Полный текст (5 377 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.
стр. 3151
وَلْيَقُلْ وَكِيلُ الْوَلِيِّ: زَوَّجْتُكَ بِنْتَ فُلِانٍ، وَلْيَقُلِ الْوَلِيُّ لِوَكِيلِ الزّوْجِ: زَوَّجْتُ بِنْتِي فُلانَاً، فَيَقُولُ وَكِيلُهُ: قَبِلْتُ نِكَاحَهَا لَهُ
ــ
وعلى المذهب: يستثنى ما لو لم يكن لها ولي سوى الحاكم فأمر رجلا بتزويجها قبل استئذانها .. فالأصح صحته؛ بناء على أن استنابته في شغل معين استخلاف، وهو الأصح.
فرع:
قالت: أذنت لك في تزويجي ولا تزوجني بنفسك .. قال الإمام: قال الأصحاب: لا يصح هذا الإذن؛ لأنها منعت الولي وجعلت التفويض للأجنبي، فأشبه الإذن للأجنبي ابتداء.
قال: (وليقل وكيل الولي: زوجتك بنت فلان) مقصوده: بيان لفظ الوكيل في عقد النكاح، فإذا كان يزوج وكيل الولي من الخاطب فيقول: زوجت بنت فلان منك .. فيصح؛ لحصول الغرض المقصود، ولا يحتاج إلى تصريح بوكالة ولا بإشهاد، لكن يشترط- كما قال المتولي- علم الزوج بالوكالة، فإن لم يعلم .. اشترط التصريح بها.
وأفاد بقوله: (بنت فلان) جواز الاقتصار على الاسم، وقال الجرجاني: لا بد من ذكر صفتها والرفع في نسبها إلى أن ينفي الاشتراك.
قال: (وليقل الولي لوكيل الزوج: زوجت بنتي فلان) يعني موكله (فيقول وكيله: قبلت نكاحها له) فلو لم يقل له .. فعلى الوجهين المذكورين فيما إذا قال
стр. 3152
وَيَلْزَمُ الْمُجْبِرَ تَزْوِيجُ مَجْنُونَةٍ بَالِغَةٍ وَمَجْنُونٍ ظَهَرَتْ حَاجَتُهُ،
ــ
الزوج: قبلت، ولم يقل: نكاحها ولا تزويجها.
ولو قال: زوجت بنتي منك، فقال: قبلت نكاحها لفلان .. لم ينعقد، وإن قال: قبلت نكاحها .. وقع العقد للوكيل، ولم ينصرف إلى الموكل بالنية.
وأفهم قوله: (فيقول) أنه لا يجوز تقديمه على إيجاب الولي، والمعروف جوازه كما تقدم.
وإذا جرى النكاح بين وكيلين فقال وكيل الولي: زوجت فلانة فلانا، فقال وكيل الزوج: قبلت نكاحها لفلان .. صح.
وفي البيع: يجوز أن يقول البائع لوكيل المشتري: بعتك، ويقول الوكيل: اشتريت، وينوي موكله فيقع العقد للموكل وإن لم يسمه، وفرقوا بينهما بوجهين:
أحدهما: أن الزوجين كالثمن والمثمن ولا بد من تسميتهما.
والثاني: أن البيع يرد على المال وهو قابل للنقل من شخص إلى شخص، والنكاح يرد على البضع وهو لا يقبل النقل، ولهذا لو قبل النكاح بوكالة لزيد فأنكرها زيد .. لم يصح العقد، ولو اشترى لزيد بوكالة فأنكرها .. صح الشراء للوكيل.
قال: (ويلزم المجبر تزويج مجنونة بالغة ومجنون ظهرت حاجته).
أما المجنونة .. فحاجتها اكتساب المهر والنفقة، وقد يكون جنونها لشدة الشبق، وحاجة المجنون تظهر بأمارات التوقان، أو توقع الشفاء بقول عدلين من الأطباء، أو
стр. 3153
لَا صَغِيرَةِ وَصَغِيرٍ. وَيَلْزَمُ الْمُجْبِرَ وَغَيْرَهُ إِنْ تَعَيَّنَ إِجَابَةُ مُلْتَمِسَةِ التَّزْوِيجِ،
ــ
عدم متعهد محرم إن زاد ثمن أمة ومؤنتها على مؤن النكاح، نص عليه، واستشكله الرافعي بأن الزوجة لا يلزمها خدمته، فربما تمتنع أو لا تفي إن وعدت.
ولا يقبل قوله في الحاجة من غير ظهور أمارة، وكان ينبغي للمصنف أن يقول: حاجتهما؛ فإنه لا فرق بينهما.
وفي المجنون وجه: أن توقع الشفاء لا يكفي.
واشتراط المصنف البلوغ في المجنونة إنما ذكره لأنه محل الحاجة، ولم يذكره في المجنون اكتفاء بما قبله وما بعده في الدلالة عليه.
قال: (لا صغيرة ولا صغير) فلا يجب تزويجها؛ لعدم الحاجة إليه في الحال، فلو ظهرت الغبطة في تزويجهما .. ففي الوجوب احتمال للإمام، كما إذا طلب ماله بزيادة .. يجب البيع، والوجوب في الصغير أبعد؛ للزوم المؤن.
والمراد ب (الصغيرة): البكر الصغيرة؛ فإن الثيب لا تزوج.
قال: (ويلزم المجبر وغيره إن تعين) كأخ واحد أو عم واحد (إجابة ملتمسة التزويج) كالقضاء وأداة الشهادة، وقيل: لا يلزم المجبر؛ لأن المجبر لا يجبر، والصحيح الأول، واستشكله الحنفية علينا فقالوا: لو كانت البكر مجبرة للأب ما ملكت جبره.
وأجاب الأصحاب بأن الغرض في النكاح إعفافها، فإذا أعربت عن حاجتها .. وجب على الناظر في أمرها رعاية مصلحتها، وإنما يكون ذلك بعد بلوغها، وكذلك
стр. 3154
فَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ كَإِخْوَةٍ وَسَأَلَتْ بَعْضَهُمْ .. لَزِمَهُ الإِجَابَةُ فِي الْأَصَحِّ
ــ
المعصر في وجه، وإنما يلزمه إذا عينت كفءا وطلبت التزويج منه كما أفهمه كلام الرافعي.
قال: (فإن لم يتعين كإخوة وسألت بعضهم .. لزمه الإجابة في الأصح)؛ لئلا يتواكلوا فيتعطل الحق، وهما كالوجهين في الشهود إذا كانوا في واقعة وطلب من اثنين منهم الأداء، فإذا امتنع الجميع .. زوج السلطان بالعضل.
وعلى الأصح: يأثم المسئول وحده، وعلى مقابله: يأثم الجميع كفرض الكفاية، وقيل: لا إثم؛ لحصول المقصود بالسلطان.
فرع:
إذا قبل الأب للصغير أو المجنون نكاحا بصداق من مال الابن، فإن كان عينا .. فذاك، ولا تعلق له بالأب، وإن كان دينا .. فالقديم: أن الأب ضامن للمهر بالعقد، والجديد: لا يكون ضامنا إلا أن يضمن صريحا، كما إذا اشترى لطفله شيئا .. فإن الثمن عليه لا على الأب.
وإذا قلنا بالجديد فتبرع الأب بالأداء .. لم يرجع، وكذا لو ضمن صريحا وغرم، فقصد الرجوع هنا ينزل منزلة إذن المضمون عنه، فإن ضمن على قصد الرجوع وعزم على قصد الرجوع .. يرجع، وإلا .. فعلى الخلاف فيما إذا ضمن بغير إذن، وأدى بغير إذن.
وإذا قلنا بالقديم فغرم .. قال الشيخ أبو علي: لا يرجع به على الابن، كما لا ترجع العاقلة على الجاني، ويحكى مثله عن القاضي حسين، واعترضه الإمام بأن الأب نصب للتصرف ورعاية المصلحة للابن فكيف يكون طريقا للضمان وليس كذلك العاقلة؟!.
ولو شرط الأب أن لا يكون ضامنا .. فعن القاضي أنه يبطل العقد على القديم،
стр. 3155
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال الإمام: وهذا وهم من الآخذين عنه؛ فإن النكاح لا يفسد بمثل ذلك، ولعله قال: يبطل الشرط ويلزم الضمان.
فرعان- ذكرا هنا استطردًا؛ لتعلقهما بالنظر والمصلحة-:
أحدهما: يجب على الولي حفظ مال الطفل وصونه عن أساب التلف، قال الإمام والغزالي والرافعي: وعليه استنماؤه بما يصونه عن ذهابه في النفقة والزكاة ومؤن حفظه إن أمكن ذلك، وقال العراقيون: إن ذلك مستحب.
قال الشيخ: وغالب الاستنماء بأحد شيئين:
إما معاملة بحيلة، وفيها شبهة ينبغي للولي أن لا يفعلها؛ لأن رعاية مصلحة الصبي في الآخرة أولى من رعاية مصلحته في الدنيا، ومن مصلحته في الآخرة إطعامه الحلال الخالص عن الشبهة.
الطريق الثاني: شراء ما فيه ربح، وهو جيد لكنه كثيرًا ما يكسد، فإن فرض طريق خال عن الضرر الأخروي والدنيوي .. وجب أو استحب، وإلا .. فالواجب الحفظ.
قال الأصحاب: ولا تلزمه المبالغة في الاستنماء، والنهاية فيه بحيث يكد نفسه، وينبغي أن يحرص على معاملة من ماله حلال موثوق به مأمون، ويراعي المصلحة والغبطة في البيع له والشراء.
الثاني: إذا تضجر الأب بحفظ مال الطفل والتصرف فيه .. رفع الأمر إلى القاضي لينصب قيمًا بأجرة، وله أن ينصب بنفسه، ذكره الإمام.
ولو طلب من القاضي أن يثبت له أجرة على عمله .. فالذي يوافق كلام الجمهور: أنه لا يجيبه إليه غنيًا أو فقيرًا، إلا أنه إذا كان فقيرًا ينقطع عن كسبه .. فله أن يأكل منه بالمعروف كما سبق في (الحجر).
وللإمام احتمال قطع به الغزالي: أنه يفرض له أجرة، وعلى هذا: لابد من تقرير القاضي، وليس له الاستقلال به، هذا إذا لم يكن هناك متبرع بالحفظ والعمل، فإن وجد متبرع وطلب الأب الأجرة .. فوجهان:
стр. 3156
وَإِذَا اجْتَمَعَ أَوْلِيَاءُ فِي دَرَجَةٍ .. اسْتُحِبَّ أَن يُزَوِّجَهَا أَفْقَهُهُمْ وَأَسَنُّهُمْ بِرِضَاهُمْ، ..
ــ
أصحهما: أنه لا يثبتها له.
والثاني: يثبتها؛ لزيادة شفقته كما تقدم الأم في الرضاع في قول على المتبرعة.
قال: (وإذا اجتمع أولياء في درجة) والحال أنها أذنت لكل منهم منفردًا، أو قالت: أذنت في فلان فمن شاء منكم فليزوجني منه.
قال: (.. استحب أن يزوجها أفقههم)؛ لأنه أعلم بشرائط العقد، والمراد: الأفقه في هذا الباب.
قال: (وأسنهم)؛ لأنه أخبر بالأمور لكثرة تجاربه، وفي الحديث: (كبر كبر) وجعل في (الشرح) و (الروضة) الورع بينهما، فيندب أن يعقد الأفقه ثم الأورع ثم الأسن برضا الباقين.
قال: (برضاهم)؛ لتجتمع الآراء، ولئلا يتأذى بعضهم باستئثار بعض.
ومن قوله: (برضاهم) يعلم أنه غير شرط، فلو زوجها غير الأفضل برضاها .. صح، ولا اعتراض لهم إذا زوجها بكفء، فإن كان بغير كفء .. لم يجز حتى يجتمعوا، فلو أذنت لواحد .. لم يزوج غيره، ولو قالت: زوجوني .. اشترط اجتماعهم في الأصح.
ولو قالت: رضيت بفلان زوجًا أو رضيت أن أزوج .. فوجهان:
أحدهما: ليس لأحد تزويجها؛ لأنها لم تأذن لجمعيهم إذنًا عامًا، ولا خاطبت واحدًا، فصار كقولها: رضيت أن يباع مالي.
وأصحهما: يصح، ولكل واحد تزويجها؛ لأنهم متعينون شرعًا، والشرط رضاها وقد وجد.
والذي قاله المصنف مفروض في النسب، فلو كانوا معتقين .. اشترط اجتماعهم على العقد، أو يوكلوا فيه واحدًا، فإذا عضل أحد المعتقين أو غاب أو مات ولم يترك عصبة .. زوج الحاكم والمعتق الثاني، فإن انفرد الحاكم دون المعتق أو المعتق دون
стр. 3157
فَإِنْ تَشَاحُّوا .. أُقْرِعَ، فَلَوْ زَوَّجَ غَيْرُ مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ وَقَدْ أَذِنَتْ لِكُلٍّ مِنْهُمْ .. صَحَّ فِي الأَصَحْ. وَلَوْ زَوَّجَهَا أَحَدُهُمْ زَيْدًا وَالآخَرُ عَمْرًا؛ فَإِنْ عُرِفَ السَّابِقُ .. فَهُوَ الصَّحِيحُ،
ــ
الحاكم .. كان باطلاً؛ لأنه ليس لأحدهما إلا نصف الولاء، وعصبة المعتق كالأقارب اجتماعًا وانفردًا.
قال: (فإن تشاحوا .. أقرع)؛ قطعًا للمنازعة، ولا تنتقل الولاية للسلطان.
وأما قوله ﷺ : (فإن تشاجروا .. فالسلطان ولي من لا ولي له) .. فالمراد منه: إذا قال كل منهم للآخر زوجها أنت، فيصيروا جميعًا عاضلين، وههنا تنازع في التزويج لا تشاجر.
كل هذا إذا اتحد الخاطب، فإن تعدد ورغب كل في زوج .. فالتزويج ممن ترضاه المرأة، فإن رضيتهما وتنازعوا في أحدهما .. أمر الحاكم بالتزويج من أصلحهما، كذا قاله البغوي، وجزم به في (الشرح الصغير)، لكن في (الحاوي) و (البحر) و (التتمة): أنهما عاضلان ويزوج السلطان وهو الذي يتولى القرعة بين الأولياء في التنازع، صرح به ابن كج، وقال ابن داوود: السلطان، فإن أقرع غيره جاز.
قال: (فلو زوج غير من خرجت قرعته وقد أذنت لكل منهم .. صح في الأصح)؛ لأن القرعة لا تسلب ولاية البعض، إنما تقطع المنازعة.
والثاني: لا يصح؛ لتظهر فائدة القرعة، وإلا .. كانت عبثًا، هذا إذا زوج بعد القرعة، فإن زوج قبلها .. صح قطعًا بلا كراهة، قاله في (الذخائر).
واحترز بقوله: (وأذنت لكل منهم) عما إذا أذنت لأحدهم فزوج الآخر .. فإنه لا يصح قطعًا، وكذا لو أذنت للجميع على وجه الإجمال كما تقدم.
قال: (ولو زوجها أحدهم زيدًا والآخر عمرًا؛ فإن عرف السابق .. فهو الصحيح)
стр. 3158
وَإِنْ وَقَعَا مَعًا أَوْ جُهِلَ السَّبْقُ وَالْمَعِيَّةُ .. فَبَاطِلاَنِ، وَكَذَا لَوْ عُرِفَ سَبْقُ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَى الْمَذْهَبِ
ــ
فيكون الثاني باطلاً دخل بها أم لا؛ لقوله ﷺ : (أيما امرأة زوجها وليان .. فهي للأسبق منهما، وأيما رجل باع بيعًا من رجلين .. فهو للأول منهما) رواه الأربعة والحاكم وقال على شرط البخاري، وبهذا قال أكثر العلماء.
وقال مالك: إن وجد نكاح الثاني قبل العلم بالأول واتصل بالدخول .. فهي له؛ لما روي: أن موسى بن طلحة زوج أخته يزيد بن معاوية بالشام، وزوجها أخوها يعقوب بن طلحة بالحسن بن علي بالمدينة، فدخل بها الحسن - وهو الثاني من الزوجين - ولم يعلم بما تقدم من نكاح يزيد .. فقضى معاوية بنكاحها للحسن بعد أن اجتمع معه فقهاء المدينة فصار حجة على من سواهم.
وأجاب الأصحاب بعموم ما تقدم، وبأنه يجوز أن يكون معاوية استنزل يزيد عن نكاحه واستأنف عقدًا للحسن عليها، وبما روى البيهقي عن علي بن أبي طالب: أنه قضى في مثل ذلك بأنها للزوج الأول.
هذا كله إذا كان كل واحد من الزوجين كفءًا، فإن لم يكونا مكافئين لها .. فلا نكاح، وإن كان أحدهما غير كفء .. فنكاح الكفء هو الصحيح وإن تأخر، نص عليه، وهو محمول على ما إذا لم يسقطوا الكفاءة.
قال: (وإن وقعا معًا أو جهل السبق والمعية .. فباطلان) أما الأولى .. فلا إشكال فيها كما لو نكح أختين في عقد واحد، وأما الثانية فلأنهما إن وقعا معًا .. تدافعا، أو مرتبًا .. فلا اطلاع على السابق منهما، وأحكام الشرع إنما تترتب على ما علمت أسبابه.
قال: (وكذل لو عرف سبق أحدهما ولم يتعين على المذهب) فيبطلان؛ لتعذر
стр. 3159
وَلَوْ سَبَقَ مُعَيَّنٌ ثُمَّ اشْتَبَهَ .. وَجَبَ التَّوَقُّفُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ،
ــ
الإمضاء، وقيل: قولان: ثانيهما: التوقف كما في الحالة التي بعدها، فليس لأحدهما الاستمتاع بها، ولا لثالث نكاحها إلا أن يطلقاها أو يموتا، أو يطلقها أحدهما ويموت الآخر وتنقضي عدتها من آخرهما موتًا أو طلاقًا.
وإذا قلنا بالبطلان .. ففي الانفساخ باطنًا وجهان، قال في (الروضة): ينبغي أن يقال: إن فسخ الحاكم .. نفذ باطنًا، وإلا .. فلا.
قال: (ولو سبق معين ثم اشتبه .. وجب التوقف حتى يتبين)؛ لجواز التذكر، لأنا تحققنا صحة العقد، والهجوم على رفعه أو الحكم بارتفاعه لا معنى له، ولا يبالى بضررها طول عمرها، كزوجة المفقود والتي انقطع دمها بمرض؛ فإنها تصبر إلى سن اليأس مع الضرر.
وإذا مات أحد الزوجين .. وقفنا من تركته ميراث زوجة، ولو ماتت هي .. وقفنا ميراث زوج بينهما حتى يصطلحا أو يتبين الحال.
وفي النفقة حال التوقف وجهان:
أصحهما عند الإمام: أنه لا يطالب واحد منهما بها؛ لتعذر الاستمتاع.
والثاني - وبه أجاب ابن كج -: توزع عليهما بحسب حالهما، على الموسر نصف نفقة الموسرين، والمعسر نصف نفقة المعسرين، فإذا ظهر السبق لأحدهما .. رجع عليه الآخر بما أنفقه بإذن الحاكم، ويظهر أن يرجع عليها وهي ترجع على الزوج بتمام نفقتها عليه، والمسألة تقدم نظيرها في آخر (اللقيط)، وتأتي في (العدد) أيضًا.
стр. 3160
فَإِنِ ادَّعَى كُلُّ زَوْجٍ عِلْمَهَا بِسَبْقِهِ .. سُمِعَتْ دَعْوَاهُمَا بِنَاءً عَلَى الْجَدِيدِ - وَهُوَ قَبُولُ إِقْرَارِهَا بِالنُكَاحِ - فَإِنْ أَنْكَرَتْ .. حُلِّفَتْ،
ــ
قال: (فإن ادعى كل زوج علمها بسبقه) أي: بسبق نكاحه (.. سمعت دعواهما بناء على الجديد وهو: قبول إقرارها بالنكاح)؛ لئلا يتعطل حقاهما، فإن لم يقبل إقرارها .. فلا تسمع؛ إذ لا فائدة لذلك.
قال: (فإن أنكرت .. حلفت) أنها لا تعلم السابق منهما، وتحلف يمينين عند البغوي، قال الشيخ: وهو الأصح، سواء حضرا وادعيا دفعة واحدة أو مرتين، وقال القفال والإمام والغزالي وغيرهم: إن حضرا .. كفت يمين واحدة، لكن اعتبر الإمام رضاهما بها، وستأتي الإشارة إلى هذا في (الدعاوى).
فإن كانت خرساء أو معتوهة أو صبية، أو خرست بعد التزويج فأقرت بالإشارة بسبق نكاح أحدهما .. لزمها الإقرار ولا يمين عليها، ويفسخ النكاح على المنصوص.
стр. 3161
وَإِنْ أَقَرَّتْ لأَحَدِهِمَا .. ثَبَتَ نِكَاحُهُ. وَسَمَاعُ دَعْوَى الآخَرِ وَتَحْلِيفُهَا لَهُ يَنْبَنِي عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيمَنْ قَالَ: هَذَا لِزَيْدِ بَلْ لِعَمْرِو، هَلْ يَغْرَمُ لِعَمْرِو؟ إِنْ قُلْنَا: نَعَمْ .. فَنَعَمْ
ــ
(وإن أقرت لأحدهما .. ثبت نكاحه)؛ بناء على الجديد، وهو قبول إقرارها بالنكاح كما تقدم.
قال: (وسماع دعوى الآخر وتحليفها له ينبني على القولين فيمن قال: هذا لزيد بل لعمرو، هل يغرم لعمرو؟ إن قلنا: نعم .. فنعم) وإن قلنا: لا .. فقولان؛ بناء على أن يمين المدعي بعد نكول المدعى عليه كالإقرار أو كالبينة، وفيه قولان يأتيان في (الدعاوى) أظهرهما الأول.
فعلى هذا: لا تسمع دعواه، لأن غايته أن تقر أو يحلف هو بعد نكولها، وهو كإقرارها ولا فائدة فيه.
وإذا تركت الأصل المبني عليه واختصرت .. قلت: يندفع النكاحان، أو تسلم للأول أو الثاني؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحها أوسطها، فإن سلمت للأول .. غرمت للثاني كما يغرم شهود الطلاق لو رجعوا، وفيه خلاف مذكور في موضعه.
стр. 3162
وَلَوْ تَولَّى طرَفَيْ عَقْدٍ فِي تَزْوِيجٍ بِنْتٍ ابْنِهِ بِابْنِ ابْنِهِ الآخَرِ .. صَحَّ فِي الأَصَحِّ
ــ
قال: (ولو تولى طرفي عقد في تزويج بنت ابنه بابن ابنه الآخر .. صح في الأصح)؛ لقوة ولايته.
والثاني: لا يصح؛ لأن خطاب الإنسان مع نفسه لا ينتظم، وإنما جوزناه له في البيع لكثرة وقوعه.
وقد روى البيهقي مرفوعًا عن أبي هريرة وموقوفًا على ابن عباس: (أنه لا نكاح إلا بأربعة: خاطب وولي وشاهدين).
فعلى الصحيح: يشترط الإتيان بشقي الإيجاب والقبول على الأصح، وقيل: يكفي أحدهما.
وحكوا في البيع وجهًا: أنه يكتفى بالنية، ولا يأتي هنا؛ لأن الشاهدين لا اطلاع لهما عليها.
وإن منعنا، فإن كانت بالغة .. زوجها السلطان بإذنها، ويقبل الجد للابن، وإن كانت صغيرة .. وجب الصبر إلى أن تبلع فتأذن، أو يبلغ الصغير فيقبل.
وقال المصنف في (نكته) تبعًا لصاحب (البيان): للمسألة ثلاثة شروط:
أن لا يكون أبو الولد من أهل الولاية.
وأن يكون ابن الابن محجورًا عليه إما لصغر أو جنون أو سفه.
وأن تكون بنت الابن بكرًا أو مجنونة.
وشرط ابن معن في (التنقيب) وصاحب (الإستقصاء) أن يقول: وقبلت نكاحها بـ (الواو)، فإن ترك (الواو) .. لم يصح، وينبغي طرده في البيع وغيره.
وإذا قلنا: له إجبار عبده الصغير، وأراد أن يزوجه أمته .. فهو كتولي الجد الطرفين.
стр. 3163
وَلاَ يُزَوِّجُ ابْنُ الْعَمِّ نَفْسَهُ بَلْ يُزَوِّجُهُ ابْنُ عَمٍّ فِي دَرَجَتِهِ، فَإِنْ فُقِدَ .. فَالْقَاضِي. فَلَوْ أَرَادَ الْقَاضِي نِكَاحَ مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهَا .. زَوَّجَهُ مَنْ فَوْقَهُ مِنَ الْوُلاَةِ أَوْ خَلِيفَتُهُ
ــ
قال: (ولا يزوج ابن العم نفسه)؛ لما تقدم في الخبر، ولأن المعنى الذي جوز للجد أن يتولى الطرفين مفقود فيه.
وقيل: يزوج نفسه، وهو قوي إذا نصت في الإذن عليه، ففي (البخاري): أن عبد الرحمن بن عوف قال لأم حكيم بنت قارظ: أتجعلين أمرك إلي؟ قالت: نعم، قال: تزوجتك.
وقد يجاب بأنه فعل صحابي معارض بمثله؛ ففي (سنن أبي داوود) عن عبد الملك بن عمير: أن المغيرة بن شعبة أمر رجلاً أن يزوجه امرأة، والمغيرة أولى بها منه.
قال: (بل يزوجه ابن عم في درجته)؛ لأن الحق لهما فامتنع الزوج بقي الآخر.
واحترز عمن لا يساويه في الدرجة كابني عم أحدهما لأبوين والآخر لأب؛ فيزوج الأول بخلاف العكس على المذهب.
قال: (فإن فقد .. فالقاضي)؛ لعموم ولايته.
وقيل: تنتقل الولاية للأبعد، فلا يزوجه القاضي.
قال: (فلو أراد القاضي نكاح من لا ولي لها .. زوجه من فوقه من الولاة) وكذا من هو مثله في بلده أو غيرها؛ لأن كل حاكم هي في بلده له أن يزوجها.
قال: (أو خليفته)؛ لأن حكمه نافذ عليها، كذا جزم به الأصحاب، وحاول ابن الرفعة تخريج وجه فيه إذا قلنا: ينعزل بموته.
стр. 3164
وَكَمَا لاَ يَجُوزُ لِوَاحِدٍ تَوَلِّي الَطَّرَفَيْنِ .. لاَ يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ وَكِيلاً فِي أَحَدِهِمَا، أَوْ وَكِيلَيْنِ فِيهِمَا فِي الأَصَحِّ
ــ
وفي وجه بعيد: أن القاضي يزوج نفسه، ويقال: إن أبا يحيي البلخي ذهب إليه، وإنه حين كان قاضيًا بدمشق تزوج امرأة ولي أمرها من نفسه قال الشيخ: وهذا من غرائبه، ولا يعجبني فعل ذلك لو اعتقده الشخص؛ لأن الاعتقاد يعذر فيه بحسب الدليل، والاحتياط في العمل مطلوب، والخروج من الخلاف في ذلك سهل، ولذلك قال العبادي في (طبقاته): قال أبو سهل الصعلوكي: رأيت ولد يحيي البلخي من هذه المرأة يكدي بالشام.
وفي الإمام الأعظم وجهان معروفان:
أحدهما: أن له أن يتولى الطرفين؛ لأنه ليس فوقه من يزوجها.
وأصحهما: المنع، فيزوجها القاضي منه بالولاية كما يزوج خليفة القاضي من القاضي.
ولو أراد أحد هؤلاء تزويجها من ابنه الصغير .. فهو كتزويجها من نفسه.
وحيث جوزنا لأحدهم التزويج من نفسه .. فذلك إذا سمته في إذنها، فأما إذا أطلقت الإذن وجوزناه .. ففيه وجهان حكاهما الحناطي.
قال: (وكما لا يجوز لواحد تولي الطرفين .. لا يجوز أن يوكل وكيلاً في أحدهما، أو وكيلين فيهما في الأصح)؛ لأن فعل الوكيل كفعل الموكل.
والثاني: يجوز؛ لوجود العدد، ومنهم من قال: يجوز للجد دون غيره.
تتمة:
قالت لابن عمها أو معتقها: زوجني، أو زوجني ممن شئت .. ليس للقاضي
стр. 3165
فَصْلٌ:
زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ غَيْرَ كُفْءٍ بِرِضَاهَا، أَوْ بَعْضُ الأَوْلِيَاءِ الْمُسْتَوِينَ بِرِضَاهَا وَرِضَا الْبَاقِينَ .. صَحَّ
ــ
تزويجه بها بهذا الإذن؛ لأن المفهوم منه التزويج بأجنبي.
وإن قالت: زوجني من نفسك .. حكى البغوي عن بعض الأصحاب أنه يجوز للقاضي تزويجه إياها، قال: وعندي لا يجوز؛ لأنها إنما أذنت له لا للقاضي.
قال المصنف: الصواب الجواز؛ لأن معناه: فوض إلى من يزوجك إياي.
قال: (فصل:
زوجها الولي غير كفء برضاها: أو بعض الأولياء المستوين برضاها ورضا الباقين .. صح)؛ لأن الكفاءة حق لها وللأولياء وقد رضوا بتركها، وليست بشرط في الصحة.
واحتج له في (الأم) بأن النبي ﷺ أمر فاطمة بنت قيس - وهي قرشية - أن تنكح أسامة بن زيد، وزوج أباه بنت عمته زينب بنت جحش.
стр. 3166
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفي (الصحيحين): أن أبا حذيفة زوج مولاه سالمًا بابنة أخيه، وأن المقداد بن الأسود الكندي تزوج ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب.
وفي (سنن الدارقطني): أن هالة أخت عبد الرحمن بن عوف كانت تحت بلال ﵃، وزوج أبو بكر أخته أم فروة بنت أبي قحافة الأشعث بن قيس، وهي تيمية قرشية والأشعث كندي، وليست كندة أكفاء لقريش، ولأن النبي ﷺ زوج بناته من غيره ولا أحد يكافئه، إلا أن يقال: إن ذلك جائز للضرورة لأجل نسلهن، كما جاز لآدم ﵊ تزويج بناته من بنيه.
وأطلق المتولي كراهة تزويجها من غير كفء وقال ابن عبد السلام: يكره أن يزوجها من فاسق برضاها كراهة شديدة، إلا أن يخاف من فاحشة أو ريبة.
وشمل قوله: (برضاها) إذا كانت مجبرة وسكتت وهو المذهب، وسواء في ذلك الرشيدة والسفيهة، فإذا رضيت بغير كفء .. صح؛ فإنه لم يحجر عليها إلا في المال خاصة، فلا يظهر لسفهها أثر ههنا كما صرح به في (الوسيط) في (فصل نكاح السفيه)، وكان بعض القضاة يتوقف فيه، ولا وجه لتوقفه.
فائدة:
كان زيد بن حارثة كلبيًا قضاعيًا، سبي وهو صغير، فابتاعه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فوهبته للنبي ﷺ لما تزوج بها فأنعم عليه ﷺ بالعتق، كما أنعم الله عليه يالإسلام، ثم زوجه بركة أم أيمن، فولدت له أسامة، ثم زوجه زينب بنت جحش بنت عمته، ثم طلقها فتزوجها النبي ﷺ ؛ ليعلم الناس انقطاع التبني المشار إليه بقوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لآَبَائِهِمْ﴾، ثم جبره الله تعالى بذكره في القرآن دون غيره من الصحابة.
وروى أبو جعفر الطحاوي عن عائشة ﵂: أن النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 3167
وَلَوْ زَوَّجَهَا الأَقْرَبْ بِرِضَاهَا .. فَلَيْسَ لِلأَبْعَدِ اعْتِرَاضٌ. وَلَوْ زَوَّجَهَا أَحَدُهُمْ بِهِ بِرِضَاهَا دُونَ رِضَاهُمْ .. لَمْ يَصِحُّ، وَفِي قَوْلٍ: يَصِحُّ وَلَهُمُ الْفَسْخُ
ــ
أمر زيدًا أن ينطلق إلى مكة ويأتي بابنته زينب وهي أكبر بناته، وأعطاه خاتمه، فجاء زيد إلى راعي غنم كان لها فأعطاه الخاتم، فلما رأته عرفته، فلما كان الليل خرجت مهاجرة فعرض لها هبار بن الأسود ﵁ وكان يومئذ مشركًا - فضرب هودجها ونخس الراحلة، وكانت حاملاً فأسقطت ولم تزل تهراق الدماء إلى أن ماتت بعد أعوام، فأردفها زيد وراءه إلى أن أتت المدينة.
وأجاب الطحاوي بأن زيدًا حينئذ كان أخًا لها بحكم التبني؛ لأن ذلك كان قبل نزول (سورة الأحزاب).
واستفيد من قصة زيد أيضًا ثبوت الرق على العرب، خلافًا لأبي حنيفة ومن وافقه.
قال: (ولو زوجها الأقرب برضاها .. فليس للأبعد اعتراض)؛ لأنه محجوب عن الولاية، والمراد: إذا كان الأقرب بصفة الولاية، فإن لم يكن كما إذا كان الأب فاسقًا .. فالجد العدل هو الولي، والأب كالعدم.
قال: (ولو زوجها أحدهم به برضاها دون رضاهم .. لم يصح)؛ لأنهم أصحاب حقوق في الكفاءة فاعتبر إذنهم كإذن المرأة، وهذا منصوص (الأم) و (المختصر).
قال: (وفي قول: يصح ولهم الفسخ) نص عليه في (الإملاء)، ومنهم من قطع به؛ لأنها تزوجت بولي مرشد، وتضرر الباقين يقتضي الخيار كما لو اشترى معيبًا.
ورأى الماوردي طريقة ثالثة وهي: أن العاقد إن كان عالمًا بأن الزوج غير كفء .. بطل، وإن لم يعلم إلا بعد العقد .. ثبت الخيار، فحمل النصين على حالين.
стр. 3168
وَيَجْرِي الْقَوْلاَنِ فِي تَزْوِيجِ الأَبِ بِكْرًا صَغِيرَةً أَوْ بَالِغَةً غَيْرَ كُفْءٍ بِغَيْرِ رِضَاهَا .. فَفِي الأَظْهَرِ بَاطِلً، وَفِي الآخَرِ يَصِحُّ وَلِلْبَالِغَةِ الْخِيَارُ، وَلِلصَّغيرَةِ إِذَا بَلَغَتْ. وَلَوْ طَلَبَتْ مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا السُّلْطَانُ بِغَيْرِ كُفْءٍ فَفَعَلَ .. لَمْ يَصِحَّ فِي الأَصَحِّ
ــ
وعند أبي حنيفة يلزم النكاح ولا اعتراض للآخرين، فخالف القولين جميعًا.
قال: (ويجري القولان في تزويج الأب بكرًا صغيرة أو بالغة غير كفء بغير رضاها) هذه طريقة الجمهور، وفيه طريقة أخرى قاطعة بالبطلان، وطريقة أخرى تنزل القولين على الحالين المتقدمين: إن علم الولي عدم الكفاءة .. فالنكاح باطل، وإلا .. فصحيح.
قال: (.. ففي الأظهر باطل)؛ لعدم الغبطة والمصلحة.
قال: (وفي الآخر يصح وللبالغة الخيار)؛ لأن الحق لها فتختار إذا علمت.
قال: (وللصغيرة إذا بلغت)؛ لأنه حق ثبت لها في الصغر فاستمر إلى البلوغ كثبوت حق القصاص.
وحكى الإمام وجهًا: أنها لا تتخير، وعليها الرضا بعقد الأب، وهذا في تزويج المجبر، أما غيره .. فلا يزوج إلا بإذن.
قال: (ولو طلبت من لا ولي لها أن يزوجها السلطان بغير كفء ففعل .. لم يصح في الأصح)؛ لأنه كالنائب عن أولياء النسب فلا يترك الحظ لهم، وإلى هذا ذهب الأكثرون.
والثاني: يصح؛ إذ لا يلحقهم عار بذلك، وإلى هذا ذهب الشيخ أبو محمد والإمام والغزالي والعبادي والقاضي شريح الروياني والزبيلي في (أدب القضاء) وغيرهم، وقال في (الذخائر): إنه المذهب؛ لأن الحق لا يعدوها، واستدل له
стр. 3169
وَخِصَالُ الْكَفَاءَةِ: سَلاَمَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ الْمُثْبِتَةِ لِلْخِيَارِ
ــ
بحديث فاطمة بنت قيس؛ فإنها لم يكن لها ولي غيره ﷺ .
ورد هذا الاستدلال بأنه ليس في الحديث أنه ﵊ زوجها بولاية خاصة ولا ولاية عامة، بل أشار عليها، ولا يدرى من زوجها فوقفت الدلالة منه لذلك.
وأفتى ابن الرفعة بأن المرأة إذا كانت تتضرر من عدم تزويجها بغير الكفء بأن قل الراغب فيها من الأكفاء أن الحاكم يزوجها من غير كفء، وإلا .. فلا.
تنبيه:
مراد المصنف من لا ولي لها أصلاً، أما التي لها ولي خاص .. فلا تزوج إلا من كفء قطعًا؛ لأنه نائب عنه في التصرف كما اقتضاه كلام الهروي في (الإشراف)، وصرح به غيره، ونقله في (الإستقصاء) عن (الإيضاح) للصيمري مقتصرًا عليه، وبه أجاب ابن الصلاح في (فتاويه)؛ لأن حق الغائب في الكفاءة وولايته باقيان، فلا يصح ذلك مع عدم إذنه.
قال: (وخصال الكفاءة: سلامة من العيوب المثبتة للخيار)؛ لما قرر أن الكفاءة معتبرة شرع في بيانها.
وهي في اللغة: التساوي والتعادل، يقال: فلان كفء فلان؛ أي: نظيره.
стр. 3170
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفي الشرع: ما يوجب عدمه عارًا، واستنبطها الشافعي ﵁ من حديث بريرة.
وخصالها المرعية خمس متفق عليها، أشار إليها الشيخ سراج الدين الأرمنتي بقوله [من الرجز]:
شرط الكفاءة ستة قد حررت .... ينبيك عنها بيت شعر مفرد
نسب ودين صنعة حرية .... فقد العيوب وفي اليسار تردد
فأول خصالها: التنقي من العيوب المثبتة للخيار؛ لأن النفس تعاف من به تلك العيوب، ويختل بها مقصود النكاح.
واستثنى البغوي منها التعنين، وقال: لا يتحقق فلا نظر إليه.
وفي (تعليق الشيخ أبي حامد) وغيره التسوية بين التعنين وغيره، قال الرافعي: وإطلاق الجمهور يوافقه، وصوب في (المهمات) مقاله البغوي؛ فإن الرجل قد يعن عن امرأة دون امرأة، وفي نكاح دون نكاح وإن كانت المرأة واحدة على الأصح.
وكلام الشيخ أبي حامد مخرج على الضعيف وهو الاكتفاء بما سبق في العنة، فمن به عيب .. ليس كفءًا لسليمة منه، وكذا لو اختلف عيباهما إلا أن يكون مجبوبًا – بالباء - وهي رتقاء .. فكالجنس الواحد.
قال الشيخ تبعًا لشيخه ابن الرفعة: والذي أطلقه المصنف وغيره من السلامة من العيوب المثبتة للخيار هو بالنسبة إلى المرأة؛ لأن لها حظًا في جميع ذلك، أما الولي إذا كان غائبًا مثلاً ورضيت المرأة .. فلا ينبغي أن يطلق القول بأن السلامة من العيوب معتبرة في حقه؛ لأن المشهور أنها لو أرادت أن تتزوج بمجبوب أو عنين .. لم يكن له مع حضوره منعها، ولو أرادت أن تتزوج بمجنون .. كان له المنع، فينبغي أن تكون حالة الغيبة كذلك.
وهذه الخصلة إنما تعتبر في الزوجين خاصة دون آبائهما، فابن الأبرص كفء لمن
стр. 3171
وَحُرِّيَّةٌ، فَالرَّقِيقُ لَيْسَ كُفْءًا لِحُرَّةٍ،
ــ
أبوها سليم، ذكره الهروي في آخر (الإشراف).
وزاد القاضي الروياني على العيوب المثبتة للخيار العيوب المنفرة كالعمى والقطع وتشوه الصورة، قال: وهي تمنع الكفاءة عندي، وبه قال بعض الأصحاب واختاره الصيمري.
قال: (وحرية، فالرقيق ليس كفءًا لحرة)؛ لأنها تتعير بكونها تحت عبد، ولهذا خيرت بريرة لما عتقت وزوجها رقيق.
ولا فرق بين أن تكون حرة أصلية أو عتيقة؛ لأن العبد ليس بكفء لهما، وقد وصف النبي ﷺ بأنه أدنى من الحر بقوله: (ويسعى بذمتهم أدناهم).
ومن مسه الرق ثم عتق، أو لم يمسه ولكن مس أحد آبائه .. ليس كفءًا للحرة الأصلية، وكذلك من مس الرق أبًا أقرب في نسبه .. ليس كفءًا لمن مس الرق أبًا أبعد في نسبها.
قال الرافعي: ويشبه أن يكون الرق في الأمهات مؤثرًا، ولذلك تعلق به الولاء، ووافقه ابن الرفعة، وفي كلام الماوردي ما يؤيده، لكن قال في زيادات (الروضة): المفهوم من كلام الأصحاب أنه لا يؤثر كما سيأتي في (النسب)، وبه صرح في (البيان) فقال: من ولدته رقيقة كفء لمن ولدته عربية؛ لأنه يتبع الأب في النسب، ويؤيده ما ذكره الشيخان في (باب الولاء): أنه لا ولاء عليه.
والمدبر والمكاتب وأم الولد كالرقيق، وكذا من بعضه رقيق، وهل العبد كفء للمبعضة؟ فيه وجهان.
стр. 3172
وَالْعَتِيقُ لَيْسَ كُفْءًا لِحُرَّةٍ أَصْلِيَّةٍ
ــ
في (الحاوي): أصحهما على ما حكاه في (الكفاية) عن صاحب (الذخائر): أنه لا يكون كفءًا.
غريبة:
حكى القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ عن أبي عمر بن عبد البر وأبي بكر محمد بن عبد الله بن أحمد العامري البغدادي الحافظ: أن العبد أفضل من الحر، قال: ولعل هذا محمول على عبد أطاع الله وأطاع مولاه، وهو الذي له أجران، فهو أفضل من حر له أجر واحد.
قال: (والعتيق ليس كفءًا لحرة أصلية)؛ لما سبق.
وفي موالي قريش وجه: أنهم أكفاء لقريش، وكذا موالي كل قبيلة بالنسبة إليها، والصحيح المنع.
قال الشيخ: وهذا لم يرد فيه دليل، لا سيما وقد يكون الخاطب أكبر من المرأة بكثير وقد مس الرق أحد آبائه، فالقول بأنه غير كفء لها لا يشهد له عرف ولا دليل، فينبغي التوقف فيه، وقد رأينا في هذا الزمان من يكون مسه الرق أو أحد آبائه وهو ملك أو كبير والمرأة دونه بكثير بحيث تفتخر به وهي حرة الأصل، فمنعه من تزويجها لا يساعده عرف ولا دليل.
وقد نص الشافعي في (البويطي) على أن المعتبر في الكفاءة الدين وحده كما ذهب إليه مالك، وضعفه الأصحاب.
стр. 3173
وَنَسَبٌ، فَالْعَجَمِيُّ لَيْسَ كُفْءَ عَرَبِيَّةٍ،
ــ
ودليله ما رواه الترمذي: أن النبي ﷺ قال: (إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه .. فزوجوه، إلاَّ تفعلوا .. تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) قال: وينبغي لمن أراد العمل بهذا ومخالفة مشهور المذهب أن يراقب الله تعالى ولا يزوج إلا من يرضى دينه وأمانته؛ ليكون تابعًا للحديث.
قال: (ونسب) اتفق الأصحاب على اعتباره؛ لأن العرب تفتخر بأنسابها أتم فخار.
وفي (صحيح مسلم) عن واثلة بن الأسقع: (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم، فأنا خيار من خيار من خيار) فهو ﷺ خلاصة الخلق؛ فإنه ليس في ولد إسماعيل نبي غيره، فهو وحده أفضل من جميع الأنبياء الذين من نسل إبراهيم من غير إسماعيل، وهم خلق كثير، وإبراهيم خلاصة نسل نوح ونوح خلاصة نسل آدم، فهو ﷺ سيد ولد آدم.
وفي (الصحيحين): (الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم)؛ لأنه اجتمع له شرف النبوة والعلم والجمال والعفة وكرم الأخلاق والعدل ورئاسة الدنيا والدين.
وإنما اعتبرت الأنساب؛ لأن الأصل إذا طاب .. طاب فرعه غالبًا كما قال الشيخ قطب الدين القسطلاني رحمه الله تعالى (من الطويل):
إذا طاب أصل المرء طابت فروعه .... ومن عجب جاءت يد الشوك بالورد
وقد يخبث الفرع الذي طاب أصله .... ليظهر حكم الله في العكس والطرد
قال: (فالعجمي ليس كفء عربية)؛ لشرف العربية عليه، لأن الله تعالى
стр. 3174
وَلاَ غَيْرُ قُرَشِيٍّ قُرَشِيَّةً، وَلاَ غَيْرُ هَاشِمِيٍّ وَمُطَّلِبِيٍّ لَهُمَا
ــ
اصطفى العرب على غيرهم، والاعتبار في النسب بالأب، فالذي أبوه عجمي وأمه عربية ليس كفءًا للتي أبوها عربي والأم عجمية.
قال: (ولا غير قرشي قرشية)؛ لفضل قريش على غيرها.
قال: (ولا غير هاشمي ومطلبي لهما)؛ لما تقدم، وبنو هاشم والمطلب أكفاء؛ لقوله ﷺ : (نحن وبنو المطلب شيء واحد) رواه البخاري.
وقيل: إن قريشًا بعضهم لبعض أكفاء كما أنهم يستوون في أهلية الإمامة، وبه قال أبو حنيفة.
والجواب: أن اعتبار النسب في الكفاءة أضيق من اعتباره في الإمامة العظمى، ولهذا سووا بين قريش في الإمامة ولم يسووا بينها في الكفاءة.
وقد جزم الرافعي والمصنف في الإمامة العظمى بأنه إذا لم يوجد قرشي مستجمع الشروط .. نصب كناني، فإن لم يكن .. فرجل من ولد إسماعيل، فإن تعذر .. انتقلنا إلى العجم.
ويستثنى من إطلاق المصنف وغيره إذا تزوج هاشمي أمة بشروطه فأولدها بنتًا .. فهي هاشمية رقيقة.
وقد جزم الشيخان بأن للسيد أن يزوج أمته برقيق ودنيء النسب، فعلى هذا: يزوج هذه كذلك وهو صعب، لا جرم صوب في (المهمات) مراعاة النسب فيها،
стр. 3175
وَالأَصَحُّ: اعْتِبَارُ النَّسَبِ فِي الْعَجَمِ كَالْعَرَبِ. وَعِفَّةٌ، فَلَيْسَ فَاسِقٌ كُفْءً عَفِيفَةٍ.
ــ
كما صرح به الشيخان حيث قالا: إن الأمة العربية بالحر العجمي على الخلاف في مقابلة بعض الخصال ببعض.
قال: (والأصح: اعتبار النسب في العجم كالعرب)؛ قياسًا عليهم، فعلى هذا: الفرس أفضل من الترك؛ لسابقتهم إلى الإسلام، وبنو إسرائيل أفضل من القبط؛ لسلفهم وكثرة الأنبياء فيهم.
والثاني: لا يعتبر النسب في العجم؛ لأنهم لا يعتنون بحفظ الأنساب ولا يدونونها، وعلى هذا: يستوي الفرس والترك والقبط، وهذا الوجه عليه الجمهور، والرافعي والمصنف تبعا البغوي في ترجيح الأول.
وذكر الإمام: أن شرف النسب يثبت من ثلاث جهات:
إحداها: الانتماء إلى شجرة رسول الله ﷺ ، فلا يعادله شيء، وعليه بنى عمر ﵁ ديوان المرتزقة.
والثانية: الانتماء إلى العلماء؛ فإنهم ورثة الأنبياء صلوات الله تعالى عليهم، وبهم ربط الله تعالى حفظ الملة.
والثالثة: الانتماء إلى أهل الصلاح والتقوى، قال عز اسمه: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَلِحًا﴾ فبين شرف هذا الانتساب، قال: ولا عبرة بالانتساب إلى عظماء الدنيا والظلمة المستولين على الرقاب وإن كان الناس قد يتفاخرون بهم.
وقال في (المهمات): الانتماء إلى عظماء الدنيا معتبر؛ إذ أقل مراتبه أن يكون كالحرفة، وأهل الحرف الشريفة لا يكافئها أهل الحرف الخسيسة.
قال: (وعفة) وهي: الدين والصلاح والكف عما لا يحل ولا يجمل، قال تعالى: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾، وقال: ﴿وَلِيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾، قال ثعلب: معناه: يضبطوا أنفسهم بالصوم.
وفي (البخاري): (من يستعفف يعفه الله).
قال: (فليس فاسق كفء عفيفة)؛ لقوله تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُنَ﴾.
стр. 3176
وَحِرْفَةٌ،
ــ
وفي (سنن أبي داوود) بإسناد حسن: (لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله).
وحكى ابن الصلاح في (طبقاته) عن أبي الحسن الجوري: أن الزاني والزانية لا يصح نكاحهما إلا ممن هو مثلهما، وأن الزنا لو طرأ على أحد الزوجين .. انفسخ النكاح.
وأطلق الأصحاب: أن الفاسق ليس كفء عفيفة، قال في (المهمات): والذي يتوجه عند زيادة الفسق أو اختلاف نوعه عدم الكفاءة.
قال الرافعي: ولا تعتبر الشهرة، فمن لم يشتهر بالصلاح كفء للمشهورة به، وإذا لم يكن الفاسق كفءًا للعفيفة .. فالمبتدع أولى أن لا يكون كفءًا للسنية.
ولا فرق في اعتبار هذا الوصف بين المسلمين والكفار، حتى لا يكون الكافر الفاسق في دينه كفءًا للعفيفة في دينها منهم، قال ابن الرفعة ثم قال: والفسق والعفة يراعيان في الزوجين أنفسهما لا فيمن سلف من آبائهما، بخلاف الحرية؛ فإنها تراعى في النوعين، والفرق مطرد في أصل الدين حتى نقول: من كان أبوه كافرًا كفءً لمن كان أبوها مسلمًا خلافًا لأبي حنيفة؛ لأن فضيلة الدين لا تتعدى إلى الأبناء بخلاف فضيلة النسب. اهـ
لكن في (الروضة): ليس من أسلم بنفسه كفءًا لمن لها أبوان في الإسلام في الأصح، ومن المعلوم: أن الكافر ليس كفءًا للمسلمة، ومن أسلم بنفسه ليس بكفء للتي لها أبوان أو ثلاثة في الإسلام، وقيل: كفء.
وقيل: لا ينظر إلا إلى الأب الأول والثاني، فمن له أبوان في الإسلام كفء لمن لها عشرة آباء فيه؛ لأن الأب الثالث لا يذكر في التعريف فلا يلحق العار بسببه، والأول أصح.
قال: (وحرفة) الحرفة: الصناعة وما يعانيه الإنسان من جهة الكسب؛ لأنه يتحرف إليها.
стр. 3177
فَصَاحِبُ حِرْفَةٍ دَنِيئَةٍ لَيْسَ كُفْءً أَرْفَعَ مِنْهُ؛ فَكَنَّاسٌ وَحَجَّامٌ وَحَارِسٌ وَرَاعٍ وَقَيُمُ الْحَمَّامِ .. لَيْسَ كفْءً بِنْتٍ خَيَّاطٍ، وَلاَ خَيَّاطٌ .. بِنْتَ تَاجِرٍ أَوْ بَزَّازٍ، وَلاَ هُمَا .. بِنْتَ عَالِمٍ وَقَاضٍ
ــ
قالت عائشة: لما استخلف أبو بكر قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤنة أهلي، وقد شغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال، ويحترف للمسلمين فيه.
قال: (فصاحب حرفة دنيئة ليس كفء أرفع منه) استدلوا له بقوله تعالى: ﴿وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ قيل: أراد سبب الرزق، فبعضكم يصل إليه بسهولة وبعضكم بمشقة.
وقيل: لا تعتبر الحرفة حكاه الرافعي في كلامه على ألفاظ (الوجيز)، وحذفه من (الروضة)، واقتضى كلام الصيمري: أنه المذهب.
وضبط الإمام الحرفة الدنيئة بكل ما دلت ملابسته على انحطاط المروءة وسقوط النفس كملابسة القاذورات.
قال: (فكناس وحجام وحارس وراع وقيم الحمام .. ليس كفء بنت خياط، ولا خياط .. بنت تاجر أو بزاز، ولا هما .. بنت عالم وقاض)؛ لأن العرف قاض بذلك، واحتجوا له بما روي أنه ﷺ قال: (العرب أكفاء بعضهم لبعض، قبيلة لقبيلة، وحي لحي، ورجل لرجل، إلا حائك أو حجام) رواه ابن أبي حاتم في (علله) وأبو عمر في (التمهيد)، والبيهقي من طرق كلها ضعيفة باطلة لا يصح منها شيء، إلا أن العرب كانت تعير بمثل ذلك، قال الشاعر (من الرجز):
لست براعي إبل ولا غنم .... ولا بجزار على ظهر وضم
باتوا نيامًا وابن هند لم ينم
стр. 3178
وَالأَصَحُّ: أَنَّ الْيَسَارَ لاَ يُعْتَبَرُ،
ــ
وفي عد الرعي من الحرف الدنيئة إشكال لا يخفى؛ لأنه سنة الأنبياء في ابتداء أمرهم، وقد يقال: لا يلزم من ذلك أن يكون صفة مدح لغيرهم كما أن فقد الكتابة في حق نبينا ﷺ مُعجزة وفي حق غيره مَعْجَزة.
وذكر في (الحلية): أنه تراعى العادة في الحرف والصناعات؛ لأن في بعض البلاد التجارة أولى من الزراعة، وفي بعضها بالعكس.
و (البزاز): بائع البز، وهو الثياب، وقيل: متاع البيت خاصة.
و (التاجر): الجالب من بلد إلى بلد.
قال الشيخان: والحرف الدنيئة في الآباء والاشتهار بالفسق مما يعبر به الولد، فيشبه أن يكون حال من كان أبوه صاحب حرفة دنيئة أو مشهورًا بفسق مع من أبوها عدل كما ذكرنا فيمن أسلم بنفسه مع من أبوها مسلم، والحق: أن يجعل النظر في حق الآباء دينًا وسيرة وحرفة من حيز النسب؛ فإن مفاخر الآباء ومثالبهم هي التي يدور عليها أمر النسب، قالا: وهذا يؤكد اعتبار النسب في العجم، ويقتضي أن لا تطلق الكفاءة بين غير قريش من العرب. اهـ
والأشبه في (المهمات): الاعتبار بحال الزوجين في ذلك كما تقدم في ولد المعيب.
قال: (والأصح: أن اليسار لا يعتبر)؛ لأن المال غاد ورائح ولا يفتخر به إلا أرباب الرعونات، وهو ظل زائل، وحال حائل، ومال مائل، ومما ينسب إلى الشافعي ﵀ (من الكامل):
ومن الدليل على القضاء وكونه .... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
وسئل محمد بن خفيف الزاهد عن علامة رضا الله تعالى عن العبد فقال: إدبار الدنيا عنه.
وقال سفيان بن عيينة: الهم بالدنيا يسود القلب.
стр. 3179
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والثاني: يعتبر اليسار في الكفاءة؛ لقوله ﷺ : (أما معاوية .. فصعلوك لا مال له).
وفي (سنن ابن ماجه) و (الترمذي) و (البيهقي) عن سمرة: أن النبي ﷺ قال: (الحسب المال والكرم التقوى).
وصحح هذا القفال وسليم والفارقي والروياني، وقال القاضي: الناس في زماننا يعدونه من أفضل الخصال وأعظم الفضائل، ولكن عامة الأصحاب لا يعتبرونه.
وتوسط الماوردي فقال: يعتبر في أهل القرى، وفي سكان البوادي وجهان.
وقال ابن أبي الدم: إن كان في العرب .. لم يعتبر، وفي العجم وجهان؛ لأن العرب تتفاخر بالأنساب، والعجم بالأموال.
وإذا اعتبرنا اليسار فوجهان:
أحدهما: أن المعتبر اليسار بقدر المهر والنفقة، فإذا أيسر بهما .. فهو كفء لصاحبة الألوف.
وأصحهما: لا يكفي ذلك، بل الناس أصناف غني وفقير ومتوسط، وكل صنف أكفاء وإن اختلفت المراتب.
وبقيت أمور أخرى اختلف في اعتبارها في الكفاءة:
منها: صحح الروياني أن الشيخ لا يكافئ الشابة، واختاره الشيخ، والأصح: أنهما كفآن، لكن الأولى للشيخ أن لا يتزوج شابة؛ لما روى البيهقي: أن شابة تزوجت شيخًا فقتلته، فرفعت القضية إلى عمر، فنادى الناسَ: (أيها الناس؛ لينكح الرجل لمته من النساء، ولتنكح المرأة لمتها من الرجال) أي: شكله وتربه.
ومنها: قيل: الجاهل لا يكافئ العالمة، والأصح: أنه كفؤها.
ونقل صاحب (البيان) وابن الصلاح عن الصيمري: أن قومًا اعتبروا في الكفاءة البلد، فسكان الجبال ليسوا أكفاء لسكان مكة والمدينة والبصرة والكوفة.
ونقل القاضي أبو بكر بن العربي وغيره عن طاووس: أنه كان لا يحضر نكاح سوداء
стр. 3180
وَأَنَّ بَعْضَ الْخِصَالِ لاَ يُقَابَلُ بِبَعْضٍ. وَلَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُ ابْنِهِ الصَّغِيرِ أَمَةٌ، وَكَذَا مَعِيبَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ،
ــ
بأبيض، ولا بيضاء بأسود ويقول: هذا نهي عنه بقوله تعالى: ﴿فَلَيُغَيرُنَ خَلْقَ اللهِ﴾.
قال القاضي: وهذا وإن كان يحتمله اللفظ فهو مخصوص بما أنفذه النبي ﷺ من نكاح مولاه زيد وكان أبيض بظئره بركة، وكانت سوداء، ثم أنكح أسامة وهو أسود فاطمة بنت قيس وكانت بيضاء، وكانت تحت بلال أخت عبد الرحمن بن عوف الزهرية.
قال: (وأن بعض الخصال لا يقابل ببعض) فلا تزوج سليمة من العيوب دنيئة في النسب بنسيب معيب، ولا حرة فاسقة بعبد عفيف، ولا عربية فاسقة بعجمي عفيف، بل صفة النقص مانعة من الكفاءة.
ويقابل الأصح في كلام المصنف تفصيل للإمام؛ فإنه قال: السلامة من العيوب لا تقابل بسائر فضائل الزوج، وكذا الحرية والنسب، والأصح: أن العفة الظاهرة فيه لا تجبر دناءة نسبه.
قال: والتنقي من الحرف الدنيئة يقابله الصلاح وفاقًا، واليسار إن اعتبرناه يقابل بكل خصلة، وللخلاف شبه باجتماع عبد فقيه وحر غير فقيه في الإمامة، والأصح: التسوية.
وقال: (وليس له تزويج ابنه الصغير أمة)؛ لأنه مع الصغر لا يخاف عليه العنت.
قال: (وكذا معيبة على المذهب) يعني: بعيب يثبت الخيار كالرتق والقرن والجذام والبرص والجنون؛ لأنه خلاف الغبطة، ولا يصح النكاح.
стр. 3181
وَيَجُوزُ مَنْ لاَ تُكَافِئُهُ بِبَاقِي الْخِصَالِ فِي الأَصَحِّ
ــ
قال: (ويجوز من لا تكافئه بباقي الخصال في الأصح)؛ لأنه متمكن من الخلاص بالطلاق بعد البلوغ، ولأنه قد تكون له مصلحة في ذلك، وأيضًا: فلا عار على الرجل في استفراش من دونه، وصرح الرافعي بأن له الخيار إذا بلغ.
والثاني: لا، وهما كالقولين في تزويج البنت الصغيرة بمن لا يكافئها، لكن التصحيح مختلف.
ولو قبل لابنه المجنون البالغ نكاح أمة .. جاز إن كان معسرًا ويخاف عليه العنت في الأصح.
وقيل: لا يجوز؛ لأنه لا يخشى وطءًا يوجب حدًا أو إثمًا.
تتمة:
للسيد أن يزوج أمته برقيق ودنيء النسب، ولا يجوز أن يزوجها من مجذوم أو أبرص أو مجنون بغير رضاها، نص عليه، وكذلك لا يزوجها ممن به عيب يثبت الخيار، ولا بمن لا يكافئها بسبب آخر.
ولو زوجها بمعيب برضاها .. لم يكن لها الامتناع من تمكينه، وله بيعها ممن به بعض تلك العيوب؛ لأن الشراء لا يتعين للاستمتاع، ثم هل لها الامتناع من تمكينه؟ وجهان، قال المتولي: أصحهما: يلزمها التمكين.
قال في (المهمات): الصحيح: أنه لا يلزمها التمكين كما في (الشرح) و (الروضة) في (باب الاستبراء)، وسيأتي في تتمة ذلك الباب.
стр. 3182
فَصْلٌ:
لاَ يُزَوَّجُ مَجْنُونٌ صَغِيرٌ، وَكَذَا كَبِيرٌ إِلاَّ لِحَاجَةٍ
ــ
قال: (فصل:
لا يزوج مجنون صغير)؛ لأنه لا يحتاج إليه في الحال، وبعد البلوغ لا يدرى كيف يكون الأمر، بخلاف الصغير العاقل؛ فإن الظاهر حاجته إلى النكاح بعد البلوغ، ولا نظر لحاجة التعهد والخدمة؛ فإن الأجنبيات يجوز أن يقمن بخدمته، هذا هو الصحيح.
وفي وجه: يزوجه الأب أو الجد، وطرده الشيخ أبو محمد في الصغير العاقل الممسوح.
قال: (وكذا كبير إلا لحاجة) فإذا لم تدع حاجة إليه .. لم يزوج؛ لما فيه من لزوم المهر والنفقة من غير حاجة تدعو إليه، وليس كالصغير؛ فإن له غاية يتوقع بعدها كماله، فلا يراعى في نكاحه إلا المصلحة، فإن كان بالمجنون حاجة إليه .. زوج، والحاجة تتوقع من وجهين:
أحدهما: أن تظهر رغبته في النساء بأن يدور حولهن ويتعلق بهن وما أشبه ذلك، أو يشهد طبيبان عدلان - وقيل: واحد - بتوقع شفائه به.
والثاني: أن يحتاج إلى امرأة تتعهده وتخدمه، ولا يوجد من محارمه من يقوم بذلك، فتكون مؤنة النكاح أخف من مؤنة شراء أمة.
قال الرافعي: إذا لم تجب على الزوجة خدمة الزوج وتعهده فكيف تزوج منه لهذا الغرض؟! وربما تمتنع من ذلك ولا تفي إن وعدت.
وأجاب بعضهم عن ذلك بأن طبعها يدعوها لخدمته، وفي الحديث: (النساء من
стр. 3183
فَوَاحِدَةً. وَلَهُ تَزْوِيجُ صَغِيرٍ عَاقِلٍ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ
ــ
أسفه السفهاء، إلا صاحبة القسط والسراج) أراد: إلا التي تخدم زوجها في وضوئه وسراجه.
وإذا جاز التزويج منه .. تولاه الأب ثم الجد ثم السلطان دون سائر العصبات كولاية المال، وسكتوا عن الوصي، ونص في (الأم) في (باب الصداق) على أنه يزوجه؛ لأنه يلي المال، وبه صرح في (الشامل) في (كتاب الوصية).
كل هذا في مطبق الجنون، أما المتقطع .. فلا يزوج أصلاً؛ لأنه إذا احتاج إليه .. تزوج بنفسه في يوم إفاقته، وألحق به الماوردي المغمى عليه.
والمُخَبَّل كالمجنون في النكاح، وهو الذي في عقله خلل وفي أعضائه استرخاء، ولا حاجة به إلى النكاح غالبًا.
قال: (فواحدة)؛ لأن الحاجة تندفع بها.
قال: (وله تزويج صغير عاقل أكثر من واحدة) يعني: للأب والجد أو يزوج الصغير العاقل أربعًا على الصحيح؛ لأن المرعي في نكاحه المصلحة وقد تكون مصلحة وغبطة، وأما الوصي والقاضي .. فليس لهما ذلك على الصحيح؛ لانتفاء كمال شفقتهما، وفي (البيان) وجه: أن لهما ذلك كالأب.
والثاني: لا يزاد على واحدة؛ لئلا تكثر المؤنة عليه مع حصول الكفاية بواحدة.
وقيل: لا يزوج أصلاً، وعزاه في (الروضة) لـ (الإبانة)، وأنه صححه، والوجه المذكور ليس له في (الإبانة) ذكر فضلاً عن تصحيحه، بل فيها الجزم بالجواز، وحكاية وجهين في الزيادة على الواحدة.
كل هذا إذا لم يكن ممسوحًا، فإن كان .. فنقل الرافعي عن المتولي منه تزويجه، وهو ظاهر.
стр. 3184
وَيُزَوِّجُ الْمَجْنُونَةَ أَبٌ أَوْ جَدٌ إِنْ ظَهَرَتْ مَصْلَحَةٌ، وَلاَ تُشْتَرَطُ الْحَاجَةُ، وَسَوَاءً صَغِيرَةٌ وَكَبِيرَةٌ، ثَيِّبٌ وَبِكْرٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَبٌ أَوْ جَدٌّ .. لَمْ تُزَوَّجْ فِي صِغَرِهَا،
ــ
قال: (ويزوج المجنونة أب أو جد إن ظهرت مصلحة، ولا تشترط الحاجة) بالاتفاق، بخلاف المجنون؛ لأن النكاح يفيدها المؤن، والمجنون يغرم المهر والنفقة ولا يحصل له بذلك غني ولا عفاف.
قال: (وسواء صغيرة وكبيرة، ثيب وبكر) أما البكر .. فبلا خلاف، وأما الثيب .. فعلى الأصح.
وفي وجه: لا يزوج الثيب الصغيرة كالعاقلة.
وفي وجه: لا يستقل الأب بتزويج الثيب البالغة، بل لابد من إذن السلطان نيابة عن إذنها، وسواء التي بلغت مجنونة ومن بلغت عاقلة ثم جنت بناء على أن من بلغ عاقلاً ثم جن .. فولاية ماله لأبيه، وهو الأصح، وإن قلنا: إنها للسلطان .. فكذا التزويج.
ويشترط في البالغة إطباق جنونها، فإن كان متقطعًا .. فالراجح: أنها لا تزوج قبل الإفاقة كما تقدم في المجنون.
قال: (فإن لم يكن أب أو جد .. لم تزوج في صغرها)؛ لعدم الحاجة في الحال، وغير الأب والجد لا يملك الإجبار.
стр. 3185
فَإِنْ بَلَغَتْ .. زَوَّجَهَا السُّلْطَانُ فِي الأَصَحِّ لِلْحَاجَةِ، لاَ لِمَصْلَحَةٍ فِي الأَصَحِّ
ــ
قال: (فإن بلغت .. زوجها السلطان في الأصح) كما يلي مالها.
والثاني: يزوجها قريبها من أخ أو عم وغيرهما بشرط إذن السلطان نيابة عنها، فإن امتنع .. زوج السلطان بالعضل.
وإذا زوجها السلطان في هذه الحالة .. راجع أقاربها، وهل هذه المراجعة واجبة أو مستحبة؟ رجح البغوي الوجوب، والصحيح: الاستحباب، وهو ظاهر نص (الأم) كما قاله في (البحر)، وجزم به هو والماوردي، وكذلك الرافعي في الكلام على تحريم الخطبة على الخطبة.
والخلاف في وجوب المراجعة يجري فيما إذا كان المجنون ذكرًا وزوجه السلطان، قاله البغوي، ولم يتعرض له الرافعي.
قال: (للحاجة) بأن تظهر عليها علامات غلبة شهوتها، أو يشهد بذلك أهل الخبرة كما تقدم.
قال: (لا لمصلحة في الأصح) ككفايتها بالنفقة وغيرها، لأن تزويجها حينئذ يقع إجبارًا، وليس ذلك لغير الأب والجد.
والثاني: نعم كالأب والجد.
فرع:
إذا جوزنا تزويج المجنونة فأفاقت .. لا خيار لها على المنصوص؛ لأن التزويج لها كالحكم لها وعليها، واختار المزني في غير (المختصر) أن لها الخيار.
стр. 3186
وَمَنْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ .. لاَ يَسْتَقِلُّ بِنِكَاحٍ، بَلْ يَنْكِحُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ أَوْ يَقْبَلُ لَهُ الْوَلِيُّ.
ــ
قال: (ومن حجر عليه بسفه .. لا يستقل بنكاح)؛ لئلا يفني ماله بمؤن النكاح، فلابد له من مراجعة الولي، وهذه المسألة ذكرها المصنف بعد هذا بقليل، وفي (باب الحجر) أيضًا.
واحترز عن سيفه لا حجر عليه، وهو المهمل، فتزويجه كسائر تصرفاته، وفيها خلاف سبق في بابه.
ولو بلغ رشيدًا ثم سفه ولم يعد الحجر عليه وشرطناه .. فتصرفه نافذ على الأصح إلى أن يحجر عليه.
قال: (بل ينكح بإذن وليه)؛ لأنه مكلف صحيح العبارة، وإنما حجر عليه حفظًا لماله.
وعن أبي الطيب ابن سلمة وغيره: أنه لا يأذن له الولي في النكاح؛ لأنه محجور عليه فأشبه الصبي، والمذهب الأول.
قال: (أو يقبل له الولي) كما يتولى قبول البيع والهبة له.
وهل يشترط فيه إذن السفيه؟ قال قائلون: لا؛ لأنه فوض إليه رعاية مصالحه، فإذا عرف حاجته .. زوجه كما يطعمه ويكسوه، وبهذا قال الشيخ أبو حامد والعراقيون.
стр. 3187
فَإِنْ أَذِنَ وَعَيَّنَ امْرَأَةً .. لَمْ يَنْكِحَ غَيْرَهَا، وَيَنْكِحُهَا بِمَهْرٍ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلَّ، فَإِنْ زَادَ .. فَالْمَشْهُورُ: صِحَّةُ النِّكَاحِ بِمَهْرٍ الْمِثْلِ مِنَ الْمُسَمَّى
ــ
وأصحهما: نعم؛ لأنه حر مكلف.
ثم إذا قبل له الولي النكاح .. فليقبل بمهر المثل أو أقل، فإن زاد .. صح بمهر المثل في الأصح.
والولي هنا الأب ثم الجد إن بلغ سفيهًا، والقاضي أو منصوبه إن بلغ رشيدًا، وأما الوصي .. فكلام الغزالي في (الخلاصة) يمنع منه، والمفتى به: أن له التزويج بعد الجد كما صرح به الرافعي في (باب الوصية)، وهو المنصوص في (الأم) و (المختصر) في (باب ما يجوز للوصي أن يضعه في أموال اليتامى)، وبه صرح الشيخ أبو حامد والقاضي حسين والماوردي والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ والروياني وغيرهم.
والذي وقع في زوائد (الروضة) هنا معترض.
ثم إن المصنف أطلق نكاحه، وهو مقيد باحتياجه إليه؛ لئلا يتلف أمواله من غير حاجة، ولا يكتفى بقوله؛ لأنه قد يقصد إتلاف المال، خلافًا للإمام وهو أقيس؛ لأن احتياجه لا يعرف إلا من جهته وهو أعلم بحال نفسه، وكما لا يزوج امرأتين .. لا يجمع له بين أمتين للوطء وإن اتسع ماله، نص عليه.
قال: (فإن أذن وعين امرأة .. لم ينكح غيرها)؛ لأن الإذن مقصور عليها.
قال: (وينكحها بمهر المثل أو أقل)؛ مراعاة للإذن ومصلحته.
قال: (فإن زاد .. فالمشهور: صحة النكاح)؛ لأن خلل الصداق لا يفسد النكاح، وفي قول مخرج: إنه باطل للمخالفة.
قال: (بمهر المثل من المسمى) المراد: بقدر مهر المثل من الذي عينه، وتسقط الزيادة؛ لأنها تبرع من سفيه.
стр. 3188
وَلَوْ قَالَ: انْكِحْ بِأَلْفٍ وَلَمْ يُعَيِّنِ امْرَأَةً .. نَكَحَ بِالأَقَلِّ مِنَ الأَلْفِ وَمَهْرٍ مِثْلِهَا
ــ
وقال ابن الصباغ: القياس أنه يبطل المسمى ويرجع إلى مهر المثل في ذمته، ثم إذا أبطلنا الزائد فقط .. فينبغي أن يجري في الباقي قولا تفريق الصفقة، ولم يذكروه، وهذه المسألة نظير قول المصنف في (الصداق): (ولو نكح لطفل بفوق مهر المثل، أو أنكح بنتًا لا رشيدة، أو رشيدة بكرًا بلا إذن بدونه .. فسد المسمى، والأظهر: صحة النكاح بمهر المثل) فلينظر في الفرق بينهما، وسوى صاحب (التنبيه) بينهما في أوائل (الصداق)، وحكم ببطلان الزائد في المسألتين، وأقره عليه في (التصحيح).
قال النشائي: وما جزم به الشيخ وجه، والأصح: بطلان الجميع والرجوع بمهر المثل، وسيأتي لها بسط في (الصداق).
قال: (ولو قال: انكح بألف ولم يعين امرأة .. نكح بالأقل من الألف ومهر مثلها)، فإن نكح امرأة بألف وكان مهر مثلها ألفًا وأكثر .. فالنكاح صحيح
стр. 3189
وَإِنْ أَطْلَقَ الإِذْنَ .. فَالأَصَحُّ: صِحَّتُهُ، وَيَنْكِحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ مَنْ تَلِيقُ بِهِ. فَإِنْ قَبِلَ لَهُ وَلَيَّهُ .. اشْتُرِطَ إِذْنُهُ فِي الأَصَحِّ، ...
ــ
بالمسمى، وإن كان مهر مثلها أقل من ألف .. صح النكاح بمهر المثل وسقطت الزيادة؛ لأنها تبرع، ولا مجال للتبرع في مال السفيه.
قال: (وإن أطلق الإذن .. فالأصح: صحته) كما لو أذن السيد لعبده في النكاح .. فيكفي الإطلاق.
والثاني: لا يصح، بل لابد من تعيين امرأة أو نساء قبيلة أو من تقدير المهر؛ لأنا لو اعتبرنا الإذن المطلق .. لم نأمن أن ينكح من تستغرق ماله.
قال: (وينكح بمهر المثل)؛ لأنه المأذون فيه، ومقتضاه: أنه لا ينكح بأكثر، وليس كذلك، بل يصح وتسقط الزيادة، ولو نكح بأقل .. صح بالمسمى.
قال: (من تليق به) فلو نكح شريفة يستغرق مهر مثلها ماله .. فوجهان: اختيار الإمام والغزالي أنه لا يصح النكاح، بل يتقيد بموافقة المصلحة.
فروع:
أحدها: ذكر ابن كج تفريعًا على اعتبار الإذن المطلق وجهين فيما لو عين الولي امرأة فعدل إلى غيرها فنكحها بمثل مهر المعينة؛ لأنه لا غرض للولي في أعيان الزوجات.
الثاني: قال له: انكح من شئت بما شئت .. نقل الشيخان عن بعضهم: أنه يبطل الإذن؛ لأنه رفع للحجر بالكلية، والذي نقلاه عن بعضهم جزم به الروياني في (البحر).
الثالث: إذا اشتدت حاجة السفيه وخاف الوقوع في الزنا ولم يجد إلا امرأة لا ترضى إلا بأكثر من مهر مثلها .. قال الإمام: في جواز إنكاحها احتمال عندي.
الرابع: قال ابن كج: الإذن للسفيه في النكاح لا يفيده جواز التوكل؛ لأنه لم يرفع الحجر إلا عن مباشرته.
قال: (فإن قبل له وليه .. اشترط إذنه في الأصح)؛ لأنه حر مكلف فلابد من استئذانه.
стр. 3190
وَيَقْبَلُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ فَأَقَلَّ، فَإِنْ زَادَ .. صَحَّ النكَاحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَفِي قَوْلٍ: يَبْطُلُ. وَلَوْ نَكَحَ السَّفِيهُ بِلاَ إِذْنٍ .. فَبَاطِلٌ، فَإِنْ وَطِئَ .. لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْء،
ــ
والثاني: لا يشترط كما يكسوه ويطعمه ويبيع له ويشتري بغير إذنه.
قال: (ويقبل بمهر المثل فأقل)؛ نظرًا له كما في الشراء له.
قال: (فإن زاد .. صح النكاح بمهر المثل) وتسقط الزيادة؛ لتبرعه بها.
قال: (وفي قول: يبطل) كما لو اشترى له بأكثر من ثمن المثل، وهو كالخلاف في تزويج موليته بدون مهر المثل.
قال: (ولو نكح السفيه بلا إذن .. فباطل) كما لو استقل بالبيع والشراء، ويفرق بينهما قبل الدخول وبعده.
قال في (الدقائق): وهذه العبارة أولى من قول (المحرر): (ولو نكح السفيه بغير إذن الولي ...)؛ لأنه يدخل في عبارة الكتاب ما إذا استأذنه فمنعه وأذن الحاكم .. فإنه يصح قطعًا، مع أن الولي لم يخرج بمنعه مرة عن الولاية؛ لأنها صغيرة، والمسألة تقدمت قريبًا.
والألف واللام في (السفيه) للعهد وهو: المحجور عليه، أما من طرأ سفهه .. فتصرفاته صحيحة ما لم يحجر عليه على الأصح، وكذا المتعاطي لموجبات الفسق ولم يحجر عليه ليس حكمه حكم السفيه كما أفتى به ابن الفركاح، وذكر أن المصنف أفتى بفساد النكاح وعدم وقوع الطلاق فيه، قال: وهذا سبيل إلى استباحة المطلقة ثلاثًا وعمل الناس على خلافه.
قال: (فإن وطىء .. لم يلزمه شيء) كما لو اشترى شيئًا فأتلفه؛ وذلك لأن معاقدته والتسليم إليه تسليط على التصرف والإتلاف.
следующие страницы →