Полный текст (5 377 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
فَرَأَيْتُ اخْتِصَارَهُ فِي نَحْوِ نِصْفِ حَجْمِهِ؛ لِيَسْهُلَ حِفْظُهُ
ــ
قال: (فرأيت اختصاره في نحو نصف حجمه؛ ليسهل حفظه)؛ لأن ما كبر حجمه أحجم الطلاب عن تحصيله، وما اختصر رغبوا في إجماله وتفصيله.
و (رأيت): من الرأي، وهو: الاعتقاد، يتعدى إلى مفعولين.
و (الاختصار): حذف الفضول من كل شيء.
ومنه قوله ﷺ : (أوتيت جوامع الكلم، واختصر لي الكلام اختصاراً).
و (جوامع الكلم)، قيل: القرآن؛ لأن الله تعالى جمع في ألفاظه اليسيرة معاني كثيرة، وكان ﷺ يتكلم بجوامع الكلم.
و (نحو الشيء): قربه، فإن قيل: في عبارة المصنف نظر؛ فإنه إلا ثلاثة أرباعه أقرب .. فالجواب: أنه أراد ذلك أولاً، فلم يتفق له مع ما يقصده من التسهيل والإيضاح، أو يريد: نحو نصف حجمه مما يختص بـ (المحرر) دون (الزوائد).
وقد قال شيخ الإسلام القشيري - في شرح قوله ﷺ : (من توضأ نحو وضوئي هذا) -: إن لفظة (نحو) لا تقتضي المساواة من كل وجه بخلاف لفظة مثل.
وقال في حديث: (إذا سمعتم المؤذن .. فقولوا مثل ما يقول): إن لفظة (مثل) لا تقتضي المساواة من كل وجه؛ فإنه لا يريد بذلك مماثلته في رفع الصوت وغيره.
و (النصف) مثلث النون، وفيه لغة رابعة: نصيف، بزيادة ياء وفتح أوله.
ومنه قوله ﷺ : (لو أنفق أحدكم ملء الأرض .. ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه).
стр. 37
مَعَ مَا أَضُمُّهُ إِلَيْهِ إَنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى مِنَ النَّفَائِسِ الْمُسْتَجَادَاتِ، مِنْهَا: التَّنْبِيهُ عَلَى قُيُودٍ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ هِيَ مِنَ الأَصْلِ مَحْذُوفَاتٌ، وَمِنْهَا: مَوَاضِعُ يَسِيرَةٌ ذَكَرَهَا فَي (الْمُحَرَّرِ) عَلَى خِلاَفِ الْمُخْتَارِ فِي الْمَذْهَبِ، كَمَا سَتَرَاهَا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى وَاضِحَاتٍ، وَمِنْهَا: إِبْدَالُ مَا كَانَ مِنْ أَلْفَاظِهِ غَرِيباً أَوْ مُوهِماً خِلاَفَ الصَّوَابِ بأَوْضَحَ وَأَخْصَرَ مِنْهُ بِعِبَارَاتٍ جَلِيَّاتٍ
ــ
و (الحفظ): نقيض النسيان.
قال: (مع ما أضمه إليه إن شاء الله تعالى من النفائس المستجادات:
منها: التنبيه على قيود في بعض المسائل هي من الأصل محذوفات.
ومنها: مواضع يسيرة ذكرها في (المحرر) على خلاف المختار في المذهب، كما ستراها إن شاء الله تعالى واضحات).
(مع): كلمة تدل على المصاحبة.
و (الضم): قبض الشيء إلى الشيء.
و (المستجادات): ما طلب جودتها.
و (الحذف) بالذال المعجمة: الإسقاط.
قال: (ومنها: إبدال ما كان من ألفاظه غريباً أو موهماً خلاف الصواب بأوضح وأخصر منه بعبارات جليات).
الفرق بين (التبديل) و (الإبدال): أن التبديل عبارة عن تغيير الشيء مع بقاء عينه، والإبدال: رفع الشيء ووضع غيره مكانه.
قال الجوهري: والأبدال قوم صالحون، لا تخلوا الدنيا منهم، إذا مات واحد أبدل الله مكانه آخر. الواحد: بذل وبدل. وقال ابن دريد: بديل.
وقال علي ﵁: (الأبدال بالشام، والنجباء بمصر، والعصائب
стр. 38
وَمِنْهَا: بَيَانُ الْقَوْلَيْنِ وَالْوَجْهَيْنِ وَالطَّرِيقَيْنِ وَالنَّصَّ، وَمَرَاتِبِ الْخِلاَفِ فِي جَمِيعِ الْحَالاَتِ.
ــ
بالعراق). أراد بالعصائب: جماعة يجتمعون للحرب والفتن. وقيل: أراد جماعة من الزهاد؛ لأنه قرنهم بالأبدال والنجباء.
وكان حماد بن زيد من الأبدال. وعلامتهم: أن لا يولد لهم ولد، قيل: تزوج حماد سبعين امرأة فلم يولد له.
وقال القزويني: مأوى الأبدال جبل لبنان؛ لما فيه من القوات الحلال؛ فإن فاكهته وزروعه لم يرزعها أحد من الناس.
وكان الصواب أن يقول: إبدال الأوضح والأخصر بما كان من ألفاظه غريباً أو موهماً خلاف الصواب؛ فإن الباء مع الإبدال تدخل على المتروك، قال تعالى: ﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بَالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾. ﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾. ﴿وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾.
وسيأتي هذا في (صفة الصلاة).
و (اللفظ الغريب): الغامض من الكلام.
قال الشافعي ﵁: من تعلم القرآن .. عظمت قيمته، ومن تعلم الفقه .. نبل قدره، ومن كتب الحديث .. قويت حجته، ومن تعلم الحساب .. جزل رأيه، ومن تعلم العربية .. رق طبعه، ومن لم يصن نفسه .. لم ينفعه علمه.
و (وضح) الأمر وضوحاً واتضح؛ أي: بان. وأوضحته؛ أي: أبنته.
و (الجلي): نقيض الخفي.
و (العبارات الجليات): التي لا خفاء فيها.
قال: (ومنها: بيان القولين والوجهين والطريقين والنص، ومراتب الخلاف في جميع الحالات). هذا اصطلاح حسن ابتكره لم يسبق إليه؛ لكنه ﵀ لم يف به في كثير من المواضع.
стр. 39
فَحَيْثُ أَقُولُ: فِي اَلأَظْهَرِ أَوِ الْمَشْهُورِ .. فَمِنَ الْقَوْلَيْنِ أَوِ الأَقْوَالِ، فَإِنْ قَوِيَ الْخِلاَفُ .. قُلْتُ: الأَظْهَرُ، وَإِلاَّ .. فَالْمَشْهُورُ
ــ
فأما (الأقوال): فللشافعي ﵀.
و (الأوجه): لأصحابه يخرجونها على أصوله المنصوصة.
و (الطرق) جمع طريقة، وهي: مذهب الرجل، تقول: ما زال فلان على طريقة واحدة، أي: على حالة واحدة.
والمراد بها هنا: اختلافهم في حكاية المذهب، وقد تسمى الطرق وجوهاً.
و (النص): الرفع، يقال: نصصت الحديث إلى فلان، أي: رفعته إليه.
و (الخلاف): ضد الموافقة، روى الأصوليون والفقهاء: أن النبي ﷺ قال: (اختلاف أمتي رحمة)، ولا يعرف من خرجه بعد البحث الشديد، وإنما نقله ابن الأثير في مقدمة (جامعه) من قول مالك.
وفي (المدخل) للبيهقي عن القاسم بن محمد أنه قال: اختلاف أمة محمد ﷺ رحمة.
واختلفوا في معناه على قولين:
أحدهما: أنه الاختلاف في الأحكام.
والثاني: في الحرف والصنائع، قاله الحليمي.
و (مراتب الخلاف): منازله في القوة والضعف، كما بينه المصنف.
قال: (فحيث أقول: في الأظهر أو المشهور .. فمن القولين أو الأقوال، فإن قوي الخلاف .. قلت: الأظهر، وإلا .. فالمشهور.
стр. 40
وَحَيْثُ أَقُولُ: الأَصَحُّ أَوِ الصَّحِيحُ .. فَمِنَ الْوَجْهَيْنِ أَوِ الأَوْجُهِ، فَإِنْ قَوِيَ الْخِلاَفُ .. قُلْتُ: الأَصُحُّ، وَإِلاَّ .. فَالصَّحِيحُ، وَحَيْثُ أَقُولُ: الْمَذْهَبُ .. فَمِنَ الطَّرِيقَيْنِ أَوِ الطُّرُقِ، وَحَيْثُ أَقُولُ: النَّصُّ .. فَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيَّ ﵀،
ــ
وحيث أقول: الأصح أو الصحيح .. فمن الوجهين أو الأوجه، فإن قوي الخلاف .. قلت: الأصح، وإلا .. فالصحيح).
و (حيث): كلمة تدل على المكان؛ لأنه ظرف في الأمكنة اتفاقاً بمنزلة (حتى) في الأزمنة.
و (القولان والأقوال): للشافعي ﵁، وقد ينص على ذلك في وقتين وهو الأغلب، أو وقت وهو قليل محصور.
وفائدة ذلك: تعريف السامع أن المسألة عنده فيها مأخذان لا ثالث لهما، أو ثلاثة لا رابع لها، وهو متردد في أيها أرجح، وقوة الخلاف وضعفه تعرف بالدليل، وعمل الأكثر، والتعليل.
وإنما عبر بـ (الأصح والصحيح) للأوجه؛ تأدباً مع الشافعي ﵁؛ فإن قسيمهما الفاسد والباطل.
وأما (الأظهر والمشهور): فيقابلهما الخفاء والغرابة.
قال: (وحيث أقول: المذهب .. فمن الطريقين أو الطرق)، فيعرف بذلك أن المفتى به ما عبر عنه بالمذهب.
وأما كون الراجح طريقة القطع أو الخلاف، وكون الخلاف قولين أو وجهين .. فلا يؤخذ منه؛ لأنه لا اصطلاح له فيه.
قال: (وحيث أقول: النص .. فهو نص الشافعي ﵀.
المراد بـ (النص): المنصوص، سمي بذلك؛ لتنصيص إمامه عليه.
و (الشافعي) ﵀: هو حبر الأمة، وسلطان الأئمة أبو عبد الله محمد بن
стр. 41
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف جد النبي ﷺ .
نسب كأن عليه من شمس الضحى .... نوراً من فلق الصباح عمودا
ما فيه إلا سيد من سيد .... حاز المكارم والتقى والجودا
والنسبة إليه شافعي، ولا يقال: شفعوي؛ فإنه لحن فاحش، وإن كان وقع في (الوسيط) وغيره.
ولد ﵁ على الأصح بغزة التي توفي فيها هاشم جد النبي ﷺ ، وقيل: بعسقلان، وقيل: باليمن، وقيل: بمنى، سنة خمسين ومئة.
ثم حمل إلى مكة هو ابن سنتين، ونشأ بها، وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، و (الموطأ) وهو ابن عشر.
وشافع بن السائب الذي ينسب إليه لقي النبي ﷺ وهو مترعرع، وأسلم أبوه يوم بدر، فأسر وفدى نفسه ثم أسلم.
تفقه بمكة على مسلم بن خالد الزنجي، وكان شديد الشقرة.
стр. 42
وَيَكُونُ هُنَاكَ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَوْ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ
ــ
وأذن له مالك في الإفتاء وهو ابن خمس عشرة سنة.
ورحل في طلب العلم إلى اليمن والعراق، إلى أن أتى مصر فأقام بها إلى أن توفاه الله تعالى شهيداً يوم الجمعة، سلخ شهر رجب، سنة أربع ومئتين.
وانتشر علمه في جميع الآفاق، وتقدم على الأئمة في الخلاف والوفاق، وعليه حمل الحديث المشهور: (عالم قريش يملأ الأرض علماً)، فلذلك كان لمحله المقام الأسمى ﵁ وأرضاه، وأكرم نزله ومثواه.
وكان ﵁ مجاب الدعوة لا يعرف له كبوة ولا صبوة، قال في أواخر (الإحياء): قال الشافعي ﵀: دهمني في هذه الأيام أمر أمرضني وآلمني، ولم يطلع عليه غير الله تعالى، فلما كان البارحة .. أتاني آت في منامي فقال: يا ابن إدريس قل: اللهم؛ إني لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، ولا أستطيع أن آخذ إلا ما أعطيتني، ولا أتقي إلا ما وقيتني، اللهم؛ فوفقني لما تحب وترضى من القول والعمل في عافية.
قال: فلما أصبحت .. أعدت ذلك، فلم ينصرف النهار حتى أعطاني الله طلبتي، وسهل لي الخلاص مما كنت فيه.
قال: فعليكم بهذه الدعوات لا تغفلوا عنها.
قال: (ويكون هناك وجه ضعيف أو قول مخرج).
مراده بـ (الضعيف) هنا: خلاف الراجح، لا الضعيف المصطلح عليه قبل هذا.
وحقيقة القول المخرج: أن يرد نصان مختلفان، في صورتين متشابهتين، ولم يظهر بينهما ما يصلح فارقاً، فيخرج الأصحاب من كل صورة قولاً إلى الأخرى فيقولون: فيهما قولان، بالنقل والتخريج.
стр. 43
وَحَيْثُ أَقُولُ: الْجَدِيدُ .. فَالْقَدِيمُ خِلاَفُهُ، أَوِ الْقَدِيمُ أَوْ فِي قَوْلٍ قَدِيمٍ .. فَالْجَدِيدُ خِلاَفُهُ، وَحَيْثُ أَقُولُ: وَقِيلَ كَذَا .. فَهُوَ وَجْهٌ ضَعِيفٌ، وَالصَّحِيحُ أَوِ الأَصَحُّ خِلاَفُهُ، وَحَيْثُ أَقُولُ: وَفِي قَوْلٍ كَذَا .. فَالرَّاجَحُ خِلاَفُهُ
ــ
قال: (وحيث أقول: الجديد .. فالقديم خلافه، أو القديم أو في قول قديم .. فالجديد خلافه).
(الجديد): ما نصه الشافعي ﵁ بمصر، ورواته: المزني، والربيع المرادي صاحب (الأم)، والربيع الجيزي، والبويطي، وحرملة، ومحمد بن عبد الحكم، وعبد الله بن الزبير المكي.
وذكر الإمام في (كتاب الخلع): أن (الأم) من الكتب القديمة، وصرح بذلك الخوارزمي في (الكافي). وأما (الإملاء) .. فجديد بالاتفاق.
و (القديم): ما نصه بالعراق، وهو كتاب (الحجة)، ورواته: الزعفراني، والكرابيسي، وأبو ثور، وأحمد ابن حنبل.
وكل مسألة فيها قديم وجديد .. فالعمل على الجديد، ولا يحل عد القديم حينئذ من مذهبه؛ لرجوعه عنه.
فإذا لم ينص في الجديد على خلاف ما في القديم .. فهو مذهبه.
وإن كان في الجديد قولان .. فالعمل بآخرهما، فإن لم يعلم .. فبما رجحه أصحاب الشافعي، فإن قالهما في قوت ثم عمل بأحدهما .. كان إبطالاً للآخر عند المزني، وقال غيره: لا يكون إبطالاً بل ترجيحاً. واتفق ذلك للشافعي في نحو ست عشرة مسألة.
وإن لم يعلم هل قالهما معاً أو مرتباً .. لزم البحث عن أرجحهما بشرط الأهلية، فإن أشكل .. توقف فيه.
قال: (وحيث أقول: وقيل كذا .. فهو وجه ضعيف، والصحيح أو الأصح خلافه)؛ لأن الصيغة تقتضي ذلك.
قال: (وحيث أقول: وفي قول كذا .. فالراجح خلافه)؛ لأن اللفظ يشعر به.
стр. 44
وَمِنْهَا: مَسَائِلُ نَفِيسَةٌ أَضُمُّهَا إِلَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ لاَ يُخْلَى الْكِتَابُ مِنْهَا، وَأَقُولُ فِي أَوَّلِهَا: قُلْتُ، وَفِي آخِرِهَا: وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمَا وَجَدْتَهُ مِنْ زِيَادَةِ لَفْظَةٍ وَنَحْوِهَا عَلَى مَا فِي (الْمُحَرَّر) .. فَاعْتَمِدْهَا؛ فَلاَ بُدَّ مَنْهَا، وَكَذَا مَا وَجَدْتَهُ مِنَ الأَذْكَارِ مُخَالِفاً لِمَا فِي (الْمُحَرَّرِ) وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ .. فَاعْتَمِدْهُ؛ فَإِنَّي حَقَّقْتُهُ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمُعْتَمَدَةِ. وَقَدْ أُقَدَّمُ بَعْضَ مَسَائِلِ الْفَصْلِ؛ لِمُنَاسَبَةٍ أَوِ اخْتِصَارٍ، وَرُبَّمَا قَدَّمْتُ فَصْلاً؛ لِلْمُنَاسَبَةِ
ــ
قال: (ومنها: مسائل نفيسة أضمها إليه ينبغي أن لا يخلى الكتاب منها، وأقول في أولها: قلت، وفي آخرها: والله أعلم). هذا بيان لمصطلحه في الزيادة التي وقع عليها اختياره، وقد وفق في اختصار هذا الكتاب فتم فخاره، ومن أمعن النظر فيه .. علم أن الجواد عينه فراره.
ومعنى (الله أعلم) أي: من كل عالم.
قال: (وما وجدته من زيادة لفظة ونحوها على ما في (المحرر) .. فاعتمدها؛ فلا بد منها، وكذا ما وجدته من الأذكار مخالفاً لما في (المحرر) وغيره من كتب الفقه .. فاعتمده؛ فإني حققته من كتب الحديث المعتمدة)؛ لأن مرجع ذلك إلى علماء الحديث وكتبه المعتمدة.
قال: (وقد أقدم بعض مسائل الفصل؛ لمناسبة أو اختصار)؛ مراعاة لتسهيل حفظه وترتيبه وتيسير فهمه وتقريبه.
و (المناسبة): المشاكلة.
قال: (وربما قدمت فصلاً؛ للمناسبة)؛ فإن التصنيف قد يقتضي ذلك، كما فعل في (باب الإحصار والفوات).
و (الفصل) في اللغة: الحاجز بين شيئين، ومنه فصل الربيع؛ لأنه يحجز بين الشتاء والصيف، وهو في الكتب كذلك؛ لأنه يفصل بين أجناس المسائل وأنواعها.
стр. 45
وَأَرْجُو إِنْ تَمَّ هَذَا الْمُخْتَصَرُ أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى الشَّرْحِ لِـ (الْمُحَرَّرِ)؛
ــ
و (رب): حرف جر، خلافاً للكوفيين في دعوى اسميته، وهو للتقليل عند الأكثرين، ويرد للتكثير قليلاً، ويدخل عليه (ما) ليمكن أن يتكلم بالفعل بعده، كقوله تعالى: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. وفيها ست عشرة لغة مشهورة.
قال: (وأرجو إن تم هذا المختصر أن يكون في معنى الشرح لـ (المحرر))؛ لأن بينه وهذبه، وحققه وقربه، وزاد عليه ما يحتاج إليه، واحترز عما يعترض به عليه.
و (الرجاء): ضد اليأس، ممدود، وقد جاء بمعنى الخوف قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقَارًا﴾، أي: لا تخافون عظمة الله.
و (الشرح): الكشف والتبيين، سئل النبي ﷺ عن شرح الصدر للإسلام، فقال: (هو نور يقذفه الله في القلب، إذا دخله .. انشرح وانفسح)، قالوا: وما علامة ذلك؟ قال: (الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقائه).
وشرح صدر النبي ﷺ عبارة عن تنويره بالحكمة، وتوسيعه لتلقي ما يوحى إليه.
قال الأستاذ أبو علي الدقاق: كان موسى ﵇ مريداً فقال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾، وكان نبينا ﷺ مراداً فقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾؟ وكذلك قال موسى ﵊: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إلَيْكَ﴾، فقال الله تعالى: ﴿لَن تَرَانِي﴾، وقال لنبينا ﷺ : ﴿أَلَمْ تَرَ إلَى رَبِّكَ﴾؟ وقوله تعالى: ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾؟ ستر للقصة، فالمريد مستحمل، والمراد محمول.
стр. 46
فَإِنَّي لاَ أَحْذِفُ مِنْهُ شَيْئاً مِنَ الأَحْكَامِ أَصْلاً، وَلاَ مِنَ الْخِلاَفِ وَلَوْ كَانَ وَاهيِاً، مَعَ مَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ مِنَ النَّفَائِسِ. وَقَدْ شَرَعْتُ فِي جَمْعِ جُزْءٍ لَطِيفٍ عَلَى صُورَةِ الشَّرْحِ لِدَقَائِقِ هَذَا الْمُخْتَصَرِ، وَمَقْصُودِي بِهِ: التَّنْبِيهُ عَلَى الْحِكْمَةِ فِي الْعُدُولِ عَنْ عِبَارَةِ (الْمُحَرَّرِ)، وَفِي إِلْحَاقِ قَيْدٍ أَوْ حَرْفٍ أَوْ شَرْطٍ لِلْمَسْالَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأَكْثَرُ ذَلِكَ مِنَ الضَّرُوِريَّاتِ الَّتِي لاَ بُدَّ مِنْهَا.
ــ
قال: (فإني لا أحذف منه شيئاً من الأحكام أصلاً، ولا من الخلاف ولو كان واهياً، مع ما أشرت إليه من النفائس).
(الأحكام): جمع حكم.
و (الواهي): الساقط الاعتبار.
و (مع) مع: فيها قليل، وقد شرح المصنف هذه الكلمات في (الدقائق).
قال: (وقد شرعت في جمع جزء لطيف على صورة الشرح لدقائق هذا المختصر) أي: غوامضه التي تحتاج إلى البيان.
ولم يتعرض المصنف هنا لتسمية كتابه، لكنه ترجمه بـ (المنهاج)، وهو الطريق الواضح.
قال: (ومقصودي به: التنبيه على الحكمة في العدول عن عبارة (المحرر)، وفي إلحاق قيد أو حرف أو شرط للمسألة ونحو ذلك، وأكثر ذلك من الضروريات التي لا بد منها).
أراد بـ (الحرف): الكلمة، من باب إطلاق اسم الجزء على الكل، والجمع أحرف وحروف.
стр. 47
وَعَلَى اللهِ الْكَرِيمِ اعْتِمَادِي، وَإِلَيْهِ تَفْوِيضِي وَاسْتِنَادِي، وَأَسْأَلُهُ النَّفْعَ بِهِ لِي وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَرِضْوَانَهُ عَنَّي وَعَنْ أَحِبَّائِي وَجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ.
ــ
قال: (وعلى الله الكريم اعتمادي، وإليه تفويضي واستنادي).
من أسمائه تعالى (الكريم)، وهو: الجامع لأنواع الخير والشرف.
و (الكريم): المعطي الذي لا ينفد عطاؤه، وفي الحديث: (إن الله كريم يحب مكارم الأخلاق).
و (تفويض) الأمر إلى الله تعالى: رده إليه.
قال: (وأسأله النفع به لي ولسائر المسلمين، ورضوانه عني وعن أحبائي وجميع المؤمنين).
(النفع): ضد الضر، وثمرة ذلك العمل بالعلم، قال ﷺ : (من عمل بما علم .. علمه الله علم ما لم يعلم).
والمصنف ﵀ غاير بين الإسلام والإيمان، فكل إيمان إسلام ولا ينعكس، وكل مؤمن مسلم ولا ينعكس.
وقيل: الإيمان والإسلام – في حكم الشرع – واحد، وفي المعنى والاشتقاق مختلفان، وربما أطلق الإيمان على المراقبة.
روى ابن ماجه عن عبادة الصامت أن النبي ﷺ قال: (أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيث كنت).
و (الرضا والرضوان): ضد السخط، يقال: رضي عنه وعليه.
قال قحيف العقيلي [من الوافر]:
إذا رضيت علي بنو قشير .... لعمر الله أعجبني رضاها
و (الأحباء): جمع حبيب، والمحبة في الله تعالى من تمام الإيمان.
стр. 48
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
روى مسلم [٢٥٦٦] عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (يقول الله تعالى يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي).
وروى أبو داوود عن عبادة بن الصامت: أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: حقت محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي للمتواصلين في، وحقت محبتي للمتصافين في، وحقت محبتي للمتباذلين في).
و (سائر): معناه باقي.
وقال الجوهري: سائر الناس جميعهم، وأنكره ابن الصلاح وقال: إنه تفرد به فلا يقبل منه، وليس كذلك فقد وافقه عليه الجواليقي وابن بري، وكذلك استعملها المصنف في أول (باب محرمات الإحرام) تبعاً للغزالي وغيره.
وسؤال المصنف أن ينفع الله بكتابه مما يرغب فيه؛ لأنه كان مجاب الدعوات الصاعدات من نفحات فيه، وقد حقق الله له ذلك، فنع به وجعله عمدة في الإفتاء لعلماء مذهبه، فعقدوا على تصحيحه الخناصر، واكتفوا بنفعه المتعدي والقاصر.
* * *
خاتمة
مصنف هذا الكتاب الحبر الإمام، العلامة شيخ الإسلام، قطب دائرة العلماء الأعلام، الشيخ محيي الدين يحيى بن شرف النووي الحزامي – بحاء مهملة مكسورة، بعدها زاي – محرر المذهب، المتفق على إمامته وديانته، وسؤدده وسيادته، وورعه وزهادته.
كان ذا كرامات ظاهرة، وآيات باهرة، وسطوات قاهرة، فلذلك أحيا الله ذكره بعد مماته، واعترف أهل العلم بعظيم بركاته، ونفع الله بتصانيفه في حياته وبعد وفاته، فلا يكاد يستغني عنها أحد من أصحاب المذاهب المختلفة، ولا تزال القلوب على محبة ما ألفه مؤتلفة.
стр. 49
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولد في العشر الأول من المحرم سنة إحدى وثلاثين وست مئة بنوى ونشأ بها.
ثم انتقل إلى دمشق فدأب في الطلب، حتى فاق أهل زمانه، ودعا إلى الله في سره وإعلانه.
وكان يديم الصيام، ولا تزال مقلته ساهرة، ولا تأكل من فواكه دمشق؛ لما في ضمانها من الشبهة الظاهرة، ولا يدخل الحمام تنعماً، وانخرط في سلك: ﴿إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾.
وكان يقتات مما يأتيه من قبل أبويه كفافاً، ويؤثر على نفسه الذين لا يسألون الناس إلحافاً، فلذلك لم يتزوج إلى أن خرج من الدنيا معافى.
وحج حجتين مبرورتين، لا رياء فيهما ولا سمعة، وطهر الله من الفواحش قلبه، ولسانه وسمعه، حتى توفي ليلة الأربعاء رابع عشري شهر رجب، سنة ست وسبعين وست مئة، ودفن ببلده ﵁، وأحله رضى رضوانه، ومتعه بالداني من حنى جنانه.
* * *
стр. 50
كتاب الطهارة
стр. 51
كتاب الطهارة
ــ
كتاب الطهارة
بدأ الشافعي ﵀ وغيره بهذا الكتاب من العبادات؛ اهتماماً بالأمور الدينية، وتقديماً لها على المصالح الدنيوية، ولما في (الصحيحين) [خ ٨ - م ١٦] عن عبد الله ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج).
فرتبوها على هذا الترتيب المتين، وقدموا الطهارة؛ لأنها مفتاح الصلاة التي هي عماد الدين.
وهي بالماء أصل، وبالتراب فرع، فقدست أحكام المياه.
ولم يذكروا حكم الشهادتين؛ لأنها مفردة في علم سواه.
واستدل له في (الإحياء) بقوله ﷺ : (بني الدين على النظافة)، وهو بهذا اللفظ لم يوجد، لكن رواه ابن حبان في (الضعفاء) [٣/ ٥٧]، والطبراني في (الأوسط) [٤٨٩٠] بمعناه بإسناد ضعيف.
والمراد: كتاب أحكام الطهارة.
و (الكتاب) قال الفقهاء: إنه مأخوذ من الكتب، وهو: الضم، يقال: تكتب بنو فلان إذا تجمعوا، ومنه قيل للخط بالقلم: كتابة؛ لاجتماع الحروف والكلمات.
وسميت الأوراق الجامعة للأحكام ونحوها بذلك؛ لأنها تجمع المسائل والأبواب كما في غالب كتب العراقيين، وتارة يعبر عنها بالفصول كما في غالب كتب الخراسانيين.
وهو اسم مفرد، وجمعه كتب بضم التاء وإسكانها.
وقال الشيخ أبو حيان وغيره: لا يصح أن يكون الكتاب مأخوذاً من الكتب؛ لأن المصدر لا يشتق من المصدر.
стр. 52
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾
ــ
و (الطهارة) بالفتح: طهارة جسم، وطهارة نفس.
فمن الأول تعالى: ﴿وإن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.
ومن الثاني: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾، و ﴿أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾.
وفي في اللغة: مطلق النظافة والنزاهة عن الأقذار، وفي الشرع: رفع الحدث، وإزالة النجس، وما في معناهما: كالتثليث، والمضمضة، والاستنشاق، والأغسال المسنونة، والوضوء المجدد، وطهارة دائم الحدث، والدبغ، وانقلاب الخمر خلاً، فهذه طهارات شرعية لا ترفع حدثاً ولا تزيل نجساً، لكنها من مجاز التشبيه؛ لأن الوضوء المجدد شبيه بالوضوء الرافع للحدث في صورته، وكذلك الأغسال المسنونة شبيهة بالغسل الرافع للحدث، والغسلة الثانية والثالثة تشبهان الأولى، وكذلك التيمم أطلق عليه طهارة؛ لمشابهته الوضوء في إباحته الصلاة.
واستشكل الشيخ التعبير بالرفع، وقال: هذا حد للتطهير لا الطهارة، والطهارة أثره.
قال: والصواب: التعبير بالارتفاع والزوال؛ فإن الطهارة مصدر تطهر، والرفع والإزالة فعل الشخص، والزوال يشمل انقلاب الخمر خلاً؛ لأنه لا فعل فيه.
قال: (قال الله تعالى: ﴿وأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾). بدأ بالآية تبركاً واقتداء بالشافعي ﵁، فإن من عادته إذا كان في الباب آية .. ذكرها، أو سنة .. روها، أو أثر .. حكاه، ثم رتب عليه مسائل الباب، وكذلك فعل في (المحرر).
و ﴿مَاءً﴾ في الآية: عامة لوقوعها في سياق الامتنان؛ إذ يستحل أن يمتن علينا بغير طاهر، فوجب حمل قوله: ﴿طَهُورًا﴾ على معنى زائد، وهو: التطهير.
ويؤيده أن قوماً قالوا: يا رسول الله؛ إنا نركب البحر، ونحمل القليل من الماء،
стр. 53
يُشْتَرَطُ لِرَفْعِ الْحَدَثِ وَالنَّجّسِ مَاءٌ مُطْلَقٌ،
ــ
إن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال: (هو الطهارة ماؤه، الحل ميتته)، قال الترمذي [٦٩]: حسن صحيح. وسئل البخاري عنه، فقال: صحيح.
وابتدأ في (المهذب) بقوله تعالى: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾، وهذا أصرح في الدلالة.
قال: (يشترط لرفع الحدث والنجس ماء مطلق).
أما في (الحدث) .. قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. فأوجب التيمم على من فقد الماء، فدل على أنه لا يجوز الوضوء بغيره. ونقل ابن المنذر والغزالي فيه الإجماع.
وأما في (النجس) .. فلما روى أبو داوود [٣٦٧]، والترمذي [١٣٨بنحوه]، وابن خزيمة [٢٧٧]، وغيرهم أن أم قيس بنت محصن الأسدية سألت النبي ﷺ عن دم الحيض يكون في الثوب، فقال: ((حكيه بضلع، واغسليه بماء وسدر). و (الضلع): العود.
وقال ﷺ حين بال ذو الخويصرة التميمي في المسجد: (صبوا عليه ذنوباً من ماء).
و (الذنوب) بفتح الذال المعجمة: الدلو.
والمأمور لا يخرج عن الأمر إلا بالامتثال، فنص على الماء، وذلك إما تعبد لا يعقل معناه كما قاله الإمام، أو يعقل كما اختاه الغزالي، وهو: ما فيه من الرقة واللطافة التي لا توجد في غيره.
стр. 54
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و (الشرط) في اللغة: العلامة، وفي الاصطلاح: ما لا بد منه.
و (الحدث) في اللغة: وجود الشيء بعد أن لم يكن. وسمى سيبويه المصدر حدثاً؛ لحدوثه وكسره على أحداث. وفي الشرع: دنس يقوم بالأعضاء. وهو: ينقسم إلى أكبر وأصغر، وإذا أطلق .. فالمراد الأصغر غالباً.
و (النجس) بفتح النون والجيم في اللغة: الشيء المبعد، قال الله تعالى: ﴿إنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ أي: مبعدون. وفي الشرع: العين المتصفة بالنجاسة.
ولو عبر بإزالة النجاسة .. كان أولى؛ لأن النجس لا يوصف بالرفع في الاصطلاح.
وشملت عبارته الأرض التي أصابتها نجاسة وذهب أثرها بالشمس والريح، وكذلك أسفل الخف إذا أصابته نجاسة فدلكها بالأرض.
وفي القديم: يطهران بذلك.
وخرج بقوله: (ماء) التيمم؛ فإنه مبيح لا رفع، وآلة الدبغ؛ فإنها محيلة لا مزيلة.
ولكن يرد على مفهومه: ما تقدم من طهارة دائم الحدث كالمستحاضة، والمضمضة، والاستنشاق، والتثليث، والوضوء المجدد، والأغسال المسنونة، وغسل الميت، والذمية والمجنونة للحل الزوج بها؛ فإنها طهارات لا ترفع الحدث.
ويشترط لها الماء المطلق، فلو قال: يشترط لرفع الحدث ونحوه .. لخف الإيراد.
وقال في (الدقائق): إن لفظة (الاشتراط) أولى من قول (المحرر): لا يجوز؛ لأنه لا يلزم من التحريم الاشتراط، وهو قد أجاب عن هذا في (شرح المهذب) و (نكت التنبيه) بأنهم يستعملون لفظ الجواز بمعنى الحل، وبمعنى الصحة.
стр. 55
وَهُوَ: مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ بِلاَ قَيْدٍ.
ــ
و (الماء): معروف، وحكى بعضهم: اسقني ما بالقصر، وهمزته منقلبة عن هاء؛ بدلالة ضروب تصاريفه. والنسب إليه: مائي وماوي وماهي، والجمع: أمواه ومياه.
ومن عجيب لطف الله تعالى: أن كل مأكول ومشروب يحتاج إلى تحصيل، أو معالجة حتى يصلح للأكل، إلا الماء فإن الله تعالى أكثر منه، ولم يحوج إلى معالجته؛ لعموم الحاجة إليه.
قال: (وهو: ما يقع عليه اسم ماء بلا قيد). شملت عبارته النازل من السماء، وهو ثلاثة: المطر وذوب الثلج والبرد. والنابع من الأرض، وهو أربعة: ماء العيون والآبار والأنهار والبحر. والماء النابع من بين أصابع النبي ﷺ وهو أشرف المياه.
فأما النازل من السماء .. فيدل له الآيتان المتقدمتان مع ما في (الصحيحين) [خ ٧٤٤ – م ٥٩٨] من قوله ﷺ : (اللهم؛ اغسلني بماء الثلج والبرد).
ويدل للنابع من الأرض حديث البحر المتقدم، وأنه ﵊ توضأ من بئر بضاعة، فقيل له: أنتوضأ منها ويلقى فيها المحائض ولحوم الكلاب والخبث؟ فقال: (الماء لا ينجسه شيء) رواه الشافعي [شم ١/ ١٦٥] وأحمد [٣/ ٣١] وصححه وحسنه الترمذي [٦٦]. وفي (الرافعي): كان ماؤها كنقاعة الحناء.
ولأشرف المياه ما روى النسائي [١/ ٦١] وابن خزيمة [١/ ١٠٢] والبيهقي [١/ ٣٠ و ٤٣] عن أنس: أن النبي ﷺ وضع يده في إناء وقال: (توضؤوا باسم الله)، فكان الماء يخرج من بين أصابعه حتى توضؤوا عن آخرهم، وكانوا نحواً من سبعين. وأكثر أهل العلم على أن الماء كان ينبع من نفس أصابعه. قال ابن العربي في (القبس): ونبع الماء من بين أصابعه ﷺ خصيصة له لم تكن لأحد قبله.
стр. 56
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثم إن المصنف عدل عن قول (المحرر): بلا إضافة إلى قوله: (بلا قيد)؛ ليشمل التقييد بالإضافة كماء الورد، وبالصفة كقوله تعالى: ﴿مِن مَّاءٍ دَافِقٍ﴾، ﴿مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ﴾، وبلام العهد كقوله ﷺ : (إذا رأت الماء)، و (إنما الماء من الماء)، يعني: المني، فخرج ما لا يطلق إلا مقيداً.
واختلفوا في المستعمل: هل هو مطلق منع من استعماله، أو ليس بمطلق؟ على وجهين. أصحهما: الثاني، فيحترز عنه أيضاً، لكن صحح جماعة الأول.
وإذا وقع في الماء خليط يستغني الماء عنه كورق تفتت .. فقال الإمام: إن الضرورة جوزت إطلاق اسم الماء عليه، فشملته عبارة المصنف.
والمراد بالإطلاق عند أهل اللسان والعرف: ما فهم من قولك: ماء، كما نص عليه في (البويطي).
وقال في (المختصر): كل ماء من بحر عذب أو مالح .. فالتطهير به جائز.
وعاب الفراء وغيره على الشافعي قوله: مالح، وقالوا: هذا لحن، إنما يقال: ماء ملح.
وكم من عائب قولاً صحيحاً .... وآفته من الفهم السقيم
ولكن تأخذ الآذان منه .... على قدر القريحة والفهوم
والصواب: أن فيه أربع لغات: ملح ومالح ومليح وملاح.
قال الشاعر [من الطويل]:
فلو تفلت في البجر والبحر مالح .... لأصبح ماء البحر من ريقها عذبا
نعم؛ يرد على عبارة (البويطي) ما حوالي النجاسة العينية؛ فإن الحد صادق
стр. 57
فَالْمُتَغَيَّرُ بِمُسْتَغْنىَ عَنْهُ – كَزَعْفَرَانٍ – تَغَيُّراً يَمْنَعُ إِطْلاَقَ اسْمِ الْمَاءِ .. غَيْرُ طَهُورٍ،
ــ
عليه، ولا يجوز استعماله على القول الجديد الموجب للتباعد.
مهمة:
الماء المترشح من بخار ارتفع من غليان الماء في زوائد (الروضة) طهور، والأصح: أنه غير طهور.
والماء الذي ينعقد منه الملح تجوز الطهارة به على المذهب في (شرح المهذب) وزوائد (الروضة). ومحل الخلاف فيما ينعقد بنفسه، فإن كان بسبب سبوخة الأرض .. جاز قطعاً.
قال: (فالمتغير بمستغنى عنه – كزعفران – تغيراً يمنع إطلاق اسم الماء .. غير طهور)، سواء كان قلتين أو أكثر؛ لزوال الإطلاق؛ فإنه لا يسمى ماء إلا مقيداً كماء الباقلاء، ولهذا لو حلف لا يشرب ماء فشرب متغيراً بزعفران أو نحوه .. لم يحنث. ولو وكل من يشتري له ماء فاشتراه .. لم يقع للموكل.
ولا فرق في التغير بين الحسي والتقديري، فلو وقع في الماء مائع يوافقه في الصفات كماء الورد المنقطع الرائحة ولم يتغير .. قدرناه مخالفاً للماء، فإن غيره .. سلبه الطهورية، وإلا .. فلا.
وقيل: لا أثر للتغير التقديري، بل العبرة بالغلبة، فإن كان الخليط اقل من الماء .. فهو طهور، وإن كان مثله أو أكثر .. فلا.
وقيل: تعتبر الكثرة بثلاثة أضعاف الماء، وقيل: بسبعة أضعافه، حكاهما المحب الطبري.
فإذا قلنا: لا يؤثر الخليط .. جاز استعمال الجميع.
وقيل: يجب أن يبقى قد الخليط.
وكل ما أشبه الزعفران من المخالطات يعطى حكمه، كالأشنان والدقيق، وكذلك
стр. 58
وَلاَ يَضُرَّ تَغَيَّرٌ لاَ يَمْنَعُ الاسْمَ، وَلاَ مُتَغَيَّرٌ بِمُكْثٍ، وَطِينٍ، وَطُحْلُبٍ، وَمَا فِي مَقَرَّهِ وَمَمَرَّهِ،
ــ
الملح الجبلي إذا طرح في الماء على الأصح دون المائي، أما المتغير بالنجس فسيأتي.
لكن قوله: (تغيراً يمنع إطلاق اسم الماء) مستغنى عنه؛ لما سيأتي أن التغير الذي لا يمنع الاسم لا يضر.
فلو كان على عضوه زعفران أو سدر، فتغير الماء بملاقاته .. ففي صحة طهارة ذلك العضو وجهان في (الذخائر)، الظاهر منهما: المنع كما في غسل الميت.
و (الزعفران) جمعه زعافر، كترجمان وتراجم.
قال: (ولا يضر تغير لا يمنع الاسم)؛ لما روى النسائي [١/ ١٣١] وابن ماجه [٣٧٨] عن أم هانئ: (أن النبي ﷺ اغتسل هو وميمونة من إناء واحد من قصعة فيها أثر عجين).
وقيل: يضر التغير المذكور كالتغير اليسير بالنجاسة.
قال: (ولا متغير بمكث، وطين، وطحلب، وما في مقره وممره)، ولو تفاحش التغير؛ لمشقة الاحتراز، ولأن الماء لا يمكن صونه عن ذلك.
والمراد بـ (الطين والطحلب): ما كانا في الممر والمقر، إلا أن الطين لو طرح فيه .. لم يضر على الصحيح.
وصورة المسألة: إذا كان الطحلب ونحوه مفتتاً، فإن لم يكن .. كان مجاوراً، ولو أخرج منه ودق ناعماً وألقي فيه .. ضر على الصحيح.
والمراد بـ (التغير) هنا: التغير الكثير.
ومثل الطحلب الزرنيخ، وحجارة النورة، وليس المراد بها المحترقة بالنار، بل حجارة رخوة فيها خطوط إذا جرى عليها الماء انحلت فيه، كما نبه عليه ابن الصلاح هنا، والإمام في (النهاية) في (كتاب الحج).
стр. 59
وَكَذَا مُتَغَيَّرٌ بِمُجَاوِرِ كَعُودٍ وَدُهْنٍ، أَوْ بِتُرَابٍ طُرِحَ فِي الأَظْهَرِ.
ــ
ولو صب المتغير بالمخالط الذي لا يضر على ماء لا تغير فيه بالكلية فتغير به .. ضر، كما صرح به ابن أبي الصيف؛ لأنه تغير بما يستغنى عنه، ويقال فيه: ماءان يصح الوضوء بكل منهما منفرداً، ويمتنع إذا اختلطا.
و (المكث) مثلث الميم.
و (الطحلب) بضم الطاء مضمونة ومفتوحة، ويقال له: العرمض وثور الماء، وهو: نبت أخضر يعلو الماء بعضه على بعض.
قال: (وكذا متغير بمجاور كعود ودهن) فهو طهور؛ لأنه متغير بما لا يختلط به، فأشبه المتغير بجيفة ملقاة بقربه، وفي قول: لا، كالتغير بالنجاسة.
و (المجاور): الذي يتميز برأي العين، وقيل: ما يمكن فصله من الماء. والمخالط: غير ذلك، وقيل: المعتبر فيهما العرف.
قال: (أو بتراب طرح في الأظهر)، فيكون طهوراً؛ لأن التغير الحاصل منه مجرد الكدورة، وهي لا تسلب اسم الماء؛ للأمر بالتعفير به في ولوغ الكلب.
والثاني: يضر؛ لتغيره بما يستغنى عنه.
وأشار بقوله: (طرح) إلى أنه يشترط قصد الطرح، فلو ألقاه غير مكلف كصبي ومجنون .. لم يضر، لكن شرطه أن لا يصل إلى حد يسمى طيناً، وإلى أن الحاصل بهبوب الرياح، والذي يكون في الماء من أصله كالماء الكدر .. فإنه طهور بلا خلاف.
ومحل الخلاف: في غير النجاسة الكلبية؛ فإنه لا بد فيها من التراب في إحدى الغسلات.
وتعبيره بـ (الأظهر) تبع فيه (المحرر)، وعبر في (الروضة) بالصحيح، وهو
стр. 60
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مخالف لـ (المنهاج) من وجهين: تصحيح كونهما وجهين، وتضعيف الخلاف.
وإنما أعاد (الباء) مع التراب وعطفه بـ (أو)؛ ليفصله عن أن يكون من أمثلة المجاور، وليعلم أنه عنده مخالط، ومع ذلك لا يسلب في الأظهر، ويؤيده أنه لم يذكره مع أمثلة المجاور في (الروضة)، بل فصل بينهما بأسطر كثيرة.
و (التراب): اسم جنس لا يثنى ولا يجمع عند الظهور.
وقال المبرد: هو جمع واحدته تربة، ويدل على حديث يأتي في (الجنائز) عند قول المصنف: (ويحثو من دنا ثلاث حثيات تراب)، وله خمسة عشر اسماً مجموعة في (التحرير) وغيره.
فروع:
المتغير بالثمار الساقطة فيه .. غير طهور قطعاً.
فإذا تناثر ورق الشجر في الماء وتغير به .. لم يضر على الأظهر؛ لعسر الاحتراز.
وقيل: إن تغير بربيعي .. ضر، أو بخريفي .. فلا.
وقيل: إن كانت الأشجار بقرب الماء .. لا يضر.
وقيل: إن طرح قصداً .. ضر، وصححه في (أصل الروضة)، و (الشرح) و (الحاوي) الصغيرين.
والمتغير بالمني غير ظهور على الأصح؛ لأنه مخالط، وقيل: طهور؛ لأنه لا يكاد ينماع كالدهن والكافور.
والقطران نوعان: مخالط يضر، ومجاور يعفى عنه.
وإذا وجدنا الماء متغيراً، وجوزنا أن يكون بطول المكث، أو طارئ طرأ عليه،
стр. 61
وَيُكْرَهُ الْمُشَمَّسُ
ــ
فإن لم يكن سبب ظاهر .. أحلنا التغير على طول المكث، وإن كان كما إذا رأينا ظبية تبول في ماء، ثم وجدنا متغيراً وجوزنا أن يكون التغير بطول المكث، وأن يكون بسبب بولها .. فالنص: أنا نحكم بنجاسته إحالة على السبب الظاهر، وهذا يشكل على ما إذا جرح صيداً، ثم غاب عنه ووجده بعد ذلك ميتاً كما سيأتي.
قال: (ويكره المشمس) أي: من جهة الطب؛ لأن حمي الشمس يفصل من الإناء أجزاء تعلو الماء كالهباء، وهو: ما يدخل من الكوة مع ضوء الشمس شبيه بالغبار، فإذا لاقى البدن أورثه البرص.
وروى الدارقطني [١/ ٣٩] والبيهقي [١/ ٦] عن عمر: (أنه كان يكره الاغتسال به)، وروى الشافعي [أم ١/ ٣] (أن جابر بن عبد الله كان يكرهه، وقالا: إنه يورث البرص).
وصح عنه ﷺ أنه قال: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)، وأما حديث عائشة .. فضعيف جداً.
وقيل: إن المشمس لا يكره، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، واختاره المصنف وصوبه في (شرح المهذب)، وهو المنصوص؛ لأنه لم يصح دليل في كراهته.
وإذا قلنا بالكراهة .. فشرطه: أن يكون في البلاد الحارة، والأواني المضروبة كالحديد والنحاس والرصاص، فلا يكره في الخزف والجلود والزجاج ونحوها، لكن تستثنى آنية الذهب والفضة؛ لصفاء جوهرهما.
وقيل: يكره في النحاس خاصة.
وقيل: كل منطبع بشرط تغطية الرأس.
وقيل: إن شهد طبيان أنه يورث البرص .. كره، وإلا .. فلا، واختاره الشيخ.
стр. 62
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقيل: يكره للنساء دون الرجال.
وقيل: لكل شديد البياض.
وقيل: لمن لم يعمه البرص دون غيره.
وقيل: للحي دون غسل الميت.
وليس من شرطه القصد على الأصح؛ لأن ما أثر بطبعه لا فرق بين أن يقصد ذلك منه أم لا.
وخص بعضهم الكراهة بالبدن دون الثوب.
وفي كراهة أكل ما طبخ به ثلاثة أوجه:
ثالثها: يكره إن كان الطعام مائعاً، وبهذا يعلم أن تعبير المصنف أحسن من قول (المحرر): وتكره الطهارة بالمشمس.
وفي كراهة سقي الحيوان منه نظر.
فإن قيل: لم لا حرم استعماله؛ لأجل ضرره كالسموم القاتلة؟
فالجواب: أن ضرره مظنون بخلاف السموم.
ثم الكراهة فيه شرعية على المشهور، وقيل: إرشادية، واختاره الغزالي وابن الصلاح، ويبنى عليهما الثواب على الترك، فإلارشادية لا ثواب فيها.
ومحل الكراهة: إذا ما وجد ماء غيره، فإن تعين استعماله .. لم يكره ويجب شراؤه حيث يجب شراء الماء للطهارة، وسيأتي في أول (باب التيمم) عن صاحب (الإستقصاء): أن من لم يجد إلا المشمس يعدل إلى التيمم.
فروع:
الأصح في زائد (الروضة): أن كراهته تزول بتبريده. والأصح في (الشرح الصغير): بقاؤها؛ لأن العلة انفصال شيء من الإناء إلى الماء، وتلك الأجزاء هي
стр. 63
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التي تورث البرص وهي باقية، ولا تصحيح في ذلك في (شرح المهذب).
والمسخن ولو بالنجاسة لا تكره الطهارة به، وقال مجاهد: لا تجوز الطهارة به.
استدل الجمهور بأن النبي ﷺ دخل حماماً بالجحفة وهو محرم، وقال أسلع بن شريك: (أجنبت وأنا مع رسول الله ﷺ ، فجمعت حجارة وسخنت ماء واغتسلت، ثم أخبرت النبي ﷺ فلم ينكر علي).
وخلاف مجاهد لا يقدح في الإجماع.
والفرق بينه وبين المشمس: أن للنار قوة وتأثيراً في إذهاب ما ينفصل عن تلك الأجزاء الصادرة، بخلاف المشمس.
ولا تكره الطهارة بماء البحر؛ للحديث المتقدم، وكرهه عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاصي، وقيل: منعاه وقالا: إنه طبق النار، ولم يتابعهما أحد من فقهاء الأمصار على ذلك.
وروى الدارقطني [١/ ٣٥] بإسناد حسن عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: (من لم يطهره ماء البحر .. فلا طهره الله).
وتكره الطهارة بشديد الحرارة أو البرودة، إلا أن يضيق الوقت ولم يجد غيره.
وتكره أيضاً بمياه بئار ثمود خلا بئر الناقة.
ولا تكره بماء زمزم؛ لأن النبي ﷺ توضأ منه.
وقول العباس: (لا أحله لمغتسل، لكن لشارب حل وبل) لم يصح عنه، بل يحكى عن أبيه عبد المطلب، ولو ثبت عن العباس .. لم يجز ترك المنصوص به.
وأجاب أصحابنا بأنه محمول على أنه قاله في وقت ضيق الماء لكثرة الشاربين.
стр. 64
وَالْمُسْتَعْمَلُ فِي فَرْضِ الطَّهَارَةِ – قِيلَ: وَنَفْلِهَا -: غَيْرُ طَهُورٍ فِي الْجَدِيدِ،
ــ
وأما إزالة النجاسة به .. فقيل: يحرم؛ لأنه يقيت كالطعام؛ لحديث أبي ذر في ابتداء إسلامه.
وفي (صحيح مسلم) [٢٤٧٣]: (أنه طعام طعم). وفي (أبي داوود الطيالسي) [٤٥٧]: (وشفاء سقم).
وقيل: يكره، وقال الصيمري: إنه خلاف الأولى.
قال: (والمستعمل في فرض الطهارة – قيل: ونفلها – غير طهور في الجديد). الماء الذي أزيل به حدث .. طاهر؛ لأن السلف الصالح كانوا لا يحترزون عما يتقاطر عليهم منه، وكانوا مع قلة مياههم لم يجمعوا المستعمل للاستعمال ثانياً، بل انتقلوا إلى التيمم.
وفي (الصحيحين) [خ ١٩٤ – م ١٦١٦]: عن جابر قال: (جاءني رسول الله ﷺ في مرض يعودني فتوضأ، وصب علي من وضوئه).
وفي القديم: طهور؛ لأنه ماء طاهر لاقى محلا طاهراً فكان طهوراً.
وعلى الجديد اختلفوا في علته، فقيل: تأدي فرض الطهارة به وهو الأظهر، وقيل: تأدي العبادة.
فعلى الأول: يحكم بطهورية المستعمل في مسنونات الطهارة، دون المستعمل في غسل الذمية عن حيض لتحل لزوجها المسلم؛ لأنه استعمل في فرض.
وعلى الثاني: يكون الحكم بالعكس.
وقوله: (قيل: ونفلها) مراده: أن المستعمل في النفل، قيل: إنه غير طهور أيضاً؛ لأنه مستعمل في طهارة، فكان كالمستعمل في رفع الحدث، وبه قال أبو حنيفة.
стр. 65
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وليس المراد هنا بالفرض: ما يحلق الإثم بتركه، بل ما لا بد منه، ولذلك يحكم باستعمال ما توضأ به الصبي على الصحيح.
والمراد بـ (الطهارة) هنا: طهارة الحدث فقط، كما صرحا به في (الشرح) و (الروضة).
أما المستعمل في الخبث .. ففيه تفصيل يأتي في (باب النجاسة).
وسيأتي في (باب التيمم) تصحيح امتناعه بالمستعمل، وهو لا يرفع الحدث، فقياسه هنا: إلحاق الماء المستعمل في طهارة دائم الحدث به في جريان الوجهين.
فروع:
ملغزة: لنا ماء استعمل في نفل الطهارة، ومع ذلك لا يجوز استعماله، وهو الذي غسلت به نجاسة لا يجب غسلها، كالدم القليل ودم البراغيث.
والأصح: أن المستعمل في الحدث لا يستعمل في الخبث، كما لا يستعمل في الحدث الأكبر.
ولا يوصف الماء بالاستعمال ما دام متردداً على العضو، فإن فارقه .. صار مستعملاً سواء انتقل إلى الأرض، أم إلى عضو آخر، حتى لو انتقل من إحدى اليدين إلى الأخرى .. صار مستعملاً على الصحيح.
وقيل: لا يضر انتقاله من إحدى اليدين إلى الأخرى؛ لأنهما كعضو واحد.
فلو انفصل من بعض أعضاء الجنب إلى بعض .. فوجهان، أصحهما في (التحقيق): أنه يصير مستعملاً كالمحدث، والأصح في (الكفاية): عكسه.
هذا كله في الانتقال النادر، أما الذي يغلب في الاستعمال كالحاصل عند نقله من
стр. 66
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الكف إلى الساعد ورده .. فإنه لا يصير مستعملاً، كما جزم به الرافعي في الباب الثاني من (التيمم).
ولو كان على موضعين من بدنه نجاسة، وصب الماء على أعلاهما فمر ثم انحدر إلى الأسفل .. طهرا جميعاً كما أفتى به البغوي.
ولو غمس المحدث يده في الإناء بعد غسل وجهة بنية الاغتراف .. لم يصر مستعملاً، وإن نوى الاستعمال .. فمستعمل، وكذا إن أطلق على الصحيح، وكذلك الجنب أيضاً.
مهمة:
صحح في زوائد (الروضة): أنه لو غسل رأسه بدل مسحه .. كان الماء مستعملاً.
والأصح: أنه غير مستعمل.
وما توضأ به الحنفي وغيره ممن لا يعتقد وجوب النية الأصح في زوائد (الروضة) أيضاً: أنه مستعمل.
والثاني: لا.
والثالث: إن نوى .. صار، وإلا .. فلا. وهذا مشكل على اعتبار اعتقادنا لا اعتقاد الفاعل. والصحيح: التفصيل.
قلت: الفرق بين هذا وبين بطلان الصلاة خلف من مس ذكره: أن الإمام بينه وبين
стр. 67
فَإِنْ جُمِعَ قُلَّتَيْنِ .. فَطَهُورٌ فِي الأَصَحَّ. وَلاَ تَنْجُسُ قُلَّتَا الْمَاءِ بِمُلاَقَاةِ نَجِسٍ،
ــ
المأموم ارتباط، فسرى منه البطلان إليه، بخلاف ما نحن فيه؛ فإنه لا ارتباط بين المستعمل وغيره.
قال: (فإن جمع قلتين .. فطهور في الأصح)؛ لأن الماء النجس لو جمع حتى بلغ قلتين .. عاد طهوراً قطعاً فالمستعمل أولى.
والثاني: لا يعود طهوراً؛ لأن قوته صارت مستوفاة بالاستعمال فالتحق بماء الورد ونحوه، وهذا اختيار ابن سريج.
قال: (ولا تنجس قلتا الماء بملاقاة نجس)؛ لقول ﷺ : (إذا بلغ الماء قلتين .. لم يحمل الخبث)، قال الحاكم [١/ ١٣٣]: صحيح على شرط الشيخين، ورواه الشافعي [١/ ٧] وأحمد [٢/ ٣٨] وأبو داوود [٦٤] وابن ماجه [٥١٧] وابن حبان [١٤٤٩].
فلو كانت النجاسة مائعة .. فقيل: يجب أن يبقى قدرها.
والأصح: أن له استعمال الجميع كما تقدم في التغير بالطاهر.
فلو كانت النجاسة عينية .. وجب التباعد عنها بمقدار قلتين على الجديد وإن كان ذلك المقدار طاهراً على الأصح.
والقديم – وهو الذي عليه الفتوى -: لا يجب التباعد.
واحترز المصنف بـ (الماء) عن المائعات؛ فإنها تنجس بملاقاة النجاسة وإن بلغت قلالاً؛ لأن صونها بالتغطية ممكن معتاد، بخلاف المياه الكثيرة.
مهمة:
إذا وقعت في الماء القليل نجاسة وشك: هل هو قلتان أو لا؟ في زوائد (الروضة) المختار بل الصواب: الجزم بطهارته؛ لأنه الأصل وشككنا في نجاسة منجسه،
стр. 68
فَإِنْ غَيَّرَهُ .. فَنَجِسٌ، فَإِنْ زَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَاءٍ .. طَهَرَ،
ــ
ولا يلزم من النجاسة التنجيس. أهـ
والصواب: أنه إن جمع شيئاً فشيئاً وشك في وصوله قلتين .. فالأصل القلة، وإن كان كثيراً وأخذ منه ثم شك .. فالأصل بقاء الكثرة. وإن ورد شخص على ماء يحتمل الكثرة والقلة .. فهذا محل التردد. أهـ
قلت: الصواب ما قاله المصنف، كما لو شك: هل تقدم على الإمام أو تأخر؟ ووجه التفصيل هناك ضعيف، فكذلك هنا.
قال: (فإن غيره .. فنجس) بالإجماع، ولا فرق في التغير بين اليسير والكثير، ولا بين المخالط والمجاور، ولا بين الحسي والتقديري، ولا بين اللون والطعم والريح كما سيأتي.
فلو وقعت جيفة في ماء كثير وتروح .. تنجس على الصحيح خلافاً للشيخ أبي محمد.
هذا إذا تغير كله، فإن تغير بعضه .. فالأصح عند المحققين منهم المصنف: أنه ينجس المتغير فقط. وأما الباقي، فإن كان قلتين .. لم ينجس، وإلا .. فهو نجس، وصحح الرافعي: أن الجميع نجس.
قال: (فإن زال تغيره بنفسه أو بماء .. طهر)؛ لزوال علة النجاسة، ولا فرق في الماء المزيل بين الطاهر والطهور والنجس، فلذلك نكره المصنف.
وقال الإصطخري: لا يطهر إذا زال التغير بنفسه؛ لأن نجاسته ثبتت بوارد، فلا تزال إلا بوارد.
وسيأتي في (باب الأطعمة): أن الجلالة إذا زال تغير لحمها بغير أكل شيء .. لا يزول التحريم أو الكراهة، وهو يشكل على هذا، والخلاف راجع إلى أن الزائل العائد كالذي لم يزل أو كالذي لم يعد، وفيه صور تأتي متفرقة.
وقوله: (طهر) فتح هائه أفصح من ضمها.
стр. 69
أَوْ بِمِسْكٍ وَزَعْفَرَانٍ .. فَلاَ، وَكَذا تُرَابٌ وَجِصٌّ فِي الأَظْهَرِ. وَدُونَهُمَا بَنْجُسُ بِالْمُلاَقَاةِ،
ــ
قال: (أو بمسك وزعفران .. فلا)؛ لأنا لا ندري أن أوصاف النجاسة زالت، أو غلب عليه المطروح فسترها، وهكذا لو زال طعمه بالخل.
وفي (الكافي) وجه: أنه يطهر إذا زال بالمسك، وقياس الباقي كذلك، لكن عطف المصنف المسألة على الزوال ليس بجيد؛ لأنا نشك في زواله.
وعبارة (المحرر) أحسن؛ لأنه قال: فلم يوجد التغير .. لم يطهر.
قال: (وكذا تراب وجص في الأظهر)، فلا يطهر بهما؛ لأنهما يكدران الماء، فلا ندري أن التغير زائل أو مغلوب.
والثاني: يطهر؛ لأن التراب يوافق الماء في الطهورية، فيتعاونان على رفع النجاسة، ولهذا جمع بينهما في تطهير النجاسة المغلظة.
ومحل القولين عند كدورة الماء، فإن صفي .. فلا يبقى خلاف، بل إن كان التغير موجوداً .. فنجس قطعاً، وإلا .. فطاهر قطعاً، وبهذا صرح ابن الصلاح، والمصنف في (شرح المهذب).
ولا فرق بين أن يكون التغير بالطعم أو باللون أو بالريح، كل ذلك فيه القولان.
فإن قيل: إذا زال التغير بالتراب .. ينبغي أن يجزم بنجاسة الماء؛ لكونه متغيراً بتراب متنجس.
فالجواب: أن نجاسة التراب نجاسة مجاورة للماء النجس، فإذا زالت نجاسة الماء طهر التراب والماء جميعاً؛ لأن عينه طاهرة.
و (الجص): ما يبنى به ويطلى، وكسر جيمه أفصح من فتحها، وهو عجمي معرب، وتسميه العامة الجبس وهو لحن.
قال: (ودونهما ينجس بالملاقاة)، تغير أم لا؛ لمفهوم قوله ﷺ : (إذا بلغ الماء قلتين .. لم يحمل خبثاً) رواه الأربعة، وصححه الطحاوي، وأبناء منده وخزيمة [١/ ٤٩] وجبان [١٤٤٩]، والحاكم [١/ ١٣٤].
стр. 70
فَإِنْ بَلَغَهُمَا بِمَاءٍ وَلاَ تَغَيُّرَ .. فَطَهُورٌ، فَلَوْ كُوثِرَ بِإِيرَادِ طَهُورٍ فَلَمْ يَبْلُغْهُمَا .. لَمْ يَطْهُرْ، وَقِيلَ: طَاهِرٌ، لاَ طَهُورٌ. وَيُسْتَثْنَى مَيْتَةٌ لاَ دَمَ لَهَا سَائِلٌ، فَلاَ تُنَجَّسُ مَائِعاً عَلَى الْمَشْهُورِ،
ــ
وقال مالك: لا ينجس إلا بالتغير، واختاره ابن المنذر والروياني، والغزالي في (الإحياء).
والمراد (بالملاقاة): ورد النجاسة على الماء، أما وروده عليها .. فله حكم الغسالة، وسيأتي في (باب النجاسة) حكمها.
قال: (فإن بلغهما بماء ولا تغير .. فطهور)؛ لزوال العلة وهي القلة، حتى لو فرق بعد ذلك .. لم يضر.
والعبرة بالاتصال، كما أشعر به كلام المصنف، لا بالخلط، فيكفي رفع الحاجز بين الصافي والكدر.
قال: (فلو كوثر بإيراد طهور فلم يبلغهما .. لم يطهر)؛ لأنه قليل فيه نجاسة.
قال: (وقيل: طاهر، لا طهور)؛ لأنه نجس ورد عليه الماء فطهره، كالثوب النجس، وصححه العراقيون كما لو غمر ماء طاهر الأرض النجسة.
فإن قلنا بالثاني .. فله شروط:
أن يكون أكثر من النجس، وأن يكون وراداً عليه، وان يكون طهوراً.
وقد ذكرها المصنف على هذا الترتيب، وأهمل شرطاً آخر وهو: أن لا يكون في الماء نجاسة عينية.
وفي (الإستقصاء): أنه يشترط أن يكون الوارد سبعة أضعافه.
قال: (ويستثنى ميتة لا دم لها سائل، فلا تنجس مائعاً على المشهور)؛ لقوله ﷺ : (إذا وقع الذباب في شراب أحدكم .. فليغمسه ثم ليطرحه؛ فإن في إحدى جناحيه داء، وفي الأخرى شفاء) رواه البخاري [٣٣٢٠] عن أبي هريرة.
زاد أبو داوود [٣٨٤٠] وابن خزيمة [١٠٥] وابن حبان [١٢٤٦]: (وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء).
стр. 71
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومن المعلوم: أن الذباب قد يموت فيه، فلو كان ينجسه .. لم أمرنا به.
والثاني: أنها تنجسه، كسائر الميتات النجسة.
وفي ثالث مخرج اختاره الشيخ: أن ما يعم وقوعه كالذباب والبعوض لا ينجس، وما لا يعم كالخنافس والعقارب ينجس، وهو متجه.
والمراد بما (لا نفس لها سائل) عند قتلها، أو شق عضو من أعضائها، كالذباب والبعوض والزنبور والقمل والبراغيث والنحل والنمل والخنفساء والبق، ودود الفواكه والخل والجبن، وبنات وردان، والعقارب.
قال الشيخ: وفي ذكر البق المعروف في بلادنا نظر.
قال: وقد رأيت بعض الناس يذكر: أنه في كثير من البلاد اسم للبعوض، فلعل من أطلقه .. أراد به ذلك، وحصل الوهم لمن جمع بينهما.
والأصح: أن الوزغ منها، دون الحيات والضفادع.
وكلام المصنف يقتضي الجزم بنجاسة الميتة المذكورة، وبه قال الأكثرون كغيرها من الميتات.
وقال القفال: إنها طاهرة؛ لعدم دمويتها، قال: والذي فيها من الرطوبة كرطوبة النبات.
ومحل الخلاف: إذا لم يتغير المائع بها، فإن تغير .. فالأصح: أنها تنجسه.
ومحله: إذا لم تنشأ في المائع، فإن نشأت فيه كدود الخل .. لم تنجسه بلا خلاف.
ومحله: إذا وقع بنفسه، فإن طرح فيه .. ضره.
وقوله: (مائعاً) أحسن من قول (المحرر): (ماء)؛ لأن المائع أعم والحكم سواء، ولو عبر بالرطب .. كان أشمل ليتناول الثياب الرطبة وغيرها.
وقوله: (على المشهور) أشار إلى ضعف الخلاف، وهو في (الروضة) و (التحقيق) قوي.
стр. 72
وَكَذَا فِي قَوْلٍ: نَجِسٌ لاَ يُدْرِكُهُ طَرْفٌ. قُلْتُ: ذَا اَلْقَوْلُ أَظْهَرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
ــ
قال: (وكذا في قول: نجس لا يدركه طرف. قلت: ذا القول أظهر والله أعلم) أي: لا يشاهده بصر؛ لقلته ولعموم البلوى به، كما إذا وقع الذباب على نجاسة ثم سقط في الماء، وكرشاش البول الذي لا يدرك، فيعفى عنه كدم البراغيث.
والثاني: وهو المنقول في (الشرح) عن المعظم: أنه ينجسه؛ قياساً على سائر النجاسات.
ومجموع ما في المسألة سبع طرق:
أصحها: قولان في الماء والثوب.
والثانية: يؤثر فيهما قطعاً، وهو رأي ابن سريج.
والثالثة: لا قطعاً.
والرابعة: يؤثر في الماء، وفي الثوب قولان.
والخامسة: عكس ذلك.
والسادسة: يؤثر في الماء دون الثوب، بلا خلاف.
والسابعة: عكسه.
ويستثنى مع هاتين المسألتين: الهرة، إذا أكلت نجاسة وغابت وأمكن طهر فمها .. فلا نحكم بنجاسة ما ولغت فيه، والصبي إذا أكل شيئاً نجساً، ثم غاب واحتمل طهارة فيه، فهو كالهرة كما أفتى به ابن الصلاح.
واستشكل في (الشرح الصغير) مسألة الهرة؛ فإنها تشرب الماء بلسانها وتأخذ منه الشيء القليل، ولا تلغ في الماء يطهر فمها من أكل الفأرة، فلا يفيد احتمال مطلق الولوغ احتمال عود فمها إلى الطهارة، وهو إشكال صحيح.
стр. 73
وَاَلْجَارِي كَرَاكِدٍ، وَفِي اَلْقَدِيمِ: لاَ يَنْجُسُ بِلاَ تَغَيُّرٍ.
ــ
ويستثنى القليل من دخان النجاسة إذا حكمنا بنجاسته؛ فإنه يعفى عنه، واليسير من الشعر المحكوم بنجاسته ويعرف بالعرف، والحيوان الذي على منفذه نجاسة – إذا وقع في مائع أو ماء قليل – فلا ينجسه على الأصح، بخلاف المستجمر فإنه ينجسه.
وما تحمله الرياح من النجاسات معفو عنه، مثل الذر من غبار السرجين وغيره.
قال: (والجاري كراكد)، فينجس القليل منه بملاقاة النجاسة؛ لمفهوم حديث القلتين؛ فإنه لم يفصل بين الجاري والراكد، فإذا كانت الجرية دون قلتين .. تنجست بالملاقاة، وإن كان مجموع ما في النهر أكثر من قلتين .. فيكون محل تلك الجرية من النهر نجساً، ويطهر بالجرية التي تعقبها، وتصير في حكم غسالة النجاسة، حتى لو كانت نجاسة كلبية .. فلا بد من سبع جريات عليها.
و (الجاري): ما تدافع في استواء أو انحدار، فإن كان أمامه ارتفاع .. فحكمه حكم الراكد على المذهب.
و (الجرية): الدفعة التي بين حافتي النهر في العرض.
والجريات متفاصلة في الحكم وإن اتصلت في الحس؛ لأن كل جرية طالبة لما قلبها، هاربة مما بعدها.
قال: (وفي القديم: لا ينجس بلا تغير)؛ لأنه ماء ورد على نجاسة، فلم ينجس من غير تغير، كالماء المزال به النجاسة إذا لم يتغير، واختاره جماعة، واقتصر عليه الإمام والغزالي، بل قال في (الإحياء): لا خلاف في مذهب الشافعي: أنه إذا وقع بول في مال ماء جار ولم يتغير .. أن الوضوء منه جائز.
ومحل القديم: في الجاري على النجاسة الواقفة ثم ينفصل عنها، فلو اشتملت
стр. 74
وَ (اَلْقُلَّتَانِ): خَمْسُ مِئَةِ رِطْلٍ بَغْدَادِيًّ
ــ
الجرية على نجاسة جامدة تجري بجريها .. فهي شبيهة بالراكد.
هذا حكم الجرية التي لاقت النجاسة، أما التي قبلها فطاهرة بلا خلاف.
وموضع النجاسة الواقفة نجس، فكل جرية تمر به نجسة إلى أن تجتمع في موضع مقدار قلتين، فيقال: ماء بلغ ألف قلة من غير تغير وهو نجس، فهذه صورته.
قال: (و (القلتان): خمس مئة رطل بغدادي)؛ لما روى الشافعي ﵁ [١/ ١٦٥] والبيهقي [صغرى ١٥٦] وابن عدي في حديث القلتين المتقدم: (إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر).
و (قلال هجر) كانت معروفة عندهم، ولذلك قال ﷺ في سدرة المنتهى: (وإذا ثمرها كقلال هجر).
وهي قرية من قرى المدينة، نسبت إليها؛ لأنها أول ما عملت بها.
وحديث القلتين تقدم أنه صحيح، لكن العمل به متوقف على معرفة مقدارهما، فلذلك لم يخرجه في (الإلمام) مع اعتقاده صحته؛ لأنه رأى أن مقدارهما غير معلوم.
وروى الشافعي عن ابن جريج أنه قال: رأيت قلال هجر، فالقلة منها تسع قربتين أو قربتين وشيئاً، فاحتاط الشافعي وجعل الشيء نصفاً؛ لأنه لو كان فوقه .. لقال ثلاث قرب إلا شيئاً، فتكون جملة القلتين خمس قرب، والقربة لا تزيد غالباً على مئة رطل بغدادي، فيكون المجموع خمس مئة رطل.
و (القلة) في اللغة: الجرة العظيمة التي يقلها الرجل العظيم بيديه، أي: يرفعها.
وهي بالدمشقي: نحو من مائة وثمانية أرطال.
стр. 75
تَقْرِيباً فِي اَلأَصَحَّ.
ــ
وبالمصري: أربع مئة وستة وأربعون رطلاً وربع رطل، وسدس درهم وخمسة أسباع.
وبالأمنان: مئتان وخمسون.
وبالمساحة: ذراع وربع طولاً وعرضاً وعمقاً، بالذراع المذكور في (صلاة المسافر).
فإن جعلناهما ألف رطل .. فقال القاضي حسين: هما ذراعان ونصف طولاً وعرضاً وعمقاً، والصواب: ذراع وربع طولاً في مثله عرضاً في ذراعين ونصف عمقاً، أو ذراعان ونصف طولاً في ذراع وربع عرضاً في مثله عمقاً.
والوجه الثاني: أنهما ألف رطل؛ لأن أكثر ما تسع القربة مئتا رطل.
والثالث: ست مئة رطل، قاله القفال واختاره الغزالي تبعاً للفوراني.
و (الرطل) بكسر الراء، وجوز الكسائي فتحها.
وسيأتي في (زكاة النبات) الكلام على لفظ بغداد وضبط رطلها.
قال: (تقريباً في الأصح)؛ لما تقدم عن ابن جريج، ورجح جماعة: أنه تحديد كنصاب السرقة.
فإذا قلنا بالأول .. فما هو النقص المغتفر؟ فيه خمسة أوجه:
أصحها: قدر لا يظهر بنقصه تفاوت في التغير، بمقدار مغير من الزعفران أو نحوه.
والثاني: رطلان.
следующие страницы →