Полный текст (5 377 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.
стр. 3816
وَيَحْرُمُ الاِسْتِمْتَاعُ بِالْمُسْتَبْرَأَةِ إِلاَّ مَسْبِيَّةً .. فَيَحِلُّ غَيْرُ وَطْءٍ،
ــ
قال: (ويحرم الاستمتاع بالمستبرأة)؛ لاحتمال حملها من سيدها فتكون أم ولد له، أو من وطء شبهة فتكون حاملًا بحر، فلا يصح بيعها على التقديرين، ولأن الاستمتاع يؤدي إلى الوطء المحرم.
وأما الخلوة بها .. فنص على جوازها الجرجاني في (الشافي)، ويجوز استخدامها وإن كانت جميلة؛ لأن الشرع ائتمنه عليها، وخالف المرهونة؛ لأن الحق فيها للمرتهن فمنع سيدها من استخدامها، وإذا طهرت من الحيض .. حل الاستمتاع بها فيما عدا الوطء، وبقي تحريم الوطء إلى الاغتسال.
قال (إلا مسبية .. فيحل غير وطء)؛ لأن النبي ﷺ لم يحرم منها
стр. 3817
وَقِيلَ: لاَ. وَإِذَا قَالَتْ: حِضْتُ .. صُدِّقَتْ. وَلَوْ مَنَعتِ السَّيِّدَ فَقَالَ: أَخْبَرَتْنِي بِتَمَامِ الاِسْتِبْرَاءِ .. صُدِّقَ
ــ
إلا الوطء , والفرق بينها وبين غيرها: أن المسبية مملوكة بكل حال حائلًا كانت أو حاملًا؛ فانولد الحربي لا يمنع جريان الرق , وإنما منع الوطء خوفًا من اختلاط مائه بماء حربي.
وروى البيهقي والخرائطي في كتاب (علل القلوب) عن ابن عمر أنه قال: (وقعت في سهمي جارية من سبي جلولاء , فنظرت إليها فإذا عنقها مثل إبريق الفضة , فلم أتمالك أن قبلتها والناس ينظرون) فلو كان حرامًا .. لامتنع منه ذلك.
و (جلولاء) بفتح الجيم والمد: قرية من نواحي فارس , والنسبه إليها جلولي على غير قياس , فتحت يوم اليرموك سنة سبع عشرة من الهجرة فبلغت غنائمها ثمانية عشر ألف ألف.
قال: (وقيل: لا) كغيرها من الإماء , وهذا الذي جعله وجهًا ضعيفًا هو نص) الأم) , وهو المعتمد المعتبر لا في) الرافعي) و (الروضة) كما قاله في (المهمات) , والخلاف جار في التلذذ بالحامل من الزنا , قاله الماوردي , وإذا قلنا بإباحته فيهما .. فذلك فيما فوق السرة ودون الركبة فأما فيما بين ذالك .. فهي فيه كالحائض غير المستبرأة , كذا قاله الإمام وهو حسن.
قال: (وإذا قالت: حضت .. صدقت)؛ لأن ذلك لا يعرف إلا من جهتها , ولا تحلف؛ لأنها لو نكلت .. لما استطاع السيد أن يحلف.
قال: (ولو منعت السيد فقال: أخبرتني بتمام الإستبراء .. صدق)؛ لأن الإستبراء باب من التقوى مفوض إلى أمانته , ولهذا لا يحال بينه وبينها بخلاف الزوجة المعتدة عن وطء الشبهة.
والثانى: أنها المصدقه للأصل , والأصح فى (الروضة):أن لها تحليفه على ذلك , وعليها الإمتناع من التمكين إذا تحققت بقاء شيء في زمن الإستبراء وإن أبحناها له في الظاهر.
стр. 3818
وَلَا تصَيرُ أَمَةٌ فِرَاشَا إِلَّا بِوَطْءِ، فَإِذَا وَلَدَتْ لِلإِمْكَانِ مِنْ وَطْئِهِ .. لَحِقَهٌ، وَلَوْ أَقَرَّ بِوَطْءٍ وَنَفَى الْوَلَدَ وَادَّعَى اسْتِبْراءً .. لَمْ يَلْحَقْهُ عَلَى الْمَذْهَبِ،
ــ
قال: (ولا تصبر أمة فراشًا إلا بوطء* بالإجماع، وبدل له حديث عبد الله بن زمعة الثابت في (الصحيحين) [خ٢٠٥٣ - م١٤٥٧] فلا تصير فراشًا بالملك ولا بالخلوة ولا يلحقه الولد بذلك، بخلاف النكاح؛ فإن الولد فيه يلحق بمجد الإمكان؛ لأن مقصود النكاح الولد والاستمتاع فاكتفى فيه بالإمكان، وملك اليمين مقصودة التجارة والاستخدام، فلا ينصرف للاستمتاع ما لم يتحقق الوطء، ولهذا: يصح أن يملك من لا تحل له كأخته.
ومجرد عقد النكاح يثبت المصاهرة، بخلاف مجرد الملك؛ فإنه لا يثبتها.
وشمل لإطلاقه الوطء في الدبر، وقد اضطرب فيه تصحيح المصنف كما تقدم، فصحح هنا أنه لا يلحقه، وفي (باب النكاح) اللحوق، وقال الإمام: القول باللحوق ضعيف لا أصل له.
وعند أبي حنيفة لا تصير الأمة فراشًا بالوطء وإن داوم عليه سنين، ولا يلحقه إلا إذا استلحقه ولو ادعت الأمة الوطء وأنها صارت أم ولد، فإن كان السيد قد عرضها على البيع .. سمعت، وإلا .. فلا على الأصح كما سيأتي.
قال:) فإذا ولدت للإمكان من وطئه .. لحقه) أشار بذلك إلى أن معنى كون الأمة فراشًا لأنها إذا أتت بولد من السيد .. لحقه، سواء استلحقه أم لا؛ لأن النبي ﷺ ألحق الولد بزمعة من غير إقرار منه ولا من وارثه بالاستيلاد وقال: (الولد للفراش)
وروى مالك [٢/ ٧٤٢] عن عمر أنه قال: (لا تأتيني أم ولد يعترف سيدها أنه ألم بها إلا ألحقت نبه ولدها، فأمسكوهن بعد أو أرسلوهن) فاعتبر الاعتراف بالإلمام لا بالولد، ولم يخالفه أحد من الصحابة.
قال: (ولو أق بوطء ونفى الولد وادعى استبراء .. لم يلحقه على المذهب)؛ لأن عمر وزيد بن ثابت وابن عباس ﵃ نفوا أولاد جوار لهم بذلك، هذا إذا أتت به لأكثر من ستة أشهر من الاستبراء إلى أربع سنين، فلو ولدته لدون ستة أشهر
стр. 3819
وَإِنْ أَنْكَرَتْ الِاسْتِبْرَاءَ .. حُلِّفَ أَنَّ الْوَلَدَ لَيْسَ مِنْهُ، وَقِيلَ: يَجِبُ تَعَّرًضُهُ للِاسْتِبْرَاءِ، وَلَوِ ادَّعَتِ اسْتِلَادًا فَأَنْكَرَ أَصْلَ الْوَطءِ وَهُنَاكَ وَلَدٌ .. لَمْ يُحَلَّفْ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ قَالَ: وَطِئْتُ وَعَزَلْتُ .. لَحِقَهُ فِي الأَصَحِّ
ــ
من الاستبراء .. لحقه الولد؛ للعلم بأنها كانت حاملًا يومئذٍ.
قال في (الروضة) هنا: وله نفيه باللعان على الصحيح كما سبق هناك، وهو سهو؛ فالسابق هناك تصحيح المنع.
قال: (وإن أنكرت الاستبراء .. حلف أن الولد ليس منه) كما في نفي ولد الحرة، ولا يحتاج إلى التعرض للاستبراء، وفي وجه: أنه يصدق بلا يمين.
قال: (وقيل: يجب تعرضه للاستبراء)؛ لتثبت بذلك دعواه، وقيل: يكفي التعرض للاستبراء فقط، ويكتفى به في نفي النسب.
قال: (ولو ادعت استيلادًا فأنكر أصل الوطء ولد .. لم يحلف على الصحيح) والولد منتف عنه، وإنما حلف في الصورة السابقة؛ لأنه سبق منه الإقرار بما يقتضي ثبوت النسب وهو الوطء.
والثاني: يحلف؛ لأنه لو اعترف .. ثبت النسب، فإذا أنكر .. حلف.
واحترز بقوله: (وهماك ولد) عما إذا لم يكن .. فلا يحلف بلا خلاف، قاله الرافعي.
قال ابن الرفعة: بل يحلف بلا خلاف إذا عرض على البيع؛ لأن دعواه حينئذٍ تنصرف إلى حريتها لا إلى ولدها.
قال: (ولو قال: وطئت وعزلت .. لحقه في الأصح)؛ لأن الماء سباق لا يدخل تحت الاختيار، ولأن أحكام الوطء لا يشترط فيها الإنزال كالتحليل والتحصين.
والثاني: ينتفي عنه كدعوى الاستبراء، فإن قال: كنت أطـ فيما دون الفرج ... فالصحيح: لا يلحقه؛ لإنتفاء الإيلاج الذي تتعلق به أحكام الوطء.
وقيل: يلحقه؛ لإمكان سبق الماء، والجواب: أنه بعيد عادة.
стр. 3820
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فائدة:
اختلف العلماء في النطقة قبل تمام الأربعين هل لها حرمة على قولين حكاهما المحب الطبري في أوائل كتاب (الأحكام)؛ فقيل: لا يثبت لها حكم السقط والوأد، وثيل: لها حرمة ولا يباح إفسادها ولا التسبب في إخاجخا بعد الاستقرار في الحم، بخلاف العزل؛ فإنه قبل حصولها.
وقال الكرابيسي: سألت أبا بك الفراتي عن رجل سقى جاريته شرابًا لتسقط ولدها فقال: ما دامت نطفة أو علقة .. فواسع له ذلك إن شاء الله تعالى.
وهذه المسألة تعن بها البلوى، ولا يخفى أن المرأة قد تفعل ذلك لحمل زنًا أو غير ونا، ثم هي إما أمة فعلت ذلك بإذن مولاها الواطئ لها وهي مسألة الفراتي، أو بإذنه وليس هو الواطئ وهي صورة لا تخفى، والنفل فيها عندنا عزيز، وفي مذهب أبي حنيفة شهير؛ ففي (فتاوى قاضي خان) وغيره: أن ذلك يجوز، وقد تكلم الغزالي عليها في (الإحياء) بكلام متين، غير أنه لم يصرح بتحريم، إلا أنه ذكر مسألة العزل ثم قال: يبعد الحكم بعدم تحريمه.
وأفتى الشيخ عماد الدين بن يونس والشيخ عز الدين: بأن المرأة لا يحل لها أن تستعمل دواء لقطع الحبل ولو رضي به الزوج، وينبغي أن يكون ذلك كالعزل، إلا أن يقال: هذا يحصل به اليأس بخلاف العزل.
تتمة:
للسيد بيع أمته من الأجذم والأبرص ح لأن الشراء لا يتعين للاستمتاع، ثم هل لها الامتناع من تمكينه؟ فيه وجهان:
قال في (المهمات) أصحهما: أنه لا يلزمها التمكين، وفي (الشرح) و (الروضة) في هذا الباب ما يؤخذ منه ذلك، وذك الرافعي وجهين في (كتاب النكاح) من غير ترجيح.
قال المصنف: قلت: قال المتولي: أصحهما: يلزمها التمكين، وهذا
стр. 3821
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ما صححه الروياني في (البحر) أيضًا، والصواب المعتمد: أن لها الامتناع كما أفتى به الشيخ عماد الدين بن يونس وغيره.
خاتمة
قال الشيخ أبو محمد الجويني في (التبصرة) والقفال في (الفتاوى) وغيرهما أصول الكتاب والسنة والإجماع متظافرة على تحريم وطء السراري اللاتي يجلبن اليوم من الروم والهند والترك، إلا أن ينصب الإمام من يقسم الغنائم من غير حيف وظلم، وعارضهم الشيخ تاج الدين الفزاري فأفتى بأن الإمام لا تجب عليه قسمة الغنائم بحال، ولا تخميسها، وله أن يفضل، وأن يحرم بعض الغانمين، وزعم أن سيرة رسول الله ﷺ تقتضي ذلك، ورد عليه المصنف قوله وقال: إنه خارق للإجماع في ذلك.
هذا إذا أخذوه بالقهر، فأما المسروق والمختلس .. فالمشهور أيضًا: أنه يخمس، خلافًا للغزالي، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في خاتمة (فسم الفيء والغنيمة).
стр. 3822
كتاب الرضاع
стр. 3823
كتاب الرضاع
إِنَّمَا يَثْبُتُ بِلَبَنِ امْرَأَةٍ ...
ــ
كتاب الرضاع
هو بفتح الراء وكسرها: اسم لمص الثدي وشرب لبنه، وخصه الشرع بوصول لبن المرأة إلى جوف الطفل.
والكتاب ثم السنة ناطقان بتحريم الرضاع، قال الله تعالى: ﴿وأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾.
وفي الصحيحين [خ٢٦٤٥ - م١٤٤٥/ ٩] عن عائشة: أن النبي ﷺ قال: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).
وأجمعت الأمة على تأثيره في النكاح، وثبوت المحرمية، وأظهر قولي الشافعي: أنه يؤثر في عدم نقض الوضوء، ولا يؤثر فيما عدا ذلك كالميراث والنفقة والعتق وسقوط القصاص ورد الشهادة ونحوها.
قال: (إنما يثبت بلبن امرأة) فلبن البهيمة لا يعتق به تحريم، حتى إذا شرب منه صغيران ... لا تثبت بينهما أخوة، ولا تحرم الأنتثى منهما على الذكر خلافا لعطاء، وعلله الرافعي بأن الأخوة فرع الأمومة فإذا لم تثبت الأمومة التي هي أصل ... لم تثبت الأخوة، وما استدل به قد صرح بعكسه فيما لو كان لرجل خمس مستولدات فارتفع صبي من كل واحدة رضعة ... فالأصح: أنه يصير أبا كما سيأتي.
ولو در لرجل لبن فرضعه طفل ... لم يؤثر؛ لأن اللبن من أثر الولادة، وهي مختصة بالنساء، ولأنه ليس معدا للتغذية كغيره من المائعات.
وقال الكرابيسي: يحرم؛ لأنه إذا ثبتت أبوته بطريق التبعية ... فبالأصالة أولى،
стр. 3824
حَيَّةٍ بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِينَ ...
ــ
لكن نص الشافعي في (الأم) و (البويطي) على أنه يكره له ولولده نكاح من ارتضعت منه.
ولبن الخنثى المشكل لا يقتضي أنوثته على المذهب، بل يوقف أمره، فإن بانت أنوثته ... تعلق به الحكم، وإلا ... فلا.
قال: (حية) فلو ارتضع طفل من ميتة أو حلب لبنها وأوجر الصبي ... لم يرتب عليه حكم وإن كان طاهرا على المذهب، كما لا تثبت حرمة المصاهرة بوطء الميتة.
وخالف في هذه المسألة الأئمة الثلاثة والأوزاعي ومنصور التميمي، مستدلين بقول عمر: (اللبن لا يموت) وحمله الشافعي على ما إذا حلب منها في حياتها ثم سقي الصبي ... فإنه يحرم كالرضاع من الثدي، ولا يبطل عمله بمفارقته كما سيأتي.
واحتج الأصحاب بأن اللبن ضعفت حرمته بموت الأصل، ألا ترى أن حرمة الأعضاء تسقط بالموت، حتى لا يجب القصاص بقطعها، وبأنه لو وصل اللبن إلى جوف الصبي الميت ... لم تثبت الحرمة، فكذلك إذا انفصل من ميتة قياسًا لأحد الطرفين على الآخر.
قال: (بلغت تسع سنين) فاللبن الحاصل قبل ذلك لا يؤثر في التحريم، كما أنها إذا رأت دما قبل تسع ... لا يكون حيضًا.
وإن كانت بنت تسع ... حرم وإن لم يحكم ببلوغها؛ لأن احتمال البلوغ قائم، والرضاع كالنسب فيكفي فيه الاحتمال، وسواء كانت الصغيرة مزوجة أم بكرًا أم بخلافهما.
وقيل: لا يحرم لبن البكر؛ لأن ولد الرضاع تابع لولد النسب ولا ولد لها، وكذلك الثيب التي لا زوج لها ولا ولد ولا حمل، وحكى صاحب (التنبيه) قولًا فيما إذا لم يكن لها حمل: أنه لا يثبت حكم الرضاع وغلطه الأكثرون فيه.
والمعتبر في السنين القمرية لا الشمسية، فالأصح في (الشرح الصغير): أن ذلك تقريب كسن الحيض، فما تقدم فيه يأتي هنا.
стр. 3825
وَلَوْ حَلَبَتْ وَأُوجِرَ بَعْدَ مَوْتِهَا ... حَرَّمَ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ جُبِّنَ أَوْ نُزِعَ مَنْهُ زُبْدٌ ... حَرَّمَ. وَلَوْ خُلِطَ بِمَائِعِ ... حَرَّمَ إِنْ غَلَبَ، وَإِنْ غُلِبَ وَشَرِبَ الْكُلَّ- قِيلَ: أَوِ الْبَعْضَ- حَرَّمَ فِي الْأَظْهَرِ ...
ــ
قال: (ولو حلبت وأوجر بعد موتها ... حرم في الأصح)؛ لأنه انفصل منها وهو حلال محرم.
والثاني: لا؛ لبعد إثبات الأمومة بعد الموت.
و (الإيجار): صب اللبن في الحلق.
قال: (ولو جبن أو نزع منه زبد ... حرم) لوصول عين اللبن إلى الجوف، وقال ﷺ : (الرضاعة من المجاعة) وهذا أبلغ في دفع المجاعة؛ لأنه تحصل به التغذية، فلو حمض أو انعقد أو أغلي أو صار مخيضًا أو أقطًا ... حرم، وكذا لو عجن به دقيق أو ثرد به طعام على الصحيح.
وقال أبو حنيفة: لا تثبت الحرمة بالجبن ونحوه.
وقوله: (ولو نزع منه زبد) يحتمل أن يريد اللبن المنزوع زبده، ويحتمل أن يريد الزبد نفسه، وكل منهما محرم.
قال: (ولو خلط بمائع ... حرم إن غلب) سواء كان المانع حلالا أو حرامًا؛ لأن المغلوب كالمعدوم بدليل النجاسة المستهلكة في الماء الكثير، وسواء شرب الجميع أو البعض.
والمراد بغلبته: ظهور إحدى صفاته، إما اللون أو الطعم أو الرائحة، وقيل: بأن لا يخرج عن التغذية، وقطع الجمهور بالأول.
فلو لم يظهر شيء قدر مخالفًا في لون قوي، كذا استنبطه الحليمي، وعرضه على القفال الشاشي وابنه القاسم صاحب (التقريب) فارتضاه، ثم وجده لابن سريج.
قال: (وإن غلب) أي: بضم الغين وكسر اللام (وشرب الكل- قيل: أو البعض- حرم في الأظهر)؛ لأنه وصل إلى جوفه عين اللبن، وذلك هو المعتبر في
стр. 3826
وَيُحَرِّمُ إِيجَارٌ وَكَذَا إِسْعَاطٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، لَا حُقْنَةٌ فِي الأَظْهَرِ ...
ــ
التأثير، ووجه عدم التحريم في الأولى: القياس على النجاسة المستهلكة في الماء الكثير، ووجه عدم التحريم في الثانية- وهو ما إذا شرب البعض: أنا لم نتحقق وصول جميع اللبن، ووجه مقابله: أن المائع إذا خالط الماء ... فما من جزء يوجد إلا وفيه شيء من هذا وشيء من هذا.
وهذا الخلاف فيما إذا لم نتحقق وصول اللبن، مثل أن وقعت قطرة في جب ماء وشرب بعضه، فإن تحققنا انتشاره في الخليط وحصول بعضه في المشروب أو كان الباقي من المخلوط أقل من قدر اللبن ... ثبت التحريم قطعًا، والأصح: أنه يشترط كون اللبن قدرًا يمكن أن يسقى منه خمس دفعات لو انفرد عن الخليط.
وتقييد المصنف ب (المائع) لا حاجة إليه؛ فإن الخلط بالجامد كالدقيق كذلك لاشتراكهما في التغذية، ولم يذكر الحكم فيما إذا تساويا؛ لأنه يؤخذ من الثانية من باب أولى.
قال: (ويحرم إيجار) وهو صب اللبن في الحلق؛ لحصول التغذية به كالارتضاع، وظاهر عبارة المصنف: حصول التحريم بمجاوزة الحلق وإن لم يصل إلى المعدة كما يفطر بمثله الصائم، وهو مقتضى كلام المتولي وغيره، لكن اعتبر في (المحرر) وصوله إلى المعدة، وعليه جرى في (الشرح) و (الروضة).
قال: (وكذا إسعاط على المذهب) وهو صبه في الأنف؛ لأن الدماغ جوف للتغذي كالمعدة، ولأنه سبيل يحصل بالواصل منه الفطر فأشبه الحلق، ويقابل المذهب القولان في الحقنة، وعلى المذهب: لو ارتضع الصبي مرة وأوجر مرتين وأسعط مرتين ... ثبت التحريم.
ولو شرب وتقيأ في الحال حصل التحريم على الصحيح، وقيل: لا يحصل.
وقيل: إن تقيأ وقد تغير اللبن ... يثبت التحريم، وإلا ... فلا.
قال: (لا حقنة في الأظهر)، لأنها لإسهال ما انعقد في الأمعاء، ولا يحصل بها التغذي، وبهذا قال الأئمة الثلاثة.
والثاني: يحرم كما يفطر بها الصائم، واختاره المزني.
стр. 3827
وَشَرْطُهُ: رَضِيعٌ حَيٌّ لَمْ يَبْلُغْ سَنَتَيْنِ ...
ــ
والصب في الإحليل إن وصل إلى المثانة ... كالحقنة، وإلا فإن قلنا: يفطر به ... فكذلك، وإلا ... فلا.
ولو كان في بطنه جرح فصب اللبن فيه إلى الجوف ... لم يحرم في الأصح، وصبه في العين لا أثر له قطعًا، وفي الأذن الأشهر أنه كالحقنة، وقال الروياني: يحرم قطعًا، وقال البغوي: لا يحرم قطعًا.
قال: (وشرطه: رضيع حي) فلا أثر للوصول معدة الميت بالاتفاق، وكان الأولى للمصنف أن يقول: وحياة رضيع؛ لأن الرضيع ركن لا شرط.
قال: (لم يبلغ سنتين)؛ لقوله تعالى: ﴿والْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾.
وروى البيهقي [٧/ ٤٦٢] والدارقطني [٤/ ١٧٤]: (لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الحولين).
ولم يخالف في هذا إلا عائشة؛ فإنها تلحق ما بعد الحولين بما قبلهما لما روى الشيخان [خ٥٠٨٨ - م١٤٥٣]: أن سهلة بنت سهيل بن عمرة قالت: يا رسول الله؛ إنا كنا نرى سالمًا ولدًا، وقد نزل في التبني والحجاب ما قد علمت، فماذا تأمرني فقال: (أرضعيه خمس رضعات ... يحرم بهن عليك)، ففعلت فكانت تراه ابنًا.
والجواب: أنه مخصوص بسالم كما قالته أم سلمة وسائر زوجات النبي ﷺ ، وهن بالخاص والعام والناسخ والمنسوخ أعلم.
والمراد: سنتين بالأهلة كما قاله في (المحرر)، فإن انكسر الشهر الأول ... كمل بالعدد ثلاثين من الخامس والعشرين على الصحيح.
وفي (شرح المهذب) و (رؤوس المسائل): أن ذلك تحديد قطعًا.
وعند أبي حنيفة: مدة الرضاع ثلاثون شهرًا، وعن مالك قولان كالمذهبين.
وابتداء الحولين من تمام الانفصال، وعبارته تفهم أنه لو تم الحولان في انتهاء
стр. 3828
وَخَمْسُ رَضَعَاتٍ ...
ــ
الرضعة الخامسة ... لا تحريم، وهو المنصوص في (الأم) وغيرها، وصحح الشيخان خلافه.
قال: (وخمس رضعات)؛ لما روى مسلم [١٤٥٢] عن عائشة قالت: (كان فيما أنزل الله: (عشر رضعات محرمات) فنسخن بـ (خمس معلومات) فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن) أي: يتلى حكمهن أو العمل بهن، وهذا يدل على قرب النسخ، حتى إن من لم يبلغه النسخ كان يقرؤها.
وأورد في (شرح مسلم): أن هذا لا حجة فيه؛ لأن القرآن لا يثبت بخبر الواحد، ولم يجب عنه، وأجاب عنه إلكيا الطبري بأن القرآن وإن لم يثبت بخبر الواحد لكن يثبت حكمه والعمل به، والأحسن الاستدلال بحديث سالم؛ فإن فيه تخصيص الرضعات بخمس، وهو محل ضرورة، فلو حصل ما دونه ... لذكره.
وفي (صحيح مسلم) [١٤٥٠] عنها ﵂: (لا تحرم المصة ولا المصتان).
وفي وجه: إثبات التحريم برضعة كمذهب أبي حنيفة ومالك ﵄.
وفي ثالث- اختاره ابن المنذر وجماعة-: بثلاث كمذهب أبي ثور.
وعن أحمد روايتان كالمذهبين، فلو حكم قاض بالتحريم بأقل من خمس رضعات ... لم ينقض حكمه، خلافًا للإصطخري.
وقوله: (خمس رضعات) مراده: وما في حكمهن من الجبن والزبد وغيرهما مما يتخذ منه.
والحكمة في كون التحريم بخمس: أن الحواس خمس وهي أسباب الإدراك، فلم يحصل له علم باطن بغيرها، والرضاع أمر يظهر تأثيره في الباطن من إنتشار العظم وإنبات اللحم، فكانت الخمس حينئذ مؤثرة في ذلك.
فإن قيل: من قاعدة الشافعي الأخذ بأقل ما قيل ... فلم أخذ هنا بالأكثر؟ فالجواب: أنه إنما يأخذ بالأقل إذا لم يجد دليلًا سواه، وهنا السنة نصت على الخمس فلم يعدل عنها.
стр. 3829
وَضَبْطُهُنَّ بِالْعُرْفِ؛ فَلَوْ قَطَعَ إِعْرَاضًا ... تعَدَّدَ، أَوْ لِلَهوٍ وَعَادَ فِي الحَالِ أَوْ تَحَوَّلَ مِنْ ثَدْيٍ إِلَى ثَدْيٍ ... فَلَا. فَلَوْ حُلِبَ مِنْهَا دَفْعَةٌ وَأَوجِرَهُ خَمْسًا أَوْ عَكْسُهُ ... فَرَضْعَةٌ، وَفِي قَوْلٍ: خَمْسٌ
ــ
قال: (وضبطهن بالعرف) فما عده أهله رضعة واحدة فواحدة، وما قضوا فيه بالتعدد فهو متعدد؛ لأنه ليس في الشرع ولا في اللغة ما يدل على ضبطه، فرجعنا فيه إلى العرف كالحرز في السرقة والقبض في المبيع.
قال: (فلو قطع إعراضًا ... تعدد) وإن لم يصل إلى الجوف منه إلا قطرة؛ لأن العرف يقضي بذلك، وكذا لو قطعت المرضعة ثم عاد إلى الإرضاع في الأصح.
ولو قامت لشغل خفيف ثم عادت ... اتحد جزمًا.
قال: (أو للهو وعاد في الحال أو تحول من ثدي إلى ثدي ... فلا)؛ لقضاء العرف بذلك، كما لو تحدث الأكل وتنفس ... لا يخرجه ذلك عن كون ذلك أكلة واحدة.
وقيد في (الروضة) مسألة اللهة ببقاء الثدي في فيه، وهو يوهم اشتراطه، وليس كذلك؛ فالمنصوص في (المختصر) أن ذلك لا يشترط، وكذا لو قطع للتنفس أو الازدراد أو نام نومة خفيفة، فلو طال نومه ثم انتبه وارتضع ... فرضعة إن كان الثدي في فيه، وإلا ... فئتان.
وقوله: (من ثدي إلى ثدي) المراد: في المرضعة الواحدة، فلو تحول من ثدي امرأة إلى ثدي أخرى في الحال ... فالأصح: التعدد.
و (الثدي) يذكر ويؤنث، والتذكير أكثر، ويكون للرجل والمرأة، وأكثر استعماله لها، ومنهم من خصه بها.
قال: (فلو حلب منها دفعة وأوجره خمسًا أو عكسه ... فرضعة) اعتبارًا في الأولى بحالة الانفصال من الثدي، وفي الثانية بحالة وصوله إلى جوفه دفعة واحدة.
قال: (وفي قول: خمس) أما الأولى ... فتنزيلًا للإناء المتنقل منه منزلة الثدي، وأما في الثانية ... فنظرًا إلى حال الانفصال من الثدي، وكذلك لو حلب خمس نسوة في إناء واحد وأوجره الصبي دفعة ... حسب من كل واحدة رضعة، أو في خمس دفعات ... حسب من كل واحدة رضعة في الأصح، وقيل: خمس.
стр. 3830
ولو شك: هل خمسا أو أقل، أو هل رضع في الحولين أو بعده؟ فلا تحريم، وفي الثانية قول أو وجه. وتصير المرضعة أمه، والذي منه اللبن أباه، وتسري الحرمة إلى أولاده ...
ــ
قال: (ولو شك: هل) رضع (خمسا أو أقل، أو هل رضع في الحولين أو بعده؟ فلا تحريم)؛ إذ الأصل عدمه.
قال: (وفي الثانية قول أو وجه)؛ لأن الأصل بقاء الحولين.
وأشار في (المطلب) إلى أنه ينبغي أن يثبت التحريم دون المحرمية؛ فإن الأصل في الأبضاع التحريم، والأصل عدم المحرمية وهو حسن.
والراجح في (الشرح الصغير): أن الخلاف قول.
قال: (وتصير المرضعة أمه)، لقوله تعالى ﴿وأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾ فنص على هاتين لا لاختصاص الحكم بهما، بل للتنبيه بهما على ما في معناهما؛ لأن النسب مشتمل على قطب وجوانب، فنبه بالأم على قطب النسب، وبالأخوات على الجوانب؛ لأنهن أصل الجوانب لكونهن أول فصل.
قال: (والذي منه اللبن أباه، وتسري الحرمة إلى أولاده)؛ لقوله ﷺ : (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).
وفي (الصحيحين) [خ٤٧٩٦ - م١٤٤٥/ ٥] عن عائشة: أن أفلح أخا أبي القعيس استأذن عليها بعدما أنزل الحجاب فقالت: والله لا آذن له حتى أستأذن رسول الله ﷺ ؛ فإن أخا أبي القعيس ليس هو أرضعني وإنما أرضعتني امرأته، فأخبرت النبي ﷺ بذلك فقال: (ائذني فإنه عمك تربت يمينك) قال عروة: فبذلك كانت عائشة تقول: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).
واختار ابن بنت الشافعي أن الحرمة لا تسري إلى الفحل، وسيأتي له شاهد في (كتاب الأطعمة) عند قول المصنف: (وكذا ما تولد من مأكول وغيره).
стр. 3831
وَلَوْ كَانَ لَهٌ خَمَسْ مُسْتَوْلِدَاتْ أَوْ أَرْبَعَ نِسْوَة وَأُمْ وَلَد فَرُضَع طِفْل مِنْ كَلِ رَضْعَة ... صَارَ ابْنِه فِي الأَصَّحْ، فَيَحْرِمْنَ لَأَنَهُنَ مُوَطِوَات أَبِيهِ. وَلَوْ كَانَ بَدَلْ المُسْتَوْلِدَات بَنَات أَوْ أَخَوَات ... فَلَا حُرْمَة فِي الأَصَح. وَآَبَاءِ المُرْضِعَة مِنْ نَسَبِ أَوْ رِضَاعْ أَجْدَادِ للرَضِيعْ، ...
ــ
قال: (ولو كان له خمس مستولدات أو أربع نسوة وأم ولد فرضع طفل) منها (من كل رضعة ... صار ابنه في الأصح)؛ لأن لبن الجميع منه، ويجوز أن تثبت الأمومة دون الأبوة فيما إذا أرضعت ثلاث رضعات بلبن رجل ثم تزوجها غيره وأرضعته بلبن الثاني رضعتين ... فإن الحرمة تثبت بينها وبين الرضيع، ولا تثبت بينه وبين الرجلين.
والثاني- وبه قال الأنماطي زابن سريج-: لا يصير؛ لأن الأبوة تابعة للأمومة ولم تحصل، كذا علله الرافعي كما تقدم عنه في تعليل لبن البهيمة.
وصورة الأربع نسوة: أن يكن مدخولا بهن، فإن لم يدخل بهن أو ببعضهن ... لم يحرم من واحدة كما قاله في (التلخيص) كالربيبة، وهذا مفهوم من ذكر الإرضاع.
قال: (فيحرمن لأنهن موطوآت أبيه) لا لكونهن أمهات له، فلسن أمهاته قطعًا.
ولو كان تحته طفلة فأرضعتها كل مستولدة له رضعة ... انفسخ نكاحها في الأصح، ولا غرم؛ لأنه لا يثبت له دين على إمائه.
قال: (ولو كان بدل المستولدات بنات أو أخوات ... فلا حرمة في الأصح)؛ لأنه لو ثبت التحريم ... لكان الرجل جدًا لأم في صورة البنات، وخالا في إرضاع الأخوات، وتصير المرأة جدة لأم البناتت وخالة في صورة الأخوات، والجدودة والخؤولة لا تثبتان إلا بتوسط الأمومة.
والثاني: تثبت الحرمة كما في المستولدات.
وتتصور الأمومة دون الأبوة في صور كثيرة: منها: أن يدر للبكر لبن، أو لثيب لا عن فحل، أو عن زنا ونحو ذلك، وتتصور الأبوة دون الأمومة في صور المستولدات ونظائرها.
قال: (وآباء المرضعة من نسب أو رضاع أجداد للرضيع) فلو كانت أنثى ... حرم عليهم نكاحها كالنسب.
стр. 3832
وَأُمَّهَاتِها جَدّاتُه، وَأوْلادها مِن نَسَب أَوْ رِضَاع إِخْوَته وَأَخَواتِه، وَإِخْوتِها وأخواتها أخواله وخالاته، وأبو ذي اللبن جده، وأخوه عمه وكذا الباقي. واللبن لم نسب إليه ولد نزل به بنكاح أو وطء شبهة
ــ
قال: (وأمهاتها جداته) حتى إذا ارتضع ذكر ... حرم عليه نكاحهن.
قال: (وأولادها من نسب ورضاع إخوته وأخواته) فأولادهم أولاد إخوة وأولاد أخوات فتثبت الحرمة، بخلاف أولاد إخوة المرضع وأخواتها؛ فإنهم أولاد أخواله وخالاته، ولا تسري الحرمة إلى آباء الرضيع وأمهاته وإخوته وأخواته، فلأبيه أن ينكح المرضعة وأن ينكح بنتها.
قال: (وإخوتها وأخواتها أخواله وخالاته، وأبو ذي اللبن جده وأخوه عمه، وكذا الباقي) فأمه جدته وأولاده إخوته وأخواته وأخته عمته؛ لقوله ﷺ في ابنة حمزة: (إنها لا تحل لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة، أرضعتنا وأباها ثويبة) فجعل نفسه عما لها.
فإن قيل: ما فائدة ذكر هذا مع قوله أولا: إنها تصير أمه والفحل أباه؟ فالجواب: أن الرضاع حكم شرعي فلا يلزم من ذلك هذا، ولأنه بصدد بيان من ينتشر التحريم إليه، لكن لا تثبت الحرمة بين الرضيع وبين أولاد إخوة المرضعة وأخواتها؛ فإنهن أولاد أخواله وخالاته، ولا تنتشر الحرمة إلى آباء الرضيع وأمهاته وإخوته وأخواته، فلأبيه أن ينكح المرضعة وأن ينكح بنتها.
قال: (واللبن لمن نسب إليه ولد نزل به بنكاح أو وطء شبهة)؛ إلحاقا للرضاع بالنسب، وفي قول: إن وطء الشبهة لا يحرم على الفحل؛ إذ لا ضرورة إليه، بخلاف النسب والعدة، والمذهب: عدم الفرق.
стр. 3833
لَا زِنًا، وَلَوْ نَفَاهُ بِلِعَان ... انتَفى اللَّبَنُ ... وَلَوْ وُطِئَتْ مَنْكُوحَةٌ بَشُبهَةٍ، أَوْ وَطِىءَ اثْنَانِ بِشُبهَةٍ فَوَلَدَتْ ... فَاللَّبَنُ لِمَنْ لَحِقَهُ الْوَلَدُ بِقَائفٍ أَوْ غَيْرَهِ ...
ــ
تنبيهان:
أحدهما: شرط ابن القاص أن يكون الأب أقر بالدخول في النكاح، فإن لم يقر به ولحقه بمجرد الإمكان ... لم تثبت الحرمة بين الرضيع وأبي الولد، وجعل هذا مما يخالف فيه ولد النسب ولد الرضاع.
الثاني: قوله: (بنكاح) قد يفهم أن الولد الحاصل من الوطء بملك اليمين لا تثبت به الأبوة، وليس كذلك، بل هو مثله بالاتفاق.
ووهم الجيلي في حكايته وجهًا فيه، والمصنف استغنى عنه بما ذكره فيه قبل من أن المستولدة كالزوجة.
قال: (لا زنا)؛ لعدم احترامه، فلا يحرم على الزاني أن ينكح الصغيرة التي ارتضعت من ذلك اللبن، لكنه يكره.
قال الرافعي والمصنف: وقد تقدم في (النكاح) وجه: أنه لا يجوز للزاني نكاح ابنته من الزنا، فيشبه أن يأتي هنا، وكأنهما لم يقفا على نقله، وهو مصرح به في (النهاية) و (البسيط).
قال: (ولو نفاه بلعان ... انتفى اللبن) كما ينتفي الولد النسب، ولو استلحق المولود بعد ذلك ... تثبت حرمة الرضاع أيضًا، كما لو نفاه بعد الرضاع، فإن حرمة الرضاع تنتفي تبعًا.
قال: (ولو وطئت منكوحة بشبهة أو وطىء اثنان بشبهة فولدت ... فاللبن لمن لحقه الولد بقائف أو غيره)؛ لأن اللبن تابع للولد، فإن لم يكن قائف أو نفاه عنهما أو أشكل عليه ... توقفنا إلى أن يبلغ الولد فينتسب إلى أحدهما، فإن بلغ مجنونًا ... صبرنا إلى أن يفيق فينتسب، فإذا انتسب تبعه الرضيع، فإن مات قبل الانتساب وكان له ولد ... قام مقامه فيه، فإن كان له أولاد فانتسب بعضهم إلى هذا وبعضهم إلى هذا ... دام الإشكال، وإنما اعتبرنا انتسابه لأن الرضاع يؤثر في الطباع والأخلاق، وقد يميل
стр. 3834
وَلَا تَنْقَطِعْ نِسْبَةُ اللَّبَنِ عَنْ زَوْج مَاتَ أَوْ طَلَّقَ وَإِنْ طَالَتِ الْمُدَّةُ أَوِ انْقَطَعَ وَعَادَ، فَإِنْ نَكَحَتْ آَخَرَ وَوَلَدَتْ مِنْهُ ... فَاللَّبَنُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ لَهُ، وَقَبْلَهَا لِلأَوَّلِ إِنْ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ ظُهُورِ لَبَنِ حَمْلِ الثَّانِي، ...
ــ
الإنسان إلى من ارتضع من لبنه؛ لقوله ﷺ : (أنا سيد ولد آدم وأفصح من نطق بالضاد، بيد أني من قريش، واسترضعت في بني سعد) فافتخر ﷺ بالرضاع كما افتخر بالنسب.
وإذا قلنا بالانتساب هل يجبر عليه؟ فيه وجهان أو قولان: أصحهما: لا؛ لأن الذي يترتب على الرضاع أسهل مما يترتب على النسب، فإن أراد أن يتزوج ابنة أحدهما ... حرم على الأصح كما لو اختلطت أخته بأجنبية.
وقيل: يحل له أن يتزوج بنت من شاء منهما؛ لأن الأصل الحل في كل منهما، فكانا كما لو اشتبه إناء طاهر بنجس، فإن تزوج بنت أحدهما ... حرمت عليه بنت الآخر، وقيل: يحل له أن يتزوج بنت كل منهما على الانفراد ولا يجمع.
قال: (ولا تنقطع نسبة اللبن عن زوج مات أو طلق وإن طالت المدة)؛ لعموم الأدلة، فلو كان له ولد ... قام مقامه في الانتساب كما تقدم.
قال: (أو انقطع وعاد)؛ لأنه لم يحدث ما يحال اللبن عليه فاستمرت نسبته إليه.
وقيل: إن انقطع وعاد بعد أربع سنين من وقت الطلاق ... لم يكن منسوبَا إليه، كما لو أتت بولد بعد هذه المدة ... لا يلحقه.
قال: (فإن نكحت آخر وولدت منه ... فاللبن بعد الولادة له) كالولد، وقال أحمد: لهما جميعَا.
قال: (وقبلها للأول إن لم يدخل وقت ظهور لبن حمل الثاني) سواء زاد على ما كان أم لا.
ويقال: أول مدة يحدث فيها اللبن للحمل أربعون يومًا، وقال المارودي: أربعة أشهر، والمنصوص: أنه يرجع فيه إلى القوابل.
стр. 3835
وَكَذَا إِنْ دَخَلَ، وَفِي قَوْلٍ: لِلثَّانِي، وَفِي قَوْلٍ: لَهُمَا.
فَصْلٌ:
تَحْتَهُ صَغِيرَةٌ فَأَرْضَعَتْهَا أٌمٌهٌ أَوْ أٌخْتٌهٌ أَوْ زَوْجَةٌ أٌخْرَى .. انْفَسَخَ نِكَاحُهٌ،
ــ
قال: (وكذا إن دخل) أي: وقت ظهور لبن الحمل الثاني؛ لأن اللبن تبع للولد، وهو غذاؤه لا غذاء الحمل، فيتبع الولد المنفصل دون الحمل.
قال: (وفي قول: للثاني)؛ لقرب وقت الولادة بسبب ظهور اللبن، فأشبه النازل بعد الولادة.
قال: (وفي قول: لهما)؛ لتقابل المعنيين، فإذا فرعنا على هذا .. فهل يحتاج إلى عشر رضعات أو يكفي خمس؟
قال الداركي: يحتمل وجهين، وأطلق المصنف الخلاف، ومحله إذا انقطع مدة طويلة ثم عاد، أما إذا انقطع قليلا ثم عاد .. فثلاثة أقول أيضا: أصحها: للأول، والثاني: لهما، والثالث: إن زاد اللبن .. فلهما، وإلا .. فللأول.
وحاصله: أن القول الثاني في الكتاب محله في الحالة الأولى، وفي الحالة الثانية يأتي بدله التفصيل بين أن يزيد أم لا.
تتمة:
حبلت امرأة من الزنا وهي ذات لبن من زوج .. فحيث قلنا هناك: اللبن للأول أو لهما .. فهو للزوج، وحيث قلنا: هو للثاني .. فلا أب للرضيع.
ولو نكحت امرأة لا لبن لها فحملت ونزل لها لبن .. قال المتولي: في ثبوت الحرمة بين الرضيع والزوج وجهان بناء على الخلاف، إن جعلنا اللبن للأول .. لم نجعل الحمل مؤثرا، ولا تثبت الحرمة حتى ينفصل الولد، وإن جعلناه للثاني أو لهما .. ثبت.
قال: (فصل:
تحته صغيرة فأرضعتها أمه أو أخته أو زوجة أخرى .. انفسخ نكاحه)؛ لأنها صارت أختا أو بنت أخت أو ربيبة، فيحرمن مؤبدا؛ لأن ما يوجب الحرمة كما يمنع
стр. 3836
ولَلِصَّغِيرَةِ نِصْفٌ مَهْرِهَا، وَلَهٌ عَلَى الْمٌرْضِعَةِ نِصْفٌ مَهْرِ مِثْلٍ، وَفِي قَوْلٍ: كُلُّهُ.
ــ
ابتداء النكاح .. يمنع الاستدامة، وإذا ثبت التحريم .. انقطع النكاح.
قال: (وللصغيرة نصف مهرها) أي: على الزوج؛ لأنه فراق قبل الدخول، وأشار بإضافة المهر إليها إلى أنه نصف المسمى الصحيح، أو نصف مهر المثل إن كان فاسدًا.
هذا إذا لم يكن الانفساخ من جهة الصغيرة، فإن كان بأن دبت فرضعت من نائمة .. فإنه لا شيء لها كما سيأتي.
قال: (وله على المرضعة نصف مهر مثل)؛ لأنه لم يغرم غيره، هذا هو المنصوص هنا، ونص في شهود الطلاق قبل الدخول إذا رجعوا على أنه يلزمهم جميع المهر فقيل: قولان فيهما، والمذهب تقريرهما؛ لأن فرقة الرضاع حقيقة فلا توجب إلا النصف، وفي الشهادة النكاح باق بزعم الرجل، والشاهدان حالا بينه وبين البضع فيغرمان قيمته كالغاصب يحول بين المالك والمغصوب.
قال: (وفي قول) أي: مخرج (كله)؛ لأن قيمة البضع مثل المهر، وإتلاف الشيء المتقوم يوجب قيمته.
وقال الماوردي: إنما يرجع الزوج بالغرم إذا لم يأذن في الإرضاع، فإن أذن .. فلا غرم.
ولم يتعرض المصنف لمهر الكبيرة، وحكمه: إن كانت مدخولًا بها .. فلها المهر، وإلا فلا.
وشمل إطلاقه ما إذا تعين عليها الرضاع بأن لا يكون ثم غيرها، والذهب: أنه كما لو لم يتعين .. فيأتي فيه ما سبق، وفي وجه: لا غرم عليها.
فروع:
كانت الصغيرة مفوضة فأرضعتها أم الزوج .. فلها على الزوج المتعة، ويرجع الزوج على أمه بها.
стр. 3837
وَلَوْ رَضَعَتْ مِنْ نَائِمَةٍ .. فَلَا غُرْمَ وَلَا مَهْرَ لِلْمُرْتَضِعَةِ
ــ
وصورة ذلك: أن تكون الصغيرة أمة فيزوجها السيد بلا مهر؛ لأن ذلك لا يتصور في الحرة.
ولو حلب أجنبي لبن أم الزوج أو كان محلوبا فأخذه وأوجره الصغيرة .. فالغرم على الأجنبي.
ولو أرضعت مكرهة .. فالصحيح في (الروضة) و (الكفاية) أن الغرم عليها.
والثاني: على المكره.
والثالث: عليهما.
والرابع: للمالك أن يطالب من شاء منهما، غير أنه إذا طولب المتلف رجع على الآمر كما صححه الشيخان في (الجنايات)، وهو المعتبر هنا كما قاله في (المهمات)، ولو أوجرها خمسة أنفس .. فعلى كل واحد خمس الغرم.
ولو أوجرها واحد مرة وآخران مرتين .. فالغرم على عدد الرضعات، وقيل: أثلاثا.
ولو كان الزوج عبدا فأرضعت أمه زوجته .. فالغرم عليها لسيده، كما إذا خالع هو زوجته .. فالمال لمولاه.
ولو أرضعت أمة الرجل أو مدبرته أو مستولدته زوجته الصغيرة فحرمت عليه .. فلا رجوع له على واحدة منهن، اللهم إلا أن تكون مكاتبة فيرجع عليها بالغرم، فإن عجزت .. سقط، فإن عتقت .. كان ذلك دينا في ذمتها.
قال: (ولو رضعت من نائمة .. فلا غرم) أي: على النائمة؛ لأنها لم تصنع شيئا، وإنما الصغيرة دبت بنفسها.
وقال الداركي: عليها الغرم، لأن اللبن لها، وهي منسوبة في نومها إلى تقصير، فلو كانت مستيقظة .. فالأصح في (الروضة) لا غرم أيضًا؛ لعدم الفعل.
قال: (ولا مهر للمرتضعة)؛ لأن الانفساخ حصل بفعلها، وهو قبل الدخول مسقط للمهر، وقيل: لها نصف المهر، ولا يعتبر فعلها في الإسقاط؛ لعدم التكليف.
стр. 3838
وَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ كَبِيرَةُ وَصَغِيرَةُ فَأَرْضَعَتْ أُمُّ الْكَبِيرَةَ الصَّغِيرَةَ .. انْفَسَخَتِ اِلصَّغِيرَةُ، وَكَذَا الْكَبِيرَةُ فِي الأَظْهَرِ، وَلَهُ نِكَاحُ مَنْ شَاءً مِنْهٌمَا، وَحُكْمُ مَهْرِ الصَّغِيرَةِ وَتَغْرِيمِهِ الْمُرْضِعَةَ مَا سَبَقَ، وَكَذَا الْكَبِيرَةُ إِنْ لَمْ تَكُنْ مَوْطُوءَةً،
ــ
ولو ارتضعت الصغيرة من أم الزوج رضعتين وهي نائمة ثم أرضعتها الأم ثلاثًا .. ففيه الوجهان السابقان في أن الغرم يوزع على المرضعات أو الرضعات، والأصح: الثاني.
ولو أرضعتها الأم أربع رضعات ثم ارتضعت الصغيرة منها وهي نائمة المرة الخامسة .. ففيه الوجهان كالوجهين فيما إذا طلقها ثلاثًا متعاقبات .. هل يتعلق التحريم بالثالثة وحدها بالثلاث؟ وقد تقدمت فائدة ذلك في (باب ما يحرم من النكاح).
قال: (ولو كان تحته كبيرة وصغيرة فأرضعت أم الكبيرة الصغيرة .. انفسخت الصغيرة)؛ لأنها صارت أختا للكبيرة، ولا يجمع بين الأختين، فكذلك الحكم لو أرضعتها جدتها أو أختها أو بنت أختها.
قال: (وكذا الكبيرة في الأظهر)؛ لأنهما صارتا أختين، فأشبه ما لو أرضعتهما معا.
والثاني: يختص الاندفاع بالصغيرة، لأن الجمع بها حصل، فأشبه ما لو نكح أختا على أخت، فإن البطلان يختص بالثانية، ونسب الماوردي هذا إلى الجديد، والأول إلى القديم.
قال: (وله نكاح من شاء منهما) أي: منفردة ولا يجمع بينهما؛ لأنهما في مسألة الكتاب أختان، وفي الثانية: الصغرى خالة، وفي الثالثة: عكسه، وفي الرابعة والخامسة: الكبرى عمة أم أو خالة أم.
قال: (وحكم مهر الصغيرة وتغريمه المرضعة ما سبق) في إرضاع أمه ونحوها الصغيرة.
قال: (وكذا الكبيرة إن لم تكن موطوءة) فإذا قلنا بانفساخ نكاحها .. فلها نصف المهر على الزوج، وتغرم له المرضعة نصف مهر المثل.
стр. 3839
فَإِنْ كَانَتْ .. فَلَهُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ مَهْرُ مِثْلٍ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ أَرْضَعَتْ بِنْتُ الْكَبِيرَةِ الصَّغِيرَةَ .. حَرُمَتِ الْكَبِيرَةُ أَبَدًا، وَكَذَا الصَّغيرَةُ إِنْ كَانَتِ الْكَبِيرَةُ مَوْطُوءَةً. وَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ صَغِيرَةُ فَطَلَّقَهَا فَأَرْضَعَتْهَا امْرَأَةُ .. صَارَتْ أُمَّ امْرَأَتِهِ. وَلَوْ نَكَحَت مُطَلَّقةُ صَغِيرَاَ وَأَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِهِ .. حَرُمَتْ عَلَى الْمُطَلَّقِ وَالصَّغِيرِ أَبَدًا
ــ
قال: (فإن كانت) أي: الكبيرة موطوءة) .. فله على المرضعة مهر مثل في الأظهر) كما لو شهدا بالطلاق بعد الدخول ثم رجعا.
والثاني: لا غرم عليها؛ لأن البضع بعد الدخول لا يتقوم للزوج، بدليل ما لو ارتدت وأصرت .. فإنه لا غرم عليها وعلى الزوج مهرها المسمى كما صرح به في (المحرر).
قال: (ولو أرضعت بنت الكبيرة الصغيرة .. حرمت الكبيرة أبدا، وكذا الصغيرة إن كانت الكبيرة موطوءة)؛ لكونه ربيبة له، وحكم مهر الصغيرة على الزوج، والغرم على المرضعة للزوج ما تقدم.
قال: (ولو كان تحته صغيرة فطلقها فأرضعتها امرأة .. صارت أم امرأته) فتحرم المرضعة على المطلق، لأنها صارت أم من كانت زوجته، ودخلت في أمهات النساء، ولا نظر في ذلك إلى التقدم والتأخر.
قال: (ولو نكحت مطلقة صغيرا وأرضعته بلبنه .. حرمت على المطلق والصغير أبدا) أما المطلق .. فلأنها زوجة ابنة، وأما الصغير .. فلأنها أمه وزوجة أبيه.
وشملت عبارة المصنف من تزوجت صغيرا له دون الحولين ثم فسخت نكاحه بعيب ثم زوجت بآخر فأولدها فأرضعت المفسوخ نكاحه .. فإنه ينفسخ نكاح الثاني، لأنها صارت زوجة ولده وحرمت عليهما على التأييد، ولا يخفى أن المراد المطلقة الحرة؛ لأنها لو كانت أمة .. لم تحرم على المطلق؛ لبطلان نكاح الصغير أمة، فلم تصر حليلة ابنه بذلك.
стр. 3840
وَلَوْ زَوَّجَ أُمَّ وَلَدِهِ عَبْدَهُ اَلصَّغِيرَ فَأَرْضَعَتْهُ لَبَنَ الْسَّيَّدِ .. حَرُمَتْ عَلَيْهِ وَعَلَىَ الْسَّيَّدِ.
وَلَوْ أَرْضَعَتْ مَوْطُوءَتُهُ الأَمَةُ صَغِيرَةً تَحْتَهُ بِلَبَنِهِ أَوْ لَبَنِ غَيْرِهِ .. حَرُمَتًا عَلَيْهِ. وَلَوِ كَانَ تَحْتَهُ صَغِيرَةُ وَكَبِيرَةُ فَأَرْضَعَتْهَا .. انْفَسَخَتَا وَحَرُمَتِ الْكَبِيرَةُ أَبَدًا، وَكَذَا الصَّغِيرَةُ إِنْ كَانَ الإِرْضَاعُ بِلَبَنِهِ، وَإِلاَّ فَرَبِيبَةُ. وَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ كَبِيرَةُ وَثَلاثُ صَغَائِرَ فَأَرْضَعَتْهُنَّ .. حَرُمَتْ أَبَدَا، وَكَذَا الصَّغَائِرُ إِنْ أَرْضَعَتهُنَّ بِلَبَنِهِ أَوْ لَبَنِ غَيْرِهِ وَهِىَ مَوْطُوءَةُ،
ــ
قال: (ولو زوج أم ولده عبده الصغير فأرضعته لبن السيد .. حرمت عليه)؛ لأنها أمه وموطوءة أبيه.
قال: (وعلى السيد)؛ لأنها زوجة ابنه، وهذه المسألة مبنية على إجبار العبد على النكاح، وقد تقدم أن الأصح: أنه لا يجبر عليه، ونقل المزني عن الشافعي: أنها لا تحرم عليه، وغلطوه في نقله.
قال: (ولو أرضعت موطوءته الأمة الصغيرة تحته بلبنه أو لبن غيره .. حرمتا عليه)
أما الأمة .. فلأنها صارت أم زوجته، وأما الصغيرة .. فلأنها بنته أو بنت موطوءته المدخول بها إن كانت بلبن غيره.
قال: (ولو كان تحته صغيرة وكبيرة فأرضعتها .. انفسختا)؛ للجمع بين الأم والبنت، وهذه تقدمت في أوائل الفصل، ذكرت هناك لأجل الغرم، وهنا لتأييد التحريم وعدمه.
قال: (وحرمت الكبيرة أبدا)؛ لأنها أم زوجة.
قال: (وكذا الصغيرة إن كان الإرضاع بلبنه)؛ لأنها بنته.
قال: (فإلا فربيبة)، لأن الإرضاع بلبن غيره فتحرم مؤبدا إن كان دخل بالكبيرة، وإلا .. فلا.
قال: (ولو كان تحته كبيرة وثلاث صغائر فأرضعتهن .. حرمت) أي الكبيرة (أبدًا، وكذا الصغائر إن أرضعتهن بلبنه أو لبن غيره وهي موطوءة) سواء أرضعتهن معا أو مرتبا؛ لأن الكبيرة أم زوجاته، والصغائر بناته أو ربائب زوجته المدخول بها،
стр. 3841
وَإِلاَّ: فَإِن أَرْضَعَتْهُنَّ مَعًا بِإِيجَارِهَنَّ الْخَامِسَةَ .. انْفَسَحْنَ وَلاَ يَحْرُمْنَ مُؤَبَّدًا. أَوْ مُرَتَّبًا .. لَمْ يَحْرُمْنَ، وَيَنْفَسِخُ نِكَاحُ الأُولَى وَالثَالِثَةُ، وَتَنْفَسِخُ اَلثَانِيَةٌ بِإُرْضَاعِ الثَالِثَةِ، وَفِي قَوْلٍ: لاَ يَنْفَسِخُ، وَيَجْزِي القَوْلاَنِ فِيمَنْ تَحْتَهُ صَغِيرَتَانِ أَرْضَعَتْهُمَا أَجْنَبِيَّةُ مُرَتَّبًا: أَيَنْفَسِحَانِ أَمِ الثَانِيَةُ؟
ــ
وعليه المسمى للكبيرة ونصف المسمى لكل صغيرة، وعلى الكبيرة الغرم.
قال: (وإلا) أي: وإن لم يكن اللبن له ولا كانت الكبيرة مدخولا بها.
قال: (فإن أرضعتهن معا بإيجارهن الخامسة .. انفسخن)، لصيرورتهن أخوات ولاجتماعهن مع الأم في النكاح، وكذلك الحكم لو وضعت ثدييها في في اثنتين وأوجرت الثالثة من لبنها المحلوب.
قال: (ولا يحرمن مؤبدا)؛ لأنهن بنات امرأة لم يدخل بها، فله أن يجدد نكاح واحدة منهن، ولا يجمع بين ثنتين منهن.
قال: (أو مرتبا .. لم يحرمن) بل إذا أرضعت واحدة ثم ثانية ثم ثالثة .. انفسخت الأولى باجتماعها مع أمها، وأما الثانية .. فلا ينفسخ بمجرد إرضاعها؛ لأنها لم تجتمع مع أم ولا أخت.
قال: (وينفسخ نكاح الأولى)؛ لاجتماع الأم والبنت في النكاح (والثالثة)؛ لأنها صارت أختا للثانية التي هي في نكاحه.
وقال: (وتنفسخ الثانية بإرضاع الثالثة)؛ لأنهما صارتا أختين معا، فأشبه ما إذا أرضعتهما معا، وهذا هو التقديم، وصححه الجمهور، فهي مما يفتى فيها بالقديم.
قال: (وفي قول: لا ينفسخ) بل يختص الانفساخ بالثالثة؛ لأن الجمع تم بإرضاعها فاختص الفساد بها كما لو نكح أختا على أخت، وهذا هو الجديد، ورجحه الشيخ أبو حامد.
قال: (ويجري القولان فيمن تحته صغيرتان أرضعتهما أجنبية مرتبًا: أين فسخان أم الثانية؟) فإذا أرضعت الثانية .. انفسخت، وفي الأولى حينئذ القولان، ولا خلاف أن المرضعة حرمت على التأييد، لأنها صارت من أمهات زوجاته.
стр. 3842
فَصْلُ:
قَالَ: هِنْدُ بِنْتِي أَوْ أُخْتِي بِرَضَاعٍ، أَوْ قَالَتْ: هُوَ أَخِي .. حَرُمَ تَنَاكُحُهُمَا.
وَلَوْ قَالَ زَوْجَانِ: بَيْنَنًا رَضَاعُ مُحَرَّمُ .. فُرَّقَ بَيْنَهُمَا
ــ
واحترز بقوله: (مرتبا) عما إذا أرضعتهما معا .. فإنه ينفسخ نكاحهما قولا واحدا؛ لصيرورتهما أختين معا.
تتمة:
بقي من أقسام المسألة حالتان:
الأولى: أن ترضع ثنتين معا ثم الثالثة .. فيفسخ نكاح الأوليين دون الثالثة؛ لوقوع رضاعها بعد اندفاع أمها وأختها.
الثانية: أن ترضع واحدة أولا ثم ثنتين ... فيفسخ نكاح الأربع، أما الأولى والكبيرة .. فلاجتماع الأم والبنت، وأما الأخيرتان .. فلأنهما صارتا أختين.
قال: (فصل:
قال: هند بنتي أو أختي برضاع، أو قالت: هو أخي .. حرم تناكحهما)؛ لأنه إقرار منهما أو من أحدهما على نفسه، ليس فيه ضرر على غيره فيؤاخذ بموجبه، وهذا بشرط الإمكان، فلو قال: فلانة ابنتي وهي أكبر سنا منه ... لغا.
وعن أبي حنيفة: أن الحرمة تثبت بذلك.
وإنما لم يذكر المصنف هذا الشرط هنا؛ لأنه قدمه في (باب الإقرار).
ثم إذا صح الإقرار فرجعا أو رجع المقر منهما أو كذب نفسه .. لم يقبل رجوعه، ولم يصح النكاح.
وقال أبو حنيفة: يقبل ويجوز النكاح.
ولفظ (هند) يصرف ولا يصرف، إن شئت جمعته جمع التكسير فقلت: هنود، وإن شئت جمعته جمع السلامة فقلت (هندات).
قال: (ولو قال زوجان: بيننا رضاع محرم .. فرق بينهما)؛ مؤاخذة لهما
стр. 3843
وَسَقَطَ الْمُسَمَّى وَوَجَبَ مَهْرُ مِثْلٍ إِنْ وَطِئَ. وإَنِ ادَّعَى رَضَاعَا فَأَنْكَرَتِ .. انْفَسَخَ، وَلَهَا الْمُسَمَّى إِنْ وَطِئَ، وَإِلاَّ ... فَنِصْفَهُ. وإِنِ ادَّعَتْهُ فَأَنْكَرَ .. صُدَّقَ بِيَمِينِهِ إِنْ زُوَّجَتْ بِرِضَاهَا، وإِلاَّ .. فالأصح: تصديقها
ــ
بإقرارهما (وسقط المسمى ووجب مهر مثل إن وطئ) فإن لم يطأ .. فلا يجب شيئ، فلو قال: بيني وبينها رضاع واقتصر عليه .. ووقف التحريم على بيان العدد، ولو قال: هي أختي من الرضاع، فإن كان فقيها موافقًا .. لم يحتج إلى ذكر العدد، وإلا فوجهان.
قال: (وإن ادعى رضاعا فأنكرت .. انفسخ)؛ عملا بقوله.
قال: (ولها المسمى إن وطئ، وإلا .. فنصفه)؛ ترجيحا لجانبه إذ الفرقة جاءت منه.
قال: (وإن ادعته فأنكر .. صدق بيمينه إن زوجت برضاها)؛ لتضمن رضاها الإقرار بحلها له.
وصورة مسألة الكتاب: أنها أذنت لوليها في رجل بعينه فزوجها منه برضاها، فلو أذنت في النكاح مطلقا واكتفينا به- وهو الأصح- ثم ادعت المحرمية .. فكالتي زوجت بغير رضاها.
قال: (وإلا) أي: وإن لم تزوج برضاها) .. فالأصح: تصديقها)؛ لأن ما تدعيه محتمل، ولم يسبق ما يناقضه، فأشبه ما إذا قالته ابتداء فإنه يمنع تزويجها منه.
والثاني: المنع استدامة للنكاح الجاري على الصحة ظاهرًا، وحسمًا للباب، وهذه المسألة في (الشرحين) و (الروضة) هنا، وفي آخر (النكاح) بلا تصحيح.
كل هذا إذا لم تمكنه، فإن مكنته ... فكتزويجها برضاها، ودعواها المحرمية بالصاهرة كقولها: كنت زوجة أبيه أو إبنه، أو وطئني أحدهما بشبهة كدعوى الرضاع.
стр. 3844
وَلَهَا مَهْرُ مِثْلٍ إِنْ وَطِئَ، وَإِلاَّ .. فَلاَ شَيْءَ. وَيُحَلَّفُ مُنْكِرُ رَضَاعٍ عَلَى نَفْيِ عِلْمِهِ، وَمُدَّعِيهِ عَلَى بَتَّ. وَيَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجْلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَبِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ
ــ
قال: (ولها مهر مثل إن وطئ) المراد: أنه ليس لها طلب المسمى؛ لاعترافها بفساد النكاح.
قال: (وإلا .. فلا شيء) هو كلام صحيح، لكنه ليس في (الشرحين) ولا في (الروضة).
قال: (ويحلف منكر رضاع على نفي علمه) لأنه ينفي فعل غيره.
قال: (ومدعيه على بت)؛ لأنه يثبته، ويستوي في ذلك الرجل والمرأة.
هذا في اليمين الأصلية، فلو نكلت عن اليمين وردت على الزوج أو عكسه .. فاليمين المردودة على البت؛ لأنها مثبتة، وقال القفال: على نفي العلم؛ لكونها موافقة ليمين الابتداء.
قال: (ويثبت) أي: الرضاع (بشهادة رجلين) كسائر الحقوق، لكن لو شهدا ثم قالا: تعمدنا النظر إلى الثدي لا لتحمل الشهادة .. قال الرافعي: لم تقبل شهادتهما لأنهما فاسقان، واعترضه المصنف بأن مجرد النظر صغيرة لا ترد بها الشهادة من غير إصرار، ورده في (المهمات) بأنه ولو أصر عليها لا ترد بها الشهادة أيضا؛ إذ لابد من أنواع من الصغائر كما سيأتي في (الشهادات).
قال: (أو رجل وامرأتين، وبأربع نسوة)؛ لأنه مما يطلع عليه النساء غالبا فأشبه الولادة.
وقال أبو حنيفة: لا يثبت الرضاع بالنسوة المتمحضات.
وعند مالك: لا يحتاج إلى أربع نسوة، بل يكتفي باثنتين.
وقبل أحمد شهادة المرضعة وحدها، وهذا الحكم قرره المصنف في (كتاب الشهادات).
قال القفال: هذا إذا تنازعنا في الشرب من الثدي، فإن تنازعنا فيه من ظرف .. لم تقبل النساء المتمحضات.
стр. 3845
وَالإِقْرَارُ بِهِ شَرْطُهُ رَجُلاَنِ. وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ اٌلمُرْضِعَةِ إِنْ لَمْ تَطْلُبْ أُجْرَةٌ، وَلاَ ذَكَرَتْ فِعْلَهَا، وَكَذَا إِنْ ذَكَرَتْهُ فَقَالَتْ: أَرْضَعْتُهُ فِي اٌلأَصَحُّ: أَنَّهُ لاَ يَكْفِي بَيْنَهُمِا رَضَاعٌ مُحَرِّمٌ، بَلْ يَجِبُ ذِكْرُ وَقْتٍ وَعَدَدٍ، وَوٌصٌولِ اٌللَّبَنِ جَوْفَهُ،
ــ
نعم؛ يقبلن في آن الذي في الظروف لبن فلانة.
قال: (والإقرار به شرطه رجلان)؛ لأنه مما يطلع عليه الرجال غالبا، بخلاف نفس الرضاع.
قال: (وتقبل شهادة المرضعة إن لم تطلب أجرة)؛ إذا لا تهمة في ذلك، وقيل: تقبل في ثبوت الحرمة دون الأجرة، والمراد: قبول شهادتها مع غيرها لا وحدها؛ فإنها غير مقبولة.
قال: (ولا ذكرت فعلها) وإنما شهدت برضاع محرم، ولا نظر إلى ما يتعلق به من ثبوت محرمية وجواز خلوة ومسافرة.
قال: (وكذا إن ذكرته فقالت: أرضعته في الأصح) عبارة (المحرر) و (الروضة): أرضعتهما، وهى أحسن؛ لأنها لا تجر لها نفها ولا تدفع عنها ضررا، بخلاف الولادة؛ فإنها تثبت النفقة والإرث وغيرها.
والثاني: لا تقبل كما إذا شهد الحاكم على فعل نفسه بعد العزل، والقسام على القسمة، فلو نسبت الفعل إلى الصبي فقالت: أشهد أنه ارتضع مني .. قبلت قطعا.
قال: (والأصح: أنه لا يكفى بينهما رضاع محرم، بل يجب ذكر وقت وعدد)؛ لاختلاف المذاهب في ذلك، وهذا هو المنصوص.
والثاني: تكفى الشهادة المطلقة.
قال الرافعي: ويحسن أن يقال: إن كان المُطْلق فقيها موثوقا بمعرفته .. قبل منه الإطلاق، وإلا .. فلا، كالإخبار عن نجاسة الماء وغيره.
قال: (ووصول اللبن جوفه) أي: في كل رضعه، كما يشترط ذكر الإيلاج في شهادة الزنا.
стр. 3846
وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِمُشَاهَدَةِ حَلَبِ وَإِيجَارٍ وَاٌزْدِرَادِ، أَوْ قَرَائِنَ كاَلْتِقَامِ ثَدْيٍ وَمَصِّهِ وَحَرَكَةِ حَلْقِهِ بِتَجَرُّ وَاٌزْدِرَادِ بَعْدَ عِلْمِهِ أَنَّهَا لَبُونٌ
ــ
والثاني: لا؛ لأنه لا يشاهد.
قال: (ويعرف ذلك) أي: وصول اللبن (بمشاهدة حلب) وهو بفتح اللام كما ضبطه المنصف بخطه، وهو اللبن الحلوب.
قال: (وإيجار وازداد، أو قرائن كالتقام ثدي ومصه وحركة حلقه بتجرع وازدراد)؛ لأن مشاهدة القرائن قد تفيد اليقين أو تغلب الظن القوي، وذلك يجوز الإقدام على الشهادة.
قال: (بعد علمه أنها لبون) أي: ذات لبن، والمراد: أن يعلم أن يعلم فى ثديها حالة الإرضاع أو قبيلة لبنا، وإلا .. فقد يعلم أنها لبون ولا يكون في ثديها حينئذ لبن بأن حلبته أو أرضعته غيره، فلو شاهد التقام الثدي والامتصاص وهيئة الازدراد ولم يعلم أنها ذات لبن .. فقيل: له الشهادة بظاهر الحال، والأصح: المنع كما أفهمه تقييد المصنف.
تتمة:
إذا شهدت امرأة واحدة أو امرأتان بالرضاع .. لا يفرق بينهما، ولكن يستحب للرجل أن يطلقها؛ حتى تحل لغيره من الأزواج، ويكره له المقام معها؛ لما روى البخاري [٢٦٥٩] وأبو داوود [٣٥٩٨] والترمذي [١١٥١] والنسائي [٦\ ١٠٩] عن عقبة بن الحارث- ولا يحفظ له سواء-: أنه تزوج أم يحي بنت أبي إهاب واسمها غنية- قاله الدارقطني في (المؤتلف والمختلف) -:فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما، قال: فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأعرض عنى، قال: فتنحيت فذكرت ذلك له فقال: (كيف وقد زمن أن قد أرضعتكما) فنهاه عنها فطلقها.
стр. 3847
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خاتمة
يستجب أن تعطى المرضعة شيئا عند الفصال، والأولى عند أوانه، فإن كانت مملوكة استحب أن تعتق؛ لما روى أبو داوود ﴿٢٠٥٧﴾ والترمذي ﴿١١٥٣﴾ والنسائي ﴿٦\ ١٠٨﴾ عن حجاج بي حجا الأسلمي عن أبيه قال: يا رسول الله؛ ما يذهي عني مذمة الرضاع؟ قال: (عبد أو أمة) وإنما خص الرقبة بالمجازاة لأن إرضاعها كان سببا لحياته، ولأنها صارت أما له، ولن يجزي ولد يجزي ولد والده إلا بالإعتاق.
والمراد بمذمة الرضاع: الحق اللازم بسببه، فكأنه سال ما يسقط عنه حق المرضعة المؤكد عليه لها.
وروى البهقي [١٠\ ١٧٧] عن ابن عباس: أنه سئل عن امرأة شهدت أنها أرضعت امرأة وزوجها فقال: (تستحلف عند المقام، فإن كانت كاذبة .. لم يحل عليها الحول حتى يبيض ثدياها، فاستحلفت فابيض ثدياها قبل الحول) وبهذا الحديث والأثر قال أحمد ﵀.
стр. 3848
كتاب النفقات
стр. 3849
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
ــ
كتاب النفقات
لفظها مأخوذ من الإنفاق والإخراج، وجمعت لاختلاف أنواعها، وهي قسمان:
نفقة تجب للإنسان على نفسه إذا قدر عليها، وعليه أن يقدمها على نفقة غيره؛ لقوله ﷺ : (ابدأ بنفسك ثم بمن تعول).
ولوجوبها ثلاثة أسباب: ملك النكاح وملك اليمن والقرابة.
فالأولان يوجبان النفقة للملوك على المالك ولا عكس، والثالث يوجبها لكل واحد من القريبين على الآخر؛ لشمول البعضية والشفقة.
وإنما بدأ المصنف بنفقة الزوجات لأنها واجبة بالنص والإجماع بطريق المعاوضة في مقابلة التمكين من الاستمتاع، ولا تسقط بمضي الزمان، فهي أقوى من غيرها.
والأصل في وجوبها: قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ والقيم على الغير: هو المتكفل بأمره.
قوله تعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا﴾ يقول: إن خفتم أن لا تعدلوا بين النساء .. فاقتصروا على واحدة أو ما ملكت أيمانكم؛ فذلك أدنى أن لا تكثر عيالكم ولا تلزمكم المؤن الكثيرة، فدل على وجوب مؤنة العيال.
واعترض على تفسير الشافعي بأن معنى: ﴿أَلاَّ تَعُولُوا﴾: لا تجوروا، لا أن تكثر عيالكم، يقال: عال إذا جار، وأعال إذا كثر عياله.
وأجيب عنه بأن ما ذكره الشافعي ﵀ منقول من جهة الأثر عن زيد بن
стр. 3850
عَلَى الْمُوسِرِ لِزَوْجَتِهِ كُلَّ يَوْمٍ: مُدَّا طَعَامٍ، وَمُعْسِرٍ مُدٌّ، وَمُتَوَسِّطٍ مُدٌّ وَنِصْفٌ ......
ــ
أسلم، ومن جهة اللغة عن الكسائي وإن كان أعال في كثرة العيال أكثر.
واستنبط بعضهم وجوب النفقة من قوله تعالى: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ ولم يقل: (فتشقيان) فدل على أن آدم يتعب لنفقته ونفقتها، وبنوهما على سننهما.
وروى مسلم [١٢١٨/ ١٤٧] عن جابر: أن رسول الله ﷺ قال في خطبته في حجة الوداع: (فاتقوا الله في النساء - إلى أن قال-: ولهن عليهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف).
وقال ﷺ لهند بنت عتبة: (خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف).
وقال: (قال الله تعالى: يا ابن آدم؛ أنفق .. أنفق عليك).
وقال: (اللهم؛ أعط منفقًا خلفًا).
وقال رجل من الأنصار للنبي ﷺ : أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالًا، فقال: (بذلك أمرت).
ولما أباح الله تعالى للزوج أن يضر المرأة بثلاث ضرائر ويطلقها ثلاثًا .. جعل لها عليه ثلاث حقوق مؤكدات: النفقة والكسوة والإسكان، وهو يتكلفها غالبًا، فكان له عليها ضعف ما لها عليه من الحقوق؛ لضعف عقلها.
والحقوق الواجبة بالزوجية سبعة: الطعام، والإدام، والكسوة، والسكنى، وآلة التنظيف، ومتاع البيت، وخادم إن كانت ممن يخدم، وكذلك رتبها المصنف.
قال: (على الموسر لزوجته كل يوم: مدا طعام، ومعسر مد، ومتوسط مد ونصف) هذا هو الواجب الأول وهو الطعام، وقدره يختلف باختلاف حال الزوج في
стр. 3851
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اليسار والإعسار، ولا تعتبر فيه الكفاية، ولا ينظر إلى حال المرأة في الزهادة والرغبة، ولا في منصبها وشرفها، وتستوي المسلمة والذمية والحرة والأمة.
واحتج الأصحاب ﵏ لأصل التفاوت بقوله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾.
فأما اعتبار مدين للموسر .. فلأنها مقدرة بالاجتهاد؛ لأنها لو اعتبرت بقدر الحاجة .. لسقطت نفقة المريضة ومن هي مستغنية بالشبع في بعض الأيام، فألحقت بما يشبهها وهي الكفارة؛ لأنها طعام وجب بالشرع لسد الجوعة، ولهذا اعتبر الله تعالى طعام الكفارة بنفقة الأهل بقوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ وأكثر ما في الكفارة للواحد مدان في كفارة الحلق ونحوه، وأقله مد في اليمين وغيرها، فهنا كذلك، والمتوسط لو ألزم المدين .. لضره، ولو اكتفى منه بمد .. لضرها فلزمه مد ونصف.
ووراء ما ذكره المصنف قولان ووجه:
أحد القولين - وهو مذهب أبي حنيفة -: أن الواجب الكفاية من غير تقدير كنفقة القريب؛ لظاهر قوله ﷺ لهند: (خذي من ماله ما يكفيك ويكفي بنيك)، ولأنها في مقابلة التمكين، وهو مقدر بكفاية الزوج، فكذلك النفقة.
والثاني: أن القاضي يقدرها باجتهاده.
والوجه محكي عن ابن خيران: أنها لا تتقدر بالمقادير المذكورة، بل يتبع فيها عرف البلد، وقد تقدم عنها في (الكفارة) ما يوافق ذلك.
واعتبر مالك أبو حنيفة حال المرأة، فيختلف القدر بحبسها.
ونظر أحمد إلى حال الزوجين جميعًا، فأوجب على الموسر للفقيرة. نفقة متوسط.
ويستثنى من إطلاق المصنف المكاتب؛ فالمنقول إلحاقه بالمعسر.
وفي المبعض وجهان: أصحهما: أنه كذلك وإن كثر ماله ببعضه الحر، كذا صححه الشيخان هنا، وألحقاه في
(الكفارة) بالموسر فأوجبا عليه التكفير بما عدا العتق، وذكرا في نفقة الأقارب مثله فأوجبا عليه نفقة كاملة كما سيأتي
стр. 3852
واَلْمُدُّ: مِئَةٌ وَثَلاَثَةٌ وَسَبْعُونَ دِرْهَمًا وَثُلُثُ دِرْهَمٍ. قُلْتُ: اَلأَصَحُّ: مِئَةٌ وَأَحَدٌ وَسَبْعُونَ دِرْهَمًا وَثَلاَثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمِسْكِينُ اَلزَّكَاةِ مُعْسِرٌ، وَمَنْ فَوْقَهُ إِنْ كَانَ لَوْ كُلِّفَ مُدَّيْنِ رَجَعَ مِسْكِينًا .. فَمُتَوَسِّطٌ، وَإِلاَّ .. فَمُوسِرٌ. وَاَلْوَاجِبُ: غَالِبُ قُوتِ اَلْبَلَدِ
ــ
وإطلاقهم هنا (اليوم) مرادهم مع ليلته كما صرح به الرافعي في الفسخ بالإعسار؛ لأن النفقة بمضيها تستقر، ويؤيده قولهم: إنها تجب بطلوع الفجر.
قال: (والمد: مئة وثلاثة وسبعون درهمًا وثلث درهم) هذا تفريع على أن رطل بغداد مئة وثلاثون درهمًا.
قال: (قلت: الأصح: مئة وأحد وسبعون درهمًا وثلاثة أسباع درهم والله أعلم)؛ لأن الأصح عنده أن رطل بغداد تسعون مثقالًا كما تقرر في (زكاة النبات)، ولو حذف المصنف ذلك .. لاستغنى عنه بما قرره هناك.
قال: (ومسكين الزكاة معسر) ففقير من باب أولى، ومراده الكلام فيما يعتبر به اليسار والإعسار والتوسط، وفي ذلك أوجه: أشهرها: أنه يرجع فيه إلى العادة، ويختلف ذلك باختلاف البلاد والأحوال.
وقال القاضي وغيره: الموسر: من يزيد دخله على خرجه، والمعسر: عكسه، والمتوسط: من استوى أمراه.
قال: (ومن فوقه إن كان لو كلف مدين رجع مسكينًا .. فمتوسط، وإلا .. فموسر) قال الرافعي: وهذا أحسن الحدود، ولابد مع ذلك من النظر إلى الرخص والغلاء، وقلة العيال وكثرتها، حتى إن الشخص قد تجب عليه لزوجة واحدة نفقة الموسر، ولا تجب عليه لو كان ذا زوجتين أو أكثر إلا نفقة المتوسط أو المعسر.
والقدرة على الكسب الواسع لا تخرجه عن حد الإعسار في النفقة، وإن أخرجته عن استحقاق سهم المساكين، قاله الغزالي، وتبعه الرافعي، وفي (التهذيب): أن القدرة بالكسب كالقدرة بالمال.
قال: (والواجب: غالب قوت البلد) من حنطة أو شعير أو أرز أو ذرة أو تمر أو
стр. 3853
قُلْتُ: فَإِنِ اَخْتَلَفَ .. وَجَبَ لاَئِقٌ بِهِ، وَيُعْتَبَرُ اَلْيَسَارُ وَغَيْرُهُ بِطُلُوعِ اَلْفَجْرِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ .....
ــ
غيرها، حتى الأقط في أهل البادية الذين يقتاتونه؛ لأن الله تعالى أوجبها بالمعروف، ومن المعروف أن يطعمها من غالب ما يقتاته أهل بلدها، ولأنه يشبه الفطرة وهي معتبرة بذلك.
وذهب ابن سريج إلى أنه لا نظر إلى غالب قوت البلد، بل الاعتبار بما يليق بحال الزوج؛ إلحاقًا للجنس بالقدر.
قال: (قلت: فإن اختلف) أي: قوت البلد ولم يكن فيها غالب) .. وجب لائق به) كما أنه المعتبر.
وفي (الحاوي) وجه: أنه عند الاختلاف يجب لها غالب قوت مثلها، فإن كان مختلفًا .. خير الزوج.
وإذا اختلف الزوجان في اليسار، فادعته المرأة وأنكره الزوج .. فالقول قوله ما لم يتحقق له مال.
قال: (ويعتبر اليسار وغيره بطلوع الفجر والله أعلم) فإن كان موسرًا حينئذ .. فعليه نفقة الموسرين، وإن كان متوسطًا أو فقيرًا .. فكهما.
وإنما تسلم النفقة أول النهار لأن الواجب الحب، فتحتاج إلى طحنه وخبزه ولو لم يسلم إليها أول النهار .. لحصل لها الضرر.
واعتبر في (المهذب) طلوع الشمس، وهو الذي جزم به الرافعي في (كتاب الضمان).
وقال الماوردي: أول النهار، وظاهره يقتضي طلوع شمسه.
قال في (البسيط): ومعناه أنها تجب بذلك وجوبًا موسعًا كالصلاة، أو معناه أنه وجب تسليمها، وإن ترك .. عصى، لكنه لا يحبس ولا يخاصم، قال الإمام: ولا يلازم ولا يوكل به، فإن قدر على إجابتها .. فهو حتم عليه لا يجوز تأخيره.
هذا في الممكنة قبل الفجر، وأما الممكنة بعده .. فيعتبر الحال عقب تمكينها، لكن يستثنى من ذلك ما إذا سافر سفرًا طويلًا، قال البغوي في (فتاويه): لها أن
стр. 3854
وَعَلَيْهِ تَمْلِيكُهَا حَبًّا، وَكَذَا طَحْنُهُ وَخَبْزُهُ فِي الأَصَحَّ
ــ
تطالبه قبل سفره بنفقة جميع المدة للذهاب والإياب، كما لم يخرج إلى الحج حتى يترك لها هذا القدر. اهـ
والفرعان غريبان أعني: مطالبتها قبل السفر بذلك وإلزامه في الحج به، والأصح: جواز سفر من عليه دين مؤجل يعلم أنه يحل قبل رجوعه وإن لم يستأذن غريمه ولم يترك له وفاء.
قال: (وعليه تمليكها حبًا)؛ لأنه أكمل في النفع لتتصرف فيه كيف شاءت قياسًا على الكفارات وزكاة الفطر، وهذا إذا كان الحب غالب قوتهم، فإن غلب التمر أو اللحم أو الأقط .. فهو الواجب لا غير؛ لأنه يؤكل كذلك.
واستشكل الشيخ عز الدين تقدير الحب؛ فإن ما يضم إليه من مؤنة إصلاحه مجهول، وهو إذا ضم إلى معلوم .. صار كله مجهولًا، قال: ولم يعهد في السلف والخلف أن أحدًا أنفق على زوجته حبًا مع مؤنة إصلاحه، بل الإنفاق مما يأكلون في عادتهم.
والذي قاله الشافعي يؤدي إلى أن يموت الشخص، ونفقة زوجته في ذمته؛ لأن المعاوضة عنها لا تصح بما يطعمها من التمر واللحم، ولو جاز أن يكون عوضًا .. لم تبرأ ذمته منها؛ لأنهما لم يتعاقدا عليه، ولا يخفى أن المراد: الحب السليم، فلا تجبر على قبول المعيب منه.
وفي (أدب القضاء) للإصطخري: لا يجب من الخبز إلا الخشكار وإن كان ملكًا.
وتعبيره بـ (التمليك) يقتضي اعتبار الإيجاب والقبول، وليس مرادًا، بل الواجب الدفع، ويكفي الوضع على قياس الخلع، وأنها تملك التصرف فيه بإبدال وهبة وغير ذلك، لكن تستثنى من ذلك الزوجة الأمة؛ فإن الدفع لمالكها لا لها.
قال: (وكذا طحنه وخبزه في الأصح) أي: مؤنة الطحن والخبز ببذل مال، أو يتولى ذلك بنفسه أو بغيره.
стр. 3855
وَلَوْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا بَدَلَ الحَبَّ .. لَمْ يُجْبَرِ الْمُمْتَنِعُ، فَإِنِ اعْتَاضَتْ .. جَازَ فِي اَلأَصَحَّ،
ــ
والثاني: لا يلزمه ذلك كالكفارات.
والثالث: إن كانت ممن عادتهم الطحن والخبز بأيديهم .. لم يجب، وإلا .. وجب، وبهذا جزم ابن الرفعة في (الكفاية)، وقال في (المطلب): ينبغي أن يجب عليه تحصيل آلة الطبخ والخبز من الوقود وغيره، فلو باعت الحب أو أتلفته .. ففي استحقاقها مؤنة طحنه وخبزه تردد للإمام ميل الغزالي إلى وجوبه والرافعي إلى عدمه.
قال: (ولو طلب أحدهما بدل الحب .. لم يجبر الممتنع)؛ لأنه خلاف الواجب، والاعتياض شرطه التراضي.
قال: (فإن اعتاضت .. جاز في الأصح)؛ لأنه طعام مستقر في الذمة لمعين، فكان لها أخذ العوض عنه كالقرض، هذا إذا اعتاضت نقدًا أو ثيابًا ونحوها من العروض.
والثاني: لا يجوز كالمسلم فيه وطعام الكفارة.
وقيل: يجوز الاعتياض عن النفقة المستقرة الثابتة في الذمة دون المستقبلة، وكأن المراد بالمستقبلة: نفقة اليوم قبل مضيه؛ فإنها معرضة للسقوط، قاله ابن الرفعة.
وقال الرافعي: لا يفرض للزوجة في القوت دراهم.
ونقل في (الجواهر) عن ابن كج: أنه يجوز للقاضي أن يفرض لها دراهم عن الخبز والإدام وتوابعها.
وفي (إيضاح الصيمري): أنه لا يمتنع فرض الدراهم عن الأدم والكسوة، وهذا الذي اصطلح عليه الحكام في زماننا، قال: ولو أن حاكمًا فرض ذلك .. لم ينقض حكمه؛ لأنها مسألة اجتهادية، ووافقه الشيخ نجم الدين البالسي على ذلك.
قال: ومن هنا يؤخذ أن الحاكم إذا خالف نص إمامه .. لا ينقض حكمه.
следующие страницы →