Полный текст (5 377 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.
стр. 4061
وَعَلَى القَولَينِ لِلوَليِّ عَفوٌ عَنِ الدِّيَةِ بِغَيرِ رِضَا الجَانِي ,وَعَلَى الأَوَّلِ لَو أَطلَقَ العَفوَ .. فَالمَذهَبُ: لاَ دِيَةَ,
ــ
فخفف الله عن هذه الأمة وخيّرها بين الأمرين؛ لما في الإلزام بأحدهما من المشقة.
قال: (وعلى القولين للولي عفو عن الدية بغير رضا الجاني)؛ لحديث أبي شريح , ولأنه محكوم عليه فلا يحتاج إلى رضاه ,كما لا يشترط رضا المحال عليه والمضمون.
وقال أبو حنيفة: لا يعدل إلى المال إلا برضا الجاني , وإذا مات الجاني .. سقطت الدية.
وحكي عن القديم قول مثله ,وعن مالك روايتان: أشهرهما: مساعدة أبي حنيفة.
والثانية: تخيير الولي.
وعلم من كلامه: أنه إذا عفا بعض المستحقين .. سقط القصاص وإن لم يرض الاَخرون , واحتج له بما روى البيهقي عن عمر وابن مسعود ﵄ ولا مخالف لهما في ذلك فكان إجماعًا , وبأن القصاص لا يتجزأ , ويغلّب جانب السقوط؛ لحقن الدماء , وكذلك لو عفا عن عضو من أعضاء الجاني .. سقط القصاص كله , كما أن تطليق بعض المرأة تطليق كلها , وكذا لو أقت .. تأبد.
قال: (وعلى الأول لو أطلق العفو .. فالمذهب: لا دية) لأن القتل لم يوجبها على هذا القول , والعفو إسقاط ثابت لا إثبات معدوم.
والثاني – واختاره المزني -: تجب لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: اتباع بالمال , وذلك يشعر بوجوب الدية , والأولون حملوا الاَية على ما إذا عفا على الدية.
وموضع الخلاف: إذا أمكن ثبوت المال.
فإن لم يمكن كما إذا قتل أحد عبدي الرجل عبده الاَخر .. فإن للسيد أن يقتص وله
أن يعفو ولا يثبت له على عبده مال , فإن أعتقه .. لم يسقط القصاص , فلو عفا بعد العتق مطلقًا .. لم يثبت المال بلا خلاف؛ لأن القتل لم يثبته ولا يخرج على الخلاف
стр. 4062
وَلَو عَفَا عَنِ اٌلدِيَةِ .. لَغَا, وَلَهُ اٌلعَفوُ بَعدَهُ عَلَيهَا. وَلَو عَفَا عَلَى غَيرِ جِنسٍ اٌلديةِ .. ثَبَتَ إن قَبِلَ الجَانِي, وَإلِا .. فَلاَ , وَلاَ يَسقُطُ القَودِ فِي اٌلأصَحِّ
ــ
هنا , إن عفا على مال .. ثبت كذا حكاه الشيخان في الفروع المنثورة اَخر الباب وإقراء.
ولو أقر السفينة بقصاص وعفا المستحق على مال .. ففي ثبوته وجهان في (باب الحجر): أصحهما: نعم؛ لأنه يتعلق باختيار غيره لا بإقراره.
وصورة العفو المطلق: أن يقول: عفوت عن القصاص, ولا يتعرض للدية بنفي ولا إثبات, وكذلك لو قال: عفوت عنك, ولم يتعرض لقود ولا دية.
ولو قال: عفوت عما وجب لي عليك بهذه الجناية, أو عن حقي الثابت عليك, وما أشبهه .. فلا مطالبة له بشيءٍ.
فلو قال: عفوت عن حقي .. قال الماوردي: يسقط القود؛ لأنه يستحقه, ولا تسقط الدية؛ لأنه يستحقها.
وسكت المصنف عن التفريغ على المرجوح؛ لأنه طويل لا عمل عليه. قال: (ولو عفا عن الدية .. لغا) لأنه عفا عما ليس مستحقًا.
قال: (وله العفو بعده عليها)؛ لأن حقه لم يتغير بالعفو بالماضي.
قال: (ولو عفا على غير جنس الدية .. ثبت) وإن كان أكثر من الدية (إن قبل الجاني, وإلا .. فلا)؛ لأنه اعتياض, فتوقف على الاختيار كغيره.
قال: (ولا يسقط القود في الأصح)؛ لأنه رضي به على عوض ولم يحصل له, وليس كالصلح علو عوض فاسد؛ لأن الجاني هناك قبل والتزم.
стр. 4063
وَلَيسَ لِمَحجُورِ فَلَسٍ عَفوٌ عَن مَالٍ إِن أَوجَبنَا أَحَدُهُمَا , وَإلاَ: فَإِن عَفَا عَلَى الدِّيَةِ .. ثَبَتَت , وَإن أَطلَقَ .. فَكَما سَبقَ , وَإن عَفَا عَلَى أَنَّ لاَ مَالَ .. فَالَمذهَبُ: أَنَّهُ لاَ يَجِبُ شَيءٌ
ــ
والثاني: يسقط؛ لأنه رضي به حيث أقدم على الصلح وطلب العوض. ولو عفا عن القود على نصف الدية .. قال القاضي حسين: هذه معضله أسهرت الجلة.
وقال غيره: هو كعفوه عن القود ونصف الدية , فيسقط القود ونصف الدية.
ولو تضرع إليه الجاني وسأله العفو عن القصاص بمال فإخذ المال من غي تصريح بعفو .. فهل يكون ذلك عفوًا عن القصاص؟ فيه وجهان.
قال: (وليس لمحجور فلسٍ عفوُ عن مال إن أوجبنا أحدهما)؛ للتفويت على الغرماء , وإذا تعين المال بالعفو عن القصاص .. صرف إلى غرمائه , ولا يكلف تعجيل القصاص أو العفو ليصرف المال إليهم.
واحترز ب (محجور الفلس) عن المحجور بسلب العبارة كالصبي والمجنون؛ فإن عفو هما لغو.
قال: (وإلا) أي: وإن قلنا: الواجب القود عينًا.
قال: (فإن عفا عن الدية .. ثبتت, وإن أطلق .. فكما سبق) فيما إذا عفا مطلقًا
فإن قلنا: إنه يوجب الدية ثبتت وإن قلنا لا يوجبهما لم تثبت.
قال: (وإن عفا على أن لا مال .. فالمذهب: أنه لا يجب شيء)؛لأن القتل لم يوجب المال , ولو كلفنا المفلس أن يطلق ليثبت المال .. كان ذلك تكليفًا بأن يكتسب وليس عليه الاكتساب.
وقيل: يجب؛ لأنه لو أطلق العفو .. لوجب المال, فالنفي كالإسقاط؛ لما له حكم الوجوب, فكان الصواب: التعبير بالأصح؛ لأنها ذات وجهين لا ذات طرق.
стр. 4064
واٌلمبَذِّرُ فِي الدِّيَةِ كَمُفلِسٍ, وَقِيلَ: كَصَبيّ. وَلَو تَصَالَحا عَنِ القَودِ عَلى مِئَتَي بَعِير ٍ .. لَغَا إِن أَوجَبنَا أَحَدَهُمَا , وَإلاَّ فَالأصَحٌّ: الصِّحَّةُ
ــ
واقتضى كلام المصنف في (باب الفلس): الجزم بالصحة أيضًا؛ فإن قال:
(يصح اقتصاصه وإسقاطه) , ومقتضاه: أنه لا فرق في الإسقاط بين أن يكون على
مال أو مجانًا.
قال: (والمبذر في الدية كالمفلس) , فيصح منه إسقاط القصاص واستيفاؤه؛ لوجود التشفي منه , وفيما يرجع إلى الدية عند الأكثرين كالمفلس , والمراد: المحجور عليه بالتبذير.
أما من بذر بعد رشده ولم يحجر عليه ثانيًا .. فتصرفه نافذ على المذهب كالرشيد.
وقوله: (في الدية) احتراز من القود؛ فيصح منه إسقاطه واستيفاؤه قطعًا كالرشيد.
قال: (وقيل: كصبي) فلا يصح عفوه عن المال بحال , ويفارق المفلس؛ لأنه إذا صدى للمحجور مال .. لم يجز تركه, كما لو وهب له شيء أو وصي له به فلم يقبل .. فوليه يقبل عليه جبرًا , والغرماء لا يقبلون على المفلس ولا الحاكم؛ لأنه لا يجب له إلا ثبت في ملكه.
ويشهد له ما نقله الشيخان في (السير) عن الإمام وأقراه: انه لا يصح إعراض المحجور عليه لسفه عن الغنيمة , بخلاف المفلس.
وعفو المريض مرض الموت ومرض الورثة عن القصاص مع نفي المال إذا كان على التركة دين أو وصية كعفو المفلس.
وعفو المكاتب عن الدية تبرع , فلا يصح بغير إذن سيده , وبإذنه قولان.
قال: (ولو تصاحا عن القود على مئتي بعير .. لغا إن أوجبنا أحدهما)؛ لأنه زيادة على الواجب نازل منزلة الصلح من ألف على ألفين.
قال: (وإلا .. فالأصح: الصحة) أي: إذا قلنا الواجب القود المحض .. ففيه
وجهان: أصحهما: الصحة؛ لأنه مال يتعلق باختيار المتعاقدين , فأشبه الخلع.
стр. 4065
ولَو قَالَ رَشِيدٌ: اٌقطَعِني فَفَعَلَ .. فَهَدَرٌ , فَإِن سَرَى أَو قَالَ: أقتُلنِي .. فَهَدَرٌ,
وَفِي قَولٍ: تَجِبُ دِيَةٌ ....
ــ
وقد روى الترمذي [١٣٨٧]: أن النبي ﷺ قال: (من قتل متعمدًا
دفع إلى أولياء المقتول , فإن شاءوا .. قتلوا , وإن شاءوا .. أخذوا الدية,
وما صالحوا عليه فهو لهم).
والثاني: المنع؛ لأنه الدية تخلف القصاص عند سقوطه فلا تزاد عليه.
قال: (ولو قال رشيد: اقطعني ففعل .. فهدر) أي: لا قصاص ولا دية, كما
لو أذن في إتلاف ماله لا يجب ضمانه.
وفي تعبيره ب (الرشيد) نظر لأنه قدم: أن المبذر يصح منه إسقاط القصاص واستيفاؤه , ولهذا عبر في (الروضة) و (الشرحين) بالمالك لأمر نفسه, وكذلك عبر الإمام, ومرادهم به: الحر العاقل سواء كان محجورًا عليه أم لا, وحينئذ فتعبير المصنف ب (الرشيد) معترض من وجهين:
أحدهما: إخراجه السفيه مع أن الحكم فيه كذلك.
والثاني: إدخاله العبد؛ فإنه رشيد ومع هذا إذنه عبر معتبر.
وقوله: (فهدر) ليس على عمومه؛ فإن الكفارة تجب لحق الله تعالى على الأصح ولا تؤثر فيها الإباحة.
والثاني- ويحكى تخريج ابن سريج -: أنها لا تجب, وحق الله تعالى يتبع في الوجوب والسقوط حق الاَدمي , فإذا صار الشخص مهدرًا .. فلا كفارة بقتله.
قال: (فإن سرى, أو قال: اقتلني .. فهدر, وفي قول: تجب دية)؛ هذا
الخلاف ينبني على: أن الدية تثبت للميت ابتداء ثم يتلقاها الوارث أو تثبت للوارث
ابتداء عقب هلاكه.
فإن قلنا بالأول, وهو الأصح .. لم تجب, وإلا .. وجبت.
стр. 4066
وَلَو قَطَعَ فَعَفَا عَن قَودِهِ وَأرشِهِ: فَإن لَم يَسِرِ .. فَلاَ شَيءَ, وَإِن سَرَى .. فَلاَ قِصَاصَ
ــ
قال الإمام) والقائل بثبوتها للميت لا يمنع الملك له كما لا يمنع بقاء الدين عليه وإن رمت عظامه.
ثم إن المصنف أطلق وجوب الدية وظاهره: أنه على هذا القول تجب دية كاملة في الصورتين, وهو كذلك في صورة (اقتلني).
وأما في القطع .. فنصفها؛ لأنه الحادث بالسراية.
وأما القصاص .. ففيه طريقان:
أشهرهما: القطع بنفيه؛ لأن الإذن شبهة دارته.
والثاني: طرد الخلاف فيه.
ووجه الوجوب بأن القتل لا يباح بالإذن, فأشبه إذن المرأة في الزنا ومطاوعتها؛ فإن ذلك لا يسقط الحد.
قال: (ولو قطع) عضو إنسان (فعفا عن قوده وأرشه: فإن لم يسر .. فلا شيء) أي: لا قصاص ولا دية؛ لأن المستحق أسقط ما ثبت له, وبهذا قال أبو حنيفة.
وعن المزني: تجب الدية؛ لأن استقرار الجناية باندمالها فلا يعتبر العفو قبل ذلك.
أما لو قال: وما يحدث منها .. فلا قصاص ولا دية.
وإن اقتصر على قوله: عفوت عن هذه الجناية .. فالنص: أنه عفو عن القصاص.
قال: (وإن سرى .. فلا قصاص) أي: في النفس والطرف؛ لأن السراية تولدت من معفو عنه فأورث شبهة.
وعن ابن سريج وابن سلمة: يجب قصاص النفس؛ لأنه لم يدخل في العفو.
فعلى هذا: إن عفا عن القصاص فله نصف الدية؛ لسقوط نصفها بالعفو عن اليد.
стр. 4067
وَأَمَّا أرَش ُالعُضوِ: فَإِن جَرَى لَفظُ وَصِيَّةٍ كَأَوصَيتُ لَهُ بِأَرشِ هَذِهِ الجِنَايَةِ .. فَوَصِيَةٌ لِقَاتِلِ, أَو لَفظٌ إِبرَاءٍ أَو إِسقَاطٍ, أَو عَفوٌ سَقَطَ, وَقِيلَ: وَصِيَّةُّ. وَتَجِبُ الزِّيَادَةُ عَلَيهِ إِلَى تَمامِ الدِّيَةِ, وَفِي قَولٍ: إِن تَعَرَّضَ فِي عَفوِهِ لِما يَحدُثُ مِنهَا .. سَقَطَت,
ــ
وما أطلقه من أنه لا يجب شيء عند السراية محله: إذا كان القطع مما يوجب القصاص, فإن كان لا يوجبه كالجافة فعفا المجني عليه عن القصاص فيها ثم سرت الجناية إلى نفسه .. فلوليه أن يقتص في النفس؛ لأنه عفا عن القود فيما لا قود فيه فلم يؤثر العفو.
وحكى الإمام فيه الاتفاق, ثم يثبت باحتمال فيه لنفسه.
قال: (وأما أرش العضو: فإن جرى لفظ وصية كأوصيت له بأرش هذه الجناية .. فوصية لقاتل) , فإن أبطلناها .. لزمه أرش العضو, وإن صححناها, وهو الأصح .. سقط الأرش إن خرج من الثلث, وإلا .. سقط منه قدر الثلث.
قال: (أو لفظ إبراء أو إسقاط, أو عفو .. سقط)؛ لأنه إسقاط حق ناجز, والوصية هي التي تتعلق بحال الموت.
قال: (وقيل: وصية)؛ لأنه يعتبر من الثلث بالاتفاق فيعود الخلاف في الوصية للقاتل.
والطريقة الأولى – وهي القطع بمجيء الخلاف – هي الصحيحة.
قال: (وتجب الزيادة عليه) أي: على أرش العضو المعفو عنه (إلى تمام الدية) , هذا إذا اقتصر على العفة عن موجب الجناية ولم يقل: وما يحدث منها؛ لأن الشيء لا يسقط قبل ثبوته.
قال: (وفي قول: إن تعرض في عفوه لما يحدث منها .. سقطت)؛ لتصريحه بذلك.
والأظهر: لا , فيلزمه الضمان, وهما قولان في الإبراء عما لم يجب وجرى سبب وجوبه.
стр. 4068
فَلَو سَرَى إلَى عُضوٍ آخَرَ فَانَدَمَلَ .. ضَمِنَ دِيَّةَ السِّرَايَة ِفِي الأصَحَّ. وَمَن لهٌ قَصَاصُ نَفسٍ بِسَرَايَةِ طَرفٍ لَو عَفَا عَن النَّفسِ .. فَلاَ قَطعَ,
ــ
وما ذكره من التفصيل في الأرش محله إذا كان دون الدية, فأما إذا قطع يديه فعفا عن أرش الجناية وما يحذث منها, فإن لم نصحح الوصية .. وجبت الدية بكمالها, وإن صححناها .. سقطت بكمالها إن وفى بها الثلث, سواء صححنا الإبراء عما لم يجب أو لم نصحح؛ لأن أرش اليدين دية كاملة فلا يزيد بالسراية شيء.
قال: (فلو سرى إلى عضو آخر فاندمل .. ضمن دية السراية في الأصح)؛ لأنه عفا عن مودجب الجناية الحاصلة في الحال فيقتصر أثره عليه.
والثاني: المنع؛ لأنه إذا سقط الضمان بالعفو .. صارت الجناية غير مضمونة, وإذا لم تضمن .. كانت السراية أيضًا كذلك, كما قال لغيره: اقطع يدي, فقطعها وسرى القطع إلى عضو آخر.
هذا إذا اقتصر على العفو عن موجب الجناية, أما إذا قال: وما يحدث منها, فسرى قطع الإصبع إلى قطع الكف, فإن لم نوجب ضمان السراية إذاأطلق .. فهنا أولى, وإن أوجبناه .. فيخرج ههنا على الإبراء عما لم يجب وجرى سبب وجوبه.
قال: (ومن له قصاص نفس بسراية طرف لو عفا عن النفس .. فلا قطع)؛ لأن المستحق هو القتل, والقطع طريقه, وقد عفا عن المستحق به.
وصورة المسألة: إذا قطع الجاني يد رجل فمات سراية.
стр. 4069
أَو الطَّرفِ .. فَلَهُ حَزُّ الرَّقَبَةِ فِي الأصَحِّ. وَلَو قَطَعَهُ ثُمَّ عَفَا عَنِ النَّفسِ مَجَانًا, فَإن سَرَى القَطعُ .. بَانَ بُطلاَنُ العَفوِ, وَإلَا .. فَيَصِحُّ. وَلَو وَكَّلَ ثُمَ عَفَا فَاقتَصَّ الوَكِيلُ جَاهِلًا .. فَلاَ قِصَاصَ عَلَيهِ,
ــ
أما إذا قطع يده ثم قتله .. فالقصاص مستحق فيهما بطريق الأصالة.
فإن كان مستحق النفس غير مستحق الطرف .. فعفو أحدهما لا يسقط حق الآخر.
ومن صوره: أن يقطع عبد يد عبد فيعتق المجني عليه ثم يحز الجاني رقبته أو يموت.
قال: (أو الطرف .. فله حز الرقبة في الأصح)؛ لأن كلًا منهما مقصود في نفسه, كما لو تعدد المستحق, وهذا هو الأقوى في (المحرر) و (الشرحين).
والثاني: المنع؛ لأنه استحق القتل بالقطع الساري وقد تركه, وصححه الجاجرمي والمتولي.
قال: (وإلا .. فيصح) أي: إن لم يسر قطع الولي إلى نفس الجاني .. صح العفو عن النفس, ولا يلزم الولي بقطع اليد شيء.
قال: (ولو وكل ثم عفا فاقتص الوكيل جاهلًا .. فلا قصاص عليه)؛ لعدم تقصيره, وفيه قول مخرج مما إذا قتل من عخده مرتدًا فبان أنه كان قد أسلم؛ فإن الأصح فيه: وجوب القصاص.
стр. 4070
وَالأظهَرُ: وُجُوبُ دِيَةٍ, وَأنَّهَا عَلَيهِ لاَ عَلَى عَاقِلَتِهِ,
ــ
والفرق: أنه هناك مقصر والوكيل مستصحب لأصل يجوز البناء عليه فهو معذور.
كل هذا تفريغ على جواز التوكيل في استيفاء القصاص, وقد تقدم في (الوكالة): أنه يجوز في حضرة الموكل, وكذا عند غيبته على المذهب.
وحد القذف كالقصاص, وسواء جوزناه أم لا إذا استوفاه الوكيل .. صالر حق الموكل مستوفى, كما لو وكله في بيع سلعة توكيلًا فاسدًا فباع الوكيل .. صح البيع.
وإذا لم يعلن: أكان العفو قبل القتل أم بعده .. فلا شيء على الوكيل؛ لاحتمال أنه عفا بعد قتله.
واحترز بقوله: (جاهلًا) عما إذا كان عالمًا بالعفو؛ فعليه القصاص لا محالة.
فإن ادعى الولي علمه بالعفو .. حلف الوكيل, فإن نكل .. حلف الوارث واستحق القصاص.
قال: (والأظهر: وجوب دية)؛ لأنه بان أنه قتله بغير حق.
وعلى هذا: فهي مغلظة على الصحيح.
والثاني: المنع؛ لأن القتل مباح له في الظاهر فلا يناسب تضمينه.
أما الكفارة .. فواجبة على القولين, ويجريان فيما لو عزله ثم قتله الوكيل جاهلًا بعزله.
قال: (وأنها عليه لا على عاقلته)؛ لأن القتل عمد أو شبه عمد, وإنما أسقطنا القصاص للشبهة.
وقيل: على العاقلة مخففة؛ لأنه جاهل بالحال, فأشبه المخطئ.
فإذا قلنا: على الوكيل .. فهل حالة أو مؤجلة؟ وجهان: صحح المصنف منهما: الحلول.
وعطفه المسألة على ما قبلها يقتضي: أنها ذات قولين, والصواب: أنهما وجهان.
стр. 4071
وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْعَافِي, وَلَوْ وَجَبَ قِصَاُص عَلَيْهَا فَنَكَحَهَا عَلَيْهِ,, جَازَ وَسَقَطَ، فَإِنْ فَارَقَ قَبلَ وَطْءٍ. رَجَعَ بَنِصْفِ الأَرْشِ، .....
ــ
قال: (والأصح: أنه لا يرجع بها على العافي)؛لأنه محسن بالعفو.
والثاني: يرجع عليه؛ لأنه غره.
والثالث: يرجع الوكيل دون العاقلة.
والمصنف أطلق الخلاف في الرجوع وهو مقيد بأن لا يقصر الموكل في إعلامه، فإن قصر .. رجع الوكيل عيه؛ لأنه لم ينتفع بشيء، بخلاف الزوج المغرور.
وحكي الرافعي هنا عن (فتاوي البغوي): أن الوكيل لو قال: قتلته بشهوة نفسي لا عن جهة الموكل .. يلزمه القصاص، وينتقل حق الوارث إلى التركة.
وجزم القفال في (الفاتاوي) بعدم القصاص، وكلام البغوي أرجح دليلا.
قال: (وو وجب قصاص عليها فتكحها عليه .. جاز)؛ لأنه عوض مقصود، وكان ينبغي أن يقول: صحا.
أما النكاح .. فواضح، وأما الصدق .. فلأن ما جاز الصلح عنه .. جاز جعله صداقًا
قال: (وسقط) أي: ما عليها من القود؛ لملكها قصاص نفسها.
قال: (فإن فارق قبل وطء .. رجع بنصف الأرش)؛ لأنه الذي وقع العقد عليه، فهو كالمسمى المعين أولًا.
стр. 4072
وَفِي قَوْلٍ: بِنِصْفِ مِهْرِ الْمِثْلِ.
ــ
قال: (وفي قول: بنصف مهر المثل)؛ لأن الأرش سقط وقام مقامه مهر المثل، وهو المنصوص في (الأم) كما نقله في (البحر).
وقال البغوي: إنه قياس قولهم: إذا أصدفها تعليم قرآن وطلقها قبل الدخول.
تتمة:
قال المتولي: إذا قتله بالدخان؛ بأن حبسه في بيت وسد منافذ البيت فاجتمع فيه الدخان وضاق نفسه فمات .. وجب القصاص.
وأنه لو رمى إلى شخص أو جماعة وقصد إصابة أي واحد منهم كان فأصاب واحدا .. ففي القصاص وجهان؛ لأنه لم يقصد عينه.
قال المصنف: قلت: الأرجح وجوبه.
خاتمة
ظاهر عبارة (الشرح) و (الوضة) في أول (الجنايات): أنمن استوفى منه القصاص أو الدية في الدنيا تبقى عليه العقوبة في الدار الآخرة.
والمصنف أجاب في (فتاويه) بخلافه، وقال: إن ظواهر الشرع تدل على السقوط، وذكر مثله في (شح مسلم).
ودليله: الحديث الصحيح فيه: (من ارتكب شيئًا من هذه القاذورات فعوقب به .. كانت كفارة له، وإن لم يعاقب .. فأمره إلى الله، إن شاء .. عذبه وإن شاء .. عفا عنه).
стр. 4073
كتاب الديات
стр. 4074
كتاب الديات
فِي قَتْلِ الْحُرِّ المُسْلِمِ مِئَةُ بَعِيرٍ
ــ
كتاب الديات
لما انتهى الكلام في القصاص عقبة بالدية؛ لأنها بدل عنه على الصحيح، وجمعها باعتبار الأشخاص أو باعتبار النفس والأطراف، ومفردها: دية، وهي: المال الواجب بالجناية على الحر في نفس أو طرف.
وأصلها: ودية، مشتقة من الودي، وهو دفع الدية، كالعدة من الوعد، والزنة من الوزن، والشية من الوشي.
والإجماع منعقد على تعلق الدية بالقتل.
وقال تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطًا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله﴾.
وروى النسائي [٨/ ٥٩] والحاكم [١/ ٣٩٥] وابن حبان [٦٥٥٩] عن النبي ﷺ : (أنه كتب لعمرو بم جزم كتابًا إلى أهل اليمن فيه ذك القرائض والديات)، وسيأتي في الباب مفرقًا.
قال: (في قتل الحر المسلم مئة بعير)؛ لأن الله تعالى أوجبها في الآية المذكورة مجملة، وبينها النبي ﷺ في كتاب عمرو بن حزم بقوله: (في النفس مئة من الإبل).
وأول من سنها مئة: عبد المطلب، ويقال: أبو سيارة الذي أجاز الحاج أربعين سنة من الجاهلية من المزدلفة إلى مني.
стр. 4075
مُثَلَّثَةٌ فِي الْعَمْدِ: ثَلاَثُونَ حِقَّةً، وَثَلاَثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً- أَيْ حَامِلًا-
ــ
ولا تختلف الدية بالفضائل والرذائل وإن اختلفت بالأديان والذكورة والأنوثة كما سيأتي، بخلاف الجناية على الرقيق؛ فإن فيها القيمة المختلفة بالفضائل والرذائل وغير ذلك.
ثم قد يعرض ما تغلظ به الدية وما تنقص به.
أما المغلظات .. فأربعة أسباب: كون القتل في الحرم، أو الأشهر الحرم، أو لذي رحم محرم، أو عمدًا، أو شبه عمد.
والمنقصات: الأنوثة والرق والاجتنان والكفر.
فالأنوثة ترد إلى الشطر، والرق إلى القيمة، والاجتنان إلى الغرة، والكفر إلى الثلث أو أقل.
قال: (مثلثة في العمد) وإن لم نوجب القصاص لمانع من الموانع، كقتل الوالد الولد.
قال: (ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، أي حاملًا)؛ لما روى الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ قال: (من قتل متعمدا .. دفع لولي المقتول، فإن شاؤوا .. قتلوا، وإن شاؤوا ..
стр. 4076
وَمُخَمَّسَةُ فِي الْخَطأ: عِشْرُونَ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَكَذَا بَنَاتُ لَبُونٍ وَبَنُو لَبُونٍ وَحِقَاقُ وَجِذَاعُ،
ــ
أخذوا الدية، وهي ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة) فهي مغلظة من ثلاثة أوجه:
كونها على الجاني، وحالة، ومن جهة السن.
و (الخَلِفة) بفتح الخاء وكسر اللام، ليس لها جمع من لفظها عند الجمهور، بل جمعها: مخاض، كما يقال: امرأة ونساء.
وقال الجوهري: جمعها: خلف، وقال ابن سيده: خلفات، وهو القياس.
قال: (ومخمسة في الخطأ: عشرون بنت مخاض، وكذا بنات لبون وبنو لبون، وحقاق، وجذاع)؛ لما روى أحمد [١/ ٣٨٤] والأربعة عن ابن مسعود: أن النبي ﷺ قال: (دية الخطأ أخماس).
قال ابن مسعود: (عشرون جذعة، وعشرون حقة، وعشرون بنات لبون، وعشرون بنو لبون، وعشرون بنات مخاض).
ورفع بعضهم هذا التفسير إلى النبي ﷺ ، وأجمعت الصحابة عليه وإن كان موقوفا؛ لأنه روى عن النبي ﷺ وعن علي، وإنما أخذ الشافعي به؛ لأنه أقل ما قيل.
وهذه مخففة من ثلاثة أوجه: كونها على العاقلة، ومؤجلة، ومن جهة السن.
стр. 4077
فَإِنْ قَتَلَ خَطَأ فِي حَرَمِ مَكَّةَ أَوْ الأَشْهُرِ الْحُرُمِ: ذِي الْقَعْدَةِ وَذِي الْحِجَّةِ وَمُحَرَّمٍ وَرَجَبٍ، أَوْ مَحْرَمًا ذَا رَحِمٍ .. فَمُثَلَّثَةُ
ــ
قال: (فإن قتل خطأ في حرم مكة أو الأشهر الحرم: ذي القعدة وذي الحجة ومحرم ورجب، أو محرمًا ذا رحم .. فمثلثة) عمدًا كان أو خطأ، فالخطأ هنا ملحق بالعمد في التثليث؛ لأن الصحابة غلظوا في هذه الأحوال وان اختلفوا في كيفية التغليظ:
فقال عمر: (من قتل في الحرم أو ذا رحم أو في شهر حرام .. فعليه دية وثلث).
وقضى عثمان في امرأة وطئت في الطواف بديتها: ستة آلاف درهم وألفين؛ تغليظا للحرم.
وعن ابن عباس: أن رجلًا قتل رجلًا في الشهر الحرام وفي البلد الحرام فقال:
ديته اثنا عشر ألفا وللشهر الحرام أربعة آلاف وللبلد الحرام أربعة آلاف) رواها البيهقي [٨/ ٧١]، وأجمعت الصحابة على ذلك، وهذا لا يدرك بالاجتهاد بل بالتوقيف من الني ﷺ .
فالأول من أسباب التغليظ: أن يقع القتل في حرم مكة فتغلظ به دية الخطأ، سواء كان القاتل والمقتول في الحرم أم كان فيه أحدهما كجزاء الصيد.
﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾.
وقال ﷺ : (إن أعتي الناس على الله رجل قتل في الحرم، ورجل قتل غير قاتله، ورجل قتل بدخل في الجاهلية) رواه أحمد [٢/ ١٨٧] والحاكم [٢/ ٣٤٩]
وقال: صحيح الإسناد. و (العتو): التجبر. وقوله: (غير قاتلة) مجاز؛ جعل قاتل مورثه قاتلا له.
стр. 4078
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومنه حديث خيبر: (تحلفون وتستحقون دم قاتلكم).و (الدخل) بالدال المهملة: الحقد والعداوة، والجمع: دخول.
ويلتحق بالقتل في الحرم: ما لو جرحه فيه فخرج ومات في غيره، بخلاف عكسه. ولا تغلظ بحرم المدينة ولا بالقتل في الإحرام على الأصح فيهما.
والثاني: أن يقتل في الأشهر الحرم؛ لعظم حرمتها.
ولا يلتحق بها شهر رمضان وإن كان سيد الشهور؛ لأن المتبع فيه التوقيف، قال تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾، والظلم في غيرهن محرم أيضا، وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾.
والصحيح في كيفية عدها: ما قاله المصنف.
وعن الكوفيين أن يقال: المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة.
قال ابن دحيه: وتظهر فائدة الخلاف فيما إذا نذر صيامها، فعلى الأول: يبتدئ بالقعدة، وعلى الثاني: بالمحرم.
وأدخلت (الألف) و (اللام) على المحرم دون غيره من الشهور؛ لأنه أولها فعرفوه بذلك، كأنهم قالوا: هذا الذي يكون أبدًا أول السنة.
وسمى المحرم؛ لتحريم القتال فيه، وقيل: لتحريم الجنة فيه على إبليس، حكاه صاحب (المستعذب).
ورجب جمعه: رجبات وأرجاب ورجاب ورجوب، وفي اشتقاقه أقوال مشهورة، ويقال له: الأصم والأصب ومنصل الأسنة.
стр. 4079
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفي (روضة الفقهاء) لم يعذب الله أمة في شهر رجب، وفيه نظر؛ لأن قوم نوح أغرقهم الله فيه كما قاله الثعلبي وغيره.
وذو القعدة وذو الحجة تقدم ضبطهما في (باب المواقيت).
والثالث: قتل ذي رحم محرم؛ لما فيه من قطيعة الرحم وتأكد الحرمة.
وكونه ذا محرم لابد منه، وهو من زوائده على (المحرر) كما نبه عليه في (الدقائق).
و (المَحْرَم): الذي يحرم نكاحه لو كان أحدهما أنثى والآخر ذكرًا.
ولا تتغلظ بقتل القريب غير المحرم على الصحيح.
وعن القفال-واختاره الشيخ أبو محمد والقاضي الروياني- أنها تغلظ: لما فيه من قطيعة الرحم وتأكد الحرمة.
ولا تلحق حرمة الرضاع والمصاهرة بحرمة النسب في هذا الباب.
وعند أبي حنيفة ومالك: هذه الأسباب الثلاثة لا تقتضي التغليظ.
السبب الرابع: أن يكون القتل عمدا أو شبه عمد، وقد قدمه المصنف في أول الباب.
وكذلك قيد ههنا القتل بالخطأ؛ إشارة إلى أن التغليظ إنما يظهر فيه، لأن الشيء إذا انتهى نهايته لا يقبل التغليظ، كالأيمان في القسامة.
ونظيره قولهم: المكبر لا يكبر؛ لعدم التثليث في غسلات الكلب.
فرع:
الصبي والمجنون إذا كان مميزين وقتلا في الأشهر الحرم أو ذا رحم .. قال ابن الرفعة: لم أر في التغليظ عليهما بالتثليث نقلا، فيحتمل أن يقال به، ويحتمل ألا
стр. 4080
وَالْخَطَأُ وَإِنْ تَثَلَّثَ .. فَعَلَى الْعَاقِلَةِ مُؤَجَّلَةُ، وَالْعَمْدُ عَلَى الْجَانِي مُعَجَّلَةُ، وَشِبْهُ الْعَمْدِ مُثَلَّثَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ مُؤَجَّلَةُ
ــ
تغلظ، لأن التغليظ يلحق الخطأ بشبه العمد، وليس لهما شبه عمد، فالملحق به أولي بالعدم.
قال: (والخطأ وإن تثلث .. فعلى العاقلة مؤجلة) أي: في ثلاث سنين، فتغليظها من وجه واحد وتخفيفها من وجهين كشبه العمد.
قال: (والعمد على الجاني معجلة)؛ لأنها قياس بدل المتلفات.
قال: (وشبه العمد مثلثة على العاقلة مؤجلة)، فهي مخففة من وجهين مغلظة من وجه واحد وهو التثليث؛ لما روى أبو داوود [٤٥٥٤] عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ قال: (عقل شبه العمد مغلظ مثل عقل العمد، ولا يقتل صاحبه) ورجاله ثقات.
ولأن شبه العمد متردد بين الخطأ والعمد، فأعطى حكم هذا من وجه وهذا من وجه.
وفي وجه: أنها لا تجب على العاقلة.
ويجوز في قوله: (معجلة ومؤجلة) الرفع والنصب.
стр. 4081
وَلاَ يُقْبَلُ مَعِيبُ وَمَرِيضُ إِلاَّ بِرِضَاهُ. وَيَثْبُتُ حُمْلُ الْخَلِفَةِ بِأَهْلِ الْخِبْرَةِ، وَالأَصَحُ: إِجْزَاؤُهَا قَبْلَ خَمسِ سِنِينَ،
ــ
قال: (ولا يقبل معيب ومريض)؛ لأن الشرع أطلقها فاقتضت السلامة، ولو كانت إبله كذلك قياسا على سائر أبدال المتلفات، بخلاف الزكاة، حيث يؤخذ فيها المريض والمعيب من مثلهما؛ لأنهما استحقاق جزء من نفس المال، والدية تجب في الذمة، فاشترط فيها الصحة والسلامة.
فعلى هذا: تجب على العاقل والقاتل من جنس إبلهم سليما.
والعيب هنا ما أثر في المالية وأثبت الرد في البيع، بخلاف عيب الكفارة والأضحية كما تقدم.
وعطف المصنف المريض على المعيب من عطف الخاص على العام، أو لنفي توهم أخذه كما في زكاة المال؛ فإنه قال هناك: (ولا تؤخذ مريضة ولا معيبة إلا من مثلها).
قال: (إلا برضاه) أي: برضا المستحق؛ لأن الحق له فله إسقاطه.
قال: (ويثبت حمل الخلفة بأهل الخبرة) المراد: بقول عدلين منهم.
فإذا أخذت بقولهما أو بتصديق المستحق فماتت عند المستحق وتنازعا في الحمل .. شق جوفها ليعرف، فإن بان أنها لم تكن حاملا .. غرمها المستحق وأخذ بدلها خلفة.
وفي وجه: يأخذ أرش النقص فقط، والصحيح: الأول.
قال: (والأصح: إجزاؤها قبل خمس سنين)؛ لصدق الاسم عليها.
والثاني: لا؛ لأن الحمل قبل خمس سنين مما يندر ولا يوثق به.
стр. 4082
وَمَنْ لَزِمَتْهُ وَلَهُ إِبلُ .. فَمِنْهَا، وَقِيلَ: مِن غَالِبِ إِبِل بَلَدِهِ، وَإِلاَّ .. فَغَالِبِ بَلَدِهِ، أَوْ قَبِيلَةِ بَدَوِيَّ.
ــ
والمصنف تبع (المحرر) في التعبير بـ (الأصح)، والصواب: الأظهر؛ فإنهما قولان.
قال: (ومن لزمته وله إبل .. فمنها)؛ لأنها تؤخذ على سبيل المواساة فكانت مما عندهم، كما تجب الزكاة في نوع النصاب سواء كانت من نوع إبل البلد أو فوقها أو دونها.
قال: (وقيل: من غالب إبل بلده)؛ لأنها عوض متلف، فلا يعتبر فيها ملك المتلف.
قال: (وإلا .. فغالب بلده)، فإن لم تكن .. فمن غالب إبل أقرب البلاد إليهم كزكاة الفطر، لكن يستثنى: ما إذا كان الأقرب عظيم المشقة والمؤنة؛ فلا يلزم إحضاره وتسقط المطالبة بالإبل.
وضبط القاضي البعيد: بمسافة القصر فما فوقها، والقريب: بما دونها، وضبطه المتولي: بالحد المعتبر في السلم.
قال الإمام: ولو زادت مؤنة إحضارها على قيمتها في موضع العزة .. لم يلزم تحصيلها.
قال: (أو قبيلة بدوي) طلبا للرفق ورعاية الأغلب.
فإن تفرقت العاقلة في البلدان أو القبائل .. أخذت حصة كل واحد باعتباره، ومتى تعين نوع .. فلا عدول إلى ما فوقه أو دونه إلا بالتراضي.
стр. 4083
وَلاَ يَعْدِلُ إِلَى نَوْعٍ وَقِيمَةٍ إَلاَّ بِتَرَاضٍ،
ــ
وإذا كان الاعتبار بإبل البلد أو القبيلة فكانت نوعين أو أكثر ولا غالب فيها فالخيرة .. إلى الدافع.
وإذا اعتبرنا إبل من عليه فتنوعت كالبَخاتي والعراب والمهرية والحجازية .. فوجهان:
أحدهما: تؤخذ من الأكثر، فإن استويا .. دفع ما شاء.
والثاني: تؤخذ من كل نوع بقسطه إلا أن يتبرع فيعطي الجميع من الأشرف.
وبالأول جزم الغزالي، ونسب الإمام الثاني إلى العراقيين، ولم يصحح في (الروضة) منهما شيئا.
قال: (ولا يعدل إلى نوع وقيمة إلا بتراض)، كما لو أتلف مثليا وتراضيا على قيمته مع وجود المثل.
قال صاحب (البيان) هكذا أطلقوه، وليكن ذلك مبنيا على جواز الصلح عن إبل الدية.
والصحيح في (الروضة) في (كتاب الصلح): أنه لا يجوز التراضي على أخذ العوض عن الإبل على الأصح عند الجمهور إذا لم توجب الجناية قصاصا.
وحمل ابن الرفعة الكلام في الصلح على ما إذا كانت مجهولة الصفة، والكلام هنا على ما إذا تعينت، قال: ومثل ذلك لا يمنع الاعتياض.
стр. 4084
وَلَوْ عُدِمَتْ .. فَالقَدِيمُ: أَلْفُ دِينَارٍ أَوِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ،
ــ
وفي وجه: أن الجاني مخير بين الإبل والدراهم المقدرة على القديم.
وعبارة المصنف صريحة في أنه لا يعدل إلى نوع فوق الواجب، وبذلك صرح الرافعي؛ إذ قال- وتبعه في (الروضة) - ومهما تعين نوع .. فلا يعدل إلى ما دونه أو فوقه إلا بالتراضي.
والذي نص عليه الشافعي وعليه جرى القاضي حسين وسليم والبندنيجى: جواز العدول إلى الأعلى.
وقال الماوردي: يجوز للقاتل العدول إلى الأعلى دون الأسفل، وللعاقلة إخراج الأدنى؛ لأنهم تؤخذ منهم مواساة، ومن الجاني استحقاقًا.
قال: (ولو عدمت .. فالقديم: ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم)؛ لما صح عمرو بن حزم: (أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن: أن على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم).
وروى الشافعي [١/ ٣٤٧] والبيهقي [٨/ ٧٦] عن مكحول وعطاء أنهما قالا: أدركنا الناس على أن دية المسلم على عهد رسول الله ﷺ مئة من الإبل فقومها عمر ﵁ بألف دينار أو اثني عشر ألف درهم.
وروى ابن حبان: (أن النبي ﷺ قضى في الدية بألف مثقال).
وفي (البيهقي) [٨/ ٧٩ بنحوء] عن أبي هريرة أنه قال (إني لأستغفر الله في كل يوم قدر ديني اثني عشر ألفا).
والمراد بـ (عدمها): ألا توجد أو توجد بأكثر من ثمن المثل.
стр. 4085
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعند أبي حنيفة: الدراهم مقدرة بعشرة آلاف، وحكاه ابن كج وجهًا لبعض الأصحاب.
والاعتبار بالدراهم والدنانير المضروبة الخالصة.
وذكر الإمام: أن الدافع يتخير بين الدراهم والدنانير.
وقال الجمهور: على أهل الذهب ذهب، وعلى أهل الورق ورق، فـ (أو) في عبارة المصنف على هذا للتنويع.
وإذا كان الواجب دية مغلظة؛ بأن قتل في الحرم أو قتل عمدًا أو شبه عمد .. فهل يزاد للتغليظ شيء؟ فيه وجهان.
أصحهما: لا؛ لأن التغليظ في الإبل إنما ورد بالسن والصفة لا بزيادة العدد وذلك لا يوجد في الدراهم والدنانير، وهذا أحد ما احتج به على فساد القول القديم.
والثاني: أنه يزاد ثلث المقدر تغليظا فتجب ستة عشر ألف درهم أو ألف دينار وثلاث مئة وثلاثة وثلاثون دينارًا وثلث دينار، وبه قال أحمد، فلو تعدد سبب التغليظ؛ بأن قتل محرما في الحرم .. فوجهان:
أصحهما: أنهما لا يزاد على الثلث شيء ولا يتكرر التغليظ، كما لو قتل المحرم صيدا لا يلزمه إلا جزاء واحد.
والثاني: أنه يزاد لكل سبب ثلث الدية؛ لما سبق من قضاء الصحابة بذلك، فيجب في قتل المحرم في الحرم عشرون ألفا.
فإن انضم إليه الوقوع في الأشهر الحرم .. وجب أربعة وعشرون ألفا.
فإن كان القتل شبه عمد .. وجبت ثمانية وعشرون ألفا.
стр. 4086
وَالجَدِيدُ: قِمَتُهَا بِنَقدِ بَلَدِهِ،
ــ
قال: (والجديد: قيمتها)؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن النبي ﷺ كان يقوم الإبل على أهل القرى، فإذا غلت .... رفع في قيمتها، وإذا هانت .... نقص من قيمتها) رواه الشافعي [١/ ٣٤٨] وأبو داوود [٤٥٥٣] وابن ماجه [٢٦٣٠] والنسائي [٨/ ٤٢] والبيهقي [٨/ ٧٦].
ولأنها بدل متلف فيرجع إلى قيمتها عند إعواز أصله.
قال: (بنقد بلده)؛ لأنه أقرب من غيره وأضبط.
والضمير في قوله: (بلده) يرجع إلى البلد الذي يجب التحصيل منه، لا إلى بلد القتيل، ولا للولي القابض.
وتراعى صفتها في التغليظ إن كانت مغلظة، فإن غلب نقدان ..... قوم بما شاءه الجاني.
فلو وجبت في بلد وهي موجودة في بلد يجب النقل من مثلها .... فالاعتبار في بلد الإعواز على الأصح، وهل تعتبر قيمة موضع الوجود أو موضع الإعواز لو كانت فيه إبل وجهان: أصحهما: الثاني، وتعتبر قيمتها يوم وجوب التسليم.
فرع:
قال الإمام: لو قال المستحق عند إعواز الإبل: لا أطالب الآن بشئ وأصبر إلى أن توجد .... الظاهر: أن الأمر إليه؛ لأنه الأصل هو الإبل، ويحتمل أن يقال: لمن عليه أن يكلفه قبض ما عليه؛ لتبرأ ذمته.
قال: ولم يصر أحد من الأصحاب إلى أنه إذا أخذ الدراهم ثم وجدت الإبل ..... أنه
стр. 4087
فَإِنْ وُجِدَ بَعْضٌ .... أُخِذَ وَقِيِمَةَ البَاقِي. وَاَلْمَرأَةُ وَاَلخُنَثَي كَنِصْفِ رَجُلِ نَفُسًا وَجُرْحًا،
ــ
يرد الدراهم ويرجع إلى الإبل، بخلاف ما إذا غرم قيمة المثلي لإعواز المثل ثم وجده؛ ففي الرجوع إلى المثل خلاف.
قال: فإن وُجد بعضٌ ... أضخذ وقيمةَ الباقي)، هذا تفريغ على الجديد، لأن الميسور لا يسقط بالمعسور.
أما على القديم .... فيأخذ الموجود وقس
الباقي من النقد.
وقال المتولي: لا يجبر على قبول الموجود؛ حتى لا يختلف عليه حقه.
هذا بالنسبة إلى الجواز، أما الوجوب ... فأظهر احتمالي الإمام: أنه لا يجبر على القبول وله أن يؤخر إلى أن يجد الإبل، ويحتمل الوجوب؛ لتبرأ ذمته.
قال: (والمراة والخنثي كنصف رجل نفسًا وجرحًا)، شرع يتكلم في الأربعة المنقصات، فذكر منها: الأنوثة والكفر، ولم يذكر الرق والاجتنان؛ لأنه أفردهما بفصلين.
فدية المرأة على النصف من دية الرجل، سواء قتلها رجل أو أمرأة، فيجب في الحرة المسلمة في القتل العمد وشبهه خمسون من الإبل: خمس عشرة حقة، وخمس عشرة جذهة، وعشرون خَلفِة.
وفي الخطأ: عشر مخاض، وعشر بنات لبون، وعشر حقاق، وعشر جذاع؛ لما روى الشافعي والبيهقي عن عمر وعثمان وعلي والعبادلة: أنهم أفتنوا بذلك، ولم يخالفهم أحد.
стр. 4088
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ووقع في (الرافعي) هنا: أن العبادلة: ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس وسبقه إلى ذلك الزمخشري في (الفصل).
والمشهور: أنهم أربعة آباؤهم صحابيون: ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وابن عمرو بن العاصي.
قال المصنف: ووقع في (الصحاح) إبدال ابن العاصي بابن مسعود، وهو إنما عدهم ثلاثة وأخرج ابن الزبير منهم.
وقد نص أحمد على: أنهم أربعة وأن ابن مسعود ليس منهم.
ودية أطراف المرأة وجراحاتها على النصف أيضًا من أطراف الرجل وجراحاته على الجديد؛ فيجب في يديها في العمد خمس وعشرون من الإبل: عشر خلفات، وسبع حقاق ونصف، وسبع جذاع ونصف.
وفي مضحتها: بعيان ونصف خلفة، ونصف وربع حقه، ونصف وربع جذعة، وعلى هذا الحساب في جميع الأعضء والجراحات التي لها أرض مقدار.
وفي القديم قول: أنها تساوي الرجل إلى تمام ثلث الدية.
فإذا زاد الواجب على الثلث ... صارت إلى النصف؛ ففي إصبع منها عشر من الإبل، وفي إصبعين عشرون، وفي ثلاث ثلاثون، وفي أربع عشرون.
وروى عن مالك وأحمد: والخنثى كالمرأة؛ لاحتمال الأنوثة.
واقتصر المصنف على النفس والجرح، وألحق بهما في (المحرر) (الأطراف)، وحذفه نصف ديتها، وفي حلمتيه أقل الأمرين من دية المرأة والحكومة.
стр. 4089
وَيَهُوديٌ وَنَصْرَانِيٌ ثُلُثُ مسلِمِ، وَمَجُوسيِ ثُلًثاَ عُشْرِ مُسِلِمِ،
ــ
قال: (ويهودي ونصراني ثلث مسلم)، ذميًا كان أو مستأمنًا أو معاهدًا؛ فإن الشافعي رواه كذلك عن عمر بإسناد صحيح.
وروى عبادة بن الصامت: أن النبي ﷺ قال: (دية اليهودي والنصراني أربعة الآف درهم)، لكن رواه الشافعي [١/ ٣٥٤] والبيهقي [٨/ ١٠٠] من قول ابن المسيب.
وروى عبد الرازق [١٨٤٧٤] عن ابن جريح عن عمرو بن شعيب: (أن النبي ﷺ فرض على كل مسلم قتل رجلًا من أهل الكتاب أربعة الآف درهم) فاعتبر الثلث في الدراهم، وقسنا عليه الإبل والذهب، لأن العلماء اختلفوا: فمنهم من أوجب جميع دية المسلم كأبي حنيفة، ومنهم من أوجب النصف كمالك وعمربن عبد العزيز.
وقال أحمد: في قتله عمدًا دية مسلم، وخطأ نصفها.
وأوجب جماعة الثلث، فكأنهم اتفقوا على أنه لا أقل منه، وانتفاء ما زاد معلوم ببراءة الذمة، والأطراف والجروح بالقياس على النفس.
والسامرة والصابئون إن ألحقوا بهم في الجزية والذبائح والمناكحة ..... فكذلك في الدية، وإلا ... فديتهم - إن كان لهم أمان - دية المجوس.
قال: (ومجوسي ثلثا عشر) دية (مسلم)؛ لأن عمر ﵁ جعلها ثماني.
стр. 4090
وَ َكذاَ وَثَنٌي لَهُ أمَانٌ،
ــ
مئة درهم، رواه الشافعي [١/ ٣٥٤] والبيهقي [٨/ ١٠١] بإسناد صحيح، وانتشر في الصحابة بلا نكير فكان إجماعا.
ولأن مثل هذه التقديرات لا تعقل إلا بتوقيف.
ولأن اليهود والنصارى كان لهم كتاب ودين حق بالإجماع، وتحل مناكحنهم وذبائحهم، ويقرن بالجزية، وليس للمجوس من هذه الخمسة إلا التقرير بالجزية، فكانت ديتهم خمسًا، وهي من الإبل ستة وثلثان، وفي التثليث: حقتان وجذعتان وخلفتان وثلثان، وفي التخميس: من كل سن واحدة وثلث.
وعند أبي حنيفة: ديته ودية الذمي كدية المسلم، ودية نساء الصنفين على النصف من دية رجالهم.
وفي وجه: أن دية المجوسية كدية الرجل مننهم.
قال: (وكذا وثني له أمان) لأنه كافر لا تحل مناكحته للمسلم، ومثله عابد الشمس والقمر.
وسكت الشيخان هنا عن المتولد بين مختلفي الدية كما لو كان أبويه كتابيًا والآخر مجوسياَ، وتعرضوا له بالنسبة إلى الغرة، وصححوا: أنه يعتبر بأكثرهما بدلًا؛ لأن شغل الذمة قد تحقق، وشككنا في براءتها بالأقل، وهو هنا كذلك.
وقد جزم به الرافعي في (باب الجزية)، وكذا الماوردي، ونقله عن نص
стр. 4091
وَالمَذهبُ: أنَّ مَنْ لَم يبَلُغَهُ الإسلامُ إن تَمَسَّكَ بِدِيِنً لم يبدلَ .... فديةُ دِيِنِهِ،
ــ
و (الوثني): عابد الوثن، وهو الصنم.
فإن قيل: يشكل الأثمة الأربعة ما في (سنن أبي داوود) [٢٩٨٣] في كتاب قسم الفئ) عن مجاعة بن مرارة السدوسي وكان رئيسًا من رؤساء بني حنيفة: أنه أتي النبي ﷺ : (لو كنت جاعلًا لمشرك دية ... جعلتها لأخيك، ولكن سأعطيك منه عقبي)؛ يعني: نصيبًا، فكتب له النبي ﷺ بمئة من الإبل من أول خمس يخرج من مشركي بني ذهل .... فالجواب: أنه ﷺ أعطاه ذلك تألفا له ولمن وراءه من قومه على الإسلام.
قال: (والمذهب: ئان من لم يبلغخ الإسلام إن تمسك بدين لم يبدل ... فدية دينه)؛ لأنه ثبت له بذلك نوع عصمة، فألحق بالمستأمن من أهل دينه.
وفي وجه: بجب دية مسلم؛ لأنه ولد على الفطرة ولم يظهر منه عناد، والنسخ لا يثبت قبل بلوغ الخبر.
قال الشافعي: ولم يبق من لم تبلغه الدعوة، ولكن لو تصور .... لم يجز قتله قبل الإعلام والدعاء إلى الإسلام، ولو قتل .... لزمت الكفارة بقتله مطلقًا؛ لمكان العذر، بناء على أن العقل وحده لا تقوم به الحجة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾.
فمن لم تبلغه دعوة نبي أصلًا .... لا يجب القصاص بقتله على الصحيح؛ لعدم التكافؤ، وأوجبه القفال؛ لأنهم لم يوجد منهم عناد ولا إنكار.
ولو لم يعلم: هل بلغته دعوة أو لا؟ ففي ضمانه وجهان؛ بناء على الوجيهن في أن
стр. 4092
وَإِلاَّ ..... فَكَمَجُوسِىِّ
ــ
أصل الناس على الإيمان حتى كفروا بتكذيب الرسل، أو على الكفر حتى آمنوا بهم.
فرع:
الزنديق إذا دخل إلينا بأمان .... هل يجب بقتله شيء؟ تردد فيه الجويني: ففي حال: ألحقه بالمرتد، وفي حال: ألحقه بالوثني، وصححه الرافعي والمصنف.
قال: (وإلا .... فكمجوسي) أي: إذا لم يتمسك بدين لم يبدل، بل بدين قد بدل ... تجب فيه آخس الديات، وهي دية المجوسي.
وفي وجه ثان: تجب دية أهل دينه.
وفي ثالث: لا يجب شيء؛ لأنه ليس على دين حق ولا عهد له ولا ذمة.
وقوله: (فالمذهب) صوابه: الأصح.
أما قتل الجميع قبل الإعلام ..... فمحرم موجب للكفارة قطعًا ولا قصاص.
فرع:
من أسلم في دار الحرب ولم يهاجر مع التمكن من الهجرة أو دونه إذا قتله مسلم ... تعلق به القود والدية بشرطه؛ لأن العصمة بالإسلام ثبتت له بنص السنة الصحيحة.
وقال أبو حنيفة: لا يتعلق به ذلك، والعصمة بالدار ولم توجد.
تتمة:
يراعى في ديات الكفار التغليظ والتخفيف، فعند التغليظ يجب في قتل اليهودي:
стр. 4093
فَصْلٌ:
فِي مُوضِحَةِ اَلَّرأسِ أَو اَلَوَجْهِ لِحُرَّ مُسْلِمِ خَمَسةُ أَبعِرة،
ــ
عشر حقاق، وعشر جذاع، وثلاث عشرة خلفة وثلث.
وقال المتولي: لا يجري التغليظ في حق الكفار بالحرم؛ لأنهم غير ممكنين من دخوله.
وعن الجويني وغيره: أن الواجب في دية المجوس الدراهم خاصة، ولا تغلظ بل التغليظ خاصة الإبل.
قال: (فصل) عقده للديات الواجبة فيما دون النفس، وهي ثلاثة أنواع:
شق، وقطع يبيين، وإزالة منفعة.
النوع الأول: الجراحات، وهى إما على الرأس أو على الوجه أو على سائر البدن.
قال: (في موضحة الرأس أو الوجه لحر مسلم خمسة أبعرة)؛ لما روى أبو داوود [٤٥٥٥] والنسائي [٨/ ٥٧] وابن حبان [٦٥٥٩] والحاكم [١/ ٣٩٥] عن عمرو بن حزم: أبو بكر وعمر، وأقتي به زيد بن ثابت، ولا موضحة لهم.
ونقل ابن المنذر الإجماع في ذلك في موضحة الرأس.
وسواء في الوجه الجبينان والخدان وقصبة الأنف واللحيان، فكلها محل الإيضاح؛ لأن فقهاء المدينة جعلوا ذلك سواء.
стр. 4094
وَهَاشِمَةِ مَعَ إِيضَاحِ عَشَرَةٌ،
ــ
واحترز بذكر: (الوجه والرأس) عن موضحة ما عداهما كالعضد والساق؛ فليس فيه إلا الحكومة كما سيأتي.
وأشار بقوله: (لحر مسلم) إلى أن ذلك في حق من تجب فيه الدية الكاملة، وهو الذكر الحر المسلم، وهذا القدر نصف عش ديته، فتراعي هذه النسبة في حق غيره من الأنوثة والكفر والرق.
فيجب في موضحة اليهودي نصف عشر ديته وهو بعير وثلثان، وفي المرأة بعيران ونصف.
فلو قال المصنف: في الموضحة نصف عشر دية صاحبها .... كان أشمل وأخصر.
فلو شمل الموضحة الجبهة والوجه ... ففي الاتحاد وتردد للإمام: الأظهر: الاتحاد؛ تنزيلًا لأجزاء الوجه منزلة أجزاء الرأس.
فلو كانت التي في الرأس موضحة والتي في الوجه متلاحمة .... وجب خمس من الإبل وحكومة على المشهور.
وسميت موضحة؛ لأنها تبدي وضح العظم، أي: بياضه، وقد تقدم ما فيه.
و (الواضحة): الأسنان التي تبدو عند الضحك.
قال طرفة (من السريع):
كلُّ خليلِ كنتُ خاللتُهُ ... لا تركَ الله لهُ واضحة
قال: (وهاشمة مع إيضاح عشرة)؛ لما روى البيهقي [٨/ ٨٢] عن زيد بن ثابت: أنه قدر فيها ذلك.
стр. 4095
وَدُونَهُ خَمْسَةٌ - وَقِيلَ: حُكُومَةٌ - وَمُنَقٌلةِ خَمُسَةَ عَشَرَ،
ــ
والظاهر: أنه لا يقول ذلك إلا توفيقا، وإن لم يكن توفيقا ... فهو قول صحابي لا مخالف له، فكان إجماعًا.
وقيل: إن زيدًا رواه عن النبي ﷺ .
وعن القديم: يجب فيها أرش موضحة وحكومة، وبه قال مالك.
فلو هشم هاشمتين عليهما موضحة واحدة أو أوضح موضحتين تحتهما هاشمة واحدة .... كان ذلك هاشمتين.
وفي الثانية وجه: أنها هاشمة واحدة، والقياس: أنها هاشمة وموضحة.
وفي (فروع ابن القطان): إذا جرحه في رأسه متة موضحة مع كل موضحة هشم ... الصحيح: أن عليه في كل واحدة عشرًا عشرًا.
وغلظ بعض أصحابنا فقال: عليه في كل موضحة خمس من الإبل، ولا يجب في الهشم إلا أرش واحد.
قال: (ودونه خمسة؛ لأن ذلك هو القدر الزائد على الموضحة.
قال: (وقيل: حكومة)؛ لأنه كسر عظم بغير إيضاح، فأشبه كسر سائر العظام.
قال: (ومتقلة خمسة عشر) روى النسائي [٨/ ٥٧] ذلك عن النبي ﷺ ، وادعى الماوردي فيه الإجماع.
стр. 4096
وَمَأمُوَمِة ثُلُثُ الَدٌيةِ،
ــ
وكان ينبغي للمصنف أن يقول: نصف العشر؛ فإن الخمسة عشر إنما تجب في النفس الكاملة، وفي المرأة نصفها، وفي الكتابي خمسة.
ثم إن ما أطلقه من هذا القدر في المنقلة محله: إذا نقل وأوضح كما صوره الرافعي، وصرح به المصنف في (فصل قصاص الطرف) حيث قال: (ولو أوضح ونقل .... أوضح وله عشرة أيعرة)، وعلى هذا: فهي مكروة في الكتاب.
أما إذا نقل من غير إيضاح .... فهل يجب عشر أو حكومة؟ وجهان حكاهما الرافعي.
ومقتضاه: أنه لا يجب فيها التكميل قطعًا، لكن جزم الماوردي بوجوب أرش المنقلة بكماله.
قال: بخلاف الهاشمة إذا لم يكن عليها إيضاح؛ لأن المنقلة لا بد من إيضاحها لنقل العظم الذي فيها، فلزم جميع ديتها، والهاشمة لا تفتقر غلى إيضاح، فلم يلزم إلا قدر ما جني فيها.
ويشهد له إطلاق الشافعي وجمهور الأصحاب: أن في المنقلة خمسة عشر، من غير تعرض لصفة إيضاح وغيره، وجرى عليه الرافعي في (المحرر) و (الشرح الصغير).
ويشهد له إطلاق الشافعي وجمهور الأصحاب: أن في المنقلة خمسة عشر، من غير تعرض لصفة إيضاح وغيره، وجرى عليه الرافعي في (المحرر) و (الشرح الصغير).
قال: (ومأمومة ثلث الدية)، كما في كتاب همرو بن حزم.
قال في (البحر): وهو إجماع، وقال ابن المنذر: لم يخالف فيه إلا مكحول، فأوجب ثلثيها إذا كان عمدا، ولأنها جراحة دخلت إلى الجوف فكان فيها الثلث كالجائفة.
وفي الدامغة ما في المأمومة علي الأصح المنصوص.
وقال الماوردي: الذي أراه تفضيلها بحكومة على المأمومة؛ لخرق غشاء الدماغ.
وقيل: يجب تمام الدية؛ لأنها تذفف، والأول يمنع ذلك.
стр. 4097
وَلَوَ أَوْضَحَ فَهَشَمَ أَخَرُ، وَنَقَلَ ثَالِثُ، وَأَمَّ رَابعٌ .... فَعَلَى كُلٌ مِنَ الثَلاثَةِ خَمسةُ، وَالَرَابعِ تمَامُ الثُلثِ
ــ
قال: (ولو أوضح فهشم آخر، ونقل ثالث، وأم رابع ... فععلى كل) واحد (من الثلاثة خمسة، والرابع تمام الثلث).
أما الأول ...... فبسبب الإيضاح.
وأما الثاني ..... فلأنه الزائد عليها من دية الهاشمة.
وأما الثالث .... فلأنه الزائد عليها من دية المنقلة.
والرابع: تمام الثلث، وهو ثمانية عشر بعيرًا وثلث بعير، وهو ما بين المنقلة والمأمومة.
وقيل: يجب على الجميع ثلث الدية أرباعًا.
فلو خرق خريطة الدماغ خامس .... ففي (التهذيب): أن عليه تمام الدية، كمن خز رقبة إنسان بعد ما قطعت أطرافه، وهذا على طريقة من قال: الدامغة مذففة.
وصورة المسألة: ألا يموت المجني عليه، فإن مات الجميع .... وجبت ديتة عليهم بالسوية؛ لأن القتل لا يفرق فيه بين الجرح الكبير والصغير، قاله الفاروقي في (فوائد).
وما أطلقه من أن الواجب الخمس محله: عند العفو، وإلا .... فالواجب القصاص، وقد صرح به في (المحرر)، حتى لو أراد القصاص في الموضحة وأخذ الأرش من الباقيين .... مكن، نص عليه في (الأم).
стр. 4098
وَالشِّجَاجَ قَبلَ الَمُوضِجَةِ إنْ عُرِفَتْ نِسْبُتَهَا مِنْهَا ...... وَجَبَ قِسطٌ مِنْ أَرِشِهَا، وَإلاَّ ..... فَحُكُومةٌ
ــ
قال: (والشجاج قبل الموضحة إن عرفت نسبتها منها .... وجب قسط من أرشها) أي: من أرش الموضحة، فإن كانت نصفا أو ربعا ... وجب بقسطه من أرش الموضحة، فإن شككنا في قدرها من الموضحة ..... أوجبنا له اليقين.
قال الأصحاب: وتعتبر مع ذلك الحكومة، فيجب أكثر الأمرين من الحكومة وما يقتضيه بالتقسيط؛ لأنه وجد سبب كل واحد منهما فيعتبر الأكثر.
وعن ابن سريج: أن لها أروشًا مقدرة بالاجتهاد كما قدرت الموضحة فما فوقها بالنص.
ففي الخارصة بعير، وفي الدامية والدامغة بعيران، وفي الباضعة والمتلاحمة ثلاثة أبعرة، وفي السمحاق أربعة.
قال: (وإلا) أي: وإن لم تعرف نسبتها من الموضحة) ...... فحكومة)؛ إذ ليس لها أرش مقدر، وهذا التفصيل ذهب إليه الأكثرون ومنهم من أطلق: أن الواجب فيها الحكومة؛ لأن التقدير يعتمد التوقيف ولا توقيف.
стр. 4099
كَجُرْح سَأَئِر البُدُن. وَفِيَّ جائفة دِيَة، وَهِيَ: جَرَّحَ يُنْفَذ إِلَى جَوْف كَبَطْن وَصَدَرَ وَثُغْرَة نُحْر وَجَبِين وَخاصِرَة
ــ
قال: (كجرح سائر البدن)، فإن فيه الحكومة فقط؛ لأنه لا تقدير للشرع فيها ولم ينته شينها إلى المنصوص عليه، وكذا الحكم في كسر عظامه وتنقيلها.
والفرق بين الإيضاح والنقل في الرأس بينهما في غيره: أنهما في الرأس أِشد خوفًا وشينهما أفحش.
قال: (وفي جائفة ثلث دية)؛ لما روى النسائي [٨/ ٥٧] عن عمرو بن حزم: (أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن بذلك)، وروى ذلك في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، رواه أحمد [٢/ ٢١٧] وأبو داوود [٤٥٥٣].
وقال ابن المنذر: أكثر العلماء علي القول به، وتفرد مكحول عن الناس فقال: إن كانت عندا ... ففيها الدية، وإن كانت خطأ ... فثلثها.
وليس في البدن جراحة مقرة غيرها، ولهذا عقبها المصنف بما سبق إشارة إلى الاستثناء.
قال: (وهي: جرح ينفذ إلى جوف كبطن وصدر وثغرة نحر وجبين وخاصرة)، ولا فرق بين أن يجيف بحديدة أو خشبة، ولا بيبن الصغير والكبير، ولا بين أن تندمل أو لا، ولا بين الواسعة والضيقة، حتي لو غرز إبرة فوصلت إلى الجوف ..... فهي جائفة علي الأصح.
وقيل: لا، إلا أن يقول أهل الخبرة: إنه يخاف منه الهلاك.
وأشار بقوله: (وجبين) إلى أن الجرح النافذ إلى جوف الدماغ من الجبين جائفة كالجرح النافذ إلى البطن، لكن يرد على تمثيل المصنف: الداخلة إلى باطن الفم والأنف، وإلى ممر البول من الذكر، ومن الجفن إلى بيضة العين؛ فليس ذلك بإيحاف على الأصح في الجميع.
وعبارة (المحرر): النافذة إلى الجوف الأعظم، وهو أحسن، بخلاف تعبير المصنف؛ فإنه يوهم اعتبار ما يسمى جوفًا.
وادعى ابن الرفعة في قول (التنبيه) إلى جوف البدن: أن البدن يخرج ذلك، فإن
стр. 4100
وَلا يَخْتَلِف أَرِش مُوَضِّحَة بِكُبْرها. وَلُو أُوضَح مُوَضِّحَتَيْنِ بَيَّنَها لَحَمَّ وَجِلْد، قِيلَ: أَو أَحَدّهُما .... فَمُوَضِّحَتَيْنِ،
ــ
لدغت الجائفة كبده أو طحاله .... لزمه مع ثلث الدية حكومة أيضًا، ولو لم تنفذ إلا بكسر الضلع ... دخلت حكومته في دية الجائفة.
و (ثُغُرة النخر) بضم الثاء، وهي: النقرة بين التوقوتين، والجمع: ثغر، كقربة وقرب.
قال: (ولا يختلف أرش موضحة بكبرها) كالأطراف، سواء تولد منها شين فاحش أو لم يتولد، فلا يجب في الجميع إلا خمس من الإبل، ولو كثرت الموضحات .... تعدد واجبها.
وفي وجه: إن كثرت وزادت أروضها على دية النفس .... لم تجب إلا دية النفس، كما سيأتي نظيره في الأسنان، والأصح: الأول، وتفارق الأسنان؛ فإنها معلومة مضبوطة كالأصابع، بخلاف المواضح؛ الأصح: فيجب أروشها بحسب وجودها.
قال: (ولو أوضح موضحتين بينهما لحم وجلد، قيل: أو أحدهما .... (فموضحتان).
أما في الأولى .... لأختلاف الصورة، وهو أحد أسباب التعدد، سواء رفع الحديدة عن موضحة ثم وضعها على موضع آخر فأوضحه، أو جرها على الرأس من الموضحة عليها في الموضع الآخر فأوضحه وبقي اللحم والجلد بينهما.
وفي الصورة الثانية وجه: أنها موضحة؛ لاتحاد الفعل.
следующие страницы →