Полный текст (5 377 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
فَإِنْ أُذِنَ لَهُ فِيهِ .. جَازَ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ قَالَ: أَوصَيْتُ إِليْكَ إِلى بُلوغِ ابْنِي أَوْ قُدُومِ زَيْدٍ فَإِذَا بَلَغَ أَوْ قَدِمَ فَهُوَ الوَصِي? .. جَازَ
ــ
قال: (فإن أذن له فيه .. جاز في الأظهر) كالوكيل يوكل بالإذن بل أولى؛ لقوة نظر الموصي.
والثاني: لا؛ لبطلان إذنه بالموت، هذا إذا لم يعين بأن قال: أوص إلى من شئت، فإن قال: أوص إلى فلان .. فالمذهب كذلك.
وقيل: يصح قطعا، ورجحه الماوردي.
وموضع القولين: إذا أذن له أن يوصي عن نفسه أو أطلق، فإن أذن له أن يوصي عن الموصي .. صح قطعا، صرح به ابن الصباغ والقاضي أبو الطيب والروياني.
فإن قلنا: يصح، فمات الموصي من غير وصية إلى فلان .. فهل على الحاكم نصبه أو له نصب غيره؟ فيه وجهان.
قال: (ولو قال: أصيت إليك إلى بلوغ ابني أو قدوم زيد فإذا بلغ أو قدم فهو الوصي .. جاز) وكذا لو قال: أوصيت إليك فإذا مت ففلان وصيي أو فقد أوصيت إليه، أو أوصيت إليك سنة فإذا مضت فوصيي فلان؛ لأن الموصي هو الذي أوصى إليه وجعل الوصاية إلى الثاني مشروطة بشرط، والوصية كما تحتمل التعليق تحتمل الأخطار، ولأن الوصاية قريبة من التأمير، وقد أمر النبي ﷺ زيدا وقال: (إن أصيب زيد .. فجعفر، وإن أصيب جعفر .. فعبدالله بن رواحة).
وروي: أن فاطمة أوصت إلى علي، فإن حدث بها حادث .. فإلى بنيها ﵃.
وقيل: فيه الخلاف في تعليق الوكالة.
стр. 2907
وَلاَ يَجُوزُ نَصْبُ وَصِي? وَالجَد? حَي? بِصِفَةِ الوِلاَيَةِ، وَلاَ الإِيصَاءُ بِتَزْوِيجِ طِفْلٍ وَبِنْتِ
ــ
قال الرافعي: وبالمنع أجاب الروياني، فمنع: إذا مت .. فقد أوصيت إليك، وجوز: أوصيت إليك إذا مت.
قال: (ولا يجوز نصب وصي والجد حي بصفة الولاية)؛لأن ولايته ثابتة بالشرع كولاية التزويج.
وقيل: يجوز؛ لأنه أولى من الجد فكذا نائبه.
ويستثني من ذلك: المشكل إذا استلحق ولدا ولم يصرح ببنوة الظهر ولا البطن، فإذا بلغ هذا الولد وحدث له أولاد فأوصى عليهم أجنبيا مع وجود الجد المستلحق .. صحت وصيته جزما؛ لاحتمال أن يكون امرأة فلا ولاية لها عليهم، صرح به القاضي أبو الفتوح، وهو ظاهر.
تتمة:
مراد المصنف: الوصاية في أمر الأطفال، فأما في الديون والوصايا .. فلا خلاف في جواز نصبه مع الجد، فإن لم ينصب .. فأبواه أولى بقضاء الديون، والحاكم بتنفيذ الوصايا، واستثنى الشيخ من ذلك ما إذا كان الجد غائبا .. فله أن يوصي إلى حضوره؛ لأن الضرورة تدعو إلى ذلك.
قال: (ولا الإيصاء بتزويج طفل وبنت)،خلافا لمالك وأبي حنيفة؛ لعموم قوله ﷺ : (السلطان ولي من لا ولي له)،ولأن الوصي لا يتعير بدخول الدناءة في نسبهم، واللائق تفويض أمر التزويج إلى من يعتني بالنسب أو يختص بقوة النظر والاجتهاد كالقاضي، وأيضا فلأنهم لو كانوا بالغين .. لم تجز
стр. 2908
وَلَفْظُهُ: أَوْصَيْتُ لَكَ، أَوْ فَو?ضْتُ، وَنَحْوُهُمَا .. وَيَجُوزُ فِيهِ التَوْقِيتُ وَالتَعْلِيقُ. وَيُشْتَرَطُ: بَيانُ مَا يُوصِي? فِيهِ- فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى: أَوْصَيْتُ إِلَيْكَ .. لَغَا-
ــ
الوصاية في حقهم وإن كانوا صغارا، فغير الأب والجد لا يزوج الصغير والصغيرة، وإذا علم أن الوصي لا يزوج بالوصاية .. فبدونها أولى.
قال: (ولفظه) أي: لفظ الإيصاء (أوصيت لك) بكذا (أو فوضت ونحوهما) مثل: أقمتك مكاني، أو نزلتك منزلي في أمر أولادي بعد موتي، وتكفي إشارة الأخرس المفهمة وكتابته.
قال: (ويجوز فيه التوقيت والتعليق)؛ لأنها تحتمل الجهالات والأخطار.
قال: (ويشترط: بيان ما يوصي فيه)؛ليكون على بصيرة مما يدخل فيه، فيقول: في قضاء ديوني وتنفيذ وصيتي والتصرف في مال أطفالي والقيام بمصالحهم، ومتى خصص أو عمم .. اتبع.
قال: (فإن اقتصر على: أوصيت إليك .. لغا) كما لو قال: وكلتك، ولم يبين ما فيه التوكيل، ولأنه لا عرف يحمل عليه.
وصرح الرافعي ينفي الخلاف عن ذلك.
وقال في (شرح التعجيز) بالإجماع.
قال الشيخ: لكن العرف إذا قالوا: فلان أوصى إلى فلان .. شمول جميع التصرفات، ويشهد له قول علماء البيان: إذ حذف المعمول يؤذن بالتعميم، لا جرم جزم الزبيلي في (أدب القضاء) بالصحة، وبه أفتى القفال.
فرع:
قال: أوصيت لك في أمر أطفالي، أو أقمتك مقامي في أمر أطفالي ولم يذكر التصرف .. فوجهان:
أصحهما- في (الحاوي الصغير) –: ليس له إلا حفظ أموالهم؛ تنزيلا على الأقل.
стр. 2909
وَالقَبُولُ، وَلاَ يَصِح? فِي حَيَاةِ المُوَصِي? فِي الأَصَح?. وَلَوْ وَصَى اثْنَيْنِ .. لَمْ يَنْفَرِدْ أَحَدُهُمَا
ــ
والثاني: له الحفظ والتصرف؛ اعتمادا على العرف، واختاره الشيخ.
وفي وجه ثالث: أن الوصاية لا تصح حتى يبين ما فوضه إليه، فاجتمع في المسألة ثلاثة أوجه.
قال: (والقبول) فلا تتم الوصاية إلا به كالوكالة، وظاهر عبارته: اشتراط ذلك لفظا؛ لأن الوصاية هي العقد المشتمل على الإيجاب والقبول، والإيصاء هو الإيجاب وحده، والقبول ركن، ولذلك قال فيه (التنبيه):ولا تتم الوصية إلا بالقبول.
والقبول يطلق بمعنيين:
أحدهما: اللفظ الدال عليه وقد علم ما فيه.
والثاني: الرضا بما فوضه إليه، وهذا لابد منه، حتى لو رد وقال: لا أقبل .. فإنها تبطل كالوكالة.
والقبول على التراخي ما لم يتعين تنفيذ الوصايا، ويلتحق به ما لو عرضها الحاكم عليه عند ثبوتها عنده، قاله الماوردي في نظيرها من الوكالة.
قال: (ولا يصح في حياة الموصي في الأصح)؛لأنه لم يدخل وقت التصرف.
والثاني: يصح كالوكالة، وبهذا جزم العراقيون.
والرد في حياة الموصي على هذا الخلاف، فإن رد بعد الموت .. لغت قطعا.
قال: (ولو وصى اثنين .. لم ينفرد أحدهما)؛لأنه أناط الأيدي بالاجتماع، وقد يكون أحدهما أوثق والآخر أحذق، وسواء صرح باجتماعهما أو أطلق؛ تنزيلا على الأخذ بالأقل والأحوط، ولم يحكوا في حالة الإطلاق خلاف الوكالة.
وقيل: ما يدخله الاجتهاد ليس لأحدهما التفرد به، وما لا يدخله، فما للموصى له أن ينفرد بتناوله .. جاز لأحدهما أن ينفرد به، كرد الودائع والغصوب والعواري،
стр. 2910
إِلاَ إِنْ صَرحَ بِهِ
ــ
وتنفيذ وصية معينة، وقضاء دين في التركة جنسه.
وهذا في الحقيقة قيد لإطلاق المسألة؛ لأن لصاحبه الاستقلال به.
قال الرافعي: وهذا واضح في وقوع المدفوع موقعه وعدم نقصه، وأما جواز الإقدام على الانفراد به .. فليس واضحا؛ فإنهما لم يتصرفا إلا بالوصية فلتكن بحسبها، لكن يرد على المصنف: ما لو اختلفا في الحفظ؛ فإنه يقسم بينهما على الأصح.
قال الإمام: وليس المراد من الاجتماع: أن يتلفظا بالعقد معا، وإنما صدوره عن رأيهما، وأن يباشره أحدهما أو غيرهما برأيهما، فلو مات واحد أو فسق أو جن أو غاب أو لم يقبل، فإن شرط الاستقلال .. انفراد الآخر، أو الاجتماع .. نصب الحاكم بدله، وليس له إثبات الاستقلال للباقي على الأصح، وكذا لو ماتا .. ليس له نصب واحد فقط على الأصح، وليس لأحد الوصيين أن يبيع من الآخر.
قال: (إلا إن صرح به)،فحينئذ يجوز الانفراد عملا بالإذن كالوكالة، فلو خرج أحدهما عن الأهلية لم ينصب بدله.
فروع:
الأول: يجوز أن يوصى إلاى زيد ويجعل عمرا ناظرا عليه، فإن أراد الوصي أن ينفرد بالعقد من غير مطالعة الناظر .. لم يجز، وإن أراد الناظر أن يتولى العقد .. لم يجز.
وقال أبو حنيفة: الناظر وصي يفعل ما يفعل الوصي.
ودليلنا: أنه لم يجعل للناظر مباشرة عقد أو تنفيذ أمر، بل جعله ناظرا على الوصي في العقد والتنفيذ.
الثاني: أوصى إلى الله وإلى زيد، أو لله ولزيد، أو لله ثم زيد .. فالصواب: أن الوصاية إلى زيد في الأحوال كلها، وذكر الله تعالى للتبرك؛ لأنه المستعان في كل شيء.
стр. 2911
وَلِلمُوصِي وَالوَصِي? الَعَزْلُ مَتَى شَاءَ
ــ
الثالث: قال: أوصيت إلى زيد، ثم قال: أوصيت إلى عمرو .. لم يكن عزلا للأول، فإن قبلا .. فهما شريكان على الاجتماع لا ينفرد أحدهما بالتصرف عند الرافعي.
وقال البغوي: لأحدهما الانفراد، وجعله الشيخ الأظهر.
وإن قبل أحدهما دون الآخر .. انفرد بالتصرف.
الرابع: في (زيادات العبادي):لو قال الموصي: اعمل برأي فلان، أو بعلم فلان، أو بحضرته .. جاز أن يخالفه فيعمل دون أمره، فإن قال: لا تفعل إلا بأمر فلان، أو إلا بعلم فلان، أو إلا بحضرته .. لم يكن له الانفراد؛ لأنهما وصيان.
قال: (وللموصي والوصي العزل متى شاء)؛لأنه تصرف بالإذن، فأشبه الوكالة.
وفي زوائد (الروضة):إنما يجوز العجز إذا لن تتعين عليه، ولم يغلب على ظنه تلف المال باستيلاء ظالم من قاض أو غيره، وإلا .. حرم عليه عزل نفسه، وبذلك قال ابن الصلاح وابن عبد السلام.
وقال الماوردي: إن كانت بلا عوض .. جاز، وإلا .. كانت لازمة كعقد الإجارة.
وقال أبو حنيفة: ليس للموصى عزل نفسه بعد موت الموصي ولا في حياته إلا بحضوره.
وفي إطلاق العزل بالنسبة إلى الموصي نظر؛ فإن العزل فرع الولاية ولا ولاية قبل موت الموصي، فكان الأليق التعبير بالرجوع كما عبر به في (الروضة) و (الشرح).
وتسميته عزلا؛ إنما تكون على اعتبار حال الوصية وأن القبول لا يشترط، وإلا .. لم تصح تسميته بذلك.
стр. 2912
وَإِذَا بَلَغَ الطِفْلُ وَنَازَعَهُ فِي الإِنْفَاقِ عَلَيْهِ .. صُد?قَ الوَصِي?
ــ
فإن قيل: إذا كان حفظ مال اليتيم فرض كفاية، والشروع في فرض الكفاية يوجب الإتمام على الأصح، فينبغي أن يحرم على الوصي عزل نفسه مطلقا .. فالجواب: أن قطع فرض الكفاية إن لزم فيه بطلان ما مضى كصلاة الجنازة .. حرم، وإلا، فإن لم تفت بقطعه مصلحة مقصودة للشارع بل حصلت بتمامها كما إذا شرع في إنقاذ غريق .. جاز قطعه، وإن حصل المقصود ولكن لا على التمام .. فالأصح: أن له القطع أيضا، كما إذا شرع في طلب العلم والوصية .. فله قطعهما؛ لأن غيره يقوم مقامه في ذلك.
مهمة:
أطلق الشيخان: أنه لا يلزم الوصي الإشهاد على بيع مال الطفل على الأصح، ومحله: إذا كان البيع حالا، فإن كان مؤجلا .. وجب الإشهاد، فإن تركه .. ففي بطلان البيع وجهان، كما ذكره في زوائد (الروضة) في الباب الأول من أبواب (الرهن)،وتقدمت الإشارة إلى ذلك في (باب الحجر).
قال: (وإذا بلغ الطفل ونازعه في الإنفاق عليه .. صدق الوصي) إذا كان ذلك نفقة مثله؛ لعسر إقامة البينة على ذلك وهو أمين، ولابد مع ذلك من اليمين، فإن ادعى الوصي زيادة على النفقة بالمعروف .. لم يقبل؛ لأنه إما كاذب أو مفرط، وإن ادعى عليه البيع بلا مصلحة .. فالمصدق الولد على الأصح كما تقدم في آخر (الحجر)؛فإن البينة لا تتعذر على ذلك، وإذا عينا قدرا .. فالمصدق من اقتضى الحال تصديقه، وهذه تستثنى من إطلاق المصنف.
فإن تنازعا في تاريخ موت الأب مع التوافق على الإنفاق .. فالأصح: تصديق الولد، خلافا للإصطخري، وليس هذا خاصا بالطفل بل المجنون بعد إفاقته والسفيه.
стр. 2913
أَوْ فِي دَفْعٍ إِلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ .. صُد?قَ الْوَلَدُ.
ــ
بعد رشده كذلك، ولا يختص بالوصي بل الأب والجد كذلك، وإنما تركه المصنف؛ لأنه يعلم من طريق أولى.
وحكم القاضي كالوصي، قاله الجرجاني، وينبغي تخصيص الخلاف فيه بحالة عزله، أما في ولايته .. فيصدق قطعا.
قال: (أو في دفع إليه بعد البلوغ .. صدق الولد) أي: بيمينه لتيسر إقامة البينة على ذلك؛ ولأن الله تعالى أمره بالإشهاد بقوله:﴾ فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ﴿.
وقيل: يصدق الوصي؛ لأن أمين كالمودع، وبه قال أبو حنيفة وأحمد.
وقول الوصي في التلف بالغصب والسرقة مقبول، وهذه المسألة قيل مكررة في آخر (الوكالة).
والجواب: أن تلك القيم المنصوبة من جهة القاضي، وهذه في الوصي وليس مساويا له، ولهذا قال هناك: (وقيم اليتيم إذا ادعى دفع المال إليه بعد البلوغ يحتاج إلى بينة على الصحيح)،لكن حكاية الخلاف في القيم وجزمه في الوصي ليس بجيد، ولو عكس .. لكان أولى؛ لأن القبول في الوصي أقوى منه في القيم.
تتمة:
إذا كان الناظر في أمر الطفل أبا أو جدا أو أما بحكم الوصية وكان فقيرا .. فنفقته على الطفل، وله أن ينفق على نفسه بالمعروف، ولا يحتاج في هذا القبض إلى إذن الحاكم كما أفتى به ابن الصلاح.
فإن كان أجنبيا فقيرا .. فله أن يأخذ من مال الطفل قدر أجرة عمله، فإن كان قدر أجرته لا يكفيه .. فله أخذ قدر كفايته بشرط الضمان؛ لقول عمر ﵁: (إني أنزل نفسي في مال الله منزلة ولي اليتيم؛ إن احتجت إليه .. أخذت منه، وإن
стр. 2914
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أيسرت .. رددته، وإن استغنيت .. استعففت).
وأما إخراج زكاته .. فتقدم في (باب الحجر).
******
خاتمة
إن خاف الوصي أن يستولي غاصب على المال .. فله أن يؤدي في تخليصه شيئا منه، والله يعلم المفسد من المصلح.
قال الشيخ عزالدين: ويجوز تعييب مال اليتيم والسفيه والمجنون لحفظ ما خيف عليه الغصب؛ لقصة الخضر عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
وفي (فتاوى القفال):ليس للوصي خلط حنطته بحنطة الصبي، ودراهمه بدراهمه، وقوله تعالى:﴾ وإن تخالطوهم ﴿محمول على ما لابد منه للإنفاق، وهو خلط الدقيق بالدقيق، واللحم باللحم للطبخ، ونحو ذلك، وقيده صاحب (البيان) بما إذا كان في ذلك رفق بالصبي.
******
стр. 2915
كتاب الوديعة
ــ
كتاب الوديعة
هي فعيلة من ودع: إذا ترك، ومنه قوله ﷺ : (لينتهين أقوام من ودع الجمعات) رواه مسلم.
وفي (النسائي) (دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم).
وحمعها: ودائع، قال الشاعر] من الطويل [:
إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة .... وتحمل أخرى أثقلتك الودائع
واستودعته الوديعة: استحفظته إياها، قال الشاعر] من البسيط [:
استودع العلم قرطاسا فضيعه .... وبئس مستودع العلم القراطيس
وهو اسم لمال يضعه مالكه أو من يقوم مقامه عند آخر ليحفظه، فخرج بذكر المال الكلب الذي يجوز اقتناؤه، والسرجين، وجلد الميتة قبل الدباغ، والخمر المحترمة، ونحو ذلك مما يجوز اقتناؤه والانتفاع به وليس بمال، وخرجت العين في يد الملتقط، والثوب الذي طيرته الريح ونحوه؛ لأن ذلك مال ضائع، وحكمه مغاير لحكم الوديعة.
فالإيداع: توكيل خاص حقيقته: استنابة في حفظ المال، فقول المصنف وغيره: (كتاب الوديعة) يصح حمله على المال المودع وعلى الإيداع.
وافتتحها في (المحرر) بقوله تعالى:﴾ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴿،وهي وإن نزلت في رد مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة .. فهي عامة في جميع الأمانات.
стр. 2916
مَنْ عَجَز عَنْ حِفْظِهَا .. حَرُمَ عَلَيْهِ قَبُولُهَا، وَمَنْ قَدَرَ وَلَمْ يَثِقْ بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ .. كُرِهَ،
ــ
قال الواحدي: أجمعوا على أن الآية نزلت في رد مفتاح الكعبة، ولم ينزل في جوف الكعبة آية سواها.
وروى الترمذي وأبو داوود والحاكم: أن النبي ﷺ قال: (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك).
وروى البيهقي عن عمر ﵁ أنه قال: وهو يخطب الناس: (لا يعجبنكم من الرجل طنطنته، ولكن من أدى الأمانة وكف عن أعراض الناس .. فهو الرجل).
والأصح: أنها عقد، وقيل: إذن مجرد، قال الإمام: وليس للخلاف ثمرة فقيهة، وهو قد صرح بثمرة الخلاف في (باب الرهن) فيما إذا أودع عند صبي أو عبد فأتلفه هل يضمن؟
ونتاج البهيمة إن جعلناها عقدا .. فهي وديعة كالأم، وإلا .. فلا، وكذا إذا عزل المودع نفسه، إن قلنا: أمانة .. لغا العزل، وفيما إذا قرنها بشرط فاسد، إن قلنا: عقد .. لغا، وإلا .. فلا.
قال: (من عجز عن حفظها .. حرم عليه قبولها)؛لأنه يعرضها للهلاك، كذا أطلقه الرافعي وغيره، وقيده ابن الرفعة بما إذا لم يطلع المالك على الحال، فإن اطلع .. فلا حرمة ولا كراهة، وبما إذا لم يتعين القبول، فإن تعين .. كان كقبوله القضاء.
ثم إذا قلنا بالتحريم .. فالإيداع صحيح ويكون أمانة في يده، فإن تلفت بغير تفريط .. لم يضمنها، وأثر التحريم مقصور على الإثم فقط.
قال: (ومن قدر ولم يثق بأمانة نفسه .. كره)؛لخشية الخيانة، ولا يلزم من
стр. 2917
فَإِنْ وَثِقَ .. اسْتُحِب?. وَشَرْطُهُمَا: شَرْطُ مُوَكِلِ وَوَكِيلٍ. وَتُشْتَرَطُ صِيغَةُ المُودعِ؛ كاسْتَودَعْتُكَ هَذَا، أَوْ اسْتَحْفَظْتُكَ، أَوْ أَنْبَتُكَ فِي حِفْظِهِ
ــ
عدم الوثوق بأمانة نفسه فسق، فإن الشديد الأمانة قد لا يخشى على نفسه الخيانة، وجزمه بالكراهة هنا لم يرجحه في (الروضة) ولا في (الشرح)،بل قالا: ينبغي أن لا يقبلها.
قال: (فإن وثق .. استحب)؛ لما روى مسلم: أن النبي ﷺ قال: (والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه).
أما إذا لم يكن من يصلح لها غيره، وخاف إن لم يقبلها هلكت .. ففي (المهذب) وغيره: أن القبول واجب.
قال الرافعي: وهو محمول على أصل القبول كما بينه السرخسي، دون إتلاف منفعة نفسه وحرزه مجانا.
وقال في (المرشد):لا يجوز في هذه الحالة أخذ أجرة على الحفظ؛ لتعينه عليه.
قال في (المطلب):وللخلاف التفات إلى ما إذا تعين عليه إنقاذ غريق فشرط عليه أجرة .. هل يستحقها؟ وماذا إذا تعين عليه تعليم الفاتحة فأصدقها تعليمها .. هل يصدق الإصداق؟ والأصح فيهما: نعم.
قال: (وشرطهما: شرط موكل ووكيل)؛لأنها استنابة في الحفظ، فلا يجوز استيداع المحرم صيدا ولا استيداع المصحف وكتب العلم عند الكافر.
قال: (وتشترط صيغة المودع؛ كاستودعتك هذا، أو استحفظتك، أو أنبتك في حفظه)،وكذلك ما كان صريحا كهذه الألفاظ، كأودعتك، وهو وديعة عندك، أو احفظه، ونحوها.
وتنعقد بالكناية مع النية كخذه، أو مع القرينة كخذه أمانة، ولا يكفي الوضع بين يديه مع السكوت، فلو قبضه المودع عنده .. ضمنه.
كل هذا في الناطق، أما الأخرس .. فتكفي إشارته.
стр. 2918
وَالأَصَح?: أَنَهُ لاَ يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ لَفْظاً، وَيَكْفِي الْقَبْضُ. وَلَوْ أَوْدَعَهُ صَبِي? أَوْ مَجْنُونٌ مَالاً .. لَمْ يَقْبَلْهُ، فِإِنْ قَبِلَ .. ضَمِنَ ...
ــ
ولو دخل شخص الحمام ووضع ثيابه واستحفظ الحمامي .. وجب عليه الحفظ، وإن لم يستحفظه .. لم يجب عليه، وقال القاضي حسين: عندي يجب؛ للعادة.
قال: (والأصح: أنه لا يشترط القبول لفظا، ويكفي القبض) كما في الوكالة، بل الوديعة أولى؛ لأنها أبعد عن مشابهة العقود.
والثاني: يشترط؛ بناء على أنها عقد، ويأتي في كونه على الفور ما سبق في (الوكالة).
والثالث: إن كان الإيجاب بصيغة العقد، كقوله: أودعتك .. وجب، أو بغيرها .. لم يجب، كقوله: احفظ هذا المال، أو هو وديعة عندك.
وإذا قلنا: لا يشترط القبول .. اشترط عدم الرد، فإذا قبضه المودع .. تمت الوديعة، وإن قام ولم يأخذها ولم يقبل .. كان ردا للوديعة، سواء كان المالك حاضرا أم غائبا، لكن يأثم إذا قام وتركها في غيبة المالك.
قال الماوردي: وليس على المودع إذا قبلها معرفة ما فيها، بخلاف اللقطة؛ لما يلزمه من تعريفها.
قال: (ولو أودعه صبي أو مجنون مالا .. لم يقبله)؛لأنه وضع يده على مال غيره بغير إذن معتبر، فكان كالغاصب، ولا يزول الضمان إلا بالرد إلى الناظر في أمره، إلا أن يخاف هلاكه، فيأخذه على وجه الحسبة، صونا له، فالأصح: لا ضمان، كما لو أخذ المحرم أو غيره صيدا من جارحه ليتعهده .. فالأصح: لا ضمان.
стр. 2919
وَلَوْ أَوْدَعَ صَبِياً مَالاً فَتَلِفَ عِنْدَهُ .. لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ أَتْلَفَهُ .. ضَمِنَ فِي الأَصَح?. وَالمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِسَفَهِ .. كَصَبَي?. وَتَرْتَفِعُ بِمَوتِ الْمُوَدعِ أَوْ الْمُودَعِ وَجُنُونِهِ وَإِغْمَائِهِ
ــ
قال: (ولو أودع صبيا مالا فتلف عنده) أي: ولو بتفريط (.. يضمن)؛لأنه لا يلزمه الحفظ فلا يلزمه الضمان، كما لو تركها عند بالغ من غير إيداع.
قال: (وإن أتلفه .. ضمن في الأصح)؛لأنه لم يسلطه على إتلافه وهو من أهل الضمان.
والثاني: لا يضمن، كما لو باع منه شيئا وسلمه إليه فأتلفه.
والفرق على الأول: أن البيع يتضمن التسليط على التصرف، بخلاف الإيداع، وهذا الذي ضعفه المصنف هنا صححه في (الروضة)،وأجرى الماوردي الخلاف الذي ذكره المصنف فيما إذا أعار من السفيه شيئا فأتلفه .. هل يضمنه؟ والمسألة في (الشرح) و (الروضة) ذات قولين لا وجهين.
قال: (والمحجوز عليه بسفه .. كصبي) أي: في إيداعه، والإيداع عنده في الضمان، وكذا في التضمين بالإتلاف وفي جريان الخلاف.
فرع:
حكم العبد كالصبي، لكن يفارقه في أنها إن تلفت تحت يده بتفريط .. ضمنها والصبي لا يضمن، وفي أن الصبي لا يودع عنده أصلا ويودع عند العبد إذا أذن سيده.
وإذا أودعه عبد .. لا يبرأ إلا بالدفع إلى السيد، صرح به البغوي والقفال وغيرهما.
قال: (وترتفع بموت المودع أو المودع وجنونه وإغمائه)؛لأنها وكالة في
стр. 2920
وَلَهُمَا الاِسْتِرْدَادُ وَالرد كُل وَقْتٍ. وَأَصْلُهَا: الأَمَانَةُ،
ــ
الحفظ أو إذن فيه وكلاهما يبطل بذلك، وترتفع أيضا إذا حجر عليه بسفه، قال في (البيان) و (الحاوي) و (الشامل)،وبعزل المالك، وكذا بعزل المودع نفسه على الأصح؛ بناء على أنها عقد، وبالجحود المضمن، وبكل فعل يتضمن الإقرار بها لآخر، وبنقل المالك الملك فيها ببيع ونحوه.
قال: (ولهما الاسترداد والرد كل وقت)؛لأن المودع مالك والمودع متبرع، وظاهر كلامه: أن لكل منهما الأمرين، وليس كذلك، بل ينبغي أن يقيد جواز الرد للمودع بحالة لا يلزمه فيها القبول ابتداء، أما إذا كانت بحيث يجب القبول في الصورة المتقدمة .. فيظهر تحريم الرد، وإن كانت بحيث يندب القبول .. فالرد خلاف الأولى إذا لم يرض به المالك، فإن طلبها المالك .. وجب ردها إليه كما سيأتي، فإن أخر بلا عذر مع الإمكان .. ضمن.
قال: (وأصلها: الأمانة)؛ لقوله تعالى: ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾ والمودع محسن.
وروى عمرو بن شعيب: (لا ضمان على مودع).
وفي حديث آخر: (من استودع وديعة .. لا ضمان عليه) لكنهما ضعيفان، إلا أن الإجماع انعقد على ذلك، وما روى عن عمر: أنه ضمن إنسانا وديعة ذهبت من بيته، فحمله العلماء على حالة التفريط أو التعدي، وسواء كان بجعل أو غيره كالوكالة.
وعلم من هذا: أنه لو أودعه بشرط أن تكون مضمونة عليه .. لم يصح، وكذا على أنه إذا تعدى أو فرط لا ضمان.
стр. 2921
وَقَدْ تَصِيرُ مَضْمُونَةً بِعَوارِضَ: مِنْهَا: أَنْ يُودِعَ غَيْرَهُ بِلاَ إِذْنِ وَلاَ عُذْرٍ، فَيَضْمَنُ، وَقِيْلَ: إِنْ أَوْدَعَ الْقَاضِيَ .. لَمْ يَضْمَنْ ...
ــ
وقوله: (أصل الأمانة) أراد بها أن موضوعها ذلك، وإطلاقه يعم صحيح الوديعة وفاسدها.
وفي (الكافي):لو أودعه بهيمة وأذن له في ركوبها، أو ثوبا وأذن له في لبسه .. فهو إيداع فاسد؛ لأنه شرط فيه ما يخالف مقتضاه، فإذا تلفت قبل الركوب والاستعمال .. لم يضمن، أو بعده .. ضمن؛ لأنها عارية فاسدة.
قال: (وقد تصير مضمونة بعوارض) وهي عشرة، أشرت إليها بقولي] من الرجز [:
عوارض التضمين عشر: ودعها .... وسفر، ونقلها، وجحدها
وترك الإيصاء، ودفع مهلك .... ومنع ردها، وتضييع حكي
والانتفاع، وكذا المخالفه .... في حفظها إن لم يزد من خالفه
قال: (منها: أن يودع غيره بلا إذن ولا عذر، فيضمن)؛لأن المالك لم يرض بغيره، وسواء في ذلك الغير عبده أو زوجته أو ابنه.
وقال أبو حنيفة وأحمد: له أن يودع من عليه نفقته من ولد ووالد، وزوجة وعبد، وإليه ذهب مالك في الزوجة.
قال الشيخ: وينبغي أن يكون محل الخلاف بيننا وبينهم: إذا انفرد هؤلاء باليد، أما إذا استعان بأحدهم ويده عليها لم تزل .. فلا ضمان؛ لقضاء العادة بذلك، فالملوك والأمراء أموالهم بأيدي خزانهم، والعرف قاض بأنها في أيديهم.
فإذا أودع وضمناه .. كان للمالك مطالبة أيهما شاء، فإن تلفت في يد الثاني .. فقرار الضمان عليه إن علم الحال؛ لأنه غاضب، وعلى الأول إن جهله.
قال: (وقيل: إن أودع القاضي) أي: الأمين (.. لم يضمن)؛لأن أمانة القاضي أظهر من أمانته وهو نائب الغائبين، والأصح عند الأكثرين: أنه لا فرق؛ لأنه
стр. 2922
وَإِذَا لَمْ يُزِلْ يَدَهُ عَنْهَا .. جَازَتِ الاِسْتِعَانَةُ بِمَنْ يَحْمِلُهَا إِلى الْحِرْزِ أَوْ يَضَعُهَا فِي خِزَانَةٍ مُشْترَكَةٍ. وَإِذَا أَرَادَ سَفَرَاً .. فَلْيَرُدَهَا إِلى الْمَالِكِ أَوْ وَكِيلِهِ،
ــ
إن كان المالك حاضرا .. فلا ولاية للقاضي عليه، أو غائبا .. فلا ضرورة إليه، ولم يرض المالك بيد غيره.
وفي وجه ثالث: إن كان المالك حاضرا أو وكيله .. ضمن، وإلا .. فلا، وبه جزم ابن الصباغ، واختار الشيخ: أن الغيبة وإن كانت قصيرة ولا عذر للمودع من إرادة سفر ونحوه فلا يجوز؛ لقوله ﷺ : (أد الأمانة إلى من ائتمنك)،لكن إذا كان حاضرا يتيسر الدفع إليه .. لم يلزم القاضي القبول، وإلا .. لزم الدفع إليه في الأصح.
قال الرافعي: ويجريان في وجوب قبضه المغصوب إذا حمله الغاصب إليه، وأولى بالمنع، وقال في (كتاب الشهادات):إنه يجب الانتزاع- وجوز جريان الخلاف فيه، وفي نص الشافعي ما يدل على أن لللآحاد الانتزاع- إذا قدر؛ ليرده، واختاره الشيخ.
قال: (وإذا لم يزل يده عنها .. جازت الاستعانة بمن يحملها إلى الحرز أو يضعها في خزانة مشتركة)؛لأن العادة جرت بذلك ولو كان أجنبيا، كما لو استعان في سقي البهيمة وعلفها.
و (الخزانة) بكسر الخاء: الموضع الذي يخزن فيه، وجمعها: خزائن، قال الله تعالى:﴾ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ﴿.
وخزانة الإنسان قلبه، وخازنه لسانه، قال لقمان لابنه: إذا كان خازنك حفيظا وخزانتك أمينة .. رشدت في أمر دنياك وآخرتك؛ يعني: اللسان والقلب.
قال: (وإذا أراد سفرا .. فليردها إلى المالك أو وكيله)؛لأنه قائم مقامه، سواء كان وكيلا خاصا في استردادها أو في عامة أشغاله.
стр. 2923
فَإِنْ فَقَدَهُمَا .. فَالْقَاضِي، فَإِنْ فَقَدَهُ .. فَأَمِينٌ
ــ
قال: (فإن فقدهما .. فالقاضي)؛ لأنه نائب الغائبين، وفقدهما إما لغيبة أو توار أو حبس مع تعذر الوصول إليه، ويجب على القاضي قبولها في هذه الحالة؛ لأن المالك لو كان حاضرًا .. لزمه القبول، فينوب عنه الحاكم عند الغيبة، كما لو خطبت المرأة ووليها غائب.
قال: (فإن فقده .. فأمين) أي: يأتمنه المودع، وكذا غيره في الأصح؛ لئلا يتضرر بتأخير السفر.
روى البيهقي وأصحاب السير: أن النبي ﷺ لما هاجر .. أمر عليًا أن يتخلف عنه بمكة حتى يؤدي عنه الودائع التي كانت عنده للناس، وأنه أقام ثلاثة أيام ولياليها حتى أداها.
وقيل: إنه ﷺ سلمها لأم أيمن وأمر عليًا بردها.
ولم يكن أحد بمكة عنده شيء يخشى عليه إلا أودعه النبي ﷺ لما يعلمون من صدقه وأمانته.
وقال الشيخ: إن هذا لم يكن إيداعًا من النبي ﷺ عند علي ولا عند أم أيمن، وإنما هو استعانة بهما في رد تلك الودائع إلى أصحابها، كما يستعان في حملها إلى الحرز ونحوه، والرد منسوب إلى النبي ﷺ ؛ لأن رد النبي ﷺ لم يكن ممكنًا، لأنه كان في سفر واجب، وهي الهجرة التي لا عبادة بعد الإيمان أفضل منها.
وهل يجب عليه الإشهاد على الأمين؟ وجهان: فإن أوجبناه فتركه .. ضمن، وإلا .. فلا، قاله الماوردي.
وعلى المذهب: إذا خالف هذا الترتيب، فدفعها إلى الحاكم، أو أمين مع إمكان الدفع إلى المالك، أو وكيله .. ضمن، فإن دفع إلى أمين مع وجود الحاكم .. ضمن في الأصح، وبه قال أحمد؛ لأن عدالة الحاكم متفق عليها.
стр. 2924
فَإِنْ دَفَنَها بمَوْضِعٍ وَسَافَرَ .. ضَمِنَ، فَإِنْ أَعْلَمَ بِهَا أَمِينًا يَسْكُنُ الْمَوْضِعَ .. لَمْ يَضْمَنْ فِي الأَصَحِّ
ــ
قال الشيخ: هذا بحسب ما يقتضيه وضع القضاء، وما يجب على الأئمة والناس فيه، وقد رأينا قضاة فجرة يعلم عدم عدالتهم، وهم على مذهب من يرى الانعزال بالفسق - وهو مذهب الشافعي ﵁ ليسوا قضاة، ولكن متغلبين، لا تنفذ أحكامهم، ولا يجوز ائتمانهم.
والوجه الثاني: إذا دفعها إلى أمين مع وجود الحاكم .. لا يضمن، وبه قال مالك؛ لأنه معذور أودع أمينًا، فأشبه ما إذا لم يجد المالك ولا وكيله ولا الحاكم فدفع إلى أمين؛ فإنه لا يضمن.
سؤال:
قال الشافعي ﵁ في عدل الرهن: إذا أراد سفرًا فأودع أمينًا .. ضمن، وفي الوديعة لو أودعها أمينًا عند إرادة السفر .. لا يضمن؟
أجاب بعضهم بأنه إنما يضمن في الرهن؛ لأن للحاكم نظرًا فيه، ولا نظر له في الوديعة فلم يضمن.
قال: (فإن دفنها بموضع وسافر .. ضمن)؛ لأنه عرضها للأخذ، سواء كان الموضع المدفون فيه محرزًا أم لا.
قال: (فإن أعلم بها أمينًا يسكن الموضع .. لم يضمن في الأصح)؛ لأن الموضع وما فيه في يد الأمين، فالإعلام كالإيداع.
والوجه الثاني: يضمن؛ لأنه إعلام لا إيداع.
وصورة المسألة - كما قال المصنف في (نكته) -: عند فقد الحاكم، فإن قدر عليه وقلنا: إذا لم يكن حاكم يضمن .. فهنا أولى.
стр. 2925
وَلَوْ سَافَرَ بهَا .. ضَمِنَ
ــ
وقوله: (أعلم بها) يفهم: أنه لا تشترط رؤيتها، وبه صرح الماوردي.
وقوله: (يسكن) ليس بقيد؛ فإن مراقبتها مراقبة الحارس كالسكن، صرح به الرافعي وغيره.
وهل هذا الإعلام إشهاد حتى يجب إشهاد رجلين حضرا الدفن أو رجل وامرأتين، أو ائتمان حتى تكفي امرأة؟ وجهان: أصحهما: الثاني.
قال: (ولو سافر بها .. ضمن)؛ لأن حرز السفر دون حرز الحضر.
قال الرافعي: وفي الخبر: (أن المسافر وماله على قَلَت إلا ما وقى الله) وهو غريب.
وقال المصنف: إنما هو من كلام بعض السلف، وقال الجوهري: إنه من كلام بعض الأعراب.
وقيل: لا يضمن إذا كان الطريق آمنًا، أو سافر في البحر وكان الغالب فيه السلامة ولم ينهه.
هذا إذا أودع حاضرًا، فإن أودع مسافرًا أو منتجعًا فانتجع .. فلا ضمان؛ لأن المالك رضي حين أودعه، فإن أقام بعد ذلك ثم سافر .. ففيه تردد للإمام، وجزم في (الذخائر) بالجواز؛ لوقوع الرضى به ابتداء.
قال: ولو كان عند الإيداع قد قارب بلده، ودلت قرينة الحال على أن المراد: إحراز الوديعة في بلده، فأراد السفر بعد إقامته ببلده .. لم يجز أن يسافر بها.
ثم إن المسافر له أربعة أحوال:
أحدها: مع عدم العذر من حريق أو نحوه، ومع القدرة على المالك، فيضمن، وهذه صورة الكتاب.
стр. 2926
إِلاَّ إِذَا وَقَعَ حَرِيقٌ أَو غَارَةٌ وَعَجَزَ عَمَّنْ يَدْفَعُهَا إِلَيهِ كَمَا سَبَقَ. والحَرِيقُ والغَارَةُ فِي البُقعَةِ، وَإِشْرَافُ الحِرْزِ عَلَى الْخَرَابِ .. أعذَارٌ كالسَّفَرِ. وإِذَا مَرِضَ مَرَضاً مخُوفاً .. فليَرُدَّهَا إِلَى الْمَالِكِ أو وَكِيلِهِ، وَإِلاَّ .. فالحَاكِمِ أَوْ أَمِينٍ أَوْ يُوَصِي بِهَا،
ــ
الثانية: عكسها، وهي وجود العذر كالحريق، وفقد المالك وغيره، فلا ضمان، وإليها أشار المصنف حيث قال:
(إلا إذا وقع حريق أو غارة وعجز عمن يدفعها إليه كما سبق)، فحينئذ يلزمه السفر بها، وإلا .. كان مضيعًا، ومثل ذلك لو عزم على السفر في وقت عجز فيه عن المالك والوكيل والحاكم فسافر بها .. فالأصح: لا ضمان؛ لئلا ينقطع عن مصالحه وينفر الناس عن قبول الودائع، وهذه هي الحالة الثالثة، وهي واردة على اعتبار الشرطين.
قال: (والحريق والغارة في البقعة، وإشراف الحرز على الخراب .. أعذار كالسفر) أي: في جواز الإيداع؛ لظهور العذر، وقد تقدم في آخر (السلم): أن الفصيح إغارة، وأن غارة لغة قليلة.
الحالة الرابعة: العذر وعدم الفقد فيضمن، وذلك يفهم من اشتراط الشرطين، ويأتي فيه الوجه الضعيف المتقدم من باب أولى.
قال: (وإذا مرض مرضًا مخوفًا .. فليردها إلى المالك أو وكيله، وإلا .. فالحاكم أو أمين أو يوصي بها) كما إذا أراد السفر.
وحكم الحبس للقتل حكم المرض المخوف.
وقال البغوي: تكفي الوصية وإن أمكنه الرد إلى المالك؛ لأنه لا يدري متى يموت.
والشرط في الموصى إليه: أن يكون أمينًا، فإن وصى إلى فاسق .. كان كما لو لم يوص فيضمن.
والمراد بالإيصاء: أن يعلم بها ويصفها بما تتميز به، أو يشير إلى عينها، أو يأمر
стр. 2927
فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ .. ضَمِنَ، إِلاَّ إِذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ بِأَنْ مَاتَ فَجْأَةً
ــ
بالرد إن مات، لا أن يسلمها إلى الوصي ليردها؛ فإنه في حكم الإيداع، فلو لم يبين بل قال: عندي وديعة .. فهو كما لو لم يوص.
قال: (فإن لم يفعل .. ضمن)؛ لأنه عرضها للفوات؛ إذ الوارث يعتمد ظاهر اليد فيدعيها لنفسه.
وقيد ابن الرفعة ذلك بما إذا لم تكن بالوديعة بينة باقية؛ لأنها كالوصية، قال الرافعي: وإنما يتحقق ذلك بالموت فيتبين به التقصير في أول مرضه فضمناه، أو يلحق التلف بعد الموت بالتردي بعد الموت في بئر حفرها متعديًا، قال الشيخ: ومقتضاه: أنها إذا تلفت قبل الموت .. لا تضمن، كسائر الوصايا لا يثبت حكمها إلا بعد الموت، ويمكن أن يأتي فيه وجه، ثم صحح: أنها إذا تلفت قبل الموت في المرض بغير تفريط .. لا يضمن.
قال: (إلا إذا لم يتمكن بأن مات فجأة)، وكذا إذا قتل غيلة، وقد أحسن أبو سهل الصعلوكي في جواب ذلك حيث قال: لا إن مات عرضًا، نعم إن مات مرضًا، ومراده ما قررناه.
وجميع الأمناء كالمودع في هذا الحكم، وأما عامل القراض إذا مات ولم يوجد مال القراض في تركته .. فقد تقدم في خاتمة بابه.
كل هذا في غير القاضي، أما القاضي، فإنه إذا مات ولم يوجد مال اليتيم في تركته .. لم يضمنه، قاله ابن الصلاح، قال: وإنما يضمن إذا فرط، سواء مات فجأة أم لا؛ لأنه أمين الشرع، بخلاف سائر الأمناء، ولعموم ولايته، لكن صرح الماوردي بتقييده بالقاضي العدل المأمون، أما غيره .. فيضمن قطعًا.
كل هذا إذا كانت عنده كالوديعة عند المودع، فإن كان لا يضع التركات عنده بل
стр. 2928
وَمِنْهَا: إِذَا نَقَلَهَا مِنْ مَحَلَّةٍ أَوْ دَارٍ إِلَى أُخْرَى دُونَهَا فِي الْحِرزِ .. ضَمِنَ، وَإِلاَّ .. فَلاَ
ــ
لها مكان يخصها كما هو المعهود الآن .. فهو أولى بنفي الضمان.
ولو مات ولم يذكر: أن عنده وديعة، فوجد في تركته كيس مختوم أو غير مختوم مكتوب عليه: إنه وديعة لفلان، أو وجد في تركته: أن لفلان عندي كذا وديعة .. لم يجب على الوارث تسليمه بمجرد ذلك، وكذا إذا وجد فيه بطاقة كتب فيها ذلك، وإنما يلزمه ذلك بإقراره، أو إقرار مورثه، أو وصيته، أو إقامة بينة بالإيداع.
ولو كان المودع ادعى الرد أو التلف قبل موته ولم يحلف .. لم يلزم الوارث الوفاء، خلافًا لابن داوود.
وإذا لم يوص المريض بالوديعة، فادعى صاحبها: أنه قصر، وقال الوارث تلفت قبل أن ينسب إلى تقصير .. نقل الشيخان عن الإمام: أن الظاهر براءة الذمة، قال في (المهمات): والصحيح عند الإمام خلاف ما نقلاه فيها عنه.
قال: (ومنها: إذا نقلها من محلة أو دار إلى أخرى دونها في الحرز .. ضمن)؛ لأنه عرضها للتلف، وسواء نهاه عن النقل، أو عين له ذلك المحل، أو أطلق، فلهذا أطلقه المصنف.
واحترز بقوله: (من دار إلى أخرى) عما إذا نقله من بيت إلى بيت في دار واحدة أو خان واحد؛ فإنه لا ضمان وإن كان الأول أحرز، قاله البغوي.
ولو نقلها من ظرف إلى ظرف، كما لو نقلها من كيس إلى كيس، أو من صندوق إلى صندوق، فإن كانت الظروف للمالك .. فتصرفه فيها بالنقل المجرد ليس بمضمن، إلا إذا فض الختم أو فتح القفل فيضمن في الأصح، وإن كان الظرف للمودع .. فحكمه حكم البيت في النقل إلى الأحرز أو المثل أو الأضعف.
قال: (وإلا .. فلا) أي: إذا نقلها إلى مثلها في الحرز أو كان المنقول إليه أحرز .. لم يضمن؛ لعدم تفريطه.
стр. 2929
وَمِنْهَا: أَنْ لاَ يَدْفَعَ مُتْلِفَاتِهَا، فَلَوْ أَوْدَعَهُ دَابَّةً فَتَرَكَ عَلْفَها .. ضَمِنَ،
ــ
ومحل عدم الضمان: إذا لم ينهه وتلف، لا بالنقل بأن انهدم عليه الثاني، أو سرق منه، أو نهاه عن النقل فنقل بلا ضرورة .. ضمن.
وقيل: إن نقلها مع النهي إلى مثل الأول أو أحرز منه .. لم يضمن، ولو نقلها من قرية إلى قرية أخرى بلا ضرورة .. ضمن إن كان بينهما مايسمى سفرًا، وإلا .. فكذلك إن كان فيها خوف، أو كان المنقول عنها أحرز، وإلا .. فلا.
نعم؛ يستثنى من إطلاق المصنف: ما لو نقلها بظن الملك؛ فإنه لا يضمن، بخلاف ما لو انتفع بها ظانًا: أنها ملكه فتلفت؛ فإنه يضمنها، قاله في (الكفاية).
قال: (ومنها: أن لا يدفع متلفاتها)؛ لأن الواجب عليه الدفع عنها.
وفي (فتاوى القفال): لو وقع في خِزانة المودع حريق فبادر إلى نقل أمتعته فاحترقت الوديعة .. لم يضمن، كما لو لم يكن فيها إلا ودائع فبادر بنقل بعضها فاحترق ما تأخر نقله، قال في (المطلب): وهذا ظاهر إن كان ما نقله أولاً هو الذي يمكن الابتداء به، أما إذا كان يمكن الابتداء بغيره فيما إذا كانت عنده ودائع.
فيخرج على ما إذا قال: اقتل أحد الرجلين، أو طلق إحدى الزوجتين؛ لأن في تقديم أحدهما ترجيحًا مع إمكان الآخر، وأما في مال نفسه والوديعة .. فلا؛ لأنه مأمور أن يبدأ بنفسه.
قال (فلو أودعه دابة فترك علفها .. ضمن)، سواء أمره به أو أطلق؛ لتعديه، ولو نقصت .. ضمن النقص؛ لأنه ينسب بذلك إلى العدوان.
و (العلف) هنا بإسكان اللام، والمراد: أنه يتركها مدة يموت مثلها فيها، فإنه يلزمه أن يعلفها لحق الله تعالى، وبه يحصل الحفظ الذي التزمه بقبولها، وسواء
стр. 2930
وَإِنْ نَهَاهُ عَنْهُ .. فَلاَ عَلَى الصَّحِيحِ
ــ
هلكت أو بقيت وماتت بغير ذلك، وإن ماتت قبل المدة وبها جوع سابق .. ضمن إن علمه، وإلا .. فلا في الأصح.
وإذا ضمن .. فهل هو الكل أو النصف؟ وجهان كما لو استأجر بهيمة فحملها أكثر مما شرط. والسقي كالعلف.
وقول المصنف: (ضمن) يقتضي دخولها في ضمانه بمجرد ترك العلف وإن لم تمت، وبه صرح الرافعي، ونقله المصنف في (نكته) عن البغوي، وعبارة (التنبيه) تفهم: أنه لا يضمن إلا عند موتها.
قال: (وإن نهاه عنه .. فلا على الصحيح) كما لو قال: اقتل دابتي فقتلها.
والثاني: يضمن؛ لعدوله عما أوجبه الشرع؛ لأن الحيوان لا رخصة في تضييعه بالإجماع، ففي الحديث: (إن امرأة عذبت في هرة ربطتها)، وإلى هذا الوجه ذهب الإصطخري وابن أبي هريرة، وصححه الماوردي، وضعفه الإمام، وقال: إنه يقتضي وجوب الضمان فيما إذا قال: اقتل عبدي أو أحرق ثوبي، وهو خرق للإجماع.
وقال ابن الرفعة: لا إجماع في ذلك وإن الخلاف فيه وفي العبد.
أما لو كان بالبهيمة تخمة أو قولنج يضر بها معه العلف أو السقي .. لزمه امتثال نهيه، فلو خالف قبل زوال العلة فماتت .. ضمن، كذا جزم به الشيخان، وكان ينبغي التفريق بين أن يعلم المودع أن بها علة أم لا، والخلاف مخصوص بالضمان، أما الإثم .. فلا خلاف أنه يأثم.
قال الماوردي: وعليه أن يأتي الحاكم ليجبر مالكها على علفها إن كان حاضرًا،
стр. 2931
فَإِنْ أَعْطَاهُ الْمَالِكُ عَلَفاً .. عَلَفَهَا مِنْهُ، وَإِلاَّ .. فَيُرَاجِعُهُ أَوْ وكِيلَهُ، فَإِنْ فُقِدَا .. فَالْحَاكِمَ،
ــ
أو يأذن له في النفقة ليرجع عليه إن كان غائبًا.
قال: (فإن أعطاه المالك علفًا .. علفها منه، وإلا .. فيراجعه أو وكيله، فإن فُقدا .. فالحاكم)، كما إذا هرب الجمال وكعلف اللقطة ونحوها فيؤجرها ويصرف الأجرة في علفها، فإن عجز .. اقترض على المالك إن لم يكن له مال، أو باع جزءًا منها، أو كلها إن رآه؛ لئلا تستغرقها النفقة.
والقدر الذي يعلفه ما يصونها عن التلف والعيب لا ما يحصل به السمن، قاله الإمام.
والعبد المودع كالبهيمة في جميع الأحوال، ومحل الرجوع على المالك: إذا قال: أنفق وارجع، فإن قال: أنفق، ولم يتعرض للرجوع .. فوجهان، كمن قال: أدِّ ديني، ولم يشترط الرجوع، والأصح: الرجوع.
قال ابن الرفعة: ويظهر جريان مثلهما في الحاكم إذا قال: أنفق على الوديعة ولم يقل: بشرط أن ترجع على مالكها، فلو عجز عن الحاكم وأنفق من مال نفسه وأشهد .. ففي الرجوع خلاف، ولو لم يشهد .. فالمشهور القطع بأنه لا يرجع.
ولو اختلفنا في النفقة .. فالقول قول المودع، وحكى الماوردي فيما إذا اختلفا في قدرها في مسألة هرب الجَمَّال ثلاثة أوجه:
أحدها: القول قول المنفق.
والثاني: القول قول الغارم.
والثالث: القول قول من يصدقه العرف والعادة فيهما، ويظهر مجيء ذلك هنا.
ولو أودعه أشجارًا فاحتاجت إلى السقي .. فوجهان:
стр. 2932
وَلَوْ بَعَثَهَا مَعَ مَنْ يَسْقِيهَا .. لَمْ يَضْمَنْ فِي الأَصَحِّ. وَعَلَى الْمُودَعِ تَعرِيضُ ثِيَابِ الصُّوفِ لِلرِّيحِ؛ كَيْلاَ يُفْسِدَهَا الدُّودُ، وكَذَا لُبْسُهَا عِنْدَ حَاجَتِهَا. وَمِنْهَا: أَنْ يَعْدِلَ عَنِ الْحِفْظِ الْمَامُورِ بِهِ وَتَتْلَفَ بِسَبَبِ الْعُدُولِ .. فَيَضْمَنُ،
ــ
أحدهما: أن حكمها حكم الدابة في العلف.
والثاني: أنه لا يضمن بترك السقي إن لم يأمره به، والفرق: تأكد حرمة الحيوان.
قال: (ولو بعثها مع من يسقيها .. لم يضمن في الأصح)؛ لأنه لم يفرط إذا كانت العادة جارية بذلك، لأن ذلك استعانة لا إيداع.
ومحل الوجهين: إذا كان المبعوث معه أمينًا ولا خوف، فإن كان غير ذلك .. ضمن قطعًا.
والثاني: يضمن؛ لإخراجها من حرزها على يد من لم يأتمنه المالك، أما إذا كان المالك يخرج دوابه للسقي لضيق ونحوه .. فلا ضمان قطعًا.
قال: (وعلى المودع تعريض ثياب الصوف للريح؛ كيلا يفسدها الدود، وكذا لبسها عند حاجتها) إذا لم يندفع إلا بذلك، وكذلك ثياب الخز المعمول من حرير وصوف والبسط والأكسية واللباد بسبب رائحة الآدمي.
فإن لم يفعل وفسدت .. ضمن سواء أمره المالك أو سكت، فإن نهاه ففسدت .. كره ولم يضمن خلافًا للإصطخري، وهو موافق لما تقدم عنه في إتلاف البهيمة، وكذلك الحكم لو كانت في صندوق مقفل .. فله فتحه لذلك ولا ضمان في الأصح، فإذا لم يعلم أن فيه ثيابًا أو كانت مربوطة ولم يعلم بها .. فلا ضمان، وما ذكره من لبسها ظاهر إذا كانت ثياب مثله، فإن لم تكن .. ألبسها من تليق به مع ملاحظته، وتمشية الدابة عند الخوف عليها من الوقوف كنشر الثياب.
قال: (ومنها: أن يعدل عن الحفظ المأمور به وتتلف بسبب العدول، فيضمن)؛ لتعديه.
стр. 2933
فَلَوْ قَالَ: لاَ تَرْقُدْ عَلَى الصُّنْدُوقِ، فَرَقَدَ وَانْكَسَرَ بِثِقَلِهِ وَتَلِفَ مَا فِيهِ .. ضَمِنَ، وَإِنْ تَلِفَ بِغَيْرِهِ .. فَلاَ فِي الأَصَحِّ، وكَذَا لَوْ قَالَ: لاَ تُقْفِلْ عَلَيْهِ قُفْلَيْنِ فَأَقْفَلَهُمَا
ــ
قال: (فلو قال: لا ترقد على الصندوق فرقد وانكسر بثقله وتلف ما فيه .. ضمن)؛ لأنه تلف بفعله المنهي عنه.
قال: (وإن تلف بغيره .. فلا في الأصح)؛ لأنه زيادة في الحفظ والاحتياط.
والثاني: يضمن، وبه قال مالك؛ لأنه بالرقاد عليه يوهم السارق نفاسة ما فيه.
وصورته: أن يكون في بيت محرز وأخذه اللص مطلقًا، أو كان في صحراء فأخذه من رأس الصندوق.
وقيل: إن قاله تخفيفًا عليه .. لم يضمن قطعًا، أو خشية الإغراء .. فالوجهان.
أما إذا كان في الصحراء فأخذه السارق من جانب الصندوق .. فإنه يضمن في الأصح.
قال الرافعي: وإنما يظهر لو أخذه من جانب لو لم يرقد عليه .. لرقد هناك؛ بأن كان يرقد قدام الصندوق فتركه فانتهز السارق الفرصة، أو أمره بالرقاد أمامه فرقد فوقه فسرق من أمامه.
قال: (وكذا لو قال: لا تقفل عليه قفلين فأقفلهما) .. لم يضمن أيضًا؛ لأنه زاد في الحفظ ولم يقصر، وكذا لو قال: لا تغلق باب البيت، فأغلقه.
والثاني: يضمن؛ لأنه إغراء للسارق.
ومحل الخلاف: في بلد لم تجر عادتهم بذلك، وإلا .. لم يضمن قطعًا، وهذا يشكل على ما سيأتي من: أنه إذا قال: احفظها في كمك فجعلها في جيبه .. فإنه لا يضمن مع أن فيه إغراء للسارق.
وقوله: (تقفل) هو بضم التاء وسكون القاف، وكسر الفاء، من أقفل.
стр. 2934
وَلَوْ قَالَ: ارْبِطِ الدَّرَاهِمَ فِي كُمِّكَ فَأَمْسَكَهَا في يَدِهِ فَتَلِفَتْ .. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهَا إِنْ ضَاعَتْ بِنَوْمٍ ونِسْيَانٍ .. ضَمِنَ، أَوْ بِأَخْذِ غَاصِبٍ .. فَلاَ،
ــ
قال: (ولو قال: اربط الدراهم في كمك فأمسكها في يده فتلفت .. فالمذهب: أنها إن ضاعت بنوم ونسيان .. ضمن، أو بأخذ غاصب .. فلا)؛ لأن اليد أحرز من الكم بالنسبة إلى الغاصب، وتسلط الغاصب عليها ليس من فعل المودع ولا ناشيء عنه، وضياعها بالنوم أو النسيان ناشيء عن فعل المودع؛ لأنها لو كانت مربوطة في الكم ما ضاعت بهذا السبب، فالتلف حصل بسبب المخالفة، ونقل المزني عن الشافعي ﵁: أنه لا ضمان، ونقل الربيع عنه: الضمان، فنزل الأصحاب النصين على هاتين الحالتين، وهذه طريقة المراوزة.
والثانية: إجراء القولين فيهما وهي في كتب العراقيين.
وجه الأول: أن اليد أحرز؛ لأن الطرار يأخذ من الكم لا من اليد.
ووجه الثاني: أن ما في اليد يضيع بالنسيان وفتح اليد، بخلاف ما في الكم.
ومحلهما: ما إذا لم ينهه عن الحفظ في اليد، فإن نهاه .. خرجه الإمام على الخلاف فيما إذا قال: احفظه في هذا البيت ولا تنقل، فنقل منه إلى مثله أو أحرز.
أما إذا أطلق .. فله الوضع في الجيب واليد والربط في الكم، ولو امتثل فربطها في كمه .. لم يحتج إلى إمساكها باليد، ثم إن جعل الخيط خارج الكم فأخذها الطرار .. ضمن، أو استرسلت .. لم يضمن إذا أحكم الربط، وإن جعله داخله .. فبالعكس، واستشكله الرافعي؛ بأن المأمور به مطلق الربط، فإذا فعله .. لم ينظر إلى جهات التلف.
وقضيته: أنه لو قال: احفظ في هذا البيت فوضعه في زاوية منه فانهدمت .. يضمن؛ لأنه لو كان في غيرها لسلم، وهو بعيد.
وفرق ابن الرفعة؛ بأن جهات الربط مختلفة وجهات البيت مستوية، فإن فرض اختلافها في البناء أو القرب من الشارع ونحوه .. فقد يقال: يختلف الحكم، ثم قال: والحق: أن استشكال الرافعي على وجهه؛ لأن الربط في الكم حرز كيف كان ولا يجب الحفظ في الأحرز.
стр. 2935
وَلَوْ جَعَلَهَا فِي جَيْبِهِ بَدَلاً عَنِ الرَّبْطِ فِي الْكُمِّ .. لَمْ يَضْمَنْ، وَبِالْعَكْسِ .. يَضْمَنُ. وَلَوْ أَعْطَاهُ دَرَاهِمَ بِالسُّوقِ وَلَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ الْحِفْظِ فَرَبَطَهَا فِي كُمِّهِ وأَمْسَكَهَا بِيَدِهِ أَوْ جَعَلَهَا فِي جَيْبِهِ .. لَمْ يَضْمَنْ،
ــ
قال الشيخ: وقد يقال: الربط من فعله وهو حرز من وجه دون وجه، وقوله: اربط، مطلق لا عام، والبيت عام، وإذا جاء التلف من الربط بالسبب الذي اختاره وفعله ولا عموم في كلام المالك يشمله .. ضمن، بخلاف زوايا البيت.
وقوله: (اربط) المشهور فيه كسر الباء، وحكى الجوهري ضمها.
و (الكم) جمعه: أكمام وكممة.
وقوله: (بنوم ونسيان) كان الأحسن أن يأتي بـ (أو) كما في (المحرر)؛ لأنه يكفي أحدهما.
قال: (ولو جعلها في جيبه بدلاً عن الربط في الكم .. لم يضمن)؛ لأنه أحرز، اللهم إلا أن يكون واسعاً غير مزرور.
و (الجيب): فتحة القميص، والمغاربة يفعلون ذلك في ثيابهم كثيرًا.
قال: (وبالعكس .. يضمن)؛ لأن الجيب أحرز، وفيه ما سبق من الإشكال.
قال: (ولو أعطاه دراهم بالسوق ولم يبين كيفية الحفظ فربطها في كمه وأمسكها بيده أو جعلها في جيبه .. لم يضمن)؛ لأنه بالغ في الحفظ، وشرط الجيب: أن يكون ضيقًا أو واسعًا مزرورًا، فإن كان واسعًا غير مزرور .. ضمن؛ لسهولة التناول باليد منه.
فإن كان الجيب مثقوبًا ولم يشعر به فسقطت .. ضمنها، وفي (الكافي) في (باب الغصب): إن كان الثقب موجودًا حين جعلها فيه .. ضمن، وإن حدث بعد جعلها .. فلا، هذا كله ما لم يكن بفعله.
ولو نفض كمه فسقطت .. ضمن وإن كان سهوًا، قاله القاضي حسين.
стр. 2936
وَإِنْ أَمْسَكَهَا بِيَدِهِ .. لَمْ يَضْمَنْ إِنْ أَخَذَهَا غَاصِبٌ، وَيَضْمَنُ إِنْ تَلِفَتْ بِغَفْلَةٍ أَوْ نَوْمٍ، وَلَوْ قَالَ: احْفَظْهَا فِي الْبَيْتِ .. فَلْيَمْضِ إِلَيْهِ وَيُحْرِزْهَا فِيهِ، فَإِنْ أَخَّرَ بِلاَ عُذْرٍ .. ضَمِنَ
ــ
وإن أعطاه في البيت وقال: احفظها في البيت فربطها في كمه وخرج أو لم يخرج مع إمكان الصندوق .. فإنه يضمن.
ولو أودعه في البيت ولم يقل شيئًا .. فمقتضى كلامهم: جواز الخروج به مربوطًا.
قال الرافعي: ويشبه أن يرجع فيه إلى العادة.
وقوله: (في كمه) مثال، فلو ربطها على التكة .. لم يضمن، قاله القاضي حسين، بخلاف ما لو وضعها في كور عمامته ولم يشدها.
قال: (وإن أمسكها بيده .. لم يضمن إن أخذها غاصب، ويضمن إن تلفت بغفلة أو نوم)؛ لأنه حصل بسبب من جهته بخلاف الأول.
أما لو وضعها في الكم ولم يربطها فسقطت، فإن كانت خفيفة لا يشعر بها .. ضمن؛ لتفريطه في الإحراز، وإن كانت ثقيلة يشعر بها .. لم يضمن، قال الماوردي وصاحب (التهذيب).
قال الرافعي: ويلزم طرده في صور الاسترسال كلها.
هذا كله ما دام في السوق، فإن رجع إلى بيته .. فعليه إحرازها فيه، ولا يكون ما ذكرناه حرزًا لها حينئذ؛ لأن منزله أحرز، فلو خرج بها في كمه أو جيبه أو يده .. ضمن، قاله الماوردي.
قال: (ولو قال: احفظها في البيت .. فليمض إليه ويحرزها فيه، فإن أخر بلا عذر .. ضمن)؛ لتفريطه.
стр. 2937
وَمِنْهَا: أَنْ يُضَيِّعَهَا؛ بِأَنْ يَضَعَهَا فِي غَيْرِ حِرْزِ مِثْلِهَا، أَوْ يَدُلَّ عَلَيْهَا سَارِقاً أَوْ مَنْ يُصَادِرُ الْمَالِكَ
ــ
قال الشيخ: وينبغي أن يرجع فيه إلى العرف، ويختلف ذلك باختلاف نفاسة الوديعة وطول زمان التأخير وضدهما.
ولو أودعه وهو في حانوت فوضعها بين يديه فسرقت .. قال الماوردي: إن كان وضعها ليرتاد لها مكانًا يحرزها فيه .. لم يضمن؛ لعدم تفريطه، وإن كان استرسالاً وإهمالاً .. ضمن.
قال: (ومنها: أن يضيعها؛ بأن يضعها في غير حرز مثلها) ولو قصد بذلك الإخفاء؛ لأن ذلك تضييع في العرف.
قال: (أو يدل عليها سارقًا)؛ لأنه مأمور بحفظها، ولو قال ظالمًا .. كان أعم.
وظاهر عبارته: التضمين بمجرد الدلالة، حتى لو ضاعت بغير السرقة أو المصادرة .. ضمنت، وبه صرح السنجي في (باب الغصب) من (شرح التلخيص).
وقال الرافعي: لو سرق الوديعة من أخبره بها، أو من أخبره من أخبره .. ضمن، ولو تلفت بسبب آخر .. لم يضمن، ذكره أبو الفرج الزاز، ثم قال: وزاد العبادي على هذا فقال: لو أن رجلاً من عرض الناس سأل المودع: هل عندك لفلان وديعة؟ فأخبره بها .. ضمنها؛ لأن كتمانها من حفظها.
قال: (أو من يصادر المالك)؛ لأن كل ذلك تضييع وقد التزم الحفظ وهي في يده فيضمن، ولهذا لو أعلم من يصادر المالك غير المودع .. لم يضمن؛ لأنه لم يلتزم حفظها، لكنه يأثم.
ولو سأله ظالم عنها .. وجب عليه إنكارها وإن كان الكذب حرامًا لكنه يجوز
стр. 2938
فَلَوْ أَكْرَهَهُ ظَالِمٌ حَتَّى سَلَّمَهَا إِلَيْهِ .. فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُهُ فِي الأَصَحِّ،
ــ
لمصلحة تترتب عليه، كالكذب للزوجة تحفظًا لحسن عشرتها ولإصلاح ذات البين، وقد يجب إذا سأله ظالم عن وديعة يريد أخذها، أو معصوم يريد قتله أو قطعَ طرفه وهو مستتر يعرف موضعه، وكذا إذا سأله عن امرأة أو صبي يريد منه الفاحشة.
قال: (فلو أكرهه ظالم حتى سلمها إليه .. فللمالك تضمينه في الأصح)؛ لأن الضمان لا يفترق فيه الحال بين الاختيار والاضطرار.
وليس له أن يفدي نفسه بمال غيره، كما لو ألقى في البحر مال غيره لنجاته.
والثاني: ليس للمالك تضمينه؛ لأنه لا يلزمه أن يقي مال غيره بنفسه.
هذا إذا لم يقدر على دفع الظالم، فإن قدر على دفعه ولو بإخفاء الوديعة فلم يفعل .. ضمن.
وإن حلفه الظالم عليها .. وحب أن يحلف وتلزمه الكفارة على الصحيح.
ولو أكرهه على أن يسلمها أو يحلف بالطلاق أو العتاق .. فقد أكرهه على أحد الأمرين، فإن حلف .. فالمشهور: أن طلاقه يقع، بخلاف ما لو أخذ القطاع مال رجل وقالوا: لا نتركك حتى تحلف بالطلاق: أنك لا تخبر بنا أحدًا، فحلف وأطلقوه، وأخبر بهم؛ فإنه لا يحنث، لأنهم أكرهوه على نفس الحلف.
قال الشيخ: ووقعت لنا مسألة، وهي: متغلِّب أتى إلى بلد فدُلَّ على من عنده وديعة، فطلبه وأكرهه على تسليمها إليه، فسملها .. فتوقفتُ في تضمينه؛ لأنه في هذه الحالة في مثل من لا فعل له فتسليمه كلا تسليم، وإنما أشهدوا عليه أنه سلم، وهو لو لم يسلم .. أخذوها؛ لأنه وإياها في قبضة المتغلب، فينبغي أن يستثنى هذا من صورة التسليم.
واحترز بقوله: (سلمها إليه) عما إذا أخذت منه قهرًا؛ فإنه لا ضمان عليه بلا
стр. 2939
ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى الظَّالِمِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا؛ بِأَنْ يَلْبَسَ أَوْ يَرْكَبَ خِيَانةً، أَوْ يَاخُذَ الثَّوْبَ لِيَلْبَسَهُ أَوِ الدَّرَاهِمَ لِيُنْفِقَهَا .. فَيَضْمَنَ
ــ
خلاف، كما لو سرقت منه، أما لو أكره فلم يسلمها ولكن دل عليها فأخذها ..
قال الماوردي: مذهب الشافعي ﵁ أنه لا يضمن، كالمحرم إذا دل على صيد .. لا يضمنه؛ تقديمًا للمباشرة على السبب.
وقال بعض البصريين: يضمن؛ لأنه بالدلالة مضيع لها.
قال الشيخ: والذي قاله بعض البصريين يجب القطع به؛ لأجل اليد والتزام الحفظ، وليس ذلك كالمحرم الذي لم يضع يده على الصيد، ولا كالدلالة المجردة التي توجد من غير المودع، فتلك هي التي تقدم المباشرة عليها، فالقول بأن مذهب الشافعي ﵁ في هذه الحالة المذكورة عدم الضمان عجيب، إلا أن يقال: إن الإكراه أبطل حكم التزام الحفظ وصارت اليد كلا يد وانفردت الدلالة فصار كالمحرم والأجنبي، فهذا محتمل، والإكراه يحصل بما سنذكره في (الطلاق).
والأرجح في (الروضة): حصوله بإتلاف مال نفسه وحينئذ فلابد من النظر لقدر المالين، وما يحتمل إتلافه وما لا يحتمل، هذا بالنسبة إلى التضمين.
أما الإثم .. فجزم ابن الصباغ بأن الإكراه يبيح تسليم الوديعة.
قال: (ثم يرجع) أي: هو (على الظالم)؛ لأن قرار الضمان عليه، لأنه المستولي على المال عدوانًا.
وحاصل المسألة: أن له تضمين كل منهما.
وقيل: لا يضمن إلا الظالم وقرار الضمان عليه.
قال: (ومنها: أن ينتفع بها؛ بأن يلبس أو يركب خيانة، أو يأخذ الثوب ليلبسه أو الدراهم لينفقها .. فيضمن)؛ لوجود العدوان في اللبس، والركوب والإخراج في الثاني.
стр. 2940
وَلَوْ نَوَى الأَخْذَ وَلَمْ يَاخُذ .. لَمْ يَضْمَنْ عَلَى الصَّحِيحِ
ــ
واحترز بقوله: (خيانة) عما إذا لبس الصوف لإصلاحه، أو ركب دابة شرسة للسقي أو خشية زمانتها، لكن قال الإمام: لو استعملها على ظن أنها ملكه .. ضمن، بخلاف إخراجها من الحرز بهذا الظن؛ فلا يضمن.
واحترز بقوله: (الدراهم) عما إذا أخذ منها درهمًا لينفقه ثم يرده؛ فإنه يصير مضمونًا وحده دون الباقي على الأصح، فلو تلف الجميع .. لم يلزمه إلا درهم، فلو عبر بصيغة الإفراد .. كان أولى.
وإنما مثل بمثالين؛ لأن الأول لنية الاستعمال، والثاني لنية الأخذ والإمساك.
فرع:
أودعه كتابًا فقرأ فيه .. ضمن، فإذا غصب بعد ذلك .. كان عليه الضمان، كذا أفتى به البغوي.
فرع:
أودعه خاتمًا فلبسه، فإن جعله في غير الخنصر .. لم يضمن، أو في الخنصر .. فاحتمالان للقاضي حسين:
أحدهما: يضمن، وعلله الرافعي بكونه استعمالاً.
والثاني: إن قصد الحفظ .. لم يضمن، أو الاستعمال .. ضمن، واختار المصنف: أنه يضمن مطلقًا إلا إذا قصد الحفظ.
قال: (ولو نوى الأخذ ولم يأخذ .. لم يضمن على الصحيح)؛ لأنه قصد مجرد عن فعل فلا أثر له وإن كان له أثر في الإثم إذا صمم عليه، لكن لا أثر له في الضمان.
والثاني: يضمن، كما لو أخذ الوديعة بنية الخيانة في الابتداء، وكما لو أخذ الملتقط بنية الخيانة .. فالأصح: أنه يضمن.
стр. 2941
وَلَو خلَطَهَا بِمَالِهِ وَلَم تَتَمَيَّزْ .. ضَمِنَ. وَلَوْ خَلَطَ دَرَاهِمَ كِيسَيْنِ لِلمُودِعِ .. ضَمِنَ فِي اُلأَصَحٌ
ــ
والفرق على الوجه الآخر: أن ائتمان المالك عارض قصده، والوجهان جاريان فيما لو نوى أن لا يرد الوديعة بعد طلب المالك.
وقيل: يضمن هنا قطعًا؛ لأنه يصير ممسكًا لنفسه.
وموضع الخلاف أيضًا: إذا نوى بعد القبض، فإن نواه ابتداء .. ضمن قطعًا، وإذا تعدى وبقيت في يده مدة .. لزمه أجرة مثلها.
قال: (ولو خلطها بماله ولم تتميز .. ضمن)؛ لأنه لم يرض به، سواء قل المخلوط أو كثر.
وقال مالك: إن خلطها بمثلها أو أجود منها .. لم يضمن.
واحترز عما إذا تميزت بسكة أو نحوها، أو كانت دراهم فخلطها بدنانير .. فلا ضمان؛ لتميزها منها.
قال في (الكفاية): اللهم إلا أن يحصل نقص بسبب الخلط فيضمنه كما صرح به الماوردي، وليس الضابط التمييز بل سهولته، حتى لو خلط حنطة بشعير .. كان مضمنًا فيما يظهر.
قال: (ولو خلط دراهم كيسين للمودع .. ضمن في الأصح)؛ لأنه ربما ميز بينهما لغرض دعا إليه.
والثاني: لا؛ لأن جميعه ملك مالك واحد.
وصورة المسألة: أن يكونا مفتوحين، وإلا، فإن حل شدَّهما .. صار بأول الحلِّ ضامنًا على الصحيح وإن لم يخلطهما كما تقدم.
وإن كانا متميزين كدراهم ودنانير .. لم يضمن.
стр. 2942
وَمَتَى صَارَتْ مَضْمُونَةً بِانْتِفَاعٍ وَغَيْرِهِ ثُمَّ تَرَكَ الْخِيَانَةَ .. لَمْ يَبْرَا، فَإِنْ أَحْدَثَ لَهُ الْمَالِكُ اسْتِئْمَاناً .. بَرِئَ فِي الْأصَحِّ ......
ــ
فرعان:
الأول: أتلف بعض الوديعة، فإن كان منفصلاً عن الباقي كأحد الثوبين .. لم يضمن إلا ما أتلفه، وإن كان متصلاً به كما لو قطع بعض الثوب أو طرفًا من الحيوان، فإن فعل ذلك عمدًا .. ضمن الجميع، وإن كان خطأ .. ضمن ما فوته، وفي الباقي وجهان:
أصحهما: لا يضمنه.
الثاني: أودعه عشرة دراهم فسرق ابن المودع منها خمسة فضم أبوه خمسة إلى الخمسة الباقية وردها على مالكها، قال البغوي: إن كان ما سرق باقيًا في يده .. لم يبرأ، وإن كان تالفًا .. بريء.
قال: (ومتى صارت مضمونة بانتفاع وغيره ثم ترك الخيانة .. لم يبرأ) كما لو جحدها ثم اعترف بها.
وقال أبو حنيفة: يبرأ ويعود أمينًا.
والمراد بـ (ترك الخيانة): أن يردها إلى مكانها، أما إذا ردها للمالك ثم أوعده ثانيًا .. فإنه يصير أمينًا.
قال: (فإن أحدث له للمالك استئمانًا .. بريء في الأصح)؛ لأن التضمين كان لحق المالك وقد رضي بسقوطه.
والثاني: لا يعود أمينًا؛ لظاهر قوله ﷺ : (على اليد ما أخذت حتى تؤديه).
والخلاف قولان، فكان ينبغي التعبير بالأظهر، والخلاف شبيه بالخلاف فيما إذا
стр. 2943
وَمَتَى طَلَبَهَا الْمَالِكُ .. لَزِمَهُ الْرَدُّ؛ بِأَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا،
ــ
حفر بئرًا في ملك غيره عدوانًا ثم أبرأه المالك عن ضمان الحفر.
واحترز بقوله: (أحدث) عما لو قال في الابتداء: أودعتك، فإن خنت ثم تركت الخيانة عدت أمينًا لي فخان وضمن ثم ترك الخيانة .. فإنه لا يعود أمينًا بلا خلاف؛ لأنه إسقاط ما لم يجب وتعليق للوديعة.
وموضع الخلاف الذي ذكره المصنف: إذا صارت مضمونة بغير التلف، أما إذا أتلفها ثم أحدث له المالك استئمانًا .. فإنه لا يبرأ بلا خلاف؛ لأنه الواجب عليه أن يرد ذلك البدل إلى المالك ثم يحدث له استئمانًا.
قال: (ومتى طلبها المالك .. لزمه الرد)؛ لقوله تعالى: ﴿فليُؤدِ الذي اؤتُمنَ أمانته﴾، ولقوله ﷺ : (أد الأمانة إلى من ائتمنك) حسنه الترمذي، وعلم منه أنه ليس له إلزام المالك الإشهاد وإن كان أشهد عليه عند الدفع، وهو الأصح من أوجه ثلاثة سبق بيانها في (باب الوكالة)؛ فإنه مصدق في الرد.
وفي معنى المالك: وارثه، فإذا طلبها بعد موته .. كان الحكم كذلك، حتى لو امتنع المودَع من الرد وقال: لا آمن أن تكون في ماله وصية ثم تلف .. قال القفال: يضمن؛ لتعديه بالمنع من الوارث وهو مستحق في الظاهر.
لكن يستثنى من إطلاقه: ما إذا كان الذي أودعه حاكم ثم طالبه .. فعليه أن يشهد له بالبراءة؛ لأنه لو عزل .. لم يقبل قوله، قال الإصطخري في (أدب القضاء).
ويستثنى أيضاً: ما إذا طلبها وكيل المودع .. فإن له التأخير لطلب الإشهاد؛ لأنه لا يقبل قوله في دفعها إليه.
قال: (بأن يخلي بينه وبينها) فلا يجب عليه نقلها، وليس عليه مؤنة ردها، بل هي على المالك باتفاق الأصحاب.
هذا إذا كان المردود عليه أهلاً للقبض، فإن كان محجورًا عليه لسفه أو مرض أو فلس .. لم يلزمه الرد، بل لا يجوز ويضمن، ثم بعد هذا لا يختص بمطالبة
стр. 2944
فَإنْ أَخَّرَ بِلاَ عُذْرٍ .. ضَمِنَ. فَإِنِ ادَّعَى تَلَفَاً وَلَمْ يَذْكُرْ سَبَبَاً، أَوْ ذَكَرَ خَفِيْاً كَسَرِقَةٍ .. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ. وَإِنْ ذَكَرَ ظَاهِرَاً كَحَرِيقٍ؛ فَإِنْ عُرِفَ الْحَرِيقُ وَعُمُومُهُ .. صُدِّقَ بِلاَ يَمِينٍ،
ــ
المالك، بل لو طلب المودع المالك بأخذ وديعته .. لزمه أخذها، كما قاله في (نكت التنبيه) نقلاً عن (البيان).
ومحل وجوب الرد: إذا لم يكن له شريك فلو أودعه رجلان ثم جاء أحدهما يسترد نصيبه .. فقيل: يدفع إليه، والأصح: لا؛ لأنهما اتفقا في الإيداع فكذا في الاسترداد.
قال: (فإن أخر بلا عذر .. ضمن)؛ لتعديه، فمن الأعذار الصلاة والطهارة والأكل والشرب وملازمة الغريم ونحو ذلك، وأفهم: أنه مع العذر لا يضمن، وهو الذي صرح به الأكثرون.
وشملت عبارته: ما إذا كان المودع مشهورًا بأنه لص وغلب على ظن المودع أنه لغيره وطالبه به.
قال الروياني: يحتمل أن يقال: يلزمه الرد إليه، وهو القياس، ويحتمل أن يقال: يتوقف ويطلب صاحبه، فإن ظهر، وإلا .. رده إليه.
قال: (فإن ادعى تلفًا ولم يذكر سببًا، أو ذكر خفيًا كسرقة .. صدق بيمينه) بالإجماع؛ لتعذر إقامة البينة عليه ولا يلزمه بيان السبب، وكذا رب المال مع عامل القراض.
نعم؛ عليه أن يحلف له أنه تلف بغير تفريط.
وفي معنى السرقة: ما لو ذهب به الفأر كما أفتى به البغوي.
وليس للمودع حفر داره إلا أن يكون متعديًا في وضعه فيحفر، كالدينار يقع في المحبرة.
قال: (وإن ذكر ظاهرًا كحريق) ونهب؛ (فإن عرف الحريق وعمومه .. صدق بلا يمين)؛ لاحتمال ما يدعيه.
стр. 2945
وَإِنْ عُرِفَ دُونَ عُمُومِهِ .. صُدِقَ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ جُهِلَ .. طُولِبَ بِبَيِّنَةٍ، ثُمَّ يُحَلَّفُ عَلَى الْتَلَفِ بِهِ. وَإِنِ ادَّعَى رَدَّهَا عَلَى مَنِ ائْتَمَنَهُ .. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ
ــ
قال: (وإن عرف دون عمومه .. صدق بيمينه) فيحلف؛ لاحتمال ما ادعاه.
قال: (وإن جهل .. طولب ببينة) يعني: على السبب الظاهر.
قال: (ثم يحلف على التلف به)؛ لاحتمال أنها لم تتلف به.
وعد المتولي موت الحيوان والغصب من الأسباب الظاهرة، والأقرب ما في (الرافعي)، وهو: إلحاق الغصب بالسرقة.
قال: (وإن ادعى ردها على من ائتمنه .. صدق بيمينه)؛ لأنه أمينه، سواء أشهد عليه عند الدفع أم لا، خلافًا لمالك.
واحتج عليه ابن المنذر بإجماعهم على تصديقه دعوى التلف فكذلك الرد.
وعبارة المصنف وغيره تشمل: الرد على من له الإيداع من مالك وولي ووصي وقيم وحاكم؛ لأنه ائتمنه كالمالك، حتى الجابي لو ادعى تسليم ما جباه للذي استأجره على الجباية .. فالقول قوله كما أفتى به ابن الصلاح، وكذلك الوكيل يدعي تسليم الثمن لموكله.
قال الرافعي: ولو أودعها الأمين لعذر السفر فادعى الأمين الرد عليه .. صدق، ولو كان المالك عين أمينًا فقال: إذا سافرت فاجعلها عند فلان، ففعل .. فالحكم بالعكس: إن ادعى الرد على المالك .. صدق، أو على المودع الأول .. لم يصدق.
كل هذا إذا استمر المودع على أمانته، فلو ضمنها بتفريط أو عدوان .. لم تقبل دعواه الرد، وهذا الحكم يطرد في كل أمين؛ من وكيل وشريك وعامل قراض وولي محجور وملتقط لم يتملك، إلا المرتهن والمستأجر؛ فإنهما يصدقان في دعوى التلف دون الرد، ولا يصدق الولي ونحوه في الرد؛ لادعائه ذلك على غير من ائتمنه.
следующие страницы →