Полный текст (5 377 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
فَلَوْ لَزِمَهُ دَينٌ فَأَقَرَّ بِرِقٍّ وَفِي يَدِهِ مَالٌ .. قُضِيَ مِنْهُ، وَلوِ ادَّعَى رِقَّهُ مَنْ لَيْسَ في يَدِهِ بِلاَ بَيِّنَةٍ .. لَمْ يُقْبَلْ،
ــ
وثانيهما: قولان: ثانيهما: أنه يبقى في أحكام الحرية مطلقًا؛ لأنه محكوم بحريته بظاهر الدار وتعلقت به حقوق لله تعالى وللعباد فلا يقبل إقراره بما يسقطها.
وقيل: يبقى فيما يضر بغيره كما لو قال: لزيد علي ألف ولي عنده رهن .. فيقبل في الدين دون الرهن.
وأما الماضي .. فيقبل إقراره فيما يضر به من التصرفات السابقة قطعًا مؤاخذة له، لكن يستثنى من هذا ما لو كان اللقيط امرأة وتزوجت ثم أقرت بالرق والزوج ممن لا يحل له نكاح الأمة .. فإنه لا ينفسخ نكاحه على الأصح في زوائد (الروضة) كالحر إذا وجد الطول بعد نكاح الأمة، ومقتضى قبول إقراره في المستقبل - وإن أضر بالغير - قبوله لكن النكاح كالمقبوض المستوفى.
قال: (فلو لزمه دين فأقر برق وفي يده مال .. قضي منه)؛ هذا تفريع على الأظهر، وهو أنه يقبل إقراره فيها؛ لكونه يضر به دون ما يضر بغيره، فيقضي الدين مما في يده، فإن بقي معه شيء .. فهو للمقر له، وإن بقي من الدين شيء .. فهو في ذمته حتى يعتق، ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يقر بالرق ابتداء وبين أن يدعي رقه شخص فيصدقه.
ولو ادعى رجل رقه فأنكره ثم أقر له .. ففي قبوله وجهان؛ لأنه بالإنكار لزمه أحكام الأحرار، وقال في (الروضة): ينبغي أن يفصل، فإن قال: لست بعبد .. لم يقبل إقراره بعده، وإن قال: لست بعبد لك .. فالأصح: القبول؛ إذ لا يلزم من هذه الصيغة الحرية.
قال: (ولو ادعى رقه من ليس في يده بلا بينة .. لم يقبل) بلا خلاف؛ إذ الظاهر الحرية فلا تترك إلا بحجة بخلاف النسب؛ فإن قبوله مصلحة للصبي وثبوت حق له، وهنا القبول إضرار له وإثبات رق عليه.
стр. 2662
وَكَذَا إِنِ ادَّعَاهُ الْمُلْتَقِطُ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَوْ رَأَيْنَا صَغِيرًا مُمَيِّزًا (أَوْ غَيْرَهُ) فِي يَدِ مَنْ يَسْتَرِقُّهُ وَلَمْ يُعْرَفِ اسْتِنَادُهَا إِلَى الْتِقَاطٍ .. حُكِمَ لَهُ بِالرِّقِّ، فَإِنْ بَلَغَ وَقَالَ: أَنَا حُرٌّ .. لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الْأَصَحِّ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ
ــ
قال: (وكذا إن ادعاه الملتقط في الأظهر)؛ لأن الأصل الحرية فلا يخالف بمجرد الدعوى، ويد الملتقط لا تدل على الملك.
والثاني: يقبل قوله ويحكم له بالرق، كما لو التقط مالاً وادعى أنه له ولا منازع له .. فيقبل قوله حتى يجوز شراؤه منه.
وفرق الجمهور بأن المال مملوك وليس في دعواه تغيير صفة له، واللقيط حر ظاهرًا وفي دعواه تغيير صفته، وخص الماوردي الخلاف بما إذا ادعاه قبل التقاطه، فإن ادعاه بعده .. لم يقبل قطعًا، فاجتمع من ذلك ثلاثة أوجه: أصحها: عدم القبول.
وحيث قلنا: لا يقبل .. فنقل المزني في (جامعه الكبير): أنه لا ينزع منه، وقال الماوردي: الذي أراه وجوب انتزاعه؛ لأنه قد خرج بدعوى رقه عن الأمانة في كفالته، وربما صارت استدامة يده ذريعة إلى رقه.
قال: (ولو رأينا صغيرًا مميزًا (أو غيره) في يد من يسترقه ولم يعرف استنادها إلى التقاط .. حكم له بالرق) أي: إذا ادعاه؛ عملاً باليد والتصرف.
وقيل: لا، كالملتقط فإن كان غير مميز .. حكم له بالرق قطعًا.
وتقييده بـ (المميز) يعلم منه: أن غيره من باب أولى، وإنما يحكم برقه إذا حلف لخطر شأن الحرية، وهذا الحلف واجب على النص، وقيل: مستحب.
قال: (فإن بلغ وقال: أنا حر .. لم يقبل قوله في الأصح إلا ببينة)؛ لأنا قد حكمنا برقه في حال الصغر فلا يرفع ذلك الحكم إلا بحجة، لكن له تحليف السيد وإقامة البينة على حريته.
стр. 2663
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والثاني: يقبل قوله إلا أن يقيم مدعي الرق بينة على رقه؛ لأن الرق إنما جرى عليه حين لا قول له ولا منازعة، فإن صار معتبر القول .. فلابد من إقراره أو البينة عليه، أما لو ادعى أنه حر الأصل .. فلا يقبل جزمًا، وكذلك لو أقر بالرق لغير صاحب اليد.
فروع:
الأول: اشترى بالغًا عاقلاً فادعى أنه حر الأصل .. صدق بيمينه، فإذا حلف .. رجع المشتري على بائعه بالثمن، وحكى البغوي في (فتاويه) عن القاضي: أنه لا يرجع؛ لأن يده ما أزيلت ببينة إلا أن يقيم ببينة أنه حر الأصل، والاحتياط لمن اشترى عبدًا بالغًا: أن يسأله عن رقه لبائعه ويشهد عليه، وإن ادعى أن سيده أعتقه .. لم يسمع قوله.
الثاني: صغيرة في (يد رجل) يدعي نكاحها فبلغت وأنكرت .. يقبل قولها وعلى المدعي البينة، وهل يحكم في صغرها بالنكاح؟ قال ابن الحداد: نعم كالرق، والأصح: المنع.
وفرق الأصحاب بأن اليد في الجملة دالة على الملك، ويجوز أن يولد وهو مملوك والنكاح طارئ فيحتاج إلى البينة.
الثالث: إذا قذف لقيطًا .. عزر، وإن كان بالغًا .. حد إن اعترف بحريته، فإن ادعى رقه فقال المقذوف: (بل أنا حر .. فالقول قول المقذوف] على الأظهر، وقيل: قطعًا. ويجري القولان فيما إذا قطع طرفه حر وادعى رقه وقال: بل أنا حر، وقيل: يجب القصاص قطعًا؛ لأن الحد يغني عنه التعزيز لاشتراكهما في الزجر، فإن لم نوجب القصاص .. أوجبنا الدية في اليدين، ونصفها في إحداهما على الأصح، وعلى الثاني: القيمة أو نصفها.
ولو قذف اللقيط واعترف بأنه حر .. حُدّ حَدّ الأحرار، وإن ادعى أنه رقيق وصدقه المقذوف .. حُدَّ حَدَّ العبيد، وإن كذبه .. فالأصح: حد الأحرار.
стр. 2664
وَمَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِرِقِّهِ .. عُمِلَ بِهَا، وَيُشَتَرَطُ أَنْ تَتَعَرَّضَ الْبَيِّنَةُ لِسَبَبِ الْمِلْكِ، وَفِي قَوْلٍ: يَكْفِي مُطْلَقُ الْمِلْكِ. وَلَوِ اسْتَلْحَقَ اللَّقِيطَ حُرٌّ مُسْلِمٌ .. لَحِقَهُ
ــ
قال: (ومن أقام بينة برقه .. عمل بها)؛ لظهور فائدتها، سواء كان هو الملتقط أو غيره.
قال: (ويشترط أن تتعرض البينة لسبب الملك) لكونه عن إرث أو شراء أو غير ذلك؛ لأنا لا نأمن أن يكون اعتماد الشاهد على ظاهر اليد.
قال: (وفي قول: يكفي مطلق الملك) كسائر الأموال، ولم يرجح الرافعي في (الشرحين) شيئًا من القولين، ونقل في (الروضة) الترجيح عن (المحرر)، والرافعي لم يفصح فيه بترجيح بين، وهذه الشهادة تقبل هنا من رجل وامرأتين على القولين؛ لأن الغرض إثبات الملك، وإذا اكتفينا بالشهادة على أنه ولد أمته .. قبل من أربع نسوة أيضًا؛ لأن الشهادة على الولادة ثم يثبت الملك في ضمنها كثبوت النسب في ضمن الشهادة على الولادة.
قال: (ولو استلحق اللقيط حر مسلم .. لحقه) ولا يحتاج إلى بينة ولا قافه لكن بالشروط السابقة في الإقرار، وادعى الإمام فيه الإجماع، وسواء الرشيد والسفيه؛ لأنه أقر له بحق لا ضرر فيه على غيره فأشبه ما لو أقر بمال، والمعنى فيه: أن الإشهاد على النسب يعسر فلو لم يحصل بالدعوى .. لضاعت الأنساب.
وسواء في ذلك اللقيط وغيره، لكن يستحب أن يقال للملتقط: من أين هو لك؟ ليخبر عن جهة صحيحة يلحق النسب بها كالنكاح والوطء في ملك اليمين أو نكاح فاسد، وإن لم يسأله .. جاز، كذا قاله الصيمري في (شرح الكفاية).
وينبغي أن يجب الاستفسار؛ لأن كثيرًا من الناس يعتقدون أن ولد الزنا يلحق، وإذا استلحقه .. حكم بأنه ولده، وتجري بينهما أحكام النسب من الميراث والإنفاق ودفع الزكاة والولاية في المال والنكاح وغير ذلك.
стр. 2665
وَصَارَ أَوْلَى بِتَرْبِيَتِهِ، وَإِنِ اسْتَلْحَقَهُ عَبْدٌ .. لَحِقَهُ، وَفِي قَوْلٍ: يُشْتَرَطُ تَصْدِيقُ سَيِّدِهِ، وَإِنِ اسْتَلْحَقَتْهُ امْرَأَةٌ .. لَمْ يَلْحَقْهَا فِي الأَصَحِّ،
ــ
وقول المصنف: (مسلم) لا مفهوم له؛ فإن الكافر يستلحق من حكم بكفره؛ لاستوائهما في الجهات المثبتة للنسب كما تقدم، وإنما كلامه هنا في لقيط محكوم بإسلامه، لكن لابد أن يكون ذكرًا كما سيأتي.
قال: (وصار أولى بتربيته) أي: من الملتقط؛ فإن كفالة الأجنبي كانت للضياع وقد زالت بوجود الأب، و (أولى) هنا من باب قولهم: فلان أولى بماله يعنى: أنه لا حق لغيره فيه، وإنما عبروا بذلك للفرق بين الحر والعبد.
قال: (وإن استلحقه عبد .. لحقه) أي: في النسب خاصة؛ لأنه في أمر النسب كالحر؛ لإمكان حصوله منه بنكاح أو وطء شبهة، لكن لا يسلم إليه لاشتغاله عنه بخدمة السيد، ولا نفقة له عليه؛ إذ لا مال له، إنما ينفق عليه من بيت المال.
قال: (وفي قول: يشترط تصديق سيده)؛ لما فيه من الإضرار به بسبب الإرث المتوهم على تقدير عتقه.
وقيل: لا يلحقه قطعًا، وقيل: يلحقه قطعًا إن كان مأذونًا له في النكاح ومضى زمن إمكانه، وإلا .. فالقولان، والمذهب: اللحوق مطلقًا.
ويجري الخلاف في إقرار العبد بأخ أو عم، وقيل بالمنع هنا قطعًا؛ لأن لظهور نسبه طريقًا آخر وهو إقرار الأب والجد.
قال: (وإن استلحقته امرأة .. لم يلحقها في الأصح) سواء كانت ذات زوج أم لا، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه يمكنها أن تقيم البينة على الولادة بطريق المشاهدة والرجل لا يمكنه فمست الحاجة إلى إثبات النسب من جهة بمجرد الدعوى، ولأنها إذا أقرت بالنسب .. كأنها تقر بحق عليها وعلى غيرها إذا كانت فراشًا لزوج، وبطل إقرارها في حق الزوج فيبطل جميعه؛ لأن الإقرار الواحد إذا بطل بعضه .. بطل كله.
стр. 2666
أَوْ اثْنَانِ .. لَمْ يُقَدَّمْ مُسْلِمٌ وَحُرٌّ عَلَى ذِمِّيٍّ وَعَبْدٍ. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ .. عُرِضَ عَلَى الْقَائِفِ فَيَلْحَقُ مَنْ أَلْحَقَهُ بِهِ،
ــ
والثاني: يقبل ويلحقها؛ لأنها أحد الأبوين، وعزاه في (التقريب) إلى ابن سريج، ويستدل له بقصة داوود وسليمان حين تحاكم إليهما امرأتان لهما ابنان فذهب الذئب بأحدهما وادعى كل منهما أن الباقي ابنها، فحكم به داوود للكبرى وحكم به سليمان للصغرى بمجرد الدعوى منهما.
والثالث: يلحق الخلية دون المزوجة؛ لتعذر الإلحاق بها دونه.
وعن أحمد روايتان كالوجه الثاني والثالث.
وإذا قلنا باستلحاقها ولها زوج .. لم يلحقه في الأصح، وقال أبو الطيب بن سلمة: يلحقه.
واستلحاق الأمة كاستلحاق الحرة إذا جوزنا استلحاق العبد، وقال القاضي أبو الفرج: إن صححنا استلحاق المرأة .. صح استلحاق الخنثى وثبت نسبه، ولو مات هذا الطفل .. ورثه الخنثى ميراث أم.
وليس المراد بالزوج من هي في عصمته، بل كونها فراشًا لشخص لو ثبت نسب اللقيط منها بالبينة .. لحق صاحب الفراش، سواء كانت في عصمته أم في العدة، حكاه في (الكفاية) عن البندنيجي.
وإذا أقامت بينة .. لحقها قطعًا، وكذا يلحقه إن أمكن وشهدت بالولادة على فراشه، وإلا .. فأصح الوجهين عند المصنف: المنع.
قال: (أو اثنان .. لم يقدم مسلم وحر على ذمي وعبد)؛ لأن كلاًّ منهما أهل لو انفرد فأشبه المسلمين أو الحرين، وهذا تفريع على أن العبد من أهل الاستلحاق وهو الأظهر.
وقدم أبو حنيفة المسلم على الذمي والحر على العبد كالحضانة، وفرق أصحابنا بأن الحضانة لحق الطفل والنسب لحق الله تعالى.
قال: (فإن لم تكن بينة .. عرض على القائف فيلحق من ألحقه به)؛ لأن للقافة أثرًا في الانتساب عند الاشتباه كما سيأتي في موضعه.
стр. 2667
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَائِفٌ، أَوْ تَحَيَّرَ، أَوْ نَفَاهُ عَنْهُمَا، أَوْ أَلْحَقَهُ بِهِمَا .. أُمِرَ بِالِانْتِسَابِ بَعْدَ بُلُوغِهِ إِلَى مَنْ يَمِيلُ طَبْعُهُ إِلَيْهِ مِنْهُمَا،
ــ
وقيل: لا مدخل للقافة في الإلحاق بالأم، وهذا ما لم يقم الآخر بينة، فإن أقامها .. فالأصح: أنها تقدم على إلحاق القائف.
قال: (فإن لم يكن قائف) أي: في البلد أو دون مسافة القصر، وقال الإمام: مسافة العدوى، وقال الماوردي: المراد أن لا يوجد في الدنيا.
قال: (أو تحير، أو نفاه عنهما، أو ألحقه بهما .. أمر بالانتساب بعدد بلوغه إلى من يميل طبعه إليه منهما) بالميل الطبعي الذي يجده الولد إلى الوالد والقريب إلى القريب بحكم الجبلة لا بحكم التشهي؛ لما روى البيهقي: أن رجلين ادعيا رجلاً لا يدري أيهما أبوه، فقال عمر ﵁: (اتبع أيهما شئت) وقال: إسناده صحيح.
وقيل: لا يشترط البلوغ، بل بالتمييز كما يخير الولد بين أبويه في تلك الحالة، والمصنف أطلق الانتساب، وهو مشروط بما إذا كانا حيين عند الانتساب وعرف الصبي حالهما قبل البلوغ وكان فطنًا ذكيًا، فإن انتفى ذلك .. لم ينسب، قاله الماوردي.
وتعبيره بـ (الأمر) يقتضي أنه واجب وهو كذلك، فإن امتنع منه .. حبس.
فروع:
نفقته في مدة الانتظار عليهما، فإذا انتسب إلى أحدهما .. رجع عليه الآخر، كذا قاله الرافعي في (باب القافة)، وقيده في (باب العدة) بما إذا أنفق بإذن الحاكم، وقيل: لا يرجع؛ لأنه يقول: إنما أنفقت على ولدي، والأول أصح.
قال القاضي: ولو كان التداعي بين امرأتين .. لم ترجع الأخرى لما أنفقته قطعًا.
стр. 2668
وَلَوْ أَقَامَا بَيِّنَتيْنِ مُتَعَارِضَتَيْنِ .. سَقَطَتَا فِي الأَظْهَرِ
ــ
وإذا مات الولد .. قام والده مقامه في الانتساب، قال ابن اللبان: وكذا إن كان معتوهًا، وقال القاضي حسين: إذا كان مجنونًا .. لا ينتسب ابنه كما لا يخلفه في سائر الحقوق، ولو كانا ولدين انتسب كل منهما لواحد .. دام الإشكال، فإن رجع أحدهما إلى الآخر .. قبل.
ولو ألحقه قائف بذا آخر بذاك .. فالصحيح: أنه ابن الأول، وقيل: يتعارضان ويصير كأن لا قائف.
هذا إذا لم يكن سبب اختلافهما الشبه، فإن كان بأن اعتبر أحدهما الشبه الخفي كالخلق وتشاكل الأعضاء والآخر الشبه الظاهر كالبياض والسواد .. فالأصح: تقدم الشبه الخفي.
ولو ألحقه القائف بأحدهما فأقام الآخر بينة .. قدمت البينة على الصحيح؛ لأنها حجة في كل خصومة، ولو بلغ فانتسب إلى أحدهما وألحقه القائف بالآخر في وقت واحد فهل الأولى الانتساب أو الإلحاق؟ وجهان: أصحهما: الثاني.
قال: (ولو أقاما بينتين متعارضتين .. سقطتا في الأظهر)؛ لعدم إمكان العمل بهما فيصير كما لو لم تكن بينة ويعرض على القائف.
وعن ابن أبي هريرة: لا تسقطان وترجح إحداهما بقول القائف.
هذا كله على التساقط، ومن المعلوم: أنه لا يأتي هنا قول القسمة ولا الوقف؛ لما في ذلك من ضياع مصلحة الطفل، وهل يأتي قول القرعة؟ وجهان: أصحهما: لا؛ لأن القرعة لا تعمل في النسب، وحينئذ فلا حقيقة لهذا القول هنا، ولهذا قال المصنف في (نكته): ليس لنا موضع تسقط فيه الأقوال الثلاثة في استعمال البينتين إلا في هذا الموضع ومسألة الشك في النجاسة.
стр. 2669
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تتمة:
عند تعارض البينتين لو اختص أحد المتداعبين بيد .. قال الرافعي: لم ترجح بينة بها، بخلاف الأملاك حيث قدم فيها بينة ذي اليد.
وفي (الإيضاح) للمسعودي و (أمالي أبي الفرج الزاز): أنه لو أقام أحدهما بينة بأنه في يده من سنة والثاني بينة بأنه في يده من شهر وتنازعا في نسبه .. فصاحب المتقدمة التاريخ مقدم، لكن هذا كلام غير مهذب؛ فإن ثبوت اليد لا يقتضي ثبوت النسب، قال ابن الرفعة: بل هو كلام مهذب؛ فإن كان أحدهما صاحب يد .. فقدمت بينته كبينة الداخل، قال: وهذا أمر لابد منه، ولعلهم أهملوه لمعرفته من القواعد.
* ... * ... *
خاتمة
إذا تنازعا في اللقيط فذكر أحدهما أن على ظهره شامة أو علامة وأخبر بالذكورة أو الأنوثة وأصاب ذلك فيها .. لم يتقدم على الآخر بذلك، وقال أبو حنيفة: يتقدم.
لنا: أنهما لو تنازعا في اللقطة ووصفها أحدهما .. لم يرجح بذلك فكذلك هنا، ولو ألحقه القائف بأحدهما ثم بالآخر .. لم ينقل إليه؛ لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، وقال الرافعي: إن هذا فيما إذا عرض عليه معهما، أما لو كان العرض مع أحدهما فألحقه به ثم عرض على الآخر فألحقه به .. فالمنصوص: أنه لا يثبت نسبه من واحد منهما وإن ألحقته قافة.
стр. 2670
كِتَابُ الْجِعَالَةِ
ــ
كتاب الجعالة
هي فعالة من الجعل بضم الجيم وسكون العين الذي هو العوض، ويجوز في جيمها ثلاث لغات: الأشهر: كسرها، وجمعها جعائل.
ومن الأصحاب من أوردها عقب الإجارة كصاحب (المهذب) و (الشرح) و (الروضة)؛ لأن لها شبهًا ظاهرًا بالإجارة، لأنها عقد على عمل، والجمهور أوردوها هاهنا؛ لأنها تقع في الأغلب على الضوال والعبيد الآبقين فحسن وصلها باللقطة واللقيط.
واستأنسوا لها بقوله تعالى: ﴿وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِملُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعيمٌ﴾ وكان حمل البعير معلومًا عندهم كالوسق، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه.
وفي (الصحيحين): أن رهطًا من أصحاب رسول الله ﷺ نزلوا بحي من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحي فسعوا له بكل شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا بكم لعل أن يكون عندهم شيء ينفع صاحبكم، فقال بعضهم: إن سيدنا لدغ فهل عند أحد منكم رقية؟ فقال رجل من القوم: أنا أرقي، ولكن استضفناكم فأبيتم أن تضيفونا، ما أنا براق حتى تجعلوا لي جعلاً، فجعلوا له ثلاثين رأسًا من الغنم، فقرأ عليه بأم الكتاب وتفل عليه فكأنما نشط من عقال فأوفاهم جعله الذي صالحوه عليه، فقال الذي
стр. 2671
هِيَ كَقَوْلِهِ: مَنْ رَدَّ آبِقِي .. فَلَهُ كَذَا،
ــ
رقى - وهو أبو سعيد الخدري -: لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله ﷺ فنستأمره، فقدموا على رسول الله ﷺ فقال: (أحسنتم، اضربوا لي معكم بسهم).
فقوله: (سعوا له) من السعي، والصواب: فشفوا له بكل شيء؛ أي: عالجوه بكل ما يستشفى به، فوضع الشفاء موضع العلاج والمداواة.
وانعقد الإجماع على جوازها، وقال الغزالي: هي معاملة صحيحة، ولم يقل معاقدة؛ لأنها غير مفتقرة إلى القبول.
قال: (هي كقوله: من رد آبقي .. فله كذا) وإن لم يكن فيه خطاب لمعين كما في الآية، واحتمل إبهام العامل؛ لأنه ربما لا يهتدي إلى تعيين الراغب في العمل.
وهي تفارق الإجارة من أربعة أوجه:
جوازها على عمل مجهول.
وصحتها مع غير معين.
وكونها جائزة لا لازمة.
ولا يستحق العامل الجعل إلا بالفراغ من العمل، فلو شرط له تعجيل الأجرة .. فسد العقد.
ومثل المصنف بالغائب المبهم؛ ليعلم منه: أنه لو خاطب به إنسانًا فقال: رد عبدي ولك كذا، أو عين فقال: إن رده زيد فله كذا .. كان أولى بالاستحقاق، وهو كذلك بالاتفاق.
فإن قيل: لابد فيها من الإذن، والصيغة التي ذكرها المصنف لا تقتضيه .. فالجواب: أن ذلك يدل عليه عرفًا؛ لأن الترغيب في الشيء يدل على طلبه.
وشرط القائل: أن يكون مطلق التصرف، وشرط المجعول له: أهلية العمل
стр. 2672
وَيُشْتَرَطُ صِيغَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْعَمَلِ بِعِوَضٍ مُلْتَزَمٍ، فَلَوْ عَمِلَ بِلاَ إِذْنٍ أَوْ أَذِنَ لِشَخْصٍ فَعَمِلَ غَيْرُهُ .. فَلاَ شَيْءَ لَهُ
ــ
فيشمل الصبي والعبد، وبه صرح الماوردي في (باب اللقيط)، وخالف في (السير) فقال: لا يستحقه الصبي إذا رده، وكذا العبد بغير إذن، فإن رده بإذنه .. استحقه السيد.
قال الشيخ: ويظهر في السفيه استحقاق الجعل إذا عمل؛ لأنه تحصيل مجرد، ولو قال: من رد عبدي فرده من لم يسمع النداء ولم يبلغه ذلك .. لم يستحق شيئًا.
قال: (ويشترط صيغة تدل على العمل بعوض ملتزم)؛ لأنها معاوضة فافتقرت إلى صيغة تدل على المطلوب، وإشارة الأخرس المفهمة تقوم مقامها، وعلم منه: أنه إذا لم يذكر عوضًا .. لم يستحق شيئًا وهو المنصوص، وأجرى بعضهم فيه خلاف الغسال.
وشرط الصيغة: عدم التأقيت، فلو قال: من رده اليوم .. لم يصح؛ لأنه ربما لا يظفر به فيه، ولهذا امتنع تأقيت القراض، ولو قال: من رد عبدي فله درهم قبله .. بطل، قاله الغزالي في (كتاب الدور).
قال: (فلو عمل بلا إذن أو أذن لشخص فعمل غيره .. فلا شيء له)؛ لأنه عمل لم يلتزم له المالك عوضًا فيقع تبرعًا، سواء كان معروفًا بالرد أم لا، خلافًا لأبي حنيفة، لكن يستثنى عبده؛ فإن يده كيده، فإذا رده عبد المقول له .. استحق سيده الجعل، قال الشيخ: هذا ظاهر إن استعان به سيده فيه، وإلا .. ففيه نظر، لاسيما إن لم يعلم بالنداء.
стр. 2673
وَلَوْ قَالَ أَجْنَبِيٌّ: مَنْ رَدَّ عَبْدَ فُلاَنٍ فَلَهُ كَذَا .. اسْتَحَقَّهُ الرَّادُّ عَلَى الأَجْنَبِيِّ، وَلَوْ قَالَ: قَالَ زَيْدٌ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ كَذَا وَكَانَ كَاذِبًا .. لَمْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ وَلاَ عَلَى زَيْدٍ.
ــ
قال: (ولو قال أجنبي: من رد عبد فلان فله كذا .. استحقه الراد على الأجنبي)؛ لأنه التزمه فصار كخلع الأجنبي، وكما لو التمس إلقاء متاع الغير في البحر لخوف الهلاك وعليه ضمانه، وليس كما إذا التزم الثمن في بيع غيره أو الثواب في هبة غيره؛ لأنه عوض تمليك فلا يتصور وجوبه على غير من حصل له الملك، والجعل ليس عوض تمليك، والله أعلم.
تنبيهات:
أحدها: استشكل ابن الرفعة تصوير المسألة بأنه لا يجوز لأحد وضع اليد على مال الغير بقول الأجنبي فكيف يستحق الأجرة بل قال الماوردي: إن من رد بغير إذن المالك .. يضمن؟ والجواب: أن ذلك يتصور بصورتين:
إحداهما: إذا أذن السيد في الرد والتزم الأجنبي الجعل.
والثانية: أن يكون للأجنبي ولاية على المالك.
الثاني: قوله: (فله كذا) ليست صيغة التزام إلا إذا قال: فله علي كذا، لأنه يحتمل أن يريد: فله كذا على مالكه .. فيكون فضوليًا، وهذا لم يتعرض له الأصحاب إلا شارح (التعجيز) فإنه قال: يكتفى بذلك، وكأنهم جعلوه عند الإطلاق التزامًا لسبقه إلى الفهم.
الثالث: استثنى الماوردي من الاستحقاق على الأجنبي: ما إذا كان الراد قد صدق المنادي على أن السيد أمر بذلك .. فلا يرجع على المنادي بشيء.
قال: (ولو قال .. قال زيد: من رد عبدي فله كذا وكان كاذبًا .. لم يستحق عليه ولا على زيد) أما عليه .. فلأنه لم يلتزم، وأما على زيد .. فلتصوير المسألة في
стр. 2674
وَلاَ يُشْتَرَطُ قَبُولُ الْعَامِلِ وَإِنْ عَيَّنَهُ. وَتَصِحُّ عَلَى عَمَلٍ مَجْهُولٍ، وَكَذَاَ مَعْلُومٌ فِي الأَصَحُ
ــ
الكذب، فإن كان صادقًا وكان ممن يعتمد خبره .. فإنه يستحق إذا رده.
قال: (ولا يشترط قبول العامل) أي: لفظًا (وإن عينه) بل يكفي القبول بالفعل، أما غير المعين .. فبلا خلاف كما في الوقف على الجهة العامة، وأما المعين .. فعلة المشهور؛ لما فيه من التضييق، وحكى الرافعي فيه الخلاف في (باب المسابقة)، ولم يذكره هنا.
وعلى القول بالاشتراط هل يشترط فيه الفور؟ قال ابن الرفعة: يشبه أن يكون كالوكيل، وعلى القول بعدم الاشتراط هل يرتد بالرد؟ يشبه أن يقال: إن ألحقناه بالوكالة .. ارتد فلا يستحق بعد ذلك إلا بإذن جديد.
قال: (وتصح على عمل مجهول)؛ لأن الجهالة احتملت في القراض لحصول زيادة فاحتمالها في رد الحاصل أولى، والرافعي والمصنف أطلقا المسألة، قال ابن الرفعة: هذا فيما لا يمكن ضبطه كقوله: من رد عبدي .. فله كذا، فأما ما يمكن ضبطه كما إذا قال: من بنى لي حائطًا .. فلابد من بيان موضع البناء وطول الحائط وسمكها وارتفاعها وما يبنى به، وفي الخياطة يعتبر وصف الثوب والخياطة.
قال: (وكذا معلوم في الأصح)؛ لأنه إذا جاز مع الجهل .. فمع العلم أولى.
والثاني: المنع؛ للاستغناء بالإجارة، وصححه الإمام والغزالي.
وإنما تصح على العمل المعلوم إذا كان مما يقابل بأجرة وأن يكون غير واجب عليه، فلو قال: من رد مالي فله كذا فرده من كان في يده، فإن كان فيه كلفة
стр. 2675
وَيُشتَرَطُ كَوْنُ الجُعلِ مَعْلُومًا، فَلَوْ قَالَ: مَنْ رَدَّهُ فَلَهُ ثَوْبٌ أَوْ أُرْضِيهِ .. فَسَدَ الْعَقْدُ وَلِلرَّاد أُجْرَةُ مِثْلِهِ
ــ
كالآبق .. استحقه، وإلا كالدراهم والدنانير .. فلا؛ لأن ما لا كلفة فيه لا يقابل بعوض.
ولو قال: من دلني على مالي فله كذا فدله عليه من هو بيده .. لم يستحق؛ لأنه واجب عليه، وإن دله على من هو بيده .. استحق؛ للحوق المشقة بالبحث عنه.
ولو قال: من أخبرني بضالتي فله كذا فأخبره بها إنسان .. لا يستحق شيئًا؛ إذ لا كلفة فيه.
ولو قال لغيره: إن أخبرتني بخروج فلان من البلد فلك كذا فأخبره .. قال القفال: إن كان له غرض في خروجه .. استحق، وإلا .. فلا، قال الرافعي: وهذا يقتضي أن يكون صادقًا، بخلاف قوله لزوجته: إن أخبرتني بكذا فأنت طالق .. فإنه لا يشترط صدقها، وينبغي أن ينظر أيضًا هل يناله تعب أم لا؟
فرع:
لو حبس ظلمًا فبذل مالاً لم يتكلم في خلاصه بجاهه أو بغيره .. جاز، قال المصنف في (الفتاوى): وهذه جعالة مباحة.
قال: (ويشترط كون الجعل معلومًا)؛ لأنه عوض كالأجرة والمهر.
فإن قيل: (حمل بعير) في الآية مجهول .. فالجواب: أنه كان عندهم معلومًا كالوسق، ولأن أحدًا لا يرغب في العمل مع جهالة العوض، بخلاف المردود فإنه لا تضر جهالته، فلو قال من رد أحد الآبقين فله كذا، فإذا رد أحدهما .. استحق.
قال: (فلو قال: من رده فله ثوب أو أرضيه .. فسد العقد وللراد أجرة مثله) كالإجارة الفاسدة، وكذلك لو جعل له خمرًا أو خنزيرًا، فلو جعل له مغصوبًا .. قال
стр. 2676
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الإمام: يحتمل قولين كالصداق:
أحدهما: أجرة المثل.
والثاني: قيمته، ويحتمل القطع بالأجرة، ورجحه في (البسيط).
ويستثنى من إطلاق المصنف: ما إذا جعل الإمام لمن دله على قلعة الكفار جعلاً؛ فإنه يجوز أن يكون مجهولاً للحاجة إليه كما سيأتي في آخر (السير).
ويستثنى: الحج بالنفقة مع جهالتها كما أطلقه في (الروضة) في بابه، لكن نص الشافعي فيها في (الأم) على البطلان، فعلى هذا: لا يستثنى، وسيأتي في تتمة الباب ما له تعلق بهذا.
فرع:
لو قال: من رد عبدي فله ثيابه أو سلبه .. قال المتولي: إن كانت معلومة أو وصفها بما يصيرها معلومة .. جاز، وإلا .. فيستحق أجرة المثل، وأقره الشيخان على ما إذا لم تكن معلومة ووصفت، وهو خلاف الصحيح؛ لأن الشيء المعلوم لا يقوم وصفه مقام رؤيته.
ولو قال: من رده فله نصفه أو ربعه .. صححه المتولي ومنعه السرخسي.
قال الرافعي: وهو قريب من استئجار المرضعة بجزء من الرضيع بعد الفطام، ولم يرتض في (الكفاية) هذا التشبيه، ورأى تنزيل الأول على حالة العلم به وبمكانه، والثاني على حالة الجهل بذلك.
стр. 2677
وَلَوْ قَالَ: مِنْ بَلَدِ كَذَا فَرَدَّهُ مِنْ أَقْرَبَ مِنْهُ .. فَلَهُ قِسْطُهُ مِنَ الْجُعْلِ. وَلَوِ اشْتَرَكَ اثْنَانِ فِي رَدِّهِ .. اشْتَرَكَا فِي الْجُعْلِ
ــ
قال: (ولو قال: من بلد كذا فرده من أقرب منه .. فله قسطه من الجعل) فمن رده من نصفها .. استحق النصف، أو الثلث .. فالثلث؛ لأن جميع الجعل في مقابلة العمل فبعضه في مقابلة بعضه، وهذا مفروض فيما إذا تساوت الطريق في السهولة والحزونة.
واحترز بقوله: (أقرب منه) عما إذا رده من أبعد منه .. فلا يستحق للزيادة شيئًا؛ لعدم الالتزام.
قال: (ولو اشترك اثنان في رده .. اشتركا في الجعل)؛ لحصول سبب الاستحقاق، ويقسم الجعل بينهما بالسوية وإن امتازا في العمل.
هذا إذا عمم النداء كمن رده فله كذا، أو قال لنفر: إن رددتموه فلكم كذا، وعلم منه أنه لا يزاد بزيادة الراد بخلاف ما لو قال: من دخل داري فأعطه درهمًا فدخلها جمع .. استحق كل واحد درهمًا؛ لأن كل واحد داخل، وليس كل واحد رادًا للعبد بل الجميع ردوه، فلذلك اشتركوا في الجعل على عدد الرؤوس؛ لأن العمل في أصله مجهول لا يوزع عليه، وقال الإمام: لا يبعد التوزيع على أجور أمثالهم؛ فإن الأجرة إنما تدفع إليهم عند تمام العمل، فإذا تم .. فقد انضبط ما صدر من كل منهم.
فروع:
قال لرجلين: إن رددتما عبديَّ فلكما كذا فرد أحدُهما أحدَهما .. لم يستحق إلا الربع، ولو قال: أول من يرد عبدي فله دينار فرده اثنان .. استحقاه.
وإذا كان لرجلين عبد لواحد ثلثه ولآخر ثلثاه فأبق، فجعلا لمن رده دينارًا .. قال القاضي حسين في (باب الشفعة): يحتمل وجهين: أصحهما: أنه بينهما أثلاثًا على قدر الملك.
стр. 2678
وَلَوِ الْتَزَمَ جُعْلاً لِمُعَيَّنٍ فَشَارَكَهُ غَيْرُهُ فِي الْعَمَلِ؛ إِنْ قَصَدَ إِعَانَتَهُ .. فَلَهُ كُلُّ الْجُعْلِ، وَإِنْ قَصَدَ الْعَمَلَ لِلْمَالِكِ .. فَلِلأَوَّلِ قِسْطُهُ، وَلاَ شَيْءَ لِلْمُشَارِكِ بِحَالٍ.
ــ
ولو قال لواحد: إن رددته فلك كذا، ولآخر إن رددته فلك كذا، ولثالث إن رددته فلك كذا فاشتركوا في الرد .. قال الشافعي: لكل واحد منهم ثلث ما جعل له اتفقت الأحوال أو اختلفت.
قال المسعودي: هذا إذا عمل كل واحد لنفسه، أما لو قال أحدهم: أعنت صاحبيَّ وعملت لهما .. فلا شيء له، ولكل منهما نصف ما شرط له.
ولو قال اثنان: عملنا لصاحبنا .. فلا شيء لهما وله جميع المشروط.
وقال الرافعي: قول الشافعي: (لكل واحد الثلث) تصريح بالتوزيع على الرؤوس، فلو رده اثنان منهم .. فلكل منهما نصف المشروط له.
وإن أعان الثلاثة رابع في الرد .. فلا شيء له، ثم إن قال: قصدت العمل للمالك .. فلكل واحد من الثلاثة ربع المشروط له، وإن قال: أعتنهم جميعًا .. فلكل واحد منهم ثلث المشروط له كما لو لم يكن معهم غيرهم.
وإن قال: أعنت فلانًا وفلانًا .. فلكل واحد منهما ربع المشروط له وثمنه، وللثالث ربع المشروط له.
قال: (ولو التزم جعلاً لمعين فشاركه غيره في العمل؛ إن قصد إعانته .. فله كل الجعل)؛ لأنه قد يحتاج إلى الاستعانة بغيره ولا شيء لذلك الغير على المعين إلا أن يلتزم له أجرة ويستعين به، فإذا شاركه اثنان وقصدا إعانته .. فله تمام الجعل، وإن قصد العمل للمالك .. فله الثلث، وإن قصد أحدهما إعانته والآخر العمل للمالك .. فله الثلثان، أو ثلاثة .. فله الربع.
قال: (وإن قصد العمل للمالك .. فللأول قسطه، ولا شيء للمشارك بحال)؛ لأن المالك لم يتلزم له شيئًا، ورأى الإمام أن التوزيع على العمل لا على القسط.
стр. 2679
وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا الْفَسْخُ قَبْلَ تَمَامِ الْعَمَلِ،
ــ
فائدة:
كثيرًا ما يسأل عن إمام مسجد يستنيب فيه .. أفتى ابن عبد السلام والمصنف بأنه لا يستحق معلوم الإمامة لا المستنيب؛ لعدم مباشرته، ولا النائب؛ لعدم ولايته.
واستنبط الشيخ من استعانة المجعول له: أن ذلك جائز، وأن المستنيب يستحق جميع المعلوم إذا قصد النائب إعانته، لكن يشترط أن يكون النائب مثل المستنيب أو خيرًا منه؛ لأنه إذا لم يكن بصفته .. لم يحصل الغرض به، والاستنابة في الإمامة تشبه التوكيل في المباحات، وفي معنى الإمامة: كل وظيفة تقبل الاستنابة كالتدريس، وهذا في القدر الذي لا يعجز عن مباشرته بنفسه، فإن عجز عن المباشرة .. فلا شك في جواز الاستنابة.
حادثة:
كان الشيخ فخر الدين ابن عساكر مدرسًا بالعذراوية، وهو أول من درس بها والتقوية والجاروخية، وهذه الثلاثة بدمشق، والمدرسة الصلاحية بالقدس، يقيم بهذه أشهرًا وبهذه أشهرًا في السنة، هذا مع علمه وورعه.
وقد سئل في هذا الزمان: عن رجل ولي تدريس مدرستين في بلدين متباعدين كحلب ودمشق .. فأفتى جماعة بجواز ذلك ويستنيب، منهم: قاضي القضاة بهاء الدين أبو البقاء السبكي، والشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الله البعلبكي، وشمس الدين الغزي، والشيخ عماد الدين الحسباني، ومن الحنفية والمالكية والحنابلة آخرون، ومنع ذلك طائفة وغيرهم وهو الأشبه؛ لأن غيبته في إحداهما لأجل الحضور في الأخرى ليست بعذر.
قال: (ولكل منهما الفسخ قبل تمام العمل)؛ لأنه عقد جائز من الطرفين كالقراض والشركة.
هذا إذا كان المجعول له معينًا؛ لأنه الذي يتصور منه الفسخ، فإن كان غير
стр. 2680
فَإِنْ فُسِخَ قَبُلَ الشُّرُوعِ أَوْ فَسَخَ الْعَامِلُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فَلاَ شَيْءَ لَهُ،
ــ
معين .. فلا يتصور فسخها من جهته في الابتداء بل بعد الشروع، فالتعبير بـ (الفسخ) المراد به: رفع العقد ورده.
قال: (فإن فسخ قبل الشروع أو فسخ العامل بعد الشروع .. فلا شيء له) أما في الأولى .. فلأنه لم يعمل شيئًا، ولم يحصل شيء من غرض المالك، وأما في الثانية .. فلأن الجعل يستحق بتمام العمل وهو فوت عمله باختياره، ولا فرق في ذلك بين أن يقع بعض العمل مسلمًا كما لو شرط الجعل في مقابلة تعليم القرآن أو بناء الحائط فعلم أو بنى بعضه، أو غير مسلم كرد الآبق، غير أنه يستثنى من إطلاق المصنف ما إذا زاد الجاعل في العمل ولم يرض العامل بها ففسخ لأجل ذلك .. فإنه يستحق أجرة المثل كما قاله الرافعي في آخر (باب المسابقة) في نظير المسألة.
فائدة:
تلخص أن الجعالة إذا وردت على بذل المنافع في تحصيل شيء .. فلها صورتان:
إحداهما: أن يكون الجعل على تحصيل شيء واحد كقوله: من خاط لي ثوابًا أو بنى لي حائطًا أو علمني سورة كذا فله كذا فخاط بعض الثوب أو بنى بعض الحائط أو أقرأه بعض السورة .. لا يستحق شيئًا؛ لأنه لم يحصل غرضه.
والثانية: أن يكون على تحصيل شيئين ينفك أحدهما عن الآخر كقوله: من رد عبديَّ فله كذا فرد أحدهما .. استحق نصف الجعل، وعلى هذا تتخرج غيبة الطالب عن الدرس بعض الأيام إذا قال الواقف: من حضر شهر كذا فله كذا فإن الأيام أشياء متفاضلة .. فيستحق بقسط ما حضر، ولذلك كان شيخ الإسلام الشيخ تقي الدين القشيري إذا بطل يومًا غير معهود البطالة في مدرسة .. لا يأخذ لذلك اليوم معلومًا، وسألت شيخنا رحمه الله تعالى عن ذلك مرتين فقال: إن كان الطالب في حال انقطاعه مشتغلاً بالعلم .. استحق، وإلا .. فلا.
стр. 2681
وَإِنْ فَسَخَ الْمَالِكُ بَعْدَ الشُّرُوعِ .. فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فِي الأَصَحِّ. وَلِلْمَالِكِ أَنْ يَزِيدَ وَيَنْقُصَ فِي الْجُعْلِ قَبْلَ الْفَرَاغِ، ......
ــ
قال: ولو حضر ولم يكن بصدد الاشتغال .. لم يستحق؛ لأن المقصود نفعه بالعلم لا مجرد حضوره، وكان يذهب إلى أن ذلك من باب الإرصاد كما تقدم نقله عنه في (باب الإجارة) عند قول المصنف: (ولا عبادة تجب لها نية).
قال: (وإن فسخ المالك بعد الشروع .. فعليه أجرة المثل في الأصح)؛ لئلا يحبط عمله بفسخ غيره، ولأنه استهلك منفعته بشرط العوض فلزمه أجرته كما لو فسخ المضاربة بعد الشروع في العمل.
والثاني: لا شيء للعامل كما لو فسخ بنفسه.
والثالث: أن العامل يتخير فإن فسخ .. استحق أجرة المثل، وإلا .. وجب له حصة ما عمل من المسمى.
ولك أن تقول: ما رجحوه هنا من استحقاق أجرة المثل مشكل بقولهم: إذا مات العامل أو المالك في أثناء العمل ينفسخ ويستحق القسط، وأي فرق بين الفسخ والانفساخ؟
ولو أعتق السيد العبد قبل الرد .. قال في (المطلب): يظهر أن لا رجوع عليه إذا رده بعد العتق وإن لم يعلم؛ لحصول الرجوع ضمنًا، وهو أقوى منه صريحًا، ولذلك ينعزل به الوكيل قطعًا.
قال: (وللمالك أن يزيد وينقص في الجعل قبل الفراغ) كما يجوز في البيع في زمن الخيار، فإذا قال: من رده فله عشرة، ثم قال: فله خمسة .. فالاعتبار بالأخير
стр. 2682
وَفَائِدَتُهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ: وُجُوبُ أُجْرَةِ الْمِثْلِ. وَلَوْ مَاتَ الآبِقُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ أَوْ هَرَبَ .. فَلاَ شَيْءَ لِلعَامِلِ،
ــ
بشرط الإعلان كما تقدم، وكذلك يجوز تغيير جنسه قبل الفراغ أيضًا، فإذا قال: من رده فله دينار، ثم قال: من رده فله عشرون درهمًا .. جاز واعتبر الأخير.
قال: (وفائدته بعد الشروع: وجوب أجرة المثل)؛ لأن النداء الأخير فسخ للأول، والفسخ في أثناء العمل يقتضي الرجوع إلى أجرة المثل.
وصورة المسألة: أن يسمع العامل النداء الأول والثاني، فلو سمع الثاني وحده .. استحقه قطعًا، أو الأول وحده .. فنقل الرافعي عن (الوسيط): يحتمل الرجوع إلى أجرة المثل وأقره، ـ لكنه ذكر قبله: أنه إذا عمل غير عالم بالفسخ .. لا يستحق شيئًا على الصحيح، والنداء الثاني لم يسمعه.
قال: (ولو مات الآبق في بعض الطريق أو هرب .. فلا شيء للعامل)؛ لأنه لم يرده والاستحقاق معلق برده.
وقوله: (بعض الطريق) مثال، فلو هرب أو مات بقرب دار مولاه .. كان الحكم كذلك وعليه اقتصر في (الروضة)، وفي معناه: تلف الثوب الذي عين للعمل في يد العامل قبل التسليم، ويخالف موت الأجير في الحج في أثناء العمل؛ فإنه يستحق قسط ما عمل في الأصح؛ لأن القصد بالحج الثواب وقد حصل للمحجوج عنه بعضه، والقصد هنا الرد ولم يوجد.
وما أطلقه من (الهرب) محله: إذا لم يسلمه إلى الحاكم، فلو لم يجد المالك وسلمه للحاكم فهرب .. استحق، ذكره ابن القطان في (فروعه)، قال: وكذا لو هرب السيد وسلمه للحاكم .. استحق جعله بلا خلاف، وإن لم يكن حاكم .. أشهد واستحق.
стр. 2683
وَإِذَا رَدَّهُ .. فَلَيْسَ لَهُ حَبْسُهُ لِقَبْضِ الْجُعْلِ. وَيُصَدَّقُ الْمَالِكُ إِنْ أَنْكَرَ شَرْطَ الْجُعْلِ أَوْ سَعْيَهُ فِي رَدِّهِ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْجُعْلِ .. تَحَالَفَا.
ــ
قال: (وإذا رده .. فليس له حبسه لقبض الجعل)؛ إذ الاستحقاق بالتسليم ولا حبس له قبله، وكذلك ليس له حبسه إذا أنفق عليه بإذن الإمام خلافًا لأبي حنيفة، ويحتمل أن يقال: له الرفع إلى الحاكم فيهما إذا خاف الفوت؛ ليلزم بالتسليم والتسلم.
قال: (ويصدق المالك إن أنكر شرط الجعل أو سعيه في رده)؛ لأن الأصل عدمهما وبراءة ذمته.
قال: (فإن اختلفنا في قدر الجعل .. تحالفا) كنظيره من الإجارة والقراض، وكذا إذا اختلفا في قدر العمل بأن قال: شرطت ألفًا على رد عبدين، فقال: بل على هذا فقط، وإذا تحالفا .. وجبت أجرة المثل.
تتمة:
صورة المسألة: أن يقع الاختلاف بعد فراغ العمل والتسليم الذي به الاستحقاق، فإن حصل قبل الشروع في العمل .. فلا تحالف؛ إذ لا استحقاق، وقد يختلفان قبل الفراغ في صورة يكون للعامل فيها قسط ما عمل من المسمى.
* ... * ... *
خاتمة
مما يتعلق بالباب وتدعو الحاجة إليه: إذا كان رجلان ببادية ونحوها، فمرض أحدهما وعجز عن المسير .. لزم الآخر المقام معه إلا أن يخاف على نفسه .. فله تركه، وإذا أقام .. فلا أجرة له، وإذا مات فأخذ الآخر ماله وأوصله إلى قريبه .. لا يكون مضمونًا.
وقال الرافعي: نفقة العبد والدابة مدة الرد لم أجدها مسطورة، وتعجب منه في
стр. 2684
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(الروضة) فقال: ذكره ابن كج وقال: إذا أنفق عليه .. كان متبرعًا وهو جار على القواعد. اهـ
وقد صرح به الماوردي والروياني، وقال الروياني: لا يجوز له ركوب الدابة المردودة، فإن ركبها فتلفت .. ضمنها؛ لأن يده على ما معه يد أمانة.
стр. 2685
كِتَابُ الفَرَائِضِ
ــ
كتاب الفرائض
هي جمع فريضة فعيلة من الفرض، وهو: القطع والتقدير، ويترجم أيضًا بالمواريث جمع ميراث.
وكان أهل الجاهلية يورثون الرجال دون النساء والكبار دون الصغار، ويجعلون حظ الزوجة أن ينفق عليها من مال الزوج سنة، ويورثون الأخ زوجة أخيه.
وكان في ابتداء الإسلام التوارث بالحلف والنصرة فيقول: دمي دمك ترثني وأرثك، ثم نسخ فتوارثوا بالإسلام والهجرة، ثم نسخ فكانت الوصية واجبة للوالدين والأقربين، ثم نسخ بآيتي المواريث: آية الشتاء التي في أول النساء، وآية الصيف التي في آخرها.
وورد في السنة أحاديث في الحث على تعليمها وتعلمها، ذكر في (المحرر) منها ثلاثة:
أولها: حديث: (تعلموا الفرائض وعلموها الناس؛ فإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة فلا يجدان من يقضي بينهما) رواه أحمد، وهو في (مستدرك الحاكم) عن ابن مسعود.
والثاني: حديث: (تعلموا الفرائض؛ فإنها من دينكم، وإنها نصف العلم، وإنها أول ما ينزع من أمتي) رواه بنحوه ابن ماجه.
الثالث: حديث: (إنها نصف العلم) رواه الحاكم والبيهقي وقال: (إنه ينسى وهو أول شيء ينزع من أمتي).
стр. 2686
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإنما قيل للفرائض نصف العلم؛ لأن للإنسان حالتين: حالة حياة وحالة ممات، والفرائض تتعلق بحال الوفاة وسائر العلوم تتعلق بحال الحياة، ويكون لفظ النصف عبارة عن القسم الواحد من القسمين وإن لم يتساويا، قال الشاعر:
إذا مت كان الناس نصفان شامت .... وآخر مثن بالذي كنت أصنع
وقيل: إن العلم يستفاد بالنص تارة وبالقياس أخرى، وعلم الفرائض مستفاد من النص.
قال الماوردي: وإنما حث النبي ﷺ على الفرائض؛ لأنهم كانوا قريبي العهد بغير هذا التوارث.
واستفتح في (الوسيط) الباب بحديث: (إن الله لم يكل قسمة مواريثكم إلى نبي مرسل ولا إلى ملك مقرب، ولكن تولاها بنفسه فقسمها أبين قسم) قال ابن الصلاح: إنه لم يثبت.
وقال عمر ﵁: (إذا تحدثتم .. فتحدثوا بالفرائض، وإذا لهوتم .. فالهوا بالرمي)
واشتهر من الصحابة بعلم الفرائض أربعة: علي وزيد وابن مسعود وابن عباس، ولم يتفق هؤلاء الأربعة في مسألة إلا وافقتهم الأمة، وما اختلفوا إلا وقعوا فرداى ثلاثة في جانب، وواحد في جانب أو كل واحد وحده.
واختار الشافعي مذهب زيد؛ لأنه أقرب إلى القياس، ولقوله ﷺ : (أفرضكم زيد) رواه ابن السكن في (سننه الصحاح).
стр. 2687
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وروى الحاكم: (أفرض أمتي زيد بن ثابت) وقال: على شرط الشيخين.
وعن القفال: أن زيدًا لم يهجر له قول، بل جميع أقواله معمول بها بخلاف غيره.
ومعنى اختياره لمذهبه: أنه نظر في أدلته .. فوجدها مستقيمة فعمل بها لا أنه قلده، وقال في (المطلب): إن الشافعي ﵁ قلده فيها.
عجيبة:
اجتمع في اسم زيد أصول الفرائض وغالب قواعدها، وذلك أن الزاي بسبعة وهي عدد الوارثات من النساء، وأصول المسائل سبعة، والياء بعشرة وهي عدد الوارثين من الرجال وأصناف ذوي الأرحام، والدال بأربعة عدد أسباب الميراث، ومن يرث ويورث، ولا يرث ولا يورث، ومن يورث ولا يرث وعكسه.
وجملة حروفه الثلاثة أحد وعشرون، وهو عدد أصحاب الفروض: النصف لخمسة والربع لاثنين والثمن لواحد والثلثان لأربعة والثلث لاثنين والسدس لسبعة، وضابطه: (هبادبز)، وموانع الإرث ثلاثة: والعصبات على ثلاثة أقسام، وصفة الإخوة والأعمام والأصول العائلة، والوارث قد يحجب حجب نقصان أو حرمان أو لا يحجب، والجد إذا كان معه ذو فرض مخير بين ثلاثة أشياء، والأب والجد يرثان بثلاث صفات.
وأيضًا الزاي حرف معجم من أعلاه بواحدة والياء من أسفله باثنتين والدال مهمل فهي تشبه الذكر والأنثى والخنثى المشكل.
ولفظ زيد يرجع إلى معنى الزيادة والفرائض راجعة إلى هذا المعنى.
وعلم الفرائض يحتاج إلى ثلاثة علوم: علم الفتوى وعلم الأنساب وعلم الحساب.
стр. 2688
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفي (سنن أبي داوود): عن عبد الله بن عمرو بن العاصي أنه قال: (العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة).
قال الخطابي: فيه حث على تعلم الفرائض وتحريض عليه وتقديم لعلمه.
والآية المحكمة: التي لم تنسخ، والسنة القائمة: الثابتة عن النبي ﷺ ، والفريضة العادلة: قيل: من العدل في القسمة، وقيل: إنها استنبطت من الكتاب والسنة فتكون تعدل ما نص عليه في الكتاب والسنة كمسألة زوج وأبوين.
روى عكرمة عن ابن عباس: أنه أرسل إلى زيد بن ثابت فسأله عن امرأة تركت زوجًا وأبوين فقال: (للزوج النصف وللأم ثلث ما بقي، فقال: تجده في كتاب الله أم تقوله برأي؟ قال: أقوله برأي، لا أفضل أمًا على أب) قال: فهذا من باب تعويل الفريضة إذا لم يكن فيها نص أن تعتبر بالمنصوص عليه وهو قوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِهِ الثُّلُثُ﴾ وكانَ هذا أعدل مما ذهب إليه ابن عباس من توفير الثلث على الأم وبخس الأب حقه برده إلى السدس، فترك قوله وصار عامة الفقهاء إلى قول زيد.
فائدة:
قال الحافظ أبو عمر وغيره: أول موروث في الإسلام عدي بن نضلة بن عبد العزى، هاجر هو وابنه النعمان بن عدي إلى أرض الحبشة فمات بها وورثه ولده هناك، فكان النعمان أول وارث في الإسلام، واستعمله عمر على ميسان ولم يستعمل من قومه غيره، وأراد امرأته على الخروج معه إلى ميسان فأبت فكتب إليها أبيات شعر وهي (من الطويل):
فمن مبلغ الحسناء أن حليلها .... بميسان يسقى في زجاج وحنتم
إذا شئت غنتني دهاقين قرية .... وصناجة تحدو على كل ميسم
стр. 2689
يُبْدَأُ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيْتِ بِمُؤْنَةِ تَجْهِيِزهِ،
ــ
إذا كنت ندماني فبالأكبر اسقني .... ولا تسقني بالأصغر المتثلم
لعل أمير المؤمنين يسوءُه .... تنادمنا في الجوسق المتهدم
فبلغ ذلك عمر ﵁ فكتب إليه:
(بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿حم تَنزِيلُ الكِتَابِ مِنَ الله العَزِيزِ العَلِيمِ غَافِرِ الذنبِ وقَابِلِ التوبِ شَدِيدِ العِقَابِ ذِى الطولِ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُو إِلَيهِ المصِيرُ﴾.
أما بعد: فقد بلغني قولك (من الطويل):
لعل أمير المؤمنين يسوءُه .... تنادمنا في الجوسق المتهدم
وايم الله! لقد ساءني) ثم عزله، فلما قدم عليه سأله فقال: ما كان من هذا شيء، وما كان إلا فضل شعر وجدته، وما شربتها قط، فقال عمر ﵁: (أظن ذلك، ولكن لا تعمل لي عملاً أبداً).
فنزل البصرة، ولم يزل يغزو مع المسلمين حتى مات، وشعره فصيح يستشهد أهل اللغة بقوله: (ندمان) في معنى (نديم).
قال: (يبدأ من تركة الميت بمؤنة تجهيزه) من كفن وحنوط وأجرة تغسيل وحفر وحمل وغير ذلك بالمعروف؛ لأنه يحتاج إليها كاحتياج المفلس إلى النفقة فتقدم نفقته قبل قسمة ماله، بل وصرح الماوردي في (باب الردة) بأن الموت مزيل للملك إلا عما لا يستغنى عنه من كفنه ومؤنة تجهيزه، وسيأتي وجه في (باب قطع السرقة): أن الكفن باق على ملك الميت.
والمراد بـ (التركة): ما يخلفه الميت، وهو أحسن من تعبير غيره بالمال؛ فإنه لو ترك خمرًا فتخللت أو نصب شبكة ووقع فيها بعد موته صيد .. روث أيضًا، وكذا الدية المأخوذة في قتله؛ بناء على الأصح في دخولها في ملكه قبيل الموت.
وكذلك يخرج من تركته مؤنة من تلزمه مؤنته كما نقله في زوائد (الروضة) في (باب الفلس) عن النص وكلام الأصحاب، وذلك على العرف في يساره وإعساره، ولا اعتبار بلباسه في حياته إسرافًا وتقتيرًا، فإن قصرت التركة عن تمام المؤنة .. أتمها من تلزمه إذا لم تكن تركة.
стр. 2690
ثُمَّ تُقْضَى دُيُونُهُ، ثُمَّ وَصَايَاهُ
ــ
ومن الدليل على تقديم مؤنة التجهيز: أن مصعب بن عمير توفي في زمان رسول الله ﷺ فكفن في نمرة له.
وقال ﷺ في المحرم الذي وقصته ناقته: (كفنوه في ثويبه) ولم يستفصل في الواقعتين: هل عليه دين أو لا؟
وشذ ابن حزم فقال: يقدم دين الله ثم دين الآدمي ثم مؤنة التجهيز.
لكن يستثنى من إطلاق المصنف: المرأة المزوجة؛ فإن مؤنة تجهيزها على الزوج وإن كانت موسرة كما تقدم في (الجنائز).
قال: (ثم تقضى ديونه)؛ لوجوبها عليه، والمراد: المتعلقة بذمته، سواء كانت لآدمي أو لله من زكاة أو كفارة أو حج أو نذر، أذن في ذلك أم لا.
قال: (ثم وصاياه)؛ لقوله تعالى: ﴿مِن بَعدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْن﴾.
وفي (المستدرك) و (الترمذي) عن علي ﵁: (إنكم تقرؤون هذه الآية، وإن رسول الله ﷺ قضى بالدين قبل الوصية).
وأجمع المسلمون على ذلك إلا ما نقل عن أبي ثور من تقديم الوصية على الدين، وتقدم في آخر (باب الرهن) أن للورثة إمساك التركة وقضاء الدين من مالهم، وتقدم في اجتماع دين الآدميين ودين الله تعالى كالزكاة والحج وغيرهما خلاف فليكن على البال هنا؛ لترتيب القضاء.
أما إذا اجتمع حج وزكاة .. فلا نقل في ذلك، والظاهر: أنه يقسم بينهما؛ إذ لا ترجيح لأحدهما على الآخر.
ومحل تنفيذ الوصية: إذا لم يكن الدين مستغرقًا، فإن استغرق .. لم تنفذ الوصية في شيء، لكن يحكم بانعقادها في الأصل حتى ينفذها لو تبرع متبرع بقضاء الدين أو
стр. 2691
مِنْ ثُلُثِ الْبَاقِي،
ــ
أبرأ المستحق، قاله الرافعي في (باب الوصية).
قال: (من ثلث الباقي) بالإجماع، أما الوصية .. ففي الآية مطلقة، ولكن قيدتها السُّنة بالثلث، وهو ما في (الصحيحين) وغيرهما من قوله ﷺ : (الثلث والثلث كثير).
وفي (سنن ابن ماجه) حديث (إن الله أعطاكم ثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة لكم في أعمالكم) فلا تجوز الزيادة على الثلث فيمن له وارث بلا إجازة، وكذا فيمن لا وارث له عند الجمهور.
وقال أبو حنيفة: يجوز فيمن لا وارث له أن يوصي بجميع ماله؛ لأثر فيه عن ابن مسعود.
تنبيه:
قد تشارك الوصية الدين أو تتقدم عليه في إقرار الوارث كما نقله الرافعي في بابه عن الأكثرين في رجلين ادعى أحدهما أن الميت أوصى له بثلث ماله، والآخر دينًا بألف، والتركة ألف وصدقهما الوارث معًا .. تقسم بينهما أرباعًا: ربع للوصية وثلاثة أرباعها للدين، ولو صدق مدعي الوصية أولاً .. قدمت على رأي، والأصح: تقديم الدين.
فرع:
أوصى ذمي بجميع ماله ومات ولا وارث له .. هل نقول: تصح وصيته بجميع ماله، أو لا؛ لأن أهل الفيء تعلق حقهم بها؟ قال الشيخ: (لم أر فيه نقلاً، والأقرب: الثاني) اهـ
والذي مال إليه الشيخ صرح به القاضي حسين في (تعليقه)؛ لأن لماله مصرفًا معلومًا فأشبه من له وارث معين.
стр. 2692
ثُمَّ يُقسَمُ الْبَاقِي بَيْنَ الوَرَثَةِ. قُلْتُ: فَإِنْ تعَلَّقَ بِعَيْنِ التَّرِكَةِ حَقٌ كَالزَّكَاةِ وَالْجَانِي وَالْمَرْهُونِ وَالْمَبِيعِ إِذَا مَاتَ الْمُشْتَرِي مُفْلِسًا .. قُدِّمَ عَلَى مُؤْنَةٍ تَجْهِيزِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ
ــ
وحكى المتولي وجهين فيمن له وارث حائز أوصى له بماله كله:
أصحهما: بطلان الوصية، وأنه يأخذ التركة بالإرث.
والثاني: يصح ويأخذ بالوصية.
قال: (ثم يقسم الباقي بين الورثة) أي: على فرائض الله تعالى، وهذا مجمع عليه، وكيفية القسمة ستأتي.
وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين .. استحب إعطاؤهم مقدارًا غير مقدر؛ لظاهر الآية، وقال ابن حزم: يجب ذلك.
وكما تورث الأموال .. تورث الحقوق اللازمة المتعلقة بالمال كحق الخيار والشفعة، بخلاف حق الرجوع في الهبة.
والأصح: أن الكلاب تقسم باعتبار قيمتها عند من يرى لها قيمة كما في نظائرها.
قال: (قلت: فإن تعلق بعين التركة حق كالزكاة والجاني والمرهون والمبيع إذا مات المشتري مفلسًا .. قدم على مؤنة تجهيزه والله أعلم)؛ تقديمًا لحق صاحب التعلق على حقه كما في الحياة.
وصورة الأولى: إذا وجب عليه شاة زكاة ومات قبل إخراجها وهي باقية .. فيقدم مقدار الزكاة على سائر الحقوق.
قال الشيخ: واستثناء الزكاة لا حاجة إليه؛ لأن النصاب إن كان باقيًا .. فالأصح: أنه تعلق شركة فلا يكون تركة فليس مما نحن فيه، وإن قلنا: تعلق جناية أو رهن .. فقد ذكر، وإن علقناها بالذمة فقط أو كان النصاب تالفًا، فإن قدمنا دين
стр. 2693
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الآدمي أو سوينا .. فلا استثناء، وإن قدمناها .. فتقدم على دين الآدمي لا على التجهيز؛ لما قدمناه، فظهر أنه لا حاجة إلى استثنائها، لكن الأستاذ أبو منصور استثناها واستثنى الشفيع والمردود بعيب.
وصورة الثانية: أن يجني العبد جناية توجب مالاً ثم يموت السيد .. فيخرج من التركة أقل الأمرين من أرش الجناية ومن قيمة العبد.
والثالثة: أن يرهن عبده بدين ثم يموت .. فيقدم حق المرتهن على سائر الحقوق.
والرابعة: أن يشتري شيئًا ولم يوف ثمنه ويموت مفلسًا ولم يتعلق به حق لازم كالكتابة مثلاً .. فللبائع الفسخ والتقديم بالمبيع على سائر الحقوق.
واقتضى إطلاقه: أنه لا فرق بين أن يحجر عليه بالفلس أو يموت معسرًا ولم يحجر عليه وهو كذلك، وبالثانية صرح الرافعي في (باب الفلس).
واحترز بقوله: (إذا مات مفلسًا) عما إذا مات موسرًا .. فلا يسترد المبيع وليس له بالفسخ.
تنبيهان:
أحدهما: الذي جزم به المصنف في هذه الصور هو المشهور، واستدركه في (تصحيح التنبيه) بالصواب.
وفي الجاني والمرهون وجه: أن مؤنة التجهيز تقدم عليهما، وحكى المصنف في (الزكاة) قولاً: أن الدين يقدم عليهما.
الثاني: أشار بقوله: (كالزكاة) إلى أن ذلك لا على سبيل حصرها وهو كذلك، فمن ذلك عامل القراض إذا مات المالك قبل القسمة .. فإن حقه يقدم على الكفن؛ لأنه متعلق بالعين.
ولو أصدقها عينًا ثم طلقها قبل الدخول وماتت وهي باقية .. فله نصفها.
ولو أتلف المالك مال القراض بعد الربح إلا قدر حصة العامل ومات ولم يترك غيره .. تعين للعامل كما جزم به ابن الفركاح في (تعليقه).
стр. 2694
وَأَسْبَابُ الإِرْثِ أَرْبَعَةٌ: قرَابَةٌ، وَنِكَاحٌ، وَوَلاَءٌ؛ فَيَرِثُ الْمُعْتِقُ الْعَتِيقَ
ــ
وإذا مات سيد المكاتب ولم يترك إلا قدرًا .. يجب إيتاؤه، والمعتدة عن الوفاة بالحمل سكناها تقدم على مؤنة التجهيز.
وإذا اقترض شيئًا وقبضه ثم مات المقترض ولم يخلف سواه .. فإن المقرض يقدم به.
والمردود بعيب وصورته: أن يكون باع سلعة قد ردها عليه المشتري بعيب .. فيقدم بثمنها من ردها عليه أو على ورثته، ونفقة الأمة المزوجة وإن كانت ملكًا للسيد إلا أن حقها يتعلق بها، كما أن كسب العبد ملك للسيد وتتعلق به نفقة زوجته.
وإذا أعطى الغاصب قيمة العبد أو غيره للحيلولة ثم قدر على العبد .. فإنه يرده ويرجع بما أعطاه، فإن كان المعطى تالفًا .. تعلق حقه بالعبد وقدم به كما نص عليه في (الأم).
ومنها: الشفيع وهو: أن يكون حق بعضهم شفعة في شقص اشتراه قبل موته .. فالشفيع أحق به إذا دفع ثمنه إلى ورثته، وألحق بعضهم ما إذا نذر شيئًا بذلك.
قال: (وأسباب الإرث أربعة) ضم إليها صاحب (التلخيص) خامسًا سماه: سبب النكاح، وهو: إذا طلق في مرض الموت وقلنا بالقديم: إنها ترث، وهذا سبب غير النكاح؛ لأن النكاح يورث به من الطرفين، وهي لو ماتت .. لم يرثها.
قال: (قرابة، ونكاح، وولاء) أما القرابة والنكاح .. فللآية، وأما الولاء .. فلما سيأتي في بابه من قوله ﷺ : (الولاء لحمة كلحمة النسب) صححه ابن حبان والحاكم.
والمراد بـ (القرابة): الخاصة غير ذي الرحم، ويورث بها فرضًا وتعصيبًا، والنكاح لا يورث به إلا فرضًا، والولاء لا يورث به إلا تعصيبًا.
قال: (فيرث المعتق العتيق)؛ لأنه ﷺ ورث بنت حمزة مولى لها كما سيأتي في بابه أيضًا، وهذا الحكم أجمعوا عليه وكفى بالإجماع حجة.
стр. 2695
وَلاَ عَكْسَ، وَالرَّابعُ: الإِسْلاَمُ؛
ــ
ولا فرق بين أن يكون الإعتاق تطوعًا أو عن نذر أو كفارة أو كتابة أو بملك قرابة أو باعه نفسه، وقال القاضي أبو الطيب: إذا اشترى قريبه في مرض الموت .. عتق عليه ولا يرث.
قال: (ولا عكس) أي: لا يرث العتيق المعتق وهذا مجمع عليه إلا ما نقل عن الحسن بن زياد، ولما روى الترمذي والطبراني في (الكبير) من حديث عمرو بن دينار عن عكرمة وعوسجة عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ ورثه منه).
والجواب: أن البخاري قال: لا يصح حديث عوسجة عن ابن عباس، وعلى تقدير صحته أجيب بأنه أعطاه مصلحة لا ميراثًا، وقد قال الترمذي: العمل عند أهل العلم على أن من مات ولا عصبة له .. يجعل ميراثه في بيت مال المسلمين.
تنبيه:
لا يخفى أن المراد بقوله: (ولا عكس) حيث يتمحض كون العكس عتيقًا، وإلا .. فقد يتصور الإرث بالولاء من الطرفين في مسألتين:
إذا أعتق الذمي ذميًا ثم التحق السيد بدار الحرب فاسترقه عتيقه وأعتقه .. فكل منهما عتيق الآخر ومعتقه.
وإذا أعتق شخص عبدًا فاشترى العتيق أبا معتقه وأعتقه .. ثبت لكل منهما الولاء على الآخر، السيد بالمباشرة والعتيق بالسراية، فهذان شخصان لكل منهما الولاء على الآخر.
قال: (والرابع: الإسلام) أشار إلى أن جهة الإسلام هي الوارثة لا المسلمون،
стр. 2696
فَتُصْرَفُ التَّرِكَةُ لِبَيْتِ الْمَالِ إِرْثًا إِذَا لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ بِالأَسْبَابِ الثَّلاَثَةِ
ــ
بدليل ما لو وصى بثلثه للمسلمين .. فإنه يصح، ولو كان المسلمون الورثة .. لم تصح الوصية، فلما صحت .. دل على أن الوارث الجهة فجعلوا الإسلام كالنسب، وجعلوه بطريق العصوبة؛ لأنهم يعقلون عنه فكان الميراث في مقابلة العقل.
وأرشد إلى هذا قوله ﷺ : (أنا وارث من لا وارث له، أعقل عنه وأرثه) رواه أبو داوود والترمذي والنسائي وصححه ابن حبان، وهو ﷺ لم يرث لنفسه وإنما يصرفه في مصالح المسلمين، وإنما أفرده عما قبله؛ لأن جهته عامة، بخلاف الثلاثة الأول .. فإنها خاصة.
قال: (فتصرف التركة لبيت المال) هذا مجمع عليه عند فقد الوارث الخاص.
قال: (إرثًا) فعندنا لأجل عصوبة الإسلام، وعند أبي حنيفة لأخوة الدين.
وفي قول أو وجه: إن ذلك ينتقل إلى بيت المال على جهة المصلحة؛ إذ لا يخلو عن ابن عم وإن بعد فألحق بالمال الضائع، والقائل بهذا لا يجعل الإسلام سببًا في الإرث، بل أسباب الإرث عنده ثلاثة فقط.
فعلى الصحيح: لا يجوز صرفه إلى المكاتبين والكفار، ولا إلى القاتل على الأصح، ويجوز صرفه إلى من أوصي له بشيء على الأصح، وهذا يدل على أن الوارث عموم الجهة لا خصوص المسلمين.
ولا خلاف أنه يجوز تخصيص طائفة من المسلمين به، ويجوز صرفه إلى من ولد بعد موته أو كان رقيقًا فعتق، وأنه يجوز أن يسوي بين الذكر والأنثى إذا تساوت حاجتهما.
قال: (إذا لم يكن وارث بالأسباب الثلاثة) هذا ليس بقيد، فلو كان ولم يستغرق .. فالباقي لبيت المال أيضًا.
هذا في المسلم، أما الذمي إذا مات لا عن وارث .. فينتقل ماله لبيت المال فيئًا، ونص في (الأم) على أنه لا يرثه الكفار بالجهة العامة؛ لأنهم لا يعقلون عنه فلما تعذر إرثهم .. صار هذا مالاً لا مالك له، والمسلمون لا يرثونه؛ لأن المسلم لا يرث الكافر فرجع إلى المسلمين فيئًا كسائر ما يؤخذ من الكفار بغير قتال.
стр. 2697
وَالْمُجْمَعُ عَلَى تَوْرِيثِهِمْ مِنَ الرِّجَالِ عَشَرَةٌ: الاِبْنُ وَابْنُهُ وَإِنْ سَفَلَ، وَالأَبُ وَأَبُوهُ وَإِنْ عَلاَ، وَالأَخُ وَابْنُهُ إِلاَّ مِنَ الأُمِّ، وَالْعَمُّ
ــ
قال: (والمجتمع على توريثهم من الرجال عشرة) هذا بطريق الاختصار، وهم خمسة عشر إذا بسطوا، والعجب أن صاحب (التنبيه) ذكر فيه الطريقة المبسوطة في الرجال والنساء، وفي (المهذب) طريقة الاختصار.
والألف واللام في (الرجال) للجنس؛ ليشمل الأطفال، ولو عبر بالذكور .. كان أحسن.
وأورد على حصره عصبات المعتق ومعتق المعتق؛ فإن اسم المعتق لا يشمل ذلك.
والجواب: أن المراد بالمعتق: من صدر منه الإعتاق أو ورث به.
قال: (الابن وابنه وإن سفل، والأب وأبوه وإن علا) لا خلاف في ذلك مع اختلافهم في إطلاق الابن على ابن الابن.
ولفظة (سفل) ضبطها المصنف - تبعًا لابن سيده وغيره - بفتح الفاء وضمها والفتح أشهر، ومنعاها: نزل عن ابن الابن، والفقهاء شبهوا عمود النسب بالشيء المدلى من علو، فأصل كل إنسان أعلى منه، وفرعه أسفل منه وإن كان مقتضى تشبيهه بالشجرة أن يكون أصله أسفل منه وفرعه أعلى.
قال: (والأخ)؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانُوا إِخوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثلُ حَظِ الأُنَثَيينِ﴾.
قال: (وابنه إلا من الأم) فابن الأخ الشقيق وابن الاخ للأب بالإجماع؛ لأنهم في معنى آبائهم كما أن بني الابن في معنى الابن.
قال: (والعم)؛ للإجماع، ولحديث ابنتي سعد بن الربيع: أن أمهما أتت بهما إلى رسول الله ﷺ فقالت: هاتان بنتا سعد بن الربيع قتل معك يوم أحد، وقد أخذ عمهما مالهما فلم يدع لهما مالاً فما ترى يا رسول الله؟ فوالله! لا تنكحان أبدًا إلا ولهما مال، فقال: (يقضي الله في ذلك) قال: فنزلت سورة النساء: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَولَادِكُم﴾ فقال: (ادعوا لي المرأة وصاحبها) فقال
стр. 2698
إِلاَّ لِلأُمِّ، وَكَذَا ابنُهُ، وَالزَّوْجُ، وَالْمُعْتِقُ. وَمِنَ النِّسَاءِ سَبْعٌ: الْبِنْتُ، وَبِنْتُ الاِبْنِ وَإِنْ سَفَلَ، وَالأُمُّ وَالْجَدَّةُ وَالأُخْتُ
ــ
لعمهما: (أعطهما الثلثين وأعط أمهما الثمن وما بقي فلك) ولأن العم أخو الأب فأشبه أخا الميت بجامع النسب القوي القريب.
قال: (إلا للأم)؛ فإنه من ذوي الأرحام.
قال: (وكذا ابنه) أي: ابن العم الشقيق يرث، وابن العم للأب كذلك، وابن العم للأم لا يرث كأبيه.
قال: (والزوج)؛ لقوله: ﴿وَلَكُم نِصفُ مَاتَرَكَ أَزْوَجُكُم﴾ الآية.
قال: (والمعتق)؛ للإجماع، والمراد: من صدر منه الإعتاق أو ورث به كما تقدم.
قال: (ومن النساء سبع) أي: المجمع على توريثهم من النساء سبع، والألف واللام فيه - كما قلنا - للجنس؛ لينطلق على الكبار والصغار، إذ هو حقيقة في الكبار مجاز في الصغار بمعنى أنهن سيصرن نساء، ولو قال من الإناث .. كان أولى.
قال: (البنت)؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَت وَاحِدَةً فَلَهَا النِصفُ﴾.
قال: (وبنت الابن)؛ لأنها في معنى البنت كما أن ابن الابن في معنى الابن.
قال: (وإن سفل) الضمير يعود على الابن؛ أي: ابن الابن، وهكذا عبر في (الروضة) وهو الصواب، ولا يصح أن يقال: سفلت بالتاء كما في (المحرر) و (الشرحين)؛ لئلا تدخل بنت بنت الابن.
قال: (والأم)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيهِ لِكُلِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾.
قال: (والجدة)؛ لأنها أم أو في معنى الأم، والمقصود هنا: أنها وارثة في الجملة وهو مجمع عليه.
قال: (والأخت)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أُختٌ فَلَهَا نِصفُ مَا تَرَكَ﴾، ولقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَخُ أَوْ أُختٌ فَلِكُلِ وَاحِدٍ مِنهُمَا السُّدُسُ﴾.
стр. 2699
وَالزَّوْجَةُ وَالْمُعْتِقَةُ. فَلَوِ اجْتَمَعَ كُلُّ الرِّجَالِ .. وَرِثَ الأَبُ والاِبْنُ وَالزَّوْجُ فَقَطْ، أَوِ النِّسَاءِ .. فَالْبِنْتُ وَبِنْتُ الاِبْنِ وَالأُمُّ وَالأُخْتُ لِلأبَوَيْنِ وَالزَّوْجَةُ، أَوِ الَّذِينَ يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُمْ مِنَ الصِّنْفَيْنِ .. فَالأَبَوانِ وَالاِبْنُ وَالْبِنْتُ وَأَحَدُ الزَّوْجَيْنِ
ــ
قال: (والزوجة)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُم﴾، والأفصح فيها حذف الهاء، لكن يتعين هنا استعمال اللغة القليلة؛ ليحصل الفرق بين الزوجين، واستدل لهذه اللغة بقول الفرزدق (من الطويل):
وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي .... كساع إلى أسد الشرا يستبيلها
ويقول عمار بن ياسر في عائشة ﵄: (والله! إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة ولكن الله ابتلاكم) ذكره البخاري.
واختار هذه اللغة الكسائي.
و (الشرا): طريق في سلمى كثير الأسد، و (يستبيلها) يأخذ بولها في يده، وقيل: يأخذ أولادها وهو حسن.
قال: (والمعتقة) كما تقدم في المعتق.
والأصل في الذكور العصوبة إلا ما أخرجه الدليل، وفي الإناث الفرض إلا ما أخرجه الدليل.
قال: (فلو اجتمع كل الرجال .. ورث الأب والابن والزوج فقط)؛ لأنهم لا يحجبون، ولفظة (كل) من زيادة (المنهاج) وهي حسنة، وتصح المسألة من اثني عشر: للأب السدس سهمان، وللزوج الربع ثلاثة، والباقي للابن.
قال: (أو النساء .. فالبنت وبنت الابن والأم والأخت للأبوين والزوجة)؛ لأن من عداهم محجوب، وأصلها من أربعة وعشرين: للزوجة الثمن ثلاثة، وللأم السدس أربعة، وللبنت النصف اثنا عشر، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين أربعة، وللأخت الباقي وهو سهم واحد.
قال: (أو الذين يمكن اجتماعهم من الصنفين .. فالأبوان والابن والبنت وأحد الزوجين)؛ لأن الإرث ينحصر في الخمسة ومن عداهم محجوب بهم، فأصل
стр. 2700
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المسألة من أربعة وعشرين: للزوجة الثمن وللأب السدس وللأم السدس والباقي بين الابن والبنت، ولا ثلث للباقي وهو ثلاثة عشر فتضرب ثلاثة في أربعة وعشرين تبلغ اثنين وسبعين، فمن كان له شيء من أصل المسألة .. أخذه مضروبًا فيما ضربت فيه.
الحالة الثانية: أن يكون الميت امرأة، فأصلها من اثني عشر للأبوين السدسان أربعة، وللزوج الربع ثلاثة، والباقي وهو خمسة بين الابن والبنت أثلاثًا، ولا ينقسم عليهم فتضرب ثلاثة في اثني عشر تبلغ ستة وثلاثين ومنها تصح.
تنبيه:
أشار بقوله: (يمكن اجتماعهم) إلى استحالة اجتماع الصنفين؛ لأن الزوج والزوجة لا يجتمعان في فريضة واحدة، كذا قاله الأصحاب، ويمكن أن يتصور ذلك في الخنثى إذا أقام رجل بينة على ميت مكفن أنه امرأته وهؤلاء أولاده منها، وأقامت امرأة بينة أنه زوجها وأولادها منه، فكشف عنه فإذا هو خنثى .. ففي (طبقات العبادي) و (أدب القضاء) للهروي أن الشافعي ﵁ قال: يقسم المال بنيهما.
وقال الأستاذ أبو طاهر: بينة الرجل أولى؛ لأن الولادة صحت من طريق المشاهدة، والإلحاق بالأب أمر حكمي والمشاهدة أقوى، فعلى النص: ما لا يختلف كنصيب الأبوين واضح، وما يختلف كالزوجين يدفع للزوج نصيب الزوجة؛ لأنها لا تنازعه فيه، والقدر المتنازع فيه يقسم، وكذا الأولاد الذكور والإناث من الجهتين، فأما إذا فرعنا على إبطالهما أو الترجيح .. فلا يقسم، وحينئذ ترجح مقالة الأستاذ.
قاعدة:
كل من يورث يرث إلا الجنين في غرته والمبعض على الأظهر، والمعتَق يورث ولا يرث أيضًا، والعمة يرثها ابن أخيها وهي لا ترثه، والجدة ترث أولاد بنتها وهم
следующие страницы →