← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13783

النجم الوهاج في شرح المنهاج

الدميري

Полный текст (5 377 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

وَمَنْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ .. لاَ يَسْتَقِلُّ بِنِكَاحٍ، بَلْ يَنْكِحُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ أَوْ يَقْبَلُ لَهُ الْوَلِيُّ. ــ قال: (ومن حجر عليه بسفه .. لا يستقل بنكاح)؛ لئلا يفني ماله بمؤن النكاح، فلابد له من مراجعة الولي، وهذه المسألة ذكرها المصنف بعد هذا بقليل، وفي (باب الحجر) أيضًا. واحترز عن سيفه لا حجر عليه، وهو المهمل، فتزويجه كسائر تصرفاته، وفيها خلاف سبق في بابه. ولو بلغ رشيدًا ثم سفه ولم يعد الحجر عليه وشرطناه .. فتصرفه نافذ على الأصح إلى أن يحجر عليه. قال: (بل ينكح بإذن وليه)؛ لأنه مكلف صحيح العبارة، وإنما حجر عليه حفظًا لماله. وعن أبي الطيب ابن سلمة وغيره: أنه لا يأذن له الولي في النكاح؛ لأنه محجور عليه فأشبه الصبي، والمذهب الأول. قال: (أو يقبل له الولي) كما يتولى قبول البيع والهبة له. وهل يشترط فيه إذن السفيه؟ قال قائلون: لا؛ لأنه فوض إليه رعاية مصالحه، فإذا عرف حاجته .. زوجه كما يطعمه ويكسوه، وبهذا قال الشيخ أبو حامد والعراقيون.

стр. 3187

فَإِنْ أَذِنَ وَعَيَّنَ امْرَأَةً .. لَمْ يَنْكِحَ غَيْرَهَا، وَيَنْكِحُهَا بِمَهْرٍ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلَّ، فَإِنْ زَادَ .. فَالْمَشْهُورُ: صِحَّةُ النِّكَاحِ بِمَهْرٍ الْمِثْلِ مِنَ الْمُسَمَّى ــ وأصحهما: نعم؛ لأنه حر مكلف. ثم إذا قبل له الولي النكاح .. فليقبل بمهر المثل أو أقل، فإن زاد .. صح بمهر المثل في الأصح. والولي هنا الأب ثم الجد إن بلغ سفيهًا، والقاضي أو منصوبه إن بلغ رشيدًا، وأما الوصي .. فكلام الغزالي في (الخلاصة) يمنع منه، والمفتى به: أن له التزويج بعد الجد كما صرح به الرافعي في (باب الوصية)، وهو المنصوص في (الأم) و (المختصر) في (باب ما يجوز للوصي أن يضعه في أموال اليتامى)، وبه صرح الشيخ أبو حامد والقاضي حسين والماوردي والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ والروياني وغيرهم. والذي وقع في زوائد (الروضة) هنا معترض. ثم إن المصنف أطلق نكاحه، وهو مقيد باحتياجه إليه؛ لئلا يتلف أمواله من غير حاجة، ولا يكتفى بقوله؛ لأنه قد يقصد إتلاف المال، خلافًا للإمام وهو أقيس؛ لأن احتياجه لا يعرف إلا من جهته وهو أعلم بحال نفسه، وكما لا يزوج امرأتين .. لا يجمع له بين أمتين للوطء وإن اتسع ماله، نص عليه. قال: (فإن أذن وعين امرأة .. لم ينكح غيرها)؛ لأن الإذن مقصور عليها. قال: (وينكحها بمهر المثل أو أقل)؛ مراعاة للإذن ومصلحته. قال: (فإن زاد .. فالمشهور: صحة النكاح)؛ لأن خلل الصداق لا يفسد النكاح، وفي قول مخرج: إنه باطل للمخالفة. قال: (بمهر المثل من المسمى) المراد: بقدر مهر المثل من الذي عينه، وتسقط الزيادة؛ لأنها تبرع من سفيه.

стр. 3188

وَلَوْ قَالَ: انْكِحْ بِأَلْفٍ وَلَمْ يُعَيِّنِ امْرَأَةً .. نَكَحَ بِالأَقَلِّ مِنَ الأَلْفِ وَمَهْرٍ مِثْلِهَا ــ وقال ابن الصباغ: القياس أنه يبطل المسمى ويرجع إلى مهر المثل في ذمته، ثم إذا أبطلنا الزائد فقط .. فينبغي أن يجري في الباقي قولا تفريق الصفقة، ولم يذكروه، وهذه المسألة نظير قول المصنف في (الصداق): (ولو نكح لطفل بفوق مهر المثل، أو أنكح بنتًا لا رشيدة، أو رشيدة بكرًا بلا إذن بدونه .. فسد المسمى، والأظهر: صحة النكاح بمهر المثل) فلينظر في الفرق بينهما، وسوى صاحب (التنبيه) بينهما في أوائل (الصداق)، وحكم ببطلان الزائد في المسألتين، وأقره عليه في (التصحيح). قال النشائي: وما جزم به الشيخ وجه، والأصح: بطلان الجميع والرجوع بمهر المثل، وسيأتي لها بسط في (الصداق). قال: (ولو قال: انكح بألف ولم يعين امرأة .. نكح بالأقل من الألف ومهر مثلها)، فإن نكح امرأة بألف وكان مهر مثلها ألفًا وأكثر .. فالنكاح صحيح

стр. 3189

وَإِنْ أَطْلَقَ الإِذْنَ .. فَالأَصَحُّ: صِحَّتُهُ، وَيَنْكِحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ مَنْ تَلِيقُ بِهِ. فَإِنْ قَبِلَ لَهُ وَلَيَّهُ .. اشْتُرِطَ إِذْنُهُ فِي الأَصَحِّ، ... ــ بالمسمى، وإن كان مهر مثلها أقل من ألف .. صح النكاح بمهر المثل وسقطت الزيادة؛ لأنها تبرع، ولا مجال للتبرع في مال السفيه. قال: (وإن أطلق الإذن .. فالأصح: صحته) كما لو أذن السيد لعبده في النكاح .. فيكفي الإطلاق. والثاني: لا يصح، بل لابد من تعيين امرأة أو نساء قبيلة أو من تقدير المهر؛ لأنا لو اعتبرنا الإذن المطلق .. لم نأمن أن ينكح من تستغرق ماله. قال: (وينكح بمهر المثل)؛ لأنه المأذون فيه، ومقتضاه: أنه لا ينكح بأكثر، وليس كذلك، بل يصح وتسقط الزيادة، ولو نكح بأقل .. صح بالمسمى. قال: (من تليق به) فلو نكح شريفة يستغرق مهر مثلها ماله .. فوجهان: اختيار الإمام والغزالي أنه لا يصح النكاح، بل يتقيد بموافقة المصلحة. فروع: أحدها: ذكر ابن كج تفريعًا على اعتبار الإذن المطلق وجهين فيما لو عين الولي امرأة فعدل إلى غيرها فنكحها بمثل مهر المعينة؛ لأنه لا غرض للولي في أعيان الزوجات. الثاني: قال له: انكح من شئت بما شئت .. نقل الشيخان عن بعضهم: أنه يبطل الإذن؛ لأنه رفع للحجر بالكلية، والذي نقلاه عن بعضهم جزم به الروياني في (البحر). الثالث: إذا اشتدت حاجة السفيه وخاف الوقوع في الزنا ولم يجد إلا امرأة لا ترضى إلا بأكثر من مهر مثلها .. قال الإمام: في جواز إنكاحها احتمال عندي. الرابع: قال ابن كج: الإذن للسفيه في النكاح لا يفيده جواز التوكل؛ لأنه لم يرفع الحجر إلا عن مباشرته. قال: (فإن قبل له وليه .. اشترط إذنه في الأصح)؛ لأنه حر مكلف فلابد من استئذانه.

стр. 3190

وَيَقْبَلُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ فَأَقَلَّ، فَإِنْ زَادَ .. صَحَّ النكَاحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَفِي قَوْلٍ: يَبْطُلُ. وَلَوْ نَكَحَ السَّفِيهُ بِلاَ إِذْنٍ .. فَبَاطِلٌ، فَإِنْ وَطِئَ .. لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْء، ــ والثاني: لا يشترط كما يكسوه ويطعمه ويبيع له ويشتري بغير إذنه. قال: (ويقبل بمهر المثل فأقل)؛ نظرًا له كما في الشراء له. قال: (فإن زاد .. صح النكاح بمهر المثل) وتسقط الزيادة؛ لتبرعه بها. قال: (وفي قول: يبطل) كما لو اشترى له بأكثر من ثمن المثل، وهو كالخلاف في تزويج موليته بدون مهر المثل. قال: (ولو نكح السفيه بلا إذن .. فباطل) كما لو استقل بالبيع والشراء، ويفرق بينهما قبل الدخول وبعده. قال في (الدقائق): وهذه العبارة أولى من قول (المحرر): (ولو نكح السفيه بغير إذن الولي ...)؛ لأنه يدخل في عبارة الكتاب ما إذا استأذنه فمنعه وأذن الحاكم .. فإنه يصح قطعًا، مع أن الولي لم يخرج بمنعه مرة عن الولاية؛ لأنها صغيرة، والمسألة تقدمت قريبًا. والألف واللام في (السفيه) للعهد وهو: المحجور عليه، أما من طرأ سفهه .. فتصرفاته صحيحة ما لم يحجر عليه على الأصح، وكذا المتعاطي لموجبات الفسق ولم يحجر عليه ليس حكمه حكم السفيه كما أفتى به ابن الفركاح، وذكر أن المصنف أفتى بفساد النكاح وعدم وقوع الطلاق فيه، قال: وهذا سبيل إلى استباحة المطلقة ثلاثًا وعمل الناس على خلافه. قال: (فإن وطىء .. لم يلزمه شيء) كما لو اشترى شيئًا فأتلفه؛ وذلك لأن معاقدته والتسليم إليه تسليط على التصرف والإتلاف.

стр. 3191

وَقِيلَ: مَهْرُ مِثْلٍ، وَقِيلَ: أَقَلُّ مُتَمَوَّلٍ ــ وعبارته تشمل الحد والمهر، أما الحد .. فبلا خلاف للشبهة، وإن أتت بولد .. لحقه، وأما المهر .. فكذلك على الصحيح، واستشكله الرافعي؛ لأنه حق الزوجة وقد تزوج ولا شعور لها بحال الزوج فكيف يبطل حقها؟ وأجيب بأن حقها يبطل بتمكينها. ومقتضى إطلاق المصنف: أنه لا يلزمه شيء في الحال، ولا بعد فك الحجر، وهو المذهب، سواء علمت بسفهه أم لا؛ لتفريطها، ومرادهم: السقوط ظاهرًا، أما في الباطن .. فنص الشافعي على لزوم مهر المثل بعد فك الحجر عنه، وهو ظاهر منقاس. وصورة المسألة: أن تكون المرأة رشيدة، فإن كانت سفيهة .. وجب لها مهر المثل قطعًا كما لو تبايع سفيهان .. فإن كلاً منهما يضمن ما أتلفه لصاحبه. قال: (وقيل: مهر مثل)؛ لئلا يعرى الوطء عن عقر أو عقوبة. قال: (وقيل: أقل متمول) أي: عادة؛ رعاية لحق السفيه، ووفاء بحق التعبد؛ إذ به يتميز عن السفاح، ولأن الخلو عن المهر بالكلية من خصائص خير البرية ﷺ .

стр. 3192

ومَنْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِفَلَسٍ .. يَصِحُّ نِكَاحُهُ، وَمُؤَنُ النكَاحِ فِي كَسْبِهِ، لاَ فِيمَا مَعَهُ. وَنِكَاحُ عَبْدٍ بِلاَ إِذْنٍ سَيَّدِهِ بَاطِلٌ، ... ــ فرعان: أحدهما: إقرار السفيه بالنكاح .. قال البغوي لا يصح؛ لأنه ليس ممن يباشره، واستشكله الرافعي بإقرار المرأة، وجزم الرافعي في (أول الإقرار) بما قاله البغوي، على أن البغوي قد جزم هناك بالصحة عكس ما جزم به هنا، ثم إن هذا إنما يتأتى إذا لم يأذن الولي للسفيه فيه، فإن أذن له فيه .. لزم القول بصحته. وقال ابن الرفعة: قياس تزويجه له بغير إذنه أن يقبل إقراره عليه عند الحاجة، ولا يقبل عند عدمها وقت الإقرار، كالأب إذا أقر على البنت يقبل حالة البكارة دون الثيوبة. الثاني: إذا كان السفيه مطلاقًا .. سري جارية، فإن تبرم بها .. أبدلت له. وكثرة الطلاق أن يزوجه ثلاث نسوة على التدريج فيطلقهن، وقيل: امرأتين، ويحتمل أنه طلاق واحدة ثلاثًا بكلمة واحدة. قال: (ومن حجر عليه بفلس .. يصح نكاحه)؛ لصحة عبارته وثبوت ذمته، وهذه تقدمت في (الفلس). قال: (ومؤن النكاح في كسبه، لا فيما معه)؛ لأن الذي معه كالمرهون بحقوق الغرماء فلا يصرف إلى مؤن النكاح، فإن لم يكن له كسب .. ففي ذمته إلى أن ينفك الحجر. قال في (المطلب): فإن لم تعلم المرأة بفلسه ولا كسب له .. يشبه أن يثبت لها الخيار، خصوصًا إذا قلنا: إن لها الفسخ بالإعسار بالنفقة والمهر جميعًا؛ لأن ماله الموجود لأجل الغرماء كالمفقود في حقها. قال: (ونكاح عبد بلا إذن سيده باطل) سواء كان سيده ذكرًا أو أنثى، اتفق

стр. 3193

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشافعي والأصحاب عليه، بل قال في (الأم): لا أعلم بين أحد لقيته - ولا حكي (لي) عنه - من أهل العلم اختلافًا في ذلك. وقال الرافعي: خلافًا لمالك حيث قال: يصح وللسيد فسخه، ولأبي حنيفة حيث قال: يقف على إجازة السيد. لنا: قوله ﷺ : (أيما عبد تزوج بغير إذن سيده .. فهو عاهر)، وفي رواية صححها الحاكم: (فنكاحه باطل)، وفي (سنن أبي داوود) و (الترمذي) من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر وقال الترمذي: حسن صحيح، ورواه ابن ماجه عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن ابن عمر. وعبد الله بن محمد بن عقيل المذكور يحتج بحديثه هذا، وأما حديثه الذي رواه الأصوليون عن عبد الله بن أنيس أن جابر بن عبد الله رحل مسيرة شهر لسماعه .. فمردود؛ لتفرده به، واختلاف الناس في نسبه، قيل: جهني، وقيل: أنصاري، ومختلف في أنهما اثنان أو واحد، وفي أن جابرًا قدم عليه الشام أو مصر؟. وابن عقيل معروف بالاضطراب وسوء الحفظ، وتكلم فيه أبو زرعة وابن معين وابن مهدي وأبو حاتم، وإنما يثني عليه من المحدثين من يرى بهذا المذهب الخبيث الحرف والصوت لدسيسة في معتقده. واقتضى إطلاق المصنف: أن العبد إذا وطىء .. لم يلزمه شيء كالسفيه، وهو كذلك، إلا أن تكون المنكوحة أمة .. ففي لزومه خلاف؛ لأن الحق لغيرها.

стр. 3194

وَبِإِذْنِهِ صَحِيحً، ولَهُ إِطْلاَقُ الإِذْنِ، وَلَهُ تَقْيِيدُهُ بِامْرَأَةٍ أَوْ قَبِيلَةٍ أَوْ بَلَدٍ، وَلاَ يَعْدِلُ عَمَّا أَذِنَ فِيهِ ــ وجزم القاضي في (فتاويه) بنفي الحد عنه أيضًا. قال: (وبإذنه صحيح)؛ لمفهوم الحديث، وفهم المعنى الذي اقتضى منعه من ذلك، حتى لو أذنت المرأة لعبدها فيه فنكح .. صح على المشهور وإن لم يكن لها عبارة في النكاح، لكن يشترط أن يقع الإذن والسيد غير محرم كما تقدم. قال: (وله إطلاق الإذن، وله تقييده بامرأة أو قبيلة أو بلد، ولا يعدل عما أذن فيه) مراعاة له، وإذا أطلق الإذن .. فله أن يتزوج حرة أو أمة، وفي تلك البلد وغيرها، لكن للسيد منعه من الخروج إلى بلد أخرى، فإن قدر له مهرًا فزاد .. فالزيادة في ذمته يتبع لها إذا عتق. فروع: رجع السيد عن الإذن فتزوج العبد ولم يعلم .. فهو على الخلاف في الوكيل، ولو طلق بعدما نكح بإذن سيده .. لم ينكح أخرى إلا بإذن جديد، وهل له أن ينكح التي طلقها إذا كان الطلاق بائنًا؟ الذي يظهر: لا، فإن كان رجعيًا .. ففي استرجاعها بغير إذنه خلاف يأتي في بابه. ولو نكح نكاحًا فاسدًا .. فهل له نكاح أخرى؟ فيه خلاف مبني على أن الإذن هل

стр. 3195

وَالأَظْهَرُ: أَنَهُ لَيْسَ لِلسَيِّدِ إِجْبَارُ عَبْدِهِ عَلَى الْنِّكَاحِ ــ يشمل الصحيح والفاسد أو يختص بالصحيح. والمدبر ومعلق العتق كالقن، والمكاتب ينكح بالإذن، وقيل: قولان كتبرعه. قال: (والأظهر: أنه ليس للسيد إجبار عبده على النكاح)؛ لأنه يملك رفع النكاح بالطلاق، فكيف يجبر على ما يملك رفعه والسيد لا يملك منفعة بضعه؟! ولأن النكاح عقد يلزم ذمة العبد مالاً فلا يجبر عليه كالكتابة، وهذا هو الجديد وبه قال أحمد. والثاني- وهو القديم وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك-: له إجباره بالإكراه؛ لأنه مملوكه فأشبه الأمة، هذا إذا كان العبد بالغًا، فإن كان صغيرًا .. فطريقان: أظهرهما: طرد القولين، ولذلك أطلقه المصنف. والثاني: القطع بالإجبار نظرًا له دون الكبير، وسيأتي في (كتاب الرضاع) ما يوهم تصحيح إجبار الصغير في قوله: (ولو زوج أم ولده عبده الصغير) والحكم في المجنون كالصغير، ومحل الخلاف في غير المكاتب والمبعض؛ فإنهما لا يجبران قطعًا. قال في (المهمات): والذي رجحه الشيخان من عدم تزويج العبد الصغير مخالف لنص الشافعي والأصحاب والقياس الجلي، وربما جزما به في (باب التحليل) نقلاً عن الأئمة، ثم ذكر النص. قال: وأما القياس .. فلأنه يجوز عندنا للأب والجد تزويج الولد الصغير؛ لأنهما يليان أمره، فإذا جاز لمن يملك التصرف في المال .. جاز للسيد من أولى؛ لأنه يملك التصرف في رقبته.

стр. 3196

وَلاَ عَكْسِهِ وَلَهُ إِجْبَارُ أُمَتِهِ بِأَيِّ صِفَةٍ كَانَتْ، ــ قال: (ولا عكسه) يعني: إذا طلب العبد النكاح هل يجب على السيد إجابته؟ وجهان: أصحهما - وبه قال أبو حنيفة ومالك-: لا يجب؛ لأنه يشوش عليه مقاصد الملك وفوائده. والثاني: يجب - وبه قال أحمد - لأنه قد يكون في المنع توريط له في الحرام، وعلى هذا: إذا طلبه من السيد فلم يأذن له فيه .. رفع العبد الأمر إلى السلطان ليزوجه كما لو عضل عن نكاح موليته. فلو طلبه المكاتب .. ففيه القولان وأولى بالإجبار. قال: (وله إجبار أمته بأي صفة كانت) صغيرة أو كبيرة، بكرًا أو ثيبًا، عاقلة أو مجنونة، رضيت أو سخطت؛ لأن النكاح يرد على البضع وهو مملوك له وبهذا فارقت العبد. وتقدم في تتمة الفصل الذي قبل هذا: أنه لا يجوز أن يزوجها من مجذوم أو أبرص أو مجنون بغير رضاها. ويستثنى من إطلاقه المبعضة والمكاتبة، فلا يجبرهما السيد كما تقدم. وكذلك أمة المبعض لا تزوج؛ لأن مباشرة العقد منه ممتنعة؛ لأنه لا ولاية له ما لم تكمل الحرية، وإذا امتنعت مباشرته .. امتنعت إنابته غيره، وتزويجها بغير إذنه ممتنع فاستد باب تزويجها، كذا أفتى به البغوي وغيره. ولا يزوج السيد أمة مكاتبه ولا عبده، ولا يزوجهما المكاتب بغير إذن سيده، وبإذنه قولان كتبرعه. والأمة الوثنية والمجوسية يأتي حكمهما في أن السيد بماذا يزوج؟

стр. 3197

فَإِنْ طَلَبَتْ .. لَمْ يَلْزَمْهُ تَزْوِيجُهَا، وَقِيلَ: إِنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ .. لَزِمَهُ ــ فرع: إذا كان لعبده المأذون في التجارة أمة، فإن لم يكن على العبد دين .. جاز للسيد تزويجها بغير إذن العبد على الأصح؛ لأن الملك له ولم يتعلق به حق غيره، وإن كان عليه دين، فإن زوجها بإذن العبد والغرماء .. صح، وإن زوجها بإذنه دون إذنهم أو بالعكس .. لم يصح على الصحيح، وبيع السيد هذه الجارية وهبتها ووطؤها كتزويجها في حالتي وجود الدين وعدمه، وإذا وطئها بغير إذن الغرماء .. فهل عليه المهر؟ وجهان، قال المصنف: ولعل أصحهما الوجوب. وإن أحبلها .. فالولد حر والجارية أم ولد إن كان موسرًا، فإن كان معسرًا .. لم تصر أم ولد، بل تباع في الدين، فإن ملكها بعدُ .. فالحكم كما سبق في المرهونة، وكذا الحكم في استيلاد الجارية الجانية، وفي استيلاد الوارث جارية التركة إذا كان على المورث دين. قال: (فإن طلبت .. لم يلزمه تزويجها)؛ لما فيه من تفويت الاستمتاع عليه، ونقصان القيمة. قال: (وقيل: إن حرمت عليه .. لزمه)؛ إذ لا يتوقع منه قضاء الشهوة، ولابد من إعفافها. هذا إذا حرمت عليه مؤبدًا، فإن كان تحريمها لعارض بأن ملك أختين فوطئ إحداهما ثم طلبت الأخرى تزويجها .. لم تجب الإجابة؛ لأن تحريمها عارض، لكن تستثنى أمة القراض فليس للسيد تزويجها كما تقدم في بابه.

стр. 3198

وإِذَا زَوَّجَهَا .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ بِالْمِلْكِ لاَ بِاِلْوِلاَيَةِ؛ فَيُزَوِّجُ مُسْلِمٌ أَمَتَهُ الْكَافِرَةَ وَفَاسِقٌ ــ وشمل إطلاقه ما إذا كانت الأمة لامرأة، وفي (البيان): ينبغي أن يكون في إجبارها الخلاف فيما إذا كانت لرجل وهو لا يملك الاستمتاع بها. قال: (وإذا زوجها .. فالأصح: أنه بالملك لا بالولاية)؛ لأنه يملك الاستمتاع بها فتزويجه إياها تصرف في ذلك الاستمتاع المملوك له، والتصرف فيما يملك استيفاؤه ونقله إلى الغير يكون بحكم الملك، كاستيفاء المنافع ونقلها بالإجارة. والثاني: أنه بالولاية؛ لأن عليه النظر ورعاية المصلحة لها، حتى لا يجوز تزويجها من معيب بغير رضاها، ونظير الخلاف إقامة الحد على الرقيق للسيد هل يقيمه بالولاية على ملكه كولاية التزويج أو تأديبًا أو إصلاحًا كالفصد والحجامة؟ وجهان: أصحهما: الثاني. قال: (فيزوج مسلم أمته الكافرة) هذا تفريع على التزويج بالملك، ولهذا ذكره بـ (الفاء)، وفيه وجه: أنه لا يزوج كما لا يزوج ابنته الكافرة، وهو قول المزني والداركي وطائفة، وهو بناء على أنه يزوجها بالولاية. وعكسه إذا كان لكافر أمة مسلمة أم ولد .. قال ابن الحداد: يزوجها بحق الملك، والأصح: المنع؛ لأن حق المسلم في الولاية آكد؛ لأنه تثبت له الولاية على الكافرات بالجهة العامة، ولأن المسلم يملك الاستمتاع ببضع الكافرة فيملك تزويجها، بخلاف العكس. وتعبيره بـ (الكافرة) يشمل: المجوسية والوثنية، وفيهما وجهان مبنيان على العلتين: إن قلنا بالأولى .. فله تزويجها، وإن قلنا بالثانية .. فلا، وهو المذكور في (التهذيب)، والأول أصح عند الشيخ أبي علي، ولا ترجيح في (الشرح) ولا في (الروضة) لشيء من الوجهين، ولذلك عبر في (المحرر) بـ (الكتابية). قال: (وفاسق) هذا إذا سلبناه الولاية؛ لأنه يتصرف بالملك كالإجارة، فإن قلنا: بالولاية .. فلا، لكن يستثنى الإمام الأعظم على هذا القول؛ فالأصح: أنه يزوج مع ذلك.

стр. 3199

وَمُكَاتِبٌ، وَلاَ يُزَوَّجُ وَلِيُّ عَبْدَ صَبِيِّ، وَيُزَوِّجُ أَمَتَهُ فِي الأَصَحِّ ــ قال: (ومكاتب) تفريع على أنه يزوج بالملك، لكن لا يستقل به؛ لضعف ملكه. قال: (ولا يزوج ولي عبد صبي) وكذلك المجنون والسفيه على الأصح في الجميع؛ لما فيه من انقطاع أكسابه وفوائده عنهم. والثاني: يجوز؛ لأنه قد تقتضيه مصلحة، قال في (الدقائق): هذه العبارة أصوب من قول (المحرر): لا يجبر؛ لأنه لا يلزم من عدم إجباره منع تزويجه برضاه، والصحيح منعه، وبه قطع البغوي. قال: (ويزوج أمته في الأصح)؛ اكتسابًا للمهر والنفقة، هذا إذا ظهرت الغبطة. والثاني: المنع؛ لأنه قد تنقص قيمتها، وقد تحبل فتهلك. والثالث: يزوج أمة الصبية دون الصبي؛ لأنه قد يحتاج إليها بعد البلوغ. تتمة: أطلق المصنف (الأمة) والمراد: أمة يجوز له أن يزوجها لو كانت بالغة، فلو كانت مجوسية .. امتنع تزويجها عليه وعلى وليه، وكذا لو كان الصغير كافرًا وله أمة مسلمة .. لا يجوز لوليه تزويجها.

стр. 3200

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ خاتمة أعتق في مرض موته أمة .. قال ابن الحداد: لا يجوز لوليها تزويجها حتى يبرأ أو يموت وتخرج من ثلثه، وقال الجمهور: يجوز لوليها تزويجها؛ لأنها حرة في الظاهر كالموهوبة في المرض يتصرف المتهب فيها، وعلى هذا: النكاح صحيح ظاهرًا، فإن تحققنا بعد ذلك نفوذ العتق .. تحققنا نفوذ النكاح على الصحة، وإلا فإن رد الورثة أو أجازوا وقلنا: الإجازة عطية مبتدأة .. بان فساد النكاح، وإلا .. بانت صحته؛ اعتبارًا بما في نفس الأمر.

стр. 3201

بَابُ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْنَّكَاحِ ــ باب ما يحرم من النكاح لم يبوب عليه في (المحرر) ولا على ما بعده إلى (الصداق)، بل جعلها فصولاً، والمصنف أخذ الترجمة من (التنبيه) وهي حسنة. والتحريم في العقد يطلق بمعنى عدم الصحة وهو المراد هنا، ويطلق بمعنى التأثيم مع الصحة كما في نكاح المخطوبة على خطبة الغير. والتحريم هنا محصور في أربعة أجناس: الأول: المحرمية، وهي الوصلة المانعة من النكاح على التأبيد، ولها ثلاثة أسباب: القرابة والرضاع والمصاهرة. والجنس الثاني: ما لا يقتضي التحريم بصفة التأييد. والثالث: رق المرأة. والرابع: الكفر. ودليل الباب: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ الآية. فقيل المحرم: العين، وقيل: الوطء، وقيل: العقد، وهو الصحيح، وأخذ ابن الرفعة منه تحريم الإقدام على العقود الفاسدة كما تقدم، وللأصحاب في ضبط القرابة عبارتان:

стр. 3202

تَحْرُمُ الأُمَّهَاتُ، وَكُلُّ مّنْ وَلَدَتْكَ أَوْ وَلَدَتْ مَنْ وَلَدَكَ فَهِيَ أمُّكَ. وَالْبَنَاتُ، وَكُلُّ مَنْ وَلَدَتَهَا أَوْ وَلَدْتَ مَنْ وَلَدهَا فَبِنْتُكَ. قُلْتُ: وَالْمَخْلُوقَةُ مِنْ زِنَاهُ تَحِلُّ لَهُ, ــ إحداهما: قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني: يحرم على الرجل أصوله وفصوله، وفصول أول أصوله، وأول فصل من كل أصل بعد الأصل الأول. فالأصول: الأمهات، والفصول: البنات، وفصول أول الأصول: الأخوات وبنات الأخ وبنات الأخت، وأول فصل من كل أصل بعد الأصل الأول: العمات والخالات. قال الجوهري: قولهم: لا أصل له ولا فصل، قال الكسائي: الأصل الحسب، والفصل: اللسان. والثانية: عن تلميذه أبي منصور البغدادي يحرم نساء القرابة غير ولد الخؤولة والعمومة، وهو أوجز وأحسن؛ لتنصيصه على الإناث. قال: (تحرم الأمهات) هذا هو السبب الأول من الجنس الأول وهي القرابة، ويحرم بها سبع وهي المذكورات في الآية إلى قوله: ﴿وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ وابتدأ المصنف بما بدأ الله به. قال الواحدي: أكثر استعمال العرب في الآدميات الأمهات، وفي غيرهن من الحيوانات أمات بحذف الهاء، وجاء في الآدميات أمات بحذفها وفي غيرهن بإثباتها. قال: (وكل من ولدتك أو ولدت من ولدك فهي أمك) الأولى حقيقة، والثانية مجاز على الأصح. قال (والبنات، وكل من ولدتها أو ولدت من ولدها فبنتك) هو كالذي سبق. قال: (قلت: والمخلوقة من زناه تحل له) هذا هو أصح الأوجه، وبه قال مالك؛ لأنه لم يثبت لها شيء من أحكام البنوة من الميراث ونحوه بالإجماع، ولا يقدح في ذلك ما في (كتاب التبصرة) لأبي الحسن اللخمي، وفي (كتاب

стр. 3203

وَيَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأةِ وَلَدُهَا مِنَ الْزِّنَا، وَاللهُ أَعْلَمُ ــ الأموال) لأبي عبيد عن أحمد بن نصر الداوودي المالكي: أن ولد الزنا يلحق الزاني إذا علم أنه منه. وعلى المذهب: يكره له من جهة الورع أن يتزوج بها خروجًا من الخلاف. والوجه الثاني: أنها تحرم عليه وبه قال أبو حنيفة وأحمد، وزعم ابن القاص أنه المذهب. والثالث: يحرم إن تحقق أنها منه، واختاره الروياني وجماعة، ويحصل تيقن ذلك بأن يحبسها عنده من الزنا إلى الولادة. وقال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ: إنما يكون ذلك بإخبار الصادق، وسواء طاوعته على الزنا أو أكرهها. والمنفية باللعان تحرم عليه إن كان قد دخل بالملاعنة؛ لأنها ربيبة امرأة مدخول بها، وكذا إن لم يدخل بها على الأصح؛ لأن انتفاءها عنه ليس قطعيًا؛ لأنه لو أكذب نفسه في النفي .. لحقته. قال المتولي: وعلى هذا: ففي وجوب القصاص بقتلها والحد بقذفها والقطع بسرقة مالها وقبول شهادته لها وجهان. قال: (ويحرم على المرأة ولدها من الزنا والله أعلم) وهذا مجمع عليه كما أجمعوا على أنه يرثها وترثه، ويتوارث ولداها بأخوة الأم، وهذه الزيادة داخلة في قول (المحرر) تحرم الأمهات.

стр. 3204

وَالأَخَوَاتُ. وَبَنَاتُ الإِخْوَةِ وَالأَخَوَاتِ. وَالْعَمَاتُ. وَالْخَالاَتُ. وَكُلُّ مَنْ هِيَ أُخْتُ ذّكّرِ وَلَدَكَ فَعَمَّتُكَ، أَوْ أخْتُ أُنْثَى وَلَدَتْكَ فَخَالَتُكَ. وَيَحْرُمُ هَؤُلاَءِ الْسَبْعُ بِالْرِضَاعِ أَيْضًا. وَكُلُّ مَنْ أَرْضَعَتْكَ، أوْ أَرْضَعَتْ مَنْ أَرْضَعَتْكَ، أَوْ مَنْ وَلَدَكَ، أَوْ وَلَدَتْ مُرْضِعَتَكَ، أَوْ ذّا لَبَنِهَا فَأُمُّ رَضَاعٍ، وَقِسِ الْبَاقِي ــ قال: (والأخوات، وبنات الإخوة والأخوات، والعمات، والخالات)؛ للآية قال: (وكل من هي أخت ذكر ولدك فعمتك، أو أخت أنثى ولدتك فخالتك) فأخت الأب والأم حقيقة، وأخت الجد والجدة مجاز على الأصح، ولا تحرم بناتهن. قال: (ويحرم هؤلاء السبع بالرضاع أيضًا) وهو السبب الثاني من الجنس الأول، ويدل له قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَتُكُمْ الَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِنَ الرَّضَعَةِ﴾ نص على الأم والأخت وقسنا الباقي عليهما، وفي (الصحيحين): (يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة) ويروى: (ما يحرم من النسب)، وقال داوود: لا يحرم إلا ما في القرآن. قال: (وكل من أرضعتك، أو أرضعت من أرضعتك، أو من ولدك، أو ولدت مرضعتك، أو ذا لبنها فأم رضاع) قوله: (من ولدك) يعني: بواسطة أو بغير واسطة، وقوله: (ذا لبنها) يعني: الفحل الذي لبن المرضعة منه. قال: (وقس الباقي) أي: باقي الأصناف المتقدمة من البنات والأخوات، فكل امرأة أرضعتك أو أرضعت من أرضعتك أو أرضعت من ولدك بواسطة أو بغير واسطة .. فهي أمك، وكذلك كل امرأة ولدت المرضعة أو الفحل، وكل امرأة ارتضعت بلبنك أو بلبن من ولدته أو أرضعتها امرأة ولدتها أنت .. فهي بنتك، وكذلك بناتها من النسب والرضاع. وكل امرأة أرضعتها أمك أو ارتضعت بلبن أبيك .. فهي أختك، وكذلك كل امرأة ولدتها المرضعة أو الفحل.

стр. 3205

وَلاَ تَحْرُمُ عَلَيْكَ مَنْ أَرْضَعَتْ أخَاكَ وَنافِلَتَكَ، وَلاَ أُمُّ مُرْضِعَةِ وَلَدِكَ وَبِنْتُهَا، ولاَ أُخْتُ أَخِيكَ بِنَسَبٍ وَلاَ رَضَاعٍ، وَهِيَ: أُخْتُ أَخِيكَ لأَبِيكَ لأُمِّهِ وَعَكْسُهُ ــ وأخوات الفحل والمرضعة وأخوات من ولدها من النسب والرضاع عماتك وخالاتك، وكذلك كل امرأة أرضعتها واحدة من جداتك أو ارتضعت بلبن جد لك من النسب والرضاع. وبنات أولاد المرضعة والفحل من النسب والرضاع بنات أخيك وأختك. قال: (ولا تحرم عليك من أرضعت أخاك ونافلتك، ولا أم مرضعة ولدك وبنتها، ولا أخت أخيك بنسب ولا رضاع، وهي: أخت أخيك لأبيك لأمه وعكسه) صورته في النسب ما ذكره. وصورته في الرضاع: أن ترضعك امرأة ثم ترضع صغيرة أجنبية منك فلأخيك نكاحها. وقوله: (وعكسه) ليست في (المحرر) ولا في (الشرحين) ولا في (الروضة)، وصورتها: أخت أخيك لأمك لأبيه وهي صورة صحيحة، فهؤلاء أربع نسوة يحرمن في النسب، وفي الرضاع قد يحرمن وقد لا يحرمن. والضابط المبين لهذا: أن الرضاع ينتشر إلى الأصول والفروع ولا يسري إلى الحواشي فلذلك حلت هذه المسائل، واستثنيت من قولنا: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وعند التأمل لا يحتاج إلى استثنائها، بل ذلك الكلام على عمومه. وهذه المسائل صحيحة، ولذلك قال الرافعي في (الرضاع) ونقله في (الروضة) هنا عن المحققين: لا تستثنى الصور الأربعة؛ لأنها ليست داخلة في الضابط، ولهذا لم يستثنها الشافعي وجمهور الأصحاب، ولا استثنيت في الحديث الصحيح؛ لأن أم الأخ لم تحرم لكونها أم أخ، وإنما حرمت؛ لأنها أم أو حليلة أب ولو يوجد ذلك، وكذا القول في باقيهن. وأغرب الجيلي في (الإعجاز) في حكايته عن ابن القاص في (كتاب الوشائح): أنه جوز نكاح زوجة ابن البنت مستدلاً بان الله تعالى قال: ﴿وَحَلَئِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾

стр. 3206

وَتَحْرُمُ زَوْجَةُ مَنْ وَلَدْتَ أَوْ وَلَدَكَ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، ــ وابن البنت ليس ابنًا بدليل قول الشاعر (من الطويل): بنونا بنو أبنائنا وبناتنا .... بنوهن أبناء الرجال الأباعد وقد نظم الشيخ علاء الدين القونوي الأربعة التي ذكرها الرافعي فقال (من الخفيف): أربع في الرضاع هن حلال .... وإذا ما انتسبن هن حرام جدة ابن وأخته ثم أم .... لأخيه وحافد والسلام قال: (وتحرم زوجة من ولدت أو ولدك من نسب أو رضاع) هذا هو السبب الثالث وهو المصاهرة، ودليله قوله تعالى: ﴿وَحَلَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَبِكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُم مِنَ النِسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَف﴾. وفي معنى حليلة الابن حلائل الأحفاد وإن سفلوا، وفي معنى زوجة الأب: زوجات الأجداد وإن علوا من قبل الأب والأم، وكان هذا في الجاهلية يسمى نكاح المقت قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَحِشَةً وَمَقْتًا﴾. ولا فرق في ذلك بين النسب والرضاع، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَبِكُمْ﴾ خرج به زوجة الذي يتبناه الإنسان كما كانت العرب تفعل، فلا تحرم. وقوله: ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ هنا وفي الأختين المراد: ما وقع في أنساب العرب قبل الإسلام، وقد حفظ الله تعالى نسب سيد المرسلين من آدم إليه صلى الله عليه

стр. 3207

وَأُمْهَاتُ زَوْجَتِكَ مِنْهُمَا، وَكَذَا بَنَاتُهَا إِنْ دَخَلْتَ بِهَا ــ وسلم، فلم يزل محفوظًا عن السفاح وغيره مما نهى عنه، ولم يدخل فيه شيء إلا من نكاح صحيح كنكاح الإسلام. تنبيه: عبارة (المحرر): يحرم بالنكاح الصحيح أمهات الزوجة إلى آخره، قال في (الدقائق): الصواب حذف لفظ (الصحيح)؛ فإن التحريم يثبت بالنكاح الفاسد، وليس كما قال، بل الصواب إثباتها، فإن من تحرم بالعقد وهن الثلاثة الأول إذا أبانهن قبل الوطء .. لا يحرمن إلا بعقد صحيح. نعم؛ لو وطئهن في العقد الفاسد .. حرمن بالوطء فيه لا به، والعجب أنه صرح بهذا في (الروضة) تبعًا (للشرح). وأما الرابعة - وهي بنت الزوجة - فلا تحرم إلا بوطء أمها ولو في نكاح فاسد. قال: (وأمهات زوجتك منهما) يعني: من النسب والرضاع؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَتُ نِسَائِكُمْ﴾ وأمهاتها حقيقة من ولدتها وجداتها في معناها مجازًا. قال: (وكذا بناتها إن دخلت بها)؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَبَئِبُكُمُ الَّتِي فِي حُجُورِكُم مِن نِسَائِكُمُ الَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ وهذا القيد يرجع إلى الثاني فقط؛ لأنه

стр. 3208

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مجرور بالحرف والأول بالإضافة، وإذا اختلف العامل .. لم يجز الإتباع ويتعين القطع، وذكر الحجر جريًا على الغالب. وقال مالك: إنما تحرم إذا نشأت في حجره، وسواء بنت النسب والرضاع. والفرق من جهة المعنى بين الأم والبنت: أن الرجل يبتلى عادة بمكالمة أم الزوجة عقب النكاح؛ لأنها التي ترتب أموره، فحرمها الشارع بنفس العقد حتى يتمكن من الخلوة بها ويسهل عليها ترتيب مصالحها، بخلاف البنت؛ فإنها لا تسعى في مصالح الأم فانتفى هذا الغرض. وفي وجه ضعيف عن الحسن بن محمد الصابوني: أن أمهات الزوجة لا يحرمن إلا بالدخول كالربيبة، وتستثنى المنفية باللعان؛ فإنها تحرم عليه وإن لم يدخل بأمها على الصحيح. قال الفقهاء: الربيبة مشتقة من التربية، قال في (شرح مسلم): وهو غلط؛ فإن شرط الاشتقاق الاتفاق في الحروف الأصلية، قال: والصواب أنها مشتقة من الرب وهو الإصلاح؛ لأنه يقوم بأمورها ويصلح أحوالها. فرع: لا تحرم على الرجل بنت زوج الأم ولا أمه، ولا بنت زوج البنت ولا أمه، ولا أم زوجة الأب ولا بنتها، ولا أم زوجة الابن ولا بنتها، ولا زوجة الربيب ولا زوجة الراب وهو زوج الأم. قال المصنف: ولا ربيبة ولده سواء كان الولد ولد من أمها أم لا، أما بنت الربيب .. فحرام باتفاق الطرق إذا دخل بالأم.

стр. 3209

وَمَنْ وَطِئَ امْرَأةً بِمِلِكٍ .. حَرُمَ عَلَيْهِ أُمَّهَاتُهَا وَبَنَاتُهَا، وَحَرُمَتْ عَلَى آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ، وَكَذَا الْمَوْطُوْءَةُ بِشُبْهَةٍ فِي حَقِّهِ - قِيلَ: أَوْ حَقِّهَا - ــ قال: (ومن وطئ امرأة بملك .. حرم عليه أمهاتها وبناتها، وحرمت على آبائه وأبنائه) بالإجماع؛ لأن الوطء في ملك اليمين منزل منزلة عقد النكاح، ولهذا يحرم الجمع بين وطء الأختين في الملك كما يحرم الجمع في النكاح، ولا يحرم الجمع في الملك فقط. قال: (وكذا الموطوءة بشبهة في حقه)؛ لأن الوطء تصير به المرأة فراشًا فيثبت النسب وتجب العدة فتتعلق به حرمة المصاهرة كالنكاح. وحكي قول ضعيف: أن الوطء بالشبهة لا يثبت حرمة المصاهرة كالزنا. ولا فرق بين الشبهة بالنكاح الفاسد والشراء الفاسد ووطء الأمة المشتركة وجارية الابن، كل ذلك يثبت حرمة المصاهرة كما يثبت النسب ويوجب العدة، وكذا إذا ظنها زوجته أو ظنته زوجها فالشبهة في هذه المسائل كلها شاملة للطرفين الواطئ والموطوءة. فإن اختصت الشبهة بأحدهما .. فالآخر زان بأن ظنها زوجته وهي عالمة، أو كان يعلم وهي جاهلة أو نائمة أو مكرهة، أو مكنت العاقلة البالغة مجنونًا أو مراهقًا عالمة .. فوجهان: أصحهما: أن الاعتبار بالرجل فتثبت المصاهرة إذا اشتبه عليه كما يثبت النسب والعدة، ولا تثبت عليه كما لا يثبت النسب والعدة، ولهذا قال المصنف: (بشبهة في حقه)؛ فإنه يشمل التي في حقه فقط والشاملة لهما، ويخرج به ما إذا لم تكن في حقه بأن كانت في حقها فقط أو لم تكن شبهة أصلاً. وشرط الموطوءة أن تكون حية، فإن كانت ميتة .. لم تثبت حرمة المصاهرة بوطئها كما جزم به الرافعي في (الرضاع)؛ لأنها كالبهيمة، وكذا لو كان الواطيء خنثى .. لا تثبت المصاهرة بوطئه؛ لاحتمال كونه عضوًا زائدًا كما قاله أبو الفتوح. قال: (قبل: أو حقها) هذا هو الوجه الثاني: أنه تثبت المصاهرة في أيهما كانت الشبهة، وعلى هذا وجهان:

стр. 3210

لاَ الْمَزْنِيُّ بِهَا ــ أحدهما: يختص بمن اختصت الشبهة به، فإن كان الاشتباه عليه .. حرمت عليه أمها وبنتها، ولا تحرم هي على أبيه وابنه، وإن كان الاشتباه عليها .. حرمت على أبيه وابنه ولا تحرم عليه أمها وبنتها. والثاني: أنه يعم الطرفين كالنسب. تنبيه: ما رجحه من أنه لا أثر للشبهة في حقها صحيح بالنسبة إلى التحريم لا المهر، ولهذا قال في (الوسيط): لكن يرجع في وجوب المهر إلى الاشتباه عليها فقط، وفي (الحاوي الصغير): وفي المهر بشبهتها، فتقرر أن شبهة الواطيء وحده تثبت حرمة المصاهرة والنسب والعدة لا المهر، وشبهة الموطوءة وحدها توجب المهر فقط ولا تثبت المصاهرة ولا العدة ولا النسب، وشبهتهما معًا تثبت جميع ما تقدم. قال: (لا المزني بها) فلا يثبت الزنا حرمة المصاهرة؛ لأنها نعمة من الله امتن بها على عباده، فلا تثبت بالزنا كما لا يثبت به النسب، فيجوز للزاني نكاح أم من زنى بها وبنتها، ولابنه وأبيه نكاحهن. وقال أبو حنيفة وأحمد: يثبتها، وهي من أعظم مسائل الخلاف، وليس فيها حديث صحيح من جانبنا ولا من جانبهم، وبحث الشافعي فيها مع من باحثه نحو ورقتين، وبين أن لا دليل على التحريم. فروع: زنت المرأة ولها زوج .. لم يبطل نكاحها.

стр. 3211

وَلَيْسَتْ مُبَاشَرَةٌ بِشَهْوَةٍ كَوَطْءٍ فِي الأَظْهَرِ ــ وقال علي والحسن: تبين من زوجها. وإذا زنت المرأة ولم تحبل .. حل لكل أحد نكاحها في الحال إذا كانت خلية. وقال أحمد: لا يباح نكاحها حتى تمضي لها ثلاثة أقراء. وإذا حملت من الزنا .. يجوز نكاحها خلافًا لأبي حنيفة ومالك، وسيأتي ذلك في فرع في (عدة الحامل). ومن تلوط بغلام .. لم تحرم على الفاعل أمه وابنته خلافًا لأحمد والشعبي كما نقله البخاري في (صحيحه). والوطء في النكاح وملك اليمين كما يوجب الحرمة يوجب المحرمية، فيجوز للواطيء الخلوة والمسافرة بأم الموطوءة وبنتها والنظر إليها. وفي وطء الشبهة وجهان أو قولان: أصحهما عند الإمام: كذلك، وعند الجمهور: المنع، وحكوه عن نص (الإملاء). قال: (وليست مباشرة بشهوة كوطء في الأظهر) فإذا لمس بشهوة أو قبل أو عانق أو فاخذ .. لا يكون كالوطء، حتى لا تثبت حرمة المصاهرة بها إذا وقعت بشبهة نكاح أو ملك، ولا تحرم الربيبة بها إذا وقعت في النكاح؛ لأنها لا توجب العدة فلا تثبت المحرمية، ولأن الله تعالى قال: ﴿مِن نِسَائِكُمُ الَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ فشرط الدخول في التحريم. والثاني: نعم؛ لأنها استمتاع يوجب الفدية على المحرم فكانت كالوطء، وصححه الفوراني والبغوي والروياني، وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة وجمهور العلماء. وموضع القولين إذا جرى ذلك بشهوة، فإن كان بغيرها .. فلا أثر له عند الجمهور، ولهذا قيده المصنف بها، وهي زيادة على (المحرر) لابد منها. وأما النظر بشهوة .. فلا يثبت المصاهرة على المذهب، وقيل: قولان، وقيل:

стр. 3212

وَلَوِ اخْتَلَطَتْ مَحْرَمٌ بِنِسْوَةِ قَرْيَةِ كَبِيرَةٍ .. نَكَحَ مِنْهُنَّ، لاَ بِمَحْصُورَاتٍ ــ إن نظر إلى الفرج .. فقولان، وإلا .. فلا، ولا أثر للمباشرة الحرام كالزنا، فلا يتعلق بها شيء قطعًا. ولو استدخلت ماء زوجها أو ماء أجنبي بشبهة .. ثبتت المصاهرة كالنسب والعدة، لا الإحصان والتحليل والمهر في الأصح، واختلف كلام الرافعي في ثبوت الرجعة بذلك. قال: (ولو اختلطت محرم بنسوة قرية كبيرة .. نكح منهن)؛ تغليبًا لجانب الحل، وإعمالاً للأصل؛ لأنا لو حرمنا عليه النكاح منها .. لاستد عليه بابه، ولو سافر إلى بلدة أخرى لم نأمن أن تسافر إليها، وهذا كما إذا اختلط صيد مملوك بصيود مباحة غير محصورة .. فإنه لا يحرم الاصطياد، هذا إذا عم الالتباس، فإن أمكنه نكاح من لا يرتاب فيها .. فالظاهر أنه لا حجر. ولو اختلطت زوجته بأجنبيات .. لم يجز له وطء واحدة منهن بالاجتهاد، سواء اشتبهت بعدد محصور أم بغيره؛ لأن الوطء إنما يستباح بالعقد لا بالتحري، وقال في (شرح المهذب) في (باب الاجتهاد): لا خلاف فيه. وقوله: (نكح منهن) يفهم أنه لا ينكح الجميع، لكن حكى الروياني عن والده احتمالين: أحدهما: ينكح إلى أن تبقى واحدة. والثاني: إلى أن يبقى عدد محصور، ورجح المصنف في نظيره من الأواني الأول. قال: (لا بمحصورات) فلا ينكح واحدة منهن؛ احتياطًا للأبضاع مع انتفاء المشقة باجتنابهن، بخلاف الأولى.

стр. 3213

وَلَوْ طَرَأَ مُؤَبَدُ تَحْرِيمٍ عَلَى نِكَاحٍ .. قَطَعَهُ كَوَطْءِ زَوْجَةِ ابْنِهِ بِشُبْهَةٍ. وَيَحْرُمُ جَمْعُ الْمَرْأَةِ وَأُخْتِهَا ــ وفي (النهاية) قول بعيد: إنه يصح مع شدة الكراهة. وعلى الصحيح: لو نكح .. بطل في الأصح، وهذا التفصيل يأتي أيضًا فيما لو أراد الوطء بملك اليمين. و (المحصورات): ما لا يعسر عدهن بمجرد النظر، وقال الإمام: المحصورات ما سهل على الآحاد عدهن لا على الوالي؛ فإنه لا يعسر عليه حصر أهل أعظم بلاده. قال: (ولو طرأ مؤبد تحريم على نكاح .. قطعة كوطء زوجة ابنه بشبهة) فإذا وطيء زوجة أبيه بشبهة أو ابنه .. انفسخ النكاح، وكذا إذا وطيء أم امرأته أو عمتها .. انفسخ نكاح امرأته؛ لأن الطارىء هنا كالمقارن، وكما يمنع انعقاده في الابتداء يدفعه في الدوام. واحترز بطروئه على نكاح عما إذا طرأ على ملك كوطء الأب جارية ابنه .. فإنها تحرم على الابن أبدًا، ولا ينقطع على الابن ملكه إذا لم يوجد من الأب إحبال، ولا شيء عليه بمجرد تحريمها عليه؛ لأن مجرد الحل في ملك اليمين ليس بمتقوم، وإنما القصد الأعظم منه المالية وهي باقية. ويصح أن يقرأ (ابنه) بالنون وبالباء، وبهما ضبط المصنف بخطه، وكلاهما في (المحرر). قال: (ويحرم جمع المرأة وأختها). لما أنهى الكلام في التحريم المؤبد .. شرع في ذكر الجنس الثاني وهو ما لا يقتضي حرمة مؤبدة، وهو أنواع:

стр. 3214

أَوْ عَمِّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا ــ الأول: الجمع بين الأختين من النسب أو الرضاع، فيحرم الجميع بينهما بالإجماع المستند إلى قوله تعالى: ﴿وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَد سَلَفَ﴾ واستدل الرافعي له أيضًا بقوله ﷺ : (ملعون من جمع ماءه في رحم أختين) وهو غريب، وسواء كانتا من الأبوين أو من أحدهما ابتداء أو دوامًا. قال: (أو عمتها أو خالتها) سواء كان ذلك في الابتداء أو الدوام؛ لقوله ﷺ : (لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها) متفق عليه. والمعنى فيه: أنه يؤدي إلى قطع الرحم، وفي بعض طرقه: (فإنكم إذا فعلتم ذلك .. قطعتم أرحامكم) والحكم ثابت ولو رضيت؛ لأن الطبع يتغير والقلوب بيد مقلبها. ولا فرق في العمة والخالة بين الحقيقتين وغيرهما كأخت أب الأب وأب الجد وإن علا، وأخت أم الأم وأم الجدة من جهة الأب والأم وإن علت، فيحرم الجمع بين المرأة وخالة أحد أبويها أو عمة أحد أبويها، ولم يخالف في ذلك إلا الشيعة وداود وعثمان البتي، ولا عبرة بخلافهم. وفي (سنن أبي داود) عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ نهى عن الجمع بين العمة والخالة، وبين العمتين والخالتين) وقد أشكل هذا على بعض العلماء حتى حمله على المجاز، وإنما المراد: النهي عن الجمع بين امرأتين إحداهما عمة الأخرى والأخرى خالة الأخرى، وعن امرأتين كل منهما عمة الأخرى، وامرأتين كل منهما خالة الأخرى. فأما الأولى .. فصورتها: أن يكون رجل وابنه تزوجا امرأة وابنتها، تزوج الرجل البنت وتزوج الابن الأم، فولد لكل منهما ابنة من هاتين الزوجتين فابنة الأب عمة ابنة الابن، وابنة الابن خالة ابنة الأب.

стр. 3215

مِنْ رَضَاعٍ أَوْ نَسَبِ، فَإِن جَمَعَ بِعَقْدٍ .. بَطَلَ، أَوْ مُرَتّبِاً .. فَالْثَانِي. وَمَنْ حَرُمَ جَمْعُهُمَا بِنِكَاحٍ .. حَرُمَ فِي وَطْءٍ بِمِلْكٍ، ــ وأما الجمع بين خالتين - وهي الثانية - فصورتها: رجل تزوج ابنة رجل وتزوج الآخر ابنته، فولدت لكل منهما ابنة، فابنة كل واحدة منهما خالة الأخرى. وأما الجمع بين العمتين - وهي الثالثة - فصورتها: أن يتزوج رجل أم رجل ويتزوج الآخر أم الآخر، فيولد لكل منهما ابنة، فابنة كل واحد منهما عمة الأخرى. قال: (ومن رضاع أو نسب)؛ لإطلاق الآية والخبر. وضابط من يحرم الجمع بينهما: كل شخصين لا يجوز لأحدهما أن يتزوج بالآخر لو كان ذكرًا؛ لأجل القرابة. واحترزوا بقولهم: (لأجل القرابة) عن المرأة وأمتها؛ فإنه يجوز الجمع بينهما وأيهما قدرت ذكرًا لم ينكح الأخرى، لكنه من غير القرابة، وعن المرأة وأم زوجها وزوجة ابنها، وعن المرأة وابنة زوجها؛ فإنه يجوز أن يجمع بينهما وإن كان لا يجوز لأحدهما أن ينكح الأخرى لو كان ذكرًا. قال: (فإن جمع بعقد .. بطل) أي: النكاحان بالاتفاق؛ إذ ليس تخصيص أحدهما بالبطلان أولى من الآخر. قال: (أو مرتبًا .. فالثاني)؛ لأن الجمع حصل به، هذا إذا علمت السابقة واستمر العلم، فإن لم يعلم أصلاً .. بطلا، وإن علم ثم اشتبه .. وجب التوقف كما في نكاح الوليين من اثنين. قال: (ومن حرم جمعهما بنكاح .. حرم في وطء بملك)؛ لأنه إذا حرم العقد ..

стр. 3216

لاَ مِلْكُهُمَا، فَإِنْ وَطِئَ وَاحِدَةً .. حَرُمَتِ الأُخْرَى حَتَّى يُحَرِّمَ الأُولَى كَبَيْعِ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ كِتَابَةٍ ــ فالوطء من باب أولى. وفي (الموطأ) عن عثمان ﵁: أنه سئل عن ذلك فقال: (أحلتهما آية وحرمتهما آية) يعني: قوله تعالى: ﴿لَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾، (قوله): ﴿وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾، وكأنه توقف في ذلك، لكن انعقد عليه الإجماع. وذكر المصنف (ملك اليمين) ليس بقيد؛ فإنه لو كانت إحداهما بملك والأخرى بزوجية .. حرم أيضًا. قال: (لا ملكهما) فيجوز بالإجماع؛ لأنه قد يقصد بالملك غير الوطء، ولهذا يملك من لا تحل له كالأخت وغيرها. قال: (فإن وطىء واحدة .. حرمت الأخرى حتى يحرم الأولى)؛ لئلا يحصل الجمع المنهي عنه. والمراد بـ (تحريم الأولى): أن يحرمها كما سيأتي، فلو اقتصر على قوله: حرمتها .. لم تحرم، وغلَّط أبو حامد من قال: تحرم بذلك، فلو خالف ووطىء قبل تحريم الأولى .. أثم ولا حد، والثانية مستمرة على تحريمها كما كانت، والأولى مستمرة على حلها، ولا يحرم الحرام الحلال. وعن أبي منصور بن مهران أستاذ الأودني: أنه إذا أحبل الثانية .. حلت وحرمت الموطوءة؛ لأن الثانية بذلك ترجح جانبها صيانة للولد، ولذلك قال الأصحاب: يستحب أن لا يطأ الأولى حتى يستبرىء الثانية، وكان ذلك للخروج من خلافه. واستغرب ابن الرفعة قول أبي منصور المذكور. قال: (كبيع)؛ لإزالة الملك، هذا إذا لزم، فإن كان في زمن الخيار .. ففيه خلاف منشؤه زوال الملك أم لا، واختار الإمام الاكتفاء به؛ لأنه لم يبق للبائع مستدرك، وإن كان الخيار للبائع .. لم يكف؛ لأن المذهب أنه يحل له الوطء وسواء باعها كلها أو بعضها؛ لأن المقصود شيء تحصل به حرمة الوطء. قال: (أو نكاح أو كتابة)؛ لإزالة الحل.

стр. 3217

لاَ حَيْضٍ وَإِحْرَامٍ، وَكَذَا رَهْنٌ فِي الأَصَحِّ ــ وأشار المصنف بكاف التشبيه إلى أن الأسباب لا تنحصر في الثلاثة التي ذكرها، بل كذلك الوقف والإعتاق والهبة المقبوضة؛ لأنها تحرم الوطء. ولو قلنا ببقاء الملك للواقف أيضًا .. حصل التحريم، والإقراض أيضًا إزالة ملك؛ لأنه لو لم يفعل ذلك .. كان جامعًا بين أختين. قال: (لا حيض وإحرام) وكذا عدة عن وطء شبهة؛ لأنها أسباب عارضة لا تزيل الملك ولا الاستحقاق. قال: (وكذا رهن في الأصح)؛ لأن الراهن يملك الوطء بإذن المرتهن فدل على بقاء الحل. والثاني: يكفي؛ لأنه يمنع الاستمتاع، والخلاف في الرهن المقبوض، أما غير المقبوض .. فلا يكفي جزمًا. فروع: الأول: إذا حرمها بالأسباب المؤثرة فعاد الحل بأن باعها فردت عليه بعيب أو إقالة، أو زوجها فطلقت، أو كاتبها فعجزت .. لم يجز له وطؤها حتى يستبرئها؛ لحدوث الملك، فإذا استبرأها فإن لم يكن وطىء الثانية بعد تحريم الأولى .. فله الآن وطء أيتهما شاء، وإن كان وطئها .. لم يجز وطء العائدة حتى يحرم الأخرى. الثاني: الوطء في الدبر كالقبل، فتحرم الأخرى به، وفي اللمس والقبلة والنظر بشهوة مثل الخلاف السابق في حرمة المصاهرة. الثالث: ملك أختين إحداهما مجوسية، أو أخته برضاع فوطئها بشبهة .. جاز وطء الأخرى؛ لأن الأولى محرمة. ولو ملك أمًا وبنتها ووطىء إحداهما .. حرمت الأخرى أبدًا، فلو وطىء الأخرى بعد ذلك جاهلاً بالتحريم .. حرمت الأولى أيضًا أبدًا، وإن كان عالمًا .. ففي وجوب الحد قولان: إن قلنا: لا .. حرمت الأولى أيضًا أبدًا، وإلا .. فلا.

стр. 3218

وَلَوْ مَلَكَهَا ثُمَّ نَكَحَ أُخْتَهَا أوْ عَكَسَ .. حَلَّتِ الْمَنْكُوحَةُ دُونَهَا. وَلِلْعَبْدِ امْرَأَتَانِ، وِلِلْحُرِّ أَرْبَعٌ فَقَطْ، ــ قال: (ولو ملكها ثم نكح أختها أو عكس .. حلت المنكوحة دونها)؛ لأن فراش النكاح أقوى من ملك اليمين، لأنه يملك به حقوقًا لا يملكها بفراش المملوكة كالطلاق والظهار والإيلاء واللعان وسائر الأحكام، وذلك دليل القوة، وسواء كانت أختها حرة أو أمة، وكذلك عمتها وخالتها. فإن قيل: لو اشترى زوجته .. انفسخ النكاح فهو أقوى؟ فالجواب: أن الملك نفسه أقوى من نفس النكاح، ولكن استفراش النكاح أقوى من استفراش الملك، وأيضًا الترجيح هناك في عينين وهنا في عين واحدة فلا تناقض. قال: (وللعبد امرأتان)، ومثله المدبر والمكاتب ومعلق العتق بصفة والمبعض؛ لما روى البيهقي عن الليث عن الحكم بن عتيبة: أنه قال: أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على أن لا ينكح العبد أكثر من اثنتين. وعن مالك ينكح أربعًا؛ لعموم الآية. وقال أحمد: مبعض النصف ينكح ثلاثًا، والنقل فيه عندنا عزيز، والصواب: أنه كالقن، صرح به أصحاب (الكافي) و (الحاوي) و (الرونق) و (اللباب). قال: (وللحر أربع فقط)؛ لقوله ﷺ لغيلان: (أمسك أربعًا) صححه ابن حبان والحاكم وغيرهما، ولم يخالف في هذا إلا القاسمية أتباع القاسم بن إبراهيم والشيعة والزيدية فأجازوا له تسعًا؛ فإن مثنى وثلاث ورباع تسع، والنبي ﷺ مات عن تسع، وقال تعالى: ﴿لقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. وعن بعض الظاهرية ثمانية عشر، وكلاهما شاذ؛ فقد أجمع أهل اللغة على أن من قال: جاء الناس مثنى وثلاث ورباع .. أن معناه: جاؤوا على أفراد هذه الأعداد، وقد تتعين الواحدة للحر، وذلك في كل نكاح توقف على الحاجة كنكاح الحر الأمة، ونكاح السفيه والمجنون.

стр. 3219

فَإِنْ نَكَحَ خَمْسًا مَعًا .. بَطَلْنَ، أَوْ مُرَتِّبًا .. فَالْخَامِسَةُ. وَتَحِلُ الأُخْتُ، وَالْخَامِسَةُ فِي عِدَةِ بَائِنٍ لاَ رَجْعِيَّةٍ ــ قال: (فإن نكح خمسًا معًا .. بطلن) وكذلك العبد إذا نكح ثلاثًا كما لو جمع بين أختين؛ لأنه ليست واحدة أولى من الأخرى، هذا هو المشهور، وفي (الذخائر): يبطل في واحدة وفي الباقي قولا تفريق الصفقة، فإن صححنا .. فله التعيين، قال الشيخ: وأظنه غلطًا. ويستثنى من إطلاق المصنف ما إذا كان فيهن أختان .. فيبطل نكاحهما، وفي الثلاث البواقي قولا تفريق الصفقة، والأظهر الصحة. ولو نكح سبعًا فيهن أختان .. بطل نكاح الجميع، وكذا لو نكح أربعًا أختين وأختين. قال: (أو مرتبًا .. فالخامسة)؛ لزيادتهم على العدد الشرعي. قال: (وتحل الأخت، والخامسة في عدة بائن)؛ لأنها أجنبية، وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يجوز له نكاحها ما داما في العدة؛ لبقاء علقة النكاح. قال: (لا رجعية)؛ لأنها في حكم الزوجات. ملغزة: امرأة لها زوجان ويحل لها أن تتزوج، صورتها: امرأة تملك عبدًا وأمة زوجتهما فهما زوجان قد ملكتهما وهي تريد أن تتزوج. وامرأة اجتمع في عصمتها ثلاثة أزواج في ساعة واحدة ودخل بها منهم اثنان، صورتها: أنها طلقت وهي حامل فوضعت وعقب الطلاق، ثم تزوجت بثان فطلقها قبل الدخول، فتزوجت بثالث وأصابها. فائدتان: الأولى: قال الشيخ عز الدين: كان في شريعة موسى ﵊: يجوز للإنسان أن يتزوج من غير حصر؛ تغليبًا لمصلحة الرجال، وفي شريعة عيسى

стр. 3220

وَإِذَا طَلَّقَ الْحُرُّ ثَلاَثًا أَوِ الْعَبْدُ طَلْقَتَيْنِ .. لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ، ــ ﵊ لا يتزوج غير واحدة؛ تغليبًا لمصلحة النساء من عدم الشحناء، فراعت هذه الشريعة مصلحة النوعين بالعدد المخصوص. الثانية: كان الشيخ عماد الدين ابن يونس يجعل من موانع النكاح اختلاف الجنس ويقول: لا يجوز للآدمي أن يتزوج الجنية، وبه أفتى البارزي؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ وقال: ﴿وَمِنْءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةًّ﴾. وفي (الفتاوى السراجية) للحنفية: لا تجوز المناكحة بين الإنس والجن وإنسان الماء لاختلاف الجنس. وفي (الغنية): سئل الحسن البصري عن التزويج بجنية فقال: يجوز بحضرة شاهدين. وفي مسائل جرت عن الحسن وقتادة كراهتها، ثم روي عن ابن لهيعة عن يونس عن الزهري: (أن النبي ﷺ نهى عن نكاح الجن). وعن زيد العمي أنه كان يقول: اللهم؛ ارزقني جنية أتزوج بها تصاحبني حيثما كنت. وفي المنع من تزويجها نظر؛ لأن التكليف يعمنا. قال القمولي: رأيت شيخًا كبيرًا وكان صالحًا يقول: إنه تزوج جنية. اهـ ورأيت أنا آخر من أهل الخير والدين أخبرني أنه تزوج منهم عشرًا، واحدة بعد أخرى. قال: (وإذا طلق الحر ثلاثًا أو العبد طلقتين .. لم تحل له حتى تنكح) زوجًا غيره. أما الحر .. فلقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، والمراد بالنكاح هنا:

стр. 3221

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الوطء؛ لما روى الشيخان وغيرهما: أن تميمة بنت وهب جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن رفاعة القرظي طلقني فبت طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإن ما معه مثل هدبة الثوب، فقال ﷺ : (أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك) سمى الوطء عسيلة؛ تشبيهًا له بالعسل بجامع اللذة. وقيس العبد على الحر؛ لأنه استوفى العدد الذي يملكه من الطلاق، ولو عرضت الحرية بعد ذلك .. لم تؤثر. وروى مالك أن نفيعًا طلق امرأته طلقتين، فجاء إلى عثمان وعنده زيد بن ثابت فسأله فقالا: حرمت عليك حتى تنكح زوجًا غيرك، ونفيع كان مكاتبًا لأم سلمة. قال العلماء: والمعنى في مشروعية التحليل: التنفير من الطلقات الثلاث. وشملت عبارته: ما لو طلق زوجته الأمة ثلاثًا ثم اشتراها .. فلا تحل له بملك اليمين على الصحيح؛ لظاهر الآية، حتى يطأها زوج غيره، فلو وطئها السيد بعد انقضاء عدة المطلق ثم اشتراها أو أرادت الرجوع إلى مطلقها .. لا تحل له؛ لأنها لم تنكح زوجًا غيره. ولو حكم حاكم بصحة نكاح المطلق ثلاثًا من غير تحليل .. نقض على الصحيح، قاله الروياني وغيره. فرع: لا فرق بين أن يكون الطلاق الثلاث مجموعًا أو مفرقًا، فأما وقوع المفرقة .. فمجمع عليه، وكذلك المجموعة عند الجمهور، وخالف في ذلك من المتقدمين الحجاج بن أرطاة وطائفة من الشيعة، ومن المتأخرين من لا يعبأ به فقالوا: لا يقع

стр. 3222

وَتَغِيبَ بِقُبُلِهَا حَشَفَتُهُ ــ منها إلا واحدة؛ لما روى مسلم عن ابن عباس قال: (كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة، فلو أمضيته عليهم، فأمضاه عليهم). فأخذ بظاهرة طاووس وبعض أهل الظاهر وقالوا: إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق ثلاثًا .. لا تقع إلا واحدة. وأجاب الجمهور عنه بأجوبة أصحها: أن معناه أنه كان في أول الأمر إذا قال لها: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، ولم ينو تأكيدًا ولا استئنافًا .. يحكم بوقوع واحدة؛ لعدم إرادة الاستئناف بذلك، فحمل على الغالب وهو إرادة التأكيد، فلما كان زمن عمر وكثر استعمال الناس هذه الصيغة، وغلبت إرادة الاستئناف بها .. حمل عند الإطلاق على الثلاث؛ عملاً بالغالب السابق إلى الفهم في ذلك العصر. ولا فرق في وقوع الثلاث بين أن يكون ذلك تنجيزًا أو تعليقًا وقد وجدت صفته، حلفًا كان أو غير حلف. قال الشيخ: وابتدع بعض الناس في زماننا فقال: إن كان التعليق على وجه اليمين لا يقع به الطلاق وتجب به كفارة اليمين، وهذه بدعة في الإسلام لم يقلها أحد منذ بعث النبي ﷺ إلى زماننا هذا. ثم إن التحريم المضاف إلى الثلاث إذا وجدت متفرقة هل تضاف إلى الجميع أو إلى الأخيرة فقط؟ فيه خلاف حكاه المتولي، والذي أورده ابن داوود: الثاني. قال في (المطلب) في (كتاب الطلاق): وفائدته تظهر فيما إذا شهد عليه بالطلقة الثالثة فقط ثم رجع هل يجب عليه ثلث الغرم أو كله؟ وفيه في (الحاوي) وجهان، وستأتي الإشارة إلى هذا في (كتاب الرضاع). قال: (وتغيب بقبلها حشفته) يعني: أنه لا يكفي نكاحها زوجًا غيره حتى يدخل بها؛ لما تقدم في الحديث، ولم يخالف في ذلك إلا سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير فإنهما قالا: لا تحل بالعقد إذا لم يكن قصد به التحليل، وعكس الحسن البصري

стр. 3223

أَوْ قَدْرُهَا، ــ فقال: لابد من الإنزال فيها؛ لأن العسيلة لا تحصل إلا بذلك. والجمهور قالوا: هي اللذة الحاصلة بالجماع، والمعتبر في ذلك تغييب الحشفة؛ فإن به تناط الأحكام لقوله ﷺ : (إذا التقى الختانان .. فقد وجب الغسل) ويلتحق بالغسل سائر أحكام الوطء. وقال البغوي: إن كانت بكرًا .. فلابد من إزالة البكارة، ونقله المحاملي عن النص، وأقره الشيخان عليه. قال في (المطلب): الذي فهمته من كلام الشافعي والأصحاب: أنه لا فرق بين البكر والثيب. وقوله: (بقبلها) ليست في (المحرر) وهي زيادة لابد منها؛ فإن وطء الدبر لا يحلل. قال: (أو قدرها) فيقوم ذلك من المقطوع مقام الحشفة كما يقوم مقدار (الفاتحة) من القرآن مقامها عند العجز. قال الإمام: وعلى هذا .. فالمعتبر الحشفة التي كانت لهذا العضو المخصوص، فإن كان الباقي أقل من قدر الحشفة .. لم يحل, وإن بقي أكثر من قدرها .. كفى تغييب قدرها من هذا الشخص على الصحيح، وقيل: يشترط تغييب جميع الباقي. واستدخال ذكر النائم يحلل، واستدخال الماء لا يحلل، ولو لف على ذكره خرقة وأولج حلل على الصحيح. فإن قيل: مع النكاح والوطء لا يحصل الحل للأول حتى يطلق الثاني وتنقضي عدتها منه فكيف لم ينص على ذلك لا في الآية الكريمة ولا في الحديث ولا في كلام المصنف وغيره من الفقهاء؟ فالجواب: أن بالنكاح والوطء يرتفع التحريم من الطلاق الثلاث، ويخلفه التحريم إلى الطلاق لكونها زوجة الغير، ومن الطلاق إلى انقضاء

стр. 3224

بِشَرْطِ: الاِنْتِشِارِ، وَصِحَّةِ الْنِكَاحِ، وَكَوْنِهِ مِمَّنْ يُمْكِنُ جِمَاعُهُ، لاَ طِفْلاً ــ العدة كسائر المعتدات عن غيره، فهما تحريمان غير تحريم الطلاق الثلاث لا يحتاج إلى النص عليهما. قال: (بشرط: الانتشار)؛ لأن ذوق العسيلة لا يكون إلا بذلك، وعن الشيخ أبي محمد وغيره: أنه لا يشترط، والمراد: سلامة العضو من العنة والشلل، وأن تكون له قوة الانتشار، وأما الانتشار بالفعل .. فلم يشترطه أحد. ولا فرق بين أن يكون قوي الانتشار أو ضعيفه فاستعان بإصبعه أو بإصبعها. قال: (وصحة النكاح) وفي الوطء في النكاح الفاسد قولان: أحدهما - وهو الصحيح -: أنه لا يفيد، وبه قال أبو حنيفة ومالك؛ لأن إطلاق اسم النكاح ينصرف إلى الصحيح، والناكح نكاحًا فاسدًا لا يسمى زوجًا فلا يحصل به الحل. والثاني - ويحكى عن القديم -: أنه يحل كما يوجب المهر والعدة. وعلم من هذا الشرط: أن وطء الشبهة من غير عقد لا يحصل به الإحلال؛ لأنه لم يصدر عن عقد النكاح، وأنها لا تحل بوطء السيد، وهذا لا خلاف فيه. قال: (وكونه ممن يمكن جماعه، لا طفلاً)؛ لأنه لا يتأتى منه ذوق العسيلة. وفي وجه يحكى عن القفال: أنه يكتفى بوطء الطفل، قال المصنف: وهو كالغلط المنابذ لقواعد الباب، قال الرافعي: وهما كالوجهين في اشتراط الانتشار، بل هما هما. واحترز بـ (الطفل) عن المراهق الذي يتأتى منه الجماع، فهو كالبالغ خلافًا لمالك، وفي (التتمة): أن للشافعي ﵁ قولاً مثله، وهو بعيد جدًا.

стр. 3225

عَلَى الْمَذْهَبِ فَيهِنَّ ــ ولا فرق في البالغ بين أن يكون عاقلاً أو مجنونًا، حرًا أو عبدًا، فحلاً أو مسلول الأنثيين، مسلمًا أو ذميًا إذا كانت المطلقة ذمية. قال في (الروضة): ولا يشترط في تحليل الذمية للمسلم وطء ذمي، بل المجوسي والوثني يحللانها أيضًا للمسلم كما يحصنانها، صرح به إبراهيم المروروذي، ونازعه الشيخ في ذلك بأن الكتابي لا يحل له أن يتزوج وثنية، ومقتضاه: أن الوثني لا يتزوج كتابية فلا يحلها ولا يحصنها، قال: ولعل الذي قاله المروروذي على الوجه الضعيف. قال: (على المذهب فيهن) هو راجع إلى قوله: (بشرط الانتشار وصحة النكاح ونكاح الطفل) وقد تقدمت الإشارة إلى الخلاف في ذلك. فرعان: أحدهما: وطء الزوج الثاني في إحرامه أو إحرامها أو حيضها أو في نهار رمضان أو على ظن أنه يطأ أجنبية .. يفيد الحل، وأما وطؤه لها بعد ارتدادها أو ارتداده .. فالصواب المنصوص الذي عليه الجمهور: أنه لا يفيد الحل؛ لاختلال النكاح وإن فرض الرجوع إلى الإسلام. الثاني: قال جماعة من الأصحاب منهم الماوردي والغزالي: من لطائف الحيل الرافعة للغيرة والعار المحصلة للمقصود: أن يشتري عبدًا صغيرًا ويزوجها منه، ثم
следующие страницы →