Полный текст (5 377 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.
стр. 2941
وَلَو خلَطَهَا بِمَالِهِ وَلَم تَتَمَيَّزْ .. ضَمِنَ. وَلَوْ خَلَطَ دَرَاهِمَ كِيسَيْنِ لِلمُودِعِ .. ضَمِنَ فِي اُلأَصَحٌ
ــ
والفرق على الوجه الآخر: أن ائتمان المالك عارض قصده، والوجهان جاريان فيما لو نوى أن لا يرد الوديعة بعد طلب المالك.
وقيل: يضمن هنا قطعًا؛ لأنه يصير ممسكًا لنفسه.
وموضع الخلاف أيضًا: إذا نوى بعد القبض، فإن نواه ابتداء .. ضمن قطعًا، وإذا تعدى وبقيت في يده مدة .. لزمه أجرة مثلها.
قال: (ولو خلطها بماله ولم تتميز .. ضمن)؛ لأنه لم يرض به، سواء قل المخلوط أو كثر.
وقال مالك: إن خلطها بمثلها أو أجود منها .. لم يضمن.
واحترز عما إذا تميزت بسكة أو نحوها، أو كانت دراهم فخلطها بدنانير .. فلا ضمان؛ لتميزها منها.
قال في (الكفاية): اللهم إلا أن يحصل نقص بسبب الخلط فيضمنه كما صرح به الماوردي، وليس الضابط التمييز بل سهولته، حتى لو خلط حنطة بشعير .. كان مضمنًا فيما يظهر.
قال: (ولو خلط دراهم كيسين للمودع .. ضمن في الأصح)؛ لأنه ربما ميز بينهما لغرض دعا إليه.
والثاني: لا؛ لأن جميعه ملك مالك واحد.
وصورة المسألة: أن يكونا مفتوحين، وإلا، فإن حل شدَّهما .. صار بأول الحلِّ ضامنًا على الصحيح وإن لم يخلطهما كما تقدم.
وإن كانا متميزين كدراهم ودنانير .. لم يضمن.
стр. 2942
وَمَتَى صَارَتْ مَضْمُونَةً بِانْتِفَاعٍ وَغَيْرِهِ ثُمَّ تَرَكَ الْخِيَانَةَ .. لَمْ يَبْرَا، فَإِنْ أَحْدَثَ لَهُ الْمَالِكُ اسْتِئْمَاناً .. بَرِئَ فِي الْأصَحِّ ......
ــ
فرعان:
الأول: أتلف بعض الوديعة، فإن كان منفصلاً عن الباقي كأحد الثوبين .. لم يضمن إلا ما أتلفه، وإن كان متصلاً به كما لو قطع بعض الثوب أو طرفًا من الحيوان، فإن فعل ذلك عمدًا .. ضمن الجميع، وإن كان خطأ .. ضمن ما فوته، وفي الباقي وجهان:
أصحهما: لا يضمنه.
الثاني: أودعه عشرة دراهم فسرق ابن المودع منها خمسة فضم أبوه خمسة إلى الخمسة الباقية وردها على مالكها، قال البغوي: إن كان ما سرق باقيًا في يده .. لم يبرأ، وإن كان تالفًا .. بريء.
قال: (ومتى صارت مضمونة بانتفاع وغيره ثم ترك الخيانة .. لم يبرأ) كما لو جحدها ثم اعترف بها.
وقال أبو حنيفة: يبرأ ويعود أمينًا.
والمراد بـ (ترك الخيانة): أن يردها إلى مكانها، أما إذا ردها للمالك ثم أوعده ثانيًا .. فإنه يصير أمينًا.
قال: (فإن أحدث له للمالك استئمانًا .. بريء في الأصح)؛ لأن التضمين كان لحق المالك وقد رضي بسقوطه.
والثاني: لا يعود أمينًا؛ لظاهر قوله ﷺ : (على اليد ما أخذت حتى تؤديه).
والخلاف قولان، فكان ينبغي التعبير بالأظهر، والخلاف شبيه بالخلاف فيما إذا
стр. 2943
وَمَتَى طَلَبَهَا الْمَالِكُ .. لَزِمَهُ الْرَدُّ؛ بِأَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا،
ــ
حفر بئرًا في ملك غيره عدوانًا ثم أبرأه المالك عن ضمان الحفر.
واحترز بقوله: (أحدث) عما لو قال في الابتداء: أودعتك، فإن خنت ثم تركت الخيانة عدت أمينًا لي فخان وضمن ثم ترك الخيانة .. فإنه لا يعود أمينًا بلا خلاف؛ لأنه إسقاط ما لم يجب وتعليق للوديعة.
وموضع الخلاف الذي ذكره المصنف: إذا صارت مضمونة بغير التلف، أما إذا أتلفها ثم أحدث له المالك استئمانًا .. فإنه لا يبرأ بلا خلاف؛ لأنه الواجب عليه أن يرد ذلك البدل إلى المالك ثم يحدث له استئمانًا.
قال: (ومتى طلبها المالك .. لزمه الرد)؛ لقوله تعالى: ﴿فليُؤدِ الذي اؤتُمنَ أمانته﴾، ولقوله ﷺ : (أد الأمانة إلى من ائتمنك) حسنه الترمذي، وعلم منه أنه ليس له إلزام المالك الإشهاد وإن كان أشهد عليه عند الدفع، وهو الأصح من أوجه ثلاثة سبق بيانها في (باب الوكالة)؛ فإنه مصدق في الرد.
وفي معنى المالك: وارثه، فإذا طلبها بعد موته .. كان الحكم كذلك، حتى لو امتنع المودَع من الرد وقال: لا آمن أن تكون في ماله وصية ثم تلف .. قال القفال: يضمن؛ لتعديه بالمنع من الوارث وهو مستحق في الظاهر.
لكن يستثنى من إطلاقه: ما إذا كان الذي أودعه حاكم ثم طالبه .. فعليه أن يشهد له بالبراءة؛ لأنه لو عزل .. لم يقبل قوله، قال الإصطخري في (أدب القضاء).
ويستثنى أيضاً: ما إذا طلبها وكيل المودع .. فإن له التأخير لطلب الإشهاد؛ لأنه لا يقبل قوله في دفعها إليه.
قال: (بأن يخلي بينه وبينها) فلا يجب عليه نقلها، وليس عليه مؤنة ردها، بل هي على المالك باتفاق الأصحاب.
هذا إذا كان المردود عليه أهلاً للقبض، فإن كان محجورًا عليه لسفه أو مرض أو فلس .. لم يلزمه الرد، بل لا يجوز ويضمن، ثم بعد هذا لا يختص بمطالبة
стр. 2944
فَإنْ أَخَّرَ بِلاَ عُذْرٍ .. ضَمِنَ. فَإِنِ ادَّعَى تَلَفَاً وَلَمْ يَذْكُرْ سَبَبَاً، أَوْ ذَكَرَ خَفِيْاً كَسَرِقَةٍ .. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ. وَإِنْ ذَكَرَ ظَاهِرَاً كَحَرِيقٍ؛ فَإِنْ عُرِفَ الْحَرِيقُ وَعُمُومُهُ .. صُدِّقَ بِلاَ يَمِينٍ،
ــ
المالك، بل لو طلب المودع المالك بأخذ وديعته .. لزمه أخذها، كما قاله في (نكت التنبيه) نقلاً عن (البيان).
ومحل وجوب الرد: إذا لم يكن له شريك فلو أودعه رجلان ثم جاء أحدهما يسترد نصيبه .. فقيل: يدفع إليه، والأصح: لا؛ لأنهما اتفقا في الإيداع فكذا في الاسترداد.
قال: (فإن أخر بلا عذر .. ضمن)؛ لتعديه، فمن الأعذار الصلاة والطهارة والأكل والشرب وملازمة الغريم ونحو ذلك، وأفهم: أنه مع العذر لا يضمن، وهو الذي صرح به الأكثرون.
وشملت عبارته: ما إذا كان المودع مشهورًا بأنه لص وغلب على ظن المودع أنه لغيره وطالبه به.
قال الروياني: يحتمل أن يقال: يلزمه الرد إليه، وهو القياس، ويحتمل أن يقال: يتوقف ويطلب صاحبه، فإن ظهر، وإلا .. رده إليه.
قال: (فإن ادعى تلفًا ولم يذكر سببًا، أو ذكر خفيًا كسرقة .. صدق بيمينه) بالإجماع؛ لتعذر إقامة البينة عليه ولا يلزمه بيان السبب، وكذا رب المال مع عامل القراض.
نعم؛ عليه أن يحلف له أنه تلف بغير تفريط.
وفي معنى السرقة: ما لو ذهب به الفأر كما أفتى به البغوي.
وليس للمودع حفر داره إلا أن يكون متعديًا في وضعه فيحفر، كالدينار يقع في المحبرة.
قال: (وإن ذكر ظاهرًا كحريق) ونهب؛ (فإن عرف الحريق وعمومه .. صدق بلا يمين)؛ لاحتمال ما يدعيه.
стр. 2945
وَإِنْ عُرِفَ دُونَ عُمُومِهِ .. صُدِقَ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ جُهِلَ .. طُولِبَ بِبَيِّنَةٍ، ثُمَّ يُحَلَّفُ عَلَى الْتَلَفِ بِهِ. وَإِنِ ادَّعَى رَدَّهَا عَلَى مَنِ ائْتَمَنَهُ .. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ
ــ
قال: (وإن عرف دون عمومه .. صدق بيمينه) فيحلف؛ لاحتمال ما ادعاه.
قال: (وإن جهل .. طولب ببينة) يعني: على السبب الظاهر.
قال: (ثم يحلف على التلف به)؛ لاحتمال أنها لم تتلف به.
وعد المتولي موت الحيوان والغصب من الأسباب الظاهرة، والأقرب ما في (الرافعي)، وهو: إلحاق الغصب بالسرقة.
قال: (وإن ادعى ردها على من ائتمنه .. صدق بيمينه)؛ لأنه أمينه، سواء أشهد عليه عند الدفع أم لا، خلافًا لمالك.
واحتج عليه ابن المنذر بإجماعهم على تصديقه دعوى التلف فكذلك الرد.
وعبارة المصنف وغيره تشمل: الرد على من له الإيداع من مالك وولي ووصي وقيم وحاكم؛ لأنه ائتمنه كالمالك، حتى الجابي لو ادعى تسليم ما جباه للذي استأجره على الجباية .. فالقول قوله كما أفتى به ابن الصلاح، وكذلك الوكيل يدعي تسليم الثمن لموكله.
قال الرافعي: ولو أودعها الأمين لعذر السفر فادعى الأمين الرد عليه .. صدق، ولو كان المالك عين أمينًا فقال: إذا سافرت فاجعلها عند فلان، ففعل .. فالحكم بالعكس: إن ادعى الرد على المالك .. صدق، أو على المودع الأول .. لم يصدق.
كل هذا إذا استمر المودع على أمانته، فلو ضمنها بتفريط أو عدوان .. لم تقبل دعواه الرد، وهذا الحكم يطرد في كل أمين؛ من وكيل وشريك وعامل قراض وولي محجور وملتقط لم يتملك، إلا المرتهن والمستأجر؛ فإنهما يصدقان في دعوى التلف دون الرد، ولا يصدق الولي ونحوه في الرد؛ لادعائه ذلك على غير من ائتمنه.
стр. 2946
أَوْ عَلَى غَيْرِهِ كَوَرَاثِهِ، أَوْ ادَّعَى وَارِثُ الْمُودِعِ الْرَّدَّ عَلَى الْمَالِكِ، أَوْ أَوْدَعَ عِنْدَ سَفَرِهِ أَمِيناً فَادَّعَى الأَمِينُ الْرَّدَّ عَلَى الْمَالِكِ .. طُولِبَ بِبَيِّنَةٍ. وَجُحُودُهَا بَعْدَ طَلَبِ الْمَالِكِ مُضَمِّنٌ
ــ
قال: (أو على غيره كوارثه، أو ادعى وارث المودع الرد على المالك، أو أودع عند سفره أمينًا فادعى الأمين الرد على المالك .. طولب ببينة)؛ لأن الأصل عدم الرد ولم يأتمنه، وقد استدل بعض الأصحاب لهذه المسألة والتي قبلها بقوله تعالى: ﴿فليُود الَّذِي اؤتُمِنَ أمانَتَهُ) دلت على: أن من اؤتمن .. يؤدي الأمانة بنفسه من غير إشهاد، فيقبل قوله في الرد.
وشملت عبارة المصنف: من طيرت الريح ثوبًا إلى داره فقال: رددت على المالك، أو ادعاه الملتقط .. فلا يصدق إلا ببينة.
قال: (وجحودها بعد طلب المالك مضمن)؛ لأنه خائن بذلك.
وخرج بـ (طلب المالك) طلب غيره؛ فإنه غير مضمن ولو كان بحضوره، فإن الوديعة يسعى في إخفائها، أما إذا قال ابتداء: لا وديعة لأحد عندي، أو جوابًا لسؤال غير المالك أو في غيبته .. لم يضمن، لأنه سعى في إخفائها.
ولا يخفى أن هذا إذا لم تقم قرينة: أن المالك أراد بالطلب غير حقيقته، فلو ظلم المالك ظالم فطالبه بالوديعة فجحدها دفعًا للظالم .. فالظاهر: أنه لا يضمن.
وحكى شريح في التضمين في هذه الحالة وجهين.
ولو قال بعد الجحود: كنت غلطت أو نسيت الوديعة .. فالمنقول: أنه لا يبرأ عن الضمان إلا أن يصدقه المالك.
ومن أنكر وديعة .. صدق بيمينه، فإن أقام المدعي بينة على الإيداع .. لم يصدق في دعوى الرد؛ لتناقض كلامه وظهور خيانته.
стр. 2947
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأما في دعوى التلف .. فيصدق، ولكنه كالغاصب فيلزمه الضمان.
فرع:
أودعه قبالة وقال: لا تدفعها إلى زيد حتى يعطيك ديناراً فدفعها إليه قبل أن يعطيه .. فعليه قيمة الكاغد أبيض وأجرة الوراق، ولابد من اعتبار أجرة الشهود، سواء كتبوا رسم شهادتهم أم لا.
قاعدة:
في (التلخيص) و (اللباب) و (ترتيب الأقسام) وغيرها: كل مال تلف في يد أمين من غير تعد .. فلا ضمان عليه، إلا في صورة واحدة، وهي: السلطان إذا استسلف زكاة للمساكين قبل حولها وتلفت في يده .. فإنه يضمنها للمساكين، نص عليه.
وتلتحق بها ثانية، وهي: ما لو اشترى عينًا وحبسها البائع على الثمن ثم أودعها عند المشتري فتلفت .. فإنها تتلف من ضمانه ويستقر عليه الثمن، وليس لنا وديعة تضمن بالتلف غيرهما.
تتمة:
سئل الغزالي عن رجلين أودعا رجلاً صرتين، كلٌّ أودعه صرة فيها عشرة، ثم جاءا إليه فطلبا صرتيهما، فأعطى هذا صرة وهذا صرة، فادعى أحدهما: أنه وجد صرته زيوفًا وأن التي كانت له لم تكن كذلك، وهما يصدِّقان المودَع عنده على أنه ما تعدّى؟
стр. 2948
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فتوقف فيها، ثم أجاب بأنهما يتحالفان ولا شيء على المودَع. أهـ
وهذا ينبني على أنا هل نضمن المودع بالنسيان أو لا؟ فإن ضمناه، وهو الأصح .. فيضمن؛ لأنه قصر في نسيانه ما لكل منهما، وإن لم نضمنه .. فلا خصومة لهما معه وإنما الخصومة بينهما، فإن اصطلحا، وإلا .. فهو كمالٍ في يديهما على الصحيح، فتنزع العشرة الجيدة من يد آخذها إلى أن تنفصل خصومتهما.
وفي (التجريد) لابن كج: وديعة عند رجلين اختلفا عند من تكون منهما؟ فقال: عندي تقسم بينهما كالوصيين، وبه قال أهل العراق، ويحتمل أن لا تقسم وتكون في موضع يدهما عليه.
* ... * ... *
خاتمة
سئل الشيخ عز الدين عن رجل تحت يده وديعة مضت عليها مدة طويلة، ولم يعرف صاحبها، وأيس من معرفته بعد البحث التام؟
فقال: يصرفها في أهم مصالح المسلمين، ويقدم أهل الضرورة ومسيس الحاجة، ولا يبني بها مسجدًا، ولا يصرفها إلا فيما يجب على الإمام العادل صرفها فيه، فإن جهله .. فليسأل أورع العلماء وأعرفهم بالمصالح الواجبة التقديم.
стр. 2949
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
ــ
كتاب قَسم الفيء والغنيمة
(القَسم) بالفتح: مصدر قسمت الشيء.
و (الفيء): مصدر فاء يفيء: إذا رجع؛ لأنه مال راجع من الكفار إلى المسلمين.
قال القفال: سمي فيئًا؛ لأن الله تعالى خلق الدنيا وما فيها للاستعانة على طاعته، فمن خالفه .. فقد أغضبه، وسبيله الرد إلى من يطيعه.
و (الغنيمة) فعيلة بمعنى مفعولة، يقال: غنم الغنم يغنم غُنمًا بالضم من الغنم، وهو: الربح؛ لأنها فائدة محققة، وجمعها: غنائم.
وذكر المسعودي وطائفة: أن اسم كل واحد منهما يقع على الآخر، فهما إذا اتفقا .. افترقا، وإذا افترقا .. اتفقا، كاسمي الفقير والمسكين إذا وصى للفقراء والمساكين .. لا يجوز اختصاصه بواحد منهما، وإن وصى لأحدهما .. جاز أن يعطى للآخر.
والأصح: ما جزم به المصنف.
ثم إنه ذكر هذا الباب في هذا الموضع؛ اقتداء بالمزني وغيره، وافتتحه في (المحرر) بقوله تعالى: ﴿ما أفاء اللهُ على رسُوله من أهلِ القُرَى﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أنمَا غَنِمتُم من شيءٍ﴾ الآيتين.
وكانت الغنائم قبل الإسلام لا تحل لأحد، بل كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا غنموا مالاً جمعوه فتأتي نار من السماء تأخذه، ثم أحلت للنبي ﷺ ، وكانت في صدر الإسلام له ﷺ خاصة؛ لأنه كالمقاتلين
стр. 2950
(الْفَيْءُ): مَالٌ حَصَلَ مِنْ الْكُفَّارِ بِلاَ قِتَالٍ وَإِيجَافِ خَيْلٍ وَرِكَابٍ كَجِزْيَةٍ
ــ
كلهم؛ فإنه نصر بالرعب مسيرة شهر، والرعب منه وحده لم يَشْرَكْهُ فيه أحد من المسلمين، ولأن قوته وشجاعته ﷺ لم تكن لأحد فهو قائم مقام جميع المقاتلين، وكذا كانت غنائم بدر، ثم نسخ ذلك واستقر الأمر على أن له منها الصفي، فيعطى من الغنيمة ما شاء.
قال: ((الفيء): مال حصل من الكفار بلا قتال وإيجاف خيل وركاب)، التقييد بـ (المال) تبع فيه (المحرر) و (الروضة) وغيرهما؛ جريًا على الغالب، وإلا .. فيرد عليه ما ليس بمال كالكلاب والخمرة المحترمة، وما ينتفع به من النجاسات؛ فهذه لا تسمى مالاً، والمذهب: أنها غنيمة تجري عليها أحكامها، لكن في بعض النسخ: (الفيء: ما حصل من الكفار)، وعلى هذا لا اعتراض.
و (الإيجاف): الإسراع، وقيل: الإعمال.
و (الركاب): الإبل خاصة، واحدها: راحلة من غير لفظها، واجتماع الخيل والإبل ليس بشرط، بل أحدهما كاف في انتفاء حكم الفيء، ولذلك قال تعالى: ﴿ولا ركابٍ﴾، فـ (الواو) في كلام المصنف بمعنى (أو)، والتي بين القتال وإيجاف محتملة لمعنى (أو) ولمعنى (الواو) الجامعة.
وقد صرح المصنف في كلامه على (التنبيه) بأن القتال شرط، وأما الإيجاف .. فذكره على الغالب؛ لأنه قد يكون القتال في السفن في البحر ومن الرجالة في البر والحاصل من ذلك غنيمة.
قال: (كجزية)؛ لأنهم إنما يعطونها عن خوف، ولكنه ليس خوفًا ناجزًا، بل هو مستقبل، وقصد بها إثبات عصمة مستدامة، فلذلك عدت مما أخذ من غير خوف، وكذلك الخراج المضروب عليهم.
стр. 2951
وَعُشْرِ تِجَارَةٍ وَمَا جَلَوْا عَنْهُ خَوْفَاً، وَمَالِ مُرْتَدٍّ قُتِلَ أَوْ مَاتَ، وَذِمِّيِّ مَاتَ بِلاَ وَارِثٍ .. فَيُخَمَّسُ،
ــ
قال: (وعشر تجارة وما جَلَوا عنه خوفًا) هذا يقتضي: أن ما جلوا عنه من غير خوف بل لضُرٍّ أصابهم ليس بفيء، ولم يقل به أحد، أو فيءٌ ولا يخمس، والصحيح خلافه، فلو حذف (خوفًا) .. أمن من الاعتراض.
وجوابه: أنه خرج مخرج الغالب، كما في قوله: (بإيجاف خيل وركاب).
وقيد في (الروضة) (الخوف) من المسلمين، وليس بشرط.
قال: (ومال مرتد قتل أو مات)؛ لأنه لا وارث له كما تقدم في بابه.
قال: (وذمي مات بلا وارث) وكذا ما فضل عن وارث له غير حائز، والمعتبر في الإرث إرث الإسلام كما تقدم.
وهذه الأنواع السبعة لا خلاف في إطلاق اسم الفيء عليها، وإنما الخلاف في التخميس كما سيأتي.
قال: (فيخمس)؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿مَّا أفاءَ اللهُ على رَسُولِهِ﴾ الآية، فيجعل خمسة أسهم متساوية كالغنيمة، وهذا مذهب الشافعي ﵁ في الجديد.
ودليله فيه: ما رواه الشيخان عن عمر ﵁ قال: (كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله ﷺ خاصة دون المسلمين، وكان ينفق منها على أهل بيته، فما فضل منها جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله).
قال الشافعي ﵁: ومعنى قول عمر ﵁: (فكانت له خاصة) يريد: ما كان للمؤمنين لو أوجفوا، وهي الأربعة الأخماس، أما الخمس .. فلأهل الخمس بدليل الآيتين.
وقال ابن المنذر: إن هذا شيء انفرد به لا نعلم أحدًا قال به قبله؛ أن الفيء يخمس.
ومذهب الأئمة الثلاثة - وهو القديم -: أنه لا يخمس، بل جميعه لمصالح المسلمين، احتجوا بقوله تعالى: ﴿مَّا أفاءَ اللهُ على رَسُولِهِ﴾ الآية، ولم يخمس.
стр. 2952
وَخُمُسُهُ لِخَمْسَةٍ: أَحَدُهَا: مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ كَالْثُّغُورِ وَالْقُضَاةِ وَالْعُلَمَاءِ،
ــ
قلنا: أطلق هاهنا وقيد في الغنيمة فحمل المطلق على المقيد جمعًا بينهما؛ لاتحاد الحكم، واختلاف السبب، فإن الحكم واحد وهو رجوع المال من المشركين للمسلمين، إلا أنه اختلف سببه بالقتال وعدمه كما حملنا الرقبة في الظهار على المؤمنة في كفارة القتل.
قال: (وخمسه لخمسة) كخمس الغنيمة المدلول عليه بقوله تعالى: ﴿واعْلمُوا أنَّما غَنِمتُم من شَيءٍ﴾ الآية، فيقسم مال الفيء أولاً على خمسة أقسام متساوية، ثم يؤخذ منها سهم يقسم خمسة أسهم فتكون القسمة من خمسة وعشرين، هكذا كان يقسم رسول الله ﷺ فكان له الأخماس الأربعة وخمس الخمس الآخر، فله أحد وعشرون سهمًا ينفق منها على نفسه وعياله ويدخر مؤنة سنة، وما بقي يصرفه في المصالح، كذا قاله الجمهور.
وقال الغزالي وغيره: كان الفيء جميعه له ﷺ إلى أن مات، وإنما خمس بعد موته، وما جزم به المصنف هو المذهب.
وفي قول: جميع الفيء لخمسة؛ لظاهر آية (الحشر).
وأجاب الأول بأن المراد: يقسم الخمس منه لخمسة كخمس الغنيمة، والباقي لمن أضيف له في صدرها وهو النبي ﷺ ، كما بقيت الأخماس الأربعة للمقاتلين الذين أضيف إليهم في صدر آيتهم بقوله: ﴿غَنِمتُم﴾.
قال: (أحدهما)؛ يعني: أحد الخمسة التي يقسم عليها خمس الفيء (مصالح المسلمين كالثغور)، وهي: مواضع المخافة من أطراف بلاد المسلمين الملاصقة لبلاد المشركين، والمراد: سدها بالرجال والعدد وإصلاحها؛ لأن بها يحفظ المسلمون.
قال: (والقضاة والعلماء)، وكذلك الأئمة والمؤذنون، وكذا كل من يفعل أمراً تعود منفعته على المسلمين ولو اشتغل بالكسب لتعطل عنه، كالمشتغل بالعلوم
стр. 2953
يُقَدَّمُ الْأَهَمُّ
ــ
الشرعية، والقيام بالحسبة، ونواب القضاة والولاة، ونحوهم.
وأشار بهذا إلى: أن مصرفه مصرف القرب لا مصرف قضاء الشهوات كما يفعله الملوك.
والمراد: قضاة البلاد، وأما الذين يحكمون بين أهل الفيء وهم قضاة العسكر .. فإنما يرزقون من الأخماس الأربعة، قاله الماوردي وغيره، قال: وكذا أئمتهم ومؤذنوهم وعمالهم، وهؤلاء يجوز أن يعطوا مع الغنى، ويختلف بضيق المال وسعته، كذا حكاه المصنف في (البيع) من (شرح المهذب).
وهذا السهم هو المضاف لله ورسوله في قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ وللرَّسُولِ﴾ أضيف لله على جهة التبرك والابتداء باسمه؛ لأنا لو لم نصرفه إلى هذه القرب .. لكانت السهام ستة.
وقال أبو العالية: سهم الله تعالى يصرف إلى الكعبة، ومن هذا النوع بناء القناطر التي يجتاز عليها والحصون والمساجد، والمشهور: أن النبي ﷺ ملك هذا الخمس ولكنه جعل نفسه فيه كغيره تكرمًا، ولا يورث عنه بل هو بعده للمصالح.
وفي وجه: أن سهمه ﷺ سقط بعد وفاته وبقيت القسمة على أربعة.
وقيل: يصرف إلى خليفة الزمان، حكاه في (الوسيط)، وإنما حكاه إمامه قولاً لبعض العلماء، والنقلان شاذان.
قال: (يقدم الأهم) أي: وجوبًا، وهو سد الثغور؛ لأنه تتعلق به مصلحة عامة.
فلو لم يدفع السلطان إلى المستحقين حقهم من بيت المال .. فهل لأحدهم أخذ شيء منه؟ حكى في (الإحياء) فيه أربعة مذاهب للعلماء:
أحدها: المنع؛ لأنه مشترك ولا يدري نصيبه منه حبة أو دانقًا أو غيرهما، قال: وهذا غلو.
стр. 2954
وَالْثَّانِي: بَنُو هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ؛
ــ
والثاني: يأخذ قوت يومه فقط.
والثالث: كفاية سنة.
والرابع: ما يعطى وهو حصته والباقون مظلومون، قال: وهو القياس؛ لأن المال ليس مشتركًا كالميراث، ولذلك لو مات لا يصرف إلى ورثته، وبالأول جزم الشيخ عز الدين في (القواعد).
قال: (والثاني: بنو هاشم والمطلب)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلذِي القُربى)، وهم: آل النبي ﷺ دون من في درجتهم من بني عبد شمس وبني نوفل وإن كانا ابني عبد مناف أيضًا؛ لأن النبي ﷺ أعطى أولئك ومنع هؤلاء، فسئل عن ذلك، فقال: (أما بنو هاشم وبنو المطلب فشيء واحد) وشبك بين أصابعه، رواه البخاري.
وروي: (إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام).
فهاشم والمطلب شقيقان، وذووا قربى النبي ﷺ حقيقةً هم بنو هاشم؛ لأنه جد النبي ﷺ ، فأدخل معهم ﷺ بني المطلب؛ لأنهم لم يفارقوا بني هاشم في جاهلية ولا إسلام.
ولهما شقيق ثالث، وهو عبدُ شمسَ جدُّ عثمان بن عفان، كان متحداً مع أخيه لأبيه نوفل جد جبير بن مطعم، فلم يدخلا في ذوي القربى وإن شملهما اسمها، أما عبدُ شمسَ .. فواضح، وأما نوفل .. فأخرجه النبي ﷺ بقوله: (نحن وبنو المطلب شيء واحد).
والاعتبار بالانتساب إلى الآباء، أما من انتسب منهم إلى الأمهات .. فلا؛ لأنه عليه الصلاة السلام لم يعط الزبير وعثمان وأم كل منهما هاشمية، لكن يستثنى من ذلك: أولاد بنات النبي ﷺ كأمامة بنت أبي العاص بن الربيع وعبد الله بن عثمان من بنته رقية، وهما من ذوي القربى بلا شك؛ لأن من خصائص
стр. 2955
يَشْتَرِكُ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ وَالْنِّسَاءُ، وَيفَضَّلُ الْذَّكَرُ [كَالإِرْثِ]
ــ
النبي ﷺ انتساب أولاد بناته إليه، بخلاف غيره.
وعبارة المصنف موافقة لعبارة (المحرر)، وكأنهما اكتفيا بالعلم بأنه لا يتصور أن يكون بنو أحدهما بني الآخر، والعبارة المستقيمة: بنو هاشم وبنو المطلب.
قال: (يشترك الغني والفقير)؛ للاشتراك في العلة، ولإطلاق الآية، وكان النبي ﷺ يعطي العباس منه وهو من أيسر قريش.
وفي وجه شاذ: يختص بفقرائهم كاليتامى، وعلى الأصح: يسوى بينهم.
وقال الإمام: إنما يعطى الغني عند سَعة المال؛ فإن كان الحاصل إذا وزع لا يسد مسدًا .. قدم الأحوج، وتكون الحاجة مرجحة، وإن لم تكن معتبرة، ولا فرق بين الصغير والكبير وإن كانت النصرة لا توجد من الصغير.
قال: (والنساء)؛ لأن الزبير كان يأخذ منه سهم أمه صفية عمة رسول الله ﷺ ، وكان الصديق يدفع لفاطمة منه.
وفي (النسائي): أن النبي ﷺ أسهم يوم حنين لصفية من ذوي القربى، ولولا ذلك .. لم يدفع لهن؛ لأن الآية لا تدل إلا على الصرف للذكور، فإن (ذوي) تختص بهم.
قال: (ويفضل الذكر (كالإرث))؛ لأنه عطية من الله تعالى فأشبه الإرث، ولأن معنى النصرة يراعى فيه مع القرابة، ولذلك دخل بنو المطلب؛ لنصرتهم لبني هاشم ودخولهم معهم الشعب، والمرأة فيها نصرة، ولكن نصرة الرجل أكثر ففضل على الأنثى.
وكأنهم عوضوا بذلك عن إرثهم من النبي ﷺ ؛ لأنه لا يورث.
وقال المزني: لا يفضل الذكر على الأنثى كالوصية للأقارب يسوى فيها بين الذكر والأنثى، وبه قال أبو ثور، وصححه ابن المنذر وجماعة، وقواه الشيخ؛ لأن الجد
стр. 2956
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يأخذ مع الأب، وابن الابن مع الابن، فدل على أنه ليس كالإرث.
وعلم من قوله: (كالإرث) أنه لا يفضل كبير على صغير، ولا ذكر على ذكر، ولا أنثى على أنثى، لكن يسوى بين من أدلى بجهتين ومن يدلي بجهة، خلافًا للقاضي حسين؛ فإنه فضل المدلي بهما على المدلي بجهة كما يقدم الأخ الشقيق على الأخ لأب، والصحيح: أنه يعم بالعطاء الحاضر في موضع حصول الفيء والغائب عنه، لأنه يستحق بالقرابة.
وقيل: يدفع ما يحصل في كل إقليم إلى من فيه منهم؛ لما في النقل من المشقة فالتحق بالزكاة.
ويجري مثل هذا الخلاف في اليتامى والمساكين، فيفرق على أيتام جميع البلاد ومساكينهم على الصحيح، لأن صاحب ذلك الوجه - وهو أبو إسحاق - يؤدي قوله إلى حرمان بعضهم، وهو مخالف للآية، وخالف الزكاة؛ فإن المشقة ممنوعة هنا في حق الإمام، فإنه متمكِّن من ضبط ذلك في كل إقليم.
فروع:
للإمام أن يبيع العروض الحاصلة من أموال الفيء ويفرقه إذا رأى فيه مصلحة، إلا نصيب ذوي القربى؛ فإن بيعه يتوقف على إذنهم، لانتقاله إليهم على سبيل الميراث، ولا يعطي من سهم ذوي القربى لمواليهم.
ومن ادعى: أنه منهم .. لا يعطى إلا أن يعرف ذلك باستفاضة أو يثبت ببينة.
وحكى الماوردي في (كتاب العاقلة) عن الأكثرين: أن من ادعى: أنه من قريش .. تسمع دعواه.
وأفهمت عبارة المصنف: أنهم لو أعرضوا عن سهمهم .. لم يسقط، وهو الأصح، وقد ذكره المصنف في (السير).
стр. 2957
وَالثِّالِثُ: الْيَتَامَى، وَهوَ: صَغِيرٌ لاَ أَبَ لَهُ، وَيُشْتَرَطُ فَقْرُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ
ــ
قال: (والثالث: اليتامى)؛ للآية، وإنما يستحق هذا السهم أيتام المسلمين؛ لأنه مال أخذ من الكفار فيختص المسلمون به.
قال: (وهو: صغير لا أب له) ذكرًا كان أو أنثى، سواء كان له جد أم لا، من أولاد المرتزقة أم غيرهم، قتل أبوه في الجهاد أم لا على الصحيح في الجميع، فوصف الصغير لابد منه؛ إذ لا يتم بعد احتلام.
وقوله: (لا أب له) يخالفه ما وقع في (الروضة) في (باب النكاح): أن اليتيمة هي التي لا جد لها، وكأنه سبق قلم، والصواب المذكور هنا.
وقال الغزالي: لا كافل له، وهو محمول على ذلك.
و (اليتم): الانفراد، ومنه: الدرة اليتيمة، وحق هذا الاسم أن يطلق على الكبار والصغار، إلا أنهم نفوه عمن بلغ واستقل؛ لقوله عليه الصلاة السلام: (لا يتم بعد احتلام).
وأما ما روي عن الشعبي: أن امرأة أتت إليه فقالت: إني امرأة يتيمة، فضحك منها أصحابه، فقال: (صدقت؛ النساء كلهن يتيمات) .. فإنما أراد بذلك ضعفهن.
وقال ابن السكيت وغيره: اليتم في الناسِ من قبَل الأب، وفي البهائم من قبل الأم.
قال ابن خالويه: وفي الطير بفقد الأب والأم؛ لأنهما يحضنانه ويرزقانه.
و (اللطيم): الذي يموت أبواه، و (العجي): الذي تموت أمه.
وشملت عبارة المصنف: ولد الزنا؛ فإنه لا أب له، لكن كان من حقه أن يقيده بالمسلم كما تقدم.
قال: (ويشترط فقره على المشهور)؛ لأن لفظ اليتم يشعر بالحاجة، وكأنهم أعطوا بدلاً عما فاتهم من كفالة الآباء.
стр. 2958
وَالْرَّابِعُ وَالْخَامِسُ: الْمَسَاكِينُ وَابْنُ الْسَّبِيلِ
ــ
وقول المصنف: (يشترط فقره) المراد: في إعطائه لا في تسميته، ولو عبر بالمسكنة .. كان أشمل، ولأنه لو اشترط .. لم يفد التنصيص عليه؛ لدخوله في المساكين، ورد بأن الفائدة عدم الحرمان.
والثاني: لا يشترط فيشترك فيه الفقير والغني كذوي القربى؛ لإطلاق الآية، ولأنه لو اشترط فيهم الفقر .. لدخلوا في جملة المساكين ولم يكن للتنصيص عليهم فائدة.
وأجاب ابن الرفعة بأن الفائدة عدم حرمانهم.
وتعبيره بـ (المشهور) يقتضي ضعف الخلاف، وهو مخالف لقول القاضي حسين: إن الثاني مذهب عامة الأصحاب، وكان ينبغي أن يعبر بالأظهر، والمذهب: أنه يجب استيعابهم.
وقال أبو إسحاق: يجب صرف ما حصل في كل إقليم إلى من فيه منهم كما قاله في الأقارب، ومن ادعى: أنه يتيم .. لم يعط إلا ببينة.
قال: (والرابع والخامس: المساكين وابن السبيل)؛ للآية، وسيأتي في كتاب (قسم الصدقات) بيان حقيقة الفقير والمسكين والفرق بينهما، وذلك عند ذكرهما معًا، فأما عند ذكر أحدهما خاصة .. فيتناول القسمين.
ولا فرق بين أن يكونوا من المرتزقة وغيرهم على المذهب، ولكن يشترط فيهم: أن يكونوا مسلمين، فلا يعطى الكافر من الخمس شيئًا، إلا من سهم المصالح؛ فإنه يعطى منه الكافر عند وجود المصلحة.
قال الماوردي: ويجتهد الإمام رأيه في التسوية والتفضيل بحسب الحاجة، ويجوز له أن يجمع لهم بين سهمهم من الزكاة وسهمهم من الخمس وحقهم من الكفارات، فيصير لهم ثلاثة أموال، وتجب التسوية بينهم حتى بين الذكر والأنثى، وإذا اجتمع في واحد يتم ومسكنة .. أعطي باليتم دون المسكنة؛ لأن اليتم وصف لازم والمسكنة زائلة.
стр. 2959
وَيَعُمُّ الأَصْنَافَ الأَرْبَعَةَ الْمُتَأَخِّرَةَ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِالحَاصِلِ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ مَنْ فِيهَا مِنْهُمْ. وَأَمَّا الأَخْمَاسُ الأَرْبَعَةُ فالأَظْهَرُ: أَنَّهَا لِلْمُرْتَزِقَةِ - وَهُمُ: الأَجْنَادُ الْمُرْصَدُونَ لِلْجِهَادِ-
ــ
وقيل: يشترط في ابن السبيل هنا الحاجة بخلاف الزكاة، ومن فقد من الأصناف الأربعة .. فرق نصيبه على الباقين.
قال: (ويعم الأصناف الأربعة المتأخرة)؛ لعموم الآية وصدق الاسم كالميراث، فيعطى الحاضر والغائب عن موضع حصول الفيء؛ إذ لا مشقة في ذلك، لأن الإمام هو الذى يقسم، وهو قادر على ذلك بأمر أمنائه في كل إقليم بضبط من فيه.
قال: (وقيل: يختص بالحاصل في كل ناحية من فيها منهم)؛ لما في النقل من المشقة فالتحق بالزكاة، وهذا قد تقدمت الإشارة إليه.
ولا يجوز الاقتصار على ثلاثة من كل صنف كالزكاة إذا فرق الإمام، ويجوز أن يفاوت بين اليتامى وبين المساكين وأبناء السبيل؛ لأنهم يستحقون بالحاجة فتراعى، بخلاف ذوي القربى؛ فإنهم يستحقون بالقرابة، ومن ادعى فقرًا أو مسكنة .. قبل قوله بلا بينة.
قال: (وأما الأخماس الأربعة) وهي التي كانت لرسول الله ﷺ في حياته (فالأظهر: أنها للمرتزقة - وهم: الأجناد المرصدون للجهاد-)؛ لأنها كانت في حياة النبي ﷺ له لحصول النصرة به كما تقدم، وبعده جند الإسلام هم المرصدون للنصرة وإرعاب الكفار.
والمراد: الذين أرصدوا للجهاد بتعيين الإمام وإثباتهم في الديوان، بخلاف المتطوعة الذين يغزون إذا شاؤوا، ويقعدون إذا شاؤوا، فهؤلاء يعطون من الزكاة لا من الفيء عكس المرتزقة.
نعم؛ إذا لم يف الفيء بحاجتهم وليسوا أغنياء .. فللإمام أن يصرف إليهم من سهم رسول الله ﷺ .
والقول الثاني: أن هذه الأخماس الأربعة للمصالح كخمس الخمس.
стр. 2960
فَيَضَعُ الإِمَامُ دِيوَانًا، وَيَنْصِبُ لِكُلِّ قَبِيلَةٍ أَوْ جَمَاعَةٍ عَرِيفًا،
ــ
والثالث: أنها تقسم كما يقسم الخمس، ونسبه الإمام إلى التقديم.
و (الأجناد): الأعوان والأنصار، واحدهم: جندي.
قال: (فيضع الإمام ديوانًا)؛ اقتداء بعمر ﵁، فهو أول من وضعه في الإسلام.
و (الديوان) بكسر الدال: الدفتر الذي تكتب فيه الأسماء.
وقيل: الكُتّاب الذين يضبطون الأسماء، سمي مكانهم باسمهم، وهو فارسي معرب، وقيل: عربي.
قيل: أول من سماه بذلك كسرى؛ لأنه اطلع يومًا على ديوانه وهم يحسبون مع أنفسهم، فقال: ديوانة؛ أي: مجانين، فسمي موضع قعودهم: ديوانًا.
فإن قيل: هذا لم يكن في زمن النبي ﷺ ولا زمن أبي بكر ﵁ فهو بدعة وضلالة .. فالجواب: أن هذا أمر دعت الحاجة إليه واستحسن بين المسلمين، وقال ﷺ : (ما رآه المسلمون حسنًا .. فهو عند الله حسن).
قال: (وينصب لكل قبيلة أو جماعة عريفًا)؛ ليجمعهم عند الحاجة إليهم، ويسهل عليه ما يريده منهم، ويعرفه بأحوالهم، ويرجع إليه الإمام في ذلك؛ لأن النبي ﷺ قال في غزوة هوازن: (ارجعوا حتى أسأل عرفاءكم) وكان قد عرف على كل عشرة عريفًا.
وهذا النصب مندوب لا واجب، كما أفاده في زيادات (الروضة)، وبه صرح الإمام.
وروى البيهقي وغيره عن جابر قال: (لما ولي عمر ﵁ الخلافة .. فرض الفرائض، ودوّن الدواوين، وعرف العرفاء).
стр. 2961
وَيَبْحَثُ عَنْ حَالِ كُلِّ وَاحِدٍ وَعِيَالِهِ وَمَا يَكْفِيهِمْ، فَيُعْطِيهِ كِفَايَتَهُمْ
ــ
وروى أبو داوود وغيره: أن النبي ﷺ قال: (العرافة حق ولابد للناس منها، ولكن العرفاء في النار) حذر بذلك عن التعرض للرئاسة؛ لما في ذلك من الفتنة، لأنه إذا لم يقم بحقها .. أثم واستحق النار.
و (العريف) فعيل بمعنى: فاعل، وهو: الذي يعلم دخيلة القوم ويعرف مناقبهم، وجمعه: عرفاء، قال الجوهري: وهو النقيب، وهو دون الرئيس، تقول منه: عَرُف فلان بالضم عرافة.
وقال الماوردي وغيره: النقيب أكبر من العريف، فالنقيب يكون على طائفة من العرفاء.
وفي (مسند الدرامي): قال عطاء بن يسار: حملة القرآن عرفاء أهل الجنة، ومعناه: أنهم رؤساء أهلها.
قال: (ويبحث) أي: الإمام وجوبًا (عن حال كل واحد وعياله وما يكفيهم، فيعطيه كفايتهم)؛ ليتفرغ للجهاد، ويراعي في حاجتهم الزمان والمكان، والرخص والغلاء، وعادة الشخص مروءةً وضدها، ويزداد كلما ازدادت الحاجة؛ بزيادة ولد، وزيادة عدد، وحدوث زوجة ولو إلى أربع، فيكفيه هذه المؤنات؛ ليتفرغ للجهاد، ويدفع ذلك إليه، وفي قول: يتولى الإمام تعهد عياله بنفسه.
ويعطى أيضًا: مؤنة عبد يقاتل معه أو يخدمه، إن كان ممن يخدم ولا يزاد على واحد إن اندفعت الحاجة به، وإلا .. فيزاد، ويعطيه مؤنة فرسه إن كان ممن يركب في الحرب.
وقال ابن الرفعة: أما أمهات الأولاد فلا يعطي إلا لواحدة منهن؛ لأنهن غير محصورات، بخلاف الزوجات، والحاجة تندفع بواحدة.
ثم ما يصرفه إليه لزوجته وولده هل يملكه هو ويصير إليهم من جهته، أو لا يملكه بل الملك حصل لهم من الفيء؟ وجهان: أصحهما: الثاني.
стр. 2962
وَيُقَدِّمُ فِي إِثْبَاتِ الاِسْمِ والإِعْطَاءِ قُرَيْشًا-
ــ
فرع:
نص الشافعي ﵁: على أنه يسوي بين المرتزقة، ومعناه: أنه يعطي كل واحد قدر حاجته، ولا يفضل بعضهم على بعض بالسبق إلى الإسلام أو الهجرة له أو لآبائه ولا علم ولا ورع ولا شرف نسب، بل يعطي كل واحد على قدر حاجته، ويسوي بين الشريف وغيره، كما يسوي في الإرث بين البار والعاق، وفي الغنيمة بين الشجاع والجبان؛ لأنهم مرصدون للجهاد.
وكذا حَكَم أبو بكر وعلي ﵄.
وإلى التفضيل ذهب عمر وعثمان ﵄، ثم رجع عمر إلى قول أبي بكر، وكان عمر ﵁ يقول لأبي بكر ﵁: (أتجعل الذين جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم وهجروا ديارهم كمن دخل الإسلام كرهًا؟!) فقال أبو بكر ﵁: (إنما عملوا لله، وإنما أجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ).
فلما آل الأمر إلى عمر ﵁ فاضل بينهم بحسب الفضائل؛ ترغيبًا للناس فيها؛ فأعطى المهاجرين خمسة آلاف، والأنصار أربعة آلاف، وفضل عائشة ﵂ على ابنته حفصة ﵂، وقال: (إن أباها كان أحب إلى رسول الله ﷺ ، فأعطى عائشة ﵂ اثني عشر ألفًا، وأعطى بقية نسائه العربيات عشرة آلاف درهم لكل واحدة، وأعطى صفية وجويرية ستة ستة؛ لأنهما كانتا معتقتين، وأعطى كلاً من علي والعباس ستة آلاف، وأعطى الحسن والحسين أربعة أربعة، وأسامة بن زيد ألفين، وولده عبد الله ألفًا وخمس مئة فقال: (أتفضل عليَّ أسامة؟!) قال: (نعم؛ لأنه كان أحب إلى رسول الله ﷺ منك وأبوه أحب إليه من أبيك).
قال: (ويقدم في إثبات الاسم والإعطاء قريشًا)؛ لقوله ﷺ :
стр. 2963
وَهُمْ وَلَدُ النَّضْرِ بنِ كِنَانَةَ - وَيُقَدِّمُ مِنْهُمْ بَنِي هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ ثُمَّ عَبْدِ شَمَسَ ثُمَّ نَوْفَلٍ ثُمَّ عَبْدِ الْعُزَّى
ــ
(قدّموا قريشًا ولا تَقَّدموها) رواه ابن أبي شيبة والطبراني والطيالسي والشافعي، وقال ابن حزم: إسناده صحيح.
ولأنهم تشرفوا بالنبي ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾.
وسموا قريشًا؛ لتقرشهم، وهو تجمعهم، وقيل: لشدتهم.
قال: (وهم ولد النضر بن كنانة)، هذا قول أكثر النسابين، واسم النضر: قيس.
وقيل: إنهم أولاد إلياس.
وقيل: أولاد مضر بن نزار.
وقيل: ولد فهر بن مالك، قال البيهقي: إنه قول أكثر أهل العلم، واختاره الحافظ الدمياطي والشيخ، قالا: ولا يكاد يظهر تفاوت بين القولين.
قال: (ويقدم منهم بني هاشم)؛ لأن الله تعالى شرفهم بكون النبي ﷺ منهم، واسم هاشم عمرو، وسمي بذلك؛ لأنه هشم الثريد لقومه، قال الشاعر (من الكامل):
عمرو الذي هشمَ الثريدَ لقومه ... ... ... وبطون مكة مسنتون عجاف
قال: (والمطلب)؛ لتسويته ﷺ بينهما، وفيه ما سبق.
قال: (ثم عبد شمسَ)؛ لأنه شقيق هاشم والمطلب، والمراد: ثم بني عبد شمس، ويقرأ عبد شمسَ بفتح آخره؛ فإنه لا ينصرف للعلمية والتأنيث، حكاه في (العباب) عن الفارسي.
قال: (ثم نوفل)؛ لأنه أخوهم لأبيهم عبد مناف.
قال: (ثم عبد العزى)، وهو ابن قصي أخو عبد مناف، ومنهم الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى، وأيضًا هو أصهار النبي ﷺ ؛ فإن خديجة بنت خويلد بن عبد العزى.
стр. 2964
ثُمَّ سَائِرَ الْبُطُونِ الأَقْرَبَ فَالأَقْرَبَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، ثُمَّ الأَنْصَارَ،
ــ
ثم بعد عبد العزى بني عبد الدار، وهما ابنا قصي.
قال: (ثم سائر البطون الأقرب فالأقرب إلى رسول الله ﷺ ؛ لأن كل الشرف والخير في القرب إلى رسول الله ﷺ ، فيقدم بعد عبد الدار بني زهرة بن كلاب، وهو أخو قصي، وهم أخوال النبي ﷺ ، ومنهم عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، ثم بنو تيم، ومنهم أبو بكر وطلحة ﵄، وقدموا على بني مخزوم؛ لأن عائشة ﵂ منهم، وهكذا.
قال: (ثم الأنصار) أي: بعد انتهاء قريش يقدم الأنصار من الأوس والخزرج؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ والأَنصَارِ﴾، ولأن لهم من الأثر في الإسلام ما ليس لغيرهم؛ فإنهم آووا رسول الله ﷺ ونصروه وآثروه وأصحابه على أنفسهم في المنازل والأموال، وقال ﷺ في حديث طويل: (لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، والأنصار شعار والناس دثار، ولو سلك الناس واديًا وشعبًا .. لسلكت وادي الأنصار وشعبها).
وفي (صحيح البخاري) في (كتاب المغازي) عن أنس أنه قال: (قتل منهم يوم أحد سبعون، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة سبعون).
وفيه أيضًا عن غيلان بن جرير قال: (قلت لأنس بن مالك: أرأيت اسم الأنصار أكنتم تسمون به أم سماكم الله به؟ قال: بل سمانا الله تعالى به).
وروى أحمد عن أنس: أن الأنصار اجتمعوا فقالوا: إلى متى نشرب من هذه الآبار، فلو أتينا النبي ﷺ فيدعو لنا أن يفجر الله لنا من هذه الجبال عيونًا، فجاؤوا بجماعته إليه ﷺ ، فلما رآهم ... قال: (مرحبًا وأهلاً، لقد جاء بكم إلينا حاجة؟) قالوا: إي والله يا رسول الله، قال:
стр. 2965
ثُمَّ سَائِرَ الْعَرَبِ،
ــ
(فإنكم لن تسألوني اليوم شيئًا إلا أوتيتموه، ولا أسأل الله شيئًا إلا أعطانيه)، فأقبل بعضهم على بعض وقالوا: الدنيا تريدون! اطلبوا الآخرة، فقالوا بجماعتهم: يا رسول الله؛ ادع الله أن يغفر لنا، فقال: (اللهم؛ اغفر للأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار) قالوا: وأولادنا من غيرنا، قال: (وأولادكم من غيركم) قالوا: يا رسول الله؛ وموالينا، قال: (وموالي الأنصار).
وفي (ابن حبان) مرفوعًا: (اللهم؛ اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار، ولنساء أبناء الأنصار، ولنساء أبناء أبناء الأنصار).
وفي (الطبراني الكبير) من حديث معاذ بن رفاعة عن أبيه: أن النبي ﷺ قال: (اللهم؛ اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولذراريهم، ولجيرانهم).
وفيه من حديث ابن عباس مرفوعًا: (لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر، ولا يحب ثقيفًا رجل يؤمن بالله واليوم الآخر).
وفي (ابن حبان): (اللهم؛ اغفر للأنصار، ولذراريهم، ولذراري ذراريهم، ولموالي الأنصار، ولجيرانهم).
فائدة:
في الصحابة ثلاثة مهاجرون أنصاريون: ذكوان بن عبد قيس، وعقبة بن وهب، والعباس بن عبادة بن نضلة، لا رابع لهم.
قال: (ثم سائر العرب)؛ لأنهم أشرف من العجم وأقرب إلى رسول الله ﷺ منهم.
стр. 2966
ثُمَّ الْعَجَمَ
ــ
قال الرافعي: كذا رتبوه، وحمله السرخسي على من هم أبعد من الأنصار، فأما من هو أقرب من الأنصار إلى النبي ﷺ .. فمقدمون.
وفي (الحاوي): يقدم بعد الأنصار مضر، ثم ربيعة، ثم جميع ولد عدنان، ثم قحطان.
قال: (ثم العجم)؛ لتأخرهم عن العرب، والتقديم فيهم بالسن والفضيلة لا بالنسب، وهذا التقديم مستحب لا واجب؛ فإن استوى اثنان في القرب .. قدم أسنهما، فإن استويا فيه .. فأقدمهما إسلامًا وهجرة.
قال: وقد أطلقوا هنا تقديم النسب على السن، بخلاف المرجح في إمام الصلاة، فليتأمل الفرق.
وفرق غيره؛ بأن دعاء الأسن أقرب إلى الإجابة، فقدم لذلك.
وعكس الماوردي ترتيب الرافعي، قال في (الروضة): وهو المختار.
ثم يقدم الشجاعة، ثم ولي الأمر بالخيار بين أن يرتبهم بالقرعة أو برأيه واجتهاده، ونص في (الأم) و (المختصر) على: أن التقديم بالسابقة عند التساوي.
فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللهِ أتقاكم﴾، وقال ﷺ : (لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى)، وقال يوم فتح مكة: (إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وتكبرها بالآباء، إنما الناس رجلان: مؤمن تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله) ثم قرأ الآية، فلم فضلتم العرب على العجم .. فالجواب: أن هذا في الزجر عن الازدراء بالناس والتحقير لهم والاستطالة بالنسب على من ليس بنسيب، وأيضًا الأنساب اعتبرت في الدنيا لصلاح أحوال الخلق، وأما في الآخرة .. فينقطع الاحتياج لتلك المصالح
стр. 2967
وَلاَ يُثْبِتُ فِي الدِّيوَانِ أَعْمَى وَلاَ زَمِنا وَلاَ مَنْ لاَ يَصْلُحُ لِلْغَزْوِ. وَلَوْ مَرِضَ بَعْضُهُمْ أَوْ جُنَّ وَرُجِيَ زَوَالُهُ .. أُعْطِيَ، وَإِنْ لَمْ يُرْجَ .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُعْطَى،
ــ
ولا يبقى إلا التقوى، وأشير إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿عند الله﴾.
فإن قيل: التقوى من الأعمال، والعلم أشرف من العمل، فهلا قيل: الأكرم الأعلم؟ .. فالجواب: أن الأعلم هو الأتقى، وإنما ينفع العلم بالعمل، فكان ذكر الأتقى مستلزمًا لذكر الأعلم ومنبهًا لحصول نتيجة العلم ومقصوده من العمل.
قال: (ولا يثبت في الديوان أعمى ولا زمنًا ولا من لا يصلح للغزو)؛ إذ لا كفاية فيهم، ولا يثبت اسم صبي، ولا مجنون ولا امرأة ولا عبد لا ضعيف لا يصلح للغزو، وإنما يثبت الرجال المكلفين المستعدين للغزو، ومن شرطهم الإسلام بالاتفاق، واشترط الماوردي: أن يكون فيهم الإقدام على القتال ومعرفة به، قال: ويثبت الأخرس والأصم والأعرج إن كان يقاتل فارسًا لا راجلاً، ولا يثبت الأقطع، قال: وإذا كتبه في الديوان، فإن كان مشهور الاسم .. لم تحسن تحليته، وإن كان مغمورًا، أي: ليس بمشهور .. وصف وحلي بحيث يتميز عن غيره.
قال: (ولو مرض بعضهم أو جن ورجي زواله .. أعطي) ولو طال مرضه؛ لئلا يرغب الناس عن الجهاد.
قال: (وإن لم يرج .. فالأظهر: أنه يعطى)؛ لما ذكرناه، ولكن يقطع اسمه من الديوان.
والثاني: لا يعطى؛ لأنه ليس من المقاتلين، والمراد: أنه يعطى كفايته وكفاية عياله اللائقة به في الحالة الراهنة.
ويسقط من الديوان اسم من لم يرج زوال عذره، بخلاف المرجو.
قال: (وكذا زوجته وأولاده إذا مات)؛ لئلا يشتغل المجاهدون بالكسب خشية ضياع أولادهم فيتعطل فرض الجهاد.
وفي معنى الأولاد: من تجب نفقته كالوالدين وإن كانوا من أهل الذمة؛ لأن المقاتل هو الذي يأخذ، بخلاف ما سيأتي في زوجته الذمية بعده؛ لأنها عطية لها مبتدأة فمنعت هذا الذي يظهر في المسألتين.
стр. 2968
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والثاني: لا يعطون؛ لأنهم ليسوا مقاتلين، والتابع يزول بزوال المتبوع، ووقع في (الكفاية): أن الرافعي قال: هذا القول أظهر، وهو وهم.
وإفراد المصنف الزوجة وجمع الأولاد يوهم اعتبار الوحدة في الزوجة، والأصح: أنه يعطي الزوجات، بخلاف ما تقدم في العبيد.
وإطلاقه يشمل الزوجة الذمية، ولم يصرحوا بها، والظاهر: أنها لا تعطى، وفيما إذا أسلمت بعد موته نظر، والظاهر: إلحاق أم الولد بالزوجة، وفيها بحث تقدم قريبًا.
والمراد بإعطائهم: أن يعطوا ما يليق بهم في حالتهم تلك، لا جميع ما كان لأبيهم.
فائدة:
أخذ الشيخ من هذه المسألة: أن الفقيه أو المعيد أو المدرس إذا مات .. تعطى زوجته وأولاده مما كان يأخذ ما يقوم بهم، للعلة المذكورة، وهي الترغيب في الجهاد، فإن فضل المال عن كفايتهم .. صرف الباقي لمن يقوم بالوظيفة، فشرط الله في ماله أعظم من شرط الواقف في ماله ... ، وأطال في تقرير ذلك.
ولك أن تفرق بينهما؛ بأن العلم محبوب للنفوس ولا يصد عنه راغب فوكل الناس فيه إلى ميلهم إليه، والجهاد مكروه للنفوس فيحتاج الناس في إرصاد أنفسهم له إلى
стр. 2969
وَكَذَا زَوْجَتُهُ وَأَوْلاَدُهُ إِذَا مَاتَ فَتُعْطَى الزَّوْجَةُ حَتَّى تَنْكِحَ، وَالأَوْلاَدُ حَتَّى يَسْتَقِلُّوا
ــ
التألف، وإلا .. فمحبة الزوجة والولد قد تصد عنه.
قال: (فتعطى الزوجة حتى تنكح) والمراد: حتى تستغني بزوج أو إرث أو هبة أو وصية، فإن كانت ممن لا يُرغب في نكاحها .. أعطيت إلى أن تموت، وينبغي النظر في أنها لو خطبت ورغب في نكاحها الأكفاء فامتنعت .. هل يسقط بذلك حقها؟ لم أر من تعرض له، فإن كان الزوج الثاني مرتزقًا .. قدر لها قدر كفايتها تبعًا له.
قال: (الأولاد حتى يستقلوا) أي: يبلغوا ويستقلوا بالكسب، فمن أحب إثبات اسمه في الديوان .. أثبت، وإلا .. قطع، فإن بلغوا مستمرين على العجز .. صرف لهم، والبنات يرزقن إلى أن ينكحن كالزوجة.
فروع:
مات بعد جمع المال وانقضاء المدة المضروبة للإعطاء من حول أو دونه فنصيبه لورثته أو بعد الجمع وقبل انقضاء المدة .. فلهم القسط كالإجارة.
وقيل: لا كالجعالة أو عكسه، فظاهر النص - وقال به جماعة -: أنه لا شيء لهم.
وينبغي للإمام أن يفرق أرزاق المجاهدين في كل سنة مرة، ويجعل له وقتًا معينًا، ويختار أن يكون أول المحرم، فلو رأى أن يفرق في كل ستة أشهر أو أربعة أو ثلاثة - قال الماوردي: أو كل شهر - جاز، ولا يبعض النفقة بالتفرقة في كل أسبوع، وفي وجه: لا يجوز أن يفرق إلا مرة واحدة في السنة كالزكاة، وغلَّط الماوردي قائله.
قال: والعطاء يكون لما مضى؛ لأن أرزاقهم تجري مجرى الجعالة، ثم قال: ويقسم المأخوذ سواء كان ذهبًا أو فضة، والورق أخص بالعطاء من الذهب، إلا إذا
стр. 2970
فَإِنْ فَضَلَتِ الأَخْمَاسُ الأَرْبَعَةُ عَنْ حَاجَاتِ الْمُرْتَزِقَةِ .. وُزِّعَ عَلَيْهم عَلَى قَدْرِ مُؤْنَتِهِمْ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصْرَفَ بَعْضُهُ فِي إِصْلاَحِ الثُغُورِ وَالسِّلاَحِ وَالكُرَاعِ
ــ
كان الأغلب في مال الفيء أو كان الأغلب في المعاملات، ولا يعطي الفلوس وإن راجت.
وقال الإمام: ذهب المحققون من الأصحاب العارفون بأحكام الإنالة: أنه لو أعد ذخيرة للجند .. لا يعترض عليه، وإذا أمرهم الإمام بالغزو .. وجب؛ لأنهم أخذوا الرزق لذلك، فإن امتنعوا من غير عذر .. سقطت أرزاقهم، وإذا أتى رجل يطلب إثبات اسمه في الديوان .. أجابه الإمام إن وجد في بيت المال سعة وفي الطالب أهلية، وإلا .. فلا، وإذا أراد ولي الأمر إسقاط بعضهم بسبب .. جاز، وبغير سبب .. لا يجوز، وإذا أراد بعضهم إخراج نفسه من الديوان .. جاز إن استغني عنه، ولا يجوز مع الحاجة إلا لعذر.
قال: (فإن فضلت الأخماس الأربعة عن حاجات المرتزقة .. وزع عليهم على قدر مؤنتهم)؛ لأنها مختصة بهم، فيفعل في ذلك كما يفعل في المقرر لهم، فإن كان لواحد نصفه ولآخر ثلثه .. أعطاهم من الفاضل بهذه النسبة.
وقال الإمام: إنه يوزع على عدد رؤوسهم بالسوية؛ لأن الحاجة قد زالت فاستووا فيه، قال: ويختص بذلك رجالهم دون الورثة.
قال: (والأصح: أنه يجوز أن يصرف بعضه في إصلاح الثغور والسلاح والكراع) وهو الخيل؛ فإنهم قاموا في استحقاقه مقام رسول الله ﷺ ، وهو ﷺ كان يفعل ذلك.
والثاني: المنع، بل يوزع كما تقدم، وصححه في (الكفاية).
كل هذا تفريع على الأصح، وهو: أن الأربعة الأخماس مصروفة للمرتزقة، أما إذا قلنا: إنها للمصالح .. فما فضل يصرف في سائر المصالح، فإن فضل شيء ..
стр. 2971
هَذَا حُكْمُ مَنْقُولِ الْفَيْءِ، فَأَمَّا عَقَارُهُ .. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يُجْعَلُ وَقْفاً، وَتُقْسَمُ غَلَّتُهُ كَذَلِكَ
ــ
ففي جواز صرفه إليهم وجهان، ويجوز صرفه إليهم عن كفاية السنة القابلة بلا خلاف.
والقصد من هذا كله: أن الإمام لا يُبقي في بيت المال شيئًا من الفيء ما وجد له مصرفًا، فإن لم يجد .. ابتدأ في بناء رباطات ومساجد على حسب الرأي، وتأسى الشافعي ﵁ في ذلك بالشيخين ﵄؛ فإنهما ما كانا يدخران، بل كانا يصرفان كل سنة إلى مصارفه ولا يخبئان شيئًا؛ خوفًا من نازلة، فإن ألمت ملمة وتعين القيام بها .. خاطب أصحاب الثروة من المسلمين.
قال: (هذا حكم منقول الفيء، فأما عقاره .. فالمذهب: أنه يجعل وقفًا، وتقسم غلته كذلك) أي: في كل عام أبدًا؛ لأنه أنفع لهم، هذا هو المنصوص، وتقابله أوجه:
أحدها: أنه يصير وقفًا بنفس الحصول، كما ترق النساء والصبيان بنفس الأسر، ورجحه الماوردي.
والثاني: أن المراد بالوقف منع التصرف لا الوقف الشرعي.
والثالث: يقسم كالمنقول، أما ما حصل للمصالح .. فإنه لا تمكن قسمته استدامة للمصلحة، ووقع في (الكفاية): أن المصنف اختار هذا، وهو وهم؛ فإنه صحح في (التصحيح) ما في الكتاب.
стр. 2972
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تتمة:
يجوز أن يكون عامل الفيء وهو الناظر فيه من أولي القربى.
قال الماوردي: عامل الفيء إذا ولي وضع أموال الفيء وتقريرها .. اشترط أن يكون حرًا مسلمًا مجتهدًا عارفًا بالحساب والمساحة، وإن ولي جباية أمواله بعد تقريرها .. سقط الشرط الثالث، وإن ولي جباية نوع خاص من الفيء، فإن لم يستغن فيه عن استنابة .. اشترط إسلامه وحريته ومعرفة الحساب والمساحة؛ لما فيه من معنى الولاية، وإن استغنى عن الاستنابة .. جاز أن يكون عبدًا؛ لأنه كالرسول المأمور.
وأما توليته الذمي، فإن كانت جباية من أهل الذمة كالجزية وعشر التجارة .. جاز، وإن كانت من المسلمين .. فوجهان: فال المصنف: أصحهما: المنع.
وقال الشيخ: تجويز كونه ذميًا في الصورتين منكر، والصواب: أنه لا يجوز كونه ذميًا مطلقًا، وقد كان لعمر بن الخطاب ﵁ غلام نصراني اسمه إسحاق، وكان يقول له: (أسلم حتى أستعملك؛ فإني لا أستعمل على المسلمين إلا مسلمًا).
وروي: (أن أبا موسى الأشعري رفع إلى عمر ﵄ حسابًا استحسنه فقال: من كتب هذا؟ قال: كاتبي، قال: وأين هو؟ قال: على باب المسجد قال: أجنب هو؟ قال: لا ولكنه نصراني فقال: لا تأتمنوهم وقد خونهم الله، ولا تقرِّبوهم وقد بعدهم الله).
ثم إذا فسدت ولاية العامل وقبض المال مع فسادها بريء الدافع؛ لبقاء الإذن، فلو نهي عن القبض بعد فسادها .. لم يبرأ الدافع إليه إن علم النهي، وإن جهله .. فوجهان كالوكيل.
стр. 2973
فَصلٌ:
الْغَنِيمَةُ: مَالٌ حَصَلَ مِنَ الكُفَّارِ بِقِتَالٍ وَإِيجَافٍ
ــ
قال: (فصل:
الغنيمة: مال حصل من الكفار بقتال وإيجاف) أي: إيجاف خيل وركاب.
(الغنيمة) من الغنم كما تقدم.
وقوله: (ما حصل) يعم الكاب التي تقتنى، وسيأتي حكمها في (السير) حيث ذكرها المصنف.
وفي بعض النسخ: (مال حصل)، وهي موافقة لقول (المحرر): الغنيمة المال الحاصل من الكفار، فتخرج الكلاب؛ فإنها ليست بغنيمة على الصحيح المنصوص كما سيأتي.
وقال الإمام: ينبغي أن تكون الكلاب للجميع، كما أنَّ من مات وله كلب .. لا يستبد به بعض ورثته، واختاره الشيخ.
وفرق ابن الرفعة بين الغنيمة والإرث؛ بأن الإرث سبب قوي لا يقبل الرد فامتنع الاختصاص، بخلاف الغنيمة، وهو فرق صحيح، لكنه لا يمنع أصل الإلحاق.
وجلد الميتة قد يقال: إنه كالكلب؛ لعدم المالية وقد يقال: لا؛ لإمكان تطهيره.
والمراد بـ (المال): الذي كانوا يملكونه، فإن كانوا أخذوه من المسلمين أو أهل الذمة واستولوا عليه .. وجب رده إلى أصحابه وليس بغنيمة؛ لأنهم لم يملكوه.
ودخل في المال: النساء والصبيان؛ فإنهم يرقون بنفس الأسر كما سيأتي في (السير).
وقوله: (حصل) المراد للمسلمين، أما ما حصل لأهل الذمة من أهل الحرب بقتال .. فالنص: أنه ليس بغنيمة ولا ينزع منهم.
وقوله: (بإيجاف) خيل وركاب جرى فيه على الغالب، وإلا .. فما أخذ بقتال
стр. 2974
فَيُقَدَّمُ مِنْهُ السَّلَبُ لِلْقَاتِلِ،
ــ
الرجالة وفي السفن غنيمة ولا إيجاف فيه، وكذا إذا التقى الصفان فانهزم الكفار قبل شهر السلاح وتركوا مالهم .. فهو غنيمة كما قاله الإمام.
لكن قد يرد ما تركوه بسبب حصول خيلنا وركابنا في بلادهم وضرب معسكرنا فيها .. فالأصح: أنه ليس بغنيمة مع وجود الإيجاف، ثم لا فرق بين أن يكون الغزو بإذن الإمام أم لا على المشهور، وقيل: إن كان بغير إذنه .. لا يخمس.
أما المسروق والمأخوذ اختلاسًا وعلى هيئة اللقطة .. فسيأتي في (كتاب السير) إن شاء الله تعالى: أن الأصح: أنها غنيمة، وينبني على ذلك عدم جواز وطء السراري اللواتي يؤتى بهن من الروم والهند ونحو ذلك؛ لأنهن لا يخمسن وسيأتي حكم ذلك في خاتمة (باب الاستبراء) إن شاء الله تعالى.
فرع:
إذا أهدى الكفار للمسلمين شيئًا، فإن كان ذلك والحرب قائمة .. فهو غنيمة لجماعة المسلمين، وإن كان بعد انقضائها أو قبل الخروج من دار الإسلام .. اختص بها من أهديت له، كذا نصه في (حرملة).
وفي (أبي داوود) وغيره: أن عياض بن حمار أهدى للنبي ﷺ هدية فردها عليه، وقال: (إنا لا نقبل زبد مشرك)، وقد قبل هدية المقوقس والنجاشي وأكيدر دومة.
قال: (فيقدم منه) أي: من أصل المال (السلب للقاتل)، سواء شرطه الإمام أم لا؛ لما روى الشيخان عن أبي قتادة: أن النبي ﷺ قال: (من قتل قتيلاً له عليه بينة .. فله سلبه).
وروى أبو داوود: أن أبا طلحة قتل يومئذٍ عشرين قتيلاً وأخذ أسلابهم.
وقال مالك وأبو حنيفة - ورواية عن أحمد -: لا يكون السلب للقاتل إلا بنداء الإمام بذلك.
فإن قيل: روى مسلم عن عوف بن مالك: أن رجلاً من حمير قتل رجلاً من
стр. 2975
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
العدو فأراد سلبه، فمنعه خالد بن الوليد وكان أميرهم، فأتى رسول الله ﷺ عوف بن مالك فأخبره، فقال لخالد: (ما منعك أن تعطيه السلب؟) قال: استكثرته يا رسول الله، قال: (ادفعه إليه)، فمرَّ خالد بعوف بن مالك يجر رداءه ويقول: ألم أفِ لك؟ فسمع رسول الله ﷺ ، فاستغضب وقال: (لا تعطه يا خالد، لا تعطه يا خالد، هل أنتم تاركوا لي أمرائي!) فلو كان السلب مستحقًا .. لم يقل: لا تعطه .. فالجواب: أن هذا كان على سبيل التأديب.
وقيل: حيث كانت العقوبة بالمال.
وقيل: إن الغنائم كانت على عهد رسول الله ﷺ ملكًا له يعطي منها ما أراد لمن أراد.
ولا فرق في استحقاق السلب بين أن يقتل العدو في المبارزة، أو ينغمس في صف العدو فيقتله.
وضابط مستحق السلب: كل من يستحق السهم في الغنيمة راجلاً كان أو فارسًا، والمذهب: أن العبد والمرأة والصبي يستحقونه، ولا يستحقه الذمي على المذهب، وإذا قلنا: لا تستحق المرأة فكان القاتل خنثى .. وقف السلب حتى يتبين.
وإذا حضر الذمي بغير إذن الإمام .. فلا سلب له قطعًا، ولا سلب للمخذل قطعًا، والتاجر إذا قلنا: لا سهم له كالصبي.
هذا إذا كان المقتول رجلاً، فإن كان امرأة أو صبيًا، فإن لم يقاتل .. فلا سلب؛ للنهي عن قتله، وإن قاتل .. استحق في الأصح، وألحق البغوي العبد بالمرأة، وقال الإمام: يستحق سلبه قطعًا، وليس القتل بشرط؛ لما سنذكره.
стр. 2976
وَهُوَ: ثِيَابُ الْقَتِيلِ وَالْخُفُّ والرَّانُ، وآلات الحَرْبِ كَدِرْعٍ وَسِلاَحٍ، وَمَرْكُوبٍ.
ــ
قال: (وهو: ثياب القتيل والخف والران، وآلات الحرب كدرع وسلاح، ومركوب)؛ لثبوت يده على ذلك كله، وسواء في المركوب ما كان راكبه أو نزل عنه لحاجة في القتال إذا كان عنانه بيده وهو يقاتل راجلاً إذا نزل، وفيه احتمال للإمام، لكن لو كان لمركوبه مهر يتبعه .. لم يدخل في السلب؛ لأنه منفصل، قاله ابن القطان في (فروعه).
و (الران) براء مهملة ثم ألف ثم نون: خف يلبس للساق خاصة ليس له قدم، وعبارة (الروضة): رانات، قال الشيخ: ولم أره في كتب اللغة.
وفي (تفسير القرطبي) في قوله تعالى: ﴿كلا بل ران على قلوبهم﴾: عن ابن عباس: أنه الران الذي يجعل تحت الخف، وهو غريب.
و (درع الحديد) مؤنثة، قال ابن الأثير: وهي الزردية، وقد تقدم في (باب الرهن) الكلام على درع النبي ﷺ ، وأنها الدرع التي لبسها داوود حين قتل جالوت، وجمعها في القلة: أدرع وأدراع، فإذا كثرت .. فهي الدروع، وتصغيرها: دريع على غير قياس؛ لأن قياسه بالهاء.
وحكى أبو عبيدة معمر بن المثنى: أن الدرع تذكر وتؤنث، ودرع المرأة قميصها مذكر، والجمع: أدراع.
ومما يدخل في السلب بلا خلاف: المهماز ومرد الدابة.
تنبيه:
عبارته تقتضي: أن الخف والران ليسا من الثياب، وكذلك الدرع إذا كان لابسها، وهذا عكس ما قالوه فيما إذا أوصى بثيابه: أنه يدخل كل ما على بدنه، ومنها الخف والران والطيلسان.
وفي (البيع) صرحوا بحرمة بيع السلاح للحربي وهو أعم من الدرع، وهنا غايروا بينهما، لكنه قال في (شرح مسلم) في حديث رهن الدرع من اليهود: فيه جواز
стр. 2977
وَسَرْجٍ وَلِجَامٍ، وَكَذَا سِوَارٌ وَمِنْطَقَةٌ وَخَاتَمٌ، وَنَفَقَةٌ مَعَهُ، وَجَنِيبَةٌ تُقَادُ مَعَهُ فِي الأَظْهَرِ،
ــ
رهن السلاح من أهل الذمة، فسمى الدرع سلاحًا.
وعد في (الذخائر) (الكبور) من السلاح، وهو: شيء يلبس من الحديد إلى حد السرة.
وفي (المحكم): السلاح اسم جامع لآلة الحرب، وخص بعضهم به الحديد، وبعضهم به السيف وحده.
قال: (وسرج ولجام)؛ لأن يده عليه حسًا؛ لما رواه أبو داوود من حديث عوف بن مالك في الرومي الذي خرج وعلى فرسه سرج مذهب، فاستكثره خالد، فأمره النبي ﷺ بدفعه إليه، وهذه الأمور لا خلاف فيها.
قال: (وكذا سوار ومنطقة وخاتم، ونفقة معه، وجنيبة تقاد معه في الأظهر)، وكذلك الطوق؛ لأنها منسوبة إليه ومسلوبة بسببه وطمع المقاتل يمتد إليها، ولأن البراء بن مالك حين حمل على المرزبان وقتله .. أخذ منطقته وسواره فبلغت قيمتهما ثلاثين ألفًا، رواه الطبراني.
ولما أتي عمر ﵁ بسواري كسرى ألبسهما سراقة بن مالك وقال له: (استقبل القبلة وكبر، وقل: الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز، وألبسهما سراقة بن مالك أعرابيًا من بني مدلج) فسماه عمر سلبًا.
وسبب إلباسهما سراقة: أنه يوم فتح مكة حسر عن ذراعيه وكان أشعرهما فخجل، فقال له الرسول ﷺ : (كأني بك وقد ألبست سواري كسرى) فأراد عمر تحقيق ذلك.
ولأنه قد يحتاج إلى الجنيبة في الكر والفر، وقطع بعضهم فيها بالمنع كذوات الحمل.
والثاني: أنها ليست سلبًا؛ لأنه ليس مقاتلاً بها فهي كثيابه وأمتعته المخلفة في
стр. 2978
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رحله، ولأن عمر ﵁ منع البراء بن مالك من أخذ المنطقة والسوار.
وإذا جعلنا الجنيبة سلبًا .. ففي السلاح الذي عليها تردد للإمام، وإنما يستحق جنيبة واحدة، قاله أبو الفرج الزاز، قال المصنف: وفيه نظر، فإن تعددت .. قال الرافعي: فعلى هذا: ينبغي أن يرجع إلى تعيين الإمام أو يقرع، قال المصنف: الصواب المختار: أن القاتل يختار. أهـ
وهذه الاحتمالات الثلاث ذكرها الإمام في (النهاية)، ولم يقف عليها الشيخان.
واحترز بـ (النفقة التي معه) عن التي في خيمته؛ فإنه لا يستحقها كما سيأتي، وبقوله: (تقاد معه) عما أعدت لأن تجنب، وعما يحمل عليها ثقله؛ فإنه لا يستحقها، وهو أحسن من قول (المحرر) و (الشرح) بين يديه.
وظن صاحب (الحاوي الصغير): أن هذا القيد للاحتراز عن الجنيبة التي تقاد خلفه، فقال: وجنيبة أمامه، وهو مردود؛ فلا فرق بين ما خلفه وأمامه، وتعليلهم بالاستعانة بها يوضحه.
أما مملوكه الذي يجنبها .. فجزم القاضي أبو الطيب بأنه ليس سلبًا.
قال الإمام: ولو كان سلاحه يحمله غلامه ويعطيه متى شاء .. كان ذلك السلاح بمنزلة الفرس المجنوب، ويجوز أن لا يكون كذلك.
ولا فرق في السلب بين الجليل والحقير؛ لأن خالدًا باع سلاح الهرمزان بمئة ألف.
قال الشافعي ﵁: وأما ما روي عن عمر ﵁: أنه كان يخمس ما استكثر من السلب .. فليس من روايتنا، وإذا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه
стр. 2979
لاَ حَقِيبَةٌ مَشْدُودَةٌ عَلَى اَلْفَرَسِ عَلَى اَلْمَذْهَبِ. وَإِنَّما يَسْتَحِقُ بِرُكُوبِ غَرَرٍ يَكْفِي بِهِ شَرَّ كَافِرٍ فِي حَالِ اَلْحَرْبِ,
ــ
وسلم - بأبي هو وأمي - شئ .. لم يجز تركه, ولم يستثن النبي ﷺ شيئًا قلَّ ولا جلَّ.
و (المنطقة): الحياصة, وأصله ما يشد به الوسط.
قال: (لا حقيبة مشدودة على الفرس على المذهب)؛ إذ ليست من لباسه ولا حليته, ولا مشدودة على بدنه, ولا من حلية فرسه, ومراده: مع ما فيها من نقد ومتاع.
والطريق الثاني: طرد القولين كالجنيبة, واختار الشيخ دخول ما فيها؛ لأنه إنما حملها على فرسه لتوقعه الاحتياج إليها.
وهى بفتح الحاء المهملة وكسر القاف: وعاء يجمع فيه المتاع يجعل على حقو البعير, وجمعها: حقائب.
قال نصيب يمدح (سليمان بن) عبد الملك (من الطويل):
أقولُ لركبٍ صادرينَ لقيتُهم .... قِفا ذاتَ أوشال ومولاك قاربُ
قفوا أخبرونى عن سليمانَ إِنني .... لمعروفهِ مِن أهل ودان طالبُ
فعاجوا فأثنوا بالذي أنتَ أهلهُ .... ولو سكتوا أثنتْ عليكَ الحقائبُ
ومعناه: إذا لم يذكروا إحسانك .. فما زودتهم به من الأمتعة التي وضعوها في الحقائب تثني عليك.
ولو أعرض مستحق السلب عنه .. فسيأتي في (كتاب السير): أن الأصح: أنه لا يسقط حقه.
قال: (وإنما يستحق بركوب غرر يكفي به شر كافر في حال الحرب)؛ لأن ذلك هو الباعث على الهجوم على قتل الكافر.
ولأن عبد الله بن مسعود قتل أبا جهل وكان قد أثخنه شابان من الأنصار يوم بدر,
стр. 2980
فَلَوْ رَمَى إِلَى حِصْنِ أَوْ مِنَ اَلْصًفً أَوْ قَتَلَ نَائِمًا أَوْ أَسِيرًا أَوْ قَتَلَهُ وَقَدِ انْهَزَمَ الْكُفَّارُ .. فَلاَ سَلَبَ
ــ
وهما معاذ ومعوِّذ ابنا عفراء, فدفع ﷺ سلبه إليهما, وقيل: إلى أحدهما كما سيأتي, ولم يدفعه لابن مسعود.
وقوله: (به) يعود على (ركوب) أو (على غرر) وهما سواء, ثم شرع المصنف في بيان ذلك, فقال:
(فلو رمى إلى حصن أو من الصف أو قتل نائمًا أو أسيرًا أو قتله وقد انهزم الكفار .. فلا سلب)؛ لأنه في مقابلة التغرير بالنفس في القتل, ولم يوجد هاهنا من ذلك شيء, وهذا تفسير للقيد الأول من الضابط المتقدم.
وقال أبو ثور: لا يشترط أن تكون الحرب قائمة, واختاره ابن المنذر؛ لحديث سلمة بن الأكوع في اتباعه بعض الكفار في غزوة حنين, وأخذه بخطام ناقته, فأعطاه النبي ﷺ سلبه, قال ابن المنذر: وهذا الحديث لم يبلغ الشافعي ﵁؛ إذ لو بلغه .. لقال به؛ لما ظهر لنا من مذهبه.
وفي (تعليق القاضي حسين): أن من أغرى كلبًا على مشرك فقتله .. استحق السلب؛ لأنه خاطر بروحه بصبره في مقاتلته حتى عقره الكلب.
قال في (المطلب): وما قاله قد يخالف فيه.
والمراد بـ (الأسير): من أسره غيره, أما من أسره هو .. فسيأتي.
следующие страницы →