← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13783

النجم الوهاج في شرح المنهاج

الدميري

Полный текст (5 377 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فروع: الأول: الوقف على الإخوة يشمل الأخوات، كذا قاله الماوردي، وبه أفتى الشيخ وفقهاء الشام ومصر، وهو المعتمد. ووقع في (الشرح الكبير) في آخر (الوصية) الجزم بعدم دخولهن في اسم الإخوة، ويدل للأول إجماع الصحابة على أن الأم تحجب الأخوات كما تحجب بالأخوة. الثاني: أفتى قاضي القضاة ابن رزين بأنه لا يجوز نصب مدرسين في مدرسة، وأن من وقف على زيد والأشراف المقيمين بالبلد الفلاني فأقام زيد بتلك البلد وكان شريفا .. استحق معهم مضافا لما له، قال: لأن تخصيصه المقيمين يقتضي استيعابهم- قال- وبهذا فارق ما لو وصى لزيد بدينار وللفقراء بشيء آخر وكان زيد فقيراً، حيث لا يأخذ معهم؛ لأن الوصية للفقراء لم تثبت له استحقاقا خاصا، وللوصي حرمانه وإعطاء غيره. الثالث: قال الشيخ: ووقع السؤال قديما عما يقع في كتب الأوقاف من قولهم:

стр. 2522

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صرف ذلك إلى أهل الوقف، والصواب: أنهم المتناولون حينئذ، فالمحجوب ليس من أهله وإن كان يسمى موقوفاً عليه. تتمة: تراعى شروط الواقف في مقادير الاستحقاق وصفات المستحقين وزمان الاستحقاق، وإدخال من شاء بصفة وإخراجه بصفة، فإذا وقف على أولاده وشرط التسوية بين الذكر والأنثى أو التفضيل .. اتبع، وكذا لو وقف على العلماء بشرط كونهم على مذهب معين، أو على الفقراء بشرط الغربة أو الشيخوخة .. اتبع، ولو قال: على بني الفقراء أو بناتي الأرامل، فمن استغنى منهم أو تزوج .. خرج عن الاستحقاق، فإن عاد الوصف .. عاد الاستحقاق. قال المصنف: وينبغي أن يقال: إن كان الطلاق بائناً أو فارق بفسخ أو وفاة أن تستحق في حال العدة؛ لنها ليست بزوجة وإن كان رجعياً .. فلا. وقال العبادي: لو وقف على أمهات أولاده إلا من تزوجت منهن، فتزوجت واحدة .. خرجت، ولا يعود استحقاقها بطلاقها، وصححه الروياني في نظيره من الزوجات فيما إذا قال: وقفت على زوجاتي ما لم تتزوجن، والفرق من حيث اللفظ: أنه أثبت الاستحقاق لبناته الأرامل وبالطلاق صارت أرملة، وهنا جعلها مستحقة إلا أن تتزوج وبالطلاق لا تخرج عن كونها تزوجت، ومن حيث المعنى: أن غرضه أن تفي له أم ولده ولا يخلفه عليها أحد فمن تزوجت .. لم تف. وفي (سنن البيهقي): أن الزبير جعل دوره صدقة. قال: وللمردودة من بناته أن تسكن غير مضرة ولا مضر بها، فإن استغنت بزوج .. فلا شيء لها. قال الأصمعي: المردودة المطلقة. وقال الشيخ عزب الدين: العرف المطرد بمنزلة المشروط فينزل الوقف عليه، فإذا

стр. 2523

فَصْلٌ: الأَظْهَرُ: أَنَّ الْمِلْكَ فِي رَقَبَةِ الْمَوْقُوفِ يَنْتَقِلُ إِلَى اللهِ تَعَالَى؛ أَيْ: يَنْفَكُّ عَنِ اخْتِصَاصِ الآدَمِيِّيْنَ، فَلاَ يَكُونُ لِلْوَاقِفِ وَلاَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ. ــ وقف على المدرس والمعيد والفقهاء بمدرسة كذا .. نزل على ما يقتضيه العرف من التفاوت بينهم وبين الفقيه والأفقه، وكذلك ينزل على إلقاء المدرس في الغدوات فلا يكفي إلقاؤه ليلاً ولا عشية. وقال في (أماليه): إذا وقف على من يصلي الصلوات الخمس في هذا المسجد، أو على من يشتغل بالعلم في هذه المدرسة، أو يقرأ كل يوم في هذه التربة كذا، فأخل الإمام أو المشتغل أو القارئ بهذه الوظائف في بعض الأيام .. لم يستحق شيئاً من المعلوم في مقابلة الأيام التي أدى فيها الوظيفة، بخلاف ما إذا استأجره لخياطة خمسة أثواب فخاط بعضها .. فإنه يستحق حصته من الأجرة، قال: والفرق أنا نتبع في الأعواض والعقود والمعاني وفي الشروط والوصايا الألفاظ، والوقف من باب الإرصاد والإرزاق والمعاوضات، فمن أخل بشيء من الشرط .. لم يستحق شيئاً؛ لانتفاء شرط الاستحقاق. قال: ولو شرط واقف المدرسة ألا يشتغل بها المعيد أكثر من عشر سنين فمضت ولم يكن في البلد معيد غيره .. جاز استمراره وأخذ الجامكية؛ لأن العرف يشهد أن الواقف لم يرد شغور مدرسته، وإنما أراد أن ينتفع هذا مدة. قال: وكذا الحكم في كل شرط شهد العرف بتخصيصه. قال: (فصل): عقده لأحكام الوقف المعنوية، وهي الثابتة له من الشارع لا بإثبات الواقف. قال: (الأظهر: أن الملك في رقبة الموقوف ينتقل إلى الله تعالى، أي: ينفك عن اختصاص الآدميين فلا يكون للواقف ولا للموقوف عليه) كالعتق والصدقة، وبهذا قال أبو حنيفة.

стр. 2524

وَمَنَافِعُهُ مِلْكٌ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ يَسْتَوْفِيهَا بنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ بِإِعَارَةٍ وَإِجَارَةٍ، ــ والثاني- وبه قال مالك-: لا ينتقل، بل هو باق على ملك الواقف؛ لأنه حبس الأصل وسبل الثمرة وذلك لا يوجب زوال ملكه، ولهذا تتبع شروطه. والثالث- وبه قال أحمد-: ينتقل إلى الموقوف عليه كالصدقة. والرابع- وهو أضعفها-: إن كان الوقف على معين .. فهو ملك الموقوف عليه بلا خلاف، أو على جهة عامة .. فالملك فيه لله بلا خلاف، واختاره الغزالي. والخامس: مثله إلا أنه إن كان على معين .. ففيه الخلاف، حكاه الماوردي. قال الرافعي: كل هذا فيما سوى وقف التحرير، أما وقف التحرير كالمسجد .. فالملك فيه لله بلا خلاف، بمعنى انقطاع الآدميين عنه، وألحق به ابن الرفعة الربط والمدارس، والوقف على ذلك أوسع من الوقف على المسلمين. فإن قيل: سيأتي في (الشهادات) أن الوقف يثبت بشاهد ويمين، وهو مخالف للمصحح هنا من أنه ملك لله؛ فإن حقوق الله تعالى لا تثبت إلا برجلين .. فالجواب: أن معنى الملك هنا: انفكاك حقوق الآدميين عنه كما تقرر، فهو كالعتق من غير نظر إلى جانب المالك، ولذلك أشار إليه المصنف بـ (أي) التفسيرية؛ أي: هذا معنى الانتقال إلى الله تعالى، وإلا .. فجميع الموجودات له في كل الأوقات، بل قال إمام الحرمين في كتاب (الشامل): لا يتصور في حق العباد ملك الرقاب وإن أطلق توسعاً وتجوزاً؛ إذ المالك في الحقيقة هو الله تعالى. قال: (ومنافعه ملك للموقوف عليه) يتصرف فيه تصرف الملاك في الأملاك، لكن يستثنى منه: وقف المسجد والبئر والمقبرة ونحوها، فللواقف أن صلي ويستقي ويدفن ويكون كأحدهم بالاتفاق كما فعل عثمان في بئر رومة، فإنه سبلها وجعل دلوه فيها كدلاء المسلمين، رواه النسائي والترمذي وقال: حسن. قال: (يستوفيها بنفسه وبغيره بإعارة وإجارة) بالاتفاق وإن قلنا الملك في الرقبة لله؛ لأن ذلك مقصود الواقف، وهذا ما لم يشترط نفي الإجارة، فإن اشترط نفيها .. امتنع كما سبق. وفهم من تجويز الإعارة: تجويز الإجارة بدون أجرة المثل من باب أولى.

стр. 2525

وَيَمْلِكُ الأُجْرَةَ ــ هذا إذا كان الوقف مطلقا، فإذا قال: وقفت داري ليسكنها معلم الصبيان في هذه القرية .. فللمعلم أن يسكنها وليس له أن يسكنها غيره بأجرة ولا بغيرها، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا عند قول المصنف: (والأصح: أنه إذا وقف بشرط أن لا يؤجر اتبع). ولو قال: وقفت داري على أن تستغل وتصرف غلتها إلى فلان .. تعين الاستغلال ولم يجز أن يسكنها كما أفتى به القفال وغيره، وقوة كلام المصنف تعطي أن الموقف عليه يؤجر، والصحيح: منعه إلا أن يكون ناظراً أو أذن له في ذلك. فرع: إذا حصل في استيفاء المنفعة من الموقوف عليه نقص من عين الوقف كرصاص الحمام، إذا استوفى الموقوف عليه الأجرة .. لزمه قيمة ما أذهبته النار من الرصاص مما قبضه من الأجرة وصرفه في مثله، قاله في (المطلب) تفقهاً، وعمل الناس عليه. إذا حصل في استيفاء المنفعة من الموقوف عليه نقص من عين الوقف كرصاص الحمام، إذا استوفى عليه الأجرة .. لزمه قيمة ما أذهبته النار من الرصاص مما قبضه من الأجرة وصرفه في مثله، قاله في (المطلب) تفقهاً، وعمل الناس عليه. وإذا وقف ثوراً للإنزاء .. جاز، ولا يجوز استعماله في الحراثة، ولا يجوز ذبح البهيمة المأكولة الموقوفة وإن خرجت عن الانتفاع، كما لا يجوز إعتاق العبد الموقوف، لكن لو صارت بحيث يقطع بموتها .. قال المتولي: تذبح للضرورة، وفي لحمها طريقان: أشهرهما: يشترى بثمنه بهيمة من جنسها وتوقف. والثاني: البناء على أقوال الملك، فإن قلنا: للواقف أو الموقوف عليه .. صرف لهما، وإن قلنا: لله تعالى .. فعل فيه الحاكم ما رآه مصلحة. قال: (ويملك الأجرة) كما لو أجر ملكه، وتصرف إليه الأجرة في الحال، فلو أجر الناظر الوقف سنين بأجرة معجلة .. فظاهر إطلاق المصنف: صرفها إليه في

стр. 2526

وَفَوَائِدَهُ كَثَمَرَةٍ وَصُوفٍ وَلَبَنٍ، وَكَذَا الْوَلَدُ فِي الأَصَحِّ. وَالثَّانِي: يَكُونُ وَقْفاً ــ الحال وإن احتمل عدم بقائه لمدة إجارتها، وبه صرح ابن الرفعة وقال: نبهت على ذلك؛ لأن بعض من أدركت من القضاة العلماء كان يمنعه من التصرف في جميع الأجرة، ولا يصرفها له جملة خشية انتقالها لغيره، وبهذا صرح القفال في (الفتاوى) فقال: لو وقف على أولاده ثم نسلهم ثم الفقراء فأوجر عشر سنين مثلا وأخذت الأجرة .. لم يجز للقيم أن يعجل لهم الأجرة، وإنما يعطي بقدر ما مضى من الزمان، فإن دفع أكثر فمات أحد .. فعلى القيم الضمان، وقد تقدمت المسألة في أواخر (باب الإجارة). قال: (وفوائده) أي: ويملك فوائده (كثمرة وصوف ولبن)؛ لأن الوقف لذلك ينشأ، فإن كان الموقوف شجرة .. ملك ثمارها، ولا يملك أغصانها إلا فيما يعتاد قطعه كأغصان الخلاف فإنها كثمار غيرها، وإن كان بهيمة .. ملك الصوف والوبر واللبن والريش والبيض؛ لأن ذلك مقصود الوقف. هذا فيما حديث بعد الوقف، أما الموجود حالة الوقف .. فهو للواقف إذا كانت الثمرة مؤبرة، فإن لم تكن مؤبرة .. فقولان. هذا إذا أطلق الوقف أو شرطه للموقوف عليه، فإن وقف دابة على ركوب إنسان ولم يتعرض لصوفها ولا لبنها .. فالمذهب: أنه للواقف. ولو جعل الركوب لشخص والصوف واللبن لآخر .. اتبع بلا خلاف، وأما الأكساب .. فيملك المعتاد منها والنادر كما سيأتي في مهر الموطوءة، لكن المرجحة في الموصى بمنفعته أنه يملك المعتاد خاصة، والفرق قوة الملك هنا. قال: (وكذا الولد في الأصح) كاللبن والثمرة، ولا يخفى أن المراد: الولد الحادث، أما غير الحادث .. فإن الخلاف فيه مرتب، وأولى بالدخول كما تقدم. [قال]: (والثاني: يكون وقفاً)؛ تبعاً لأمه كولد الأضحية.

стр. 2527

وَلَوْ مَاتَتِ الْبَهِيمَةُ .. اخْتَصَّ بِجِلْدِهَا. ولَهُ مَهْرُ الْجَارِيَةِ إِنْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ إِنْ صَحَّحْنَاهُ، ــ وقال السرخسي: الخلاف في ولد الفرس والحمار، أما ولد النعم .. فيملك قطعاً؛ لأن المقصود منها الدر والنسل. وقيل: يصرف إلى أقرب الناس إلى الواقف إلى أن يصرح بخلافه، وخص ابن أبي هريرة الخلاف بغير المحبس في سبيل الله، قال: فأما الفرس المحبس فيه .. فولده وقف كأصله، وقد تقدم في (زكاة التجارة) حكم الولد في غالب أبواب الفقه. قال: (ولو ماتت البهيمة .. اختص بجلدها)؛ لأنه أولى به من غيره، فلو دبغه .. ففي عوده وقفاً وجهان: رجع المتولي أنه يعود وقفاً. هذا إذا أطلق، فإن خصه ببعض المنافع .. فلا. قال في (الدقائق): وعبرت بالاختصاص؛ لأن النجس لا يوصف بأنه مملوك. اهـ وقد حكى الماوردي فيه أوجها: ثالثها: يوصف به ما كان أصله ملكاً كالميتة، بخلاف الكلب ونحوه. قال: (وله مهر الجارية إن وطئت بشبهة) كاللبن والثمرة، وهذا لا خلاف فيه. قال: (أو نكاح إن صححناه)؛ لأن المهر من جملة الفوائد، وهذا لا خلاف فيه أيضاً، ولأن المهر سبيله سبيل الأكساب، ولأن الوقف يقتضي تملك المنافع المعتادة، ومنفعة البضع ليست منها، والأصل في ذلك: أن وطء الجارية الموقوفة لا يجوز للواقف ولا للموقوف عليه بلا خلاف ولو قلنا: الملك فيها لهما؛ لأنه ملك ضعيف. وإن وطئت .. فلها أحوال: أحدها: أن يطأها أجنبي، فإن لم تكن هناك شبهة .. لزمه الحد والولد رقيق، فإن

стр. 2528

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كانت مكرهة .. فلها المهر، ثم هو للموقوف عليه، وكذا لو طاوعت وهي ممن لا تعتبر مطاوعتها، بخلاف ما لو كانا زانيين .. فلا مهر على الأصح. وإن كان شبهة .. فلا حد ويجب المهر والولد حر وعليه قيمته، ويكون ملكاً للموقوف عليه. الحال الثاني: أن يطأها الموقوف عليه، فإن لم تكن شبهة .. قيل: لا يحد لشبهة الملك، والأصح: بناؤه على أقوال الملك؛ إن لم نملكه .. حد، كما لو وطئ الموصى له بالمنفعة الجارية، وهل الولد ملك أو وقف؟ فيه وجهان كذا قاله الرافعي هنا، وقال في الموصى له بالمنفعة: إن وطئ .. لم يحد، وفيه وجه: أنه يحد، واختصره في (الروضة) فقال: لم يحد على الصحيح المشهور، وقيل: يحد كالمستأجر، وهذا يناقض ما صححه الرافعي هنا. وإن وطئ بشبهة .. فلا حد والولد حر ولا قيمة عليه، ولا تصير الجارية أم ولد على الصحيح فيهما. الثالث: أن يطأها الواقف، فإن لم يكن الوطء شبهة .. قال الرافعي: فهو على أقوال الملك: إن لم نجعل الملك له .. فعليه الحد- قال الشيخ: ويحتمل أن لا يحد لشبهة الملك- والولد رقيق، وفي كونه ملكاً أو وقفاً الوجهان، ولا تكون الجارية أم ولد له. وإن جعلنا الملك له .. فلا حد، وفي نفوذ الاستيلاء إن أولدها الخلاف في استيلاء الراهن؛ لتعلق حق الموقوف عليه بها، وهذا أولى بالمنع. وإن وطئ بشبهة .. فلا حد والولد حر نسيب، وعليه قيمته كما تقدم، وفيما يفعل بها الوجهان، وتصير أم ولد له، تعتق بموته إن ملكناه، وتؤخذ قيمتها من

стр. 2529

وَهُوَ الأَصَحُّ. وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ قِيمَةَ الْعَبْدِ الْمَوْقُوفِ إِذَا أُتْلِفَ، بَلْ يُشْتَرَى بِهَا عَبْدٌ لِيَكُونَ وَقْفاً مَكَانَهُ، ــ تركته، وفيما يفعل بها الخلاف، وسكت الرافعي عن المهر، والظاهر: وجوبه إذا لم نملكه وكان الوطء بشبهة. قال: (وهو الأصح) أشار به إلى أن في تزويج الأمة الموقوفة وجهين: أصحهما: الجواز؛ تحصيناً لها وقياساً على إجارتها. والثاني: المنع؛ لما فيه من النقص، وربما ماتت من الطلق فيفوت حق البطن الثاني، فعلى الأصح: ولاية تزويجها مخرجة على أقوال الملك، إن قلنا: للموقوف عليه .. زوجها بغير إذن غيره، كذا أطلقه الرافعي وغيره، وقيد في (المطلب) بما إذا كان النظر في الوقف له، أما إذا كان مشروطاً للواقف أو الأجنبي .. فيكون الناظر الحاكم، ويستشير الموقوف عليه لا الواقف، وإن قلنا: الملك للواقف .. زوجها، ولا يتوقف على وصي الحاكم، وفي توقفه على رضا الموقوف عليه وجهان: أصحهما: نعم، ولو طلبت التزويج .. كان لهم الامتناع على المذهب كغيرها. وصورة المسألة: أن يقفها على أن يكون كسبها للموقوف عليه أو يطلق. وليس للموقوف عليه أن يتزوج الموقوفة إن قلنا: إنها ملكه، وإلا .. فوجهان: أصحهما: المنع احتياطاً، ولهذا لو وقفت على الإنسان زوجته .. انفسخ النكاح. قال: (المذهب: أنه لا يملك قيمة العبد الموقوف إذا أتلف، بل يشتري بها عبد ليكون وقفاً مكانه) إذا قتل العبد الموقوف، فإن تعلق بقتله قصاص .. استوفاه من

стр. 2530

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حكم له بملكه من الواقف أو الموقوف عليه، وإن قلنا: لله تعالى .. استوفاه الحكم، وإن لم يتعلق بقتله قصاص .. فله أحوال: أحدهما: أن يقتله أجنبي .. فيلزمه قيمته، وفي مصرفها طريقان: أحدهما: أن تصرف ملكاً لمن حكمنا له بملك الرقبة ويبطل الوقف. والأصح: أنه يشتري بها عبداً؛ لئلا يتعطل غرض الواقف من استمرار الثواب، ويتعلق حق البطن الثاني بما اشترى، وإذا اشترى عبد وفضل شيء من القيمة .. قيل: يعود ملكاً للواقف، وقيل: يصرف إلى الموقوف عليه، والمختار في زوائد (الروضة): أنه يشتري به شقص عبد؛ لأنه بدل جزء من الموقوف، ثم الذي يجعل بدلاً يشتريه الحاكم على الصحيح، ولا يجوز للمتلف أن يشتريه ويقيمه مقام الأول؛ لأن من ثبت في ذمته شيء .. ليس له استيفاؤه لغيره، ولو كانت الجناية توجب القصاص .. فهو كعبد بيت المال على الأصح فيستوفيه الحاكم، كذا قاله الشيخان تبعاً للمتولي، قال الشيخ: والذي صححه الماوردي والقاضي حسين وابن الصباغ: منع القصاص في النفس والطرف، وهو الذي نعتقد صحته. وأشار بقوله: (ليكون وقفاً) إلى أنه لا يصير وقفاً بنفس الشراء، بل لابد من إنشاء وقف، هو الأصح في زوائد (الروضة) و (الشرح الصغير)، ويقفه الحاكم. وللمسألة نظيران: بدل المرهون وبدل الأضحية، فبدل المرهون جزم الشيخان فيه بأنه يصير رهناً بمجرد أخذه، بل صحح المصنف: أنه رهن، وهو في الذمة كما تقدم في بابه، وبدل الأضحية الواجبة فصلا فيه بين أن يشتري بعين القيمة فيصير أضحية بنفس الشراء وبين أن يشتري في الذمة ونوى عند العقد أنه أضحية فكذلك، وإلا .. فلابد من جعله بعد الشراء أضحية، ولم يذكرا هذا التفصيل في بدلي الرهن والوقف. وأيد في (المهمات) القول بالتفصيل بما إذا كان عنده نصاب من الأثمان فاشترى به عرضاً للتجارة، فإنه يبني حولها على حوله إن اشترى بالعين دون الذمة كما جزم به

стр. 2531

فَإِنْ تَعَذَّرَ .. فَبَعْضُ عَبْدٍ ــ في (الروضة)، فلو حصل من بدل الموقوف فوائد قبل إيقافه كالأجرة أو الكسب أو الثمرة .. ينبغي أن تكون كالعين الموصى بإيقافها إذا حصل منها مثل ذلك، وسيأتي في (كتاب الوصية) تحقيق ذلك. ثم لابد من مراعاة وصف الذكورة والأنوثة في البدل والمبدل، فلا يشتري عبد بقيمة أمة ولا أمة بقيمة عبد، ولا صغير بقيمة كبير ولا عكسه على أقوى الوجهين في (الروضة)؛ لاختلاف الغرض بالنسبة إلى البطون من أهل الوقف. الحال الثاني والثالث: إذا قتله الموقوف، عليه أو الواقف فإن صرفنا القيمة إليه في الحالة الأولى ملكاً .. فلا قيمة عليه إذا كان هو القاتل، وإلا .. فالحكم والتفريغ كالحالة الأولى، وحكم أرش الأطراف والجنايات على العبد الموقوف فيما دون النفس حكم قيمته في جميع ما ذكرناه، هذا هو الصحيح، وفي وجه: تصرف إلى الموقوف عليه على كل قول كالمهر والأكساب. قال: (فإن تعذر .. فبعض عبد)؛ لأنه أقرب إلى مقصود الواقف، بخلاف ما إذا أتلف الضحية ولم يوجد بقيمتها إلا شقص شاة؛ لأنه لا يضحي بشقص الشاة ويوقف بعض العبد، وسكت المصنف عما إذا تعذر بعض العبد، وفيه في (الحاوي) و (البحر) ثلاثة أوجه: أحدها: يبقى على حاله تبعاً لأصله. والثاني: يكون ملكاً للموقوف عليه. والثالث: لأقرب الناس إلى الواقف كما في الولد.

стр. 2532

وَلَوْ جَفَّتِ الشَّجَرَةُ .. لَمْ يَنْقَطِعِ الْوَقْفُ عَلَى المّذْهَبِ، بَلْ يُنْتَفَعُ بِهَا جِذْعاً، وَقِيلَ: تُبَاعُ وَالثَّمَنُ كَقِيمَةِ الْعَبْدِ ــ تتمة: إذا جنى العبد الموقوف واستوفى منه .. فات الوقف كموته، وإن آل الأمر إلى المال .. لم يتعلق برقبته؛ لتعذر بيع الوقف، لكن يفدى كأم الولد إذا جنت، فإن قلنا: الملك للواقف .. فداه، أو لله تعالى .. فداه أيضاً على الأصح، وإن قلنا: للموقوف عليه .. فالصحيح: أنه يفديه، وحيث أوجبنا الفداء على الواقف فكان ميتاً .. فداه الوارث، وقال المتولي: لا يفدى من التركة؛ لأنها انتقلت إلى الوارث، وعلى هذا هل يتعلق بكسبه أم ببيت المال كالحر المعسر الذي لا عاقلة له؟ وجهان. قال: (ولو جفت الشجرة .. لم ينقطع الوقف على المذهب) وكذا لو قلعها ريح أو سيل؛ إدامة للوقف على عينه، ونظراً لبقاء بعض المنافع. وفي وجه: أن الوقف ينقطع كما إذا مات العبد؛ لأن الوقف منوط باسم الشجرة، والباقي جذع أو حطب لا شجرة. فعلى هذا: ينقلب الحطب ملكاً للواقف ولورثته، وكان الصواب أن يعبر بـ (الأصح) كما في (المحرر) و (الروضة)؛ لأن المسألة ذات وجهين لا طريقين. قال: (بل ينتفع بها جذعاً) أي: بإيجار أو غيره؛ لأنه أقرب إلى غرض الواقف. قال: (وقيل: تباع)؛ لتعذر الانتفاع به على الجهة التي شرطها الواقف. قال: (والثمن كقيمة العبد) أي: المتلف، ففي وجه: يصرف إلى الموقوف عليه ملكاً، وفي وجه: تشترى به شجرة أو بعض شجرة من جنسها لتكون وقفاً. قال الرافعي: ويجوز أن يشتري ودي ويغرس موضعها.

стр. 2533

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال: وزمانة الدابة الموقوفة كجفاف الشجرة، هذا إذا كانت مأكولة، فإنه يصح بيعها للحمها، وإن لم تكن مأكولة .. لم يأت الخلاف في بيعها إلا على الوجه الشاذ في صحة بيعها اعتمادًا على جلدها، وزمانة العبد كزمانة الدابة أو البهيمة. وحكى الروياني عن القاضي أبي الطيب أنه لا يجوز بيعه قطعاً. حادثة: سئل الشيخ عن رجل وقف أرضاً بها أشجار موز والعادة أن شجره لا يبقى أكثر من سنة، فزالت الأشجار بعد أن نبت [من] أصولها أشجار ثم أشجار على ممر الأزمان .. فأجاب: الأرض وما فيها من أصول الموز وفراخه وقف، وما نبت بعد ذلك من الفراخ ينسحب عليه حكم الوقف كالأغصان النابتة من الشجرة الموقوفة، وكذلك لو ماتت الأشجار وغرس غيرها مكانها على أنه للوقف .. صار وقفاً، وكذلك الأرض ينسحب عليها حكم الوقف، ولا يحتاج إلى إنشاء وقف، بخلاف العبد الموقوف إذا قتل واشترى بقيمته عبداً آخر فإنه يحتاج إلى إنشاء وقف على الصحيح كما تقدم، والفرق أن العبد الموقوف قد فات بالكلية والأرض الموقوفة باقية. فرع: إذا كان البناء أو الغراس موقوفاً في أرض مستأجرة، وصار الريع لا يفي بالأجرة، أو وفى بها لا غير .. أفتى ابن الأستاذ بأنه يقلع وينتفع بعينه إن أمكن، وإلا .. صرف إلى الموقوف عليه. حادثة: فضل من ريع الوقف مال هل للناظر أن يتجر فيه؟ أجاب الشيخ بجواز ذلك إذا كان لمسجد؛ لأنه كالحر بخلاف غيره.

стр. 2534

وَالأَصَحُّ: جَوَازُ بَيْعِ حُصْرِ الْمَسْجِدِ إِذَا بَلِيَتْ، وَجُذُوعِهِ إِذَا انْكَسَرَتْ وَلَمْ تَصْلُحْ إِلاَّ لِلإِحْرَاقِ ــ قال: (والأصح: جواز بيع حصر المسجد إذا بليت، وجذوعه إذا انكسرت ولم تصلح إلا للإحراق)؛ لئلا تضيع ويضيق المكان بلا فائدة، وكذلك الحكم في نحاتة أخشابه وأستار الكعبة إذا لم يبق فيها جمال ولا منفعة. والثاني: لا تباع؛ لأنها عين الوقف، بل تترك بحالها أبداً، وإلى هذا ذهب الجمهور. قال القاضي أبو الطيب: لا أعرف أحداً من أصحابنا جوز بيع الجذع، والذي رجحه الرافعي والمصنف تبعاً فيه الإمام، وكلهم قيدوه بما قيده المصنف من أنها لا تصلح إلا للإحراق فكأنها بمنزلة العدم، فحصول نزر يسير من ثمنها يعود على الوقف أولى من ضياعها، ولا تدخل بذلك تحت بيع الوقف؛ لأنها صارت في حكم المعدومة، أما إذا صلحت لأن ينتفع بها في الوقف أدنى انتفاع .. فإنها تبقى قولا واحداً. وعلى الأول قالوا: يصرف ثمنها في مصالح المسجد، قال الرافعي: والقياس: أن يشتري بثمن الحصر الحصر، ولا يصرف إلى منفعة أخرى، قال الرافعي: ويشبه أن يكون هو المراد بما أطلقوه. وإن صلح الجذع المنكسر لشيء سوى الإحراق .. لم يجز بيعه بلا خلاف، مثل أن تتخذ منه أبواب أو ألواح أو غير ذلك مما يمكن في المسجد، قال المتولي: ويجتهد الحاكم ويستعمله فيما هو أقرب إلى مقصود الواقف. قال الشيخ: حتى لو أمكن استعمال شيء من ذلك بإدراجه في آلات العمارة كان مانعاً من بيعه فيما يظهر لنا، وقد تقوم قطعه من الجذع مقام آخرة، وقد تقوم النحاتة مقام التراب، والجذوع المشرفة على الانكسار يجري فيها الخلاف في المنكسرة.

стр. 2535

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال الشيخان- تبعاً للإمام-: والخلاف لا يختص بالمسجد، بل يجري في انهدام شيء من الدار الموقوفة وانكسار أخشابها وفي إشرافها على الانهدام. قال الشيخ: والحق أن ذلك لا يجوز؛ لعموم: (لا يباع ولا يورث)، قال: ومن أصعب الأشياء قو (الحاوي): وداره المنهدمة، فيظن الذي يراه أنه الذي عليه الفتوى ومعظم الأصحاب، ولم يقل به واحد منهم، فلا حول ولا قوة إلى بالله، ومع ذلك كله قد يسأل: لم فرض (الحاوي الصغير) الكلام في دار المسجد؟ وأي فرق بين الدار الموقوفة على المسجد والموقوفة على غير والرافعي أطلق ذلك؟ وقد يقول القائل: دار المسجد مستحقها المسجد، وهو شيء واحد حاجته الآن، فالمتصرف عليه نظره شامل، وأما الموقوف على بطون .. فالبطن الذي لم يأت بعد ليس للناظر تصرف عليه. قال: وهذه المسألة عمت بها البلوى، وبحمد الله صان الله مذهب الشافعي ﵁ فلم يقدر الله أن أحداً من الشافعية أقدم عليها، لكن غيرهم أقدموا وتوسعوا لفساد الزمان حتى فحش ذلك في هذا القرن الثامن بمصر والشام، ولم يسمع به في غيرهما من البلاد ولا قبل هذا الزمان، بل ما برحت الأوقاف مصونة لم يكن شيء من ذلك في القرون الثلاثة التي هي خير القرون، وفي حفظي قديماً من كلام مالك أنه قال: هذه الأوقاف عندنا بالمدينة داثرة لا يتعرض لها. اهـ قال الإمام: وإذا جوزنا البيع .. فالأصح: صرف الثمن إلى جهة الوقف، وقيل هو كقيمة المتلف فيصرف إلى الموقوف عليه ملكاً على رأي، وإذا قيل به فقال الموقوف عليه: لا تبيعوها واقلبوها إلى ملكي .. لم يجب على المذهب، ولا تنقلب عين الموقوف ملكاً، وقيل: تنقلب ملكاً بلا لفظ.

стр. 2536

وَلَوِ انْهَدَمَ مَسْجِدٌ وَتَعَذَّرَتْ إِعَادَتُهُ .. لَمْ يُبَعْ بِحَالٍ. ــ فروع: جميع ما ذكرناه في حصر المسجد ونظائرها هو فيما إذا كانت موقوفة على المسجد، أما ما اشتراه الناظر للمسجد أو وهبه له واهب وقبله الناظر .. فيجوز بيعه عند الحاجة بلا خلاف؛ لأنه ملك حتى إذا كان المشتري للمسجد شقصاً .. كان للشريك الأخذ بالشفعة، ولو باع الشريك .. فللناظر الأخذ بالشفعة عند الغبطة، هذا إذا اشتراه الناظر ولم يقفه، فإن وقفه .. صار وقفاً قطعاً، وجرى عليه أحكام الوقف. ولو وقف على ثغر فاتسعت خطة الإسلام حوله .. حفظت غلة الوقف لاحتمال عوده ثغراً. وقال أبو عاصم العبادي: لو وقف على قنطرة فانخرق الوادي وتعطلت تلك القنطرة واحتيج إلى قنطرة أخرى .. جاز النقل إلى ذلك الموضع. وإذا خرب العقار الموقوف على المسجد وهناك فاضل من غلته .. بدئ منه بعمارة العقار، وإذا تشعث بعض الوقف وفي ريعه ما تمكن به عمارته فأراد متبرع عمارته .. ففي (اقتناص السوانح) لشيخ الإسلام تقي الدين ابن دقيق العيد: منعه بعضهم؛ لما فيه من تعطيل غرض الواقف في تحصيل الأجر، وكذلك لو طلب متبرع شراء دلو يمكن تحصيله من الوقف ونحوه. قال: (ولو انهدم مسجد وتعذرت إعادته .. لم يبع بحال)؛ لقوله ﷺ : (لا يباع أصلها) ولأنه كالعبد إذا عتق من زمن، ولا يشبه جفاف الشجرة؛ لأن توقع عود الناس والعمارة قائم، وأيضاً الانتفاع في الحال بالصلاة في العرصة ممكن، وبهذا يفرق بينه وبين الفرس الموقوف على الغزو إذا كبرت ولم تصلح للغزو؛ فإن صاحب (المغني) نقل الإجماع على جواز بيعها، وقاس عليه المسجد، وكما يمتنع بيعه يمتنع إيجاره.

стр. 2537

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولو صار موضعه بركة ماء .. لم تجز إجارتها لصيد السمك على بقية الجدر وإن جوزناه في غيرها، وكذلك الحكم إذا خربت المحلة التي حول المسجد وتفرق الناس عنها وتعطل المسجد .. لا يباع ولا يعود ملكاً، فإن لم يخف من أهل الفساد أن ينقضوه .. لم ينقض، وإن خيف .. نقض وحفظ، وإن رأى الحاكم أن يعمر بنقضه مسجداً آخر .. جاز، وما كان أقرب إليه فهو أولى، ولا يجوز صرفه إلى عمارة بئر أو حوض، وكذا البئر الموقوفة إذا خربت يصرف نقضها إلى بئر أخرى لا إلى المسجد. ويراعى غرض الواقف ما أمكن، والحكم الذي ذكره المصنف من أن المسجد لا يباع بحال لا خلاف فيه عندنا وعند مالك والحنيفة. وقال محمد بن السحن: يعود ملكاً للواقف إن كان حياً، ولورثته إن كان ميتاً، ووافقنا أبو يوسف، وعلى ذلك حكاية مشهورة في (المبسوط) أن محمد بن الحسن مر بمزبلة فقال: هذه مسجد أبي يوسف، ومر أبو يوسف بإصطبل فقال: هذا مسجد محمد، يريد محمد أن أبا يوسف لما قال ببقاء المسجد .. انتهى إلى أن صار مزبلة، ويريد أبو يوسف أن محمداً لما قال: يعود إلى ملك الواقف أو وارثه .. جعله إصطبلاً، فكل منهما استبعد مذهب الآخر بما أشار إليه. تتمة: سكت المصنف عن حكم مصرف غلة المسجد عند تعذر إعادته، وجزم الماوردي بأنها تصرف للفقراء والمساكين، وقال المتولي: تصرف لأقرب المساجد إليه، وقال الروياني: إنه منقطع الآخر فيأتي فيه الخلاف، وقال الإمام: يحفظ؛ لتوقع عوده. وإذا اكتفى المسجد ببعض غلته وفضل شيء .. هل يحفظ لوقت الحاجة أو يشترى

стр. 2538

فَصْلٌ: إِن شَرَطَ الْوَاقِفُ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ .. اتُّبِعَ، ــ به عقار ويوقف عليه؟ وجهان في (البحر) و (الحاوي)، قال صاحب (الانتصار): أصحهما: الثاني، وبه أفتى الغزالي. قال: (فصل: إن شرط الواقف النظر لنفسه أو غيره .. اتبع) سواء قلنا: الملك له أو للموقوف عليه، وسواء فوضه في الحياة أو أوصى به، فكل منهما معمول به بشرط أن يكون التفويض في صلب الوقف أن له ذلك؛ لأنه المتقرب بصدقه فهو أحق من يقوم بإمضائها وصرفها إلى مصارفها، وقد تقدم أول الفصل الذي قبله أن عمر ﵁ كان يلي أمر صدقته، ثم جعله لحفصة، وبعدها إلى ذوي الرأي من أهلها، رواه أبو داوود. وأسند البيهقي [٦/ ٧٩] إلى أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: (المسلمون عند شروطهم) فإن قال: جعلت ولاية هذا الوقف إلى فلان فإن مات فإلى فلان .. جاز قطعاً. وقال مالك: لا يصح شرط الواقف النظر لنفسه بناء على قاعدته من اشتراط الحوز، وهو إخراج الموقوف عن يده، فعنده إذا لم يخرجه من يده حتى مات .. بطل، سواء شرط النظر لنفسه أم لا، وإن شرط النظر لنفسه .. لم يتبع، فإن أخرجه عن يده .. استمر صحيحاً. قال الشيخ: والفرق بين الوقف والهبة والصدقة المنجزة حيث يكون بقاها في يد المالك إلى الموت مبطلاً: أن المقصود منهما تمليك العين للموهوب له والمتصدق عليه، ولا يبقى لأحد فيها تعلق فلابد من القبض، وأما الوقف .. فحق الموقوف عليه في العين ناقص؛ لمشاركة البطن الثاني له إما في الحال وإما في المآل فلم يشترط القبض.

стр. 2539

وَإِلاَّ .. فَالنَّظَرُ لِلْقَاضِي عَلَى الْمَذْهَبِ ــ قال ويرى عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه شرط النظر في وقفه أن يليه ذوو الرأي والأسنان من أولاده وأولاد أولاده، فاختصم بعض أولاده وعلي بن الحسين ابن ابنه فيه إلى عبد الملك بن مروان، فقضى به لعلي بن الحسين؛ لأنه رأى أنه أولى من عمه وأنشد أبيات ابن الحقيق [من السريع]: إنا إذا مالت دواعي الهوى .... وأنصت السامع للقائل واختلج القوم بألبابهم .... نقضي بحكم عادل فاضل لا يجعل الباطل حقاً لا .... يلفظ دون الحق بالباطل نخاف أن تسفه أحلامنا .... فيخمل الدهر مع الخامل قال: (وإلا) أي: وإن لم يشرط شيئاً (.. فالنظر للقاضي على المذهب)؛ لأنه يتعلق به حق الموقوف عليه ومن بعده، فصاحب النظر العام أولى بالنظر فيه. وقيل: الواقف؛ لأن النظر والتصرف كان إليه، فإذا لم يصرفه عن نفسه .. كان على ما كان، ويتأيد بأن الأضحية المنذورة وإن زال الملك عنها .. فالتصرف فيها بالذبح، والتفرقة للناذر دون الحاكم. وقيل: النظر للموقوف عليه؛ لأن النفع والفائدة له، كذا أطلق جماعة هذه الأوجه الثلاثة، وبناها بعضهم على أقوال الملك، فإن قلنا: إنه للواقف .. فالنظر له، وإن قلنا: لله تعالى .. فللحاكم، وإن قلنا: للموقوف عليه .. فله. وذكر كثيرون أن النظر في حالة السكون للواقف من غير حكاية خلاف ولا بناء، فهذه ثلاثة طرق. قال الرافعي: والذي يقتضي كلام المعظم الفتوى به أن يقال: إن كان الوقف على جهة عامة .. فالتولي للحاكم كما في الوقف على المسجد والرباط، وإن كان على شخص معين .. فكذلك إن جعلنا الملك لله تعالى، وإن جعلناه للواقف أو للموقوف عليه .. فالتولية كذلك. قال ابن الرفعة: وهذا في الوقف الذي لا يضاهي التحرير، أما ما يضاهيه كالمقبرة والمسجد والرباط .. فالذي يقتضيه كلام الجمهور: أن النظر في ذلك

стр. 2540

وَشَرْطُ النَّاظِرِ: الْعَدَالَةُ وَالْكِفَايَةُ وَالاِهْتِدَاءُ إِلَى التَّصَرُّفِ. ــ للإمام، وأن الواقف فيه كغيره من الناس، واستخرج من كلام الأصحاب وجهين في أن واقف المسجد أولى بإمامته والأذان فيه أم لا؟ قال: وهما يقربان من أن المعتق أحق بحضانة عتيقة وكفالته إذا لم يكن له قريب أم لا؟ وفيه خلاف. وفي (الأحكام السلطانية) للماوردي: أن تولية الإمامة في مساجد المحال للواقف، وكذا نصب المدرسي فيها، والمساجد الكبار كالجوامع ومساجد الشوارع التولية فيها للسلطان؛ لأن ذلك من الأمور العظام فاختصت بنظره. ووقع في (الفتاوى): أن رجلا وقف وقفاً وجعل نظره للحاكم، وكان إذ ذاك شافعياً، ثم أحدث الملك الظاهر بيبرس في سنة ثلاث وستين وست مئة القضاة الأربع وتوفي الشافعي الموجود حالة الوقف فهل يختص النظر بالقاضي الشافعي بعده؟ أجاب جماعة من أئمة ذلك العصر بأنه يختص به الشافعي. ووقع بعد تولية القضاة الأربع فتوى فيمن شرط النظر لزيد ثم لحاكم المسلمين بدمشق، فأفتى الشيخ برهان الدين الفزاري بأنه لا يختص النظر المشروط للحاكم بمعين، ونوزع في ذلك، وأجاز الشيخ اختصاص الشافعي بالنظر في الأوقاف التي شرطت للحاكم التي سكت عن شرط نظرها للحاكم، وهو متوجه. قال: (وشرط الناظر: العدالة والكفاية والاهتداء إلى التصرف)؛ لأنه ولاية على الغير فاشترط فيها ذلك كالوصي والقيم، ولا فرق في ذلك بين الجهات العامة والأشخاص المعينين. وفي وجه: لا تشترط العدالة إذا كان الوقف على معينين ولا طفل فيهم، فإن خان .. حملوه على السداد. والمراد بـ (الكفاية): حسن التصرف، وهي مغنية عن قوله: (والاهتداء إلى التصرف)؛ لأن من لا يهتدي إلى التصرف لا يوصف بالكفاية، ولهذا لم يذكره في

стр. 2541

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (الشرحين) ولا في (الروضة)، وكذلك المصنف اقتصر في (باب الوصية) على اشتراط العدالة والاهتداء إلى التصرف، لكن نقل المصنف في مسودة له على (المهذب) عن الأصحاب: أن شرط الناظر: العدالة والكفاية؛ وهي الاهتداء إلى التصرف، وهذه العبارة هي الصواب، حتى لو وفوض إلى موصوف بالأمانة والكفاية فاختلت إحداهما .. انتزع الحاكم الوقف منه. ثم إن المصنف أطلق (العدالة)، وينبغي في منصوب الحاكم اعتبار العدالة الباطنة، وفي منصوب الواقف أن يكتفى بالعدالة الظاهرة كما في الأب. فروع: قال الرافعي: وقبول المتولي للنظر ينبغي أن يأتي فيه ما في قبول الوكيل الوكالة والموقوف عليه المعين، ولو كان لشخص النظر على أماكن فأثبت أهليته في مكان .. ثبت في باقي الأماكن من حيث الأمانة، ولا يثبت من حيث الكفاية إلا أن تثبت أهليته في سائر الوقف، قاله ابن الصلاح، وهو ظاهر إذا كان الباقي فوق ما أثبت أهليته فيه أو مثله بكثرة مصارفه وأعماله، فإن كان قليلاً .. فلا. ولو فسق الناظر ثم عاد عدلاً .. عادت ولاديته إن كانت له بشرط الواقف، وإلا .. فلا، كذا أفتى به المصنف، وقال الإمام: هو كفسق الوصي، ومقتضاه: عدم عود الولاية. ولو فوض النظر إلى متصف بالعدالة والكفاية فاختلت إحداهما ونزع الحاكم الوقف منه .. قال ابن الرفعة: يشبه أن ينزعه لمن يستحق النظر بعده؛ تنزيلاً لخروجه عن

стр. 2542

وَوَظِيفَتُهُ: الْعِمَارَةُ وَالإِجَارِةُ وَتَحْصِيلُ الْغَلَّةِ وَقِسْمَتُهَا، فَإِنْ فَوَّضَ إِلَيْهِ بَعْضَ هّذِهِ الأُمُورِ .. لَمْ يَتَعَدَّهُ ــ الأهلية منزلة الموت كما تنتقل ولاية النكاح إلى الأبعد بفسق الأقرب، فإن عادة الأهلية .. عادت الولاية. قال: (ووظيفته: العمارة والإجارة وتصحيل الغلة وقسمتها)، لأن ذلك المعهود من مثله. وزاد في (الشرحين) و (الروضة): حفظ الأصول والغلات على الاحتياط، ولاشك أن هذه الستة من وظيفته. وأفهم كلام المصنف: أنه ليس له التولية والعزل. قال الشيخ: وكان بعض الفقهاء في هذا الزمان يتعلق بذلك في أنه ليس إليه التولية والعزل، وأن تولية المدرس وعزله وغيره من أرباب الوظائف ليس إليه، وعندي: أن له ذلك، لكن للحاكم الاعتراض عليه إذا فعل من ذلك ما لا ينبغي. وجزم الشيخ عز الدين بأن المدرس هو الذي ينزل الفقهاء ويقرر جامكيتهم؛ لأنه أعرف بأحوالهم ومراتبهم، قال: وليس ذلك للناظر. قال في (المهمات): وسكت عن الصوفية، وفي إلحاقهم بالفقهاء نظر. قال: (فإن فوض إليه بعض هذه الأمور .. لم يتعده) كالوكيل، فلو شرط لواحد العمارة ولواحد تحصيل الريع ولواحد القسمة .. لم يتعد كل واحد ما شرط له، ولو جعل النظر لاثنين .. لم يستقل أحدهما بالتصرف ما لم ينص عليه. ولو قال: وقفت على أولادي على أن يكون النظر لعدلين منهم فلم يكن فيهم إلا عدل واحد .. ضم الحاكم إليه عدلاً آخر.

стр. 2543

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فروع: إذا شرط الواقف للمتولي شيئاً من الغلة .. جاز وكان ذلك أجرة عمله، وإن لم يشرط شيئاً .. ففي استحقاقه أجرة عمله الخلاف فيما لو استعمل إنساناً ولم يذكر له أجرة. وليس للمتولي أن يأخذ من مال الوقف شيئاً على أن يضمنه، ولو فعل .. ضمن، ولا يجوز له ضم الضمان إلى مال الوقف. واقترض مال الوقف حكمه حكم اقتراض مال الصبي، وإذا شرط النظر للأفضل فالأفضل أو للأرشد فالأرشد من بنيه .. كان لأفضلهم من حين استحقاق النظر، فلو تجدد بعد ذلك من أهله أفضل .. لم يصر النظر إليه كما ذكره في (المطلب). قال: ولو تغير حال الأفضل حين الاستحقاق فصار مفضولاً .. انتقل النظر إلى من هو أفضل منه. ولو جعل النظر لأفضل ولده هل يختص بالذكور دون الإناث؛ لأنهم أفضل منهم أو يكون لأفضل النوعين؟ فيه وجهان في (الحاوي)، وأفتى ابن الصلاح بالثاني وهو الصواب، وأفتى بأنه لو شرط النظر للأرشد من أولاده فأثبت كل منهم أنه الأرشد .. اشتركوا في النظر من غير استقلال إذا وجدت الأهلية في جميعهم، فإن وجدت في بعضهم .. اختص بذلك؛ لأن البينات تعارضت في الأرشد وتساقطت، وبقي أصل الرشد فاشتركوا في ذلك. وإذا ادعى متولي الوقف صرف ريعه إلى المستحقين، فإن كانوا معينين .. فالقول قولهم، ولهم مطالبته بالحساب، وإن كانوا غير معينين فهل للإمام مطالبته بالحساب؟ وجهان حكاهما شريح في (أدب القضاء).

стр. 2544

وَلِلْوَاقِفِ عَزْلُ مَنْ وَلاَّهُ وَنَصْبُ غَيْرِهِ، ــ حادثة: قال الواقف: جعلت النظر لفلان، وله أن يفوض النظر إلى من أراد، ففوض النظر إلى شخص، فهل يزول نظر المفوض أو يكون المفوض إليه وكيلاً عن المفوض؟ وفائدة ذلك أنه لو مات المفوض إليه هل يكون النظر باقياً للناظر الأصلي أو لا؟ أجاب فقهاء الشام عن آخرهم بأن المفوض إليه هو الناظر، وأن التفويض بمثابة التمليك، وكأنه ملك ذلك، وأجاب الشيخ بأنه كالوكيل، وأن النظر لم يزل عن المفوض وهو القياس، فإذا مات المفوض إليه .. بقي المفوض على ما كان عليه. لكن في (فتاوي المصنف): إذا شرط الواقف النظر لإنسان وجعل له أن يسند إلى من يشاء، وكذلك مسند بعد مسند فأسنده إلى إنسان فهل للمسند عزل المسند إليه أو لا؟ وهل يعود النظر إلى المسند أو لا؟ ولو أسند المسند إليه إلى ثالث فهل للأول عزله أو لا؟ أجاب: ليس للمسند عزل المسند إليه، ولا مشاركته، ولا يعود النظر إليه بعد موته، وليس له ولا للثاني عزل الثالث الذي أسند إليه الثاني. قال: (وللواقف عزل من ولاه ونصب غيره) كما يعزل الموكل الوكيل، وقيل: ليس له العزل؛ لأن ملكه قد زال فلا تبقى له ولاية عليه. وإطلاق المصنف يقتضي: جواز العزل بسبب وغير سبب، وفي زوائد (الروضة) قبل (باب القسمة) عن الماوردي: أنه إذا أراد الأمر إسقاط بعض الأجناد المثبتين في الديوان بسبب .. جاز، أو بغير سبب .. لا يجوز، وإذا كان هذا في النظر العام .. ففي النظر الخاص المقتضي للاحتياط أولى.

стр. 2545

إِلاَّ أَنْ يَشْرِطَ نَظَرَهُ حَالَ الْوَقْفِ ــ وفي تصوير المسألة إشكال؛ لأنها إن كانت فيما إذا كان النظر للواقف ونصب غيره نائباً عنه .. فلا ينبغي أن يقع فيه خلاف؛ لأنه سفير محض، وإن كان مع السكوت عنه .. فلا ولاية للواقف في هذه الحالة، بل هي للقاضي. قال: (إلا أن يشرط نظره حال الوقف) فهذا ليس للواقف عزله؛ لأنه تغيير لما شرطه، كما ليس لغيره ذلك. وصورة الشرط: أن يقول: وقفت وشرطت التفويض له، كذا قاله البغوي، ونقل الرافعي عنه وقفها بشرط أن تكون التولية لفلان، وليس بمطابق، بل هذه الصيغة مفسدة لأصل الوقف لأجل التعليق؛ فإنه قد يقبل التولية وقد يقبل. فرع: عزل ناظر الوقف المشروط له النظر نفسه .. قال الشيخ: الذي أراه أنه لا ينعزل لكنه لا يجب عليه، ويجوز له الامتناع ورفع الأمر إلى القاضي ليقيم مقامه غيره، أو الواقف إن كان حياً وقلنا: له ذلك، قال: ولم أر للأصحاب خلافاً في ذلك. وفي (فتاوى ابن الصلاح) ما يوهم خلاف ذلك، وهو مؤول، وقد تقدم في (باب القراض) شيء يتعلق بهذا.

стр. 2546

وَإِذَا أَجَّرَ النَّاظِرُ فَزَادَتِ الأُجْرَةُ فِي الْمُدَّةِ أَوْ ظَهَرَ طَالِبٌ بِالزِّيَادَةِ .. لَمْ يَنْفَسِخِ الْعَقْدُ فِي الأَصَحِّ ــ قال: (وإذا أجر الناظر فزادت الأجرة في المدة أو ظهر طالب بالزيادة .. لم ينفسخ العقد في الأصح)؛ لجريانه بالغبطة في وقته، فأشبه ما إذا باع مال الطفل ثم ارتفعت القيمة بالأسواق، أو ظهر طالب بالزيادة. والثاني: ينفسخ؛ لأنه تبين وقوعه على خلاف الغبطة في المستقبل، ومال إليه ابن الصلاح، وبه جزم الإصطخري في (أدب القضاء). والثالث: إن كانت الإجارة سنة فما دونها .. لم يتأثر العقد، وإن زادت الإجارة على سنة .. فالزيادة عليها مردودة، وبه جزم الدارمي، ووجهوه بأن السنة فيها تتكامل الفصول وتتغير الأغراض. وحيث قلنا بالانفساخ .. قال ابن الرفعة: يحكم به بنفس الزيادة، قال: وكلام الإمام مصرح بأنه يتوقف على إنشاء فسخ. ومحل الخلاف عند الإمام والغزالي: إذا تغيرت الأجرة بكثرة الطالبين، فإن وجد زبون يزيد على أجرة المثل .. فلا أثر له، وغيره فرضه كما في الكتاب. واحترز المصنف بـ (الناظر) عما لو أجر الموقوف عليه بحق الملك وجوزناه، فإنه لا يتأثر العقد بالزيادة قطعاً كما لو أجر الطلق، وكذلك القيم إذا أجر مال الطفل ثم حصلت الزيادة، قاله الإمام، وهو الذي يشعر به كلام الرافعي. وتعبيره بـ (الأصح) يقتضي قوة الخلاف، وهو قد وهاه في (فتاويه) جداً فقال: وأما ما يفعله بعض الجهال من متولي الأوقاف من قبول الزيادة إذا بلغت الثلث وفسخهم بذلك .. فباطل لا أصل له، وإنما الوجه الضعيف: أنه يجوز الفسخ مطلقاً. تتمة في مسائل منثورة تتعلق بالباب:

стр. 2547

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إحداها: إذا وقف على الطالبيين وجوزناه .. صرف إلى ثلاثة، ويجوز أن يكون أحدهم من أولاد علي والثاني من أولاد جعفر والثالث من أولاد عقيل، ولو وقف على أولاد علي وأولاد عقيل وأولاد جعفر .. فلابد من الصرف إلى ثلاثة من كل صنف. الثانية: وقف على عمارة مسجد .. لا يجوز صرف الغلة إلى النقش والتزويق، قال في (المهمات): لكنه إن تعدى وفعله .. لم يغرم شيئاً كما جزم به البغوي في (فتاويه) فتفطن له، هذه عبارته، والذي نقطع به تغريمه كغيره مما لا يجوز إذا فعله، وقال في (البحر) و (الحاوي) و (العدة): ولا يجوز صرف شيء منه إلى الإمام والمؤذن، ويجوز صرف أجرة القيم منه؛ لأنه يحفظ العمارة، وكذلك يجوز أن يشتري منه سلم لسطحه ومكانس يكنس بها ونحو ذلك مما يحفظ عمارته، ويشترى منه البواري لا الدهن في الأصح، وقال البغوي: لا يجوز أن يشترى منه الدهن ولا الحصر، وإن وقف على مصالح المسجد .. جاز شراء ذلك منه، والقياس: جواز الصرف إلى الإمام والمؤذن أيضاً، وكذا لو وقف على مسجد وأطلق

стр. 2548

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على الأصح عند الغزالي وغيره، قال الرافعي: ويشبه أن يجوز بناء المنارة من الموقوف على عمارته. ويستحب للقضاة تجديد سجلات الأوقاف التي في ديوانهم كلما مضى زمن يخاف منه موت الشهود. الثالثة: لا يجوز تغيير الوقف عن هيئته، فلا تجعل الدار بستاناً ولا حماماً ولا بالعكس، إلا إذا جعل الواقف إلى الناظر ما يرى فيه مصلحة. وفي (فتاوى القفال): أنه يجوز أن يجعل حانوت القصارين للخبازين، فكأنه احتمل تغيير النوع دون الجنس. قال المتولي: فإن خربت البقعة وأراد من له النظر أن يعمر .. فله أن يردها إلى ما كانت، فإن أراد أن يردها إلى صفة أخرى .. لم يجز، ومن هنا يعلم: أن ما جرت به العادة من تحكير الأرض الموقوفة إذا انهدم بناؤها ليبني عليها المستحكر ما شاء .. حرام، وإنما يجوز مثل المنهدم، وبه صرح ابن الرفعة فقال: ولا يجوز أن يؤجر ليبني فيها غير ما كانت عليه. وسئل بن الصلاح عن فتح باب جديد في الرباط اقتضته المصلحة مضافاً إلى القديم .. فأجاب بأن ذلك إن استلزم تغيير شيء من الموقوف عن هيئته إلى هيئة أخرى غير مجانسة لها بأن يفتحه إلى أرض وقف بستان- مثلاً- فيستلزم تغيير محل الاستطراق .. لم يجز، وإن لم يستلزم شيئاً من ذلك .. فلا بأس به عند اقتضاء المصلحة، واستدل له بخبر الكعبة. وفي (المطلب): أن المصلحة إذا اقتضت تغيير بناء بعض الموقوف لزيادة

стр. 2549

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ريعه .. جاز وإن لم ينص الواقف عليه، ونقل ذلك عن الشيخ تقي الدين القشيري وغيره من علماء عصره. الرابعة: لا تجوز قسمة العقار الموقوف بين أرباب الوقف، وقال ابن القطان: إن قلنا: القسمة إفراز .. جاز، فإذا انقرض البطن الأول .. انتقضت القسمة. وتجوز لأهل الوقف المهايأة، قاله ابن كج. الخامسة: لو تلف الموقوف في يد الموقوف عليه من غير تعد .. فلا ضمان عليه. قال المصنف: ومن ذلك الكيزان المسبلة على أحواض الماء والأنهر ونحوها، فلا ضمان على من تلف في يده شيء منها بلا تعد، فإن تعدى .. ضمن، ومن التعدي استعماله في غير ما وقف له. السادسة: الوقف على الفقهاء هل يختص بفقراء بلد الوقف؟ فيه الخلاف المذكور فيما لو أوصى للفقراء، والأصح: أنه لا يجوز أن يدفع منه على فقيرة لها زوج يمونها، ولا إلى مكفي بنفقة قريب ونحوه. السابعة: قال الرافعي: يجوز للإمام أن يقرض ناظر الوقف من بيت المال، أو يأذن له في الاستقراض أو الإنفاق على العمار من مال نفسه بشرط الرجوع، قال: وليس له الاستقراض دون إذن الإمام. قال الشيخ: وكان بعض مشايخنا يستشكله ويقول: لم لا يجوز له أن يستقرض بغير إذن الإمام إذا دعت الحاجة إلى الاستقراض؟ قال: والذي ظهر لي في توجيهه أنه إثبات دين في رقبة الوقف متعلق بسائر البطون فلا يستقل به الناظر؛ لأنه إنما له النظر مدة حياته، فاحتيج إلى إذن من له النظر العام وهو الحاكم، فالحق ما قاله الرافعي. الثامنة: إذا فضل من ريع الوقف مال .. هل للناظر أن يتجر فيه؟ أجاب الشيخ بجواز ذلك إذا كان لمسجد؛ لأنه كالحر، بخلاف غيره.

стр. 2550

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ التاسعة: سئل أبو عبد الله الحناطي عن شجرة نبتت في المقبرة هل للناس الأكل من ثمارها؟ فقال: قيل: يجوز، والأولى عندي صرفها إلى مصالح المقبرة، واختار المصنف الأول. وعن رجل غرس شجرة في المسجد كيف يصنع في ثمارها؟ فقال: إن جعلها للمسجد .. لم يجز أكلها إلا بعوض ويصرف إلى مصالح المسجد، وإن غرسها مسبلة للأكل .. جاز أكلها بلا عوض، وإن جهلت .. رجع إلى العادة في ذلك. وفي زوائد (الروضة) في (كتاب الصلاة): ينبغي أن لا تعرس الأشجار في المسجد، فإن غرست .. قطعها الإمام. وفي (فتاوى القاضي حسين) في (كتاب الصلاة) لا يجوز غرسها فيه، وجزم في (كتاب الاعتكاف) بالكراهة، وأنه إذا غرسها .. لا يجوز نقلها؛ لأنها صارت ملكاً للمسجد. وقال البغوي: تقطع وتكون ملكاً لمن غرسها، فإن ملكها للمسجد وقبلها له قيمه .. صارت ملكاً للمسجد. قال: وإذا نبت في المسجد حشيش له قيمة .. لم تجز أخذه إلا بعوض. العاشرة: لو قف على دهن السراج للمسجد .. جاز وضعه في جميع الليل؛ لأنه أنشط للمصلين، قال المصنف: إنما يسرج جميع الليل إذا انتفع به من في المسجد كمصل ونائم وغيرهما، فإن كان المسجد مغلقاً ليس فيه أحد ولا يمكن دخوله .. لم يسرج؛ لأنه إضاعة مال. * * *

стр. 2551

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ خاتمة قال الشيخ: قال لي ابن الرفعة: أفتيت ببطلان وقف خزانة كتب وقفها واقف لتكون في مكان معين من مدرسة الصاحبية بمصر؛ لأن ذلك المكان مستحق لغير تلك المنفعة، قال الشيخ: ونظيره إحداث منبر في مسجد لم تكن فيه جمعة لا يجوز، وكذا إحداث كرسي مصحف مؤبد يقرأ فيه كما يفعل بالجامع الأزهر وغيره لا يصح وقفه، ويجب إخراجه من المسجد؛ لما تقدم من استحقاق تلك البقعة لغير هذه الجهة، والعجب من قضاة يثبتون وقف ذلك شرعاً وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. * * *

стр. 2552

كِتَابُ الْهِبَةِ ــ كتاب الهبة هي مصدر وهب يهب هبة، واتهب: قبل الهبة، وفي التنويه): أصلها من هبوب الريح، ويحتمل أنها من هب من نومه؛ أي: استيقظ للإحسان. والهدية مشتقة من الهداية؛ لأنه اهتدى بها إلى الخير وإلى تآلف القلوب. والأصل في الباب قوله تعالى: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هيئاً مريئاً﴾، وافتتحه في (المحرر) بقوله تعالى: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾، وبقوله ﷺ : (تهادوا تحابوا). قال الرافعي: قيل: المراد بالتحية: الهبة، والمشهور عن ابن عباس أنها السلام، والحديث رواه البخاري في (كتاب الأدب) [٥٩٤]، وهو في (سنن البيهقي) [٦/ ١٦٩] و (شعبه) [٦/ ٤٧٩] بإسناد صحيح، ثم روي عن أبي عبد الله البوشنجي أنه قال: يروى (تحابوا) مشدداً من المحبة، ومخففاً من المحاباة. وقال في (المصابيح): صح عن عائشة أن النبي ﷺ قال: (تهادوا؛ فإن الهدية تذهب بالضغائن). وفي (الترمذي) [٢١٣٠] عن أبي معشر عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: (تذهب وحر الصدور) أي: غلها، قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه. وأبو معشر اسمه نجيح، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، وبهذا اعترض على عبد الحق لما ذكره في (الأحكام).

стр. 2553

التَّمْلِيكُ بِلاَ عِوَضٍ هِبَةٌ، ــ وفي (صحيح البخاري) [٢٥٦٨]: أن النبي ﷺ قال: (لو دعيت إلى كراع .. لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع .. لقبلت). ولما ولي الحسن بن عمارة قاضي بغداد مظالم الكوفة، بلغ الأعمش فقال: ظالم ولي مظالما، فبلغ ذلك الحسن فأهدى إليه أثواباً ونفقة، فقال الأعمش: مثل هذا يصلح أن يولى علينا، يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويعود على فقيرنا، فقال له رجل: يا أبا محمد؛ بالأمس تقول كذا واليوم تقول كذا؟ قال: حدثني حيثمة عن ابن مسعود: أن النبي ﷺ قال: (جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها) والأصح: وقفه على ابن مسعود. وأجمعت الأمة على استحباب الهبة؛ لأنها سبب للتوادد والتحابب. قال: (التمليك بلا عوض هبة) عبارة (الحوي الصغير): الهبة تمليك بلا عوض، عكس عبارة المصنف، وهي أحسن؛ فإن المحدث عنه الهبة، ولفظ التمليك يقتضي: أن الاختصاصات كجلد الميتة ونحوه لا هبة فيها، وهو الأصح هنا، وفي (الروضة) في (باب الأحداث) ما يخالفه. وقوله: (بلا عوض) يخرج المعاوضات بلفظ الهبة، كما لو وهب بشرط ثواب معلوم .. فإنه يبيع على الأصح، وإذا أطلقت الهبة .. إنما تقع على غير ذات الثواب. وحد ابن الرفعة وغيره الهبة بتمليك عين تبرعاً في الحياة؛ لأنه إذا حلف لا يهب فأوصى له .. لم يحنث في الأصح. وقال الشيخ: لا حاجة إلى ذلك؛ لأن الميت لا يحنث إن سميناها هبة.

стр. 2554

فَإِنْ مَلَّكَ مُحْتَاجًا لِثَوَابِ الآخِرَةِ .. فَصَدَقَةٌ، فَإِنْ نَقَلَهُ إِلَى مَكَانِ الْمَوْهُوبِ لَهُ إِكْرَامًا .. فَهَدِيَّةٌ ــ واحترز بـ (العين) عن هبة المنافع، وليس ذلك متفقاً عليه، وعن الوقف إذا قلنا: الملك فيه لله أو للواقف، قال الشيخ: ولا حاجة إلى ذلك أيضاً؛ لأن المنافع لم يملكها الموقوف عليه بتمليك الواقف، بل بتسبيله في جهة الله تعالى. قال: (فإن ملك محتاجاً لثواب الآخرة .. فصدقه)، (محتاجاً) مفعول (ملك)، واللام للتعليل، أي: لأجل ثواب الآخرة، وذكره في (الشرح) و (الروضة) كذلك، ولا حاجة إليه؛ فإن الصدقة على الغني جائزة ومثاب عليها إذا قصد القربة، لكن لما كان الغالب على الصدقة أن تخص الفقراء .. جرى في ذلك على الغالب فلا مفهوم له. قال: (فإن نقله إلى مكان الموهوب له إكراماً .. فهدية)؛ لقضاء العرف بذلك، ومنه إهداء النعم إلى الحرم، ولذلك لا يدخل لفظ الهدية في العقار بحال، فلا يقال: أهدى إليه داراً ولا أرضًا، وإنما يطلق ذلك في المنقولات كالثياب والعبيد، لكن سيأتي في (باب النذر) أنه لو قال: لله علي أن أهدي هذا البيت أو الأرض للحرم .. باعه ونقل ثمنه، فحصل من هذا أن هذه الأنواع تفترق بالعموم والخصوص، فكل هدية وصدقة .. هبة، ولا تنعكس، ولهذا لو حلف لا يهب فتصدق .. حنث، وبالعكس .. لا يحنث، هذا في صدقة التطوع، أما الزكاة .. فكوفاء الدين لا تمليك فيها من جهة المزكي، فإذا حلف لا يهب .. لم يحنث بها. وقال المتولي والروياني: أغلب ما تستعمل الهدية فيما تحمل إلى أعلى منه، وأنكره المصنف في (تهذيبه)، وصوب أنها تستعمل في المحمل على النظير والأعلى والأسفل فلذلك أطلقه هنا.

стр. 2555

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقوله: (إكراماً) قال الشيخ: الظاهر أنه ليس بشرط، بل الشرط النقل، وقد يقال: احترز به عن الرشوة، ومفهوم كلامه أيضاً: أن الهدية لابد فيها من التمليك، لكن سيأتي في (الأضحية): أن الهدية إلى الأغنياء لا تمليك فيها، وقد يجاب بأن ذلك لخصوص الأضحية، لأنها لا تباع للأغنياء بخلاف غيرها. وقوله: (الموهوب له) هو المشهور في اللغة، يقال: وهبته له؛ لقوله تعالى: ﴿وهبت نفسها للنبي﴾، ﴿يهب لمن يشاء إناثًا﴾، ﴿فهب لي من لدنك وليا﴾، ﴿ووهبنا له أهله﴾،﴾ ووهبنا لداود سليمان﴾. وفي كتب الرافعي وغيره: الموهوب منه، وهي قليلة، وأنكرها بعضهم، وقال المصنف: إنها جائزة، وإنها وردت في الحديث، وإن (من) زائدة على مذهب الأخفش والكوفيين، واختلفوا هل يشترط في حد الهداية أن يكون بين المهدي والمهدى إليه رسول ومتوسط أم لا على وجهين: أصحهما: أنه لا يشترط، وهذه الأنواع الثلاثة مندوب إليها، وفعلها مع الجيران ومع الأقارب وأهل الخير أفضل منه مع غيرهم. وينبغي أن لا يحتقر القليل فيمتنع من إهدائه، وأن لا يستنكف المهدى إليه عن قبول القليل؛ لما روى البخاري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (لو دعيت إلى كراع .. لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع .. لقبلت). وفي (الصحيحين) [خ٢٥٦٦ - م١٠٣٠] عنه أيضاً: أن النبي ﷺ قال: (يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة). ويستحب للمهدي إذا دعى له المهدى إليه أن يدعوا أيضاً له. ويستثنى من ذلك أرباب الولايات والعمال؛ فإنه يحرم عليهم قبول الهبة والهدية من أهل ولاياتهم على المذهب ممن ليست له عادة بذلك قبل الولاية. ويجوز قبول الهدية من الكافر كالمسلم.

стр. 2556

وَشَرْطُ الْهِبَةِ: إِيجَابٌ وَقَبُولٌ لَفْظًا، ــ قال: (وشرط الهبة: إيجاب وقبول) مراد المصنف بـ (الشرط): ما لابد منه. وأركان الهبة أربعة: الأول والثاني: العاقدان، وأمرهما واضح. والثالث: الصيغة، فلابد فيها من الإيجاب والقبول كالبيع وسائر التمليكات، فلا يجوز تعليقها على شرط ولا توقيتها على المذهب، ولا يجوز تأخير القبول عن الإيجاب، بل يشترط التواصل المعتاد في البيع، وعن ابن سريج جواز تأخير القبول كما في الوصية. فمن صريح الإيجاب: وهبت وأعمرت ومنحت ملكت، وفي قوله: أطعمتك هذا فاقبضه وجهان. ومن القبول: قبلت أو رضيت، والصدقة: تصدقت، ويكفي فيها كلها: ملكتك وخذه وما في معنى ذلك، لكن تستثنى الهبة الضمنية فلا يحتاج فيها إلى قبول كأعتق عبدك عني، فإذا أعتقه .. دخل في ملكه هبة، ويعتق عليه. وفي (الكفاية) عن القفال: إذا اشترى حلياً لزوجته وزينها به .. لا يصير ملكاً لها، وفي الولد الصغير يكون ملكاً له. وتستثنى المرأة إذا وهبت ليلتها لضرتها .. فلا يشترط قبولها على الصحيح، وقد يستثنى ما يأكله الضيف كما قاله الرافعي في (باب الوليمة)، لكنه هنا قال: إنه لا يملكه. قال: (لفظًا)؛ لأن الرضا لا يطلع عليه إلا بدلالة اللسان، هذا في الناطق، أما الأخرس .. فتكفيه الإشارة المفهمة، واختار في (شرح المهذب) صحتها بالمعاطاة كالبيع، وهي واردة على المصنف، وكذلك يرد عليه: أن البيع يصح بالكناية على الصحيح فالهبة أولى، وكذلك الخلع التي يخلعها السلطان على الأمراء والقضاة

стр. 2557

وَلاَ يُشْتَرَطَانِ فِي الْهَدِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ، بَلْ يَكْفِي الْبَعْثُ مِنْ هَذَا وَالْقَبْضُ مِنْ ذَاكَ ــ وغيرهم لا يشترك فيها القبول؛ لجريان العادة بلك كما سيأتي في (القضاء). قال: (ولا يشترطان في الهدية على الصحيح، بل يكفي البعث من هذا والقبض من ذاك)؛ لأن الهدايا كانت تحمل إلى رسول الله ﷺ فيقبلها ولا لفظ هناك، رواه الترمذي [١٩٥٣]، وعلى ذلك جرى الناس في الأعصار، وكذلك كانوا يبعثون بها على أيدي الصبيان الذين لا عبارة لهم. فإن قيل: هذا كان إباحة لا هدية وتمليكاً .. فجوابه: أنه لو كان إباحة .. لما تصرفوا فيه تصرف الملاك، ومعلوم أن ما قبله النبي ﷺ كان يتصرف فيه ويملكه غيره. قال الرافعي: ويمكن أن يحمل كلام من اعتبر الإيجاب والقبول على الأمر المشعر بالرضا دون اللفظ، يقال: الإشعار بالرضا قد يكون لفظًا وقد يكون فعلًا. وفي (صحيح البخاري) [٢٥٧٦]: عن أبي هريرة ﵁: كان النبي ﷺ إذا أتي بطعام .. سأل عنه: (أهدية أم صدقة؟) فإن قيل: صدقة .. قال لأصحابه: (كلوا) ولم يأكل، وإن قيل: هدية .. أكل منهم. وفي (الصحيحين) [خ٢٥٧٤ - م٢٤٤١]: (كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة يبتغون بذلك مرضاة رسول الله ﷺ قال: وكان له جيران من الأنصار لهم منائح فكانوا يرسلون إلى النبي ﷺ من ألبانها. وفي (سنن البيهقي) [٦/ ١٦٩]: عن عبد الرزاق عن معمر عن ثابت عن أنس: أن رجلًا من أهل البادية كان اسمه زاهر بن حرام، كان يهدي إلى النبي ﷺ الهدية من البادية فيجهزه النبي ﷺ إذا أراد أن يخرج، وكان النبي ﷺ يقول: (إن زاهرًا باديتنا ونحن حاضرته). والوجه الثاني: يشترطان كالبيع والوصية. والثالث: لا يشترطان في المأكول ويشترطان في غيره، واختاره الإمام والغزالي، والصحيح الأول؛ لأنهم كانوا يتهادون الأطعمة وغيرها، واشتهر وقوع

стр. 2558

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الكسوة والدواب في هدايا الملوك إلى رسول الله ﷺ ، وأن مارية أم ولده كانت من الهدايا. والرابع: إن أراد التمليك .. اعتبر الإيجاب والقبول، وإلا .. فلا، لكن له الانتفاع به بغير البيع، وللمهدي الرجوع فيه ما دام باقيًا؛ لأنه بمنزلة الإباحة، قاله القفال، قال: ولهذا لو بعث إليه حلوى .. لم يكن له بيعها وإنما يأكلها هو وأهله. وعبارة المصنف تشعر بعدم احتياج الصدقة إلى الإيجاب والقبول، لكن قال الرافعي: الصدقة كالهدية بلا فرق، وطريقة الشيخ أبي حامد ومن تبعه افتقارها إليهما، واختاره في (الشامل) أن الأنواع الثلاثة لا تفتقر إليهما، وهو منصوص (البويطي). فروع: الأول: تشترط في الواهب أهلية التبرع، فلا تصح المكاتب بغير إن سيده ولا العبد وإن قلنا: يملك بتمليك سيده، والمبعض .. قال الدارمي: تصح هبته. الثاني: إذا كانت الهبة لمن ليس له أهلية القبول .. قبل له وليه، فإن كان الواهب له من يلي أمره غير الأب والجد .. قبل له الحاكم أو نائبه، وإن كان أبًا أو جدًا .. تولى الطرفين كالبيع، ولا اعتبار بقبول متعهد الطفل الذي لا ولاية له عليه خلافًا لأبي حنيفة، وإذا وهب لعبد غيره .. فالمعتبر قبول العبد. الثالث: إذا وهب له شيئين فقبل أحدهما، أو شيئًا فقبل بعضه .. فوجهان في (الروضة) و (الشرح). قال الرافعي: والفرق بينه وبين البيع: أن البيع معاوضة وقد يتضرر البائع بالتبعيض؛ لانتقاص قيمة الباقي، ولم يرجح الرافعي والمصنف شيئاً منهما.

стр. 2559

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال في (المهمات): والراجح: التحاقه بالبيع فلا يصح، كما لو وهب لاثنين فقبل أحدهما نصفه .. فإنه لا يصح على الأصح. قلت: الصواب: صحته؛ لما روى أحمد [٤/ ١٧١] بإسناد جيد في أثناء حديث ليعلى بن مرة: (أن النبي ﷺ أهدي له سمن وأقط وكبش، فقبل السمن والأقط ورد الكبش) وبه جزم في (الإحياء). الرابع: غرس أشجاراً وقال عند الغراس: أغرسها لابني .. لم تصر للابن، ولو قال: جعلتها له- وهو صغير- صارت له، بخلاف الولد الكبير. الخامس: ختن ابنه واتخذ دعوة فحملت إليه هدايا ولم يسم أصحابها الأب ولا الابن، فهل تكون الهدايا ملكًا للأب أو الابن؟ فيه وجهان: قطع القاضي حسين بأنها للولد، ويجب على الأب أن يقبلها له، فإن لم يقبل .. أثم. وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: تكون ملكًا للأب؛ لأن الناس يقصدون التقرب إليه، قال المصنف: وهذا أقوى وأصح، قال الشيخ: وبه أقول. ويتفرع عليه أنه إذا كان الأب قاضيًا .. يحرم قبول الهدية له. السادس: بعث إليه كتابًا وقال: اكتب الجواب على ظهره .. لزمه رده، وليس له التصرف فيه، وإلا .. فهو هدية يملكها المكتوب إليه على الأصح. وقيل: يبقى على ملك الكاتب، وللمكتوب إلي الانتفاع به على سبيل الإباحة. السابع: أعطاه درهمًا وقال: ادخل به الحمام، أو دراهم وقال: اشتر لنفسك بها عمامة ونحو ذلك .. ففي (فتاوى القفال): أنه إن قال ذلك على سبيل التبسط المعتاد .. ملكه وتصرف فيه كيف شاء، وإن كان غرضه تحصيل ما عينه لما رأى به من الشعث والوسخ أو لعلمه بأنه مكشوف الرأس .. لم يجز صرفه إلى غير ما عينه، وكذلك لو طلب الشاهد مركوبًا فأعطاه دراهم ليصرفها إلى مركوب هل له صرفها إلى

стр. 2560

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جهة أخلى؟ وجهان: قال المصنف: والصحيح المختار ما قاله القفال. ويشكل على تصحيحه: أنه في (الشهادات) صحح: أنه لو أعطى الشاهد دراهم وقال: اركب بها .. أن له صرفها في الركوب وغيره من غير فرق. وصحح الرافعي فيما لو أوصى لدابة غيره وفسره بالصرف في علفها: أنه يصح، ويتعين الصرف لذلك؛ مراعاة لغرض الموصى. الثامن: سئل الشيخ أبو زيد عن رجل مات أبوه، فبعث إليه رجل ثوبًا ليكفنه فيه هل يملكه حتى يمسكه ويكفنه في غيره؟ فقال: إن كان الميت ممن يتبرك بتكفينه لفقه أو ورع .. فلا، ولو كفنه في غيره .. وجب رده إلى مالكه. التاسع: أفتى الغزالي بأن خادم الصوفية الذي يتردد في الأسواق ويجمع لهم شيئًا يأكلونه أن الخادم يملكه، ولا يلزمه الصرف إليهم، قال: إلا أن المروءة تقتضي الوفاء لهم، لكن لهم منعه من الأخذ على اسمهم. وقال في (الإحياء): من له عيال وأعطي شيئاً بسببهم .. فهو له، وله أن يطعمهم من غيره. العاشر: أعطاه ثوبًا على وجه الصدقة، فأخذه ظانًا أنه عارية أو وديعة، فرده على الدافع .. قال القاضي: لا يحل له أخذه، وعليه إخباره بأنه صدقة، وهذا تفريغ على الصحيح أن الصدقة لا تفتقر إلى لفظ، أما على طريقة أبي حامد .. فلا، ولو جاء الرسول وقال: إنه هدية، وكذبه ربه وقال: إنما أرسلته عارية أو وديعة .. صدق.
следующие страницы →