Полный текст (5 377 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.
стр. 2801
وَإِنْ أَوْصَى لَدَابَّةٍ وَقَصَدَ تَمْلِيكَهَا أَوْ أَطْلَقَ .. فَبَاطِلَةٌ، وَإِنْ قَالَ: لِيُصْرَفَ فِي عَلْفِهَا .. فَالْمَنْقُولُ: صِحَّتُهَا
ــ
وإن كان بينهما مهايأة .. انبنى على الخلاف في الأكساب النادرة، والأصح: أنها تدخل فلا تفتقر إلى إذن السيد، ثم الموصى به لمن وقع الإيصاء والموت والقبول في نوبته، فلو وقع بعضها في هذه وبعضها في هذه .. فطريقان.
أحدهما: أن الاعتبار بيوم الوصية، وأصحهما: أنه لا اعتبار به بل ينبني على أن الملك في الوصية بم يحصل.
فرع:
وصى للرقاب .. دفع للمكاتبين؛ لأنه المفهوم من عرف الشرع، فلو لم يكن في الدنيا مكاتب .. فالمنقول عن الشافعي: أنه يوقف الثلث؛ لجواز أن يكاتب عبد بعد ذلك، وفي (البحر) احتمال في بطلان الوصية.
قال: (وإن أوصى لدابة وقصد تمليكها أو أطلق .. فباطلة)؛ لأنها لا تقبل الملك، وفرقوا بينه وبين الوصية المطلقة للعبد؛ بأن العبد يخاطب ويتأتى منه القبول، وربما عتق قبل موت الموصي فيثبت له الملك، بخلاف الدابة، لكن قد تقدم في الوقف المطلق عليها وجهان في كونه وقفًا على مالكها.
قال الرافعي: فيشبه أن تكون الوصية على ذلك الخلاف، وحكاه ابن يونس عن جده.
وقد يفرق؛ بأن الوصية تمليك محض، فينبغي أن يضاف إلى من يملك.
قال في (الروضة): والفرق أصح، وضعفه ابن الرفعة؛ بأن الوقف وإن لم يكن فيه تمليك الرقبة .. فهو ينقل المنفعة، ورده الشيخ؛ بأن المنفعة تابعة للعين وإنما يملكها عند التناول.
قال: (وإن قال: ليصرف في علفها .. فالمنقول: صحتها)؛ لأن علفها على مالكها فهو المقصود بهذه الوصية، فإذا ردها .. ارتدت، وعبارة (المحرر): الظاهر: صحتها.
стр. 2802
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال في (الدقائق): ليس مقصوده نقل خلاف في صحتها بل أشار إلى احتمال خلاف، ثم أصح الوجهين: اشتراط قبول المالك.
والثاني: لا، واختاره الشيخ أبو زيد والقفال، وتجعل هذه للدابة؛ ففي الحديث الصحيح: (في كل كبد حرى أجر).
قال الرافعي: وحينئذ لا يتجه فرق بين البهائم المملوكة والوحوش والصيود المباحة، وهذا يعترض بما تقدم في (الوقف) عن صاحب (التتمة): أنه لو وقف على علف الطيور المباحة .. لم يصح بلا خلاف، وأن موضع الخلاف: ما إذا كانت البهيمة مملوكة.
ثم الأصح: أنه يتعين الصرف في العلف، ونظيره: ما إذا أعطى إنسانًا حافيًا درهمًا يشترى به نعلًا.
وعلى هذا: يصرفه عليها الوصي، فإن لم يكن وصي .. فالقاضي أو نائبه، ولا يسلم إلى مالكها، وعلى مقابله يسلم إليه، ولا يلزمه إنفاقه عليها.
فلو انتقلت الدابة إلى مالك آخر .. قال الرافعي: فقياس كونها للدابة: الاستمرار لها، وقياس كونها للمالك: أن تكون للمنتقل عنه.
قال المصنف: بل القياس: أنها للمنتقل إليه كالوصية للعبد، وصحح ابن الرافعة قول الرافعي.
قال الشيخ: وهو الحق إن انتقلت بعد استقرارها بالقبول أو بالموت إن قيل به، وإن انتقلت قبل الموت .. فالحق قول المصنف، وهو قياس العبد في التقديرين.
ولو ماتت قبل البيان .. روجع وارثه، فإن قال: قصد تمليك الدابة .. بطلت إن صدقه المالك أو كذبه أو حلف الوارث، وإن قال: قصد الصرف في مصالحها .. صحت، وإن قال: لا أعلم نيته .. حلف على نفي العلم وبطلت، كما لو قال الموصي: لم تكن له نية.
стр. 2803
وَتَصِحُّ لِعِمَارَةِ مَسْجِدٍ، وَكَذَا إِنْ أَطْلَقَ فِي الأَصَحِّ وَيُحْمَلُ عَلَى عِمَارَتِهِ وَمَصَالِحِهِ، وَلِذِمِّيٍّ،
ــ
وضبط المصنف (علفها) بإسكان اللام وفتحها، وهم صحيحان.
قال: (وتصح لعمارة مسجد) وكذا لمصالحه، وهذا لا خلاف فيه، وكذلك لعمارة الكعبة؛ لأنها قرية مقصودة، وفي معناها: المدارس والربط والخوانق والخانات المسبلة ونحوها، سواء من المسلم والذمي.
وفي احتمال للبغوي: أنها لا تصح من الذمي؛ لأنه لا يعتقدها قربة.
وصورة المسألة: أن يوصي لمسجد موجود، فإن وصى لمسجد سيبنى .. لم تصح قطعًا.
قال: (وكذا إن أطلق في الأصح ويحمل على عمارته ومصالحه)؛ عملًا بالعرف، ويصرف إلى الأهم والأصلح بالاجتهاد.
والثاني: تبطل كالوصية للدابة، فإن قال: أردت تمليك المسجد .. فنقل الرافعي عن بعضهم: أنها لا غية، ثم قال: ولك أن تقول: سبق أن للمسجد ملكًا وعليه وقفًا وذلك يقتضي صحة الوقف، قال المصنف: وهو أفقه وأرجح.
قال: (ولذمي) بلا خلاف كما يجوز التصدق عليه، وروى البيهقي [٦/ ٢٨١] عن صفية زوج النبي ﷺ : (أنها قالت لأخ لها يهودي: أسلم .. ترثني، فأبى أن يسلم، فأوصت له بالثلث وكانت باعت حجرتها من معاوية بمئة ألف، فجاءت تركتها مئة ألف قيمة الأرض، فأبوا أن يعطوه حتى علمت عائشة ﵂، فأرسلت إليهم: اتقوا الله وأعطوه وصيته، فأخذ ثلثها وهو ثلاثة وثلاثون ألفًا ونيف).
وقيل: إن الوصية كانت لابن أخيها، وهو يهودي أيضًا.
وعن محمد بن الحنفية وعطاء وقتادة في قوله تعالى: ﴿إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا﴾: هو وصية المسلم للقريب الذمي.
ولا يخفى أن محل الصحة بما يجوز له تملكه، فلا تصح بالمصحف والعبد المسلم على النص.
стр. 2804
وَكَذَا حَرْبِيٌّ وَمُرْتَدٌ فِي الأَصَحِّ، وَلِقَاتِلٍ فِي الأَظْهَرِ،
ــ
قال: (وكذا حربي ومرتد في الأصح) كالهبة لهما والصدقة عليهما.
والثاني: المنع، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنا أمرنا بقتلهما فلا معنى للوصية لهما.
واستدل له المتولي بقوله تعالى: ﴿ولا ينهكم الله عن الذين لم يقتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من ديركم أن تبروهم﴾، فاقتضت الآية: أن الذين قاتلونا لا يجوز لنا أن نبرهم، ولا فرق في الحربي الموصى له بين أن يكون دخل إلينا بأمان أو كان في دار الحرب.
ولفظة (المرتد) من زيادة الكتاب.
ومحل الخلاف في الحربي: إذا أوصى له بغير السلاح، فإن أوصي له به .. فهو كبيعه.
وظاهر عبارته: استواؤهما في الخلاف، وبعضهم جعل المرتد أولى بالصحة، وبعضهم جعله أولى بالمنع، وكأن صورتها: ما إذا أوصى لشخص وهو حربي أو مرتد.
ولو أوصى لمن يرتد .. فهي باطلة قطعًا، وقياسه لو أوصى لمن يحارب: عدم الصحة، وهو كذلك، أو لمسلم فارتد: تصح قطعًا.
والأصح: أنه لا يصح الوقف على الحربي والمرتد.
وفرقوا بين الوقف والوصية؛ بأن الوقف صدقة جارية فاعتبر فيها الدوام، وبأن معنى التمليك في الوصية أظهر منه في الوقف فألحقت الوصية بسائر التمليكات.
واعترض ابن الرفعة على الأول؛ بأنه يقتضي: أن لا يصح الوقف على الزاني المحصن، ولم نر من قال به.
قال: (ولقاتل في الأظهر)؛ لأنها تمليك بإيجاب وقبول فأشبهت الهبة والبيع، وبهذا قال مالك وأحمد في إحدى الروايتين.
والثاني: أنها باطلة، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه استحقاق ثبت بالموت فيمتنع بالقتل كالميراث، ولما روى الدارقطني [٤/ ٢٣٦] والبيهقي [٦/ ٢٨١] عن علي رضي الله
стр. 2805
وِلِوَارِثٍ فِي الأَظْهَرِ إِنْ أَجَازَ بَاقِي الْوَرَثَةِ،
ــ
عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ليس لقاتل وصية) لكنه حديث باطل منكر، والقياس المذكور منتقض بأم الولد إذا قتلت سيدها؛ فإنها تعتق.
والثالث: إن وصى لشخص فقتله .. بطلت لاستعجاله كالوارث، وإن جرحه ثم أوصى له .. صحت.
وفي وجه آخر: أنها تصح للقاتل بحق دون غيره، ولا فرق على القولين بين العمد والخطأ بحق أو غيره.
ومحل الخلاف: إذا أوصى للقاتل الحر، فإن أوصى للقاتل الرقيق .. فإنها تصح قطعًا، قال ابن يونس وشارح (التعجيز) وابن الرفعة.
ولا حاجة إلى هذا، فإن الوصية لسيده وليس قاتلا، فلهذا صحت قطعًا.
ولا خلاف أنه لو أوصى لمن يقتله .. أن الوصية باطلة؛ لكونها معصية.
ولو أوصى لقاتل زيد، فإن كان بعد قتله .. صح ويكون ذكر القتل للتعريف، وإن كان قبل قتله .. فلا؛ لأن فيه إغراء، اللهم إلا أن يكون القتل بحق فتظهر الصحة.
ولو قتل رب الدين المؤجل المديون .. حل، أو قتلت أم الولد سيدها .. عتقت قطعًا.
ولو قتل المدبر سيده .. فطريقان:
أحدهما: أن ينبني على أن التدبير وصية أو تعليق عتق، إن قلنا: وصية .. فهو على الأقوال، وإن قلنا: تعليق عتق .. عتق.
وثانيهما: إن صححنا الوصية للقاتل .. عتق، وإلا .. فلا.
قال: (ولوارث في الأظهر إن أجاز باقي الورثة) أي: المطلقين التصرف، سواء كانت الوصية بالثلث أو دونه كما في الوصية للأجنبي بالزائد على الثلث، ففي (البيهقي) [٦/ ٢٨٤]: أن النبي ﷺ قال: (لا وصية لوارث إلا أن يجيز الورثة) قال الذهبي: إنه صالح الإسناد.
стр. 2806
وَلَا عِبْرَةَ بِرَدِّهِمْ وَإِجَازَتِهِمْ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي،
ــ
وقال الشافعي ﵁: لم يختلف أهل العلم: أن النبي ﷺ قال عام الفتح: (لا وصية لوارث) ووجدتهم مجمعين عليه.
والثاني: أنها باطلة وإن أجاز الوارث، واختاره المزني؛ لما روى أبو داوود [٣٥٦٠] والترمذي [٢١٢٠] وابن ماجه [٢٧١٤] عن أبي أمامة: أن النبي ﷺ قال: (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث).
وفي رواية: (لا تجوز وصية لوارث)، وهو أصرح من الأول.
والمشهور: أنه لا فرق في الوصية للوارث بين الثلث وما زاد.
وفي (رفع التمويه) لابن يونس: أن من أصحابنا من قال: القولان محلهما إذا جاوز الثلث، أما إذا لم يجاوزه .. فيصح قولًا واحدًا كما في الأجنبي، وهذا شاذ لا يعول عليه.
وإذا قلنا بالصحة .. فهي موقوفة على الإجازة.
وهل هي تنفيذ أو ابتداء عطية؟ قولان هنا وفي الوصية للأجنبي بالزائد على الثلث: أصحهما: أنها تنفيذ كما سيأتي، وللقولين فروع تأتي في الزيادة على الثلث.
ثم المراد بـ (الوارث): الخاص، فلو مات من غير وارث خاص .. فوصيته بالثلث صحيحة، وبما زاد عليه باطلة.
وأغرب القاضي حسين فحكى: أن وصية من لا وارث له خاص لا تصح لآحاد المسلمين؛ بناء على أن ماله يكون موروثًا للمسلمين وأن الوصية للوارث باطلة.
ولو كان في الورثة صغير أو مجنون أو محجور عليه بسفه .. لم تصح منه الإجازة، ولا من الحاكم عليه، ولا من وليه؛ لما في ذلك من تضييع حقه.
والحيلة في الوصية للوارث أن يقول: أوصيت لزيد بألف إن تبرع لولدي بألف مثلًا؛ فإنه يصح، وإذا قبل .. لزمه دفعها إليه.
قال: (ولا عبرة بردهم وإجازتهم في حياة الموصي)؛ لأنه لا يتحقق استحقاقهم قبل الموت؛ لجواز أن يشفى المريض، ولا بد من معرفة الوارث قدر الزائد على الثلث وقدر التركة، فإن جهل أحدهما .. لم تصح إن قلنا: ابتداء عطية، وإن قلنا:
стр. 2807
وَالْعِبْرَةُ بِكَوْنِهِ وَارِثًا بِيَوْم الْمَوْتِ .. وَالْوَصِيَّةُ لِكُلِّ وَارِثٍ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ لَغْوٌ، وَبِعَيْنٍ هِيَ قَدْرُ حِصَّتِهِ صَحِيحَةٌ وَتفْتَقِرُ إِلَى الإِجَازَةِ فِي الأَصَحِّ. وَتَصِحُّ بِالْحَمْلِ
ــ
تنفيذ .. فالأظهر: البطلان كالإبراء عن المجهول.
قال: (والعبرة بكونه وارثًا بيوم الموت)؛ لجواز أن يموت المريض قبله أو يموت قبل المريض فلا يكون وارثًا، فلو أوصى لأخيه وله ابن فمات الابن ثم الموصي .. فهو وصية لوارث، ولو لم يكن له ابن فحدث بعد الوصية الأخ .. فهي لغير الوارث.
قال: (والوصية لكل وارث بقدر حصته) أي: مشاعًا (لغو)؛ لأنهم مستحقون لها وإن لم يوص، وخرج الرافعي فيه وجهًا: أنه يصح.
قال: (وبعين هي قدر حصته صحيحة ونفتقر إلى الإجازة في الأصح)؛ لاختلاف الغرض في الأعيان ومنافعها، ومن ثم لم يجز إبدال مال الغير بمثله، وهكذا لو أوصى أن تباع عين من ماله لزيد .. صحت الوصية على الأصح.
والثاني: لا تفتقر إليها؛ لأن حقوقهم في قيمة التركة لا في عينها؛ لأن المريض لو باع التركة بقيمة مثلها .. صح.
ويجرى الخلاف فيما لو أوصى بأن تباع عين من ماله من إنسان بعينه بثمن مثلها.
ويستثنى من الافتقار إلى القبول: ما إذا وقف على ولده الحائز في مرض موته عينًا .. فالأصح: إن احتملها الثلث .. صح ولم يكن للوارث إبطال الوقف في شيء منها، وإن زادت على الثلث .. صح في قدر الثلث وله رد الزائد.
ولو كان له وارثان فأكثر، فوقف عليهما دارًا على قدر حصصهما، كابن وبنت، وقف عليه ثلثين، وعليها ثلثًا .. فالأصح: صحتها موقوفة على الإجازة، فإذا خرجت من الثلث .. صحت، وإلا .. رد على المذهب، وإن وقفها بينهما نصفين، فإن احتملها الثلث وأجازاها .. فهي بينهما كما وقفها.
قال: (وتصح بالحمل)، هذا هو الركن الثالث وهو الموصى به، فتصح بالمجهول كالحمل في البطن واللبن في الضرع، وبما لا يقدر على تسليمه كالطير الطائر والعبد الآبق، لأن الموصى له يخلف الميت في ثلثه كما يخلفه الوارث في
стр. 2808
بِشَرْطِ انْفِصَالِهِ حَيًّا لِوَقْتٍ يُعْلَمُ وُجُودُهُ عِنْدَهَا، وَبِالْمَنَافِعِ، وَكَذَا بِثَمَرَةٍ أَوْ حَمْلٍ سَيَحْدُثَانِ فِي الأًصَحِّ،
ــ
ثلثيه، فلما جاز أن يخلف الوارث الميت في هذه الأشياء .. جاز أن يخلفه الموصى له، فلو قال: أوصيت بحمليها وكانت حينئذ حائلًا .. لم تصح.
قال: (بشرط انفصاله حيًا لوقت يعلم وجوده عندها) أي: عند الوصية كما تقدم عند الوصية للحمل، ويرجع فيه إلى أهل الخبرة بالبهائم.
وعبارة المصنف تقتضي: أنه لو انفصل ميتًا .. لغت، وليس كذلك، بل لو انفصل حمل الأمة مضمونًا بجناية .. لم تبطل الوصية والأرش للموصى له؛ لأنه انفصل متقومًا، بخلاف ما لم أوصى بحمل بهيمة فضرب شخص بطنها فوضعت ميتًا .. فإن الموصى له لا يستحق شيئًا؛ لأن دية الجنين بدل عنه والواجب في حمل البهيمة ما نقص من قيمتها، ولو ذبح الوارث البهيمة الموصى بحملها .. الظاهر: أن الجنين يكون للموصى له به كما لو انفصل حيًا ثم ذبح؛ لان ذكاته ذكاة أمه.
وهل يصح القبول في حال الاجتنان؟ فيه وجهان؛ بناء على أن الحمل يعرف أم لا؟
ولو قال: إن ولدت ذكرًا فهو وصية لزيد أو أنثى فلعمرو فولدتهما .. دفع لكل منهما وصيته، وإن ولدت خنثى .. فهل يوقف إلى أن يصطلحا أو لا شيء لهما؟ وجهان.
قال: (وبالمنافع) أي: المباحة؛ لأنها كالأعيان في الملك بالعقد وبالإرث فكانت كالأعيان في الوصية، وتجوز بالعين دون المنفعة، وبالمنفعة دون العين، وبالعين لواحد وبمنفعتها لآخر؛ لأن المنفعة والعين كالعنين، وتجوز بمنفعة مقدرة بمدة ومؤبدة، والمطلق مؤبد.
قال: (وكذا بثمرة أو حمل سيحدثان في الأصح)؛ لأن المعدوم يجوز أن يملك بعقد المساقاة والإجارة فجاز أن يملك بعقد الوصية؛ لأنها أوسع بابًا من غيرها.
стр. 2809
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والثاني: أنها باطلة؛ بناء على أن الاعتبار بحال الوصية ولا ملك يومئذ بل لا وجود، والتصرف يستدعي متصرفًا فيه ولم يوجد، ويحكى هذا عن أبي حنيفة ﵀.
والثالث: تصح بالثمرة دون الحمل؛ لأنها تحدث من غير إحداث أمر في أصلها بخلاف الولد.
وكان الأحسن أن يقول: سيحدث؛ لأجل العطف بـ (أو)، ولكنه جار على مذهب الكوفيين، والبصريون لا يعيدون الضمير بعده إلا مفردًا.
فروع:
أوصى بحمل هذه الشجرة هذا العام .. صح، وكذا بما تحمله كل عام.
وإن أطلق الوصية بما تحمل .. فهل تعم كل سنة أو تختص بالسنة الأولى؟
قال ابن الرفعة: الظاهر: العموم.
وبناه شيخنا على أن (ما) هذه هل تعم أو لا؟ فيها اختلاف: فمن قال بعمومها كالإمام فخر الدين .. صححها بكل السنين، ومن قال: لا تعم إلا إذا كانت استفهامية أو شرطية .. قال: تتناول سنة واحدة.
وإذا احتاجت الثمرة الموصى بها أو الشجرة إلى السقي .. لم يجبر واحد من الوارث والموصى له عليه، فلو أراد الوارث أن يبيع الشجرة الموصى بثمرتها مطلقًا أو عمومًا .. قال الأصحاب: له ذلك كبيع الدار المستأجرة، وهذا إنما يظهر إذا كانت المدة معينة، وإلا .. فهي كبيع الموصى بمنفعتها دائمًا.
стр. 2810
وَبِأَحَدِ عَبْدَيْهِ، وَبِنَجَاسَةٍ يَحِلُّ الاِنْتِفَاعُ بِهَا كَكَلْبٍ مُعَلَّمٍ
ــ
قال: (وبأحد عبديه)؛ لأن الوصية تحتمل الجهالة فلا يقدح فيها الإبهام، أما لو أوصى لأحد الرجلين .. فلا تصح في الأصح كسائر التمليكات، فلو قال: أعطوه أحد الرجلين .. صح، كقوله لوكيله: بعه من أحدهما، والتعيين فيما إذا أوصى بأحد عبديه، وفيما إذا قال: أعطوه أحد الرجلين للوارث، وله أن يعين من العبدين السليم والمعيب أو الصغير أو الكبير؛ لصدق الاسم، ولو كان لا يملك إلا أحدهما فقال: أوصيت بأحدهما .. انصرفت الوصية للملوك، قال القاضي حسين، وينبغي أن يكون على الخلاف في نظائره من الحصر والإشاعة.
قال: (وبنجاسة يحل الانتفاع بها)؛ لثبوت الاختصاص فيها وانتقالها من يد إلى يد بالإرث والهبة.
واحترز عما لا يحل الانتفاع به كالخنزير وفرعه، والكلب العقور، والخمر غير المحترمة.
قال: (ككلب معلَّم) يعني: لصيد أو لحرث أو ماشية؛ لجواز اقتنائه، وهذا لا خلاف فيه، إلا من تقييده بـ (المعلَّم) يفهم المنع في الجرو القابل للتعليم، والأصح: جوازه؛ بناء على جواز اقتنائه، لكن يشترط أن يكون جرو كلاب الصيد ونحوها، فلو كان الموصى له ليس صاحب صيد ولا زرع ولا ماشية .. ففيه وجهان في (الحاوي):
أحدهما: أنها باطلة؛ اعتبارًا بالموصى له.
والثاني: جائزة؛ اعتبارًا بالكلب فإن منتفع به، ولأن الموصى له ربما أعطاه من ينتفع به.
وأقرب الوجهين فيما يظهر: المنع، وهو الذي صححه المصنف في (شرح المهذب) بالنسبة لجواز اقتنائه.
ولو كان عنده كلاب معلَّمة .. تخير الوارث كأحد العبيد، ولا يختص المنع بغير
стр. 2811
وَزِبْلٍ وَخَمْرٍ مُحْتَرَمَةٍ
ــ
المعلم، بل أوصى بما لا يصلح للصيد كالسبع والذئب .. لم يصح.
قال: (وزبل)؛ لأنه ينتفع به، وكذلك الزيت النجس وجلد الميتة القابلة للدباغ.
قال: (وخمر محترمة)؛ لأنه يجوز إمساكها لتتخلل بنفسها على الأصح، ومن هذا القبيل شحم الميتة لدهن السفن، وجزم الماوردي وابن الصباغ بجواز الوصية بالميتة؛ لأنه قد يطعمها البزاة.
وقال في (شرح المهذب): يكره اقتناء الزبل للزرع.
وفي وجه: أنه مباح.
وقال ابن الرفعة: لو استحكمت الخمر وأيس من عودها خلًا إلا بصنع الآدمي .. فالأشبه: تحريم إمساكها، وقياسه: بطلان الوصية بها.
فروع:
أوصى له بجرة فيها خمر .. أريق الخمر وسلمت إليه، كذا نص عليه، ولا تصح الوصية بالمنفعة المحرمة، ولا بالقصاص، ولا بحد القذف، ولا بحق الشفعة وإن لم تبطل بالتأخير؛ لكون الثمن مؤجلًا.
ولا تصح الوصية بالأصنام والأزلام، ولا بالحيات والعقارب والحشرات والذباب، وتصح بالفهد والفيل والنمر والشاهين والصقر والباز.
وتصح بنجوم الكتابة، فإن انفسخت بالعجز .. فلا شيء للموصى له، ولو كان قبض بعضها قبل انفساخها .. استرده الوارث.
والوصية بالمصحف وبالعبد المسلم وبالسلاح للكافر كبيعها.
стр. 2812
وَلَوْ أَوْصَى بِكَلْبٍ مِنْ كِلَابِهِ .. أُعْطِيَ أَحَدَهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَلْبٌ .. لَغَتْ، وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَكِلَابٌ وَوَصَّى بِهَا أَوْ بِبَعْضِهَا .. فَالأَصَحُّ: نُفُوذُهَا وَإِنْ كَثُرَتْ وَقَلَّ الْمَالُ
ــ
قال: (ولو أوصى بكلب من كلابه .. أعطى أحدها)، والتخيير في التعيين إلى الوارث.
هذا إذا كانت كلها معلمة للمنفعة المباحة، وكذلك الحكم لو قال: كلب من مالي، وإن لم يكن الكلب مالًا؛ لأن المنتفع به منها تعتوره الأيدي، فهو كالمال، فقد يستعار له اسم المال، ودل على هذه الاستعارة ضرورة جعله الكلب بعضها.
ولا يدخل في اسم الكلب والحمار الأنثى على ما قاله الغزالي، وصوبه المصنف وإن كان الرافعي توقف؛ لأنه يقال: كلب وكلبة.
قال: (فإن لم يكن له كلب .. لغت) سواء قال: من كلابي، أو من مالي، وسواء كان له مال آخر أو لم يكن؛ لأن الكلب يتعذر شراؤه، بخلاف: أعطوه عبدًا من مالي، حيث يشترى له؛ لإمكانه.
وفي وجه: أنها تصح ويعطى مثل الكلب من الجوارح الطاهرة، فلو لم يكن له كلب .. قال القمولي: يظهر أنه على الوجهين المتقدمين.
ولو كان له كلب أو كلاب ينتفع بها .. صحت ويتعين الإعطاء منها، بخلاف ما إذا قال: عبدًا من مالي وله عبيد؛ فإنه يجوز أن يشترى عبد منه ويعطاه.
قال: (ولو كان له مال وكلاب ووصى بها أو ببعضها .. فالأصح: نفوذها وإن كثرت وقل المال)؛ لأن المعتبر: أن يبقى للورثة ضعف الموصى به، والمال وإن قل خير من ضعف الكلب الذي لا قيمة له.
والثاني: أن الكلاب ليست من جنس المال فيقدر أنه لا مال له وتنفذ الوصية في ثلث الكلاب.
والثالث: تقوم الكلاب أو منافعها على الاختلاف الآتي، فإن قال: أعطوه كلبًا
стр. 2813
وَلَوْ أَوْصَى بِطَبْلٍ وَلَهُ طَبْلُ لَهْوٍ وَطَبْلٌ يَحِلُّ الاِنْتِفَاعُ بِهِ كَطَبْلِ حَرْبٍ وَحَجِيجٍ .. حُمِلَتْ عَلَى الثَّانِي، وَلَوْ أَوْصَى بِطَبْلِ اللَّهْوِ .. لَغَتْ إِلَّا أَنْ يَصْلُحَ لِحَرْبٍ أَوْ حَجِيجٍ.
ــ
من كلابي، وليس له إلا كلب واحد .. فالأصح: أنه يدفع إليه ثلثه.
ولو وصى بثلث ماله لرجل وبالكلاب لآخر .. قال القاضي أو الطيب: تنفذ الوصية بجميع الكلاب؛ لأن ثلثي المال الذي يبقى للورثة خير من ضعف الكلاب، واستبعده ابن الصباغ؛ لأن ما يأخذه الورثة من الثلثين هو حصتهم بحسب ما نفذت الوصية فيه وهو الثلث، فلا يجوز أن يحسب عليهم مرة أخرى في الوصية بالكلاب، وصحح في (الروضة) قول ابن الصباغ.
قال: (ولو أوصى بطبل وله طبل لهو وطبل يحل الانتفاع به كطبل حرب وحجيج .. حملت على الثاني)؛ لأن الموصي يقصد حيازة الثواب، والظاهر: أنه يقصد ما تصح الوصية به، يعطى الجلد الذي عليه إن لم يصدق اسم الطبل إلا به، وإن لم يكن له إلا طبول لا تصح الوصية بها .. فهي باطلة ..
و (طبل اللهو): الكوبة المذكورة في (الشهادات).
و (طبل الحرب): ما يضرب للتهويل.
و (طبل الحجيج): الذي يضرب للإعلام بالنزول والارتحال، ومثله في الحكم طبل الباز، وكذلك (طبل العطارين) وهو: السفط الذي يوضع فيه العطر.
قال: (ولو أوصى بطبل اللهو .. لغت)؛ لأنه معصية، سواء كانت من جوهر نفيس أم لا.
وقال الإمام والغزالي: إذا كانت من جوهر نفيس .. صحت وكأنه أوصى برضاضة إذا كسر، والتعليق لا يقدح في الوصية، كما إذا قال: أوصيت له برضاضه؛ فإنه يصح قولًا واحدًا وكأنه علقه بكسره.
قال: (إلا أن يصلح لحرب أو حجيج) إما على الهيئة التي هو عليها، وإما بعد التغيير الذي يبقى معه اسم الطبل.
ولو قال: إلا أن يصلح لمباح .. كان أخصر وأعم؛ فإن طبل الباز كذلك.
وتصح بالدف؛ لأن الضرب به مأمور به في النكاح ففيه منفعة مباحة.
стр. 2814
فَصْلٌ:
يَنْبَغِي أَنْ لَا يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ،
ــ
ولا تصح بالعود ونحوه من الآلات المحرمة، إلا أن تصلح لمنفعة مباحة فتصح.
وقال الماوردي: تصح الوصية بالشبابة التي ينتفع بها في الأسفار والحرب.
تتمة:
وصى له بقوس .. دفع إليه قوس بندق أو قوس ندف أو قوس رمي إلا أن يقرن به ما يدل على أحدها فيحمل عليه، ولو قال: أعطوه ما يسمى قوسًا .. قال المتولي: للوارث أن يعطيه ما شاء من الثلاثة وغيرها.
وتوقف فيه الرافعي، وصوبه المصنف، واختاره الشيخ، وهو المنصوص في (الأم).
فلو قال: من قسيي، وله ندف وجلاهق فقط .. حمل على الجلاهق؛ لأنه أخص بالاسم.
و (القوس) يقع على العربي وهو: ما ترمى به النبل وهي السهام العربية، وعلى الفارسي وهو: ما يرمى به النشاب، وعلى قوس الحسبان وهو: قوس الرجل، وعلى الجلاهق وهو: ما يرمى به البندق، وعلى قوس القطن.
ولا يدخل الوتر في القوس على الأصح، وأما الريش والنصل .. فيدخلان في السهم.
قال: (فصل:
ينبغي أن لا يوصي بأكثر من ثلث ماله)؛ لقوله ﷺ لسعد: (الثلث والثلث كثير) متفق عليه.
وهذه العبارة أحسن من قول الرافعي: لا ينبغي أن يوصي بأكثر من ثلث ماله،
стр. 2815
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعبارة غيرهما أحسن منهما وهي: تكره الوصية بما زاد على الثلث.
وقال القاضي حسين: تحرم؛ لأن النبي ﷺ قال فيمن فعل ذلك قولًا شديدًا كما تقدم.
وروى ابن ماجه [٢٧٠٩]: أن النبي ﷺ قال: (إن الله أعطاكم ثلث أموالكم في آخر أعماركم زيادة لكم في أعمالكم) لكنه ضعيف.
وقيل: إن كانت ورثته أغنياء .. استوفي الثلث، وإلا .. استحب النقص؛ لقوله ﷺ : (إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس) أي: فقراء يسألون الناس بأكفهم.
وجزم بهذا في (التنبيه)، وأقره عليه في (التصحيح)، وصرح بتصحيحه في (شرح مسلم)، وقال في (الروضة): الأحسن: أن ينقص من الثلث شيئًا، فإن استوفى الثلث .. جاز؛ لأن البراء بن معرور وصى لرسول الله ﷺ بثلث ماله، فقبله ورده على ورثته.
ولا فرق بين أن يكون الموصي جاهلًا بقدر ثلث ماله أو عالمًا.
فرع:
أفتى الكمال إسحاق شيخ المصنف وتلميذ ابن الصلاح بأنه لو قال: أعطوا زيدًا ما بقى من ثلثي، ولم يكن قد أوصى بشيء .. أنه يعطى جميع الثلث، وفيه نظر.
ولو أوصى بثلثه ولم يذكر مصرفًا .. قال الشيخ أبو حامد وأتباعه: يكون للفقراء والمساكين، ووافقهم المصنف.
стр. 2816
فَإِنْ زَادَ وَرَدَّ الْوَارِثُ .. بَطَلَتْ فِي الزَّائِدِ، وَإِنْ أَجَازَ .. فَإِجَازَتُهُ تَنْفِيذٌ، وَفِي قَوْلٍ: عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأَةٌ،
ــ
قال: (فإن زاد ورد الوارث .. بطلت في الزائد)؛ لأنه حقه، وهذا بالإجماع فيمن له وارث خاص.
ولابد من أن يكون الوارث مطلق التصرف، فلو كان محجورًا عليه لسفه أو جنون أو صغر .. فلا عبرة بقوله.
قال: (وإن أجاز .. فإجازته تنفيذ)، وبه قال الأئمة الثلاثة؛ لأجل الاستثناء المذكور في الأحاديث، ولأن المريض إذا وهب أو وصى أو أعتق أو ما أشبه ذلك ثم شفي .. صح تصرفه بالاتفاق، وهذا أدل دليل على أنها تنفيذ.
فعلى هذا: تكون العطية من الميت للموصى له جائزة غير لازمة، فإذا أجازها الوارث .. لزمت وتنفذ حملًا على عطية الميت وليس للمجيز الرجوع، فإذا خلف زوجة –هي بنت عمه- وأباها وكان قد أوصى لها فأجاز أبوها الوصية .. فلا رجوع له إن جعلناها تنفيذًا، وإن جعلناها ابتداء عطية .. فله الرجوع.
قال: (وفي قول: عطية مبتدأة) أي: من الوارث، فإذا أجازها .. كانت كهبة من جهته لا أثر فيها لوصية الميت.
ولا يكفي قبول الوصية أولًا، بل لابد من قبول آخر في المجلس ومن القبض، وللمجيز الرجوع قبله.
وهل يعتبر لفظ التمليك ولفظ الإعتاق إذا كان الموصى به العتق؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، بل تكفي الإجازة.
وأصحهما: نعم، ولا يكفي لفظ الإجازة كما لو تصرف تصرفًا فاسدًا من بيع أو هبة ثم أجازه.
стр. 2817
وَالْوَصِيَّةُ بِالزَّيَادَةِ لَغْوٌ. وَيُعْتَبَرُ الْمَالُ يَوْمَ الْمَوْتِ،
ــ
قال: (والوصية بالزيادة لغو) يعني: تفريعًا على أنها عطية مبتدأة لا فائدة للوصية بالزيادة على الثلث؛ للنهي عنها، فلو لم يكن له وارث خاص .. فالوصية بالزائد باطلة؛ لعدم المجيز، خلافًا لأبي حنيفة وأحمد، فلو أجاز ثم قال: أجزت لأني ظننت أن المال قليل وقد بان خلافه .. فالقول قوله مع يمينه: أنه لا يعلم، وإن قال: ظننت أن المال كثير وقد بان خلافه .. ففيه قولان:
أحدهما: يقبل.
والثاني: لا يقبل، والصحيح الأول.
قال: (ويعتبر المال يوم الموت)؛ لأن الوصية تمليك بعده وحينئذ يلزم، فلو أوصى بعد من عبيده ولا عبد له ثم ملك عبدًا عند الموت .. تعلقت الوصية به، ولو زاد ماله بعد الوصية .. تعلقت الوصية به، وكذا لو تلف ماله أو لم يكن له مال ثم اكتسب مالًا.
ولو وصى لشخص بنصف ماله ولآخر بثلث ماله ورد الورثة. قسم الثلث بينما أخماسًا.
ولو وصى لرجل بالثلث ولآخر بالمال .. قسم الثلث أرباعًا، وقال أبو حنيفة بالسوية.
ويشترط فيها: أن يعرف المجيز قدر التركة وقدر الزائد على الثلث، فإن لم يعرف واحدًا منهما .. لم تصح إن جعلناها ابتداء عطية، وإن جعلناها تنفيذًا .. فهي كالإبراء عن المجهول، والصحيح: أنه لا يصح.
стр. 2818
وَقِيلَ: يَوْمَ الْوَصِيَّةِ. وَيُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ أَيْضًا عِتْقٌ عُلِّقَ بِالْمَوْتِ، وتَبَرُّعٌ نُجِّزَ فِي مَرَضِهِ كَوَقْفٍ وَهِبَةٍ وَعِتْقٍ وَإِبْراءٍ
ــ
قال: (وقيل: يوم الوصية) كما في نذر التصدق بثلث ماله ينظر إلى يوم النذر.
فعلى هذا: تنعكس الأحكام المتقدمة، فلو كان دين مستغرق .. لم تنفذ الوصية في شيء، لكنها تنعقد حتى ينفذها لو أبرئ أو قضي عنه، ومنه من قطع في اعتبار القدر بيوم الموت وخص الخلاف بمن لم يملك شيئًا أصلًا ثم ملكه.
قال: (ويعتبر من الثلث أيضًا عتق علق بالموت)؛ لأنه وصية، سواء علقه في صحته أو مرضه.
قال: (وتبرع نجز في مرضه كوقف وهبة وعتق وإبراء)؛ لإطلاق: (إن الله أعطاكم ثلث أموالكم في آخر أعماركم) ففيه إشعار بأنه لم يعطهم التصرف ذلك الوقت في أكثر من الثلث لا منجزًا ولا معلقًا إذا كان تبرعًا، وتقدم: أن الحديث ضعيف، لكن الحكم متفق عليه عند الجمهور.
ولو وهب في الصحة وأقبض في المرض .. اعتبر من الثلث؛ لأن القبض من تمام الهبة، ولا يشترط القبض في المحاباة وإن كانت في معنى الهبة؛ لأنها ضمنية، فلو اختلف الوارث والمتهب هل الهبة في الصحة أو المرض .. فالأصح: أن القول قول المتهب؛ لأن العين في يده والظاهر اللزوم، لكن يستثنى من العتق المنجز أم الولد في مرضه؛ فإنها تعتق من رأس المال كما سيأتي في آخر الكتاب مع أنه تبرع نجز في المرض.
فرع:
نكاح المريض صحيح؛ لما روى الشافعي ﵁ بلاغًا عن معاذ بن جبل ﵁ أنه قال في مرض موته: (زوجوني لا ألقى الله عزبًا)، ولأنه استباحة عضو فتستوي فيه حالة الصحة والمرض كشراء الجواري، فإن أصدقها مهر مثلها ..
стр. 2819
وَإِذَا اجْتَمَعَ تَبَرُّعَاتٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَوْتِ وَعَجَزَ الثُّلُثُ: فَإِنْ تَمَحَّضَ الْعِتْقُ .. أُقْرِعَ،
ــ
كان من رأس المال قل أو كثر، وإن كان الصداق أكثر من مهر المثل .. فالزيادة محاباة.
وقال الزهري: يصح النكاح ولا ترث.
وقال ربيعة: يكون مهرها من الثلث.
وقال مالك: لا يصح النكاح.
وقال الشافعي ﵁: له أن ينكح أربعًا، وروى في ذلك آثارًا عن الصحابة والتابعين.
فرع:
أوصى بتأجيل الحال .. حسب كله من الثلث، وللروياني احتمال في أنه لا يحسب إلا التفاوت بين الحال والمؤجل، وهو قوي؛ لأن الفائت على الورثة إنما هو التفاوت فقط.
قال: (وإذا اجتمع تبرعات متعلقة بالموت وعجز الثلث: فإن تمحض العتق .. أقرع)، سواء وقعت الوصيتان معًا أو مرتبًا، فمن قرع .. عتق منه ما يفي بالثلث؛ لحديث الذي أعتق ستة مملوكين.
والمعنى فيه: أن المقصود من العتق تكميل الأحكام ولا يحصل إلى بعتق جميع الرقبة، وهذا بخلاف سائر التبرعات؛ لأن المقصود منها الملك، وذلك يحصل في بعض ما وصى به أو تبرع به.
وفي وجه: يقسط الثلث عليهم كغير العتق؛ لأن القرعة من خاصة العتق بمنجز.
وصورة العتق المعلق بالموت: إذا مت .. فأنتم أحرار، أو أعتقكم بعد موتي، وكذا إذا مت .. فسالم وغانم ومسعود أحرار.
هذا عند الإطلاق، أما إذا قال: أعتقوا سالمًا بعد موتي ثم غانمًا .. فإنه يقدم ما قدمه جزمًا.
стр. 2820
أَوْ غَيْرُهُ .. قُسِّطَ الثُّلُثُ، أَوْ هُوَ وَغَيْرُهُ .. قُسِّطَ بِالْقِيمَةِ، وَفِي قَوْلٍ: يُقَدَّمُ الْعِتْقُ
ــ
قال: (أو غيره .. قسط الثلث) أي: على الجميع باعتبار القيمة؛ لاستوائها.
مثاله: الهبة والوقف والإبراء والمحاباة، وكما تقسم التركة بين أرباب الديون إذا ضاقت عن الوفاء؛ لاستوائهم في الاستحقاق وعدم المرجح، وقاسه الشافعي ﵁ في (الأم) على العول في الفرائض.
مثاله: أوصى لزيد بمئة ولعمرو بخمسين ولبكر بخمسين وثلث ماله مئة .. أعطى زيد خمسين ولكل من الآخرين خمسة وعشرون، ولا يقدم بعضها على بعض بالسبق؛ لأن الوصايا إنما تملك بالموت، فاستوى حكم المتقدم والمتأخر في الاستحقاق وعدم المرجح.
قال: (أو هو وغيره) كما إذا أوصى بعتق سالم ولزيد بمئة (.. قسط) أي: الثلث (بالقيمة)؛ لاتحاد وقت الاستحقاق.
قال: (وفي قول: يقدم العتق)؛ لقول سعيد بن المسيب: مضت السنة أن يبدأ بالعتاقة في الوصية. ولأن له سراية، وحق الله تعالى وحق الآدمي متعلقان به فهو أقوى.
قال الرافعي: هذا في وصايا التمليك مع العتق، أما إذا أوصى للفقراء بشيء ويعتق عبد .. فقال البغوي: هما سواء؛ لأن كلًا منهما قربة.
وقطع الشيخ أبو علي بطرد القولين؛ لوجود القوة والسراية، وقال في (الروضة): إنه أصح، وإذا سوينا .. فما خص العبيد إذا ضاق عنهم يقرع بينهم.
ويستثنى من إطلاق المصنف: ما لو دبر عبده وقيمته مئة وأوصى له بمئة وثلث ماله مئة .. فإنه تقدم وصية العبد فيعتق كله ولا شيء للوصية على الصحيح، خلافًا لما صححه البغوي من التقسيط.
стр. 2821
أَوْ مُنَجَّزَةٌ .. قُدِّمَ الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ حَتَّى يَتِمَّ الثُّلُثُ. فَإِنْ وُجِدَتْ دُفْعَةً وَاتَّحَدَ الْجِنْسُ كَعِتْقِ عَبِيدٍ أَوْ إِبْرَاءِ جَمْعٍ .. أُقْرِعَ فِي الْعِتْقِ وقُسِّطَ فِي غَيْرِهِ. وَإِنِ اخْتَلَفَ وَتَصَرَّفَ وُكَلَاءُ:
ــ
فرع:
الكتابة مع الهبة وسائر الوصايا كالعتق، فقيل: على القولين، وقيل: يسوى هنا قطعًا؛ لعدم القوة والسراية.
قال: (أو منجزة) بأن أعتق ووقف وتصدق وأبرأ ووهب مقبضًا وحابى في العقود.
قال: (.. قدم الأول فالأول حتى يتم الثلث)؛ لأن الأول لازم لا يحتاج إلى رضى الورثة ولا يملك المريض الرجوع فيه، وما بعده مما لا يخرج من الثلث يفتقر إلى رضاهم، فكان ضعيفًا، والقوى مقدم على الضعيف، سواء كان فيها عتق أو لا، وسواء اتحد الجنس أو اختلف.
قال: (فإن وجدت دفعة) إما منه أو بوكالة (واتحد الجنس كعتق عبيد أو إبراء جمع .. أقرع في العتق) أي: خاصة، كما فعل رسول الله ﷺ في الستة المملوكين.
وسكت المصنف عما إذا أشكل الأمر، والأصح في (باب الدعاوى) من (الروضة): يعتق من كل نصفه.
قال: (وقسط في غيره) كما لو وهب جماعة وقبلوا معًا وقبضوا معًا، أو حابى جماعة، والتقسيط في جميع ذلك باعتبار القيمة.
قال: (وإن اختلف) أي: الجنس؛ بأن وكل وكيلًا في العتق، وآخر في البيع بالمحاباة، وآخر في الهبة.
قال: (وتصرف وكلاء) أي: دفعة واحدة.
стр. 2822
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا عِتْقٌ .. قُسِّطَ، وَإِنْ كَانَ .. قُسِّطَ، وَفِي قَوْلٍ: يُقَدَّمُ [الْعِتْقُ]. وَلَوْ كَانَ لَهُ عَبْدَانِ فَقَطْ؛ سَالِمٌ وَغَانِمٌ، فَقَالَ: إِنْ أَعْتَقْتُ غَانِمًا فَسَالِمٌ حُرٌّ، ثُمَّ أَعْتَقَ غَانِمًا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ .. عَتَقَ وَلَا إِقْرَاعَ
ــ
وضبط المصنف بخطه (تصرف) بفتح الراء ورفع (وكلاء).
وتصويره بـ (الوكلاء)؛ لأنه أغلب، وقد يتصور منه بأن يقال له: أعتقت وأبرأت ووقفت؟ فيقول: نعم.
قال: (فإن لم يكن فيها عتق .. قسط) أي: الثلث على الجميع باعتبار القيمة، كما يفعل في الديون.
قال: (وإن كان) أي: فيها عتق (.. قسط، وفي قول: يقدم [العتق]) هما القولان السابقان، ثم المقارنة إنما هي وقت الملك؛ وذلك بالقبض في الهبة، وبالعقد في المحاباة.
وبقى قسم لم يذكره المصنف هنا، وهو: تبرعات منجزة، وأخرى معلقة بالموت، وحكمه: تقديم المنجزة؛ لأنها تفيد الملك في الحال، ولازمة لا يمكن المريض الرجوع فيها.
ولو أوصى بعتق عبد وعلق عتق آخر بالموت .. فهما سواء، وقيل: يقدم المدبر؛ لسبق عتقه، فإن غيره يحتاج إلى إنشاء عتق.
قال: (ولو كان له عبدان فقط؛ سالم وغانم، فقال: إن أعتقت غانمًا فسالم حر، ثم أعتق غانمًا في مرض موته .. عتق) أي: غانم؛ لسبقه (ولا إقراع)؛ لاحتمال أن يخرج سالم فيلزم إرقاق غانم فيفوت شرط عتق سالم.
وقيل: يقرع، كما لو قال: أعتقتكما.
ولا يخفى أن محل الخلاف: إذا لم يخرج من الثلث إلا أحدهما، فإن خرجا .. عتقا.
ولو قال: إن أعتقت غانمًا فسالم حر في حال إعتاقي غانمًا، ثم أعتق غانمًا في مرضه .. فكذلك الجواب من غير فرق.
стр. 2823
وَلَوْ أَوْصَى بِعَيْنٍ حَاضِرَةٍ هِيَ ثُلُثُ مَالِهِ وبَاقِيهِ غَائِبٌ .. لَمْ تُدْفَعْ كُلُّهَا إِلَيْهِ فِي الْحَالِ،
ــ
تنبيهان:
أحدهما: هذه الصورة مستثناة من الإقراع، ولهذا ذكرها تلوها، وتستثنى ثانية ذكرها المصنف في (باب العتق): إذا قال: ثلث كل واحد حر بعد موتي، فيعتق من كل واحد ثلثه عند الإمكان، ولا قرعة في الأصح.
الثاني: قوله: (فقط) من زياداته على (المحرر)، وفيه إشكال؛ لأنه إما أن يريد لا مال له سواهما، أو لا عبيد له غيرهما.
إن أراد الأول .. لم يستقم قوله آخرًا: (أعتق)؛ فإنه حينئذ إنما يعتق من غانم ثلثاه إن تساوت قيمتها، وإن تفاوتا .. فقدر الثلث.
وإن أراد الثاني، وهو ظاهر تصوير (الشرح) و (الروضة) .. فينبغي حمله على ما إذا كان الثلث لا يخرج إلا من أحدهما، أما إذا احتملهما الثلث .. فيعتقان؛ غانم بالسراية، وسالم بالصفة.
فرع:
أقر في مرض موته بعتق عبد ولم يضف الإقرار إلى حال المرض أو حال الصحة .. حمل على أقرب زمان يمكن الحمل عليه، وذلك حال المرض، فتحسب قيمته من الثلث؛ لأن الأصل في كل حادث تقديره بأقرب زمان، قاله القاضي حسين وغيره.
قال: (ولو أوصى بعين حاضرة هي ثلث ماله وباقيه غائب .. لم تدفع كلها إليه في الحال) باتفاق الأصحاب؛ لأن ما يحصل للموصى له ينبغي أن يحصل للورثة مثلاه، وربما يتلف المال الغائب.
стр. 2824
وَالأًصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَتَسَلَّطُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الثُّلُثِ أَيْضًا
ــ
قال: (والأصح: أنه لا يتسلط على التصرف في الثلث أيضًا)؛ لأن تسليطه يتوقف على تسليط الورثة على مثلي ما تسلط عليه، ولا يمكن تسليطهم؛ لاحتمال سلامة الغائب، فيخلص جميع الموصى به للموصى له، فكيف يتصرفون فيه؟!
والثاني: يتسلط؛ لأن استحقاقه لهذا القدر مستيقن، وصور الإمام المسألة بغائب يعسر الوصول إليه، وإلا .. فلا، وللأئمة تردد في أن هذه الغيبة هل تعد حيلولة مع إمكان التصرف؟ وبنوا عليه إخراج زكاته في حال غيبته.
والمراد بـ (التصرف): الناقل للملك كالبيع ونحوه، أما التصرف بالاستخدام والإيجار .. فلا يمتنع كما أشار إليه الماوردي.
وقال صاحب (الإنتصار): إذا أذن له الورثة في التصرف في الثلث .. صح، وفيه نظر.
ثم إذا تصرف الورثة في ثلثي الحاضر نقل الرافعي عن (أمالي السرخسي): أنه إن بان هلاك المال الغائب .. تعين نفوذ تصرفهم، ثم قال: وهذا يجب أن يخرج على وقف العقود.
قال المصنف: بل يخرج على ما لو باع مال أبيه على ظن حياته، والمصنف صرح في الشرط الثالث من شروط البيع بأن جميع ذلك من وقف العقود.
فرع:
لو أوصى بالثلث وله عين ودين .. دفع إليه ثلث العين، وكلما نض من الدين شيء .. دفع إليه ثلثه، ولو كان له مئة درهم حاضرة وخمسون غائبة وأوصى لرجل بخمسين من الحاضرة ومات وقبل الوصية .. أعطى خمسة وعشرين والورثة خمسين،
стр. 2825
فَصُلٌ:
إِذَا ظَنَنَّا الْمَرَضَ مَخُوفًا .. لَمْ يَنْفُذْ تَبَرُّعٌ زَادَ عَلَى الثُّلُثِ،
ــ
وتوقف خمسة وعشرون، فإن حضر الغائب .. أعطى الموصى له الموقوف، وإن تلف الغائب .. قسمت الخمسة والعشرون أثلاثًا، فللموصى له ثلثها وهي ثمانية وثلث، والباقي للورثة.
تتمة:
أوصى لشخص بدينار كل سنة .. صحت الوصية في السنة الأولى، وفيما بعدها قولان: أظهرهما عند الرافعي والشيخ: الصحة، وعلى هذا للورثة التصرف في ثلثي التركة لا محال، وفي ثلثها وجهان:
أحدهما: لهم التصرف فيه بعد إخراج الدينار الواحد.
والثاني: أنه موقوف، فإذا قلنا بالوقف وبقى الموصى له حيًا حتى استوعب الثلث .. فذاك، وإن مات قبله .. سلم بقية الثلث إلى ورثة الموصي، وفيه بحث طويل للشيخ مذكور في (التوشيح) و (الفتاوى).
قال: (فصل): عقده لبيان الأمراض المخوفة وما يعتري البدن من الأعراض، والمرض الحاصل للإنسان إن انتهى إلى حالة يقطع فيها بموته في الحال، كما لو شخص بصره عند النزع، أو بلغت الروح الحنجرة، أو قطع حلقومه ومريه، أو قد نصفين، أو شق بطنه وخرجت حشوته، أو غرق ولا يحسن السباحة .. لم يعتبر كلامه في وصية ولا تصرف ولا إسلام ولا توبة، وحركته حركة المذبوح.
وإن لم ينته إليها، فإن لم يندر منه الهلاك .. فهو المخوف المقتضي للحجر في التبرعات، وإن ندر منه .. فليس بمخوف.
وأخذ المصنف في بيان ذلك فقال:
(إذا ظننا المرض مخوفًا .. لم ينفذ تبرع زاد على الثلث) بل يكون موقوفًا؛ لأنه
стр. 2826
فَإِنْ بَرَأَ .. نَفَذَ
ــ
محجور عليه بمجرد المرض المخوف، كذا قاله الغزالي والرافعي.
قال الشيخ: فإن أراد في نفس الأمر .. فصحيح، لكن لا فرق بين أن نظنه أو لا إذا بان مخوفًا؛ إذ المناط نفس المرض المخوف لا ظننا، وإن أراد في الظاهر .. فهو مخالف للأكثرين حيث قالوا: إذا أعتق في مرضه أمة .. يجوز لوليها أن يزوجها؛ لأنها حرة في ظاهر الحال.
ولا اعتبار باحتمال ظهور دين، فإن تحققنا نفوذ العتق .. استمرت الصحة، وإلا، فإن رد الورثة أو أجازوا وقلنا: هي عطية مبتدأة .. بان الفساد، أو تنفيذ .. فكما لو خرجت من الثلث.
و (المخوف): كل ما يستعد به الإنسان لما بعد الموت بالإقبال على الأعمال الصالحة.
وضبطه الماوردي بما لا تتطاول بصاحبه مع الحياة.
والأحسن أن يقال: كل ما اتصل به الموت.
وقال الإمام: لا يشترط في كونه مخلوفًا غلبة حصول الموت به، بل يكفي أن لا يكون نادرًا بدليل البرسام.
قال ابن الرفعة: وهو خلاف ما عليه الجمهور.
وقوله: (لم ينفذ) يجوز أن يقرأ بفتح الياء وسكون النون وضم الفاء، وأن يقرأ بضم الياء وفتح النون وتشديد الفاء، وكلاهما صحيح.
وعلم من ذلك: أن المريض المتبرع ليس له أن يرجع في تبرعه اللازم كما في حال الصحة؛ لأنه قد يبرأ فيكون التبرع لازمًا.
ثم قوله: (الثلث) إن حمل على الثلث المعتبر عند الموت وهو مجهول الآن .. فلا خلاف فيه لكنه لا يشترك فيه الظن، وإن حمل على الثلث الحاصل على التبرع .. كان خلاف قول الأكثرين.
قال: (فإن برأ .. نفذ)؛ لأنه تبين حصة تبرعه، والمراد: استمر نفوذه، وقياس قول ابن الحداد: أنا نحكم الآن بنفوذه، أو نتبين أنه نفذ من ذلك الوقت فيما
стр. 2827
وَإِنْ ظَنَنَّاهُ غَيْرَ مَخُوفٍ فَمَاتَ: فَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْفَجْأَةِ .. نَفَذَ، وَإِلَّا .. فَمَخُوفٌ.
ــ
يقبل الوقف، وإلا .. فالنكاح لا يأتي فيه ذلك.
قال: (وإن ظنناه غير مخوف فمات: فإن حمل على الفجأة .. نفذ)، وكذا على سبب خفي، كما إذا مات من وجع الضرس أو العين.
وإدخال (الألف) و (اللام) على فجأة غير معروف في اللغة، بل المعروف تنكيرها مع المد والهمز، وقال في (المحكم): استعملها ثعلب بـ (الألف) و (اللام)، ولا أدري من كلام العرب أم من كلامه، لكن في الحديث: (موت الفجأة أخذة أسف).
فرع:
لو لم يبرأ المتبرع لكن مات بهدم أو غرق أو ترد أو قتل .. قال الماوردي: ينفذ، وقال القاضي حسين والبغوي: يحسب من الثلث، واختاره الشيخ، وذكر نصًا يعضده.
قلت: هذا الفرع ينبني على أصل بين الأشاعرة والمعتزلة، فعند المعتزلة: أن من مات بهذه الصفة لم يمت بأجله وإنما قطع عمره، وعند أهل السنة: انتهى أجله، ولما كان الماوردي له ميل إلى مذهب المعتزلة في بعض المسائل .. سرى إليه هذا التفريع، وهو يوافق مذهبهم، وما قاله القاضي يوافق مذهب أهل السنة.
قال: (وإلا .. فمخوف) أي: إن لم يحمل على فجاءة، ومثلوه بإسهال يوم أو يومين، فإنا كنا نظن أن القوة تحتمله فبان خلافه، ونازعه الشيخ في ذلك، وسيأتي: إن إسهال يوم أو يومين غير مخوف.
стр. 2828
وَلَوْ شَكَكْنَا فِي كَوْنِهِ مَخُوفًا .. لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا بِطَبِيبَيْنِ حُرَّيْنِ عَدْلَيْنِ
ــ
قال: (ولو شككنا في كونه مخوفًا .. لم يثبت إلا بطبيبين حرين عدلين)؛ مراعاة للعدد مع أهلية الشهادة؛ لأنه تعلق به حق آدمي، ويشترط علمهما بالطب؛ لأن قول الجاهلين غير مقبول.
قال الماوردي: وإذا اختلف في كونه مخوفًا .. رجع إلى قول الأعلم، فإن أشكل .. فالأكثر عددًا، فإن استووا .. رجع إلى قول من شهد بالخوف.
واكتفى المصنف بوصف العدالة عن ذكر الإسلام والتكليف؛ فإنهما من شروط العدالة.
وذكروا في جواز العدول عن الماء إلى التيمم بقول الصبي المراهق والفاسق وجهًا: أنه لا يشترط العدد، وصححوه هناك.
وعن الخطابي وجه: أن ينتقل إلى التيمم بقول الطبيب الكافر، كما يجوز شرب الدواء من يده.
قال الرافعي: ولا يبعد أن تطرد هذه الاختلافات هنا، والصحيح: أن الكافر غير مقبول؛ لقوله ﷺ : (إذا حدثكم أهل الكتاب بشيء .. فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم) رواه أبو داوود [٣٦٣٩] والطبراني [طب ٢٢/ ٣٥٠] من حديث أبي نملة الأنصاري.
وأما قول الرجل الواحد والنسوة .. فلا يثبت به ذلك إلا إذا كانت العلة باطنة بالمرأة لا يطلع عليها الرجال غالبًا؛ فإنه يثبت بقولهن.
وعبارته صريحة في قبول شهادتهما بكونه غير مخوف، وهي ظاهر كلام الأكثرين.
وقال المتولي: إنما تقبل شهادة الطبيب إذا قال: المرض مخوف، فإن قال: غير مخوف .. فإن شهادته على النفي، وكلام الرافعي مصرح بخلافه.
وإذا كان التبرع في مرض غير مخوف ثم طرأ عليه المخوف ومات منه .. قال الإمام: إن قال أهل الخبرة: إن ذلك المرض يفضي إلى المخوف .. فهو أيضًا مخوف، وإن قالوا: لا يفضي إليه غالبًا .. فتبرعه فيه كالتبرع في الصحة، وفي نص
стр. 2829
وَمِنَ الْمَخُوفِ: قُولَنْجٌ، وَذَاتُ جَنْبٍ، وَرُعَافٌ دَائِمٌ،
ــ
الشافعي ﵁ ما يؤيد ذلك.
وإذا اختلف الوارث والمتبرع عليه في كونه مخوفًا .. صدق المتبرع عليه؛ لأن الأصل السلامة، إلا أن يقيم الوارث شاهدين.
قال: (ومن المخوف: قولنج) نص عليه الشافعي ﵁ والأصحاب، وهو: أن تنعقد أخلاط الطعام في بعض الأمعاء فلا تنزل، ويصعد بسببه البخار إلى الدماغ فيهلك، وقد ينشأ من القولنج الوسواس والمالنخوليا والصرع.
و (القولنج) بضم القاف وإسكان الواو وفتح اللام، ويقال فيه: قولولن، وليس بعربي، ووقع في (العباب): أنه بكسر اللام، والمعروف فتحها.
ويسمى القولنج الذي في الأمعاء الرقيقة: أبلاويس، ومعناه: رب ارحم، وهو مما يستعاذ منه، والسلامة منه نادرة.
وينفع القولنج: التين، والزبيب، والخبز الخشكار، وترك الغداء، والمبادرة إلى التنقية بالأسهال من فوق، ويضره: كل غليظ من اللحم، وحبس الريح، وشرب الماء البارد، والبقول إلا السذاب والسلق.
قال: (وذات جنب) وسماها الشافعي ﵁: ذات خاصرة، وهي من الأمراض الرديئة؛ لأنها قروح تحدث في داخل الجنب بوجع شديد، ثم تنفتح في الجنب ويسكن الوجع، ذلك وقت الهلاك.
ومن علامتها: الحمى اللازمة، والوجع الناخس تحت الأضلاع، وضيق النفس وتوتراه، والنبض المنشاري، والسعال، وإنما كان مخوفًا؛ لقربه من القلب والكبد، وهما رئيسان، ولما كانت من سيء الأسقام .. قال ﷺ : (لم يكن الله ليسلطها علي). ومثلها القروح التي تحدث في الصدر والرئة.
قال: (ورعاف دائم)؛ لأنه يسقط القوى، وابتداؤه غير مخوف، بل هو من مصالح الدماغ؛ فإنه عضو رئيس ويصعد البخار إليه، والمواد يعرض لها غليان،
стр. 2830
وَإِسْهَالٌ مُتَوَاتِرٌ، وَدِقٌ، وَابْتِدَاءُ فَالِجٍ،
ــ
فاحتاج أن يكون لها منافذ تدفع فضوله، وقد تقدم في صلاة المسافر: أن (رعف) مثلث العين.
قال: (وإسهال متواتر)؛ لأنه ينشف رطوبات البدن، فإن كان يومًا أو يومين ولم يدم .. فليس بمخوف إلا أن يكون معه دم، أو يضم إليه انخراق البطن فلا يمسك الطعام ويخرج غير مستحيل، أو ومعه دم كثير كما سيأتي.
قال: (ودق) وهو: داء يصيب القلب فلا تطول معه الحياة غالبًا، وهو بكسر الدال.
قال: (وابتداء فالج) وهو: استرخاء عام لأحد شقي البدن طولًا، وسببه: غلبة الرطوبة والبلغم، فإذا هاج .. ربما أطفأ الحرارة الغريزية وأهلك، فإذا استمر .. فليس بمخوف، سواء قارنه ارتعاش أم لا؛ لأنه حينئذ لا يخاف منه الموت عاجلًا، وفي الحديث: (الفالج داء الأنبياء).
ويطلق الفالج أيضًا على استرخاء أي عضو كان.
وألحق صاحب (التهذيب) بالفالج (السل)، ويقال له: الهلاس وهو: قرحة في الرئة يلزمها إفراط هزال البدن وإصفراره، ومجموع ما فيه ثلاثة أوجه:
أشبهها: أنه ليس بمخوف مطلقًا؛ لأنه لا يخاف منه الموت عاجلًا كالشيخوخة.
والثاني -وهو اختيار الغزالي وتبعه (الحاوي الصغير) -: أن انتهاءه مخوف وابتداءه غير مخوف، وهذا هو الظاهر من حيث التجربة.
والثالث: عكسه، وهو الذي مال إليه البغوي، وأول من مات مسلولًا إلياس بن مضر، ولما مات .. أسفت زوجته خندف أسفًا شديدًا، ونذرت أن لا تقيم ببلد مات فيه ولا تستظل، وأن تبكيه كل يوم خميس من طلوع شمسه إلى غروبها؛ لأنه مات فيه، فلم تزل كذلك حتى هلكت حزنًا.
стр. 2831
وَخُرُوجُ الطَّعَامِ غَيْرَ مُسْتَحِيلٍ، أَوْ كَانَ يَخْرُجُ بِشِدَّةٍ وَوَجَعٍ، أوْ وَمَعَهُ دَمٌ، وَحُمَّى مُطْبَقَةٌ
ــ
قال السهيلي: يروى عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تسبوا إلياس بن مضر؛ فإنه كان مؤمنًا).
قال: ويروى: أنه كان يُسمع من ظهره تلبية النبي ﷺ بالحج.
قال: (وخروج الطعام غير مستحيل، أو كان يخرج بشدة ووجع) ويسمى: الزحير والزحار.
وقوله: (غير) منصوب على الحال، ولا يجوز جره على الصفة؛ لأنه نكرة وما قبله معرفة.
قال: (أو ومعه دم) أي: من الكبد ونحوه من الأعضاء الرئيسة؛ لأنه يسقط القوى، وكان ينبغي للمصنف أن يذكر هذه الأشياء عقب قوله: (وإسهال متواتر)؛ فإنه من تتمته كما فعل في (المحرر).
قال: (وحمى مطبقة) وهي: الدائمة التي لا تفارق ليلًا ولا نهارًا، لأنها تذيب القوى التي هي دوام الحياة، واستدل له الماوردي بقوله ﷺ : (الحمى رائد الموت)، وهو في (معجم الطبراني) بسند ضعيف.
ومعنى (رائد الموت) أي: رسوله الذي يتقدمه.
فحمى يوم ويومين وثلاثة ليست مخوفة؛ لأنها قد تكون من تعب الأعضاء.
وفي وجه: أن الحمى من أول حدوثها مخوفة.
وفي (مسند الشهاب القضاعي) [٦٢] عن ابن مسعود: أن النبي ﷺ قال: (حمى يوم كفارة سنة). قيل: لأنه يتألم منها جميع أعضاء البدن، وهي ثلاث مئة وستون عضوًا.
ولما ذكر ﵊ كفارات الذنوب بالحمى .. سأل الله زيدُ بن ثابت
стр. 2832
أَوْ غَيْرُهَا إِلَّا الرِّبْعَ
ــ
وأبي بن كعب أن لا يزالا محمومين، فلم تكن الحمى تفارقهما حتى مات، رواه أحمد والطبراني بسند مستقيم.
ولما قدم زيد بن مهلهل في وفد طيء سنة تسع .. قال له النبي ﷺ : (ما اسمك؟) قال: زيد الخيل، قال: أنت زيد الخير، فلما انصرف .. قال النبي ﷺ : (نعم الفتى إن لم تدركه أم كلبة).
وروى: أنه قال: (يا زيد الخير؛ تقتلك أم كلبة) يعني: الحمى، فلما رجع إلى أهله حم ومات ﵁.
والمصنف ﵀ ضبط (المطبقة) بكسر الباء وفتحها، ولم يذكر في (التحرير) تبعًا للجوهري سوى الفتح، وهو الأشهر.
قال: (أو غيرها إلا الربع)، الحمايات ضربان: مطبقة وغيرها، فالمطبقة تقدمت، وأما غيرها .. فهو خمسة أنواع:
(الورد) وهي: التي تأتي كل يوم وتذهب.
و (الغب): التي تأتي يومًا بعد يوم.
و (الثلث): التي تأتي يومين وتذهب في الثالث.
و (الأخوين): التي تأتي يومين وتقلع يومين.
و (الربع) بكسر الراء: التي تأتي يومًا وتقلع يومين، وتسميها العامة: المثلثة، وقد يقال: إنه أصوب من تسمية الفقهاء لها بالربع، لكن اللغويون ألحقوها بربع الإبل في ورود الماء في اليوم الثالث، وهو نظير المنقول عن ابن عباس في عاشوراء: أنه اليوم التاسع.
فالورد والثلث مخوفان دون الربع؛ لأنه يقوى في يومي الإقلاع، وأما الغب .. فمخوف على الأصح.
стр. 2833
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال المتولي: إن امتدت .. فهي مخوفة، وأما حمى الأخوين .. فقال القاضي والرافعي: إنها مخوفة، وجعلها المتولي كالغب.
فائدة:
نقل الجوهري عن الحسن البصري: أنه فسر قوله ﷺ لأبي هريرة ﵁: (زر غبًا تزدد حبًا): أنها في كل سبع أيام ويوم.
قال: و (الغب): أن ترد الإبل يومًا وتدع يومًا، وكذلك الغب في الحمى، وفي الحديث: (أغبوا في زيارة المريض) أي: زوروا يومًا ودعوا يومًا.
فروع:
(البرسام) و (السرسام) مرضان رديئان مخوفان، فالذي بالباء من أمراض القلب، والذي بالسين من أمراض الدماغ، و (سر) بالفارسية: الرأس، و (سام): المرض، و (بر): الصدر، و (سام): المرض، وسائر اللغات غير العربية يقدمون المضاف إليه على المضاف، فمعناه: مرض الرأس.
واقتصر الفقهاء على ذكر البرسام؛ لأنه قد يبقي معه العقل في وقت، فإذا تصرف فيه .. نفذ من الثلث، والسرسام لا يبقى معه عقل، فلا فائدة لذكره هنا؛ لأنه لا يعتبر تصرفه لا من الثلث ولا من غيره.
وفي (زيادات العبادي): أن المرأة إذا وهبت صداقها من زوجها وهي مريضة إن كانت لا تقوم إلا بمعين وماتت .. لا يصح، وإن كانت تقوم بغير معين .. فلها حكم الأصحاء.
والمعروف من زيادات المرض الجراحة إن كانت على مقتل أو نفذت إلى جوف أو لها ضربان شديد وحصل معها تورم وتآكل .. فهي مخوفة.
стр. 2834
وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يُلْحَقُ بِالْمَخُوفِ: أَسْرُ كُفَّارٍ اعْتَادُوا قَتْلَ الأَسْرَى، والْتِحَامُ قِتَالٍ بَيْنَ مُتَكَافِئَيْنِ،
ــ
والقيء إن كان معه دم أو بلغم أو غيرهما من الأخلاط .. فهو مخوف.
وقال الشافعي ﵁: الطاعون مخوف، وفسره بعضهم بانصباب الدم إلى عضو مخوف، والأكثرون فسروه بهيجان الدم في جميع البدن وانتفاخه.
وقال قوم: إنه مرض عام، سببه: فساد الهواء، فتفسد به الأمزجة والأبدان، وقريب منه هيجان المرة الصفراء.
هذا حكمه إذا وقع في البدن، أما إذا وقع ببلد وفشا فيها .. فهو مخوف في حق من لم يصبه في الأصح، كذا أطلق تصحيحه في (الروضة) و (الشرح) و (الحاوي الصغيرين)؛ لأنه يشبه حالة التحام الحرب.
أما الجرب ووجع الضرس ووجع العين والصداع .. فغير مخوفة.
وقال الجرجاني: الاعتبار في الصحة والمرض بحال الإيقاع دون حال الوقوع، فإذا قال لعبده في حال الصحة: إن دخلت الدار فأنت حر، فدخلها في حال المرض .. عتق من رأس المال، ولو قال في حال الصحة: إن دخلت في مرضي، فدخل في مرضه .. عتق من الثلث، لقصد إيقاع العتق في مرضه.
قال: (والمذهب: أنه يلحق بالمخوف: أسر كفار اعتادوا قتل الأسرى)؛ لأنه يستعقب الهلاك غالبًا، أما إذا لم يعتادوا كالروم .. فهو غير مخوف.
قال: (والتحام قتال بين متكافئين)؛ لقوله تعالى: ﴿ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون﴾، ولذلك قال عمير بن وهب يوم بدر: رأيت البلايا تحمل المنايا، وكقول الحارث بن هشام [من الكامل]:
ووجدت ريح الموت من تلقائهم .... في مأزق والخيل لم تتبدد
(المأزق): المضيق، ومنه سمي موضع الحرب: مأزقًا.
стр. 2835
وَتَقْدِيمٌ لِقِصَاصٍ أَوْ رَجْمٍ، وَاضْطِرَابُ رِيحٍ، وَهَيَجَانُ مَوْجٍ فِي رَاكِبِ سَفِينَةٍ،.
ــ
و (الالتحام) في الحرب: اختلاط بعضهم ببعض، كاشتباك لُحمة الثوب بسداه، أو لأن بعضهم يلحم بعضًا، أي: يقتله، أو لكثرة لحوم القتلى.
واحترز بـ (الالتحام) عما قبله؛ فإنه غير مخوف وإن تراموا بالنشاب والحراب.
ولا فرق في الالتحام بين أن يكون الفريقان كفارًا أو مسلمين، أو أحدهما مسلمين والآخر كفارًا.
واشتراط التكافؤ في التحام القتال من زيادة الكتاب على (المحرر)، وهي في (الشرح)، فزادهما المصنف ولابد منها.
وكذا القريبان من التكافؤ، وإلا .. فلا خوف في حق الغالبين قطعًا.
قال: (وتقديم لقصاص أو رجم، واضطراب ريح، وهيجان موج في راكب سفينة).
أما التقدم للقتل قصاصًا .. فالنص فيها: أنه غير مخوف، وفي الباقي: أنه مخوف، والأصح: قولان في الجميع: أصحهما: أنها مخوفة.
ومنهم من فرق في التقديم للرجم بين أن يثبت الزنا بالبينة أو بالإقرار؛ لاحتمال الرجوع، ورد بإطلاق النص.
قال الشيخ: وينبغي أن لا يشترط التقديم، بل بمجرد ما يحصل ذلك منه ويعزم على الإقرار يعتبر من الثلث، لأن هذا أشد من المرض، لأن ذلك يتوقع البرء، وهذا لا يتوقع الحياة مع عزمه على الإقرار، وكذا من تحتم قتله في المحاربة.
وقوله: (اضطراب ريح، وهيجان موج) هما شيء واحد، واحترز بذلك عما إذا كان البحر ساكنًا .. فإنه ليس بمخوف، ولم يفرقوا بين من يحسن السباحة وغيره –وللفرق اتجاه لاسيما الماهر بها القريب من الساحل- ولا بين راكب البحر والأنهار العظيمة كالنيل والفرات.
стр. 2836
وَطَلْقُ حَامِلٍ، وَبَعْدَ اٌلْوَضْعِ مَا لَمْ تَنْفَصِلِ اٌلْمَشِيمَةُ
ــ
وأجرى الماوردي القولين فيما إذا أدركه سيل، أو نار، أو أفعى قتالة، أو أسد وهو وحده ما لم يجد محيصا.
قال: (وطلق الحامل) سواء كان لولادة أو إسقاط؛ لصعوبة أمرها، ولهذا كان موتها بذلك شهادة كما تقدم في (الجنائز).
وقيل: ليس بمخوف؛ لأن الغالب السلامة.
وقيل: مخوف في الأبكار والأحداث، لا من توالت ولادتها من كبار النساء.
واحترز بـ (طلق الحامل) عن الحمل نفسه؛ فإنه ليس بمخوف.
وقال مالك: إذا بلغت ستة أشهر ... دخلت في الخوف.
فائدة:
روى النقاش في آخر تفسير (سورة الأحقاف) عن ابن عباس أنه قال: (إذا عسر على المرأة ولادتها ... فيكتب في صحيفة ثم تغسل وتسقى: بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب السموات ورب العرش العظيم،﴾ كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحها ﴿،﴾ كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بالغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون ﴿.
وفي (خصيصي الزبد ما يسهل ولادة الولد بقدرة الواحد الأحد):إذا وضع على فخذها، كما أشار إليه الحريري في المقامة التاسعة والثلاثون.
قال: (وبعد الوضع ما لم تنفصل المشيمة)؛لأنه أشد خطرا من حالة الطلق، فإذا انفصلت المشيمة ... زال الخوف، ولذلك تسميه النساء: الخلاص، ومحل زول الخوف: إذا لم تحصل بالولادة جراحة أو ضربان شديد، فإن حصل ذلك ... استمر الخوف.
стр. 2837
أَوِ ادفَعُوا إِلَيْهِ، أَوِ ادْفَعُوا إِلَيْهِ، أَوْ أَعْطُوهُ بَعْدَ مَوْتِي أَوْ أَعْطُوهُ بَعْدَ مَوْتِي، أَوْ جّعَلْتُهُ فَلَوِ اٌقْتَصَرَ عَلَى قَولِهِ فَلَوِ اٌقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: هُوَ لَهُ ... فَإِقْرَارٌ
ــ
الشيخ الذي ينتظر الموت يوما بيوم عطاياه من رأس المال بلا خلاف، ولعل الفرق بينه وبين المسائل المتقدمة: أن تلك أسباب طارئة غير معتادة، بخلاف سن الهرم؛ فإنه لا يلتحق بذلك.
فرع:
الشيخ الذي ينتظر الموت يوما بيوم عطاياه من رأس المال بلا خلاف، ولعل الفرق بينه وبين المسائل المتقدمة: أن تلك أسباب طارئة غير معتادة، بخلاف سن الهرم؛ فإنه لا يلتحق بذلك.
قال: (وصيغتها: أوصيت له بكذا، أو ادفعوا إليه، أو أعطوه بعد موتي، أو جعلته له، أو هو له بعد موتي)،هذا هو الركن الرابع، وهذه الألفاظ صرائح في الباب، أما لو قال: أوصيت له بكذا ... فلاشك في صراحته، وأما البواقي .. فكذا أطلقها في (الروضة)،وظاهر إطلاقه الصراحة.
وقال الشيخ في (ادفعوا إليه):إنه إذن في الدفع، فإن دل دليل على أنه وصية ... اتبع، وإلا، فلو لم يخرج من الثلث، وقال المدفوع إليه: لم يرد الوصية بل كان ذلك لي عنده، واحتمل ذلك .. ينبغي أن يقبل إلا أن يكون قال: من مالي، وأما (أعطوه) .. فلا يأتي فيه هذا؛ لأن لفظ الإعطاء يقتضي التمليك، كما قالوه في (الخلع).
قال المصنف في (التحرير):و (أعطوه) بهمزة قطع، من وصلها .. فقد غلط.
قال: (فلو اقتصر على قوله: هو له .. فإقرار)؛لأنه من صرائحه، ولهذا لو قال: هذا لفلان، ثم قال: أردت الوصية .. لم يقبل.
стр. 2838
إِلا? أَنْ يَقْولَ: هُوَ لَهُ مِنْ مَالِي، فَيَكُونُ وَصِيَة. وَتَنْعّقِدُ باٌلْكِنَايَةِ، وَاٌلْكِتَابَةُ كِنَايَةٌ.
ــ
قال: (إلا أن يقول: هو له من مالي، فيكون وصية)؛لأنه لا يصلح للإقرار، وكان ينبغي له أن يقول: فيكون كناية عن الوصية، كما صرح به في (الروضة)،وناقشه الشيخ في ذلك وقال: إنه صريح، فحينئذ استقام كلام المصنف، أما إذا قال: هو له من مالي بعد موتي .. فهو وصية قطعا.
وإن اقتصر على قوله: وهبته منه .. فالأصح: أنه ليس بكناية.
قال: (وتنعقد بالكناية) أي: بالنون، كعينت هذا لزيد، أو عبدي هذا له، ونحوه، كما ينعقد البيع بها، بل أولى؛ لأنها تقبل التعليق بالإغرار، وتصح بالمجهول وغير الملك، ولا يأتي فيه الخلاف في البيع، وفي (الروضة):تنعقد بالكناية مع النية بلا خلاف.
ووقع في (المحرر) حكاية خلاف فيه حيث عبر بالأظهر، وهو غريب، فلذلك حذفه المصنف.
قال الشيخ: وينبغي حمل قوله في (المحرر):الأظهر، على أنه الظاهر، لا على أن فيه خلافا، وعبارة الإمام: الظاهر عندي.
ومن هنا يعلم أن قولهم: الأظهر والظاهر، لا يستدعي خلافا إلا إذا قالوا: أظهر الوجهين ونحوه، وهنا اعترض ابن الفركاح على المصنف اعتراضا منطقيا من جهة تركيب اللفظ.
قال: (والكتابة كناية)،فإذا كتب وقال: نويت الوصية لفلان، أو اعترف ورثته به بعد الموت .. وجب أن يصح، كذا ذكره الرافعي بحثا، ونقل عن المتولي: أنه إذا كتب: أوصيت لزيد بكذا .. لم تصح إن كان ناطقا، قال في (المطلب):وهو المشهور.
وقيل: تصح بالكتابة مطلقا؛ لحديث ابن عمر: (إلا ووصيته مكتوب عند رأسه)؛فإنه يشهر باعتبارها.
стр. 2839
وَإنْ وَصَى لِغَيْرِ مُعَيَنِ كَاٌلْفُقَرَاءِ .. لَزِمَتْ بِاٌلْمُوْتُ بِلاَ قَبُولٍ، أَوْ لِمُعَيَنِ .. اشْتُرِطَ الْقَبُولُ
ــ
أما إذا اعتقل لسانه .. فإنه يصح إيصاؤه بالإشارة، كما روي: أن أمامة بنت أبي العاصي أصمتت فقيل لها: لفلان كذا ولفلان كذا، فأشارت؛ أن نعم، فجعل ذلك وصية، كما استدل به الرافعي وغيره، وهو غريب.
ولو وكل بعقد الوصية .. جاز.
حادثة:
أراد نصر بن أحمد من أمراء خرسان أن يوصي ولا يطلع على وصيته أحد، فشاور العلماء، فلم يفت له بذلك إلا محمد بن نصر المروزي؛ فإنه قال: يكفي الإشهاد عليه بها، ونقل عنه أنه قال: تكفي الكتابة المجردة، واحتج بحديث ابن عمر.
قال الشيخ: فإن وجد مع الوصية شهادة: أن هذه وصية أو أنها عطية وإن لم يعلما ما فيها .. يصح عند محمد بن نصر، واختار قوله في ذلك.
فرع:
قال: كل من ادعى علي بعد موتي فأعطوه ما يدعيه ولا تطالبوه بالحجة، فادعى اثنان بعد موته حقين مختلفي القدر ولا حجة .. كان كالوصية يعتبر من الثلث، فإذا ضاق عن الوفاء .. قسم بينهما على قدر حقيهما، قال في (البحر) و (الإشراف).
قال: (وإن وصى لغير معين كالفقراء .. لزمت بالموت بلا قبول)؛لتعذره منهم.
قال: (أو لمعين .. اشترط القبول) قال الإمام: بلا خلاف، وقال الرافعي: يأتي فيه خلاف من قولنا: إنه يملك بالموت، وقوي الشيخ كلام الرافعي بأبحاث عديدة، وظاهر كلام المصنف: أن لابد من القبول اللفظي، ويشبه الاكتفاء
стр. 2840
وَلاَ يَصِحُ قَبُولٌ وَلاَ رَدٌ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي، وَلاَ يُشْتَرَطُ بَعْدَ مَوْتِهِ الْفَوْرُ
ــ
بالفعل، وهو الأخذ كالهدية، فلو قبض البعض دون البعض .. ففيه احتمالان للغزالي: الأرجح منهما: البطلان، ويأتي فيه ما تقدم في قبول بعض الموهوب.
ومراد المصنف بـ (المعين):المحصور، فإن كان غير محصور كالعلوية .. لم يشترط القبول في حقهم كالفقراء، والظاهر: أنهم أرادوا بالمعين الآدمي.
كل هذا في غير العتق، فلو قال: اعتقوا عبدي بعد موتي .. لم يفتقر إلى قبول العبد؛ لأن فيه حقا لله فكان كالجهة العامة، ومثله التدبير إذا قلنا: إنه وصية .. فإنه يتنجز بالموت من غير توقف على قبول، كما صرح به الرافعي في الكلام على رهن المدبر، أما لو قال: أوصيت له برقبته .. ففي افتقاره إلى القبول وجهان: أصحهما: نعم؛ لاقتضاء صيغة القبول، ذكره الرافعي قبيل المسائل الحسابية.
قال: (ولا يصح قبول ولا رد في حياة الموصي)؛لأن له أن يرجع في وصيته، ولأنه لا حق للموصي له قبل الموت.
وأفهمت عبارته صحة ذلك بعد الموت، وهو كذلك في القبول، أما الرد، فإن كان قبل القبول .. صح قطعا، أو بعد القبول والقبض .. فلا قطعا، أو بعد القبول وقبل القبض .. فالأصح في (الشرح) و (الروضة):المنع، وفي (تصحيح التنبيه):الصحة، وهو المنصوص في (الأم)؛لأن ملكه قبل القبض لم يتم.
قال الشيخ: لم يتكلم أصحابنا في صيغة الرد، ورأيت في كتب الحنابلة: أنه يحصل بقوله: رددت الوصية، وقوله: لا أقبلها، وما أدى هذا المعنى. (ولا يشترط بعد موته الفور)؛لأن الفور إنما يشترط في العقود الناجزة التي يعتبر بها ارتباط القبول بالإيجاب.
следующие страницы →