Полный текст (5 377 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.
стр. 2486
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وجهان: أصحهما عند المصنف: صحته، وقيده ابن الصلاح بأجرة المثل.
ومنها: لو كانت منافع الموقوف مباحة كالمسجد وماء البئر فوقف على الناس وصرح بنفسه معهم .. فإنه يصح ويدخل كما جعل عثمان ﵁ دلوه في بئر رومة كدلاء المسلمين؛ لأنه لم يقل ذلك على سبيل الاشتراط، بل على سبيل الإخبار.
قال المصنف: ومن هذا النوع: لو وقف كتاباً على المسلمين للقراءة فيه ونحوها، أو قدراً للطبخ فيها، أو كيزاناً للشرب فيها ونحو ذلك .. فللواقف الانتفاع معهم.
ومنها: أن يقف على أولاد أبيه المتصفين بصفة الفقه مثلاً، وليس فيهم فقيه سواه .. ففي (شرح ابن يونس): أنه يصح، وسبقه إلى تصحيح ذلك الفارقي، وتبعهما ابن الرفعة فوقف وقفاً على الأفقه من بني الرفعة وكان يتناوله، وكلام الماوردي والعزالي في (فتاويه) يصرح بخلافه.
ومنها: أن يرفعه إلى من يراه فيحكم بصحته، ولو وقف على نفسه ثم جهات متصلة وأقر بأن حاكماً حكم بصحة هذا الوقف ولزومه .. أفتى البرهان المراغي بأنه يؤاخذ بإقراره في نفسه، ويجوز نقض الوقف في حق غيره، وخالفه الشيخ تاج الدين الفزاري وقال: إقراره فيما بيده مقبول عليه وعلى من يتلقى منه كما لو قال: هذا وقف علي.
ومنها: في (الحاوي): لو وقف وقفاً على أن يحج عنه منه أو يجاهد عنه منه .. قال الماوردي والروياني: جاز، ولا يكون وقفاً على نفسه؛ لأنه لا يملك شيئاً من غلته، فإن ارتد .. لم يجز الصرف في الحج؛ لأنه لا يصح عن المرتد، فيصرف إلى الفقراء والمساكين، فإن عاد إلى الإسلام. أعيد الوقف إلى الحج عنه، ولو وقف
стр. 2487
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على الجهاد عنه .. جاز، فلو ارتد الواقف .. فالوقف بحاله يصرف إلى المجاهدين عنه؛ لأن الجهاد يصح من المرتد.
ومنها: ما إذا أجر شيئاً مدة يظن أنه لا يعيش إلى مثلها، ثم وقفه، ثم استأجره لنفسه المدة المعقود عليها .. فينفرد باليد كما أفتى به ابن الصلاح وغيره.
فرع:
وقف على ولده ثم على ورثة ولده ثم على الفقراء، فمات ولده وهو وارثه فهل يرجع إليه قدر ميراثه؟ وجهان:
قال ابن سريج والزبيري: يرجع.
والثاني: لا يرجع إليه منه شيء، بل يكون نصيبه للفقراء، ويصرف الباقي إلى بقية الورثة، وبه أفتى الغزالي.
حادثة:
لا يصح الوقف بشرط أن يقضي منه دينه؛ لكونه وقفاً على نفسه وغيره.
فعلى هذا: لا يصح ما يعتمده الواقفون للبناء القائم على الأرض المحتكرة من اشتراط صرف أجرة الأرض من الريع؛ لكون الأجرة ديناً عليهم، قال الشيخ علاء الدين القونوي: وهذا يقع كثيراً في أوقاف الديار المصرية وغيرها، وكذلك كان الشيخ شمس الدين بن عدلان يفتي ببطلان الوقف بذلك، وبأن واقف الأبنية على الأرض المحتكرة تلزمه أجرة الأرض تخريجاً من جناية العبد الموقوف أن الفداء لازم
стр. 2488
وَإِنْ وقَفَ عَلى جِهِةِ مَعْصِيَةٍ كَعِمَارَةِ الْكَنَائِسِ .. فَبَاطِلٌ،
ــ
للواقف على الصحيح بجامع أنه فوت بالوقف بيعه، والظاهر: أنها لا تلزمه، بل إن كان هناك ريع .. وجبت منه، وإلا .. لم تلزم الواقف الأجرة لما بعد الوقف، وللمالك مطالبته بالتفريغ.
والفرق بينه وبين جناية العبد الموقوف عليه: أن رقبته محل لتعلق الجناية بها لولا الوقف، بخلاف البناء إنما محل التعلق ذمة المالك، وقد زال ملكه فيزول التعلق، ولهذا لو مات العبد قبل اختيار الفداء .. لم يتعلق بالسيد منه شيء، ولو انهدم البناء .. كانت الأجرة الماضية لازمة للمالك، لا جرم كان المفتى به: صحة الوقف ولزوم الشرط وانقطاع الطلب عن الواقف.
وإذا سكت الواقف عن الشرط المذكور والحال أنه ليس هناك إجارة صحيحة .. فإنه يصرف الحكر من ريع الوقف، وعليه جرى العمل، ويكون مقدماً كالعمارة، وإنما يكون في تركة الواقف عند وجود الإجارة الصحيحة، وبهذا صرح بان الأستاذ فإنه قال: والأجرة من ريعه إن شرط الواقف ذلك أو سكت عنه.
قال: (وإن وقف على جهة معصية كعمارة الكنائس .. فباطل) بلا خلاف؛ لأنه إعانة على معصية، وسواء في ذلك الإنشاء والترميم، وسواء منعوا من ذلك أم لا بأن تكون في بلاد فتحت صلحاً على أن تكون رقابهم لهم، وكذا لو وقف على حصرها وسرجها وكتب التوراة والإنجيل؛ لأنهم حرفوا وبدلوا.
ونبه الشيخ على ما وقع في آخر (البخاري): (قال ابن عباس: وليس أحد يزيل لفظ كتاب الله من كتب الله تعالى، ولكنهم يحرفونه يتأولونه على غير تأويله) أن هذا الكلام يحتمل أن يكون من قول ابن عباس وأن يكون مدرجاً بعده، وكان بعض الناس يغتر به ويرى جواز مطالعته، قال: وهذا منكر من القول، فلا خلاف في تبديلها، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الواقف مسلماً أو ذمياً.
стр. 2489
أَوْ جِهَةِ قُرْبَةٍ كَالْفُقَرَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْمَدَارِسِ .. صَحَّ،
ــ
ومعنى البطلان: أنا نحكم به إذا ترافعوا إلينا، وإلا .. لم نتعرض لهم حيث لا يمنعون من الإظهار، ولو قضى به حاكمهم ثم ترافعوا إلينا .. نقضناه، أما إذا وقفوه على كنائسهم القديمة قبل المبعث .. فإنه يقرر حيث تقرر الكنائس، كذا قال الرافعي، وأخذ ابن الرفعة منه أن الوقف على ترميم الكنائس التي يجوز تقريرهم عليها إذا لم يمنع منه يجوز، ونازعه الشيخ في ذلك وقال: الصواب: أن الوقف على ترميمها باطل.
كل هذا في كنائس التعبد، أما ما ينزلها المارة من أهل الذمة .. فنص الشافعي والجمهور على جواز أن يوصى ببنائها، وحكى الماوردي وجهاً: أنه لا يجوز إلا أن يشرك معهم المسلمين في النزول.
قال ابن الرفعة: والوقف يشبه أن يكون كالوصية، فلو جمع بين نزول المارة والصلاة فيها .. ففي (الاستقصاء): يحتمل أن يصح في نزول المارة، ويبطل في الصلاة.
قال: (أو جهة قربة) أي: جهة يظهر فيها قصد القربة، وإلا .. فالوقف كله قربة، وهذا يسمى وقفاً على الجهة؛ لأن الواقف نظر إلى جهة الفقر والمسكنة، ويقصد سد خلة موصوف بهذه الصفة لا لشخص بعينه.
قال: (كالفقراء والعلماء والمساجد والمدارس .. صح)؛ لحصول مقصود الوقف- وهو القربة- ولعموم الأدلة، ولأن الجامدات ليست مستحقة، إلا أن ذلك وقف على جماعة المسلمين؛ ليكون النفع عائداً عليهم، وعلى هذا النحو جرت أوقاف الصحابة رضوان الله عليهم.
وقيل: لا يصح على من لا يملك كالكعبة والمسجد، حكاه الرافعي في (التذنيب).
وفي (فتاوى القفال) قول: إنه لا يصح على العلماء؛ لأنهم ينقطعون، بخلاف الفقراء.
والعلماء في العرف الشرعي: علماء الشرع الآتي ذكرهم في (الوصية).
стр. 2490
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نعم؛ يشترط في الجهة إمكان حصرها، فلو قال: وقفت على جميع الناس أو جميع الخلق أو على كل شيء .. فباطل، قاله الماوردي والروياني، فإن الوقف ما كانت سبله مخصوصة الجهات لتعرف؛ لأنه لا يمكن استيفاء هذا الشرط، وفرقا بينه وبين ما لو وقف على الفقراء والمساكين حيث يجوز؛ لأن الجهة مخصوصة، وعرف الشرع فيهم لا يوجب استيعاب جميعهم كالزكاة، ونازعهما الشيخ في ذلك ومال إلى الصحة؛ لأن الإسلام جهة اعتبرها الشارع في الإرث والعقل وغيرهما والمساجد موقوفة على جميع المسلمين.
فائدة:
بناء المسجد من أعظم القربات؛ ففي (الترمذي) [٥٩٤] و (ابن ماجه) [٧٥٩] من حديث عائشة ﵂ قالت: (أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب).
وفي (صحيح البخاري) [٤٢٨] في (باب من نبش قبور مشركي الجاهلية) عن أنس بن مالك في حديث طويل: (أن النبي ﷺ أمر ببناء المساجد).
وفي (صحيح مسلم) [٥٣٣]: أن النبي ﷺ قال: (من بنى لله مسجداً .. بنى الله له في الجنة مثله).
وفي (ابن حبان) [١٦١٠] عن أبي ذر: أن النبي ﷺ قال: (من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة .. بنى الله له بيتاً في الجنة).
و (مفحص القطاة) بفتح الميم: مجثمها.
стр. 2491
أَوْ لِجِهَةٍ لاَ تَظْهَرُ فِيهَا الْقُرْبَةُ كَالأَغْنِيَاءِ .. صَحَّ فِي الأَصَحِّ.
ــ
قال: (أو لجهة لا تظهر فيها القربة كالأغنياء .. صح في الأصح)؛ بناء على أن المرعي في الموقف على الجهة العامة التمليك كالوصية لا القربة.
والثاني: لا، بناء على أن المرعي فيه جهة القربة، ولهذا لا يجب استيعاب المساكين، بل يجوز الاقتصار على ثلاثة منهم.
قال الرافعي: والأحسن توسط لبعض المتأخرين وهو: الصحة على الأغنياء دون اليهود والنصارى وقطاع الطريق وسائر الفساق؛ لتضمنه الإعانة على المعصية، ومن هنا حسن تمثيله في الكتاب بالأغنياء فقط.
وقال ابن الرفعة: ما استحسنه الرافعي ببادي الرأي صحيح، لكنه خلاف قول الأصحاب كافة، وهو إحداث قول ثالث بعد الإجماع على قولين، ولو كان الأمر كما قاله في اليهود والنصارى .. لكان الوقف عليهم معصية، وهو خلاف ما قاله الأصحاب.
ومحل الخلاف في الأغنياء: إذا خصهم بالوقف، فلو كان معهم غيرهم أو كانوا محصورين كوقفه على أغنياء أقاربه .. قال ابن الرفعة: فالذي يظهر الجزم بالصحة.
стр. 2492
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وضبط الزبيري في (المسكت) الغني في هذا الباب بالذي تحرم عليه الصدقة، إما لماله أو قوته أو كسبه، قال: وقد يكون الرجل غني بغنى غيره لا بنفسه كالولد بأبيه والمرأة بزوجها، فيقال لهم أغنياء لأجل كفايتهم.
وعلى الأصح: لو ادعى شخص أنه غني .. لم يقبل إلا ببينة، بخلاف ما لو وقف على الفقراء فادعى أنه فقير ولم يعرف له مال .. فإنه يقبل بلا بينة.
قلت: وكون الوقف على الأغنياء لا قربة فيه فيه نظر؛ لأنهم قد يعتبرون بذلك كما في (الصحيح) [خ١٤٢١ - م١٠٢٢] في حديث: (لأتصدقن الليلة بصدقة): (فوقعت صدقته في يد غني) وفيه: (لعله يعتبر فينفق مما آتاه الله تعالى).
فروع:
يجوز الوقف على سبيل الله- وهم: المستحقون سهم الزكاة- وعلى سبيل الخير أو البر أو الثواب، ويصرف إلى أقارب الواقف، فإن لم يوجدوا .. فإلى أهل الزكاة.
ولو جمع بين سبيل الله وسبيل الثواب وسبيل الخير .. صرف الثلث إلى الغزاة، والثلث إلى أقاربه، والثلث إلى الفقراء والمساكين والغرمين وابن السبيل وفي الرقاب.
ويصح الوقف على أكفان الموتى ودفنهم ومؤنة الغسالين والحفارين وإن كان فرض كفاية، قال في (المطلب): الذي يظهر اختصاص ذلك بالفقراء، وقد تقدم في (الجنائز) عن (فتاوى ابن الصلاح): أنه لا يزاد في هذه الحالة على ثوب.
ويصح على شراء الأواني والظروف ممن تكسر منه، وعلى المتفقهة- وهم:
стр. 2493
وَلاَ يَصِحُّ إِلاَّ بِلَفْظٍ،
ــ
المشتغلون بتحصيل الفقه مبتدئهم ومنتهيهم- وعلى الفقهاء ويدخل فيه من حصل شيئاً وإن قل، قاله الرافعي.
وقال القاضي: إذا وقف على الفقهاء .. يصرف إلى من يعرف من كل علم شيئاً، أما من تفقه شهراً أو شهرين .. فلا.
والوقف على الصوفية .. قال الشيخ أبو محمد: لا يصح؛ إذ ليس للتصوف حد يعرف، والصحيح المعروف: صحته، وهم المشتغلون بالعبادة في أغلب الأوقات، المعرضون عن الدنيا، قال القاضي: لا من كان مشتغلاً بالأكل والرقص والسماع.
وفي (فتاوى الغزالي): لابد في الصوفي من العدالة، فلو أتى بمعصية ترد بها الشهادة .. لم يجز له أخذ شيء من غلة الوقف.
ولابد من ترك الحرفة، ولا بأس بالنسخ والخياطة وما يشبههما إن كان يتعاطى ذلك أحياناً في الرباط لا في الحانوت، ولا تقدح قدرته على الاكتساب والاشتغال بالوعظ والتدريس، ولا أن يكون له من المال قدر لا تجب فيه الزكاة، وتقدح فيه الثروة الظاهرة والعروض الكثيرة، ولابد أن يكون في زي القوم، إلا أن يكون مساكنهم في الرباط .. فتقوم المخالطة والمساكنة مقام الزي، ولا يشترط لبس المرقعة من يد شيخ، وكذا ذكره المتولي.
والفقيه إذا كان على زيهم وأخلاقهم له النزول عندهم.
وليس الجهل شرطا في التصوف، ولا يلتفت إلى قول بعض الحمقى: العلم حجاب، بل الحجاب: الجهل والعلم المذموم.
قال: (ولا يصح إلا بلفظ) كالعتق وسائر التمليكات، ويخالف البيع حيث انعقد بالمعاطاة على وجه؛ لأن البيع كان في الجاهلية والشرع ورد بإباحته .. فجرى عليه،
стр. 2494
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والوقف لم يعهد .. فاتبع فيه ما ورد به الشرع.
وعلم من هذا: أنه لو بنى مسجداً وأذن في الصلاة فيه .. لم يصر مسجداً، وكذا لو أذن في الدفن في ملكه .. لم يصر مقبرة عندنا خلافاً لأبي حنيفة، ويرد على هذا أن النبي ﷺ لم ينقل عنه حين بنى مسجده أنه تلفظ بوقفه، ولا عمر ولا عثمان حين وسعا المسجدين، وقال ﷺ : (من بنى لله مسجداً ...) الحديث، ويم يقل: وتلفظ بذلك، وقال في (البحر): إنها تصير وقفا فيما بينه وبين الله تعالى، فإن أخبره بأنه نواه .. لزمه في الحكم أيضاً.
أما بالكتابة المجردة .. فلا يصح كما جزم به الرافعي في (باب الهدي)، والمتجه: الصحة مع النية كالوصية.
هذا كله في الناطق، أما الأخرس .. فيصح بإشارته المفهمة كغيره من التبرعات، وإذا رأينا مسجداً يصلي الناس فيه .. فيستمر حكمه ولا يغير، لأنه في أيدي المسمين لذلك.
واستثنى في (الكفاية) تبعاً للماوردي: إذا بنى مسجداً في الموات قاصداً به ذلك .. فإنه يصير مسجداً، ويقوم الفعل مع النية مقام اللفظ، ويزول ملكه عن الآلة بعد استقرارها في موضعها.
وأجاب الشيخ بأن الموات لم يدخل في ملك من أحياه مسجداً، وإنما احتيج إلى اللفظ؛ لإخراج ما كان في ملكه عنه، وأما البناء .. فصار له حكم المسجد تبعاً، ولو استقر .. لاعتبر اللفظ كما قال الروياني، فمن عمر مسجداً ولم يقف الآلة .. فهي عارية له الرجوع فيها متى شاء.
стр. 2495
وَصَرِيحُهُ: وَقَفْتُ كَذَا أَوْ أَرْضِي مَوْقُوفَةٌ عَلَيْهِ، وَالتَّحْبِيسُ وَالتَّسْبِيلُ صَرِيحَانِ عَلَى الصَّحِيحِ
ــ
وتستثنى أراضي الفيء؛ فإنها تصير وقفاً بنفس الاستيلاء على ما قاله أبو حامد، وهو الأصح عند الماوردي.
وما يؤخذ من الناس ليبنى به زاوية أو رباط؛ فإنه إذا بناه .. يصير وقفاً على الجهة التي أخذ لها كذا قاله الشيخ أو بمحمد.
والشارع يصير وقفاً بالاستطراق من غير احتياج إلى لفظ كما قاله الإمام في (كتاب الصلح).
قال: (وصريحه: وقفت كذا)؛ لأنه تكرر على ألسنة حملة الشرع، بل هو أشهر الألفاظ المستعملة في هذا الباب عرفا ولغة، وعن الإصطخري رواية غريبة أن لفظ الوقف ليس بصريح.
قال: (أو أرضي موقوفة عليه) وكذا محتبسة أو مسبلة إن جعلناهما صريحين، وأشار بذلك إلى أنه لا يشترط فرق بين الفعل وما يشتق منه.
قال: (والتحبيس والتسبيل صريحان على الصحيح)؛ لكثرة استمالهما واشتهارهما شرعاً وعرفاً، ففي حديث عمر: (حبس الأصل وسبل الثمرة) رواه الشافعي [١/ ٣٠٨].
والثاني: أنهما كنايتان؛ لأنهما لم يشتهرا اشتهار الوقف.
والثالث: التحبيس صريح والتسبيل كناية؛ لأنه ﷺ غاير بينهما في حديث؛ فإنه قال: (حبس الأصل وسبل الثمرة) والثمرة غير موقوفة بالإجماع.
قال في (البسيط): وموضع الخلاف إذا اقتصر عليه، فلو أكده بالمصدر فقال:
стр. 2496
وَلَوْ قَالَ: تَصَدَّقْتُ بِكَذَا صَدَقَةً مُحَرَّمَةٍ أَوْ مَوْقُوفَةً أَوْ لاَ تُبَاعُ وَلاَ تُوهَبُ .. فَصَرِيحٌ فِي الأَصَحِّ
ــ
حبسته تحبيساً مؤبداً محرماً .. فلا خلاف في الصراحة.
فجميع ما في ذلك أربعة أوجه: الجميع صريح، الجميع كناية، الصريح الوقف وحده، الكناية التسبيل وحده.
قال الشيخ: فينبغي لمن كتب كتاب وقف وأشهد به أن يضم إلى ألفاظ الواقف إقراره بالنية؛ ليخرج من الخلاف ويقطع بصحة الوقف، قال: والألفاظ المذكورة في هذا الباب: الوقف والتحبيس والتسبيل والتحريم والتأبيد والصدقة، فهذه ستة ألفاظ وأصلها الصدقة، ولكنها لما اشتركت بينه وبين غيره .. تأخرت عن رتبة الصريح، وصار أعلى المراتب لفظ الوقف، ودونه التحبيس، ودونه التسبيل، ودونهما التحريم والتأبيد، ودونهما الصدقة.
وجاء في هذا الباب نوع غريب لم يأت مثله إلا قليلاً وهو: انقسام الصريح إلى ما هو صريح بنفسه وإلى ما هو صريح مع غيره.
ويخرج من كلام الرافعي وجه: أنه ليس لنا لفظ صريح في هذا الباب، وهو عند انفراد لفظة أو لفظتين صحيح، وأما لو اجتمعت ألفاظ كثيرة بحيث يقطع بالمراد .. فكيف لا تمكن صراحته؟ والصريح ما دل على معنى لا يحتمل غيره، والألفاظ إذا اجتمعت .. أفادت ذلك، فلا وجه للتردد في صراحتها وثبوت الحكم بها.
قال: (ولو قال: تصدقت بكذا صدقة محرمة أو موقوفة أو لا تباع ولا توهب .. فصريح في الأصح)؛ لانصرافه بهذا عن التملك المحض.
والثاني: أنه كناية؛ لأنه صريح في التملك المحض المخالف لمقصود الوقف.
والثالث: أنه تمليك في قوله: (صدقة محرمة) دون ما إذا قيد بأنها لا تباع ولا توهب.
فتلخص أن الصريح بنفسه ثلاثة: الوقف والتسبيل والتحبيس، وغيرها لا يكون صريحاً إلا أن ينضم إليه غيره، لكن لفظ التحريم كناية على الصحيح.
والقاعدة: أن الكناية لا تصير صريحة بانضمامها إلى كناية أخرى كما لو قال:
стр. 2497
وَقَوْلُهُ: تَصَدَّقْتُ فَقَطْ .. لَيْسَ بِصَرِيحٍ وَإِنْ نَوَى، إِلاَّ أَنْ يُضِيفَهُ إِلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ وَيَنْويَ. وَالأَصَحُّ: أَنَّ قَوْلَهُ: حَرَّمْتُهُ أَوْ أَبَّدْتُهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ،
ــ
أنت خلية برية .. لا تطلق بغيرنية، فكيف جعلوه هنا صريحاً؟
وأجاب المصنف عنه في (نكت التنبيه) بأنه إذا قال: صدقة محرمة .. لم يفهم منه غير الوقف.
واستشكل الشيخ حكاية المصنف الوجهين في صدقة موقوفة، مع أنه جزم بصراحة لفظ الوقف، فكيف إذا اجتمع مع غيره؟ يأتي في خلاف فضلاً عن قوته.
قال: ولعله تحريف من ناقل، ويكون مكان (موقوفة): مؤبدة كما عبر به الشافعي والجمهور.
قال: (وقوله: تصدقت فقط ليس بصريح وإن نوى)؛ لتردد اللفظ بين صدقة لفرض والتطوع والوقف؛ لأن هذا اللفظ صريح في غير الوقف فلا يكون كناية فيه.
قال: (إلا أن يضيفه إلى جهة عامة) مثل تصدقت على الفقراء أو الغزاة، فإن أضافه إلى جهة خاصة كتصدقت عليك أو عليكم .. لا يكون وقفاً على الصحيح؛ لأن اللفظ لا إشعار له بذلك، وكل لفظ جعلناه كناية فيه إذا نوى به الوقف .. صار وقفاً في الباطن، فلو ادعى المتصدق عليه الوقفية، فإن صدقه .. ثبت ظاهراً أيضاً، وإن كذبه .. صدق بيمينه؛ لأنه أعرف بنيته.
هذا كله بالنسبة إلى الظاهر، أما في الباطن .. فيصير وقفاً بينه وبين الله كما تقدم.
قال: (وينوي)؛ لأن النية مع الكناية كالصريح، كذا قالوه، والصواب: أن إضافته إلى الجهة صيرته كالكناية حتى يعمل فيه بالنية، فإذا لم ينو .. لم يكن كناية قطعاً.
قال: (والأصح: أن قوله: حرمته أو أبدته ليس بصريح) بل هو كناية على المذهب؛ لأنهما لا يستعملان مستقلين، وإنما يؤكد بهما، فإذا أفردا .. لم يكن
стр. 2498
وَأَنَّ قَوْلَهُ: جَعَلْتُ الْبُقْعَةَ مَسْجِداً تَصِيرُ بِهِ مَسْجِداً،
ــ
المعنى مستفاداً منهما؛ لعدم صلاحيتهما للاستقلال، فلو جمع بينهما فقال حرمته وأبدته .. ازدادت قوة الكناية، ولكنها لا تبلغ حد الصريح.
هذا إذا قلنا بصراحة الوقف والتسبيل والتحبيس، فإن قلنا: كناية .. فهذان أولى.
والثاني: أنهما صريحان؛ لإفادتهما الغرض كالتحبيس والتسبيل.
قال الشيخ: وصورة المسألة أن يقول: حرمتها للمساكين، فلو قال: حرمتها عليهم .. انعكس المعنى.
وعلم من كان المصنف: أنه لا يشترط في صحة الوقف أن يقول: أخرجته عن ملكي، وفي اشتراط ذلك في (اللباب) وجهان، وكلام الشافعي في (الأم) - حيث أملي نسخة-: الوقف، وفيها: (وأخرجته عن ملكي يقتضي الاشتراط) وهو غريب.
قال: (وأن قوله: جعلت البقعة مسجداً تصير به مسجداً) وإن لم يقل: وقفتها، ولم يذكر شيئاً من الألفاظ السابقة لإشعار ذلك بالمقصود واشتهاره، ولأن المسجد لا يكون إلا وقفاً فأغنى لفظه عن لفظ الوقف، وأشار المصنف بذلك إلى أنه صريح فيه.
والثاني: لا يصير؛ لأنه وصفه بما هو موصوف به، قال ﷺ : (جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا) وهذا عليه الجمهور، وبه قطع القفال والأستاذ أبو طاهر والقاضي حسين والبغوي والمتولي والخوارزمي.
قال ابن الرفعة: ومحل الخلاف إذا خلا عن نية الوقفية، أما إذا نوى بذلك الوقف .. فإنها تصير مسجداً، وكذا لو قال: وقفت هذه البقعة لصلاة المسلمين .. صارت مسجداً، ومحله أيضاً إذا لم يقل مع ذلك: لله، فإن قال: جعلتها مسجداً لله .. صح جزماً.
стр. 2499
وَأَنَّ الْوَقْفَ عَلَى مُعَيَّنٍ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبُولُ.
ــ
ومقتضى كلام الإمام أن الخلاف يجري فيه.
وأشار بقوله: (تصير به مسجداً) إلى أنه يصير مسجداً بنفس اللفظ من غير احتياج إلى نية، وليس هذه في (المحرر).
قال: (وأن الوقف على معين) كزيد أو جماعة معينين (يشترط فيه القبول)؛ لأنه يبعد دخول عين أو منفعة في ملك شخص من غير رضاه، وعلى هذا: فليكن متصلاً بالإيجاب كالبيع والهبة.
والثاني: لا يشترط، واستحقاقه المنفعة كاستحقاق العتيق منفعة نفسه بالإعتاق، وهذا هو المنصوص في غير موضع، وهو اختيار جمهور العراقيين وخلائق، وهو الصواب المفتى به، وهو الراجح في (الروضة) في (كتاب السرقة)، والقائلون به اشترطوا عدم الرد كما سيأتي.
وإذا شرطنا القبول، فإن كان الموقوف عليه من أهله .. تولاه، وإن لم يكن كالصبي والمجنون .. تولاه وليه، وإن كان الواقف الأب أو الجد .. فالحكم في القبول كالحكم في قبول البيع والهبة.
قال ابن الصلاح في (فتاويه): فلو بلغ بعد قبول الولي ورد .. لم يرتد برده.
واحترز بـ (المعين) عن الجهة العامة كالوقف على الفقراء، وعن جهة التحرير كالوقف على المسجد والرباط؛ فإنه لا يشترط القبول جزماً لعدم الإمكان، ولم يجعلوا الحاكم نائباً عنهم في القبول كنيابته عن سائر المسلمين في استيفاء القصاص والأموال، قال الرافعي: ولو صاروا إليه .. لكان قريباً.
وأجاب الشيخ بأن استيفاء القصاص والأموال لابد لها من مباشر، فلذلك جعل الحاكم نائباً فيه، بخلاف هذا.
قال: ولو استدل بأن الله تعالى يأخذ الصدقات والوقف منها .. لكان من أحسن الاستدلال.
стр. 2500
وَلَوْ رَدَّ .. بَطَلَ حَقَّهُ شَرَطْنَا الْقَبُولَ أَمْ لاَ.
ــ
وشملت عبارة المصنف البطن الثاني ومن بعدهم إذا قلنا: إنهم يتلقونه من الواقف وهو الأصح، لكن في (الروضة): أن الإمام والغزالي نقلا أنه لا يشترط قبولهم قطعاً، والذي في (النهاية) و (البسيط) طرد الخلاف، وقال الرافعي: إنه الأحسن بناء على أنهم ممن يتلقون، ومقتضى ذلك ترجيح الاشتراط، والصحيح خلافه كما هو مقتضى البناء.
فرع:
قال: جعلت هذا للمسجد .. فهو تمليك لا وقف، فيشترط فيه قبول القيم وقبضه كالهبة للصبي.
قال: (ولو رد .. بطل حقه شرطنا القبول أم لا) كالوصية والوكالة، وادعى الإمام الاتفاق عليه، وشذ البغوي فقال: لا يبطل كالعتق، فلو قال: على زيد ثم الفقراء فرد زيد .. كان في حق الفقراء منقطع الأول، والصحيح بطلانه في حقهم، ووقع في (تصحيح التنبيه): أنه صحيح في حقهم، والمعروف الأول، وعلى المذهب: لو رده ثم رجع .. قال الروياني: إن رجع قبل الحكم برده إلى غريه .. كان له، أو بعده .. بطل حقه.
ثم إذا قلنا باشتراط القبول فهل يشترط القبض؟ المشهور المنصوص في (المختصر) و (الأم): أنه لا يشترط؛ لما روى البيهقي [٦/ ١٦٢] عن ابن مسعود أنه قال (فرغ من أربع: الخلق والخلق والرزق والأجل، فليس أحد أكسب من أحد).
والصدقة جائزة قبضت أم لم تقبض.
والثاني: لا يتم إلا بالقبض كالهبة، وحكاه ابن يونس وجهاً.
стр. 2501
وَلَوْ قَالَ: وَقَفْتُ هّذا سَنَةٍ .. فَبَاطِلٌ
ــ
قال: (ولو قال: وقفت هذا سنة .. فباطل)، لما أنهى الكلام في الأركان الأربعة .. شرع يتكلم في الشروط، وهي أربعة أيضاً.
الأول: التأبيد؛ بأن يقف على من لا ينقرض كالفقراء والمساكين، أو على من ينقرض ثم على من لا ينقرض كقوله: وقفت على ولدي ثم على الفقراء، أو على زيد ثم عقبه ثم الفقراء والمساجد والربط والقناطر، فإن عين مساجد وقناطر .. فوجهان، وفي معنى الفقراء: العلماء على الأصح، وفي (فتاوى القفال) خلافه؛ لأنهم قد ينقطعون، فإن أقت .. بطل، وقال ابن سريج: يصح وينتهي بانتهاء المدة، وادعى الجيلي: أنه أصح في أكثر الكتب.
قال الإمام: وحقيقة هذا أنه عارية لازمة، وبالغ في تزييفه وقال: لا يحل الاعتداد به، ولا يسوغ إلحاقه بالوجوه الضعيفة.
والثالث: يلغى التأقيت ويصح الوقف مؤبداً، وهذا نظير ما إذا قال: (أعمرتك هذه الدار مدة عمري) على رأي.
والرابع: أن الوقف الذي لا يشترط فيه القبول لا يفسد بالتأقيت كالعتق، والذي يشترط فيه يفسد به.
كل هذا في التأقيت الصريح، أما الضمني- وهو منقطع الآخر والوسط- فالمذهب صحته.
قال الشيخ: قوله: وقفته سنة .. فيه تأقيت فقط، وقوله: وقفته على زيد سنة، وسكت .. فيه تأقيت وسكوت عن المصرف، فللبطلان سببان، فإن ذكر مصرفاً؛ بأن قال: على زيد سنة وبعدها على الفقراء .. صح بلا خلاف؛ لوجود الدوام كما أشار إليه ابن الصباغ وصاحب (الكافي) وغيرهما.
هذا فيما لا يضاهي التحرير، أما ما يضاهيه كقوله: جعلته مسجداً سنة .. فظاهر
стр. 2502
وَلَوْ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلاَدِي أَوْ عَلَى زَيْدٍ ثُمَّ نَسْلِهِ وَلَمْ يَزِدْ .. فَالأَظْهَرُ: صِحَّةُ الْوَقْفِ، فَإِذَا انْقَرَضَ الْمَذْكُورُ .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَبْقَى وَقْفًا، وَأَنَّ مَصْرِفَهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ يَوْمَ انْقِرَاضِ الْمَذِكُورِ
ــ
إطلاقهم: أنه كذلك، لكن نقل الإمام عن المذهب: أنه لا يبطل بالتأقيت، بل يتأبد كما لو ذكر فيه شرطاً فاسداً.
ومقتضى إطلاقهم: أنه لا فرق بين المدة الطويلة والقصيرة، ويمكن أن يقال: إن التأقيت بما لا يحتمل بقاء الدنيا إليه كألف سنة يصح؛ لأن القصد منه التأبيد لا حقيقة التأقيت.
قال: (ولو قال: وقفت على أولادي أو على زيد ثم نسله ولم يزد .. فالأظهر: صحة الوقف)؛ لأن مقصوده القرة والدوام، فإذا بين مصرفه ابتداء .. سهلت إدامته على وجه الخير، وهذا يسمى منقطع الآخر، وبصحته قال مالك وأحمد وأبو يوسف.
والثاني: أنه بطل كما لو جعله لغير مالك أو لم يجعل له سبيلا في الابتداء، ورجحه الإمام والغزالي، وبه قال محمد بن الحسن؛ لأن شرط الوقف التأبيد ولم يؤبده، فهو كما لو قال: وقفته سنة.
والثالث: إن كان حيواناً .. صح؛ إذ مصيره إلى الهلاك، بخلاف العقار.
قال: (فإذا انقرض المذكور .. فالأصح: أنه يبقى وقفاً)؛ لأن وضع الوقف الدوام كالعتق، ولأنه صرفه عنه فلا يعود كما لو نذر هدياً إلى مكة فلم يقبله فقراؤها.
والثاني: يرتفع الوقف ويعود ملكاً للواقف إن كان موجوداً، أو إلى ورثته حتى الزوجة إن كان قد مات؛ لأن إبقاء الوقف بلا مصرف متعذر، وإثبات مصرف لم يتعرض له الواقف بعيد فتعين ارتفاعه.
قال: (وأن مصرفه أقرب الناس إلى الواقف يوم انقراض المذكور)؛ لأن أفضل القربات صلة القرابات.
стр. 2503
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد استشكل هذا بالزكاة وسائر المصارف الواجبة عليه شرعاً؛ فإنه لا يتعين صرفها ولا صرف بعضها إلى الأقارب.
وأجيب: بأن الأقارب حث الشرع عليهم في حبس الوقف؛ لقوله ﷺ لأبي طلحة: (أرى أن تجعلها في الأقربين) فجعلها أبو طلحة في أقاربه.
ويقابل الأظهر ثلاثة أقوال:
أحدها: تصرف إلى المساكين؛ لأن أمر الوقف يؤول إليهم.
والثاني: إلى المصارف العامة مصارف خمس الخمس.
والثالث: إلى مستحقي الزكاة غير العاملين، ويحتمل أن تسثنى المؤلفة والغارم، ومال الشيخ إلى أنه لا يستثنى ذلك؛ فإن الآية عامة ولا عمدة أقوى منها.
وحكى ابن داوود قولاً: إنه صرف إلى جيران الواقف، والصواب: أن الخلاف أربعة أوجه كما في (الروضة)، قال الإمام: ولعلها من تخريجات ابن سريج.
قال الشيخ: وإنما يصرف إلى أقرب الناس إلى الواقف إذا كان الواقف مالكاً مستقلاً، فلو وقف الإمام من بيت المال على بني فلان فانقرضوا .. صرف في المصالح ولا يصرف إلى أقارب الإمام، وهي مسألة مهمة، كثيراً ما تقع في الفتاوى.
فروع:
إذا لم يكن له أقارب أو كانوا وانقرضوا أو كانوا أغنياء كلهم .. قال سليم وابن الصباغ والمتولي: عاد إلى الفقراء والمساكين.
والمنصوص في (البويطي) - وهو الأظهر-: أن الإمام يجعله حبساً على سائر
стр. 2504
وَلَوْ كَانَ الْوَقْفُ مُنْقَطِعَ الأَوَّلِ كَوَقَفْتُهُ عَلَى مَنْ سَيُولَدُ لِي .. فَالْمَذْهَبُ: بُطْلاَنُةُ، أَوْ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ كَوَقَفْتُ عَلَى أَوْلاَدِي ثُمَّ رَجُلٍ ثُمَّ الْفُقَرَاءِ .. فالْمَذْهَبُ: صِحَّتُهُ.
ــ
المسلمين يضع غلته في مصالحهم.
ثم المراد بـ (الأقرب): الأقرب رحماً، حتى يقدم ابن البنت على ابن العم، وقيل: الأقرب باعتبار الإرث، وقيل: النظر إلى أقرب الجوار من أقاربه، حكاه القاضي عن ابن سريج.
وإذا اجتمع قرابات .. فالقول في الأقرب كما في الوصية للأقرب، وهل يختص الفقراء بالصرف إليهم أو يشترك فيه الأغنياء والفقراء؟ وجهان: الأصح: الاختصاص، نص عليه في (حرملة)؛ لأن القصد القربة.
والثاني- وهو ظاهر نص (المختصر) -: لا اختصاص.
وإذا قلنا: مصرفه المساكين، فهل المراد مساكين بلد الواقف أو بلد الوقف؟ الظاهر: بلد العين الموقوفة قياساً على زكاة المال.
قال: (ولو كان الوقف منقطع الأول كوقفته على من سيولد لي) أي: ثم على الفقراء، وإلا .. كان منقطع الأول والآخر.
قال: (.. فالمذهب: بطلانه)؛ لعدم إمكان الصرف، لأنه لم يجد مستحقاً وابتداء صحيحاً يبني عليه، ومثله الوقف على مسجد سيبنى.
والطريق الثاني: قولان: ثانيهما: الصحة؛ لأن الأول لما بطل .. صار كالمعدوم، وصار الثاني كالمبتدأ به، ثم يصير وقفاً على من يصح الوقف عليه، وليس في (الشرح) ولا في (الروضة) تصحيح لواحدة من الطريقتين، لكن في (المطلب): أن الطريقة الأولى- وهي طريقة القطع- أرجح عند الأكثرين.
قال: (أو منقطع الوسط) بفتح السين (كوقفت على أولادي ثم رجل ثم الفقراء .. فالمذهب: صحته)؛ لوجود المصرف في الحال والمآل، وقيل: فيه
стр. 2505
وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى: وقَفْتُ .. فَالأَظْهَرُ: بُطْلاَنُهُ
ــ
القولان في منقطع الآخر أظهرهما: الصحة، والخلاف مرتب على منقطع الآخر، فإن صححناه .. فهذا أولى، وإلا .. فوجهان: أصحهما: الجواز، وهل يصرف عند توسط الانقطاع إلى أقرب الناس إلى الواقف أو المساكين أو المصالح العامة؟ فيه الخلاف السابق.
قال: (ولو اقتصر على) قوله: (وقفت) أي: كذا ولم يذكر مصرفه (.. فالأظهر: بطلانه)؛ لأن الوقف يقتضي التمليك، فإذا لم يعين المالك .. بطل كما لو قال: بعت ثوبي لعشرة ولم يقل لزيد، ولأن جهالة المصرف مبطلة فعدم ذكرها أولى.
الثاني: يصح كما لو قال: لله علي أن أتصدق بهذا ولم يعين، وإلى هذا ذهب مالك وأحمد، واختاره الشيخ أبو حامد وأصحاب (المهذب) و (الشامل) و (البحر) وابن أبي عصرون والشيخ؛ لأنه إزالة ملك على وجه القربة كالأضحية، ولأن المالك هو الله، ولحديث أبي طلحة وأبي الدحداح ﵄، وكما لو قال: أوصيت بثلث مالي واقتصر عليه .. فإنه يصح ويصرف للفقراء لا جرم.
واستشكل الرافعي الفرق، وفرق بينهن في (الروضة) بأن غالب الوصايا للمساكين فحمل الإطلاق عليه، بخلاف الوقف، ولأن الوصية مبنية على المساهلة فتصح بالمجهول والنجس وغير ذلك، بخلاف الوقف.
وادعى ابن الرفعة أن المتولي حكى الخلاف المذكور في الوصية، وعلى الصحة في مصرفه الأوجه المتقدمة: أصحها: أقرب الناس إلى الواقف، وينبغي أن يكون الخلاف إذا لم يقل: لله، فإن قال لله .. صح قطعاً، ثم يرجع إليه في بيان المصرف، ويكفي بيان المصرف إجمالاً، فلو قال: وقفت على مسجد كذا .. صح، وصرف إلى مصالحه عند الجمهور.
وقال القفال: لا يصح ما لم يبين الجهة فيقول: (على عمارته) ونحوه، وقال
стр. 2506
وَلاَ يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ كَقَوْلِهِ: إِذَا جَاءَ زَيْدٌ فَقَدْ وَقَفْتُ. وَلَوْ وَقَفَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ .. بَطَلَ عَلَى الصَّحِيحِ
ــ
أبو علي: يراجع، فإن قال: أردت الصرف في مصلحته .. صح تمليكه، وإن لم ينو شيئاً .. فلا، ولو قال: وقفت كذا على ما يشاء زيد أو في ما شاء الله .. لم يصح.
قال الشيخ: والبطلان في الصورة الأولى ظاهر؛ للجهالة، وفي الثانية ينبغي أن تكون كما إذا قال: وقفت، وسكت عن السبل .. فيصح عند من صححه، ولو قال: وقفت كذا على جميع الناس أو على جميع الخلق أو على كل شيء .. قال الماوردي: إنه باطل، ونازعه الشيخ فيه، ومال إلى الصحة؛ لأن الإسلام جهة اعتبرها الشرع في الإرث والعقل وغيرهما، والمساجد موقوفة على جميع المسلمين.
قال: (ولا يجوز تعليقه كقوله: إذا جاء زيد .. فقد وقفت)؛ لأنه عقد يقتضي نقل الملك في الحال فلم يصح تعليقه على شرط كالبيع والهبة، ومنهم من خرجه على الخلاف في منقطع الأول وأولى بالفساد، لكن يستثنى من ذلك التعليق بالموت، فإذا قال: وقفت داري على المساكين بعد موتي .. ففيها أفتى الأستاذ أبو إسحاق بصحة الوقف كعتق المدبر، ووافقه أئمة زمانه، وقال الإمام: هذا تعليق، وهو أولى منه بالإبطال.
وصحح الرافعي: أنها وصية؛ لقول القفال في (فتاويه): لو عرضها على البيع .. كان رجوعاً، وإليه يشير كلام المتولي، وعلى هذا: فلا استثناء.
أما لو نجز الوقف وعلق الإعطاء إلى الموقوف عليه بالموت .. فإنه يجوز كالوكالة، كذا قاله صاحب (البيان) تبعاً للقاضي حسين.
قال: (ولو وقف بشرط الخيار .. بطل على الصحيح) ومثله بشرط أن يبيعه أو يرجع فيه متى شاء؛ لأن مقتضى الوقف اللزوم، والخيار ينافي ذلك، فيفسد بهذا الشرط.
والثاني: يصح الوقف ويبطل الشرط؛ لحديث العمرى فإنه صلى الله عليه وسلم
стр. 2507
وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِذَا وَقَفَ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يُؤَجَّرَ .. اتَّبعَ شَرْطُهُ،
ــ
جعلها للذي أعمرها في حياته ولورثته من بعد موته، فأزال ملك المعمر وأبطل شرطه، وكان الصواب أن يعبر بالأظهر؛ فإن الخلاف قولان في (البويطي)، ومحلهما: إذا لم يحكم حاكم بصحة الوقف، فإن حكم به .. صح بلا خلاف وأمضي كما قاله ابن كج.
أما إذا وقف وشرط لنفسه أن يحرم من شاء ويزيد من شاء أو يقدم أو يؤخر .. فالشرط فاسد في الأصح إذا أنشأ الوقف بهذا الشرط، فلو أطلقه ثم أراد أن يغير ما ذكره بحرمان أو زيادة أو تقديم أو تأخير .. فليس له ذلك قطعاً.
قال: (والأصح: أنه إذا وقف بشرط أن لا يؤجر .. اتبع شرطه) كسائر الشروط.
والثاني: لا؛ لأنه حجر على المستحق في المنفعة.
والثالث: إن منع الزيادة على سنة .. اتبع؛ لأنه من مصالحه، وإن منع مطلقاً .. فلا، فلو شرط أن لا يؤجر من متجوه أو ظالم أو نحو ذلك مما يكتب في كتب الأوقاف .. فإنه يتبع جزماً.
قال الرافعي: وإذا فسد بالشرط .. فالقياس: فساد الوقف، وعن العبادي ما يقتضي عدم فساده، وناقشه المصنف في ذلك.
وإذا قلنا بالأصح وهو: أنه يتبع شرطه في عدم الإيجار، وكان الوقف على جماعة تهايؤوا في السكن واقترعوا بينهم، فلو كان الموقوف عبداً أو حيواناً .. فنفقته على من هو في يده.
ولو شرط الواقف أن لا يعار .. اتبع شرطه، وإن سكت عنه .. جازت الإعارة؛ لأن من ملك منفعة ملك إعارتها.
стр. 2508
وَأَنَّهُ إِذَا شَرَطَ فِي وَقْفِ مَسْجِدٍ اخْتِصَاصَهُ بِطَائِفَةٍ كَالشَّافِعِيَّةِ .. اخْتُصَّ
ــ
وقول القفال فيمن وقف داراً على سكنى معلم صبيان القرية: ليس له إسكان غيره .. فيه وقفة؛ فنص الشافعي يدل على خلافه.
قال الشيخ: ولا بأس بموافقته إذا اقتضاه عرف، فأما بيت المدرس وشيخ الرباط .. فقد رأينا الناس يتسامحون في إعارة ذلك، فإذا اقتضاه العرف ولم يفت به غرض الواقف .. فلا بأس.
قال: وبلغني أن المصنف ﵀ لما ولي دار الحديث بدمشق وبها قاعة للشيخ .. لم يسكنها وأسكنها غيره.
فرع:
سبق في (الإجارة): أنه لو شرط أن لا يؤجر إلا ثلاث سنين، فأجره الناظر ثلاثاً في عقد وثلاثا في عقد قبل مضي المدة الأولى .. عن ابن الصلاح: أنه لا يصح الثاني إلا إذا خرب ولم تمكن عمارته إلا بإيجار سنين، فإنه أفتى بجواز إجارته سنين في عقود متفرقة؛ لأن إتباع شرط الواقف في ذلك يؤدي إلى مخالفة مصلحة الوقف، وبذلك أفتى ابن رزين وجماعة من علماء عصره، ووافقهم الشيخ، والذي اعتقده عدم جواز ذلك؛ فقد رأيت بمكة وغيرها أوقافاً استؤجرت كذلك فتملكها أولاد مستأجريها وعرفت بهم، وخرجت عن مسمى الوقف.
قال: (وأنه إذا شرط في وقف مسجد اختصاصه بطائفة كالشافعية .. اختص)؛ رعاية لغرضه، وإتباعًا لشرطه، وقطعاً للنزاع في الشعائر، فلا يصلي فيه ولا يعتكف غيرهم، وما دام واحد منهم موجوداً .. فله منع الغير منه، لكن صرح القاضي في (كتاب الجزية) بكراهة ذلك.
стр. 2509
كَالْمَدْرَسَةِ وَالرِّبَاطِ
ــ
والثاني: لا يختص ولا يتبع شرطه؛ لأن جعل البقعة مسجداً كالتحرير فلا معنى لاختصاصه بجماعة، وصححه الإمام والغزالي والشيخ؛ لقوله تعالى: ﴿وأن المسجد لله﴾، ولقوله ﷺ : (إن المساجد لم تبن لهذا، إنما بنيت لذكر الله والصلاة عامة).
فعلى هذا: قال المتولي: يفسد الوقف بفساد الشرط، وقال الإمام: لا يفسد؛ إذ لا أثر للشروط الفاسدة في التحرير.
وعبر في (المحرر) بـ (أصحاب الحديث)، والمراد بهم: الفقهاء الشافعية، فصرح بهم المصنف، كما أن المراد بأصحاب الرأي: الفقهاء الحنفية، وهذا عرف خراسان.
وقال في (المطلب): سمعت بعض الفضلاء يقول: أصحاب الحديث: الشافعية والمالكية والحنابلة، وأصحاب الرأي: أصحاب أبي حنيفة فقط.
قال الشيخ: وأما قولهم في (كتاب الأقضية): علماء الفريقين .. فالمراد: الفقهاء والمحدثون.
قال: (كالمدرسة والرباط)؛ فإنه يختص بهم بلا خلاف وإن كانا قد ألحقا بالمسجد في التحرير.
والفرق: أن النفع هنا عائد عليهم، بخلافه في المسجد؛ فإن صلاتهم في ذلك المسجد وغيره سواء.
ولو جعل البقعة مقبرة وخصها بطائفة .. فطريقان:
أحدهما: أنها كالمسجد.
والثانية: تختص قطعاً وهو الأصح؛ لأن المقابر للأموات كالمساكن للأحياء.
ولو وقف المسلم أرضه مقبرة .. دفن فيها المسلم دون الكافر، كذا قاله الإمام.
стр. 2510
وَلَوْ وَقَفَ عَلَى شَخْصَيْنِ ثُمَّ الْفُقَرَاءِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا .. فَالأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: أَنَّ نَصِيبَهُ يُصْرَفُ إِلَى الآخَرِ
ــ
قال: (ولو وقف على شخصين ثم الفقراء فمات أحدهما .. فالأصح المنصوص: أن نصيبه يصرف إلى الآخر)؛ لأن انتقاله إلى الفقراء مشروط بانقراضهما ولم يوجد، فإذا امتنع الصرف إليهم .. فالصرف إلى من ذكره الواقف أولى.
والثاني- وبه أفتى القاضي حسين-: يصرف إلى الفقراء، كما أن نصيبهما إذا انقرضا يكون لهم.
قال الرافعي: والقياس أن يجعل الوقف في نصيبه منقطع الوسط، ولا يصرف إلى صاحبه ولا إلى المساكين، ومعناه: أن مصرفه في هذه الحالة مصرف منقطع الوسط، وهذا وجه منسوب للسرخسي.
تتمة:
محل ما ذكره المصنف ما إذا لم يذكر بينهما ترتيباً، فلو وقف على زيد ثم على عمرو ثم على بكر ثم على الفقراء، فمات عمرو قبل زيد، ثم مات زيد .. قال الماوردي والروياني: لا شيء لبكر، وينتقل الوقف من زيد إلى الفقراء، وأفتى القاضي والبغوي بصرفه إلى بكر، كما إذا وقفه على ولده ثم على ولد ولده ثم على الفقراء فمات ولد الولد ثم الولد .. يرجع إلى الفقراء.
ولو وقف على فلان وفلان ما عاشا فمات أحدهما .. انقطع حقه وحق الثاني.
ولو قال: هاتان النخلتان وقف على فلان ما حملتا فانقطع حمل إحداهما .. انقطع حق الموقوف عليه.
ولو وقف على اثنين ولم يبين من يصرف إليه من بعدهما- وقلنا بصحة وقف منقطع الآخر- فمات أحدهما، فهل يكون نصيبه للآخر أو يكون لمن يصرف إليه نصيباهما إذا ماتا؟ فيه هذا الخلاف، هذه عبارة (الجواهر)، وعبارة (الشرح) و (الروضة):
стр. 2511
فَصْلٌ:
قَوْلُهُ: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلاَدِي وَأَوْلاَدِ أَوْلاَدِي يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْكُلِّ،
ــ
فيه وجهان، قال الشيخ: وينبغي أن يكون أصحهما: أنه للآخر، لكن هل هو منقطع الوسط أو منقطع الآخر؟ لا تظهر لذلك فائدة علمية.
قال: (فصل):
عقده لبيان أحكام الوقف الصحيح، وهي لفظية ومعنوية، فذكر في هذا الفصل اللفظية وفي الذي بعده المعنوية، والأصل فيها: أن شروط الواقف شرعية ما لم يكن فيها ما ينافي الوقف ويناقضه، وعلى ذلك جرت أوقاف الصحابة، فعمر شرط في الأرض التي وقفها أن لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، وأن تليها حفصة في حياتها وبعدها ذوو الرأي من أهلها، رواه أبو داوود [٢٨٧١]، وفاطمة وقفت لنساء رسول الله ﷺ ولفقراء بني هاشم وبني المطلب، رواه الشافعي في (مسنده) [١/ ٣٠٩].
قال: (قوله: وقفت على أولادي وأولاد أولادي يقتضي التسوية بين الكل) في أصل الإعطاء والمقدار باتفاق الأصحاب؛ لأن الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الأحكام.
وقال ابن الرفعة: ينبغي إذا قيل: الواو للترتيب .. أن يقدم الأولاد على أولاد الأولاد، ولم يذكروه.
وأدخل المصنف الألف واللام على (كل)، والجمهور على منعه، وأجازه الأخفش والفارسي، واستعمله الزجاجي في (الجمل).
стр. 2512
وَكَذَا لَوْ زَادَ: مَا تَنَاسَلُوا، أَوْ بَطْناً بَعْدَ بَطْنٍ. وَلَوْ قَالَ: عَلَى أَوْلاَدِي ثُمَّ أَوْلاَدِ أَوْلاَدِي ثُمَّ أَوْلاَدِهِمْ مَا تَنَاسَلْوا، أَوْ عَلَى
ــ
قال: (وكذا لو زاد: ما تناسلوا) فيقتضي التسوية بين الجميع كقوله وإن سفلوا، وإن قال: وقفت على نسلي .. استغنى عن قوله: (ما تناسلوا)، وهذا أيضاً لا خلاف فيه، والضمير في (تناسلوا) للأولاد؛ أي: هم وأنسالهم على سبيل المجاز؛ ليفيده فائدة زائدة.
قال: (أو بطنا بعد بطن) فحكمه التسوية بين الجميع حملاً على التعميم، هذا هو الصحيح عند الشيخين تبعاً للفوراني والبغوي، ونقلاً عن أبي طاهر الزيادي أن قوله: (بطناً بعد بطن) يقتضي الترتيب كما لو قال: الأعلى فالأعلى أو الأقرب فالأقرب، وقطع به الإمام والغزالي والماوردي والبندنيجي ومجلي وصاحب (التعجيز) وجمهور الأصحاب، وأيضاً الرافعي والمصنف قد جزما في: (الأعلى فالأعلى) بأنه للترتيب، وعلى هذا: هنا هو ترتيب بين البطنين فقط، فإذا انقرض الأول .. كان للثاني، ثم ليس لأولادهم شيء، بل إن ذكر مصرفاً آخر .. صرف إليه، وإلا .. كان منقطع الآخر، كذا نبه عليه الشيخ، وهو حسن.
ولو قال: نسلاً بعد نسل .. فهو كقوله: بطناً بعد بطن، فلو جمع بين اللفظين فقال: بطناً بعد بطن ونسلاً بعد نسل .. ففيه وجهان:
أحدهما- أفتى به الأستاذ أبو طاهر الزيادي والقاضي حسين-: أنه للترتيب، وهو الظاهر.
والثاني: أنه ليس للترتيب، قاله أبو عاصم العبادي والفوراني، وجعلا معناه معنى ما تناسلوا، ولم يذكر الشيخان هذه الصورة.
وانتصب قوله: (بطنا) على الحال؛ أي: مترتبين كقوله ادخلوا الأول فالأول.
وقوله: (بعد بطن) ظرف لمحذوف؛ أي: كائناً بعد بطن.
قال: (ولو قال: على أولادي ثم أولاد أولادي ثم أولادهم ما تناسلوا، أو على
стр. 2513
أَوْلاَدِي وَأَوْلاَدِ أَوْلاَدِي الأَعْلَى فالأَعْلَى أَوِ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ .. فَهُوَ لِلتَّرْتِيبِ. وَلاَ يَدْخُلُ أُوْلاَدُ الأَوْلاَدِ فِي الْوَقْفِ عَلَى الأَوْلاَدِ فِي الأَصَحِّ.
ــ
أولادي وأولاد أولادي الأعلى فالأعلى أو الأول فالأول .. فهو للترتيب)؛ لدلالة اللفظ عليه بـ (ثم) في الأولى، وبتصريحه به في الثانية، قال في (الروضة): ومراعاة الترتيب لا تنتهي عند البطن الثالث والرابع، بل يعتبر الترتيب في جميع البطون، فلا يصرف إلى بطن وهناك أحد من بطن أقرب منه، صرح به البغوي وغيره.
وفي الأولى وجه ضعيف بعيد: أنه لمطلق الجمع، وهل يقسم بين الأولاد كالإرث أو يسوى بين الذكر والأنثى كالهبة؟ الأقرب: الثاني.
وضبط المصنف (الأول فالأول) بكسر اللام، ويجوز فيه الفتح أيضا: فالكسر: إما على البدل وإما على إضمار فعل؛ أي: وقفته على الأول فالأول، والفتح: إما على الحال، والألف واللام قيل: زائدة، وقيل: معرفة، وإما على أنه شبه بالمفعول.
قال: (ولا يدخل أولاد الأولاد في الوقف على الأولاد في الأصح)؛ لأن اسم الولد حقيقة لا يطلق إلا على أولاد الصلب، ولهذا ينتظم أن يقال: ليس هذا ولده وإنما هو ولد ولده.
والثاني: يدخل؛ لقوله تعالى: ﴿يبني ءادم﴾، ولقوله ﷺ : (ارموا يا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً)، وقال ﷺ : (إن ابني هذا سيد).
والثالث: يدخل أولاد البنين دون أولاد البنات؛ لصحة الانتساب، ولذلك قال
стр. 2514
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ﷺ : (أنا ابن عبد المطلب).
ومأخذ الخلاف: أن إطلاق لفظ الولد عليهم هل هو حقيقة أو مجاز؟ والأصح: الثاني.
فإن قيل: كان ينبغي ترجيح الدخول على قاعدة الشافعي في حمل اللفظ على حقيقته ومجازه كما سيأتي في الوقف على الموالي حيث حمل اللفظ على الأعلى والأسفل .. فالجواب: أن ذلك حيث لا تترجح الحقيقة، وهنا ترجحت بالاشتهار.
وهذا الخلاف عند الإطلاق، فإن أراد الجمع .. دخل أولاد الأولاد قطعاً، فإن لم يكن له إلا أولا أولاد .. استحقوا؛ صيانة للكلام عن الإلغاء، وأجرى صاحب (التعجيز) فيه الخلاف المتقدم.
وقد يقترن باللفظ ما يقتضي الجزم بخروجهم كقوله: وقفت على أولادي لصلبي أو على أولادي، فإذا انقرضوا .. فلأحفادي الثلث، والباقي للفقراء.
ولو وقف على أولاده وأولاد أولاده .. في دخول أولاد الأولاد الخلاف.
ولو قال: على أولادي وليس له إلا ولد واحد .. اختص به على المذهب.
وأجرى في (المطلب) في (باب ما يحرم من النكاح) الخلاف فيما إذا قال: على أمهاتي، هل يتناول الجدات؟
ولو كان أحدهم حملاً عند الوقف هل يدخل حتى يوقف له شيء؟ حكى المتولي وجهين.
أحدهما: نعم كما في الميراث، ويستحقون الغلة لمدة الحمل، واختاره الشيخ؛ لأن الولد هو المتولد عنه، وهذا المعنى حاصل له وهو حمل.
وأصحهما: لا؛ لأنه قبل الانفصال لا يسمى ولداً.
стр. 2515
وَيَدْخُلُ أَوْلاَدُ الْبَنَاتِ فِي الْوَقْفِ عَلَى الذُّرِّيَّةِ وَالنَّسْلِ وَالْعَقْبِ وَأَوْلاَدِ الأَوْلاَدِ إِلاَّ أَنْ يَقُولَ: عَلَى مَنْ يَنْتَسِبُ إِلَيَّ مِنْهُمْ.
ــ
قال: (ويدخل أولاد البناء في الوقف على الذرية والنسل والعقب وأولاد الأولاد) خلافاً لمالك وأحمد وأصحاب أبي حنيفة.
لنا: قوله تعالى في إبراهيم: ﴿ومن ذريته داود وسليمن﴾، إلى أن ذكر عيسى ولبس هو إلا ولد البنت، والنسل والعقب في معنى الذرية، وأما أولاد الأولاد .. فلأن البنات أولاده فأولادهن أولاد الأولاد حقيقة.
و (العقب) يكسر القاف وسكونها: ولد الرجل الذي يأتي بعده.
قال: (إلا أن يقول: على من ينتسب إلي منهم) فلا يدخل أولاد البنات؛ لعدم انتسابهم إليه، بل إلى آبائهم، قال تعالى: ﴿ادعوهم لأبآئهم﴾.
وقيل: يدخلون؛ لقوله ﷺ في ابن بنته الحسن: (إن ابني هذا سيد) رواه البخاري، وجوابه: أن ذلك من خصائصه ﷺ بدليل: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم﴾.
وسواء كان الواقف رجلا أو امرأة، ولا يدفع هذا قولهم في (كتاب النكاح): إنه لا مشاركة بين الأم والابن في النسب، فلو قال: على الذين ينتسبون إلي بأمهاتهم .. لم يكن لأولاد البنين شيء.
فروع:
المستحقون في هذه الألفاظ لو كان أحدهم حملاً عند الوقف هل يدخل حتى يوقف له شيء؟ فيه وجهان: أصحهما: لا؛ لأنه قبل الانفصال لا يسمى ولداً.
والوقف على الأولاد يدخل فيه البنون والبنات والخناثى، وعلى البنين أو على البنات لا يدخل فيه المشكل، وعلى البنين والبنات يدخل فيه المشكل على الأصح.
стр. 2516
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والصحيح: أن الولد المنفي باللعان لا يستحق شيئاً؛ لانقطاع نسبه وخروجه عن كونه ولداً، فلو استلحقه بعد نفيه .. دخل في الوقف قطعاً.
ولو وقف على عترته: قال ابن الأعرابي وثعلب: هم ذريته، وقال القتيبي: عشيرته، وهما وجهان لأصحابنا أصحهما: الثاني.
قال الرافعي: وقد روي ذلك عن زيد ابن أرقم، واختار المصنف أن يدخل في ذلك ذريته وعشيرته الأدنون.
ولو قال: على عشيرتي .. فهو كقوله: على قرابتي، وسيأتي ذلك في (الوصية)، وقال المتولي: قبيلته أو عشيرته لا يدخل فيهم إلا قرابة الأب، ثم من حدث منهم بعد الوقف .. يشارك الموجودين عند الوقف على الصحيح.
ولو وقف على بني تميم- وصححناه- فالأصح دخول نسائهم، وقيل: لا، كالوقف على بني زيد، ولو وقف على أهل بيته .. صرف إلى أقاربه رجالاً ونساء على الأصح، وعياله: من في نفقته سوى الوالد والولد.
حادثة:
رجل وقف دوراً ونخلاً بالمدينة الشريفة على أولاده وهم: محمد ويوسف وأحمد وعائشة وفاطمة، وكانوا حين الوقف خمسة موجودين لم يسهم منهم حالة الوقف فاطمة، ثم قال: وعلى أولادهم وأولاد أولادهم، ثم ذكر مصرفاً مؤبدًا، فمات الأولاد الخمسة وبقي أولادهم هل يدخل أولاد فاطمة التي لم تسم في الوقف معهم أو لا لأن أمهم لم تذكر؟
أجاب فيها فقهاء العصر بعدم الدخول؛ لأن تسمية الأولاد بعد إضافتهم إليه تخصيص بعد تعميم، فكأنه قال: أولادي هؤلاء ثم أولادهم وهكذا.
ومذهب أحمد: أن أولاد البنت التي لم تذكر يدخلون في الوقف دون أمهم، واختار القاضي منهم أنها تدخل أيضاً؛ لأن قوله: (أولادي) يستغرق الجميع،
стр. 2517
وَلَوْ وَقَفَ عَلَى مَوَالِيهِ وَلَهُ مُعْتِقٌ وَمُعْتَقٌ .. قُسِمَ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: يَبْطُلُ
ــ
وذكر البعض تأكيد لا يخرج شيئاً من العموم الأول.
قال: (ولو وقف على مواليه وله معتق ومعتق .. قسم بينهما)؛ لتناول الاسم لهما، قال تعالى: ﴿يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً﴾، ويحكى هذا عن أبي حنيفة، وهذا منصوص (البويطي)، وهو مقتضى ما ذكره الأصوليون عن الشافعي: أن المشترك عنده كالعام، وهو اختيار ابن القطان وصححه القاضي أبو الطيب وصاحب (التنبيه) والجرجاني والروياني والمتولي والفوزاني والقفال الكبير وغيرهم، ونقله الشيخ شرف الدين البارزي عن الأكثرين.
قال: (وقيل: يبطل)؛ لما في اللفظ من الإجمال والإبهام وامتناع حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين، واستبعده الإمام، وصححه الغزالي وابن أبي عصرون؛ لأن المولى يطلق على الرب والمالك والسيد والمنعم والمعتق والناصر والمحب والدافع والجار وابن العم والخليفة والعقيد والصهر والعبد والمنعم عليه، فهذه خمسة عشر معنى.
ومأخذ الوجهين: أن المشترك هل هو عام أو مجمل؟ والمنصوص الأول، لكنه نص في (الأم) في (باب التدبير) في التعليق على رؤية العين على أن اللفظ المشترك لا يراد به جميع معانيه، ولا يحمل عند الإطلاق عليها، فصرح بمنع الحمل والاستعمال، فتصحيح الصحة في الوقف على الموالي وحمله عليهما مخالف لذلك، و (المحرر) لم يصحح شيئاً منهما، بل قال: رجح كلاً مرجحون، وكذلك لم يصحح في (الشرحين) شيئاً، وأقر المصنف صاحب (التنبيه) على تصحيح القسمة، وصححه في زوائد (الروضة) تبعاً له.
والثالث: أنه يختص بالأعلى؛ لأنه أنعم عليه بالإعتاق فكان أحق بالمكافأة.
والرابع: أنه للعتيق؛ لاطراد العادة بإحسان السادة إلى العتقاء.
والخامس: يوقف حتى يصطلحوا، وليس بشيء، واستشكل الرافعي في (الوصية) محل الخلاف بأن اللافظ إن قصد أحدهما .. وجب حمل اللفظ عليه
стр. 2518
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قطعًا، وإن لم يقصد واحداً منهما .. فلا يتجه إلا القسمة أو الإبطال.
وإذا وقف على مواليه وليس له إلا أحدهما .. حمل عليه باتفاق الأصحاب، فلو حدث له الآخر بعد ذلك .. فيظهر: أنه يدخل كما لو وقف على الإخوة فحدث أخ، ولا يدخل فيهم من يعتق بموته كالمستولدة والمدبر على الأصح؛ لأنهما ليسا من الموالي لا حال الوقف ولا حال الموت، ولو كان له واحد من جهة واثنان من جهة .. صرف للجميع، قاله في (الكفاية) نقلا عن (المحيط)، لكن يبقى النظر في أنه هل يصرف نصفين بينهما أو ثلثاً وثلثين.
ولو وقف على مولاه بالإفراد .. قال الإمام: لا يتجه الاشتراك وتنقدح مراجعه الواقف، والقاضي الطبري وابن الصباغ ذكرا الأوجه الثلاثة الأول في صورة الإفراد أيضاً.
فروع:
قال: وقفت على أولادي، فإذا انقرض أولادي وأولاد أولادي فعلى الفقراء ..
стр. 2519
وَالصِّفَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ عَلَى جُمَلٍ مَعْطُوفَةٍ تُعْتَبَرُ فِي الْكُلِّ كَوَقَفْتُهُ عَلَى مُحْتَاجِي أَوْلاَدِي وَأَحْفَادِي وَإِخْوَتِي، وَكَذَا الْمُتَأَخِّرَةُ عَلَيْهَا
ــ
فهذا وقف منقطع الوسط على الصحيح وحكمه ما سبق؛ لأنه لم يجعل لأولاده الأولاد شيئاً، وإنما شرط انقراضهم لاستحقاق الفقراء، وقيل: يستحقون بعد انقراض أولاد الصلب.
ولو قال: وقفت على سكان موضع كذا فغاب بعضهم سنة ولم يبع دره ولا استبدل داراً .. لم يبطل حقه، ذكره العبادي.
ولو وقف على زيد بشرط أن يسكن موضع كذا ثم من بعده على الفقراء .. فهو وقف منقطع؛ لأن الفقراء إنما يستحقون بعد انقراضه، واستحقاقه مشروط بشرط قد يتخلف.
قال: (والصفة المتقدمة على جمل معطوفة تعتبر في الكل كوقفته على محتاجي أولادي وأحفادي وإخوتي، وكذا المتأخرة عليها) فتشترط الحاجة في الأحفاد والأخوة، تقدمت الصفة أو تأخرت؛ لأن الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في جميع المتعلقات كالصفة والشرط والغاية والاستثناء.
والأصل في ذلك: قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنت ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون (٤) إلا الذين تابوا﴾، اتفق الشافعي وأبو حنيفة على أن الحد لا يسقط بتوبته؛ لأنه حق آدمي، واتفق على أن اسم الفسق يسقط بالتوبة، واختلفا في قبول الشهادة: فأبو حنيفة لا يقبلها؛ لأن الاستثناء عنده إنما يرجع إلى الجملة الأخيرة، والشافعي يقبلها بعد التوبة؛ لأنه يرى أنه يعود إلى الجميع، خرجنا عنه في الحد بدليل، فيبقى فيما عداه على مقتضى اللفظ، واختار الشيخ: أنه لا فرق في العطف بين الواو وغيرها، ورأى الإمام تقييد ذلك بقيدين:
أحدهما: أن يكون العطف بالواو الجامعة، فإن كان بثم أو بالفاء .. اختصت الصفات بالجملة الأخيرة، وتبعه على هذا ابن الحاجب والآمدي.
والثاني: أن لا يتخلل بين الجملتين كلام طويل، فإن تخلل كما لو قال: وقفت على أولادي على أن من مات منهم وأعقب فنصيبه بين أولاده للذكر مثل حظ الأنثيين،
стр. 2520
وَالاِسْتِثْنَاءُ إِذَا عُطِفَ بِوَاوٍ، كَقَوْلِهِ: عَلَى أَوْلاَدِي وَأَحْفَادِي وَإِخْوَتِي الْمُحْتَاجِينَ، أَوْ إِلاَّ أَنْ يَفْسُقَ بَعْضُهُمْ
ــ
وإن لم يعقب فنصيبه للذي في درجته، فإن انقرضوا فهو مصروف إلى إخوتي إلا أن يفسق أحدهم .. فالاستثناء يختص بالإخوة.
ولم يذكر الأصحاب حكم العطف بـ (لكن) وبـ (بل) وبـ (أو)، وذكر النحاة المسألة ولم يخصوها بالجمل، بل فرضوها في المفردات، والفقهاء لا فرق عندهم بين الجمل والمفردات، بل الحكم كذلك في الضمير أيضا، فإذا ذكر أموراً ثم عقبها بضمير .. عاد إلى الجميع.
وسكت المصنف وغيره عن حكم المتوسطة، والأشبه: اختصاصها بما وليته، ويدل له ما نقله الشيخان في أوائل (الأيمان) عن ابن كج: أنه لو قال: عبدي حر إن شاء الله وامرأتي طالق ونوى صرف الاستثناء إليهما .. صح، فأفهم: أنه إذا لم ينو .. لم يحمل عليهما، وإذا كان هذا في الشرط الذي صدر له الكلام .. فالصفة أولى، والمسألة مبسوطة في كتب الأصول.
قال: (والاستثناء) أي: وكذلك الاستثناء يعتبر في الجميع.
قال: (إذا عطف بواو كقوله على أولادي وأحفادي وإخوتي المحتاجين أو إلا أن يفسق بعضهم) لما تقدم، هكذا جزم به الشيخان ههنا وحكيا في الباب الرابع من الطلاق فيه خلافا، ورجحا العود إلى الأخير، ولم يتعرضا هنا لضابط المحتاج، وضبطه القفال بالذي تحل له الصدقة الواجبة.
و (الأحفاد) جمع حافد وهو: ولد الولد قال تعالى: ﴿وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة﴾، سموا بذلك؛ لإعانتهم لجدهم، يقال: رجل محفود إذا كان له خدام وأعوان، وأصله: الإسراع، ومنه وإليه نسعى ونحفد؛ أي: نسرع إلى طاعتك وعبادتك.
стр. 2521
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فروع:
الأول: الوقف على الإخوة يشمل الأخوات، كذا قاله الماوردي، وبه أفتى الشيخ وفقهاء الشام ومصر، وهو المعتمد.
ووقع في (الشرح الكبير) في آخر (الوصية) الجزم بعدم دخولهن في اسم الإخوة، ويدل للأول إجماع الصحابة على أن الأم تحجب الأخوات كما تحجب بالأخوة.
الثاني: أفتى قاضي القضاة ابن رزين بأنه لا يجوز نصب مدرسين في مدرسة، وأن من وقف على زيد والأشراف المقيمين بالبلد الفلاني فأقام زيد بتلك البلد وكان شريفا .. استحق معهم مضافا لما له، قال: لأن تخصيصه المقيمين يقتضي استيعابهم- قال- وبهذا فارق ما لو وصى لزيد بدينار وللفقراء بشيء آخر وكان زيد فقيراً، حيث لا يأخذ معهم؛ لأن الوصية للفقراء لم تثبت له استحقاقا خاصا، وللوصي حرمانه وإعطاء غيره.
الثالث: قال الشيخ: ووقع السؤال قديما عما يقع في كتب الأوقاف من قولهم:
стр. 2522
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صرف ذلك إلى أهل الوقف، والصواب: أنهم المتناولون حينئذ، فالمحجوب ليس من أهله وإن كان يسمى موقوفاً عليه.
تتمة:
تراعى شروط الواقف في مقادير الاستحقاق وصفات المستحقين وزمان الاستحقاق، وإدخال من شاء بصفة وإخراجه بصفة، فإذا وقف على أولاده وشرط التسوية بين الذكر والأنثى أو التفضيل .. اتبع، وكذا لو وقف على العلماء بشرط كونهم على مذهب معين، أو على الفقراء بشرط الغربة أو الشيخوخة .. اتبع، ولو قال: على بني الفقراء أو بناتي الأرامل، فمن استغنى منهم أو تزوج .. خرج عن الاستحقاق، فإن عاد الوصف .. عاد الاستحقاق.
قال المصنف: وينبغي أن يقال: إن كان الطلاق بائناً أو فارق بفسخ أو وفاة أن تستحق في حال العدة؛ لنها ليست بزوجة وإن كان رجعياً .. فلا.
وقال العبادي: لو وقف على أمهات أولاده إلا من تزوجت منهن، فتزوجت واحدة .. خرجت، ولا يعود استحقاقها بطلاقها، وصححه الروياني في نظيره من الزوجات فيما إذا قال: وقفت على زوجاتي ما لم تتزوجن، والفرق من حيث اللفظ: أنه أثبت الاستحقاق لبناته الأرامل وبالطلاق صارت أرملة، وهنا جعلها مستحقة إلا أن تتزوج وبالطلاق لا تخرج عن كونها تزوجت، ومن حيث المعنى: أن غرضه أن تفي له أم ولده ولا يخلفه عليها أحد فمن تزوجت .. لم تف.
وفي (سنن البيهقي): أن الزبير جعل دوره صدقة.
قال: وللمردودة من بناته أن تسكن غير مضرة ولا مضر بها، فإن استغنت بزوج .. فلا شيء لها.
قال الأصمعي: المردودة المطلقة.
وقال الشيخ عزب الدين: العرف المطرد بمنزلة المشروط فينزل الوقف عليه، فإذا
стр. 2523
فَصْلٌ:
الأَظْهَرُ: أَنَّ الْمِلْكَ فِي رَقَبَةِ الْمَوْقُوفِ يَنْتَقِلُ إِلَى اللهِ تَعَالَى؛ أَيْ: يَنْفَكُّ عَنِ اخْتِصَاصِ الآدَمِيِّيْنَ، فَلاَ يَكُونُ لِلْوَاقِفِ وَلاَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ.
ــ
وقف على المدرس والمعيد والفقهاء بمدرسة كذا .. نزل على ما يقتضيه العرف من التفاوت بينهم وبين الفقيه والأفقه، وكذلك ينزل على إلقاء المدرس في الغدوات فلا يكفي إلقاؤه ليلاً ولا عشية.
وقال في (أماليه): إذا وقف على من يصلي الصلوات الخمس في هذا المسجد، أو على من يشتغل بالعلم في هذه المدرسة، أو يقرأ كل يوم في هذه التربة كذا، فأخل الإمام أو المشتغل أو القارئ بهذه الوظائف في بعض الأيام .. لم يستحق شيئاً من المعلوم في مقابلة الأيام التي أدى فيها الوظيفة، بخلاف ما إذا استأجره لخياطة خمسة أثواب فخاط بعضها .. فإنه يستحق حصته من الأجرة، قال: والفرق أنا نتبع في الأعواض والعقود والمعاني وفي الشروط والوصايا الألفاظ، والوقف من باب الإرصاد والإرزاق والمعاوضات، فمن أخل بشيء من الشرط .. لم يستحق شيئاً؛ لانتفاء شرط الاستحقاق.
قال: ولو شرط واقف المدرسة ألا يشتغل بها المعيد أكثر من عشر سنين فمضت ولم يكن في البلد معيد غيره .. جاز استمراره وأخذ الجامكية؛ لأن العرف يشهد أن الواقف لم يرد شغور مدرسته، وإنما أراد أن ينتفع هذا مدة.
قال: وكذا الحكم في كل شرط شهد العرف بتخصيصه.
قال: (فصل):
عقده لأحكام الوقف المعنوية، وهي الثابتة له من الشارع لا بإثبات الواقف.
قال: (الأظهر: أن الملك في رقبة الموقوف ينتقل إلى الله تعالى، أي: ينفك عن اختصاص الآدميين فلا يكون للواقف ولا للموقوف عليه) كالعتق والصدقة، وبهذا قال أبو حنيفة.
стр. 2524
وَمَنَافِعُهُ مِلْكٌ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ يَسْتَوْفِيهَا بنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ بِإِعَارَةٍ وَإِجَارَةٍ،
ــ
والثاني- وبه قال مالك-: لا ينتقل، بل هو باق على ملك الواقف؛ لأنه حبس الأصل وسبل الثمرة وذلك لا يوجب زوال ملكه، ولهذا تتبع شروطه.
والثالث- وبه قال أحمد-: ينتقل إلى الموقوف عليه كالصدقة.
والرابع- وهو أضعفها-: إن كان الوقف على معين .. فهو ملك الموقوف عليه بلا خلاف، أو على جهة عامة .. فالملك فيه لله بلا خلاف، واختاره الغزالي.
والخامس: مثله إلا أنه إن كان على معين .. ففيه الخلاف، حكاه الماوردي.
قال الرافعي: كل هذا فيما سوى وقف التحرير، أما وقف التحرير كالمسجد .. فالملك فيه لله بلا خلاف، بمعنى انقطاع الآدميين عنه، وألحق به ابن الرفعة الربط والمدارس، والوقف على ذلك أوسع من الوقف على المسلمين.
فإن قيل: سيأتي في (الشهادات) أن الوقف يثبت بشاهد ويمين، وهو مخالف للمصحح هنا من أنه ملك لله؛ فإن حقوق الله تعالى لا تثبت إلا برجلين .. فالجواب: أن معنى الملك هنا: انفكاك حقوق الآدميين عنه كما تقرر، فهو كالعتق من غير نظر إلى جانب المالك، ولذلك أشار إليه المصنف بـ (أي) التفسيرية؛ أي: هذا معنى الانتقال إلى الله تعالى، وإلا .. فجميع الموجودات له في كل الأوقات، بل قال إمام الحرمين في كتاب (الشامل): لا يتصور في حق العباد ملك الرقاب وإن أطلق توسعاً وتجوزاً؛ إذ المالك في الحقيقة هو الله تعالى.
قال: (ومنافعه ملك للموقوف عليه) يتصرف فيه تصرف الملاك في الأملاك، لكن يستثنى منه: وقف المسجد والبئر والمقبرة ونحوها، فللواقف أن صلي ويستقي ويدفن ويكون كأحدهم بالاتفاق كما فعل عثمان في بئر رومة، فإنه سبلها وجعل دلوه فيها كدلاء المسلمين، رواه النسائي والترمذي وقال: حسن.
قال: (يستوفيها بنفسه وبغيره بإعارة وإجارة) بالاتفاق وإن قلنا الملك في الرقبة لله؛ لأن ذلك مقصود الواقف، وهذا ما لم يشترط نفي الإجارة، فإن اشترط نفيها .. امتنع كما سبق.
وفهم من تجويز الإعارة: تجويز الإجارة بدون أجرة المثل من باب أولى.
стр. 2525
وَيَمْلِكُ الأُجْرَةَ
ــ
هذا إذا كان الوقف مطلقا، فإذا قال: وقفت داري ليسكنها معلم الصبيان في هذه القرية .. فللمعلم أن يسكنها وليس له أن يسكنها غيره بأجرة ولا بغيرها، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا عند قول المصنف: (والأصح: أنه إذا وقف بشرط أن لا يؤجر اتبع).
ولو قال: وقفت داري على أن تستغل وتصرف غلتها إلى فلان .. تعين الاستغلال ولم يجز أن يسكنها كما أفتى به القفال وغيره، وقوة كلام المصنف تعطي أن الموقف عليه يؤجر، والصحيح: منعه إلا أن يكون ناظراً أو أذن له في ذلك.
فرع:
إذا حصل في استيفاء المنفعة من الموقوف عليه نقص من عين الوقف كرصاص الحمام، إذا استوفى الموقوف عليه الأجرة .. لزمه قيمة ما أذهبته النار من الرصاص مما قبضه من الأجرة وصرفه في مثله، قاله في (المطلب) تفقهاً، وعمل الناس عليه.
إذا حصل في استيفاء المنفعة من الموقوف عليه نقص من عين الوقف كرصاص الحمام، إذا استوفى عليه الأجرة .. لزمه قيمة ما أذهبته النار من الرصاص مما قبضه من الأجرة وصرفه في مثله، قاله في (المطلب) تفقهاً، وعمل الناس عليه.
وإذا وقف ثوراً للإنزاء .. جاز، ولا يجوز استعماله في الحراثة، ولا يجوز ذبح البهيمة المأكولة الموقوفة وإن خرجت عن الانتفاع، كما لا يجوز إعتاق العبد الموقوف، لكن لو صارت بحيث يقطع بموتها .. قال المتولي: تذبح للضرورة، وفي لحمها طريقان: أشهرهما: يشترى بثمنه بهيمة من جنسها وتوقف.
والثاني: البناء على أقوال الملك، فإن قلنا: للواقف أو الموقوف عليه .. صرف لهما، وإن قلنا: لله تعالى .. فعل فيه الحاكم ما رآه مصلحة.
قال: (ويملك الأجرة) كما لو أجر ملكه، وتصرف إليه الأجرة في الحال، فلو أجر الناظر الوقف سنين بأجرة معجلة .. فظاهر إطلاق المصنف: صرفها إليه في
следующие страницы →