوا في الملك كما في النهر.
وقوله: (ثقب) ضبطه المصنف بالثاء المثلثة، ولو قرئ بالنون .. لصح، وعبارة أبي الطيب: حفر.
وجميع ما تقدم إذا علم مقدار الحصص، فإن جهل .. قسم على قدر الأرض؛ لأن الظاهر أن الشركة بحسب الملك على الأصح في زوائد (الروضة).
والثاني: على عدد الرؤوس؛ لأنه في أيديهم.
قال: (ولهم القسمة مهايأة) ليسقي هذا يوماً وذا يوماً؛ لقوله تعالى ﴿لها شرب ولكم شرب يوم معلوم﴾ وكقسمة سائر الأملاك المشتركة، وقد يكون الماء قليلاً لا ينتفع به إلا كذلك.
стр. 2469
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقيل: لا تصح القسمة إلا بالمهايأة؛ لأن الماء يقل ويكثر، وتختلف فائدة السقي بالأيام، فلو أراد أحدهم أن يأخذ نصيبه من الماء ويسقي به أرضاً ليس لها شرب من هذا النهر .. منع منه؛ لأنه يحدث شرباً لم يكن.
و (مهايأة) حال من القسمة، ومجيء الحال من المبتدا، منعه أكثر النحويين، لكن سيبويه أجازه فيخرج عليه كلام المصنف.
والمراد بـ (المهايأة): أمر يتهايأ القوم عليه، أي: يتراضون.
فرع:
الماء المملوك في البئر والقناة المملوكين على القول بأنه مملوك لا يصح بيعه؛ للجهالة والاختلاط.
وإذا باع واحد من الشركاء في النهر الأرض المملوكة له مطلقاً .. لم يدخل الشرب في البيع؛ لأنه ملك منفصل عنه لا تناوله إطلاق الاسم، فإن قال: بحقوقها الداخلة فيها والمنفصلة عنها .. دخل.
قال الشيخ: وبيع حق الماء من الأمور التي تعم بها البلوى في الشام؛ فإن غالب بيوتها لها حقوق فيها من مجار وقنوات تنتهي إلى الأنهار الكبار، فإن بيعت الدار بحقوقها .. فلا إشكال في ذلك، وإن اقتصرت على بيع الماء، فمتى وقع العقد على ذلك .. فهو باطل.
قال: والوراقون يحتالون في كتابة ذلك فيجعلون المبيع جزءاً معلوماً من خشبة يجري فيها الماء وما لها من الحقوق، وكل ذلك باطل؛ لأن ذلك لا يمكن ضبطه بجزء معلوم من البئر، وأيضاً النهر غير مملوك لبيت المال ولا لغيره، بل هو مباح لجميع الخلق .. فلا يجوز بيعه لاشتداد الحاجة إليه، كما أجمعوا على المنع من إقطاع مشارع الماء لاحتياج الناس إليها، فإذا وجدنا نهراً صغيراً بيد قوم مخصوصين مستولين عليه دون غيرهم .. فهو ملكهم يتصرفون بما شاؤوا، وإن لم يكن ملكاً لكن فيه مشارب لقوم مخصوصين .. فحقوقهم فيه على تلك المشارب يتصرفون فيها بالطريق الشرعي.
стр. 2470
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عجيبة:
في أحد واديي خيبر عين تسمى الحمة، وهي التي سماها النبي ﷺ قسمة الملائكة، يذهب ثلثا مائها في فلج والثلث الآخر في فلج آخر والمسلك واحد، وقد اعتبرت من زمان النبي ﷺ إلى اليوم تطرح فيها ثلاث خشبات أو ثلاث تمرات فتذهب اثنتان في الفلج الذي له ثلثا مائها وواحدة في الفلج الثاني، ولا يقدر أحد أن يأخذ من ذلك الفلج أكثر من الثلث، ومن قام في الفلج الذي يأخذ الثلثين ليرد الماء إلى الفلج الثاني .. غلبه الماء إلى الفلج الثاني وفاض ولم يرجع إلى الفلج الثاني شيء يزيد على الثلث، قاله البكري وغيره.
و (الفلج): النهر الصغير.
تتمة:
قال المتولي: إذا ملك أرضاً وأراد زراعتها ولا يمكن إلا بسوق الماء من أرض جاره بأن يحفر نهراً على وجه الأرض .. لا يلزمه تمكينه، ويخالف مسالة الجذوع؛ لأنه لا يعطل عليه منفعة الجدار بوضع الجذوع، فإنه يمكنه أن ينتفع بسطحه ورأس الجذع على الحائط كما كان ينتفع به قبل ذلك، وهنا تتعطل المنفعة على الجار، أما إذا أراد أن يحفر تحت الأرض طريقاً للماء في أرض غيره فهل يلزمه تمكينه؟ وجهان:
أصحهما: لا؛ لأن باطنها ملكه كظاهرها.
والثاني: يلزمه التمكين؛ لما روي أن الضحاك بن خليفة ساق نهراً، فأراد أن يمر به في أرض لمحمد بن مسلمة فمنعه، فرفع الأمر إلى عمر فقال: (لم تمنع أخاك ما ينفعه ولا يضرك؟ فأبى، فقال عمر: والله ليمرن به ولو على بطنك).
والجواب: أن هذه القصة منقطعة الإسناد، وأجاب البيهقي بأن عمر خالفه ابن مسلمة.
* * *
стр. 2471
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خاتمة
عن أبي حنيفة: لا حريم للنهر، وعن أبي يوسف ومحمد: له حريم، وهو مذهبنا.
قال الشيخ: ورأيت في ديار مصر من الفقهاء من يستنكر العمائر التي على حافات النيل ويقول: لا يجوز إحياؤها، وهذا عمت به البلوى في جميع البلدان، وإذا رأينا عمارة على حافة نهر .. لا نغيرها؛ لاحتمال أنها وضعت بحق، وإنما الكلام في الابتداء أو ما عرف حاله.
ويجوز الشرب من الجداول والأنهار المملوكة، والتوضؤ منها وسقي البهائم إذا لم يضر بأهلها؛ إقامة للإذن العرفي فيه مقام اللفظي، قاله الشيخ عز الدين في (القواعد).
قال: (فلو أورد ألفا من الإبل على جدول ضعيف فيه ماء يسير .. فلا أرى جواز ذلك فيما زاد على المعتاد. اهـ
فلو كان النهر لمن لا يعتبر إذنه كاليتيم والأوقاف العامة .. ففيه وقفة؛ لأن صريح إذن المستحق لا يؤثر هنا، فكيف يؤثر ما قام مقامه من العرف؟!
وإذا سقى أرضه بماء مملوك لغيره .. فالغلة لصاحب الأرض، قال الرافعي والمصنف: وعليه قيمة الماء، ولعل مرادهما: البدل؛ فإن الماء مثلي.
قال الحناطي: ولو استحل من صاحب الماء .. كان الطعام أطيب، يعني مع غرامة البدل.
* * *
стр. 2472
كِتَابُ الْوَقْفِ
ــ
كتاب الوقف
هو مصدر وقف يقف وقفاً، ومنه: ﴿وقفوهم إنهم مسئولون﴾، ويرادفه: التحبيس والتسبيل، والفصيح: وقف، ولا يقال: أوقف إلا في لغة شاذة تميمية وعليها العامة.
وهو من القرب المندوب إليها بأدلة خاصة.
قال الشافعي: ولم يحبس أهل الجاهلية فيما علمته داراً ولا أرضاً، وإنما حبس أهل الإسلام، يعني هذا التحبيس المعروف، وهو إشارة منه إلى أنه حقيقة شرعية، ويدل على مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب .. فعموم قوله تعالى: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾، ولذلك لما سمعها أبو طلحة .. رغب في وقف بيرحاء وهي أحب أمواله إليه.
ومن السنة قوله ﷺ : (إذا مات ابن آدم .. انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) رواه مسلم [١٦٣١].
والصدقة الجارية محمولة عند العلماء على الوقف، وأصرح منه ما في (الصحيحين) [خ٢٧٣٧ - م١٦٣٣]: أن عمر أصاب أرضاً بخيبر، فقال له رسول الله ﷺ : (إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها) فتصدق بها عمر على أن لا يباع أصلها ولا يورث ولا يوهب، والمشهور أنه أول وقف وقف في الإسلام.
وقيل: وقف النبي ﷺ قبله أموال مخيريق التي أوصى بها له في السنة الثالثة.
واشتهر اتفاق الصحابة على الوقف قولاً وفعلاً، فوقف عمر وعثمان وزيد بن ثابت
стр. 2473
شرط الواقف: صحة عبارته،
ــ
وعبد الله بن عمر وأنس وفاطمة والزبير بن العوام وحكيم بن حزام والأرقم والمسور بن مخرمة وجبير بن مطعم وعمرو بن العاصي، وغيرهم أكثر من ثمانين رجلاً كلهم تصدقوا بصدقات موقوفات.
قال الشافعي: وأكثر دور مكة وقف، ووقف علي البغيبغة وهي ضيعة بالمدينة لآل جعفر، قاله ابن سيده، وقال البكري: إنها بالينبع.
وقال أبو حنيفة: الوقف لا يصح، بمعنى: أنه لا يلزم، بل لابد أن يحكم به قاض؛ تمسكاً بما روي عن شريح أنه قال: لا حبس عن فرائض الله تعالى، والشافي حمله على الوقف على النفس.
وكان إسماعيل بن اليسع قاضياً بمصر يرى رأي أبي حنيفة في ذلك، فأرسل الليث بن سعد إلى هارون الرشيد: إنا لم ننقم عليه ديناراً ولا درهماً، ولكن أحكاماً لا نعرفها، فأرسل هارون كتاباً بعزله.
وقد رجع أبو يوسف عن ذلك لما سمع الحديث وقال: لا يسوغ لأحد أن يخالفه، ولو انتهى إلى أبي حنيفة .. لقال به.
والوقف في الشرع: حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، ممنوع من التصرف في عينه، وتصرف منافعه إلى البر تقرباً إلى الله تعالى.
قال: (شرط الواقف: صحة عبارته) أركان الوقف أربعة: الوقف، والموقوف، والموقوف عليه، وصيغة الوقف، ولذلك ذكرها المصنف؛ فيجب أن يكون صحيح العبارة: فلا يصح وقف صبي ومجنون بالاتفاق؛ لأنه تصرف مالي، ومن يقول بصحة وصية الصبي والسفيه لا يطرده في الوقف؛ لأن الوقف منجز فيتضرران به بخلاف الوصية، وشمل ذلك ما لو بنى ذمي مسجداً .. ففي (فتاوى البغوي): أن ذلك جائز وإن لم يكن يعتقده قربة اعتباراً باعتقاد المسلمين، كما لو باع الشحم .. يجوز وإن كان لا يعتقد جوازه، قال: ويحتمل أن لا يصح، وهذا
стр. 2474
وَأَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ،
ــ
الاحتمال منقول عن الواحدي في تفسير قوله تعالى: ﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله﴾، وهذا بخلاف العتق والتدبير؛ فإنهما يصحان منه، لأنه يعتقدهما قربة، وهما عندنا كذلك.
قال: (وأهلية التبرع) فلا يصح من المبذر والمكاتب، وهذا أحسن من قول (التنبيه): ممن يحص تصرفه؛ فإن المكاتب يصح تصرفه ولا يصح وقفه، على أن المصنف لو اقتصر على أهلية التبرع .. لاستغنى عن الأول.
وشملت عبارته: صحة وقف المبعض؛ لأنه يصح تبرعه، وصحة وقف ما لا يقدر على تسليمه في الحال، فيصح وقف المغصوب كعتقه، قاله الجوري وغيره.
وكذلك وقف المريض مرض الموت وإن كان معتبراً من الثلث، لكن يستثنى ما يقفه الإمام من أراضي بيت المال، صرح بجوازه القاضي حسين، وبه أفتى ابن أبي عصرون نور الدين الشهيد متمسكاً بوقف عمر السواد، ونقله ابن الصلاح في (فوائد رحلته) عن عشرة أو يزيدون، ثم وافقهم على صحته، ونقل في (المطلب) في (باب قسم الفيء والغنيمة) صحته عن النص، والصحة في الجهة العامة أولى من المعين.
وقال ابن عبد السلام: للملوك أن يقفوا ما لهم أن يملكوه ابتداء على جهة الخير ما تستحقه تلك الجهة كالمدارس والربط، دون ما لا يجوز لهم تملكه كوقف الضياع على أولادهم وأمرائهم؛ فإنه لا يجوز.
ولو وقفوا على جهة أكثر ما تستحقه كنصف إقليم على مدرسة .. صح في قدر ما تستحقه دون غيره.
قال الشيخ: والذي أراه: أنه لا يجوز أن يقف من بيت المال على شخص أو أشخاص، ولا على طائفة أو طوائف خاصة؛ تمسكاً بقول الأصحاب: شرط
стр. 2475
وَالْمَوْقُوفِ: دَوَامُ الاِنْتِفَاعِ بِهِ،
ــ
الموقوف أن يكون مملوكاً للواقف، والواقف هنا ليس بمالك، فكيف يصح وقفه؟ وكذلك حكم ما يقفه الإمام من رقاب أراضي الفيء، نص عليه وجرى عليه الجمهور، وكذلك ما يقفه الحاكم من بدل الموقوف عند تلفه، وما يقفه من ريع اشتراط أن يشتري به ويوقف، فكل هذا صحيح من غير أهل تبرع فيه.
قال: (والموقوف دوام الانتفاع به)؛ لأن الوقف إنما يراد للدوام، لأنه صدقة جارية قال ﷺ : (حبس الأصل) وما لا يدوم النفع به لا أصل له يحبس.
وشرط المنفعة: أن تكون مباحة مقصودة، فلا يصح وقف آلات الملاهي جزماً وما لا يقصد بيعه كالدراهم والدنانير للتزيين على الأصح المنصوص.
وقيل: فيه وجهان مبنيان على صحة إجارتهما إن صححناها .. صححناه، ويصح وقف الحلي للبس النساء.
ولا يشترط وجود المنفعة حالاً، بل يجوز إن كانت منتظرة كالأرض الخراب والعبد والجحش الصغيرين، وكذلك الكبير المغصوب كما تقدم، وأورد على هذا الضابط: المدبر ومعلق العتق بصفة؛ فإنه يصح وقفهما مع أنه لا يدوم النفع بهما، فإنهما يعتقان بموت السيد كما سيأتي قريباً، وكذا لو استأجر للبناء والغراس فبنى أو غرس ثم وقفه .. فإنه يصح وإن لم يدم النفع به.
فرع:
أجر أرضه ثم وقفها .. قال الشيخ أبو علي والماوردي والروياني: يصح، وكذلك صححه في (أصل الروضة)، وبه أفتى ابن الصلاح؛ لأنه مملوك بالشرائط، وليس فيه إلا العجز عن صرف المنفعة إلى جهة الوقف في الحال، وذلك لا يمنع الصحة كوقف المغصوب، وهذه حيلة لمن يريد إبقاء ثمرة الموقوف عليه لنفسه مدة بعد
стр. 2476
لاَ مَطْعُومٌ وَرَيْحَانٌ. وَيَصِحُّ وَقْفُ عَقَارٍ وَمَنْقُولٍ
ــ
الوقف، لكن في (فتاوى القفال): أنه مخرج على الوقف المنقطع الأول.
قال: (لا مطعوم)؛ لأن منفعته في استهلاكه، ومقصود الوقف الدوام.
قال: (وريحان)؛ لسرعة فساده، هذا في الرياحين المحصودة، أما المزروعة .. فالظاهر- كما قال ابن الرفعة-: صحة وقفها للشم؛ لأنها تبقى مدة.
وفهم من تمثيلة بـ (الريحان) المشموم الذي ينتفع به على الدوام كالعود ونحوه يصح وقفه.
قال: (ويصح وقف عقار) بالإجماع، سواء في ذلك المقسوم والمشاع.
وأشار في (الأم) إلى أنه لابد من ضبط الشهود له بالحدود الأربعة كما في البيع، وبه صرح الماوردي وغيره، وقد تقدم في (الأصول والثمار) عن الماوردي: أنه لا يكفي ذكر حد ولا حدين، فإن تميزت بذكر الحدود الثلاثة .. صح البيع، وإلا .. لم يصح، فليكن هنا كذلك، لكن في (فتاوى الغزالي): إذا قال للشهود: اشهدوا علي أني وقفت جميع أملاكي، وذكر مصرفها ولم يحدد شيئاً منها .. صارت جميع أملاكه التي يصح وقفها وقفاً، ولا يضر جهل الشهود بالحدود، ولا سكوته عن ذكرها، ومهما شهد الشهود على هذا اللفظ .. ثبت الوقف.
قال: (ومنقول)؛ لإجماع المسلمين على صحة وقف الحصر والمصابيح في المساجد من غير نكير، وقال ﷺ : (وأما خالد .. فإنكم تظلمون
стр. 2477
وَمُشَاعٍ،
ــ
خالداً؛ فإنه احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله) رواه الشيخان [خ١٤٦٨ - م٩٨٣] من حديث أبي هريرة.
قال القاضي حسين: الأعتاد الخيل، وتؤيده رواية: (وأفرسه) ذكرها صاحب (التقريب).
وقال الشيخ: الصواب: أعتده، وهي جمع عتاد وهو: كل ما أعده من السلاح والدواب كما قاله الخطابي وجماعة، ورواه المتولي وغيره بالباء جمع عبد، وقال الحافظ أبو بكر بن المفوز: إنه الأصح المحفوظ في الرواية.
وقال أبو حنيفة: لا يصح وقف الحيوان، وعنه: ولا وقف الكتب، ومنع مالك وقف المنقول مطلقاً.
قال: (ومشاع)؛ لأن عمر ﵁ وقف مئة سهم اشتراها من خيبر وكانت مشاعاً، رواه الشافعي [١/ ٣٠٨] وغيره.
وروى البيهقي [٦/ ١٦٢]: أن الحسن أو الحسين وقف أشقاصاً من دور، فأجاز ذلك العلماء، وسواء في ذلك العقار والمنقول.
قال ابن الرفعة: هذا مما يمكن الانتفاع به مع الإشاعة، فإن لم يكن كوقف نصف من دار أو أرض مسجداً .. فالظاهر: أنه لا يصح، وإذا صح وقف المشاع .. لا تثبت للشريك الشفعة فيه كما تقدم، وقد تقدم عن ابن الصلاح أنه أفتى بصحة وقف المشاع مسجداً، وثبت للبقعة أحكام المسجد، فلا يجوز للجنب المكث فيها، وتجب القسمة لتعينها طريقاً إلى الانتفاع بالموقوف، والذي قاله ابن الصلاح جزم به ابن الصباغ في (الكامل) بالكاف.
стр. 2478
لاَ عَبْدٍ وَثَوْبٍ فِي الذِّمَّةِ،
ــ
قال الشيخ: وقوله بوجوب القسمة مخالف للمنقول، إلا أن يكون في المسألة بخصوصها نقل صريح.
قال: ووقفت على فتيا الشيخ شرف الدين البارزي ﵀: أنه إذا صح وقفه .. يجوز للجنب المكث فيه ما لم يقسم، كما يجوز للجنب حمل المصحف مع أمتعة.
قال: وهذا غير صحيح؛ لأن محل جواز حمل المصحف إذا لم يكن مقصودًا.
ولو وقف نصف عبد ثم أعتق باقيه .. لم يسر للوقف؛ لأنه لا يقبل العتق.
ويجوز وقف الفحل للضراب، ووقف الأشجار للثمار، ووقف علو الدار دون سفلها وبالعكس.
فرع:
صحح ابن الصلاح والمصنف وقف ما لم يره الواقف، ولا خيار له عند الرؤية، ونقله ابن الرفعة عن شيخه الشريف عماد الدين؛ لأن عمر لم ير سواد العراق، وبناه بعض مشايخ الزمان على الملك، إن قلنا للموقوف عليه .. لم يصح، وإلا .. صح، وبناه ابن الرفعة على صحة وقف أحد عبديه.
قال الشيخ: ولم أر من ذكر المسألة غيرهم مع كثرة المطالعة، وفي أكثر الكتب اعتبار الوقف بالبيع فيقتضي ترجيح المنع، وعمر يحتمل أنه وكل في وقف السواد من رآه.
ويصح وقف الأعمى وإن لم يصح بيعه، وقل من تعرض لذلك.
ويصح وقف أسفل الدار دون علوها وعكسه، سواء وقفه مسجداً أو غيره.
قال: (لا عبد وثوب في الذمة) أي: لا وقف؛ إذ الوقف إزالة ملك، فصار كما لو أعتق عبداً في الذمة، سواء كان ذلك في ذمته أو ذمة غيره.
стр. 2479
وَلاَ وَقْفُ حُرٍّ نَفْسَهُ، وَكَذَا مُسْتَوْلَدَةٌ وَكَلْبٌ مُعَلَّمٌ وَأَحَدُ عَبْدَيْهِ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ وَقَفَ بِنَاءً أَوْ غِرَاساً فِي أَرْضٍ مُسْتَاجَرَةٍ لَهُمَا .. فَالأَصَحُّ: جَوَازُهُ.
ــ
نعم؛ يجوز التزامه في الذمة بالنذر.
ولا يصح وقف الحمل وإن صح عتقه، كذا صرح به الماوردي، ولو وقف حاملاً وقلنا: ليس للحمل حكم .. فالأقرب: أنه على الوجهين في الولد الحادث فيكون ملكاً للموقوف عليه على الأصح.
قال: (ولا وقف حر نفسه)؛ لأن رقبته غير مملوكة وإن قدرنا أن منافعه ملحقه بالأموال؛ لأن الوقف يشبه التحرير، وملك المنفعة لا يفيد ولاية التحرير، وكذا مالك المنفعة لا يجوز أن يقفها، سواء ملكها مؤقتاً كالإجارة أو مؤبداً كالوصية.
قال: (وكذا مستولدة وكلب معلم وأحد عبديه في الأصح)؛ لأن المستولدة لا تقبل النقل، والكلب غير مملوك، وأحد عبديه مبهم فامتنع كالبيع.
والثاني: يصح في المستولدة كما يصح إيجارها، وفي الكلب إذا قلنا: تصح إجارته، وفي أحد عبديه بالقياس على العتق ويطالب بالتعيين.
أما غير المعلم .. فلا يصح وقفه جزماً، وأما القابل للتعليم .. فالظاهر طرد الخلاف فيه.
وأما معلق العتق بصفة .. فيصح وقفه، فإذا وجدت الصفة .. عتق إن قلنا: الملك للواقف وبطل الوقف، وإن قلنا: للموقوف عليه .. لم يعتق ويبقى الوقف، وإن قلنا: لله تعالى .. قال البغوي والرافعي: عتق، وفي (النهاية) و (البسيط): لا يعتق.
وأما المدبر .. فيصح وقفه بلا خلاف، وهو رجوع عن التدبير إن جعلناه وصية، وإن قلنا: تعليق عتق بصفة .. فكوقف معلق العتق بها.
قال: (ولو وقف بناء أو غراساً في أرض مستأجرة لهما .. فالأصح: جوازه)؛ لأنه مملوك منتفع به مع بقاء عينه، سواء في ذلك الإجارة الصحيحة والفاسدة.
стр. 2480
فَإِنْ وَقَفَ عَلَى مُعَيَّنٍ وَاحِدٍ أَوْ جَمْعٍ .. اشْتُرِطَ إِمْكَانُ تَمْلِيكِهِ؛ فَلاَ يَصِحُّ على جَنِينٍ،
ــ
والثاني: المنع؛ لأنه معرض للقلع، واختاره القفال.
ومحل الخلاف: إذا لم يقف رب الأرض أرضه معه، فإن وقفها .. صح بلا خلاف كما لو اجتمعا على البيع، وكان الأحسن أن يقول: له؛ لأجل العطف بـ (أو).
ثم على القول بالصحة: إذا مضت مدة الإجارة .. فليس للمؤجر تملكه بالقيمة، بل يتخير بين الأمرين الأخيرين، فإن قلع .. فهو وقف كما كان، فيوضع في أرض أخرى، إلا أن يبقى به نفع ففي هذه الحالة هل يصير مملوكاً للموقوف عليه أو للواقف؟ وجهان لا ترجيح فيهما، واستبعدهما الشيخ وقال: ينبغي أن يشتري به عقاراً أو جزءاً منه.
وقوله: (مستأجرة) مثال؛ فإن المستعارة والموصى بمنفعتها له مدة كذلك، وسيأتي بعد ورقة وشيء حكم ما إذا شرط الواقف صرف أجرة الأرض من ريع الوقف.
قال: (فإن وقف على معين واحد أو جمع .. اشترط إمكان تمليكه) أي: في الحال ولو ذمياً وفاسقاً وغنياً، ثم إن الوقف تمليك للمنفعة.
وعبر في (الروضة) بدل (جمع) بـ (جماعة) وهو أحسن؛ لدخول الاثنين.
وخرج بـ (إمكان التمليك) ما إذا وقف على أولاده ولا ولد له حالة الوقف .. فإنه يبطل بخلاف الوصية، وكذا لو وقف على فقراء أولاده وليس فيهم فقير، فإن كان فيهم فقير وغني .. صرف إلى الفقير، ويصرف إلى من افتقر من بعده، قاله البغوي.
قال: (فلا يصح على جنين)؛ لأن الوقف تمليك وإثبات حق ناجز فأشبه الهبة، وليس كالوصية؛ لأنها تتعلق بالمستقبل، وفي وجه غريب: أنه يصح كالإرث، حكاه في (البحر).
стр. 2481
وَلاَ عَلَى الْعَبْدِ لِنَفْسِهِ،
ــ
وإذا لم يصح في الجنين في البطن .. فعلى جنين سيحدث أولى بالمنع، وقيل: إن كان تابعاً لغيره .. صح، كما لو وقف على أولاده وله ولد مجتن .. دخل معهم، ويوقف نصيبه، وإن كان مستقبلاً .. فلا.
قال: (ولا على العبد لنفسه)؛ لأنه ليس أهلا للملك، فإن ملكناه .. صح، وصرف لسيده كسائر أكسابه، فإذا عتق .. عاد إليه، ورده الرافعي بأن محله إذا ملكه سيده، فأما إذا ملكه غيره .. فلا يملك بلا خلاف، وحينئذ فإذا كان الواقف غير السيد .. كان الوقف على من لا يملك، واعترض عليه بأن الخلاف جار أيضاً في غير السيد كما صرح به الماوردي وغيره.
نعم؛ يستثنى من ذلك ما إذا وقف على عبد أوقف على سدانة الكعبة، أو قبر رسول الله ﷺ .. فإنه يصح على الأصح، ويستثنى المبعض؛ فإن الوقف عليه صحيح قطعاً، قاله ابن خيران.
فلو أراد سيد المبعض أن يقف بعضه الرقيق على بعضه الحر .. فالظاهر الصحة، كما لو أوصى لنصفه الحر .. فإنه صح في الأصح في زوائد (الروضة)، والمدبر وأم الولد في ذلك كالقن.
والوقف على المكاتب .. قال الشيخ أبو حامد: لا يصح كالوقف على القن، وقال الماوردي [والمتولي]: يصح في الحال، وتصرف الفوائد إليه، ويدام حكمه إذا عتق إن أطلق الوقف، وإن قال: تصرف الفوائد إليه ما دام مكاتباً .. بطل استحقاقه، وإن عجز .. بأن لنا أن الوقف منقطع الابتداء.
وإن وقف على المكاتبين .. صح وإن لم يعينهم؛ لأنهها جهة قربة، فإن صرف إليهم فعجز بعضهم .. فالحكم في الاسترجاع كما في الزكاة، والصورة إذا كان مكاتباً
стр. 2482
فَلَوْ أَطْلَقَ الْوَقْفَ عَلَيْهِ .. فَهُوَ وَقْفٌ عَلَى سَيِّدِهِ، وَإذَا أَطْلَقَ الْوَقْفَ عَلَى بَهِيمَةٍ .. لَغَا، وَقِيلَ: هُوَ وَقْفٌ عَلَى مَالِكِهَا.
ــ
لغيره، فإن كان مكاتباً له .. لم يصح كما جزم به الماوردي وغيره.
قال: (فلو أطلق الوقف عليه .. فهو وقف على سيده) كما لو وهب له أو أوصى له، وفي وجه: لا يصح كالبهيمة، حكاه العمراني.
والأصح: أنه لا يحتاج قبوله إلى إذن السيد كما هو الأصح في الهبة والوصية، وأنه لا يكفي قبول السيد على الأصح وإن كان الملك له؛ لأن الخطاب ليس معه، فيكون المعنى: هو للسيد إذا تم.
قال: (وإذا أطلق الوقف على بهيمة .. لغا)؛ لأنها ليست أهلا للملك، ولهذا لا تجوز الهبة لها ولا الوصية.
قال: (وقيل: هو وقف على مالكها) كما لو وقف على العبد، فإن شرطنا القبول .. قبل مالكها، بخلاف ما إذا أضافه إلى العبد على الأصح؛ لأن الخطاب لم يجر معه، أما إذا لم تكن البهيمة مملوكة كما إذا وقف على علف الوحوش والطيور المباحة أو طيور حرم مكة .. فلا يصح قطعاً، كذا نقله الرافعي عن المتولي، لكنه اعترضه في (باب الوصية) فقال: الوصية على رأي وصية للبهيمة نفسها، وحينئذ فلا يتجه فرق بين المملوكة وغيرها، وهذا يعترض به على ما قاله في (الوقف) اهـ
واستبعد الشيخ أيضا مقالة المتولي، وقال: فيها نظر، ثم نقل عن الجويني ما يخالف مقالته.
نعم؛ يستثنى من ذلك الوقف على الخيل المسبلة في الثغور، فإنه يصح الوقف عليها كما جزم به الدارمي والزبيلي.
стр. 2483
وَيَصِحُّ عَلَى ذِمِّيٍّ،
ــ
ولو قال: وقفت على علف هذه البهيمة أو نفقة هذا العبد ما عاش ثم بعده على الفقراء والمساكين .. لم يصح؛ لأن الوقف عليها- إذا صح- وقف على مالكها، والوقف لا يقبل النقل، فإذا مات العبد، إن نفينا الوقف .. كان مجهول الصرف، وإن قطعناه .. لم يكن الوقف لازما، وهو خلاف مقتضاه.
ولو وقف على عمارة دار زيد، فإن كانت دار زيد وقفا .. صح، وإلا .. فلا، قاله الماوردي والروياني، وقال ابن الرفعة: في الصحة نظر؛ لأن عمارتها من وقفها فيتعطل ما اقتضاه الوقف الأول.
قال: (ويصح على ذمي) أي: معين، سواء كان الواقف مسلما أو ذميا كصدقة التطوع وهي على الذمي جائزة، وحكى الجيلي فيه وجهاً.
أما غير المعين كأهل الذمة واليهود والنصارى .. فالمذكور في (الحاوي) و (تعليق القاضي حسين) و (شرح الكافية) للصيمري و (الشامل) و (البحر) و (التتمة) و (التحرير) وغيرها: أنه صحيح؛ لأن الصدقة عليهم جائزة وقال الرافعي: إنه الأشبه بكلام الأكثرين بناء على أن المرعي التمليك لا القربة، ثم مال إلى المنع؛ لتضمنه الإعانة على المعصية، وهو الذي أجاب به القاضي حسين، واقتضى كلام (الكافي) الجزم به.
تنبيهان:
أحدهما: يشترط في المعين أن لا يظهر فيه قصد المعصية، فلو قال: وقفت على
стр. 2484
لاَ مُرْتَدٍّ وَحَرْبِيٍّ
ــ
خادم الكنس .. ففي (الشامل) وغيره: أنه لا يصح.
الثاني: إنما يجوز أن يوقف عليه ما يجوز أن يملكه، فيمتنع وقف العبد المسلم وكتب العلم عليه، أما المعاهد والمستأمن .. فهما كالحربي.
فرع:
وقف على أولاد اليهود والنصارى بشرط أن من أسلم منهم خرج عن الوقف .. ينبغي القطع بأنه لا يصح هذا الشرط؛ لأنه جهة معصية مقصودة، بخلاف ما لو لم يقصد .. فيحمل على جهة القربة فقط.
قال الشيخ: قد وقع لي في المحكمات هذا الشرط، فأبطلته وأثبت الوقف عليهم مع الإسلام.
قال: (لا مرتد وحربي)؛ لأنهما مقتولان لا بقاء لهما، والوقف صدقة جارية فلا يصح على من لا بقاء له، كذا علله الرافعي تبعاً لـ (المهذب)، ونقضه في (البيان) بصحة الوقف على الزاني المحصن، وفي معناه من تحتم قتله في المحاربة ومن استحق القتل بترك الصلاة.
والوجه الثاني: يجوز الوقف عليه كالذمي، ومال إليه ابن الرفعة، لاسيما إذا أبقينا ملك المرتد.
وخص الخلاف في (نكت التنبيه) بقوله: وقفت على زيد الحربي أو المرتد، فأما إذا قال: وقفت عل الحربيين أو المرتدين .. فلا يصح قطعاً.
стр. 2485
وَنَفْسِهِ فِي الأَصَحِّ
ــ
وينبغي أن يقيد محل الخلاف في الحربي أيضاً بغير آلة الحرب، كما قيدوا به في الوصية له بغير ذلك وإن كان المطلق قد أطلق في البابين.
قال: (ونفسه)؛ لأن النبي ﷺ قال: (حبس الأصل وسبل الثمرة) وتسبيل الثمرة يمنع أن يكون له فيها حق.
قال: (في الأصح) الخلاف عائد إلى المسائل الثلاثة، ومقابله هنا: يصح، وبه قال ابن سريج والجوري وابن الصباغ والزبيري؛ لأن استحقاق الشيء وقفاً غير استحقاقه ملكاً، وقد يقصد حبسه ومنع نفسه من التصرف المزيل للملك.
قال في (البحر): وعليه أكثر مشايخ خراسان، ويجوز أن يفتى به للمصلحة.
وقيل: يصح الوقف وتلغو الإضافة كما لو وقف وسكت عن السبل.
وقيل: إن كان على نفسه وغيره .. جاز، وإلا .. بطل.
وعلى الأًح: لو حكم به حاكم .. نفذ ولم ينقض.
ويستثنى من بطلان الوقف على النفس صور:
منها: إذا وقف على الفقراء ثم صار فقيراً .. جاز أخذه منه على الأصح؛ لأنه لم يقصد نفسه، وصحح الغزالي والبغوي المنع؛ لأن مطلقه ينصرف إلى غيره، بخلاف ما لو وقف رباطاً على المارة أو مقبرة للدفن .. فإنهما وافقا على الدخول فيهم.
ولو وقف على الفقراء وهو فقير .. قال الشيخ: لم أرها منقولة، وينبغي أن يكون فيه وجهان: أصحهما: الجواز، ولها وللتي قبلها التفات إلى أن المخاطب هل يدخل في عموم خطابه؟
وفي (الكافي): لو وقف على الفقراء وهو فقير أو على الفقهاء وهو فقيه .. يأخذ معهم كواحد منهم، فيدخل في العام ولا يدخل في الخاص في الأصح.
ومنها: لو شرط الواقف النظر لنفسه وشرط له أجرة .. ففي صحة هذا الشرط
стр. 2486
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وجهان: أصحهما عند المصنف: صحته، وقيده ابن الصلاح بأجرة المثل.
ومنها: لو كانت منافع الموقوف مباحة كالمسجد وماء البئر فوقف على الناس وصرح بنفسه معهم .. فإنه يصح ويدخل كما جعل عثمان ﵁ دلوه في بئر رومة كدلاء المسلمين؛ لأنه لم يقل ذلك على سبيل الاشتراط، بل على سبيل الإخبار.
قال المصنف: ومن هذا النوع: لو وقف كتاباً على المسلمين للقراءة فيه ونحوها، أو قدراً للطبخ فيها، أو كيزاناً للشرب فيها ونحو ذلك .. فللواقف الانتفاع معهم.
ومنها: أن يقف على أولاد أبيه المتصفين بصفة الفقه مثلاً، وليس فيهم فقيه سواه .. ففي (شرح ابن يونس): أنه يصح، وسبقه إلى تصحيح ذلك الفارقي، وتبعهما ابن الرفعة فوقف وقفاً على الأفقه من بني الرفعة وكان يتناوله، وكلام الماوردي والعزالي في (فتاويه) يصرح بخلافه.
ومنها: أن يرفعه إلى من يراه فيحكم بصحته، ولو وقف على نفسه ثم جهات متصلة وأقر بأن حاكماً حكم بصحة هذا الوقف ولزومه .. أفتى البرهان المراغي بأنه يؤاخذ بإقراره في نفسه، ويجوز نقض الوقف في حق غيره، وخالفه الشيخ تاج الدين الفزاري وقال: إقراره فيما بيده مقبول عليه وعلى من يتلقى منه كما لو قال: هذا وقف علي.
ومنها: في (الحاوي): لو وقف وقفاً على أن يحج عنه منه أو يجاهد عنه منه .. قال الماوردي والروياني: جاز، ولا يكون وقفاً على نفسه؛ لأنه لا يملك شيئاً من غلته، فإن ارتد .. لم يجز الصرف في الحج؛ لأنه لا يصح عن المرتد، فيصرف إلى الفقراء والمساكين، فإن عاد إلى الإسلام. أعيد الوقف إلى الحج عنه، ولو وقف
стр. 2487
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على الجهاد عنه .. جاز، فلو ارتد الواقف .. فالوقف بحاله يصرف إلى المجاهدين عنه؛ لأن الجهاد يصح من المرتد.
ومنها: ما إذا أجر شيئاً مدة يظن أنه لا يعيش إلى مثلها، ثم وقفه، ثم استأجره لنفسه المدة المعقود عليها .. فينفرد باليد كما أفتى به ابن الصلاح وغيره.
فرع:
وقف على ولده ثم على ورثة ولده ثم على الفقراء، فمات ولده وهو وارثه فهل يرجع إليه قدر ميراثه؟ وجهان:
قال ابن سريج والزبيري: يرجع.
والثاني: لا يرجع إليه منه شيء، بل يكون نصيبه للفقراء، ويصرف الباقي إلى بقية الورثة، وبه أفتى الغزالي.
حادثة:
لا يصح الوقف بشرط أن يقضي منه دينه؛ لكونه وقفاً على نفسه وغيره.
فعلى هذا: لا يصح ما يعتمده الواقفون للبناء القائم على الأرض المحتكرة من اشتراط صرف أجرة الأرض من الريع؛ لكون الأجرة ديناً عليهم، قال الشيخ علاء الدين القونوي: وهذا يقع كثيراً في أوقاف الديار المصرية وغيرها، وكذلك كان الشيخ شمس الدين بن عدلان يفتي ببطلان الوقف بذلك، وبأن واقف الأبنية على الأرض المحتكرة تلزمه أجرة الأرض تخريجاً من جناية العبد الموقوف أن الفداء لازم
стр. 2488
وَإِنْ وقَفَ عَلى جِهِةِ مَعْصِيَةٍ كَعِمَارَةِ الْكَنَائِسِ .. فَبَاطِلٌ،
ــ
للواقف على الصحيح بجامع أنه فوت بالوقف بيعه، والظاهر: أنها لا تلزمه، بل إن كان هناك ريع .. وجبت منه، وإلا .. لم تلزم الواقف الأجرة لما بعد الوقف، وللمالك مطالبته بالتفريغ.
والفرق بينه وبين جناية العبد الموقوف عليه: أن رقبته محل لتعلق الجناية بها لولا الوقف، بخلاف البناء إنما محل التعلق ذمة المالك، وقد زال ملكه فيزول التعلق، ولهذا لو مات العبد قبل اختيار الفداء .. لم يتعلق بالسيد منه شيء، ولو انهدم البناء .. كانت الأجرة الماضية لازمة للمالك، لا جرم كان المفتى به: صحة الوقف ولزوم الشرط وانقطاع الطلب عن الواقف.
وإذا سكت الواقف عن الشرط المذكور والحال أنه ليس هناك إجارة صحيحة .. فإنه يصرف الحكر من ريع الوقف، وعليه جرى العمل، ويكون مقدماً كالعمارة، وإنما يكون في تركة الواقف عند وجود الإجارة الصحيحة، وبهذا صرح بان الأستاذ فإنه قال: والأجرة من ريعه إن شرط الواقف ذلك أو سكت عنه.
قال: (وإن وقف على جهة معصية كعمارة الكنائس .. فباطل) بلا خلاف؛ لأنه إعانة على معصية، وسواء في ذلك الإنشاء والترميم، وسواء منعوا من ذلك أم لا بأن تكون في بلاد فتحت صلحاً على أن تكون رقابهم لهم، وكذا لو وقف على حصرها وسرجها وكتب التوراة والإنجيل؛ لأنهم حرفوا وبدلوا.
ونبه الشيخ على ما وقع في آخر (البخاري): (قال ابن عباس: وليس أحد يزيل لفظ كتاب الله من كتب الله تعالى، ولكنهم يحرفونه يتأولونه على غير تأويله) أن هذا الكلام يحتمل أن يكون من قول ابن عباس وأن يكون مدرجاً بعده، وكان بعض الناس يغتر به ويرى جواز مطالعته، قال: وهذا منكر من القول، فلا خلاف في تبديلها، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الواقف مسلماً أو ذمياً.
стр. 2489
أَوْ جِهَةِ قُرْبَةٍ كَالْفُقَرَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْمَدَارِسِ .. صَحَّ،
ــ
ومعنى البطلان: أنا نحكم به إذا ترافعوا إلينا، وإلا .. لم نتعرض لهم حيث لا يمنعون من الإظهار، ولو قضى به حاكمهم ثم ترافعوا إلينا .. نقضناه، أما إذا وقفوه على كنائسهم القديمة قبل المبعث .. فإنه يقرر حيث تقرر الكنائس، كذا قال الرافعي، وأخذ ابن الرفعة منه أن الوقف على ترميم الكنائس التي يجوز تقريرهم عليها إذا لم يمنع منه يجوز، ونازعه الشيخ في ذلك وقال: الصواب: أن الوقف على ترميمها باطل.
كل هذا في كنائس التعبد، أما ما ينزلها المارة من أهل الذمة .. فنص الشافعي والجمهور على جواز أن يوصى ببنائها، وحكى الماوردي وجهاً: أنه لا يجوز إلا أن يشرك معهم المسلمين في النزول.
قال ابن الرفعة: والوقف يشبه أن يكون كالوصية، فلو جمع بين نزول المارة والصلاة فيها .. ففي (الاستقصاء): يحتمل أن يصح في نزول المارة، ويبطل في الصلاة.
قال: (أو جهة قربة) أي: جهة يظهر فيها قصد القربة، وإلا .. فالوقف كله قربة، وهذا يسمى وقفاً على الجهة؛ لأن الواقف نظر إلى جهة الفقر والمسكنة، ويقصد سد خلة موصوف بهذه الصفة لا لشخص بعينه.
قال: (كالفقراء والعلماء والمساجد والمدارس .. صح)؛ لحصول مقصود الوقف- وهو القربة- ولعموم الأدلة، ولأن الجامدات ليست مستحقة، إلا أن ذلك وقف على جماعة المسلمين؛ ليكون النفع عائداً عليهم، وعلى هذا النحو جرت أوقاف الصحابة رضوان الله عليهم.
وقيل: لا يصح على من لا يملك كالكعبة والمسجد، حكاه الرافعي في (التذنيب).
وفي (فتاوى القفال) قول: إنه لا يصح على العلماء؛ لأنهم ينقطعون، بخلاف الفقراء.
والعلماء في العرف الشرعي: علماء الشرع الآتي ذكرهم في (الوصية).
стр. 2490
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نعم؛ يشترط في الجهة إمكان حصرها، فلو قال: وقفت على جميع الناس أو جميع الخلق أو على كل شيء .. فباطل، قاله الماوردي والروياني، فإن الوقف ما كانت سبله مخصوصة الجهات لتعرف؛ لأنه لا يمكن استيفاء هذا الشرط، وفرقا بينه وبين ما لو وقف على الفقراء والمساكين حيث يجوز؛ لأن الجهة مخصوصة، وعرف الشرع فيهم لا يوجب استيعاب جميعهم كالزكاة، ونازعهما الشيخ في ذلك ومال إلى الصحة؛ لأن الإسلام جهة اعتبرها الشارع في الإرث والعقل وغيرهما والمساجد موقوفة على جميع المسلمين.
فائدة:
بناء المسجد من أعظم القربات؛ ففي (الترمذي) [٥٩٤] و (ابن ماجه) [٧٥٩] من حديث عائشة ﵂ قالت: (أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب).
وفي (صحيح البخاري) [٤٢٨] في (باب من نبش قبور مشركي الجاهلية) عن أنس بن مالك في حديث طويل: (أن النبي ﷺ أمر ببناء المساجد).
وفي (صحيح مسلم) [٥٣٣]: أن النبي ﷺ قال: (من بنى لله مسجداً .. بنى الله له في الجنة مثله).
وفي (ابن حبان) [١٦١٠] عن أبي ذر: أن النبي ﷺ قال: (من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة .. بنى الله له بيتاً في الجنة).
و (مفحص القطاة) بفتح الميم: مجثمها.
следующие страницы →