Полный текст (5 377 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.
стр. 3921
وَإِلَا .. فَالأُنْثَى, وَإِلاَّ .. فَيُقْرَعُ. وَلَا حَضَانَةَ لِرَقِيقٍ
ــ
قال: (وإلا .. فالأنثى) أي: فإن فقد الأقرب واستوي اثنان أو جماعة في القرب .. فالأصح: التقديم بالأنوثة؛ لما سبق من أنهن أصبر وأبصر.
قال: (وإلا .. فيقرع) أي: عند الاستواء من كل وجه كالأخوين والأختين, فيقطع النزاع بالقرعة.
والوجه الثاني: أن نساء القرابة وإن بعدن أحق بالحضانة من الذكور وإن كانوا عصبات؛ لأنهن أصلح لها, وصححه صاحب (الانتصار).
والثالث: العصبات أولى منهن؛ لقوة نسبهن.
قال الرافعي: وكان يجوز أن يقدم بما تقدم به المتزاحمان على اللقيط.
فرع:
الأخت مع الجد كهي مع الأب, قال المتولي: ويخالف الميراث؛ فإنه يقبل التبعيض, والحضانة لا تقبله, ولو كان في أهل الحضانة خنثى .. فهل يتقدم على الذكر في موضع لو كان أنثى لتقدم لاحتمال الأنوثة أو لا لعدم الحكم بها؟ وجهان: الأصح عند المصنف: الثاني.
وإذا أخبر عن ذكوريته أو أنوثته .. عمل بقوله في سقوط الحضانة, وهل يعمل به في استحقاقها أو لا للتهمة؟ وجهان: قال المصنف: أصحهما يعمل, وهو الجاري على قواعد المذهب في نظائره, والذي قاله المصنف هو المعتمد المفتى به كما بينه في (نواقض الوضوء) من (المهمات).
قال: (ولا حضانة لرقيق) ولو كان مكاتبًا أو مبعضًا وأذن السيد؛ لأنها ولاية ليس من أهلها, ثم إن كان الولد حرًا .. فالحضانة لمن له الحضانة بعد الأم الحرة من أب وغيره, وإن كان رقيقًا .. فحضانته لسيده, وهل له نزعة من الأم وتسليمه إلى غيرها؟
وجهان بناء على التفريق, والأصح: منعه, بل يقر في يدها, هذا هو الصواب
ووقع في (الروضة): هل له نزعة من الأب وتسليمه إلى غيره, وهو سبق قلم.
стр. 3922
وَمَجْنُونٍ, وَفَاسِقٍ وَكَفِرٍ عَلَى مُسْلِمِ,
ــ
ولو كانت الأم حرة والولد رقيق؛ بأن سبي طفل ثم أسلمت أمه أو قبلت الذمة .. فحضانته للسيد, وفي الانتزاع منها الوجهان, كذا قاله الشيخان.
وهذا إنما يتصور فيما إذا لم يكن تبع السابي في الإسلام, فإن تبعه فيه .. فلا يسلم إلى الأم على المذهب, لكن تستثنى من إطلاق المصنف: أم ولد الكافر إذا أسلمت .. يتبعها ولدها في الإسلام وحضانته لها وإن كانت رقيقة, كذا نقل الشيخان في كتاب (أمهات الأولاد) عن أبي إسحاق المروزي وأقراه, وكأن المعنى فيه: فراغها لمنع السيد من قربانها مع وفور شفقتها.
قال: (ومجنون)؛ لأنه محضون. ولا فرق بين الجنون المطبق والمتقطع, إلا أن يقل جنونه كيوم في سنين مثلًا .. فلا يمنع.
وأما المرض الذي لا يرجى زواله كالسل والفالج إذا كان يشغله الألم عن الكفالة, فإن شغله عن النظر .. أسقط, وإن أثر في الحركة والتصرف .. أسقط أيضًا في حق من يباشر بنفسه دون غيره.
قال: (وفاسق)؛ لأنه لا يلي ولا تؤمن خيانته وتقصيره في الحفظ والتربية, وعبارة (المحرر): وتشترط العدالة) , وعبارة جماعة: (الأمانة) , والمعروف: أنه لا يشترط تحقق العدالة الباطنة, بل تكفي الظاهرة كشهود النكاح كما جزم به الماوردي والروياني, وهو المعتمد, لا ما وقع في (فتاوى المصنف) من ثبوت الأهلية عند الحاكم, وذكر في (باب الحجر) من (الروضة) نحوه.
وجمع بعض مشايخنا بين كلامي الماوردي والمصنف بأنهما إن تنازعا في الأهلية بعد تسليمها الولد .. لم ينزع من يدها, ويقبل قولها في الأهلية وإن كان قبل لم يسلم إليه إلا بعد الثبوت, وهو حسن.
قال: (وكافر على مسلم)؛ لأنه لا ولاء به له عليه, ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا, ولأنه يخشى أن يفتنه.
وقيل: يثبت له الحق؛ لان النبي ﷺ خير غلامًا بين أبيه المسلم وأمه الكافرة, فمال إلى الأم, فقال النبي ﷺ : (اللهم, اهده)
стр. 3923
وَنَاكِحَةٍ غَيْرِ أَبِي الطِّفْلِ،
ــ
فعدل إلى أبيه، لكن الخبر ضعيف، وإن صح .. فيحتمل نسخه بالآية المتقدمة، أو حمله على أنه صلى عليه وسلم علم أنه يستجاب دعاؤه، وإنما خير؛ استمالة لقلب أمه.
وقيل: الأم الذمي أحق بالحضانة من الأب المسلم إلى أن يبلغ سبع سنين ثم الأب.
وعلى الأول: حضانته لقريبه المسلم، ثم هي على سائر المسلمين.
وأفهم كلامه: ثبوتها للكافر على الكافر، وهذا لا خلاف فيه، وأمه أولى من أبيه، ولقريبه المسلم حضانته على الأصح؛ لأن ذلك قد يكون سببًا لإسلامه.
قال: (وناكح غير أبي الطفل)، سواء دخل بها أم لا، وسواء كان حاضرًا أو غائبًا؛ لما تقدم من قوله ﵊: (أنت أحق به ما لم تنكحي)
وروى الدارقطني [٣/ ٣٠٤]: أنه ﷺ قال: (الأم أحق بولدها ما لم تتزوج).
ولأنها مشغول بحق الزوج فيتضرر الولد بذلك، ولا أثر لرضا الزوج كما لا أثر لرضا السيد بحضانة الأمة فقد يرجعان فيتضرر الولد.
والمراد: أبو الطفل وإن علا، فإذا تزوجت جده .. فالنص: أن لها الحضانة، وحمله الجمهور على أبي أبيه؛ لأن له حقًا فيها فلا يسقط نكاحه حقها، كما لو كانت في نكاح الأب.
وصور المسألة ك أن يتزوج من له أب من لها أم، فتأتي بولد منه فتموت الزوج، فحضانته لأمها، فإذا تزوجت .. سقطت حضانتها، إلا أن يتزوج جد الطفل وهو أبو زوج بنتها، فإن كانت مزوج بأبي الأم .. فلا حضانة لها؛ لأنه لا حضان له على الصحيح، ولذلك جزم المصنف في (فتاويه) تبعًا للبغوي بأنها إذا تزوجت به أو بغيره من ذوي الأرحام .. سقطت حضانتها.
стр. 3924
إِلَّا عَمَّهُ وَابَن عَمِّهِ وَابْنَ أَخِيهِ فِي الأَصَحِّ. وَإِنْ كَانَ رَضِيعًا .. اشْتَرِطَ أَنْ تُرْضِعَهٌ عَلَى الصَّحِيحَ
ــ
نعم؛ يستثنى من سقوط حضانتها بالتزويج: ما إذا خالعها الزوج على ألف مثلًا وحضانة الصغير سنة، فتزوجت في أثناء السن .. فإنه لا ينزعه منها؛ لأن الإجارة عقد لازم، قاله القاضي حسين.
كل هذا إذا رضي الزوج بأنها تحضنه، فإن لم ترض بذلك .. سقط حقها.
قال: (إلا عمه وابن عمه وابن أخيه في الأصح)؛ لأن هؤلاء أصحاب حق في الحضانة، والشفقة تحملهم على رعاية الطفل، فيتعاونون على كفالته، بخلاف الأجنبي، ولأن النبي ﷺ قضى بابنة حمزة لخالتها وهي متزوجة بابن عم أبيها.
والثاني: يبطل حقها؛ لاشتغالها بالزوج، ولا حق له في الحضانة الآن، فأشبه الأجنبي، وبهذا أفتى ابن الفركاح، وقال: إنه مذهب الشافعي، وليس كما قال.
والصورة الثالثة – وهي ابن أخيه – إنما تفرض في غير الأم وأمهاتها؛ بأن يزوج أخته لأمه بابن أخيه لأبيه، فإن الأصح: أن أخته كالأم مقدم على الأخ لأب.
قال: (وإن كان رضيعًا .. اشترط أن ترضعه على الصحيح)؛ لعسر استئجار مرضعة يترك عندها، أو ينتقل إلى مسكن الأم.
والثاني: لا، وصححه البغوي؛ لأن لها الحضانة، وعلى الأب استئجار مرضعة.
فروع:
من موانع الحضانة: المرض الشاغل عن الكفالة وتدبير المكفول كالسل والفالج، وأن لا يكون مغفلًا قاله الجرجاني.
والعمياء لا حضانة لها كما أفتى به عبد الملك بن إبراهيم المقدسي، وأفتى ابن
стр. 3925
فَإِنْ كَمُلَتْ نَاقِصَةٌ
ــ
الصلاح بان الولد إن كان صغيرًا .. فلها الحضانة؛ لأنه يمكنها أن تحضنه، وإن كان كبيرًا .. فلا.
وأفتى ابن البزري بأنه يختلف باختلاف أحوالها، فإن كانت ناهضة بحفظه وتدبيره ووقايته الأسواء والقيام بمصالحه ودفع مضاره .. فلها الحضانة، وإن كانت عاجزة .. فلا حضانة لها.
وقال ابن الرفعة: لم أر فيها نقلًا، غير أن كلام الإمام يستنبط منه: أنه مانع، وأفتى شيخنا وشيخه البارزي: أنه٩ ليس بمانع، مستدلين بأن الحضانة يجوز الاستئجار لها، فيثبت لها الحق ثم يستأجر من يقوم بذلك، لكن قال الماوردي: لو أراد الأب أن يستنيب قي كفالة ولده .. جاز، وإن أرادت الأم الاستنابة .. لم يجز؛ فاختصاص الأب بالمراعاة وهي ممكن مع استنابته، واختصاص الأم بمباشرة التربية وهي مفقودة مع استنابتها.
ووقع السؤال عن حاضنة أصابها جذام أو برص .. هل للولي أخذ الطفل منهما؟
قال شيخنا: إن كانت ترضعه .. فنعم، وإن كان مميزًا مستقلًا .. فلا، وفيه نظر إذا كان يخالطها.
وقال في (الحاوي) في باب (اللقيط): يشترط في الحاضن: أن لا يكون محجوزًا عليه بسفه، ولم يذكر المسألة سواه.
قال: (فإن كملت ناقصة) كما إذا أسلمت الكافرة أو أفاقت المجنونة أو عتقت الأمة أو حسن حال الفاسقة.
стр. 3926
أَوْ طَلَقَتِ الْمَنْكُوحَةُ .. حَضَنَتْ، وَإِنْ غَابَتِ الأُمُ أَوِ امْتَنَعَتْ .. فَلِلْجَدَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ. هَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْمُمُيِّزِ، وَالْمُمَيِّزُ إِنِ افْتَرَقَ أَبَوَاهُ .. كَانَ عِنْدَ مَنِ اخْتَارَ مِنْهُمَا
ــ
قال: (أو طلقت المنكوحة) أي: لو رجعيًا (.. حضنت)؛ لزوال المانع، وتستحق المطلقة الحضانة في الحال قبل انقضاء العدة على المذهب.
وفي وجه – اختاره المزني، وبه قال أبو حنيفة-: لا حضانة للرجعية حتى تنقضي عدتها× لأنها زوجة، وكما تعود حضانتها بمجرد الفرقة تسقط بمجد العقد علبها وإن كان الزوج غائبًا، فإذا حضنت الرجعية في العدة بغير رضا المطلق .. فالمذهب: أن نفقتها لا تسقط، وقيل: تسقط كما قي صلب النكاح وضعفه الإمام.
قال: (وإن غابت الأم أو امتنعت .. فللجدة على الصحيح): أي أم الأم، كما لو ماتت أو جنت.
والثاني: تنتقل إلى الأب؛ لأن أهليتها باقية وإنما تركت حقها فلم ينتقل إلى من تدلى بها، بخلاف ما إذا ماتت.
والثالث: ينتقل إلى السلطان؛ لبقاء أهلية الأم، كما لو غاب الولي في النكاح أو عضل .. يزوج السلطان ل الأبعد، فعلى الصحيح: متى امتنع الأقرب من الحضانة .. كانت لمت يليه لا السلطان؛ لأنها للحفظ والقريب الأبعد أشفق من السلطان.
تنبيه:
أطلق الشيخان وغيرهما: أن الأم لا تجبر على الحضانة.
قال ابن الرفعة: هذا إذا لم تجب عليها المؤن، فإن أوجبناها بأن لم يكن له أب ولا مال .. فتجبر.
قال: (هذا كله في غير المميز)، وهو الذي لا يستقل.
قال: (والمميز إن افترق أبواه) أي: مع أهليتها ومقامهما ببلد واحد (.. كان عند من اختار منهما)؛ لما روى الترمذي وابن ماجه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 3927
فَإِنْ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا جُنُونٌ أَوْ كُفْرٌ أَوْ رِقٌ أَوْ فِسْقٌ أَوْ نَكَحَتْ .. فَالْحَقُّ لِلآخَرِ وَيُخَيَّرُ بَيْنَ أُمِّ وَجَدِّ،
ــ
خير غلامًا بين أبويه)، وإنما يدعى بالغلام: الصبي المميز.
وروى أبو داوود [٢٢٧١] واليهقي [٨/ ٣] والحاكم [٤/ ٩٧] عن أبي هريرة: أن رجلًا وامرأة اختصما في ولد بينهما إلى رسول الله ﷺ / فقالت المرأة: يا رسول الله؛ إن ابني هذا قد نفعني وسقاني من بئر أبي عتبة وإن أباه يريد أن يأخذ مني، فقال الأب: من يحول بيني وبين ابني؟! فقال النبي ﷺ : (يا غلام؛ هذه أمك وهذا أبوك، فاتبع أيهما شئت) فاتبع أمه.
وروى الشافعي [١/ ٢٨٨ مرفوعًا] والبيهقي [٨/ ٤] عن عمر: أنه خير غلامًا بين أبويه.
ولأن القصد بالكفالة طلب الحظ للولد والمميز أعرف بحظه فيرجع إليه؛ لأنه قد عرف من برهما ما يدعوه إلى اختيار أبرهما، ولا نظر إلى كون أحدهما أكثر مالًا أو محبة على الأصح، ويستوي في التخيير الذكر والأنثى.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يخير، ثم عند أبي حنيفة يكون الغلام مع الأم حتى يستقل ثم يسلم إلى الأب والجارية عندها حتى تزوج أو تحيض.
وعند مالك: يكون الغلام مع الأم حتى يثغر، وتكون الجارية معها حتى تزوج ويدخل بها الزوج.
وقال أحمد: يخير الغلام ولا تخير الجارية.
وسن التمييز في الغالب سبع أو ثمان سنين تقريبًا، وقد يتقدم على ذلك ويتأخر، ومدار الحكم على التمييز لا على سنه.
واعتبر في الكفاية مع هذا: أن يكون عارفًا بأسباب الاختيار ضابطًا لها، وذلك موكول إلى نظر الحاكم.
قال:) فإن كان في أحدهما جنون أو كفر أو رق أو فسق أو نكحت .. فالحق للآخر) أي: ما دام ذلك ناقصًا، فإذا زال خلله .. أنشأ التخيير حينئذٍ.
قال: (ويخير بين أم وجد) أي: وإن علا عند فقد الأب أو عدم أهليته؛ لأنه بمنزلته.
стр. 3928
وَكَذَا أَخٌ أَوْ عَمٌ أَوْ أَبٌ مَعَ أُخْتٍ أَوْ خَالَةٍ فِي الأَصَحِّ، فَإِنِ اخْتَارَ أَحَدَهُمَا ثُمَّ الآخَرَ .. حُوِّلَ إِلَيْهِ
ــ
قال: (وكذا أخ أو عم) أشار بهذا إلى أن التخيير يجري أيضًا بين الأم وبين كمن على حاشية النسب، كالأخ والعم وابنيهما على الأصح.
لما روى الشافعي [١/ ٢٨٨] عن عمارة الجرمي قال: خيرني علي ﵁ بين أمي وعمي، وكنت ابن سبع أو ثمان سنين.
والثاني: لا، بل الأم أحق لقبها وولادتها كما قبل التمييز.
قال: (أو أب مع أخت أو خالة في الأصح) أي: إذا قدما عليه قبل التمييز كما تقدم، وظاهر إطلاق الكتاب و (أصله) و (الروضة) و (أصلها): جريان التخيير بين الأخت والأب من أي جهة كانت، وهو ظاهر في الشقيق وأخت لأم لإدلائهما بالأم، أما في الأخت للأب .. فلا كما صرح به الماوردي وغيره، واقتصاره على الأخ والعم في الأولى قد يوهم تخصيصه بالمحارم، وليس كذلك، بل الأصح: إلحاق ابن العم به.
وقطع سليم وغيه بأنه لا يثبت؛ لأنه ليس بمحرم لها، وجرى عليه في (المهذب) و (الذخائر) وغيرهما، وهو قوي.
كل هذا في الولد الذكر، فإن كان أنثى .. فالأم أحق بها قطعًا، كذا في (الروضة)، ونوزع في إدعاء القطع بأن جماعة من الأصحاب حكوا الوجهين من غير تفصيل بين الذكر والأنثى.
فعلى هذا: إنما يخير في ابن العم الذكر دون الأنثى؛ فإن الكفالة وإن لم تثبت له لا تسلم إليه، وإنما يؤمر بوضعها عند امرأة ثقة.
قال: (فإن اختار أحدهما ثم الآخر .. حول إليه)؛ لأنه حق له يتعلق بشهوته، فاتبع فيه إرادته؛ فإنه قد يبدو له الأمر على خلاف ما ظنه، وهذا ما إذا اختار أحد الرجلين عند اشتباه نسبه بينهما؛ فإنه لا يقبل رجوعه، وما إذا أخير الخنثى المشكل عن ميله إلى صنف لا يقبل رجوعه إليه، فإذا كثر التردد بحيث يغلب على الظن أن سببه نقصانه وقلى تمييزه .. أقر عند الأم كما قبل سن التمييز.
стр. 3929
فَإِنِ اخْتَارَ الأَبَ ذَكَرٌ .. لَمْ يَمْنَعْهُ زِيَارَةَ أَمِّهِ وَيَمْنَعُ أُنْثَى، وَلَا َيْمَنُعَها دُخُولًا عَلَيْهِمَا (زَائِرَةً)، وَالزِّيَارَةُ مَرَّةً فِي أَيَّامٍ, فَإِنْ مَرِضَا .. فَالأُمُّ أَوْلَى بِتَمْرِيضِهِمَا؛ فَإِنْ رَضِيَ به فِي بَيْتِهِ، وَإِلَّا .. فَفِي بَيْتِهَا
ــ
وخالف الإمام فقال: لا وجه إلا اتباعه؛ فإن ذلك لا ينكر في حال الصبا، وفي وجه: أن القاضي يختار له خيرهما.
قال: (فإن اختار الأب ذكر .. لم يمنعه زيارة أمه)؛ الئلا يكون ساعيا في قطيعة رحمه، ثم هل هذا على سبيل الوجوب أو الاستحباب؟ قال في الكفاية: الذي صرح به البندنيجي ودل عليه كلام الماوردي: الأول.
قال: (ويمنع أنثى) أي: من زيارة أمها لئلا تعتاد البروز ولتألف الصيانة.
وقي (فتاوى ابن الصلاح): أن للأم أن تطلبها وترسل إليها بقدر الزيارة، فإن قيل: الأم إذا زارتها احتاجت إلى الخروج أيضًا فلم رجحت البنت عليها؟ .. قلن: لأن الحذر على البنت أكثر، وحالها أخطر.
قال: (ولا يمنعها دخولًا عليهما [زائرة] أي: على الابن والبنت، كما اقتضاه كلام (المحرر) و (الشرح) و (الروضة)، وهو كذلك في نسخ٠المنهاج) المعتمدة، وفي بعضها: عليها؛ يعني: البنت، ووجهه ما تقدم.
قال: (والزيارة مرة في أيام)؛ لأنه في ترك ذلك قطعًا للرحم، قال الماوردي: في كل يومين أو ثلاثة، فإن كان منزلها قريبًا .. فلا بأس أن تدخل في كل يوم.
وتقدم في كتاب الوصايا عن الحسن أنه قال: زيارة الغب كل أسبوع.
قال: (فإن مرضا .. فالأم أولى بتمريضهما)؛ لوفور شفقتها.
قال: فإن رضي به في بيته، وإلا .. ففي بيتها)؛ لأن ذلك أرفق بالمريض، فلو مات في بيت الأب .. لم يمنعها من حضور تجهيزه ودفنه؛ فهو أسهل من نقل الميت، وله منعها من زيارة قره إن دفن في ملكه لحقه، وكذا في غير ملكه لحق الله
стр. 3930
فَإِنِ اخْتَارَهَا ذَكَرُ .. فَعِنْدَهَا لَيْلًا وَعِنْدَ الأَبِ نَهَارًا يُؤَدِّبُهُ وَيُسَلِّمُهُ لِمَكْتَبٍ وَحِرْفَةٍ،
ــ
تعالى، كذا قاله ابن الرفعة، وما جزم به من المنع فيما إذا كان في غير ملكه .. سهوٌ فالصحيح المعروف: جواز زيارة النساء القبور، وقد نقله هو في (الجنائز) عن الأكثرين.
ومن الحوادث: أن المرأة قالت: لا يدفن الولد إلا في تربتها، وقال الوالد: لا ندفنه إلا في تلابته، من المجاب؟ فيه نظر، والظاهر: أن المجاب الأب.
قال: (فإن اختارها ذكر .. فعندها ليلًا وعند الأب نهارًا يؤدبه) أي: يعلمه أدب النفس والبراعة والظرف، فمن أدب ولده صغيرًا .. سر به كبيرًا.
وقال النبي ﷺ : (ما نحل والد ولدًا أفضل من أدب حسن)
وقال ﷺ : (لأن يؤدب الرجل ولده خير من أن يتصدق بصاع) رواهما الترمذي [١٩٥١ [والبخاري في (الأدب).
وكان يقال: الأدب على الآباء، والصلاح على الله.
يقال: أدبته فتأدب، ومنه قوله ﵊: (أدبني ربي فأحسن تأديبي) رواه العسكري في (الأمثال).
وقال ابن مسعود: (إن خذا القرآن مأدبة في الأرض فتعلموا من مأدبته)
وروى: (مأدبة الله فمن دخل فيه فهو آمن) شبه القرآن بطعام يصنعه الإنسان للناس لهم فيه خير ومنافع.
قال: (ويسلمه لمكتب وحرفة) أراد: أنه يعلمه أمور دينه ودنياه.
وعبارة (المحرر): ويسلمه إلى المكتب أو الحرفة، وهي أحسن؛ لدلالتها على التنويع على ما يليق بالولد.
стр. 3931
أَوْ: أُنْثَى .. فَعِنْدَهَا لَيْلًا وَنَهَارًا، وَيَزُورُهَا الأَبُ عَلَى الْعَادةِ. وَلَوِ اخْتَاَرهمَا أَقْرعَ. فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ .. فَالأُمُّ أَوْلَى، وَقِيلَ: يُقْرَعُ. وَلَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا سَفَرَ حَاجَةٍ .. كَانَ الْوَلَدُ الْمُمَيِّزُ وَغَيْرُهُ مَعَ الْمُقِيمِ حَتَّى يَعُودَ،
ــ
وظاهر كلام الماوردي: أنه ليس للأب الشريف أن يعلم ولده الصنعة إذا كان ذلك يزرى به.
وكذلك ينبغي لمن صنعته شريفة أن لا يسلم ابنه لصنعة دنيئة، بل عليه رعاية مصلحته، ولا شك أن للمحترف أن يعلم ولده الكتابة ورعاية الحظ في ذلك واجبة على وليه أبًا كان أو جدًا أو وصيًا أو قيمًا، وتكون أجرة ذلك في مال الصبي، فإن لم يكن .. فعلى من تلزمه نفقته، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في (كتاب الصلاة).
و (المكتب) – بفتح الميم والتاء، ويجوز كسر التاء، حكاه النحاس-: الموضع الذي يعلم فيه، وعبارة الشافعي الكتاب.
وقال ابن داوود: الأفصح: المكتب؛ لأن الكتاب جمع كاتب، وقال الجوهري: المكتب: الذي يعلم الكتابة، قال الحسن: كان الحجاج مكتبًا بالطائف، أي معلمًا، وقد كان الضحاك بن مزاحم الهلالي فقيه مكتب فيه ثلاثة آلاف صبي، وكان يركب حمارًا ويطوف عليهم.
وفي (ربيع الأبرار) قال بعض الحكماء: أكرم الخيل أجزعها من السوط، وأكيس الصبيان أشدهم بغضًا للكتاب.
قال: (أو: أنثى .. فعندها ليلًا ونهارًا)؛ لتساوي الزمانين بالنسبة إليهما.
قال: (ويزورهما الأب على العادة) ولا يطلب إحضارها إلى عنده؛ لتألف التستر والصيانة.
قال: (ولو اختارهما .. اقرع)؛ قطعًا للنزاع.
قال: (فإن لم يختر .. فالأم أولى)؛ استصحابًا لما كان.
قال: (وقيل: يقرع)؛ إذ لا بد من كفالته إلى البلوغ، وبه أجاب البغوي وأصحاب (الكافي) و (البيان) و (المهذب).
قال: (ولو أراد أحدهما سفر حاجه .. كان الولد المميز وغيره مع المقيم حتى يعود)؛
стр. 3932
أَوْ سَفَرِ نُقْلَةٍ .. فَالأَبُ أَوْلَى بِشَرْطِ أَمْنِ طَرِيقِهِ وَالْبَلَدِ الْمَقْصُودِ، قِيلَ: وَمَسَافَةُ قَصْرٍ، وَمَحَارِمُ الْعَصَبَةِ فِي هَذَا كَالأَدبِ، وَكَذَا ابْنِ عَمِّ لِذَكَرٍ، ....
ــ
لما في السفر من الخطر والضرر، وسواء طالت المدة أم قصرت، وفيما إذا طالت وجه عن الشيخ أبي محمد: أنه يسافر به.
قال: (أو سفر نقلة .. فالأب أولى)، سواء كان هو المسافر أو المقيم، وكذا لو سافر كل منهما إلى جهة؛ احتياطًا للنسب؛ فإنه يحفظ بالآباء، ولمصلحة التأديب والتعليم والصيانة وسهولة الإنفاق عليه.
ولو رافقته الأم في الطريق .. دام حقها، ولو عاد من سفر النقلة إلى بلدها ... عاد حقها.
قال: (بشرط أمن طريقه والبلد المقصود)؛ فليس له أن يسلك طريقًا مخوفًا ولا أن يخرجه إلى بلد مخوغ، فإن كان أحدهما كذلك .. أقر عند أمه، وليس له أن يخرجه إلى دار الحرب.
وشرط المتولي في البلد المنتقل إليه: أن يكون صالحًا للإقامة.
قال: (قيل: ومسافة قصر)، فلا أثر للانتقال إلى ما دونها، وبهذا أجاب جماعة من الأصحاب، والشبه لا فرق؛ لانقطاع مصلحة التأديب والتعليم.
كالفرسخين والثلاثة .. فكالبعيدة، وما دون ذل ك في حكم الإقامة، وهو حسن.
قال: (ومحارم العصبة في هذا كالأب) أي: في انتزاع الولد عند الانتقال؛ احتياطًا للنسب.
وخرج بذلك محرم لا عصوبة له؛ كأبي الأم والخال والأخ للأم؛ فليس له النقل؛ لأنه لا حق له في النسب، والذي جزم به المصنف أطلقه الأكثرون.
وفي (الروضة) عن المتولي من غير مخالفة: أنه لو لم يكن أب ولا جد وأراد الأخ الانتقال وهناك ابن عم أو عم مقيمًا .. لم يكن للأخ انتزاعه من الأم، بخلاف الأب والجد؛ لكمال شفقتهما وكونهما أصل النسب.
قال: (وكذا ابن عم لذكر) كما تقدم.
стр. 3933
وَلاَ يُعْطَى أُنْثَى، فَإِنْ رَافَقَتْهُ بِنْتُهُ .. سُلِّمَ إِلَيْهَا.
فَصْلٌ:
عَلَيْهِ كِفَايَةُ رَقِيقِهِ نَفَقَةً وَكِسْوَةً
ــ
قال: (ولا يغطى أنثى)؛ لعدم المحرمية، اللهم إلا أن تبلغ حدًا لا يشتهى مثلها، قال المتولي، وصوبه في (تصحيح التنبيه).
قال: (فإن رافقته بنته) أي: البالغة العاقلة الثقة) .. سلم إليها)؛ لانتفاء الخلوة المحرمة، وما وقع في (تصحيح التنبيه) من الاكتفاء بكونها مميزة تقدم: أن الصواب خلافه.
وقوله: (سلم) الأصوب: سلمت؛ لأن الضمير عائد للأنثى.
تتمة:
إنما يثبت حق النقل للأب وغيره إذا استجمع الصفات المعتبرة في الحضانة، فلو كان كل واحد من الأبوين مسافرًا لحاجة واختلف طريقهما ومقصدهما .. قال الرافعي: يشبه أن يدام حق الأم، ويحتمل أن يكون مع الذي مقصده أقرب أو مدة سفره أقصر، وقال المصنف: المختار: أنه يدام مع الأم.
ولو اختلفا فقال: أريد النقلة، فقال: بل غيرها .. صدق بيمينه في الأصح، فإن نكل .. حلفت وأمسكت الولد.
والثاني - وبه قال القفال -: يصدق هو بلا يمين، وصححه البغوي في (تعليقه)، وأفتى ابن الصلاح بأن على الأب اليمين: أنه مسافر إذا لم يصدق.
ووقع السؤال عن معتق طلب الإسكان عند ظهور ريبة أو دعواه إياها؟ فأجيب بالإجابة إلى ذلك؛ لأنه قد يتعير بها لاسيما إ^ذا كانت أم ولد.
قال: (فصل:
عليه كفاية رقيقه نفقة وكسوة)؛ لما روى مسلم [١٦٦٢] عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: (للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق).
стр. 3934
وَإِنْ كِانَ أَعْمَى وَزَمِنًا وَمُدَبَّرًا وَمُسْتَوْلَدَةً مِنْ غَالِبِ قُوتِ رَقِيقِ الْبَلَدَ وَأُدْمِهِمْ وَكِسْوَتِهِمْ
ــ
وفيه أيضًا [٩٩٦]: أن النبي ﷺ قال: (كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عن مملوكه قوته).
ولأن السيد يملك كسب العبد وتصرفه فلزمه مؤنته، وقد اتفق العلماء على ذلك في الجملة، وأفهم اقتصاره على ذلك: أنه لا يجب ما عداه فلا يجب شراء الماء لطهارته، والأصح في زوائد (الروضة) وجوبه كفطرته، وأشار بـ (الكفاية) إلى أنها لا تتقدر كنفقة الزوجة، بل تعتبر الكفاية كالقريب، وجعلها صاحب (التلخيص) كنفقة خادم الزوجة في التقدير، وتبعه المرعشي وغيره، وغلطهم القفال، والأصح: أن المعتبر كفايته في نفسه مع مراعاة رغبته وزهادته وإن زاد على كفاية مثله غالبًا.
والثاني: يعتبر ما يكفي مثله غالبًا، ونص في (المختصر) على وجوب الإشباع.
قال: (وإن كان أعمى وزمنًا ومدبرًا ومستولدة)؛ لبقاء الملك والمنافع.
وفي معنى الأعمى والزمن: من استحقت منافعه للمعير بوصية أو إجارة، بخلاف المكاتب؛ فإنه مستقل بنفسه، وتستثنى الأم المزوجة حيث تجب نفقتها على الزوج، ولا يستثنى العبد المشروط عمله في المساقاة والقراض، ولا الموصى بمنفعته أبدًا، ولا الآبق على الأصح في الثلاثة، بل يجب على السيد، وفي المستعار وجهان: أصحهما: على المالك كما سيأتي.
قال: (من غالب قوت رقيق البلد وأدمهم وكسوتهم)؛ لأن ذلك هو العرف المعتاد في حقه، وليس غلى السيد أن يطعمه ويكسوه من جنس طعامه وكسوته، بل من جنس ما يعتاده غالب رقيق البلد من الطعام والقطن والكتان والصوف، مع مراعاة يسار السيد وإعساره، فلو أكل السيد أو لبس دون المعتاد بخلًا أو رياضة .. لزمه للرقيق رعاية الغالب على الأصح، وهو كالخلاف فيه في زكاة الفطر.
وما رواه مسلم [١٦٦١] وغيره من المعرور بن سويد عن المغيرة: أنه قال: قدمنا الربذة، فأتينا أبا ذر، فإذا عليه برد وعلى غلامه مثله، فقلنا: يا أبا ذر؛ لو أخذت
стр. 3935
وَلاَ يَكْفِي سَتْرُ اَلْعَوْرَةَ. وَيُسَنُّ أَنْ يُنَاوِلَهُ مِمَّا يَتَنَعَّمُ بِهِ مِنْ طَعَامٍ وَأُدْمٍ وَكِسْوَةٍ وَتَسْقُطُ بِمُضِيَّ الزَّمَانِ
ــ
برد غلامك وجمعته إلى بردك لكان حلة، وكسوته ثوبًا غيره؟ فقال: سأحدثكم عن هذا؛ إني ساببت رجلًا وكانت أمه أعجمية، فنلت منها، فأتى رسول الله ﷺ فشكاني إليه، فقال لي: (أساببت فلانًا؟) فقلت: نعم، قال: (فهل ذكرت أمه؟) قلت: من يسابب الرجال ذكر أبوه وأمه يا رسول الله، قال: (فإنك امرؤ فيك جاهلية) قلت: على كبر سني؟! قال: (نعم، قال: (نعم، إنما هم إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده .. فليطعمه من طعامه، وليلبسه من لباسه، ولا يكلفه ما يغلبه، فإن كلفه ما يغلبه .. فليعنه عليه) .. فهذا محمول على مكارم الأخلاق والندب، وجمله في (الأم) على أنه أتي جوابًا لسؤال سائل عن مماليكه، وكان حال الناس متقاربًا.
قال: (ولا يكفي ستر العورة)؛ لأن في ذلك احتقارًا وإن كان لا يتأذى بحر ولا برد.
ولو كانوا بناحية يقتصر أهلها على ستر العورة كأطراف اليمن والبحرين وبعض الحجاز .. وجب القطع بأجزائه كالأحرار منهم كما أشار إليه في (الوسيط) و (البسيط)، وإن كانوا لا يسترون .. فلا بد من ستر العورة؛ لأنه حق لله تعالى.
قال: (ويسن أن يناوله مما يتنعم به من طعام وأدم وكسوة) سيما إذا عالج الطعام وولي طبخه؛ لقوله ﷺ : (إذا صنع لأحدكم خادمه طعامًا ثم جاءه به وقد ولى حره ودخانه، فإن لم يقعده معه .. فليناوله لقمه أو لقمتين أو أكلة أو أكلتين) رواه الشيخان [خ ٢٥٥٧ - م١٦٦٣].
والمعنى فيه: تشوف الناس لما تشاهده، وهذا يقطع شهوتها، وهل الأفضل الإجلاس معه أو هو مخير؟ فيه وجهان: وصحح الرافعي: أنه لا يجب شيء منهما وأن الأمر للاستحباب، وفيما قاله نظر، وظاهر النصر يقتضي ايجاب الإطعام، وأفهم قوله: (مما): أنه يكفي البعض، والمنقول: أنه لا بد أن يسد سدًا دون ما يهيج الشهوة ولا يقضي النهمة.
قال: (وتسقط بمضي الزمان) كنفقة القريب.
стр. 3936
وَيَبِيعُ الْقَاضِي فِيهَا مَالَهُ، فَإِنْ فُقِدَ الْمَالُ .. أَمَرَهُ بِبَيْعِهِ أَوْ إِعْتَاقِهِ. وَيُجْبِرُ أمَتَهُ عَلَى إِرْضَاعِ وَلَدِهَا
ــ
قال: (ويبيع القاضي فيها ما له) أي: عند امتناعه وغيبته كنفقة القريب.
وهذا من مطلق التصرف، أما المحجور عليه .. فيجب أن يفعل الأحظ له من بيعه أو بيع غيره مما له في نفقته أو الاقتراض عليه، وإذا تعين بيع ماله في نفقة رقيقه .. قيل: يبيع شيئًا فشيئًا.
والأصح في زوائد (الروضة): أنه يستدين عليه، فإذا اجتمع شيء صالح .. باع لأجله، وهما كالوجهين في بيع العقار في نفقة القريب، فإن لم يكن بيع بعضه .. بع جميعه.
قال: (فإن فقد المال .. أمره ببيعه أو إعتاقه) المراد: أنه يأمره بإزالة ملكه عنه؛ دفعًا لضرره بعتقه أو غيره، فإن لم يفعل .. باعه الحاكم أو آجره؛ ليتوصل بذلك إلى الحق الواجب عليه.
وقال الروياني: لو قال الحاكم لعبد رجل غائب: استدن وانفق على نفسك ففعل .. جاز وكان دينًا على سيده، فإذا لم يرغب أحد في شرائه .. أنفق عليه من مال بيت المال، فإن لم يكن فيه مال .. فهو من محاويج المسلمين يثومون بكفايته، وإنما نأمره بالبيع إذا تعذر إيجاره، فإن أمكن إيجاره .. تعين هذا في غير المستولدة، أما هي .. فلا تباع قطعًا، ولا يجبر على عتقها على الأصح، بل تزوج أو تؤجر، فإن لم يكن .. فنفقتها في بيت المال، والمبعض إن كان له مهايأة .. فالنفقة على من هو في نوبته، وإلا .. ففي بيت المال.
قال: (ويجبر أمته على إرضاع ولدها)؛ لأن لبنها ومنافعها له، بخلاف الزوجة؛ فإن الزوج لا يملك ذلك منها، وقيده في (المحرر) بولدها منه، وحذفه المصنف لعمومه، فلو لم يكن منه بل مملوك له من زوج أو زنا .. فحكمه كذلك، ولو أراد تسليم ولدها إلى غيرها وأرادت إرضاعه .. فالأصح: ليس له ذلك؛ لما فيه من التفريق بينهما، لكن له ضمه في أوقات الاستمتاع إلى غيرها.
стр. 3937
وَكَذَا غَيْرُهُ إِنْ فَضَلَ عَنْهُ- وَفَطْمِهِ قَبْلَ حَوْلَيْنِ إِنْ لَمْ يَضُرَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَضُرَّهُ، وَإِرْضَاعِهِ بَعْدَهَا إِنْ لَمْ يَضُرَّهَا. وَلِلْحُرَّةِ حَقٌ فِي التَّرْبِيةِ. فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا فَطْمُهُ قَبْلَ حَوْلَيْنِ، وَلَهُمَا إِنْ لَمْ يَضُرَّهُ، وَلِأحَدِهمَا بَعْدَ حَوْلَيْن، وَلَهُمَا الزَّيَادَةُ. وَلاَ يُكَلَّفُ رَقِيقَهُ إِلاَّ عَمَلًا يُطِيقُهُ
ــ
قال: (وكذا غيره إن فضل عنه) إما لقلة شربه أو لكثرة اللبن أو اجتزائه بغيره؛ لأن منافعها له، فإن لم يفعل .. فلا إجبار؛ لقوله تعالى: ﴿لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾، ولأن طعامه اللبن فلا يجوز أن ينقص منه كالقوت.
قال: (وفطمه قبل حولين إن لم يضره)؛ لأن إليه أمر ولده ورقيقه.
قال: (وإرضاعه بعدها إن لم يضرها)؛ لأنه لا حق لها في نفسها، بخلاف الحرة.
قال: (وللحرة حق في التربية، فليس لأحدهما فطمه قبل حولين)؛ لأنهما تمام مدة الرضاع، وفيه احتمال للإمام إذا لم يتضرر به الولد، وظاهر كلام الأصحاب: أنهما لو تنازعا أجيب الداعي إلى إكمال الحولين، ويشبه أن يقال: تجب إجابة من دعا إلى الأصلح للولد؛ إذ قد يكون الفطام مصلحة؛ بأن تكون قد حملت أو مرضت ولم يوجد غيرها، فيتعين الفطام حينئذ.
قال: (ولهما إن لم يضره، ولأحدهما بعد حولين، ولهما الزيادة) أي: إذا اجتزأ بالطعام، فإن كان ضعيف الخلقة لا يجتزئ بالطعام .. لم يجز فطامه، وعلى الأب بذل الأجرة حتى يبلغ حدًا يجتزئ فيه بالطعام، فلو امتنعت الأم من إرضاع ولم يوجد غيرها .. أجبرها الحاكم عليه.
قال: (ولا يكلف رقيقه إلا عملًا يطيقه)؛ للحديث السابق، قال الشافعي: (ومعنى الخبر: أنه لا يكلف إلا ما يطيق الدوام عليه لا ما يطيقه يومًا أو يومين ثم يعجز) أهـ
أي: فلا يجوز أن يكلفه ما يطيقه يومين أو ثلاثة ولا يطيقه أبدًا، كذا قاله في (الكفاية).
стр. 3938
وَتَجُوزُ مُخُارَجَتُهُ بِشَرْطِ رِضَاهُمَا
ــ
وقال القاضي حسين: إذا كلفه من العمل ما لا يطيقه .. بيع عليه.
قال ابن الصلاح: وليس ببعيد، كما يباع المسلم على الكافر؛ صيانة له عن الذل.
وقال ﷺ : (من لا يلائمكم .. فبيعوه).
وقد تقدمت المسألة في البيع، وتعتبر في ذلك العادة، فيريحه وقت القيلولة وطرفي النهار؛ دفعًا للضرر عنه، وإذا سافر معه .. أركبه عقبه.
ويجب على العبد ترك الكسل وبذل المجهود لسيده المالك رقبته ومنفعته.
وكذلك البهيمة يحرم أن يحملها ما لا تطيق الدوام عليه وإن كانت تطيقه يومًا ونحوه؛ لما روى الخلال في كتابه (الأمر بالمعروف) عن المسيب بن دارم قال: رأيت عمر يضرب جمالًا ويقول: (لم حملت على جملك ما لا يطيق).
قال: (وتجوز مخارجته)؛ لما روى الشيخان [خ٢١٠٢ - م١٥٧٧/ ٦٢] عن أنس قال: (حجم أبو طلحة رسول الله ﷺ ، فأعطاه صاعين أو صاعًا من تمر، وأمر أهله أن يخففوا عنه خراجه).
وروى البيهقي [٨/ ٩] عن الزبير بن العوام: أنه كان له ألف مملوك يؤدون له الخراج لا يدخل بيته من خراجهم شيئًا، بل يتصدق به، ومع ذلك بلغت تركته خمسين ألف ألف ومئتي ألف، رواه البخاري [٣١٢٩] وغيره.
وقال عمرو بن العاصي: إن طلحة بن عبيد الله ترك مئة بهار، في كل بهار ثلاث قناطر ذهبًا، قال أبو عبيدة: و (البهار): ثلاث مئة رطل.
قال: (بشرط رضاهما)، فليس لأحدهما إجبار الآخر عليها؛ لأنه عقد معاوضة، فاعتبر فيه التراضي كغيره.
стр. 3939
وَهِيَ: خَرَاجٌ يُؤَدِّيهِ كُلَّ يَوْمٍ أَوْ أُسْبُوعٍ - وَعَلَيْهِ عَلْفُ دَوَابِّهِ وَسَقْيُهَا،
ــ
قال: (وهي) أي: المخارجة (خراج يؤديه كل يوم أو كل أسبوع) على حسب ما يتفقان عليه، وكذلك كل شهر وسنة.
ويشترط: أن يكون مكتسبًا لقدر خراجه، فإن قصر عنه .. لم يصح، وأن يكون ذلك الكسب يباح لعاطيه، وأن يكون فاضلًا عن نفقته وكسوته إن جعلا في كسبه.
قال في (الأم) و (المختصر): ويمنعه الإمام من أن يجعل على أمته خراجًا إلا أن يكون لها عمل دائم، وروى بسنده إلى عثمان أنه قال في خطبته: (لا تكلفوا الصغير فيسرق، ولا الأمة غير ذات الصنعة فتكتسب بفرجها) وكذلك رواه البيهقي، ووقع في (النهاية) عزوه إلى عمر.
فروع:
يكره أن يقول المملوك لمالكه: ربي، بل يقول: سيدي ومولاي، ويكره أن يقول السيد له: عبدي وأمتي، بل ويقول: غلامي وجاريتي، أو فتاي وفتاتي، ولا كراهة في إضافة رب إلى غير المكلف؛ كرب الدار ورب الغنم، ويكره أن يقال للفاسق والمتهم في دينه: يا سيدي.
قال: (وعليه علف دوابه وسقيها)؛ لحرمة الروح، وفي الصحيح: (عذبت امرأة في هرة)، وحديث جمل الأنصاري الذي شكى مالكه .. أصله مرسل، ورواه أحمد وغيره مطولًا، ولأنها ذات روح فأشبهت العبد، فإن لم تكن ترعى .. لزمه أن يعلفها ويسقيها إلى أول شبعها وريها دون غايتها، وإن كانت ترعى .. لزمه إرسالها لذلك حتى تشبع وتروى، بشرط فقد السباع ووجود الماء، فإن اكتفت بكل من المرعى والعلف .. تخير بينهما، وإن لم تكتف إلا بهما .. لزماه.
وإذا احتاجت البهيمة إلى السقي ومعه ما يحتاج إليه لطهارته .. سقاها وتيمم.
стр. 3940
فَإِنِ امْتَنَعَ .. أُجْبِرَ فِي الْمَاكُولِ عَلَى بَيْعٍ أَوْ عَلْفٍ أَوْ ذَبْحٍ، وَفِي غَيْرِهِ عَلَى بَيْعٍ أَوْ عَلْفٍ. وَلاَ يَحْلُبُ مَا ضَرَّ وَلَدَهَا
ــ
و (العلف) بفتح اللام: مطعوم البهائم، وبإسكانها: المصدر، ويجوز هنا الأمران.
فرع:
في كتب الحنابلة: يجوز الانتفاع بالحيوان في غير ما خلق له؛ كالبقر للحمل أو الركوب، والإبل والحمير للحرث، وقوله ﵊: (بينما رجل يسوق بقرة إذ أراد أن يركبها فقالت: إنا لم نخلق لذلك) متفق عليه [خ٣٤٧١ - م٢٣٨٨]، المراد: أنه معظم منافعها، ولا يلزم منه منع غير ذلك.
وقال أحمد: من شتم دابة .. قال الصالحون: لا تقبل شهادته؛ لحديث المرأة التي لعنت الناقة.
وفي (صحيح مسلم) [٢٥٩٨) عن أبي الدرداء: (لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة).
قال: (فإن امتنع .. أجبر في المأكول على بيع أو علف أو ذبح، وفي غيره على بيع أو علف)؛ صيانة لها عن الهلاك، فإن لم يفعل .. فعل الحاكم ما تقتضيه المصلحة، فإن كان له مال ظاهر .. بيع في النفقة، فإن تعذر جميع ذلك .. فمن بيت المال، ولا يجوز إرسال الطيور ونحوها؛ لأنه في معنى السوائب.
قال: (ولا يحلب ما ضر ولدها)؛ لأنه غذاؤه كولد الأمة.
وروى أحمد [٤/ ٧٦] وابن حبان [٥٢٨٣] والبيهقي [٨/ ١٤] عن ضرار بن الأزور قال: أهديت للنبي ﷺ لقحة، فأمرني أن أحلبها، فحلبتها فجهدت حلبها، فقال: (دع داعي اللبن)، وهو: الذي يبقيه في الضرع؛ لأنه يستدره، واستغربه الذهبي في (الميزان) [٧/ ٢٧٥] قال: ولا أعرف لضرار سواه، وله أن يحلب
стр. 3941
وَمَا لاَ رُوحَ لَهُ كَقَنَاةٍ وَدَارٍ لاَ تَجِبُ عِمَارَتُهَا
ــ
ما فضل عن ربه، والمراد: أن يفضل عما يقيمه حتى لا يموت، كذا قاله الروياني.
قال الرافعي: وقد يتوقف في هذا القدر ولا يحلب أيضًا ما يضرها لقلة العلف، وإن لم يضر بها .. كره تركه؛ لما فيه من تضييع المال.
فروع:
يستحب أن يقص الحالب أظافره؛ لئلا يؤذيها.
ويجب على مالك النحل أن يبقي في الكوارة شيئًا من عسلها لتأكله، فإن كان في الشتاء وتعذر خروجها .. فيكون المستبقى لها أكثر، فإن قام شيء في مقام العسل في غذائها .. لم يتعين العسل، فقد قيل: تشوى دجاجة وتعلق بباب الكوارة.
وعلى مقتنى الكلب المباح اقتناؤه: أن يطعمه أو يرسله أو يدفعه لمن له الانتفاع به، ولا يحل حبسه ليهلك جوعًا.
ودود القز يعيش بورق الفرصاد .. فعلى مالكه تخليته ليأكل منه، فإن عز الورق .. اشترى له من مال المالك كنفقة الرقيق.
والظاهر: أنه يجب أن يلبس الخيل والبغال والحمير ما يقيها الحر والبرد الشديد إذا كان ذلك يضر بها.
قال: (وما لا روح له كقناة ودار لا تجب عمارتها) أي: على مالكها المطلق التصرف، فإن ذلك تنمية للمال ولا يجب على الإنسان ذلك، بخلاف البهائم؛ فإنه يجب عليه ذلك؛ لحرمة الروح، وإليه يشير قول المصنف: (وما لا روح له)، ولذلك يأثم إذا منع فضل الماء عن الحيوان، ولا يأثم إذا منع فضله عن الزراعة،
стр. 3942
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويجوز في دار الحرب إتلاف الزروع وتخريب البستان دون ذبح الحيوان بها فافترقا.
هذا في مطلق التصرف، أما المحجور عليه .. فيجب على وليه عمارة داره وحفظ ثمره وزرعه بالسقي وغيره، ولا خفاء أن على نظار الأوقاف حفظ رقابها ومستغلاتها.
ولو غاب الرشيد عن ماله غيبة طويلة ولا نائب له .. هل يلزم الحاكم أن ينصب من يعمر عقاره ويسقي زرعه وثمره من ماله؟ الظاهر: نعم؛ لأن عليه حفظ مال الغائب كالمحجورين، ولا تكره عمارة الدار وسائر العقار للحاجة، والأولى: ترك الزيادة على الحاجة، وربما قيل: تكره الزيادة.
وفي (صحيح ابن حبان) [٣٢٤٣]: أن النبي ﷺ قال: (إن الرجل ليؤجر في نفقته كلها إلا في هذا التراب).
وفي (أبي داوود): (كل ما أنفقه ابن آدم في التراب فهو عليه وبقال يوم القيامة إلا ما) أي: إلا ما لا بد منه.
تتمة:
قال المتولي: يكره ترك عمارة الدار إلى أن تخرب، ولا يكره ترك زراعة الأرض، ويكره ترك سقي الزرع والأشجار عند الإمكان؛ لما فيه من إضاعة المال، وفي وجه: يجبر عليه كعلف الحيوان، وصححه الروياني، وقال في (المهمات): مقتضى المذهب: تحريم ذلك، كما جزموا به في مسألة إلقاء المتاع في البحر من غير خوف وفي ترك سقي الأشجار المرهونة، قال: والصواب أن يقال: إن كان سبب الإضاعة ترك أعمال فلا تحريم؛ لأن الأعمال قد تشق عليه، وإن لم تكن أعمال كإلقاء المتاع في البحر .. حرم.
خاتمة
يكره الإنسان أنه يدعو على نفسه وولده وخدمه وماله؛ لما روى مسلم [٣٠٠٩] في آخر كتابه، وأبو داوود [١٥٢٧] عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه
стр. 3943
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وسلم: (لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم).
وقد ضعف الناس محمد بن الحسن بن محمد النقاش المفسر مع جلالته؛ لروايته عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: (إن الله لا يقبل دعاء حبيب على حبيبه)، وهو ضعيف عند الدارقطني وغيره.
ووى أبو موسى عن ابن عباس: أن أوس بن ساعدة الأنصاري دخل على النبي ﷺ فقال: يا رسول الله؛ إن لي بنات وأنا أدعو عليهن بالموت، فقال: (يا ابن ساعدة؛ لا تدعو عليهن؛ فإن البركة في البنات، هن المجملات عند النعمة، والمنعيات عند المصيبة، والممرضات عند الشدة، ثقلهن على الأرض، ورزقهن على الله تعالى).
стр. 3944
كتاب الجراح
стр. 3945
كِتَابُ الْجِرَاحِ
ــ
كتاب الجراح
هو بكسر الجيم جمع: جراح, والجُرح بالضم الاسم, والجمع: جروح, ورجل جريح, وامرأة جريح, ورجال ونسوة جرحى.
واجترح: اكتسب, ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾.
وجوارح الإنسان: أعضاؤه الي يكتسب بها, وجوانحه: أطراف ضلوعه.
والجوارح من السباع والطير: ذوات الصيد.
وهذا الكتاب يترجم ب (الجراح) وب (القصاص) وب (الجنايات) , وهي أشمل؛ لصدقه على الجناية بالمحدد والمثقل, إلا أنه لما كان الجراح أغلب طرق القتل .. عبريه.
وقتل الآدمي عمدًا بغير حق أعظم الكبائر بعد الكفر, وموجبُ لاستحقاق العقوبة في الدنيا والآخرة, ولا يتحتم خلوده في النار, بل ولا دخوله, وأمره إلى الله؛ إن شاء .. عذبه, وإن شاء .. غفر له وتقبل توبته.
وروى مسلم والبخاري [٦٨٦٣] أيضًا عن ابن عمر أنه قال: إن من أعظم ورطات الأمر التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله.
وفي (الصحيحين) [خ ٢٧٦٧ - م ٨٩] عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات) قيل وما هن يا رسول الله؟ قال: (الشرك بالله,
стр. 3946
الفِعْلُ الْمُزْهِقُ ثَلاَثَةُ: عَمْدُ, وَخَطَأُ, وَشِبهُ عَمدٍ
ــ
والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق, وأكل الربا, وأكل مال اليتيم, والتولي يوم الرحف, وقذف المحصنات الغافلات)
وفي (البيهقي) [٨/ ٢٢] عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: (لو اجتمع أهل السماء وأهل الأرض على قتل امرىء مؤمن .. لعذبهم الله به).
وفي (النسائي) [٧/ ٨٢] و (ابن ماجه) [٢٦١٩] و (الترمذي) [١٣٩٥]: أن النبي ﷺ قال: (لزوال الدنيا عند الله تعالى أسهل من قتل امرىء مسلم).
وقال ﷺ : (من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة .. لقي الله وهو مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله) رواه أحمد وابن ماجه [٢٦٢٠] والبيهقي [٨/ ٢٢] بإسناد ضعيف, وعده ابن الجوزي من الموضوعات.
والإجماع منعقد على تحريم القتل الذي لم يبح, وتتعلق به مؤخذات في الدنيا منها: الكفارة, والتعزير, والقصاص أو الدية, لكن من استوفي منه القصاص أو الدية .. ظواهر الكتاب والسنة تدل على سقوط المطالبة عنه في الدار الآخرة.
وقسم في) الخصال) القتل إلى: حرام, وواجب, ومباح.
فالحرام: قتل المعصوم, والواجب: قتل المرتد, والمباح: قتل الأسير, لأن الإمام مخير فيه كما سيأتي.
وأما قتل الخطأ .. فلا يوصف بكونه حرامًا ولا حلالًا, كما لا يوصف بهما فعل المجنون والبهيمه؛ لأن المخطىء غير مكلف فيما أخطأ فيه.
وعن الشخ أبي حامد: أن قتل الخطأ محرم لا إثم فيه, وهذا تناقض.
قال: (الفعل المزهق ثلاثة) أي: ثلاثة أقسام (عمد, وخطأ, وشبه عمد).
(المزهق) بكسر الهاء: القاتل, يقال: زهقت نفسه تزهق, أي: خرجت.
ووجه الحصر: أن الجاني إن لم يقصد عين المجني عليه .. فهو الخطأ, وإن قصده, فإن كان بما يقتل غالبًا .. فهو العمد. وإلا .. فشبه غمد.
стр. 3947
وَلاَ قِصَاصَ إِلاَّ فِي الْعَمْدِ, وَهُوَ: قَصْدُ الْفِعْلِ وَالشَّخْصِ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا؛
ــ
ثم القصاص لا يختص بالنفس بل يجري في الأطراف كما سيأتي, فلو قال: الجناية .. كان أشمل.
ودليل كون القتل ثلاثة: ما روى أبو داوود [٤٥٣٦] والنسائي [٨/ ٤١] وابن ماجه [٢٦٢٧] وابن حبان [٦٠١١] والشافعي [ام ٦/ ١٠٥ واللفظ له] عن سفيان بن عيينة, عن علي بن زيد بن جدعان, عن القاسم بن ربيعة, عن عبد الله بن عمر: أن النبي ﷺ قال: (ألا إن في قتيل عمد الخطأ قتيل السوط أو العصا مئه من الإبل مغلظة؛ منها: أربعون خلقة في بطونها أولادها).
وروى البيهقي [٨/ ٤٤] عن محمد بن خزيمة أنه قال: حضرت مجلس المزني يومًا فسأله رجل من العراق عن شبه العمد فقال: إن الله وصف القتل في كتابه بصفتين: عمد وخطأ, فلم قلتم: إنه ثلاثة أصناف؟! فاحتج المزني بهذا الحديث, فقال المناظر: أتحتج علي بعلي بن زيد بن جدعان, فسكت المزني, فقلت للمناظر: قد رواه جماعة غيره, منهم: أيوب السختياني وخالد الحذاء, فقال للمزني: أنت تناظر أم هذا؟ فقال: إذا جاء الحديث .. فهو يناظر؛ لأنه أعلم به مني, ثم أتكلم.
قال: (ولا قصاص إلا في العمد) سواء مات في الحال أو بعده بسراية تلك الجراحة؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلقِصَاصُ فِي اَلْقَتَلَىَ﴾.
وقوله: ﴿وَكَتَبَنَا عَلَيِهم فِيهَا أَنَّ النَّفسَ باِلنَّفِس﴾ الآية.
وقد ورد في شرعنا تقريره, فقال ﷺ لما كسرت ثنية الربيع: (كتاب الله القصاص) , ولهذا أدخله البخاري [٤٥٠٠] في تفسير (سورة المائدة) , وإنما لم يجب في شبه العمد؛ للحديث المذكور قبله, ولا في الخطأ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيِرُ رَقَبَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ أِلَى أَهْلِه﴾ , فأوجب الدية ولم يتعرض للقصاص.
قال: (وهو: قصد الفعل والشخص بما يقتل غالبًا) ,هذه عبارة الجمهور,
стр. 3948
جَارِحُ أَوْ مُثَقَّلُ
ــ
وأورد عليها: أن من قطع أنملة شخص فمات .. يجب عليه القصاص, مع أنه لا يقتل غالبًا.
وأجيب بأن المراد ب (ما يقتل غالبًا): الآلة لا نفس الفعل.
وما جزم به المصنف من كون العمد يعتمد فيه تعيين الشخص .. قد اختلف فيه كلام (الروضة): فجزم به هنا وفي الباب الرابع المعقود لموجب الدية, وخالف الموضعين قبيل (الديات) , فرجح من زوائده وجوب القصاص إذا رمى إلى جماعة وقصد إصابة واحد منهم فأصاب واحدًا.
قال: (جارح أو مثقل) , هذا علم من كلامة المتقدم, لكنه أراد به التنبيه على خلاف أبي حنيفة؛ فإنه لم يوجبه في المثقل, ولو حذفه كان أولى؛ لأنه يرد عليه ما لو قتله بسحره الذي يقتل غالبًا؛ فإن فيه القصاص كما سيأتي, مع أنه ليس بجارح ولا مثقل.
ويجوز في لفظه الجر على البدلية, والرفع على القطع.
فأما وجوب القصاص في الجارح .. فبالإجماع, ولا فرق فيه بين السيف والسكين, والحديد والنحاس, والقصب والحجر, والخشب المحدودين والزجاج, ومنه الطعن بالسنان والمسلة.
والمراد ب (المثقل): ما يقتل غالبًا كالحجر والدبوس الكبيرين, والتحريق والصلب, وهدم الجدار أو السقف عليه, ودفنه حيًا, وعصر أنثييه عصرًا شديدًا.
واستدل الجمهور للقصاص في المثقل
بقوله تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَد جَعَلْنَا لِوَلِيِهِ سُلْطَانًا﴾ هذا قتل مظلومًا.
وفي (سنن أبي داوود) [٤٥٦١] وغيرها عن حمل بن مالك: (أن النبي صلى الله
стр. 3949
فَإِنْ فُقِدَ قَصْدُ أَحَدِهِمَا, بِأَنْ وَقَعَ عَلَيهِ فَمَاتَ, أَو رَمَى شَجَرَةُ فَأَصَابَهُ .. فَخَطَأُ. وَإِنْ قَصَدَهُمَا بِمَا لاَ يَقْتُلُ غَالِبًا .. فَشِبْهُ عَمْدٍ, ومِنْهُ: الضَّرْبُ بِسَوْطٍ أَوْ عَصًا
ــ
عليه وسلم قضى في امرأة قتلت مرأة قتلت بمسطح بالقتل).
و (المسطح): عود من أعواد الخباء.
وفي (الصحيحين) [خ ٢٤١٣ - م ١٦٧٢]: (أن جارية وجدت رض رأسها بين حجرين فقيل لها, من فعل بك هذا؟ فلان, فلان .. إلى أن ذكر يهودي, فأفشارت برأسها: أن نعم. فأمر النبي ﷺ أن يرض رأسه بين حجرين).
وقد وافقنا ابو حنيفة على أن القتل بالعمود الحديد يوجب القود, فقيس عليه غيره, ولأن القصاص شرع لصيانة النفس, فلو لم يجب بالمثقل .. لما حصلت الصيانة.
قال: (فإن فُقد قصد أحدهما؛ بأن وقع عليه فمات, أو رمى شجرة فأصابه .. فخطأ).
(الخطأ) بالهمز: نقيض الصواب, فالفعل القاتل للغير إذا لم يقصد أصله كما لو تزلق فسقط على غيره فمات, أو لم يقصد الشخص نفسه كما إذا رمى إلى صيد فأصاب إنسانًا .. فهو خطأ محض لا يتعلق به قصاص.
وفي المثال الأول نظر؛ فإن الواقع لا ينسب إليه فعل, فضلا عن كونه خطأ؛ لقربه منه وبعده عن غيره.
قال: (وإن قصدهما بما لا يقتل غالبًا .. فشبه عمد)؛ لأنه أشبه العمد في القصدين.
واحترز بقوله: (غالبًا) عما يكون القتل به نادرًا, كما لو غرز إبرة في غير مقتل ولم يعقبها ورم فمات .. فلا قصاص فيه كما سيأتي.
قال: (ومنه) أي: من شبه العمد (الضرب بسوط أو عصًا)؛ للحديث السابق, لكنه في (الشرح) و (الروضة) مقيد بما إذا كانت خفيفة ولم يوال بين
стр. 3950
فَلَوْ غَرَزَ إِبْرَةُ بِمَقتَلِ .. فَعَمدُ, وَكَذَا بِغَيِرهِ إِنْ تَوَرَّمَ وَتَأَلَّمَ حَتَّى مَاتَ, فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ أَثرُو مات فِي الْحَالِ .. فَشِبْهُ عَمْدٍ, وَقِيلَ: عَمْدُ, وَقِيلً: لاَ شَيْءَ
ــ
الضربات ولم يكن الضرب في مقتل أو المضروب صغيرًا أو ضعيفًا, فإن كان فيه شيء من ذلك
فهو عمد؛ لأنه يقتل غالبًا في هذه الأحوال.
قال: (فلو غرز إبرة بمقتل .. فعمد)؛ لخطر ذلك وشدة تأثيرة, فالقليل في هذه المواضع يعمل عمل الكثير في غيرها.
فمن المقاتل: العينان, والدماغ, وأصول الأذنين, والحلق, والخاصرة, والإحليل, والأنثيان, والمثانة, و (العجان) وهو: ما بين القبل والدبر, ويسمى: العضرط, و (الأجدعان) وهما: عرقان في صفحتي العنق قد خفيا وبطنا, وقيل: هما الودجان.
قال: (وكذا بغيره) أي: بغير المقتل, كالألية والعضد والفخذ (إن تورم وتألم حتى مات) , فيجب القصاص؛ لظهور أثر الجناية وسرايتها إلى الهلاك, ولم يذكر في (الحاوي الصغير) الألم بل اقتصر على التورم؛ لأن الغالب: أنه لا يخلو عنه, وصحح المصنف في كلامه على (الوسيط): الوجوب إذا دام الألم بلا ورم.
قال: (فإن لم يظهر) له (أثر ومات في الحال .. فشبه عمد)؛ لأنه لا يقتل عادة, فأشبه ما إذا مات بعد مدة من غير تورم ولا تألم.
وليس المراد (بعدم ظهور الأثر): ألا يظهر أصلًا؛ فإنه لا بد من ألم ما, لكن المراد: أنه لا يشتد الألم.
قال: (وقيل: عمد) كالجراحات الصغيرة بغير الإبرة.
قال: (وقيل: لا شيء) أي: لا قصاص ولا دية؛ إحالة علي الموت بسبب آخر, وبهذا قال ابن سريج والإصطخري وابن خيران والطبري.
стр. 3951
وَلَوْ غَرَزَ فِيمَا لاَ يُؤْلِمُ كَجِلْدَةِ عَقِبٍ .. فَلاَ شَيْء بِحَالٍ. وَلَوْ حَبَسَهُ وَمَنَعَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَالطَّلَبَ حَتَّى مَاتَ: فإِنْ مَضَتْ مُدَّةُ يَمُوتُ مِثْلُهُ فِيهَا غَالِبًا جُوعًا وَعَطَشًا .. فَعَمْدُ, وَإلاَّ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ جُوعٌ وَعَطَشُ سَابِقُ .. فَشِبْهُ عَمْدٍ, وَإِنْ كَاَنَ بَعْضُ جُوعٍ وَعَطَشِ وَعَلِمَ الْحَابِسُ الْحَالَ .. فَعَمْدٌ,
ــ
قال: (ولو غرز فيما لا يؤلم كجلدة عقب .. فلا شيء بحال)؛ للعلم بأنه لم يمت منه, وإنما هو موافقة قدر, كما لو ألقى عليه خرقة أو ضربه بقلم فمات.
ومحل ما ذكره المصنف: إذا لم يبالغ في إدخال الإبرة, فإن بالغ .. وجب القود قولًا واحدًا, صرح به الأصحاب.
قال: (ولو حبسه ومنعه الطعام والشراب والطلب حتى مات: فإن مضت مدة يموت مثله فيها غالبًا جوعًا وعطشًا .. فعمد)؛ إحالة للهلاك على السبب الظاهر المفضي إلى الموت غالبًا, وتختلف المدة باختلاف حال المحبوس قوةُ وضعفَا, والزمانِ حرارةُ, وبرودة, فإن فقد الماء في الحر .. ليس كفقده في البرد, وفقد الماء يهلك سريعًا, بخلاف فقد الأكل, فيعتبر ذلك, وإليه أشار بقوله: (مدةٌ يموت مثله فيها).
وإنما عطف ب (أو) ليفيد: أن فقد أحدهما كاف إذا هلك به, فإن كان عنده الطعام والشراب لكنه لم يتناوله خوفًا أو حزنًا أو أمكنة الطلب فلم يفعل .. فلا شيء على حابسه؛ لأنه قتل نفسه.
وقال في (البحر): لاحدَّ لأقل الجوع وإنْ حده الأطباء باثنين وسبعين ساعة متصلة؛ فقد واصل عبد الله بن الزبير سبعة عشر يومًا, واختبأ أبو ذر تحت أستار الكعبة بضعة عشر يومًا يخرج في الليل فيشرب من زمزم، ومع ذلك سمن حتى تكسرت عكَن بطنه.
قال: (وإلا) أي: وإن لم تمض تلك المدة المذكورة ومات (فإن لم يكن به جوع وعطش سابق .. فشبه عمد)؛ لأنه لا يقتل غالبًا (وإن كان بعض جوع وعطش وعلم الحابس الحال .. فعمد)؛ لظهور قصد الإهلاك.
و (الواو) في قوله: (وعطش) بمعنى (أو) , ولو أفضح بها .. كان أولى.
стр. 3952
وَإِلاَّ .. فَلاَ فِي الأَظْهَرِ
ــ
قال: (وإلا) أي: وإن لم يعلم الحابس الحال) .. فلا في الأظهر)؛ لأنه لم يقصد إهلاكه ولا أتى هو مهلك.
وشبه ذلك بما إذا دفع إنسانًا دفعًا خفيفًا فسقط على سكين خلفه وهو جاهل بها .. فلا وقود.
والثاني: يجب, كما لو ضرب المريض بما يهلكه وهو لا يعلم مرضه, فإن لم نوجب القصاص .. فقولان:
أحدهما: تجب الدية بتمامها دية العمد إن كان عالمًا, ودية شبه العمد إن كان جاهلًا.
وأظهرهما- وبه قطع الأكثرون-: يجب نصف دية العمد أو شبه العمد.
وإن أوجبنا القصاص .. وجبت دية عمد بكمالها.
كل هذا إذا كان المحبوس حرًا, فإن كان عبدًا .. فإنه يضمن بوضع اليد إذا مات في الحبس.
وقال أبو حنبفة: إذا حبس حرًا صغيرًا فلسعته حيه فمات .. ضمنه بالدية.
وسيأتي في التتمة التي قبل (الديات) عن المتولي: أنه إذا قتله بالدخان .. وجب القصاص, وهناك نقل الشيخان عن (فتاوى الغزالي): لو افتصد فمنعه رجل من أن يعصب العرق حتى مات, أو عصبه فحله رجل ومنعه من إعادة العصابة حتى مات .. وجب القود؛ لأنه طريق يقصد به القتل غالبًا.
стр. 3953
وَيَجِبُ القِصَاصُ بِالسَّبَبِ، فَلَوْ شَهِدَا بِقِصَاصٍ فَقُتِلَ ثُمَّ رَجَعَا وَقَالاَ: تَعَمَّدْنَا .. لَزمَهُمَا القِصَاصُ إِلاَّ أَنْ يَعْتَرِفَ الْوَلِيُّ بِعِلْمِهِ بِكَذِبِهِمَا
ــ
وعن القاضي حسين: لو عراه حتى مات بالحر أو البرد .. فهو كما لو منعه الطعام أو الشراب.
ولو أخذ طعامه أو شرابه أو ثيابه في مفازة فمات جوعًا أو عطشًا أو بردًا .. فلا قصاص؛ لأنه لم يقصد قتله وإنما قصد تحصيل شيء لنفسه، ولا دية أيضًا؛ لأنه لم يُحدث فيه فعلًا يقتضي إهلاكه.
قال: (ويجب القصاص بالسبب)، وهو الذي يتوصل به إلى القتل؛ إقامة له مقام المسبب.
قال: (فلو شهدا بقصاص فقتل ثم رجعا وقالا: تعمدنا .. لزمهما القصاص)؛ لما روى البخاري تعليقًا، والشافعي والبيهقي [١٠/ ٢٥١] مسندًا: أن رجلين شهدا عند علي ﵁ على رجل بسرقة فقطعه، ثم رجعا عن شهادتهما فقال: (لو أعلم أنكما تعمدتما .. لقطعت أيديكما).
ولأنه سبب يفضي إلى الهلاك غالبًا في شخص معين فأوجب القصاص كالإكراه الحسي، بل جعله الإمام أبلغ من الإكراه؛ لأن المكره قد يؤثر هلاك نفسه على سفك دم محرم، والقاضي لا محيص له عن الحكم بشهادتهما، وكذلك لو شهدا على طرف أو شهدا بردة أو بسرقة فقطع ثم رجعا عن الشهادة، فإن سرى .. فعليهم القصاص في النفس.
قال: (إلا أن يعترف الولي بعلمه بكذبهما)، فلا قصاص عليهما؛ لأنهما لم يلجئاه لا حسًا ولا شرعًا، وإنما هما كالممسك مع القاتل.
هذا بالنسبة إلى الشهادة، أما الرواية، فإذا أشكلت واقعة على حاكم، فروى له إنسان فيها خبرًا، فقتل الحاكم به رجلًا، ثم رجع الراوي وقال: تعمدت الكذب ..
стр. 3954
وَلَوْ ضَيَّفَ بِمَسْمُومٍ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا فَمَاتَ .. وَجَبَ الْقِصَاصُ،
ــ
ففي (فتاوي البغوي): ينبغي أن يجب القصاص كالشاهد يرجع.
قال الرافعي قبيل (الديات): والذي ذكره الإمام والقفال في (فتاويه) المنع؛ فإن الخبر لا يختص بالواقعة، بخلاف الشهادة.
ولو استفتى القاضي شخصًا فأفتاه بالقتل ثم رجع .. فهو فيما يظهر كراوي الخبر لا كالشاهد، وقد ذكر المصنف في (كتاب الشهادات) رجوع الولي وحده، وهناك يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
قال: (ولو ضيف بمسموم صبيًا أو مجنونًا فمات .. وجب القصاص)؛ لأنه ألجأهما إلى ذلك، سواء قال لهما: هو مسموم أو لم يقل، وسواء ناوله إياه وقال: كل، أو قدمه إليه ضيافة.
وصورة المسألة: أن يكون السم يقتل غالبًا، وإنما لم يقيده المصنف به؛ لأن السم لا يطلق حقيقة إلا عليه وإن خالفوا هذا الاصطلاح في مداواة الجرح بمسموم.
قال الرافعي: ولم يفرقوا بين الصبي المميز وغيره، ولا نظروا إلى الخلاف في: أن عمده عمد أو خطأ؟ وللنظر في ذلك مجال. اهـ
وقد فرق بينها ابن الصباغ والمتولي، وهو مقتضى ما في (البيان) و (التهذيب).
ولو كان السم لا يقتل غالبًا إلا الضعيف أو في فصل .. اعتبر فيما ذكرناه ضعف المكره وذلك الفصل، وإلا .. فلا قصاص.
وفي قوله: إن السم وإن كان مما لا يقتل غالبًا ومات الموجَ ربه .. يجب القصاص؛ لأن له نكايات في الباطن، فأشبه الجراحة.
و (السم): شيء يضاد القوة الحيوانية وهو مثلث السين، والثلاث لغات في: (سَمِّ الْخِيَاطِ).
واقتصر الجوهري فيه على الضم والفتح، ويجمع على: سموم وسمام.
ووقع في كلام الرافعي وغيره: سم موح، وهو بتشديد الحاء المهملة، أي: المسرع.
стр. 3955
أَوْ بَالِغًا عَاقِلًا وَلَمْ يَعْلَمْ حَالَ الطَّعَامِ .. فَدِيَةٌ، وَفِي قَوْلٍ: قِصَاصٌ، وَفِي قَوْلٍ: لاَى شَيْءَ
ــ
قال: (أو بالغًا عاقلًا ولم يعلم) أي: الضيف (حال الطعام .. فدية)؛ لغروره، ولا قود؛ لأنه تناوله باختياره، فإن علم الضيف بالحال .. فلا شيء على المقدم بحال، والآكل هو المهلك لنفسه.
وأطلق المصنف (الدية) ولم يبين: هل هي دية عمد أو شبه عمد؟ وعبارة (المحرر): إذا قلنا: لا قصاص .. فالأقرب: أنه شبه عمد.
قال: (وفي قول: قصاص)؛ لإفضائه إلى الهلاك غالبًا في شخص معين، فأشبه الإكراه، وبهذا قال مالك، ورجحه البغوي والصيمري وآخرون.
واحتج له المتولي وغيره بما روى أبو داوود [٤٥٠٢]: أن النبي صليى الله عليه وسلم أهدت له يهودية بخيبر شاة مصلية وقد سمتها، فأكل منها وأكل رهط من أصحابه، فمات بشر بن البراء بن معرور، فأرسل إلى اليهودية فقال: (ما حملك على ما صنعت؟) فقالت: قلت: إن كان نبيًا .. فلن يضره، وإن لم يكن نبيًا .. استرحنا منه، فأمر بها ﷺ فقتلت.
وللأول أن يجيب بأنه مرسل؛ لأن الزهري لم يسمع من جابر شيئًا، والمحفوظ أنه ﷺ قيل له: ألا تقتلها؟ فقال: (لا) كذا أخرجه البخاري [٢٦١٧] ومسلم [٢١٩٠]، لكن جمع البيهقي [٨/ ٤٧] بينهما بأنه لم يقتلها في الابتداء، فلما مات بشر أمر بقتلها، وهي زينب بنت الحارث بن سلام، وقال ابن إسحاق: هي أخت مرحب اليهودي.
وروى معمر بن راشد عن الزهري: أنها أسلمت، وضعف في (البحر) الاستدلال بهذا الحديث بأنها لم تقدم الشاة إلى الأضياف، إنما بعثت بها إلى النبي ﷺ وهو أضاف أصحابه، وما هذا سبيله لا يلزم به قصاص.
قال: (وفي قول: لا شيء)؛ تغليبًا للمباشرة، وأنكره جماعة، وقالوا: لا يصح.
ولو أكرهه على شرب السم القاتل .. فقولان: قال الرافعي: والوجه: أن يكون
стр. 3956
وَلَوْ دَسَّ سُمًّا فِي طَعَامِ شَخْصٍ الْغَالِبُ أَكْلُهُ مِنْهُ فَأَكَلَهُ جَاهِلًا .. فَعَلَى الأَقْوَالِ ..
ــ
كالكراهة على قتل نفسه، وستأتي المسألتان، وصرح في (الكفاية) بنقل هذا عن الإمام والمتولي و (تعليق القاضي حسين).
قال: (ولو دس سمًا في طعام شخص الغالب أكله منه فأكله جاهلًا .. فعلى الأقوال) أي: التي تقدمت؛ لأنه يعد مهلكًا له عرفًا، هذه أصح الطرق.
والثانية: القطع بالمنع؛ لفقد التعزير منه.
والثالثة: يضمن قطعًا، حكاهما ابن القطان في (الفروع).
واحترز بقوله: (في طعام شخص) عما إذا دسه في طعام نفسه فأكله منه شخص عادته الدخول إليه؛ فإنه هدر.
وقوله: (الغالب أكله منه) زيادة على (المحرر)، وهي في (الشرحين)، ولم يتعرض لها الأكثرون، فاحترز بها عما إذا كان أكله منه نادرًا؛ فإنه هدر أيضًا.
فائدة:
روى الزهري: أن أبا بكر الصديق ﵁ والحارث بن كلدة كانا يأكلان حريرة أهديت لأبي بكر، فقال الحارث – وكان طبيبًا –: والله إن فيها سم سنة، وأنا وانت نموت في يوم واحد، فرفع يده، فلم يزالا عليلين حتى ماتا في يوم واحد عند انقضاء السنة.
ولما غزا خالد بن الوليد الحيرة .. جاءه عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة ومعه سم ساعة، فقال له خالد: ما هذا؟ فقال: سم ساعة إن نالني مكروه .. تناولته، فأخذه خالد من يده وقال: باسم الله خير الأسماء الذي لا يضر مع اسمه شيء الرحمن الرحيم، ثم اقتحم السم، فلم يضره منه شيء، فقال له ابن بقيلة: والله! لتملكن ما أردتم ما دام أحد منكم هكذا.
стр. 3957
وَلَوْ تَرَكَ الْمَجْرُوحُ عِلاَجَ جُرْحٍ مُهْلِكٍ فَمَاتَ .. وَجَبَ الْقِصَاصُ. وَلَوْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ لاَ يُعَدُّ مُغْرِقًا كَمُنْبَسِطٍ فَمَكَثَ مُضْطَجِعًا حَتَّى هَلَك .. فَهَدَرٌ، أَوْ مُغْرِقٍ لاَ يَخْلُصُ مِنْهُ إِلاَّ بِسِبَاحَةٍ: فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْهَا أَوْ كَانَ مَكْتُوفًا أَوْ زَمِنًا .. فَعَمْدٌ، وَإِنْ مَنَعَ مِنْهَا عَارِضٌ كَرِيحٍ وَمَوْجٍ .. فَشِبْهُ عَمْدٍ، وَإِنْ أَمْكَنَتْهُ فَتَرَكَهَا .. فَلا دِيَةَ فِي الأَظْهَرِ
ــ
وكان ابن بقيلة معمَّرًا، بلغ ثلاث مئة وخمسين سنة، وسيأتي ذكره قبيل (باب الجزية).
قال: (ولو ترك المجروح علاج جرح مهلك فمات .. وجب القصاص) أي: على الجارح بلا خلاف؛ لأن البرء غير موثوق به والجناية في نفسها مهلكة، وليس كما لو حبسه في بيت والطعام حاضر فلم يأكل حتى مات؛ لأن نفس الحبس غير مهلك.
قال: (ولو ألقاه في ماء لا يعد مغرقًا كمنبسط فمكث مضطجعًا حتى هلك .. فهدر)؛ لأنه هلك باستدامة منسوبة إليه دون ملقيه، فأشبه ما لو خرج ثم عاد، وسواء كان الماء جاريًا أو راكدًا.
وقوله: (مضطجعًا) ليس بقيد؛ فإن المستلقي والمنكب والجالس كذلك ولم يفرقوا في هذا القسم بين المميز وغيره، ولا بين القادر على الحركة وغيره، والظاهر: أن المراد: المميز والقادر على الخروج منه؛ فإنهم صرحوا بأنه لو كتفه وألقاه على هيئة لا يمكنه الخلاص .. وجب القود.
قال: (أو مغرق لا يخلص منه إلا بسباحة: فإن لم يحسنها أو كان مكتوفًا أو زمنًا .. فعمد)؛ لأنه مهلك لمثله.
و (السباحة): العوم، قال الجوهري: يقال: إنه لا يُنسى.
قال: (وإن منع منها عارض كريح وموج .. فشبه عمد)، فتجب ديته ولا قود.
قال: (وإن أمكنته فتركها .. فلا دية في الأظهر)؛ لأنه بترك السباحة متلف لنفسه، فأشبه إعراض المحبوس عن أكل الطعام.
стр. 3958
أَوْ فِي نَارٍ يُمْكِنُهُ الْخَلاَصُ فَمَكَثَ .. فَفِي الدِّيَةِ الْقَوْلاَنِ. وَلاَ قِصَاصَ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَفِي النَّارِ وَجْهٌ
ــ
والثاني: تجب الدية؛ لأن الإلقاء مهلك والسباحة حيلة دافعة، فأشبه ما لو امتنع من معالجة الجرح، وقيل: تجب قطعًا، وقيل: لا قطعًا.
ولو كتفه وطرحه على الساحل فزاد الماء وأغرقه، فإن كان في موضع تعلم زيادة الماء فيه كالمد بالبصرة .. فهو عمد موجب للقصاص، وإن كان قد يزيد وقد لا يزيد .. فهو شبه عمد، وإن كان بحيث لا تتوقع الزيادة فاتفق سيب نادر .. فهو خطأ محض.
قال: (أو في نار يمكنه الخلاص فمكث .. ففي الدية قولان)، هما منسوبان إلى رواية الربيع، وأصحهما: المنع، كما تقدم في مسألة الماء.
وقيل في مسألة الماء: لا تجب قطعًا، والقولان في النار؛ لأن النار متلفة لا يقدم الناس عليها مختارين، بخلاف الماء؛ فغنه قد يقدم عليه لسباحة أو تبرد أو تنظيف، وعلى الأصح: يجب على الملقي أرش ما عملت فيه النار من حين إلقائه إلى أن أمكنه الخروج.
قال الجيلي: فإن لم تكن معرفة قدر الأرش .. لم يلزمه إلا التعزير.
قال ابن الرفعة: ولو قيل: يلزمه المحقق .. كان أولى.
قال: (ولا قصاص في الصورتين) أي: في صورتي الإلقاء في الماء والنار؛ لأنه الذي قتل نفسه (وفي النار وجه)؛ لأنها تؤثر وتقرح بأول المس، بخلاف ملاقاة الماء، على أن في الماء قولًا أو وجهًا أيضًا بالوجوب.
واحترز بقوله: (يمكنه الخلاص) عما إذا لم يمكنه، لعظمها، أو كونها في وهدة، أو كونه مكتوفًا أو زمنًا أو صغيرًا فمات منها، أو خرج منها متأثرًا متألمًا وبقي ضعيفًا ضَمِنًا إلى أن مات؛ فعليه القصاص.
ولو قال الملقي: كان يمكنه التخلص مما ألقيته فيه من ماء أو نار، وكذبه الولي .. فالأصح: تصديق الوارث؛ لأن الظاهر: أنه لو أمكنه الخروج .. لخرج.
стр. 3959
وَلَوْ أَمْسَكَهُ فَقَتَلَهُ آخَرُ، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا فَرَدَّاهُ فِيهَا آخَرُ، أَوْ أَلْقَاهُ مِنْ شَاهِقٍ فَتَلَقَّاهُ آخَرُ فَقَدَّهُ .. فَالْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ وَالْمُرْدِي وَالْقَادِّ فَقَطْ
ــ
وقيل: الملقي؛ لأن الأصل براءة ذمته.
قال: (ولو أمسكه فقتله آخر، أو حفر بئرًا فرداه فيها آخر، أو ألقاه من شاهق فتلقاه آخر فقده .. فالقصاص على القاتل والمردي والقاد فقط)، أما الممسك .. فلا شيء عليه إلا الإثم والتعزير؛ لما روى الدارقطني [٣/ ١٤٠] والبيهقي [٨/ ٥٠] بإسناد صحيح عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: (إذا أمسك الرجل الرجل حتى جاء آخر فقتله .. قتل القاتل ويصبر الممسك) أي: يحبس تأديبًا، قال البيهقي: والصواب إرساله، وصحح ابن القطان رفعه.
ولأنه لو أمسك امرأة حتى زنى بها غيره .. حد الزاني لا الممسك، وبهذا قال جماعة من العلماء.
وقال ربيعة: يحبس الممسك حتى يموت.
وقال مالك: إن أمسكه للقتل .. فهما شريكان وعليهما القصاص.
هذا في الحر، فإن كان المقتول عبدًا .. فللمالك مطالبة الممسك أيضًا، وقرار الضمان على القاتل، بخلاف ما لو أمسك المحرم صيدًا فقتله حلال وهو في يد المحرم؛ فالضمان على المحرم على تناقض فيه للرافعي والمصنف، وفرقوا بأنه ضمان يد وهنا ضمان إتلاف، وجعلوا سلب القتيل للقاتل والممسك؛ لاندفاع شر الكافر بهما.
وشرط مسألة الكتاب: أن يكون القاتل مكلفًا، فلو أمسكه وعرضه لمجنون أو سبع فقتله .. فالقصاص على الممسك بلا خلاف؛ لأنه يعد قاتلًا.
وأما مسألة حفر البئر .. فلأنه شرط والتردي سبب، والشروط لا يتعلق بها ضمان.
وكان الصواب: أن يعبر كما في (الشرح) و (الروضة) بنفي الضمان؛ لأنه الذي يتعلق بالحافر لا القصاص.
وأما مسألة الإلقاء من شاهق .. فالقصاص على المتلقي دون الملقي، ولا دية عليه
стр. 3960
وَلَوْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ مُغْرِقٍ فَالْتَقَمَهُ حُوتٌ .. وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي الأَظْهَرِ، أَوْ غَيْرِ مُغْرِقٍ .. فَلاَ
ــ
أيضًا إذا آل الأمر إليها، سواء عرف الملقي الحال أم لا، ولا فرق في نفي الضمان عن الملقي بين كون القاد ممن يضمن أو لا يضمن كالحربي.
و (القد) في اللغة هو: القطع طولًا و (القط): القطع عرضًا، ومنه: قط القلم.
قال: (ولو ألقاه في ماء مغرِق) وهو: الذي لا يمكنه الخلاص منه (فالتقمه حوت .. وجب القصاص في الأظهر)؛ لأن طرحه في اللُّجَّة إتلاف له، فإنه بنفس الوقوع فيه صار في حكم التالف.
والثاني: المنع؛ لحصول الإهلاك بغير ما قصد به الإهلاك فانتهض شبة في نفي القصاص، لكن تجب الدية مغلظة، ثم لا فرق بين أن يكون التقام الحوت له قبل وصوله إلى الماء أو بعده.
وقيل: إن التقمه قبل وصوله .. فلا قصاص قطعًا.
وقيل: إن كان بنيل مصر .. وجب؛ لأنه تكثر فيه التماسيح فلا يسلم منها أحد، وإن كان بغيره .. فلا.
فلو رفع الحوت رأسه فألقمه فاه .. وجب القصاص قطعًا.
قال: (أو غير مغرق .. فلا) أي: لا قصاص قطعًا؛ لأنه لم يقصد إهلاكه بالحوت الذي التقمه في الماء الغير المغرق، فأشبه ما إذا دفعه دفعًا خفيفًا على سكين لم يعلم بها الدافع؛ فإنه لا قصاص، وفي الصورتين دية شبه العمد مغلظة على العاقلة.
وقيل: لا دية كما لا قصاص، ومحل القطع بعدم القصاص: إذا لم يشعر الملقي بأن هناك حوتًا، فإن علم به .. وجب القود كما صرح به في (الوسيط).
وأطلق المصنف (المغرِق) ولا بد من تقييده بما لا يمكنه الخلاص منه، كما قاله ابن الرفعة وغيره.
следующие страницы →