← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13783

النجم الوهاج في شرح المنهاج

الدميري

Полный текст (5 377 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

وَلَوْ دَسَّ سُمًّا فِي طَعَامِ شَخْصٍ الْغَالِبُ أَكْلُهُ مِنْهُ فَأَكَلَهُ جَاهِلًا .. فَعَلَى الأَقْوَالِ .. ــ كالكراهة على قتل نفسه، وستأتي المسألتان، وصرح في (الكفاية) بنقل هذا عن الإمام والمتولي و (تعليق القاضي حسين). قال: (ولو دس سمًا في طعام شخص الغالب أكله منه فأكله جاهلًا .. فعلى الأقوال) أي: التي تقدمت؛ لأنه يعد مهلكًا له عرفًا، هذه أصح الطرق. والثانية: القطع بالمنع؛ لفقد التعزير منه. والثالثة: يضمن قطعًا، حكاهما ابن القطان في (الفروع). واحترز بقوله: (في طعام شخص) عما إذا دسه في طعام نفسه فأكله منه شخص عادته الدخول إليه؛ فإنه هدر. وقوله: (الغالب أكله منه) زيادة على (المحرر)، وهي في (الشرحين)، ولم يتعرض لها الأكثرون، فاحترز بها عما إذا كان أكله منه نادرًا؛ فإنه هدر أيضًا. فائدة: روى الزهري: أن أبا بكر الصديق ﵁ والحارث بن كلدة كانا يأكلان حريرة أهديت لأبي بكر، فقال الحارث – وكان طبيبًا –: والله إن فيها سم سنة، وأنا وانت نموت في يوم واحد، فرفع يده، فلم يزالا عليلين حتى ماتا في يوم واحد عند انقضاء السنة. ولما غزا خالد بن الوليد الحيرة .. جاءه عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة ومعه سم ساعة، فقال له خالد: ما هذا؟ فقال: سم ساعة إن نالني مكروه .. تناولته، فأخذه خالد من يده وقال: باسم الله خير الأسماء الذي لا يضر مع اسمه شيء الرحمن الرحيم، ثم اقتحم السم، فلم يضره منه شيء، فقال له ابن بقيلة: والله! لتملكن ما أردتم ما دام أحد منكم هكذا.

стр. 3957

وَلَوْ تَرَكَ الْمَجْرُوحُ عِلاَجَ جُرْحٍ مُهْلِكٍ فَمَاتَ .. وَجَبَ الْقِصَاصُ. وَلَوْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ لاَ يُعَدُّ مُغْرِقًا كَمُنْبَسِطٍ فَمَكَثَ مُضْطَجِعًا حَتَّى هَلَك .. فَهَدَرٌ، أَوْ مُغْرِقٍ لاَ يَخْلُصُ مِنْهُ إِلاَّ بِسِبَاحَةٍ: فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْهَا أَوْ كَانَ مَكْتُوفًا أَوْ زَمِنًا .. فَعَمْدٌ، وَإِنْ مَنَعَ مِنْهَا عَارِضٌ كَرِيحٍ وَمَوْجٍ .. فَشِبْهُ عَمْدٍ، وَإِنْ أَمْكَنَتْهُ فَتَرَكَهَا .. فَلا دِيَةَ فِي الأَظْهَرِ ــ وكان ابن بقيلة معمَّرًا، بلغ ثلاث مئة وخمسين سنة، وسيأتي ذكره قبيل (باب الجزية). قال: (ولو ترك المجروح علاج جرح مهلك فمات .. وجب القصاص) أي: على الجارح بلا خلاف؛ لأن البرء غير موثوق به والجناية في نفسها مهلكة، وليس كما لو حبسه في بيت والطعام حاضر فلم يأكل حتى مات؛ لأن نفس الحبس غير مهلك. قال: (ولو ألقاه في ماء لا يعد مغرقًا كمنبسط فمكث مضطجعًا حتى هلك .. فهدر)؛ لأنه هلك باستدامة منسوبة إليه دون ملقيه، فأشبه ما لو خرج ثم عاد، وسواء كان الماء جاريًا أو راكدًا. وقوله: (مضطجعًا) ليس بقيد؛ فإن المستلقي والمنكب والجالس كذلك ولم يفرقوا في هذا القسم بين المميز وغيره، ولا بين القادر على الحركة وغيره، والظاهر: أن المراد: المميز والقادر على الخروج منه؛ فإنهم صرحوا بأنه لو كتفه وألقاه على هيئة لا يمكنه الخلاص .. وجب القود. قال: (أو مغرق لا يخلص منه إلا بسباحة: فإن لم يحسنها أو كان مكتوفًا أو زمنًا .. فعمد)؛ لأنه مهلك لمثله. و (السباحة): العوم، قال الجوهري: يقال: إنه لا يُنسى. قال: (وإن منع منها عارض كريح وموج .. فشبه عمد)، فتجب ديته ولا قود. قال: (وإن أمكنته فتركها .. فلا دية في الأظهر)؛ لأنه بترك السباحة متلف لنفسه، فأشبه إعراض المحبوس عن أكل الطعام.

стр. 3958

أَوْ فِي نَارٍ يُمْكِنُهُ الْخَلاَصُ فَمَكَثَ .. فَفِي الدِّيَةِ الْقَوْلاَنِ. وَلاَ قِصَاصَ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَفِي النَّارِ وَجْهٌ ــ والثاني: تجب الدية؛ لأن الإلقاء مهلك والسباحة حيلة دافعة، فأشبه ما لو امتنع من معالجة الجرح، وقيل: تجب قطعًا، وقيل: لا قطعًا. ولو كتفه وطرحه على الساحل فزاد الماء وأغرقه، فإن كان في موضع تعلم زيادة الماء فيه كالمد بالبصرة .. فهو عمد موجب للقصاص، وإن كان قد يزيد وقد لا يزيد .. فهو شبه عمد، وإن كان بحيث لا تتوقع الزيادة فاتفق سيب نادر .. فهو خطأ محض. قال: (أو في نار يمكنه الخلاص فمكث .. ففي الدية قولان)، هما منسوبان إلى رواية الربيع، وأصحهما: المنع، كما تقدم في مسألة الماء. وقيل في مسألة الماء: لا تجب قطعًا، والقولان في النار؛ لأن النار متلفة لا يقدم الناس عليها مختارين، بخلاف الماء؛ فغنه قد يقدم عليه لسباحة أو تبرد أو تنظيف، وعلى الأصح: يجب على الملقي أرش ما عملت فيه النار من حين إلقائه إلى أن أمكنه الخروج. قال الجيلي: فإن لم تكن معرفة قدر الأرش .. لم يلزمه إلا التعزير. قال ابن الرفعة: ولو قيل: يلزمه المحقق .. كان أولى. قال: (ولا قصاص في الصورتين) أي: في صورتي الإلقاء في الماء والنار؛ لأنه الذي قتل نفسه (وفي النار وجه)؛ لأنها تؤثر وتقرح بأول المس، بخلاف ملاقاة الماء، على أن في الماء قولًا أو وجهًا أيضًا بالوجوب. واحترز بقوله: (يمكنه الخلاص) عما إذا لم يمكنه، لعظمها، أو كونها في وهدة، أو كونه مكتوفًا أو زمنًا أو صغيرًا فمات منها، أو خرج منها متأثرًا متألمًا وبقي ضعيفًا ضَمِنًا إلى أن مات؛ فعليه القصاص. ولو قال الملقي: كان يمكنه التخلص مما ألقيته فيه من ماء أو نار، وكذبه الولي .. فالأصح: تصديق الوارث؛ لأن الظاهر: أنه لو أمكنه الخروج .. لخرج.

стр. 3959

وَلَوْ أَمْسَكَهُ فَقَتَلَهُ آخَرُ، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا فَرَدَّاهُ فِيهَا آخَرُ، أَوْ أَلْقَاهُ مِنْ شَاهِقٍ فَتَلَقَّاهُ آخَرُ فَقَدَّهُ .. فَالْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ وَالْمُرْدِي وَالْقَادِّ فَقَطْ ــ وقيل: الملقي؛ لأن الأصل براءة ذمته. قال: (ولو أمسكه فقتله آخر، أو حفر بئرًا فرداه فيها آخر، أو ألقاه من شاهق فتلقاه آخر فقده .. فالقصاص على القاتل والمردي والقاد فقط)، أما الممسك .. فلا شيء عليه إلا الإثم والتعزير؛ لما روى الدارقطني [٣/ ١٤٠] والبيهقي [٨/ ٥٠] بإسناد صحيح عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: (إذا أمسك الرجل الرجل حتى جاء آخر فقتله .. قتل القاتل ويصبر الممسك) أي: يحبس تأديبًا، قال البيهقي: والصواب إرساله، وصحح ابن القطان رفعه. ولأنه لو أمسك امرأة حتى زنى بها غيره .. حد الزاني لا الممسك، وبهذا قال جماعة من العلماء. وقال ربيعة: يحبس الممسك حتى يموت. وقال مالك: إن أمسكه للقتل .. فهما شريكان وعليهما القصاص. هذا في الحر، فإن كان المقتول عبدًا .. فللمالك مطالبة الممسك أيضًا، وقرار الضمان على القاتل، بخلاف ما لو أمسك المحرم صيدًا فقتله حلال وهو في يد المحرم؛ فالضمان على المحرم على تناقض فيه للرافعي والمصنف، وفرقوا بأنه ضمان يد وهنا ضمان إتلاف، وجعلوا سلب القتيل للقاتل والممسك؛ لاندفاع شر الكافر بهما. وشرط مسألة الكتاب: أن يكون القاتل مكلفًا، فلو أمسكه وعرضه لمجنون أو سبع فقتله .. فالقصاص على الممسك بلا خلاف؛ لأنه يعد قاتلًا. وأما مسألة حفر البئر .. فلأنه شرط والتردي سبب، والشروط لا يتعلق بها ضمان. وكان الصواب: أن يعبر كما في (الشرح) و (الروضة) بنفي الضمان؛ لأنه الذي يتعلق بالحافر لا القصاص. وأما مسألة الإلقاء من شاهق .. فالقصاص على المتلقي دون الملقي، ولا دية عليه

стр. 3960

وَلَوْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ مُغْرِقٍ فَالْتَقَمَهُ حُوتٌ .. وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي الأَظْهَرِ، أَوْ غَيْرِ مُغْرِقٍ .. فَلاَ ــ أيضًا إذا آل الأمر إليها، سواء عرف الملقي الحال أم لا، ولا فرق في نفي الضمان عن الملقي بين كون القاد ممن يضمن أو لا يضمن كالحربي. و (القد) في اللغة هو: القطع طولًا و (القط): القطع عرضًا، ومنه: قط القلم. قال: (ولو ألقاه في ماء مغرِق) وهو: الذي لا يمكنه الخلاص منه (فالتقمه حوت .. وجب القصاص في الأظهر)؛ لأن طرحه في اللُّجَّة إتلاف له، فإنه بنفس الوقوع فيه صار في حكم التالف. والثاني: المنع؛ لحصول الإهلاك بغير ما قصد به الإهلاك فانتهض شبة في نفي القصاص، لكن تجب الدية مغلظة، ثم لا فرق بين أن يكون التقام الحوت له قبل وصوله إلى الماء أو بعده. وقيل: إن التقمه قبل وصوله .. فلا قصاص قطعًا. وقيل: إن كان بنيل مصر .. وجب؛ لأنه تكثر فيه التماسيح فلا يسلم منها أحد، وإن كان بغيره .. فلا. فلو رفع الحوت رأسه فألقمه فاه .. وجب القصاص قطعًا. قال: (أو غير مغرق .. فلا) أي: لا قصاص قطعًا؛ لأنه لم يقصد إهلاكه بالحوت الذي التقمه في الماء الغير المغرق، فأشبه ما إذا دفعه دفعًا خفيفًا على سكين لم يعلم بها الدافع؛ فإنه لا قصاص، وفي الصورتين دية شبه العمد مغلظة على العاقلة. وقيل: لا دية كما لا قصاص، ومحل القطع بعدم القصاص: إذا لم يشعر الملقي بأن هناك حوتًا، فإن علم به .. وجب القود كما صرح به في (الوسيط). وأطلق المصنف (المغرِق) ولا بد من تقييده بما لا يمكنه الخلاص منه، كما قاله ابن الرفعة وغيره.

стр. 3961

وَلَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى قَتْلٍ .. فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَكَذَا عَلَى الْمُكْرَهِ عَلَى الأَظْهَرِ، فَإِنْ وَجَبَتِ الدِّيَةُ .. وُزِّعَتْ، فَإِنْ كَافَأَهُ أَحَدُهُمَا فَقَطْ .. فَالْقِصَاصُ عَلَيْهِ ــ قال: (ولو أكرهه على قتل) أي: أكره شخصًا على قتل ثالث إكراهًا بغير حق وقتله. قال:) .. فعليه القصاص)؛ لأنه أهلكه بما يقصد به الهلاك غالبًا، فأشبه ما إذا رماه بسهم فقتله، هذا هو الصحيح. وقيل: لا قصاص عليه؛ لأنه متسبب والمكره مباشر والمباشرة مقدمة، أما إثم القتل .. فعليهما قطعًا، ولا يخفف الإكراه الإثم عن المكره. قال: (وكذا على المكرَه) أي: بفتح الراء (على الأظهر)؛ لأنه قتله عمدًا عدوانًا لاستبقاء نفسه، فأشبه ما لو قتله المضطر ليأكله، بل أولى؛ لأن المضطر على يقين من التلف إن لم يأكل، بخلاف المكره، وبهذا قال مالك. والثاني: لا قصاص؛ لحديث: (رفع عن أمتي: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه)، وبهذا قال أبو حنيفة. ولا فرق في جريان القولين بين أن يصدر الإكره من الإمام أو نائبه أو إمام البغاة أو المتغلب باللصوصية أو غيرهم على الأصح. ولم يبين المصنف ما يحصل به الإكراه اكتفاء بما ذكره في (الطلاق)، لكن نقل الرافعي هنا عن المعتبرين: أن الإكراه هنا لا يحصل إلا بالتخويف بالقتل أو بما يخاف من التلف كالقطع والجرح والضرب الشديد، بخلاف الطلاق؛ فإن الإكراه فيه لا ينحصر في ذلك على الأظهر، ولابد أن يكون المكره لا يقدر على دفع المكره عن نفسه بقتل أو غيره. قال: (فإن وجبت الدية .. وزعت) وكانا كالشريكين في القتل، فللولي أن يقتص منهما، وله أن يقتص من أحدهما ويأخذ نصف الدية من الآخر، والأصح في زوائد (الروضة): أنه في ماله. قال: (فإن كافأه أحدهما فقط .. فالقصاص عليه)؛ لأن شريك غير المكافئ يلزمه القصاص كشريك الأب، فإذا أكره حر عبدًا على قتل عبد أو مسلم ذميًا على قتل

стр. 3962

وَلَوْ أَكْرَهَ بَالِغٌ مُرَاهِقًا .. فَعَلَى الْبَالِغِ الْقِصَاصُ إِنْ قُلْنَا: عَمْدُ الصَّبِيِّ عَمْدٌ، وَهُوَ الأَظْهَرُ ــ ذمي .. فالقصاص واجب على المأمور دون الآمر، وإن أكره عبد حرًا على قتل عبد أو ذمي مسلمًا على قتل ذمي .. فالقصاص على الحامل دون المحمول. ولو أكره الأب أجنبيًا على قتل ولده أو الأجنبي الأب .. فالقصاص على الأجنبي دون الأب. قال: (ولو أكره بالغ مراهقًا .. فعلى البالغ القصاص إن قلنا: عمد الصبي عمد، وهو الأظهر)؛ لأنه كالمكلفين العامدين. والمراد: أنه يعطى حكم العمد، واندفع عن المراهق؛ لعدم تكليفه. فإن قلنا: عمده كخطأ البالغ .. فلا، كما لو اشترك المخطئ والعامد في القتل. وما أطلقه المصنف من أن: (عمد الصبي عمد) قيده في (الروضة) بمن له نوع تمييز، أما من لا يميز .. فعمده خطأ، وكأن المصنف أشار إلى ذلك بالتمثيل بالمراهق. والثاني: أنه خطأ؛ لقول علي ﵁: (عمد الصبي والمجنون خطأ)، ولرفع القلم عنهما. والجواب: أن الأثر لم يصح. وأما رفع القلم عنهما .. ففيما يتعلق بالبدن، ولهذا لا نوجب القصاص في قتلهما، بل فيه دية مغلظة. فإن قلنا: إن عمده خطأ .. فلا قصاص؛ لأنه شريك مخطئ. وإذا لم يكن لهما تمييز .. فقال القاضي والإمام وغيرهما: لا عمد لهما قولًا واحدًا. وفي (الحاوي) طرد القولين فيهما. ولو أمر من لا يميز بقتل .. وجب القود على الآمر؛ لأنه كالآلة التي يستعملها،

стр. 3963

وَلَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى رَمْيِ شَاخِصٍ عَلِمَ الْمُكْرِهُ رَجُلٌ وَظَنَّهُ الْمُكْرَهُ صَيْدًا .. فَالأَصَحُّ: وُجُوبُ الْقِصَاصِ عَلَى الْمُكْرِهِ. أَوْ عَلَى رَمْيِ صَيْدٍ فَأَصَابَ رَجُلًا .. فَلاَ قِصَاصَ عَلَى أَحَدٍ. أَوْ عَلَى صُعُودِ شَجَرَةٍ فَزَلِقَ وَمَاتَ .. فَشِبْهُ عَمْدٍ، وَقِيلَ: عَمْدٌ ــ وهذا بخلاف ما لو أمره بالسرقة فسرق؛ فإنه لا يقطع الآمر؛ لأن القطع فيها لا يجب إلا بالمباشرة. قال: (ولو أكرهه على رمي شاخص علم المكرِه أنه رجل وظنه المكرَه صيدًا .. فالأصح: وجوب القصاص على المكرِه) أي: بكسر الراء، وهو الآمر؛ لأنه قتله قاصدًا لقتله بما يقتل غالبًا والمكرَه جاهل بالحال. والثاني: لا قصاص؛ لأنه شريكُ مخطئٍ، فإن آل الأمر إلى الدية .. ففي (التهذيب): أنها عليهما؛ نصف في مال الحامل، ونصف على عاقلة المحمول. قال: (أو على رمي صيد فأصاب رجلًا .. فلا قصاص على أحد)؛ لأنهما لم يتعمدا قتله، وهذا لا خلاف فيه. وأما الدية .. فجميعها على عاقلة المكرِه إن لم نوجب الضمان على المكرَه، وإن أوجبناه .. فعلى عاقلة كل منهما نصفها. وقال المتولي: الحكم متعلق بالرامي ولا شيء على المكرِه؛ لأنه لم يفعل ما دعاه إليه، وهذا أوجه. قال: (أو على صعود شجرة فزلق ومات .. فشبه عمد)؛ لأنه لم يقصد به القتل غالبًا. قال: (وقيل: عمد)؛ لأنه تسبب في قتله، وهذا قول الغزالي. وقال قاضي القضاة عماد الدين ابن السكري في (حواشي الوسيط): التحقيق: حمل الأول على ما إذا كانت الشجرة مما يزلق على مثلها غالبًا، والثاني على ما إذا

стр. 3964

أَوْ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ ... فَلا قِصَاصَ فِي الأَظْهَرِ ــ كان يسلم منه غالبًا, فمحل الخلاف على حالين, وكذا قاله المصنف في (نكت التنبيه). ولا شك أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والأشجار. ونظير المسألة: ما إذا أكرهه على نزول بئر فزلق. قال: (أو على قتل نفسه) بأن قال: اقتل نفسك, وإلا .. قتلتك) .. فلا قصاص في الأظهر)؛ لأن ذلك ليس بإكراه حقيقة, إذ المكره من يتخلص بما يؤمر به عما هو أشد عليه. والثاني: يجب القصاص, كما لو أكرهه على قتل غيره. وقيل: لا قصاص قطعًا, حكاه ابن القطان. ويستثنى من كلام المصنف: ما لو أكرهه بشيء فيه تعذيب شديد لو لم يقتل نفسه .. ففي (الشرح الصغير) و (الروضة) يشبه أن يكون إكراهًا؛ لتخلصه من الأشد بالشديد, فيجب القصاص كغيره. وخرج بالتقييد بـ (النفس) صورتان: إحداهما: الطرف, فلو قال: لتقطعن يدك أو إصبعك, وإلا قتلتك .. فهو إكراه؛ لأن قطعها ترجى معه الحياة. والثانية: إكراهه على قتل الغير بقتل ولده. والأصح في (الروضة) في (كتاب الطلاق): أنه ليس بإكراه. وقال الروياني: الصحيح عندي: أنه إكراه؛ لأن ولده كنفسه. وإذا قلنا: يجب القصاص فعفى عنه على مال .. قال الرافعي والمصنف: وجب جميع الدية، وإن لم نوجبه .. فعليه نصف الدية إن أوجبنا الضمان على المكرَه، وجميعها إن لم نوجبه. قال في (المطلب): والصواب العكس, وبينه في (المهمات).

стр. 3965

وَلَوْ قَالَ: اقْتُلْنِي وَإِلَّا قَتَلْتُكَ فَقَتلَهُ .. فَالْمَذْهَبُ: ل قِصَاصَ، والأَظْهَرُ: لَا دِيّةَ. وَلَوْ قَالَ: اقْتُلْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا .. فَلَيْسَ بِإِكْرَاهٍ ــ قال: (ولو قال: اقتلني وإلا قتلتك فقتله .. فالمذهبك لا قصاص)؛ لأن الإذن شبهة دارثة للحد. والطريقة الثانية ذات قولين: ثانيهما: يجب؛ لأن القتل لا يباح بالإذن، كما لو أذن في الزنا بأمته. قال: (والأظهر: لا دية)؛ لأنه إذن في القتل وإكراه، ولو تجرد الإذن .. فلا دية في أصح القولين؛ بناء على وجوبها للمقتول في آخر جزء من حياته، ثم تنتقل إلى الوارث كما سيأتي في آخر (باب كيفية القصاص). فلو كان الآذن عبدًا .. فالضمان غير ساقط، وفي القصاص إذا كان المأذون له عبدًا وجهان. ولو قال: اقطع يدي وإلا قتلتك فقطعها .. فلا قصاص ولا دية قطعًا؛ لأنه إتلاف مأذون فيه فصار كما لو أتلف ماله بإذنه، ولا يخفى أن محل القطع بعدم القطع إذا لم يمت، فإن مات من القطع .. ففيه الخلاف، والأصح فيه: عدم الوجوب. فرع: قال: اقذفني وإلا قتلتك فقذفه .. قال الرافعي نقلًا عن البغوي: يجب الحد، بخلاف القصاص؛ لأنه قد يستعين بغيره في قتل نفسه أو قطعه ولا يستعان بالغير في القذف، والعجب أن الرافعي صحح في بابي اللعان) و (القذف) عدم الوجوب، والصواب في زوائد (الروضة) وغيها: أنه لا حد مع الإكراه؛ لأنه مباح بلا خلاف. قال: (ولو قالك اقتل زيدًا أو عمرًا) أي: وإلا قتلتك) ... فليس بإكراه)، فمن أقدم على قتله منهما ... كان مختارًا لقتله؛ لأن المكره هو المحمول على فعل

стр. 3966

مِنْ شَخْصَيْنِ مَعًا فِعْلَانِ مُزْهِقَانِ مُذَفِّفاَنِ كَحَزِّ وَقَدِّ، أَوْ لَا ــ ما لا يجد عنه مخلصًا، هكذا ذكره الأصحاب، وخالفهم القاضي حسين؛ لأنه لا يتخلص إلا بذلك فهو ملجأ إليه، وتابعه الشيخ عز الدين فذكر: أن الإكراه على شرب أحد قدحي الخمر يتخير المكره فيهما، وأن ذلك لا يسقط أثر الإكراه، وقد سبق نظير هذا فيما إذا قال: طلق إحدى زوجتيك. تتمة: لا يبيح الإكراه القتل المحرم لذاته، بخلاف القتل المحرم لفوات المالية كقتل نساء الحربيين وذراريهم؛ فإنه يباح بالإكراه، وكذا لا يبيح الزنا ولا اللواط، ويجوز لكل منهما دفع المكره بما أمكنه، ويباح به شرب الخمر والإفطار في رمضان والخروج من صلاة الفرض، ويباح به الإتيان بما هو كفر قولًا أو فعلًا مع طمأنينة القلب بالإيمان، وعلى هذا فأوجهك أصحها: الأفضل أن يثبت ولا ينطق بها. والثاني: الأفضل مقابلة؛ صيانة لنفسه. والثالث: إن كان من العلماء المقتدى بهم .. فالأفضل الثبوت. والرابع: إن كان يتوقع منه إنكاء العدو أو القيام بأحكام الشرع .. فالأفضل أن ينطق بها لمصلحة بقائه، وإلا ... فالأفضل الثبات. ويباح به إتلاف مال الغير، وقال في (الوسيط): بل يجب، وتبعه (الحاوي الصغير) فجزم بالوجوب. والمكره على شهادة الزور ... قال الشيخ عز الدين: ينبغي أن ينظر فيما تقتضيه فإن اقتضت قتلًا ... ألحقت به، أو مالًا .. ألحقت به قال: (فصل: وجد من شخصين معًا فعلان مزهقان كحز وقد، أو لا) أي: أو غير

стр. 3967

كَقَطْعِ عُضْوَيْنِ .. فَقَاتِلاَنِ. وَإِنْ أَنْهَاهُ رَجُل إِلَى حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ؛ بِأَنْ لَمْ يَبْقَ إِبْصَارُ وَنُطْقُ وَحَرَكَةُ أخْتِيارِ, ثُمَّ جَنَى آخَرُ .. فَالأَوَّلُ قَتِلُ, ــ مذففين (كقطع عضوين .. فقاتلان) يجب عليهما القصاص؛ لأن القتل لا تمكن إضافته إلى واحد معين ولا إسقاطه فأضيف إليهما. قال في (المطلب): واتفق الأصحاب على أنه لو جرح واحد جراحة وآخر مئة جراحة ومات بالسراية منهما .. فهما قاتلان، فرُبَّ جراحةِ لها غورُ ونكايةُ لم تحصل من جراحات. فائدة: لفظة (معًا) منصوبة على الحال, واستعملها المصنف للاتحاد في الزمان، وهو منقول عن ثعلب وغيره، وفرقوا بذلك بينها وبين (جميعًا). واختار ابن مالك: أنها لا تدل على الاتحاد في الوقت، وهو ظاهر نص الشافعي فيما لو قال لامرأتيه: إن ولدتما معًا فأنتما طالقتان: أنه لا يشترط الاقتران في الزمان، وستأتي المسألة مبينَّة في (كتاب التدبير). و (مُذفِّفان) بذال معجمة، ويجوز إهمالها، حكاه الجوهري، ومعناه: مسرعان للقتل. قال: (وإن أنهاه رجل إلى حركة مذبوح؛ بأن لم يَبق إبصار ونطق وحركة اختبار، ثم جنى آخر .. فالأول قاتل)؛ لأنه أنهاه إلى حالة الموت، وتسمى هذه الحالة حالة اليأس, لا يصح فيها إسلام ولا شيء من التصرفات، وينتقل الملك فيها للورثة. ولو مات قريب لمن انتهى إليها .. لم يرثه، ولا تصح الردة فيها على الصحيح، وعلى هذا حمل تنازع معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء ﵄ في قتل أبي جهل، فقال لهما النبي ﷺ : (هل مسحتما سيفيكما؟) قالا: لا، فنظر فقال: (كلاكما قتله) وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو.

стр. 3968

وَيُعزَّرُ الثَّانِي. وَإِنْ جَنَى الثَّانِي قَبْلَ الإِنْهَاءِإِلَيْهَا: فَإِنْ ذَفَّف كَحَزّ بَعْدَ جُرْحِ .. فَالثَّانِي قَاتِلُ، وَعَلَى الأَوَّلِ قِصَاصُ الْعُضْوِ أَوْ مَالُ بِحَسَبِ الْحَالِ, وَإِلاَّ فَقَاتِلاَنِ ــ قال الأصحاب: لأنه كان أثخنه والآخر جرحه بعد، فقضى بسلبه للأول، فدل على أنه القاتل. وقوله: (كلاكما قتله) تطييب لقلب الآخر. وقوله المصنف: (بأن لم يبق) تفسيرلحركة المذبوح. واحترز ب (الاختيارية) عما إذا قطع الإنسان نصفين وبقيت أحشاؤه في النصف الأعلى؛ فإنه ربما تكلم بكلمات لا تنتظم، وإن انتظمت .. فليست عن روية واختيار, بل ذلك يجري مجى الهذيان الذي لا يصدر عن عقل صحيح ولا قلب ثابت. وحكى ابن أبي هريرة: أن رجلًا قطع نصفين فتكلم واستسقى ماء فسقي. وإن شك في وصوله إلى حركة المذبوح .. رجع إلى أهل الخبرة. قال: (ويعزر الثاني) كما لو قطع عضوًا من ميت. قال: (وإن جنى الثاني قبل الإنهاء إليها) أي: إلى حركة المذبوح (فإن ذَفف كحَزَّ بعد جرح .. فالثاني قاتل)؛ لأن الجراحة إنما تقتل بالسريان وحزُّ الرقبة يمنع من السريان فأبطل أثره، ولا فرق بين أن يتوقع البرء من الجراحة السابقة أو يتيقن الهلاك بما بعدها. قال: (وعلى الأول قصاص العضو أو مال بحسب الحال) أي: من عمد أو خطأ؛ لأن حياته كانت مستقره وتصرفاته حينئذ كانت نافذة، ولأن عمر ﵁ أوصى في هذه الحالة، فعمل بعهده, وعن مالك: إذا تيقن هلاكه بالجراحة السابقه .. فالقاتل الأول دون الثاني. قال: (وإلا .. فقاتلان) أي: إذا لم تكن الجراحة الثانية مذفِّفة؛ بأن أجافاه مرتبًا، أو قطع الأول يده من الكوع ثم قطع الثاني الساعد من المرفق .. فهما قاتلان؛

стр. 3969

وَلَوْ قَتَلَ مَرِيضًا فِي النَّزْعِ وَعَيْشُهُ عَيْشُ مَذْبُوحٍ .. وَجَبَ الْقِصَاضُ. فَصْلُ: قَتَلَ مُسلِمًا ظَنَّ كُفْرَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ ــ لأن القطع الأول قد انتشر سرايته وألمه وتأثرت به الأعضاء الرئيسة وانضم إليها الألم الثاني، فأشبه ما إذا أجاف أحدهما جائفة ثم وسعها الآخر ومات .. فالقصاص واجب عليهما. كل هذا إذا لم يصب الحشوة خرق أو قطع وتيقن موته بعد يوم أو يومين .. فهذا يجب القصاص بقتله، وكان عمر ﵁ كذلك على ما روي: أن الطبيب سقاه لبنًا فخرج من جوفه، فقال له: اعهد يا أمير المؤمنين. قال: (ولو قتل مريضًا في النزاع وعيشُه عيشُ مذبوح .. وجب القصاص)؛ لأن موته غير محقق، فإن انتهى إلى النزع وبدت أمارات الموت .. فإن الشفاء قد بقع بعد ذلك، بخلاف المقدود والمذبوح. وعن (تعليق القاضي): أنه لا يكون قاتلًا، كما لا يحل الحيوان المنتهي بالمرض إلى هذه الحالة بالذكاة. تتمة: ما ذكره الرافعي والمصنف هاهنا وفي (باب العاقلة) من: أن المريض لا يقطع بموته .. سبق لهما في (باب الوصية) في الكلام على المريض المخوف، وفي (الفرائض) في الكلام على ميراث الحمل ما يخالفه، وذكرا في (الأضاحي) ما يقرب من ذلك، كما قرره في (المهمات). قال: (فصل: قتل مسلمًا ظن كفره بدار الحرب)؛ بأن رآه يعظم آلهتهم أو على زيهم.

стр. 3970

فَلَا قِصَاصَ, وَكَذَا لَا فِي الأَظْهَرِ. أَوْ بِدَارِ الإِسْلَامِ .. وَجَبَا, وَفِي الْقِصَاصِ قَوْلٌ, ــ قال:) .. فلا قصاص)؛ لوضوح العذر, وهذا لا خلاف فيه, واستدل له الشافعي بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾؛فإن معناه: في قوم, ولأنه أسقط حرمة نفسه بمُقامه في دار الحرب التي هي دار إباحة. قال: (وكذا لا دية في الأظهر)؛ للجهل بباطن أمره, أما الكفارة .. فتجب قطعًا. والقول الثاني: تجب الدية؛ لأنها تثبت مع الشبهة. واحترز عما إذا لم يظنه, فإن عرف مكانه .. فكما لو قلته في دار الإسلام, وإن لم يعرف مكانه ورمى سهمًا إلى الكفار في دارهم, فإن لم يعين شخصًا بل أصابه خطأ .. فلا ضمان, وإن عين شخصًا وأصابه .. فلا قود, وفي الدية قولان. قال: (أو بدار الإسلام .. وجبا) , أما الدية .. فبلا خلاف, وأما القصاص .. فعلى الأظهر؛ لأن ظاهر حال من بدار الإسلام العصمة, ولا خلاف في وجوب الكفارة في هذه الحالة, وتصريحه بجمع القصاص مع الدية عجيب؛ لأنهما لا يجتمعان لا وجوبًا ولا استيفاء كما قاله في (الروضة) في أول الباب, والموقع له في ذلك (المحرر)؛ فإنه قال: وجبت الدية, وكذا القصاص في أصح القولين, ومراده: وجوبهما على البدل لا الاجتماع. قال: (وفي القصاص قول): إنه لا يجب؛ لأنه أبطل حرمته بخروجه على هيئة الكفار, وقد نص الشافعي على: أن التزيي بزيهم في دار الإسلام ردة, لكن سيأتي في (كتاب الردة): أن ذلك ليس بردة على الصحيح عند المصنف, وهل الدية عليه أو على عاقلته؟ فيه قولان في (الأم) في (قتال البغاة).

стр. 3971

أَوْ مَنْ عَهِدَهُ ذِمِّيًّا أَوْ عَبْدًا أَوْ ظَنَّهُ قَاتِلَ أَبِيهِ فَبَانَ خِلَافهُ .. فَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُ الْقِصَاصِ, ــ قال: (أو من عهده ذميًا أو مرتدًا أو عبدًا أو ظنه قاتل أبيه فبان خلافه .. فالمذهب: وجوب القصاص) , نص الشافعي في المرتد على الوجوب, وفي الذمي والعبد على المنع, فقيل: قولان فيهما: وجه الوجوب: أنه غير معذور في هذا الظن؛ إذ ليس للآحاد القتل. ووجه السقوط: الظن المبني على الاستصحاب, وقيل بتقريرهما. والفرق: أن المرتد يحبس في دار الإسلام ولا يخلى, فقاتله وهو مخليً مقصر, بخلاف العبد والذمي؛ فإنهما يتركان في دار الإسلام. وقيل: يجب القصاص في الجميع قطعًا؛ لأن ظنه لا يبيح القتل. والمذهب: وجوب القصاص في الجميع, كما لو علم تحريم القتل وجهل وجوب القصاص. وفيما إذا ظنه قاتل أبيه فقتله فبان غيره قولان: أحدهما: لا يجب؛ لأنه ظن إباحة القتل. وأظهرهما: الوجوب؛ لأنه كان من حقه التثبت فلو قال: تبينت أن أبي كان حيًا حين قتلته .. وجب القصاص قطعًا؛ إذ لا عبرة بالظن البين خطؤه. واحترز بقوله: عهده عما إذا لم يعهد ردته بل ظنها؛ فإن القصاص واجب لا محالة, وحيث قلنا: لا قصاص, فقال الولي: عرفت إسلامه أو حريته, وقال القاتل: ظننته كافرًا أو رقيقًا .. فالقول قوله؛ لأنه أعرف بحاله.

стр. 3972

وَلَوْ ضَرَبَ مَرِيضًا جَهِلَ مَرَضَهُ ضَرْبًا يَقْتُلُ اٌلْمَرِيضَ .. وَجَبَ اٌلْقِصَاصُ، وَقِيلَ: لاَ. وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ اٌلْقِصَاصِ فِي اٌلْقَتِيلِ: إِسْلاَمٌ أَوْ أَمَانٌ؛ فَيُهْدَرُ اٌلْحَرْبِيُ ــ ولو عهده حربيا قتله ظانا: أنه لم يسلم وكان مسلمًا .. فقيل: كالمرتد، وقيل: لا قصاص قطعًا. قال: (ولو ضرب مريضا جهل مرضه ضربا يقتل المريض) أي: فمات منه) .. وجب القصاص)؛ لوجود القتل بصفة التعدي، وظن الصحة لايبيح الضرب، كما إذا وطىء امرأة ظنها جارية مشتركة بينه وبين غيره .. فالأصح: وجوب الحد، وكما إذا سرق ثوبا لا يساوي نصابا وفي جيبه تمام نصاب .. فإنه يقطع كما سيأتي. قال: (وقيل: لا)؛ لأنه ليس بمهلك عنده فلم يتحقق قصد الإهلاك. والذي أطلقه المصنف تبعًا لـ) المحرر) مقيد بما إذا ضربه غير تأديب، فإن ضربه تأديبا ضربا لا يقتل المريض وهو جاهل بمرضه .. فإنه لا يجب عليه القود؛ إذ لا عدوان كما صرح به في (الوسيط) واحترز بقوله: (جهل) عما إذا علم؛ فيجب القصاص قطعا، وبقوله: (يقتل المريض) عما يقتل الصحيح؛ فيجب أيضا قطعا. قال: (ويشترط لوجوب القصاص في القتيل: إسلام)؛ لقوله ﷺ :) أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها .. عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها) رواه مسلم [٢١]. قال: (أو أمان) أي: بعقد ذمة أو عهد؛ لقوله تعالى: ﴿قتلوا الذين لا يومنون بالله﴾ إلى قوله: ﴿حتى يعطوا الجزية﴾. ولقوله تعالى: ﴿وان احد من المشركين استجارك فاجره﴾ الآية. قال (فيهدر الحربي)؛ لقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾.

стр. 3973

وَالْمُرْتَدُ، وَمَنْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ كَغَيْرِهِ، وَالزَّانِي الْمُحْصَنُ إِنْ قَتَلَهُ ذِمَّيٌّ .. قُتِلَ، أَوْ مُسْلِمٌ .. فَلاَ فِي اٌلأَصَحَّ. ــ قال: (والمرتد)؛ لقوله ﷺ :) من بدل دينه فاقتلوه). وأورد في) المطلب) على حصر أسباب العصمة في الإسلام والأمان ضرب الرق على الكتابي بلا خلاف، وكذا على وثني ونحوه على المذهب، وكذا الترهب في قول؛ فالعصمة حاصلة بالجميع. قال: (ومن عليه قصاص كغيره)، فإذا قتله غير المستحق .. اقتص منه؛ لقوله تعالى: ﴿ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطنا﴾، فخص وليه بقتله، فدل على: أن غير وليه لا سلطان له عليه، وكذا من عليه قطع في غير القصاص كالسارق؛ فإن يده معصومة على غير المستحق، كذا هو في) الحاوي الكبير) و (الصغير). والذي في (الشرح) و) الروضة): أنها ليست بمعصومة بالنسبة إليه أيضا؛ لأنها مستحقة الإزالة. كل هذا فيمن لم يتحتم قتله، فأما من تحتم قتله بقطع الطريق، فإذا قتله غير المستحق .. لا قصاص عليه في الأصح، فكان ينبغي للمصنف التحرز عنه. ومحل ما ذكره أيضا: إذا لم يكن للقاتل فيه جزء، فإن كان كما لو قتله أحد الابنين .. فلا قصاص على الأصح؛ لأنه مستوف لبعض حقه. قال: (والزاني المحصن إن قتله ذمي .. قتل) به؛ لأنه لا سبيل له عليه، ويقتل به المعاهد والمستأمن على الصواب في) تصحيح التنبيه). ونقل ابن الرفع عن الزبيلي وجهًا: أنه لايجب القصاص على الذمي ونحوه بقتله؛ لأنه مباح الدم، كما لو قتله مسلم. قال: (أو مسلم .. فلا في الأصح)؛ لأنه مباح الدم، فأشبه المرتد، هذا هو المنصوص.

стр. 3974

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والثاني: يجب القصاص؛ لأن إباحة دمه إنما تثبت في حق الإمام، فإذا قتله آحاد الناس .. لم يجز لهم قتله، فأشبه غير ولي الدم إذا قتل القاتل. وموضع الخلاف: إذا قتله قبل أمر الإمام بقتله، فإن قتله بعد الأمر بقتله .. فلا قصاص قطعا، كذا نقله في زوائد) الروضةط عن القاضي أبي الطيب في) تعليقه). ثم الذي أطلقه المصنف من إهدار الزاني المحصن مقتضاه: أنه لا فرق بين أن يثبت بالبينة أو الإقرار. وقيده الشيخ فيط التنبيه) والماوردي بما إذا وجب رجمه بالبينة، فإن وجب بالإقرار .. اقتص من قاتله؛ لأنه غير متحتم؛ لاحتمال رجوعه، وصححه المصنف فيط تصحيح التنبيه)، والصواب: العموم؛ فقد نص في) الأم) على: أنه لا فرق كما نقله في) المطلب)، قال: وبه صرح البندنيجي. فرع: نص الشافعي على أن من قتل محصنا ثم قال: وجدته يزني بامرأتي أو جاريتي أو يلوط بابني .. ففيما بينه وبين الله تعالى: لا قصاص عليه ولادية، وفي الظاهر: لا يصدق إن أنكر ولي القتيل ذلك، فإن أقام القاتل أربعة على زناه .. سقط عنه القود. واستدل البيهقي [٨/ ٢٣٠] لهذا بما رواه عن سعيد بن المسيب: (أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فقتله أو قتلها فأشكل القضاء فيها على معاوية، فأرسل إلى أبي موسى أن يسأل عنها عليا، فسأله، فقال علي: عزمت عليك لتخبرني من سألك عن هذه فقال: معاوية كتب بها إلي، فقال علي: أنا أبو الحسن، إن لم يأت بأربعة شهداء .. فليعط برمته).

стр. 3975

وَفِي الْقَائِلِ: بُلُوغٌ وَعَقْلٌ, وَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُهُ عَلَى السَّكْرَانِ. وَلَوْ قَالَ: كُنْتُ يَوْمَ الْقَتْل صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا .. صُدِّقَ بِيَمِنِهِ إِنْ أَمْكَنَ الصِّبَا وَعُهِدَ الجُنوُنُ. وَلَوْ قَالَ: أَنَا صَبِيٌ .. فَلَا قِصَاصَ وَلَا يُحَلَّفُ. ولَا قِصَاصَ عَلَى حَرْبِيِّ, ــ قال: (وفي القاتل: بلوغ وعقل) , فلا قصاص على صبي ومجنون؛ لرفع القلم عنهما. هذا في الجنون المطبق, أما المتقطع .. فهو كالعاقل في وقت إفاقته وكالمطبق في وقت جنونه, ومن وجب عليه القصاص ثم جن .. استوفى منه. وعن أبي حنيفة: لا يقتص منه في حال الجنون. قال: (والمذهب: وجوبه على السكران)؛ لتعديه, وفي المسألة طرق تقررت في (الطلاق) , وألحق به المتعدي بتناول الأدوية المزيلة للعقل. ومحل الخلاف: في غير المعذور بسكره, فمن أكره على شرب الخمر أو جهل كونها خمرًا .. فهو كالمعتوه. قال: (ولو قال: كنت يوم القتل صبيًا أو مجنونًا .. صدق بيمينه إن أمكن الصبا وعهد الجنون)؛ لان دعواه موافقة للأصل, ولا يخفى أن هذا بشرط الإمكان. وقيل: المصدق الولي؛ لأن الأصل السلامة. فلو أقام الوارث بينة على: أن القاتل كان عاقلًا يومئذ, وأقام القاتل بينة على: أنه كان مجنونًا .. تعارضنا وسقطتا. قال: (ولو قال: أنا صبي .. فلا قصاص ولا يحلف)؛ لأنه لو ثبت صباه .. لبطلت يمينه, وقيل: يحلف كغيره, وقيل: يحلف إذا بلغ. قال: (ولا قصاص على حربي)؛ يعني: إذا قتل في حال حرابته ثم أسلم أو عقدت له الذمة؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وتواتر من النبي ﷺ عدم الإفادة ممن أسلم كوحشي قاتل حمزة,

стр. 3976

وَيَجِبُ عَلَى المَعْصُومِ وَالْمُرْتَدِّ. وَمُكَافَأَةٌ, ــ ولأنه لا يضمن مال المسلم بالغضب فلا تضمن نفسه بالقتل. وذهب الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني إلى: أنها يجب على الحربي ضمان المال والنفس؛ تخريجًا على أن الكفار مخاطبون بالفروع. وفي (فتاوي القاضي حسين): أن العبادي حكى عن المزني في (المنثور) التفصيل بين أن تعقد له الذمة فلا يسقط, أو يسلم فيسقط, وبه تجتمع ثلاثة أوجه. قال: (ويجب على المعصوم) أي: بأمان أو ذمة؛ لالتزامه الأحكام, وعبارة (المحرر): ويجب على الذمي, فعدل عنها المصنف إلى (المعصوم)؛ لعمومها, فإنها تشمل الذمي ومن له هدنة وأمان, قاله في (الدقائق). قال: (والمرتد)؛ لالتزامه أحكام الإسلام, وهذه زيادة زادها على (المحرر)؛ لأجل تعبيره بـ (المعصوم) حتى لا يرد على المفهوم؛ فإنه غير معصوم ومع ذلك يجب عليه القصاص. هذا إذا لم تكن له شوكة وقوة, فإن ارتدت طائفة لهم وأتلفوا مالًا أو نفسًا في القتال ثم تابوا وأسلموا .. ففي ضمانهم القولان في البغاة. وظاهر عبارة (الشرح الصغير): ترجيح المنع؛ فإنه اقتصر عليه خاصة, وهو الذي نص عليه في (الأم) في (سير الوافدي) فقال: وإن كان ارتد عن الإسلام فأحدث بعد الردة حدثًا ثم جاء مؤمنًا .. سقط عنه جميع ما أحدثه في الردة والمتناع؛ فقد ارتد طليحة عن الإسلام وثنيًا, وقَتَلَ ثابتَ بن أقرم وعكاشة بن محصن, ثم أسلم, فلم يقد بواحد منهما ولم تؤخذ منه دية بواحد, هذا لفظه, والقصة في ذلك ذكرها ابن عبد البر وغيره. قال: (ومكافأةٌ) وهي: المساواة, فيشترط لوجوب القصاص في القتيل: أن يساوي القاتل.

стр. 3977

فَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِذِمِّيٌ, وَيُقْتَلُ بِذِمِّيٌ بِهِ, وَبِذِمِّيٌ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مِلَّتُهُمَا, ــ قال: (فلا يقتل مسلم بذمي)؛ لقوله ﷺ : (ألا لا يقتل مسلم بكافر) رواه البخاري [١١١] عن أبي جحيفة عن علي مرفوعًا. قال ابن المنذر: وهو ثابت لم يصح عن النبي ﷺ خبر يعارضه, ولأنه لا يقتل بالمستأمن بلا خلاف فكذلك لا يقتل بالذمي. ووقع في (المطلب) و (الكفاية) عن (حلية الشاشي) حكاية قول عن (الإملاء): أن المسلم يقتل بالمستأمن وتبعه الشيخ مجد الدين وغيره, وكله وهم, وسببه: أن ابن الرفعة قلد فيه صاحب (الذخائر) , وإنما هو في (الحلية) منسوب لـ (إملاء أبي يوسف) صاحب أبي حنيفة. ولو عبر المصنف بالكافر. كان أعم؛ لشموله من لم تبلغه الدعوة, فإن المسلم لا يقتل به على الأصح, ولموافقته لفظ الحديث, لكن كأنه إنما ذكره لينبه على خلاف أبي حنيفة, واقتضى كلامه: أنه لا يقتل بالذمي ولو كان القاتل زانيًا محصنًا, وهو كذلك بالاتفاق. ولو قتل عبد مسلم عبدًا مسلمًا لكافر .. وجب القصاص في الأصح؛ لتساوي العبدين. ولو قتل عبد كافر عبدًا كافرًا لمسلم .. فعن القاضي حسين: فيه احتمالان, رجح المصنف منهما: ثبوت القصاص. قال في (المهمات): والمسألة لا يتصور مجيء احتمالين فيها, بل يجب القصاص جزمًا؛ فإن العبدين متكافئان, وكون سيد المقتول مسلمًا لا ينقصه عن القاتل إن لم يزده شرفًا. قال: (ويقتل ذمي به) أي: بالمسلم (وبذمي وإن اختلف ملتهما)؛ لأن الكفر كله كالملة الواحدة, فيقتل اليهودي بالنصراني وبالمجوسي وبالعكس, ويقتل الذمي أيضًا بالمعاهد والمستأمن.

стр. 3978

فَلَوْ أَسْلَمَ الْقَاتِلُ .. لَمْ يَسْقُطِ الْقِصَاصُ. وَلَوْ جَرَحَ ِّمِّيٌ ذِمِّيًّا فَأَسْلَمَ الْجارِحُ ثُمَّ مَاتَ الْمَجْرُوحُ .. فَكَذَا فِي الأَصَحِّ, ــ والضابط: أن الذمي يقتل بكل كافر معصوم الدم, ويقتل المستأمن بمثله وبالذمي. قال: (فلو أسلم القاتل .. لم يسقط القصاص)؛ لأنهما كانا متكافئين حالة الجناية والاعتبار في العقوبات بها لا بما يطرأ, وكذلك إذا زنى العبد أو قذف ثم عتق .. يقام عليه حد العبيد. قال في (الأم): وليس هذا قتل مسلم بكافر, بل قتل كافر بكافر, إلا أن الموت تأخر عن حال القتل, ومنهم من حمل عليه حديث: أنه ﵊ قتل مسلمًا بكافر وقال: (أنا أكرم من وفى بذمته) رواه أبو داوود في (مراسيله) [٢٥٠] , هذا هو المشهور. وحكي القاضي مجلي في (الذخائر) عن إليكا الهَرَاسي في (تعليقه) وجهًا: أنه لا يقتل به؛ لإسلامه وقت القصاص جريًا على ظاهر الحديث, وذكر: أن شيخه أبا المعالي إمام الحرمين كان يذهب إليه ويعول عليه. ووقع في (الكفاية) حكايته عنه فيما إذا كان المستحق ذميًا, وليس كذلك. وأفاد بقوله: (لم يسقط القصاص):أن الكفارة لا تسقط, وهو الأصح؛ لانها حق الله تعالى, فهي كالديون اللازمة. قال: (ولو جرح ذمي ذميًا فأسلم الجارح ثم مات المجروح .. فكذا في الأصح) لا يسقط القصاص؛ لتكافئ حالة الجرح. والثاني: يسقط؛ نظرًا لحالة الزهوق. وهذا الخلاف في قصاص النفس, أما إذا كانت الجراحة بحيث يجب فيها القصاص, كما لو قطع ذمي يد ذمي وأسلم القاطع ثم سرى القطع .. فالقصاص واجب في الطرف لا محالة.

стр. 3979

وَفِي الصُّورَتَيْنِ إِنَّمَا يَقْتَصُ الإِمَامُ بِطَلَبِ الْوَارِثِ. وَالأَظْهَرُ: قَتْلُ مُرْتَدَّ بَذِمِّيِّ وَبِمُرْتَدِّ, ــ وعكس المسألة: لو جرح مسلم مسلمًا ثم ارتد المجروح ومات .. لم يجب القصاص. قال: (وفي الصورتين) أي: إذا أسلم القاتل بعد القتل أو بعد الجرح (إنما يقتص الإمام بطلب الوارث) فلا يفوضه إليه؛ لأن الكافر لا يسلط على قتل المسلم, اللهم إلا أن يكون أسلم فيفوضه إليه؛ لزوال المانع. هذا إذا كان له وارث, فإن لم يكن .. فللإمام أن يقتص. وعلم من عبارته: أنه لا يقتص إذا لم يطلب الوارث, وقد نص الشافعي على: أنه إذا لم يطلبه .. ليس للسلطان أن يفيده, ولذلك عد ابن خيران في (اللطيف) من شروط القود مطالبة المستحق. قال: (والأظهر: قتل مرتد بذمي) , سواء عاد إلى الإسلام, بدليل قضاء الصوم والصلاة, وحرمة الاسترقاق, وعدم تمكين الذمي من نكاح المرتدة. قال: (وبمرتد) أي: الأظهر قتل مرتد بمرتد؛ لتساويهما, كما لو قتل الذمي ذميًا. والثاني: لا؛ لأن المقتول مباح الدم, والخلاف في هذه: في (الشرح) و (الروضة): وجهان, وفي (المحرر) و (المنهاج): قولان.

стр. 3980

لَا ذِمِّيٌ بِبُرْتَدِّ, ولَا يُقْتَلُ حُرٌ بِمَنْ فِيهِ رِقٌ, ــ قال: (لا ذمي يقتل بمرتد)؛ لأنه مهدر كالحربي. والثاني: يقتل الذمي بقتله؛ لأنه يقتله عنادًا لا تدينًا, فأشبه ما لو قتل مسلمًا. فإن قلنا: يجب .. استوفاه الحاكم على المذهب. وقيل: قريبه المسلم الذي كان يرثه لولا الردة, فإذا عفا على مال أو كان خطأ .. فلا دية في الأصح؛ لأنه لا قيمة لدمه, وإنما أوجبنا القصاص؛ لأن الذمي يقتله عنادًا لا تدينًا- فإنه يعتقده محقون الدم, بخلاف المسلم- فقتلناه به زجرًا أو سياسة. وإذا أوجبنا الدية بقتل المرتد .. فهل هي دية مسلم لبقاء علقة الإسلام, أو أقلُ الديات وهي دية المجوسي؟ وجهان: أصحهما: الثاني. قال: (ولا يقتل حر بمن فيه رق) وإن قل, وسواء المكاتب والمدير والمستولدة؛ لقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ وروى الدارقطني [٨/ ٣٥] عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: (لا يقتل حر بعبد). ولأن حرمة النفس أعظم من الأطراف, وبالاتفاق لا يقطع طرف حر بطرف عبد, فأولى أن لا يقتل به, وإنما اقتصر المصنف على حكم المبعض؛ ليؤخذ حكم قاتل الرقيق من باب أولى. وقال النخعي وأبو داوود: يقتل السيد بعيده؛ لما روى أحمد [٥/ ١٠] وأصحاب السنن الأربعة عن الحسن عن سمرة: أن النبي ﷺ قال: (من قتل عبده .. قتلناه, ومن جدع أنفه .. جدعناه, ومن خصاه .. خصيناه). والجواب: انه منقطع. وقال البيهقي في (خلافياته): إنه منسوخ.

стр. 3981

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال ابن المنذر: ليس بثابت وإن صح, فهو محمول على ما إذا أعتقه ثم قتله؛ لئلا يتوهم أن تقدم الملك يمنع من ذلك. وروى الدارقطني [٣/ ١٤٣] عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن رجلًا قتل عبده متعمدًا, فجلده النبي صلى الله عليه وسلمونفاه سنة, ومحا سهمه من المسلمين, ولم يقده به, وأمره أن يعتق رقبة). وقال بن كّج: لو حكم حاكم بقتل حر بعبد .. لم ينقض حكمه, ولو حكم بقتل مسلم بذمي .. نقض, والأصح في المسألتين: عدم النقض. وحكي الروياني: أن بعض فقهاء خراسان سئل في مجلس أميرها عن قتل الحر بالعبد, فقال: أُقدِّم حكاية, ثم قال: كنت أيام تفقهي ببغداد نائمًا ذات ليلة على شاطئ دجلة, فسمعت ملاحًا يترنم ويقول [من الطويل] , خذوا بدمي هذا الغزالَ فإِنَّهُ رماني بسهمَي مقلتيهِ على عمد ولا تقتلوهُ إنَّني أنا عبدُهُ .... ولم أَرَ حُرًا قَطُّ يُقتلُ بالعبدِ فقال الأمير: حسبك؛ فقد أغنيت عن الدليل, قال الثعالبي: وكان أبو الحسن الماسرجسي ينشد في تدريسه هذين البيتين. فرع: قتل المسلم الحر شخصًا لا يعلم أنه مسلم أو كافر, أو لا يعلم أنه حر أو عبد .. فلا قصاص؛ للشبهة, كذا نقله الشيخان عن صاحب (البحر) وأقراه. قال الشيخ شرف الدين البارزي: وهذه المسألة مثل مسألة اللقيط سواء, والأصح فيها: الوجوب, ولا يظهر بين المسألتين فرق. وقال القمولي: الظاهر: أن مراده ما إذا لم يكن له ولي ادعى الكفاءة, أما إذا كان له ولي .. فهي مسألة اللقيط, وهي التي صحح فيها الشيخان: وجوب القصاص بقتله

стр. 3982

وَيُقْتَلُ قِنٌ وَمُدَبَّرٌ وَمُكَاتَبٌ وَأُمُ وَلَدٍ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ. وَلَوْ قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدًا ثُمَّ عَتَقَ الْقَاتِلُ أَوْ عَتَقَ بَيْنَ الْجُرْحِ وَالْمَوْتِ .. فَكَحُدُوثِ إسْلَامٍ ــ قبل البلوغ, وعللاه بأن الدار دار حرية وإسلام, وبهذا يجتمع الكلامان ولا تناقض. قال: (ويقتل قِنٌ ومُدبِّر ومكاتب وأم ولد بعضهم ببعض)؛ للتساوي في الملك, ولا نظر إلى ما انعقد لهم من سبب الحرية. وإنما ذكر المكاتب وأم الولد؛ ليفهم أن توقع الحرية واستحقاقها في المستقبل لا يمنع القصاص, وإنما المؤثر الحرية الناجزة عند القتل. وذكر المدبر؛ ليعلم تساوي سبب انعقاد اللازم وغيره, لكن يستثنى من إطلاقه: المكاتب؛ فلا يقتل بعبده على المذهب وإن كان رقيقًا مثله؛ لأنه سيده. قال في (الروضة): وإذا أوجبنا .. استوفاه سيده؛ لأنهما عبدان له. قال: (ولو قتل عبد عبدًا ثم غتق القاتل أو عتق بين الجرح والموت .. فكحدوث إسلام) أي: بعد القتل أو بينه وبين الجرح, فالقصاص في الأولى, وكذا في الثانية في الأصح. فلو عتق بعد إرسال السهم وقبل الإصابة .. فلا قصاص في الأولى, وكذا في إسلام الذمي عقب إرسال السهم.

стр. 3983

وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌ لَوْ قَتَلَ مِثْلَهُ .. لَا قِصَاصَ, وَقِيلَ: إنْ لّمْ تَزِدْ حُرِّيَّةُ الْقَاتِلِ .. وَجَبَ. وَلَا قِصَاصَ بَيْنَ عَبْدٍ مُسْلِمٍ وَحُرِّ ذِمِّيٌ, وَلَا بِقَتْلِ وَلَدٍ ــ قال: (ومن بعضه حر لو قتل مثله .. لا قصاص)؛ لأنه لا يقتل ببعضه الحر البعض الحر وبالرقيق الرقيق, بل قتل جمعيه بجمعيه, فلو قتلناه به .. أدى إلى قتل جزء من الحر بجزء من الرقيق, وإذا تعذر القصاص في البعض .. تعذر في الجميع. ونظيره: لو باع شقصًا وسيفًا قيمة كل واحد عشرة بعبد وثوب قيمة كل واحد عشرة .. فإنا لا نجعل الشقص في مقابلة العبد أو الثوب, بل المقابل له النصف من هذا والنصف من ذاك. قال: (وقيل: إن لم تزد حرية القاتل .. وجب)؛ لأن القصاص يقع بين الجملتين من غير تفصيل وهما متساويان, وأصل الخلاف قولا الحصر والإشاعة. وفي قوله: (إن لم تزد) تنبيه على أن موضع الخلاف: إذا تساويا أو كانت الحرية في المقتول أكثر, فأما إذا كانت في القاتل أكثر .. فلا قصاص قطعًا؛ لانتفاء المساواة. قال: (ولا قصاص بين عبد مسلم وحر ذمي)؛ لأن المسلم لا يقتل بالذمي والحر لا يقتل بالعبد, ولأنا لو قتلناه به .. لقتلنا الكامل بالناقص, والفضائل لا تتقابل وإن كان في كفاءة النكاح قد قيل: إن النقيصة تجبر النقيصة, فقال الإمام: لا يأتي ذلك هنا, لكن لو قتل ذمي عبدًا ثم نقض العهد واسترق .. لا يجوز قتله وإن صار كفئًا؛ لأن الاعتبار بوقت الجناية ولم يكن مكافئًا له. قال: (ولا بقتل ولد) سواء ساواه الولد في الحرية والدين أم لا؛ لما روى الترميذي [١٣٩٩] عن سراقة بن مالك قال: (حضرت النبي ﷺ يقيد الأب من ابنه, ولا يقيد الابن من أبيه). وروى أحمد [١/ ١٦] والطبراني: أن النبي ﷺ قال: (لا يقتل الوالد بالولد). وروى الحاكم [٤/ ٣٦٩] والبيهقي [٨/ ٣٨] عن عمر أنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (لا يقاد الرجل من ابنه).

стр. 3984

وَإِنْ سَفَلَ وَلَا لَهُ, ــ ولأن الوالد سبب في وجوده, فلا يحسن أن يكون الولد سببًا في إعدامه. ونقل الشافعي في (الأم) و (المختصر) فيه الإجماع, وأراد به في الجملة؛ لأن مالكًا يخالف فيما إذا ذبحه كالشاة. وأطلق ابن المنذر عن مالك: أنه لا يقتل به , واختاره. وقيل: أراد به إجماع الصحابة؛ فإن عمر حكم به بحضرتهم ولم يخالفه منهم أحد. ولرعاية حرمته .. انتفى عنه الحد بقذفه. وكره للجلاد أن يقتل أباه حدًا أو قصاصًا, وللغازي أن يقتل أباه الكافر, ويقولنا قال أبو حنيفة وأحمد. وحكي الإمام خلافًا في أن القصاص هل وجب على الأب ثم سقط, أو لم يجب أصلًا؟ ثم قال: وهذا من حشو الكلام؛ فالمانع من الاستيفاء مانع من الوجوب, وأسقط من (الروضة) هذا الخلاف. ولو حكم حاكم بقتله بالولد .. نقض حكمه, قال الرافعي: وليكن هذا في المواضع التي يساعد عليه مالك. قال: (وإن سفل) فلا تقتل الأجداد والجدات بالأحفاد؛ لأنه حكم يتعلق بالولادة فاستوي فيه من ذكرنا كالنفقة, وخرج صاحب (التلخيص) فيه قولًا, وهو كالخلاف في رجوع الوالد في هبة الولد, وفي أنه هل له ولاية إجبار بنت ابنه في النكاح؟ قال: (ولا له) أي: كما لا يقتل بالولد لا يقتل له, فلو قتل الوالد معتق ولده .. لم يكن للولد أن يقتص منه؛ لأنه إذا لم يقتص منه بجنايته على الولد .. كان أولى أن لا يستوفيه الولد.

стр. 3985

وَيُقْتَلُ بِوَالِدِيْهِ. وَلَوْ تَدَاعَيَا مَجْهُولًا فَقَتَلهُ أَحَدُهُمَا: فَإِنْ أَلْحَقَهُ الْقَائِفُ بِالَاخَر .. اقْتَصَّ, وَإِلَّا .. فَلَا, ــ وفي بعض نسخ (المنهاج) _ وهو ساقط من أصل المصنف-: ولا يقتل بمن يرثه الولد؛ بأن قتل زوجة ابنه أو زوجته وله منها ولد, وكذا إذا قتل عبد ابنه أو لد ولده, وهو إيضاح لما تقدم. ولا فرق في سقوط القصاص بين أن يثبت للولد جميع القصاص أو جزء منه. وهذا فيما إذا وجب القصاص للولد ابتداء, ويلتحق به ما إذا وجب لغيره ابتداء, ثم انتقل بالإرث كله أو بعضه إلى ولد القاتل, وصرح بهذه في (التنبيه) فقال: وإذا وجب القصاص على رجل فورث القصاص ولده .. لم يستوف, لكن يرد عليه الولد المنفي باللعان؛ فليس هو ولده, ومع ذلك لا يجب القصاص بقتله على الأصح كما نقله الشيخان عن المتولي في (باب موانع النكاح)؛ لبقاء شبهة النسب, فإنه لو استلحقه .. لحقه. قال: (ويقتل بوالديه) بالإجماع, سواء في ذلك الآباء والأجداد؛ لحديث سراقة المتقدم, وأفهم كلامه: أن المحارم يقتص لبعضهم من بعض, وقد صرح به في (المحرر) , وأسقطه المصنف؛ لأنه مفهوم مما ذكره. وأفهم: أن المكاتب يقتل إذا قتل أباه وإن كان ملكه, وهو أقوى الوجهين في (الشرح الصغير) , والأصح في (أصل الروضة): المنع, وهو المعتمد؛ لأنه مملوكه والسيد لا يقتل بعبده. قال: (ولو تداعيا مجهولًا فقتله أحدهما: فإن ألحقه القائف بالآخر .. اقتص, وإلا .. فلا)؛ لأنا تبينا أنه غير أبيه في الأولى دون الثانية, فلو ألحقه بثالث .. اقتص من القاتل, وهو وارد على مفهوم عبارة المصنف لا على (المحرر)؛ فإنه قال:

стр. 3986

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فإن ألحقه القائف بعد ذلك بالقاتل .. فلا قصاص, وإن ألحقه بالآخر .. اقتص. أما قبل الإلحاق .. فلا قصاص؛ لأن أحدهما أبوه, وإن اشتركا في قتله .. فلا قصاص على الذي ألحق به, ويقتص من الآخر؛ لأنه شريك الأب. وفي وجه: لا يقتص من الآخر؛ لان إلحاق القائف مبني على الأمارات والأشباه, وهو ضعيف لا يناط به القصاص الذي يسقط بالشبهات. فلو رجع المُقِرّان بنسب اللقيط عن دعواهما ثم قتلاه أو أحدهما .. لم يجب القصاص؛ لأنه صار بدعواهما ابن أحدهما, فلا يسقط حقه برجوعهما, فالشبهة قائمة. وإن رجع أحدهما وأصر الآخر .. فهو ابن الآخر, فيقتص من الراجع إن اشتركا في قتله أو انفرد هو بقتله. هذا إذا لحق المولود أحدهما بالدعوى, فإن لحقه بالفراش؛ بان نكحت معتدة وأتت بولد يمكن كونه من الأول أو من الثاني, أو فرض وطء شبهة من اثنين .. فإنما يتعين أحدهما بإلحاق القائف أو بانتساب المولود بعد بلوغه, فلو نفاه أحدهما .. فهل يتعين للثاني أم الإبهام حتى يعرض على القائف أو ينتسب؟ قولان: أظهرهما: الثاني فإن ألحقه القائف بأحدهما وكانا قد قتلاه .. اقتص من الآخر إن انفرد بقتله أو شارك فيه, وإن ألحقه بأحدهما أو انتسب بعد البلوغ فقتله الذي لحقه .. لم يقتص منه, فإن أقام الآخر بينة بنسبه .. لحقه واقتص من الأول.

стр. 3987

وَلَوْ قَتَلَ أَحَدُ الأَخَوَيْنِ الأَبَ وَالآخَرُ الأُمَّ مَعًا .. فَلِكُلِّ قِصَاصٌ, وَيُقَدَّمُ بِقُرْعَةٍ, فَإِنْ اقْتَصَّ بِهَا, أَوْ مُبَادِرًا .. فَلِوَارِثِ المُقْتَصِّ إِنْ لَمْ نُوَرِّثْ قَاتِلًا بِحَقِّ, وَكَذَا إِنْ قَتَلَا مُرتَّبًا وَلَا زَوْجِيِّةَ, وَإِلَا .. فَعَلَى الثَّانِي فَقَطْ, ــ قال: (ولو قتل أحد الأخوين الأب والآخر الأم معًا .. فلكل قصاص) أي: على الآخر؛ لأنه قتلَ مورِّثَه, هذا يقتص بأبيه, وهذا بأمه, ولا يرث كل قاتل من قتيله شيئًا. فلو عفا أحدهما عن الآخر .. كان للمعفو عنه قتل العافي, والاعتبار في المعية والتعاقب بزهوق الروح لا بالجرح, وتعبير المصنف بـ (القتل) يشير إليه. قال: (ويقدم بقرعة)؛ إذ لا ترجيح لأحدهما على الآخر, والقرعة تقطع منازعتهما في ذلك. قال: (فإن اقتص من خرجت قرعته أو بادر بلا قرعة. فإن قلنا: القاتل بحق لا يحرم الميراث ولم يكن المقتص محجوبًا .. سقط القصاص عنه؛ لأنه ورث القصاص المستحق على نفسه أو بعضه. وإن قلنا: يحرم- وهو المذهب- أو كان هناك من يحجبه .. فلوارث المقتص منه أن يقتص من المبادر؛ لثبوته عليه. قال: (وكذا إن قتلا مرتبًا ولا زوجية) أي: بين الأبوين, فلكل منهما أن يقتص من الآخر, وهل يقدم بالقرعة أو يبدأ بالقاتل الأول؟ فيه وجهان: أرجحهما في زائد (الروضة): الثاني, ونقله الإمام عن الأصحاب. قال: (وإلا .. فعلى الثاني فقط) أي: إذا كانت الزوجية باقية بين الأب والأم .. فلا قصاص على القاتل أولًا, ويجب علي القاتل الثاني؛ لأنه إذا سبق أحدهما إلى قتل الأب .. لم يرث من الأب؛ لكونه قاتلًا, وكان حق القصاص للابن الآخر وللأم بالزوجية, فإذا قتل الآخر الأم .. كان الأول هو الذي يرثها, فينتقل إليه القصاص المستحق عليه ويسقط. ولو تقدم قتل الأم وتأخر قتل الأب .. سقط القصاص عن قاتل الأم وثبت على قاتل

стр. 3988

وَيُقْتَلُ جَمْعٌ بِواحِدٍ, ــ الأب, فإذا اقتص القاتل الأول من الثاني وقلنا: القاتل بحق يُحرَم الميراثَ, أو كان المقتص محجوبًا .. فلوثة المقتص منه نصيبه من دية القتيل الأول, ويطالبون القاتل الأول. قال: (ويقتل جمع بواحد) سواء تساووا في عدد الجراحة أم تفاوتوا؛ لما روى مالك [٢/ ٨٧١] والشافعي [١/ ٢٠٠] والبخاري والبيهقي [٨/ ٢٠٠]: أن عمر قتل نفرًا خمسة أو سبعة برجل قتلوه غيلة, وقال: (لو تمالأ عليه أهل صنعاء .. لقتلهم جميعًا) ولم ينكر عليه, فصار إجماعًا. و (الغيلة): أن يخدع ويقتل في موضع لا يراه فيه أحد. وقتل علي ﵁ ثلاثة بواحد, وقتل المغيرة سبعة بواحد, وقال ابن عباس: (إذا قتل جماعة واحدًا .. قتلوا به كانوا مئة) , ولم ينكر عليهم أحد, فكان إجماعًا. ولأن القصاص شرع لحقن الدماء, فلو لم يجب عند الاشتراك .. لكان كل من أراد أن يقتل عدوه يستعين بآخر على قتله, فيزداد قوة, ويتمكن بسبب المعاونة على ما لا يقدر عليه وحده, ويحصل غرضه, ويأمن القصاص. ونقل الماسرجسي والقفال قولًا عن القديم: أن للولي أن يقتل واحدًا منهم باختياره, ويأخذ حصة الآخرين من الدية, ولا يقتل الجميع, ويكفي في الزجر:

стр. 3989

وَلِلْوَلِيَّ الْعَفْوُ عَنْ بَعْضِهِمْ عَلَى حِصَّتِهِ مِنْ الدِّيَةِ بِاعْتِبَارِ الْرُؤُسِ. وَلَا يُقْتَلُ شَرِيكُ مُخْطِئِ, ــ كون كل واحد منهم على وَجَلٍ من القتل, ويروى هذا عن مالك, وهو مذهب الزهري وابن سيرين. وقال ربيعة وداوود: لا سبيل إلى قتلهم به, بل تؤخذ منهم الديات بالسوية, وعلى المشهور: إن آل الأمر إلى الدية .. أخذت دية واحدة. قال: (وللولي العفو عن بعضهم على حصته من الدية باعتبار الرؤوس) توزيعًا عليهم, سواء كانت جراحة بعضهم أفحش وأكثر عددًا ام لا؛ لأن تأثير الجنايات لا ينضبط, وقد تزيد نكاية الجرح الواحد على جراحات كثيرة. وللاقتصاص منهم شروط: أن يصدر من كل منهم ما لو انفرد لقتل. وأن يكافئه كل منهم بحيث لو انفرد بقتله لقتل به, وهو معلوم مما سبق. قال: (ولا يقتل شريك مخطئ) , لمَّا قرر: أن الجماعة تقتل بواحد .. عقبها بما ينفي القتل عن الجميع, فلا قصاص على المتعمد الذي شارك مخطئًا؛ لان الموت

стр. 3990

وَشِبْهِ الْعَمْدِ, وَيُقْتَلُ شَرِيكُ الأَبِ, وَعَبْدٌ شَارَكَ حُرًّا فِي عَبْدٍ, وَذِمِّيٌ شَارَكَ مُسْلِمًا فِي ذِمِّيٌ, ــ حصل بفعلين لا يجب بأحدهما القصاص, فغلب المسقط, كما إذا قتل المبعض رقيقًا. وقال مالك وأحمد والمزني في (العقارب): يقتص من شريك المخطئ, وقيل: إنه قول الشافعي. لكن يستثنى من إطلاقه: ما لو قطع طرف رجل عمدًا, ثم قطع آخر طرفه الثاني خطأ, ثم سرى إلى نفسه ومات .. فعليه القصاص, وعلى المذهب على عاقلة المخطئ نصف دية الخطأ, وفي مال المعتمد دية العمد إن كانت جراحته لا توجب قصاصًا, أو آل الأمر إلى الدية, وعليه قصاص الطرف إن كان قطع طرفًا. قال: (وشبهِ العمد) لأنه كالخطأ وهذه من زياداته على (المحرر) وهو غير محتاج إليه للعلم بان حكمهما واحد. قال: (ويقتل شريك الأب) , خلافًا لأبي حنيفة؛ لأن فعل الأب عمد محض, ومع تحقق العمدية لا يضر كونه لا يجب على أحدهما, بدليل ما لو عفا عن أحد الشريكين في القتل وخالف شريك المخطئ؛ فإن الخطأ شبهة في فعله, والفعلان مضافان إلى محل واحد فكان لفعل المخطئ أثر في الدرء وهنا لا شبهة في الفعل وإنما هي في الذات وذات أحدهما غير ذات الآخر, وبقولنا قال مالك وأحمد. وقال أبو حنيفة: لا قصاص على شريك الأب, وحكاه الصيمري قولًا. قال: (وعبد شارك حرًا في عبد , وذمي شارك مسلمًا في ذمي)؛ لأن كلًا منهما لو انفرد .. لزمه القصاص.

стр. 3991

وَكذَا شَرِيكُ حَرْبيِّ, وَقَاطِع قِصَاصًا أَوْ حَدًّا, وَشَريكُ النَّفْسِ وَدَافِعِ الصَّائِلِ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ جَرَحَهُ جُرْحَيْنِ عَمْدًا وَخَطَا ومَاتَ بِهِمَا, أَوْ جَرَحَ حَرْبِيًّا أّوْ مُرْتَدًّا ثُمَّ أَسْلَمَ وَجَرَحَهُ ثَانِيًا فَمَاتَ .. لَمْ يُقْتَلْ, ــ قال: (وكذا شريك حربي وقاطعٍ قصاصا أو حدًا, وشريكُ النفس ودافع الصائل في الأظهر)؛ لحصول الزهوق بفعلين عمدين, وامتناعُ القصاص على الآخر لمعنى يخصه, فصار كشريك الأب. والثاني: لا يجب, بل عليه نصف الدية؛ لان من لا يضمن أخف حالًا من المخطئ, فأولى ألا يجب على شريكه. ويجري القولان أيضًا: فيما إذا جرح مسلم مرتدًا أو حربيًا ثم أسلم فجرحه غيره, أو جرح ذمي حربيًا ثم عقدت له الذمة فجرحه ذمي آخر. ولو جرحه سبع أو لدغته حية وجرحه رجل .. فالأشهر: طرد القولين. وقيل: لا قصاص قطعًا, وصححه القاضي حسين والإمام والغزالي. فشريك السبع صححا فيه وجوب القصاص, لكن صحح المصنف في (التصحيح): أنه لا يجب. قال: (ولو جرحه جرحين عمدًا وخطًا ومات بهما, أو جرح حربيًا أو مرتدًا ثم أسلم وجرحه ثانيًا فمات .. لم يقتل). أما الأولى .. فلأن الزهوق لم يحصل بالعمد المحض, لكن يجب نصف الدية المخففة على العاقلة, ونصف الدية المغلظة في ماله. وأما إذا جرح حربيًا أو مرتدًا فأسلم وجرحه ثانيًا .. فلأن الموت حصل بمضمون وغير مضمون.

стр. 3992

وَلَوْ دَاوَى جُرْحَهُ بِسُمَّ مُذَفُفٍ .. فَلَا قِصَاصَ عَلَى جَارِحِهِ, وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ غَالِبًا .. فَشِبْهُ عَمْدٍ, وَإِنْ قَتَلَ غَالِبًا وَعَلِمَ حَالَهُ .. فَشَرِيكُ جَارِحِ نَفْسِهِ, وَقِيلَ: شَرِيكُ مُخْطِئٍ, ــ نعم؛ يثبت موجب الجراحة الحاصلة في حال العصمة من القصاص أو الدية المغلطة, وكذلك الحكم لو قطعه قصاصً أو بسرقة ثم جرحه أو قطعه ظلمًا, أو جرح الصائل أو الباغي دفعًا جرحه موليًا. قال: (ولو داوى جرحه بسم مُذفف .. فلا قصاص على جارحه)؛ لأن المجروح قتل نفسه, كما لو جرحه إنسان فذبح هو نفسه, ومراد المصنف نفي القصاص بالنسبة إلى النفس, فلو كان الجرح يقتضي قصاصًا .. وجب؛ تنزيلًا لقطع أثر السراية بالتذفيف منزلة البرء. فلو قال المصنف: فلا ضمان في النفس .. كان أولى؛ ليعلم انتفاء الدية أيضًا. وعلم من إطلاقه: أنه لا فرق بين أن يعلم بحال السم أو لا, وبه صرح الماوردي والروياني. قال: (وإن لم يقتل غالبًا .. فشبه عمد) فلا قصاص على الجارح, وإنما يلزمه نصف الدية المغلظة أو القصاص إن كانت الجراحة مما فيها قصاص, وكذلك لو خاط المجروح جرحه في لحم حي .. ففيه الطرقان. ولو كوى الجرح .. فهو كالخياطة, فلو كوى لحمًا ميتًا لا يؤلم ولا يضر .. فالجارح القاتل, وإن كان مؤلمًا .. فهما قاتلان. قال: (وإن قتل غالبًا وعلم حاله .. فشريك جارح نفسه) أي: فيجب القود في الأظهر؛ إجراءً لفعل المجروح مجرى العمد. قال: (وقيل: شريك مخطئ) فلا قصاص عليه؛ لأنه إنما قصد المداواة, فشريكه شريك مخطئ, وهذه طريقة لا وجه. أما إذا لم يعلم المجروح أنه يقتل غالبًا .. فلا قصاص, كما إذا كان مما لا يقتل.

стр. 3993

وَلَوْ ضَرَبُوهُ بِسِيَاطٍ فَقَتَلُوهُ وَضَرْبُ كُلِّ وَاحِدٍ غَيْرُ قَاتِلٍ .. فَفِي الْقِصَاصِ عَلَيْهِمْ أَوْجُهُهٌ: أَصَحُّهَا: يَجِبُ إِنْ تَوَاطَؤُوا. وَمَنْ قَتَلَ جَمْعًا مُرَتَّبًا .. قُتِلَ بِأَوَّلِهِمْ, أَوْ مَعًا .. فَبِالْقُرْعَةِ, ــ قال: (ولو ضربوه بسياط فقتلوه وضربُ كلِّ واحد غير قاتل .. ففي القصاص عليهم أوجه: أصحهما: يجب إن تواطؤوا)؛ يعني: على ضربه تلك الضربات, ولا يجب إن وقع اتفاقًا, ويخالف الجراحات حيث لا يشترط فيها التواطؤ؛ لأن نفس الجرح يقصد به الإهلاك, بخلاف الضرب بالسوط. والثاني: لا قصاص؛ لأن فعل كل واحد شبه عمد. والثالث: يجب على الجميع القصاص؛ لئلا يتخذ ذلك ذريعة إلى القتل. واحترز بقوله: (وضرب كل واحد غير قاتل) عما لو كان قاتلًا او انفرد؛ فعليهم القصاص بلا خلاف. وإذا آل الأمر إلى الدية .. فهل توزع على الضربات أو على الرؤوس؟ قولان: أرجحهما: الأول, بخلاف الجراحات, وهذا الخلاف كالخلاف فيما إذا زاد الجلاد على العدد المضبوط في الحد .. هل عليه نصف الدية أو توزع على الأعداد؟ وكالخلاف فيما إذا استأجر دابة لحمل مئة مَنَّ مثلًا فزاد عليها وهو غير منفرد باليد فتلفت الدابة: أن الضمان يتصنف أو يوزع على مقدار المحمول؟ قال: (ومن قتل جمعًا مرتبًا .. قتل بأولهم)؛ لسبق حقه. وقيل: يقتل بجميعهم وتجب لكل واحد من الأولياء حصته من الدية, حكاه الفوراني, وإليه ذهب أبو حنيفة, ولا فرق بين أن يكون ولي الأول حاضرًا أو لا, وفي (الإبانة) قول: إن ولي الأول إن غاب أو كان صبيًا .. فلولي الثاني أن يقتص, والمشهور: الأول. قال: (أو معًا .. فبالقرعة)؛ لتساويهم في الاستحقاق, كما إذا هدم عليهم جدارًا أو جرحهم وماتوا معًا.

стр. 3994

وَلِلْبَاقِينَ الدِّيَاتُ. قُلْتُ: فَلَوْ قَتَلَهُ غَيْرُ الأَوَّلِ .. عَصَى وَوَقَعَ قِصَاصًا, وَلِلأَوَّلِ دِيَةٌ, وَاللهُ أَعْلَمُ, ــ والأصح: أن القرعة واجبة, قيل: مستحبة, فللإمام أن يقتله بمن شاء, وصححه الروياني, وكذلك الحكم إذا أشكل السابق لعدم الأولوية, فمن خرجت له القرعة .. قتل به الجاني, وليس لولي الثاني أن يجبر ولي الأول على المبادرة إلى القصاص أو العفو, بل حقه على التراخي, قاله ابن الرفعة. ولا فرق بين أن يثبت الترتيب بالبينة أو بإقرار الجاني كما أفهمه إطلاق المصنف, والاعتبار في التقديم والتأخير بوقت الموت لا بوقت الجناية. قال: (وللباقين الديات) أي: في الصورتين؛ لأنها جنايات لو كانت خطأ .. لم تتداخل, فعند التعمد أولى, فلو لم يدر أقتلهم معًا أو مرتبًا .. جعل كما لو قتلهم معًا, فيقرع. ولو كان بعض أولياء القتيل غائبًا او مجنونًا أو صبيًا .. فالقياس: الانتظار إذا أوجبنا الإقراع. وفي (الوسيط) عن رواية حرملة: أن للحاضر والكامل أن يقتص, ويكون الحضور والكمال مرجحا كالقرعة, واستعمل المصنف هنا لفظه (معًا) للاتحاد في الزمان, وقد تقدم ما فيه قريبًا. قال: (قلت: فلو قتله غير الأول .. عصى)؛ لأنه قتل نفسًا منع من قتلها, ويعزر بذلك؛ لإبطال حق غيره. قال: (ووقع قصاصًا)؛ لأن حقه متعلق به, بدليل ما لو عفا ولي الأول .. فإنه ينتقل إلى من بعده. قال: (وللأول دية والله أعلم)؛ لتعذر القصاص بغير اختياره, لكن لو لم يجيء ولي الأول .. قال الشافعي: أحببت أن يبعث الإمام إليه, فإن لم يبعث وقتله الثاني .. كرهته ولا شيء عليه. قال الرافعي: يشبه أنها كراهة تحريم؛ لأنه قال في (الأم): فقد أساء.

стр. 3995

فَصْلٌ: جَرَحَ حَرْبيًّا أَوْ عَبْدَ نَفْسِهِ فَأَسْلَمَ وَعَتَقَ ثُمَّ مَاتَ بِالْحُرْحِ .. فَلَا ضَمَانَ, ــ تتمة: أطلقوا إيجاب الدية ولم يبينوا أنها دية القتيل أو القاتل, وذكر المتولي: أنه لو مات الجاني أو قتل بقصاص آخر أو رجم .. هل تجب دية القتيل أو القاتل؟ وجهان, وفائدتهما فيما لو اختلف قدر الديتين .. فعلى الثاني: لو كان القتيل رجلًا والقاتل امرأة .. وجب خمسون من الإبل, وفي العكس .. مئة, قال: وإذا أخذت الدية قسمت على الجميع, وبه جزم القاضي حسين. وقيل: يختص بها ولي الأول. ولو تمالأ عليه أولياء القتيل وقتلوه جميعًا .. ففيه ثلاثة أوجه. أصحهما: أن القتل عن جميعهم موزع عليهم, فيرجع كل واحد منهم إلى ما يقتضيه التوزيع من الدية, فإن كانوا ثلاثة .. أخذ كل واحد منهم ثلث حقه وله ثلثا الدية. والثاني: يقرع بينهم, ويجعل القتل واقعًا عمن خرجت له القرعة, وللباقين الديات. والثالث: يكتفي به عن جميعهم, ولا رجوع إلى شيء من الدية. قال: (فصل) هذا عقده لتغير حال المجروح من وقت الجرح إلى الموت إما بالعصمة أو الإهدار, وإما في القدر المضمون, ولذلك أحوال ذكر المصنف بعضها. قال: (جرح حربيًا أو مرتدًا أو عبد نفسه فأسلم وعتق ثم مات بالجرح .. فلا ضمان) لا بمال ولا قصاص؛ لأن الجرح السابق غير مضمون, وما وقع غير مضمون لا يجب بسرايته قصاص, كقطع يد السارق إذا سرت إلى النفس, وكما لو جرح صبي
следующие страницы →