Полный текст (5 377 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
فَلَوْ تَيَقَّنَهُ فِيهَا .. وَجَبَ اسْتِئْنَافُهَا
ــ
واحترزوا بقولهم: فيما يأمن مثله في القضاء .. عن الخطأ في الوقوف بعرفة، فإن القضاء لا يجب؛ لأن مثله غير مأمون في القضاء.
والثاني- وهو مذهب الأئمة الثلاثة-: لا يقضي؛ لأنه ترك القبلة بعذر، فأشبه تركها في حال القتال، ونقله الترمذي [٢/ ١٧٧] عن أكثر أهل العلم، واختاره المزني، واستدلوا له بصلاة أهل قباء التي استداروا فيها بعد أن جاءهم بالخبر عباد بن نهيك الخطمي الأنصاري، وقيل: عباد بن بشر، فوجدهم يصلون إلى بيت المقدس، فأخبرهم أن القبلة حولت، فأتموا الركعتين الباقيتين نحو المسجد الحرام.
وأجاب الأصحاب بأنا إن لم نثبت النسخ في حقهم إلا بعد بلوغ الخبر .. فكل من الجهتين في حقهم قبلة، وإن أثبتنا قبل بلوغه .. فالفرق: أنهم كانوا متمسكين بنص، فلا ينسبون إلى تقصير، بخلاف المجتهد فإنه قد يكون قصر في اجتهاده.
قال الشيخ: وحقيقة الخلاف ترجع إلى أن الواجب ما في نفس الأمر، أو ما ظنه المكلف، كما إذا دفع الزكاة إلى من ظنه فقيراً فبان غنيًا، لكن يشكل على ذلك ما إذا صلى قبل الوقت بالاجتهاد ثم تبين بقاء الوقت .. فإنه يعيد قطعًا، وما إذا ظن الطهارة ثم تبين خلافه.
ولا فرق في جريان القولين بين أن يتيقن الصواب أو لا، على المذهب.
واحترز بـ (اليقين): عن من ظن الخطأ .. فإنه لا يعيد على الصحيح، كما سيأتي فيما إذا صلى أربع ركعات لأربع جهات.
وقوله: (قضى) يشعر بأن صورة المسألة: ما إذا بان بعد الوقت، فإن بان فيه .. وجب القضاء قطعًا، كما في نظيره من الاجتهاد في وقت الصلاة والصوم.
قال: (فلو تيقنه فيها .. وجب استئنافها)؛ لأنه تحقق إيقاع جزء من صلاته إلى غير قبلة محسوبة.
стр. 422
وَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ .. عَمِلَ بِالثَّانِي وَلاَ قَضَاءَ، حَتَّى لَوْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لِأَرْبعِ جِهَاتٍ بِالاِجْتِهَادِ .. فَلاَ قَضَاءَ
ــ
هذا كله إذا ظهر الخطأ في الجهة، فإن ظهر في التيامن والتياسر .. فالأصح: كذلك، فلذلك أطلقه المصنف.
والمراد بـ (التيقن) هنا: ما يمتنع معه الاجتهاد، فيدخل فيه خبر الواحد الثقة- لأن الفقهاء إذا أطلقوا اليقين .. اندرج ذلك فيه، ولهذا يمتنع معه الاجتهاد- وإذا أخبره بنجاسة الماء الذي صلى به بالاجتهاد، وفي غير ذلك من المسائل، ونص (البويطي) شاهد لذلك.
قال: (وإن تغير اجتهاده .. عمل بالثاني)؛ لأنه الصواب في ظنه. وهذا بخلاف الأواني، والفرق: أن هذه القضية أخرى غير الأولى، فلا يلزم منها نقض الاجتهاد بالاجتهاد فكان كالحاكم، ولأنه لا يمكن أن يعمل بالأول؛ لأنه الآن يعتقد خطأه، ولا بهما، ولا يتركهما، فتعين العمل بالثاني.
قال في (الروضة): والحق أنه متى كان الثاني أوضح .. اعتمده وهو المراد بتغير الاجتهاد، ومتى كان الأول أوضح .. اعتمده ولا يغير، ومتى استويا: فإن كان قبل الصلاة .. فكما لو تحير، فلو كان في الصلاة .. استمر فيها؛ لأنه بتعارض الدليلين حصل له شك، وقد سبق له ظن.
قال: (ولا قضاء)؛ لأن الاجتهاد لا ينقص بالاجتهاد.
قال: (حتى لو صلى أربع ركعات لأربع جهات بالاجتهاد .. فلا قضاء)؛ لأن كل واحدة مؤداة باجتهاد لم يتعين فيه الخطأ.
وقيل: يقضي الجميع؛ لأن الخطأ متيقن في ثلاث منها، وصوبه الشيخ؛ لأن الصلاة اشتملت على الخطأ قطعًا، وليست كصلاة أهل قباء التي استداروا فيها كما تقدم.
قال: (وكيف لا يجب قضاؤها، وبعضها إلى غير القبلة قطعًا؟!
وإذا ثبت تعين الخطأ فيها .. امتنع الاستمرار فيها، وجب استئنافها.
وفي وجه ثالث: يقضي غير الأخيرة، ويجعل الاجتهاد الأخير ناسخًا لما قبله.
стр. 423
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تتمة:
خص البغوي الخلاف بما إذا كان الدليل الثاني أوضح من الأول- قال- فإن استويا .. تمم صلاته إلى الجهة الأولى ولا إعادة.
قال الشيخ محب الدين الطبري: ولا يتجه غيره، وصوبه في (المهمات).
* * *
خاتمة
إذا اجتهد جمع في القبلة، فأدى اجتهاد كل منهم إلى جهة .. لم يجز أن يقتدي بعضهم ببعض وإن جوزنا اقتداء الشافعي بالحنفي. وإن اختلف اجتهادهم بالتيامن والتياسر .. لم يقتد بعضهم ببعض أيضًا على الصحيح.
ولو اختلف عليه اجتهاد مجتهدين .. قلد من شاء منهما على الأصح.
وقيل: يأخذ بقول الأوثق الأعلم، ورجحه في (الشرح الصغير)، وادعى ابن الرفعة: أنه منقول عن النص.
وقيل: يصلي للجهتين مرتين.
* * *
стр. 424
بَابُ صِفَةِ الصَّلاَةِ
أَرْكَنُهَا ثَلاَثَةَ عَشَرَ:
ــ
باب صفة الصلاة
هذا الباب معقود لبيان كيفية الصلاة وتفصيل أجزائها؛ ليفعل المصلي الفرض حتمًا إن كان يعلمه، ويتعلمه وجوبًا إن جهله، ولهذا قال الإمام: يجب على كل من أسلم أن يبتدئ بتعلم شرائط الصلاة وأركانها، ومعرفة كون الشيء جزءًا من الصلاة أو ليس بجزء.
مأخوذ من اصطلاح الشارع الذي دل عليه فهم مراده من الصلاة الشرعية، وهي مشتملة على شروط وأركان وأبعاض وهيئات، فالشروط مذكورة في الباب الآتي، والأبعاض السنن المجبورة بسجود السهو مذكورة في بابه، والأركان مذكورة هنا، وكذلك الهيئات وهي: السنن التي لا تجبر.
والأركان والشروط قد يعسر التمييز بينهما من جهة أن كل واحد منهما لابد منه، فكما أن الصلاة متوقفة على الشرط، كذلك هي متوقفة على الركن. والتحقيق أن شرطها: ما يعتبر في صحتها متقدمًا عليها ومستمرًا فيها، والركن ما تركبت منه، مع اشتراكهما في أن كلاً منهما لابد منه.
وعلى هذا: يكون الركن والشرط خاصين تحت أعم وهو الواجب، ويمكن استحضار الصلاة دون شروطها، ولا يمكن تصور حقيقتها إلا بتصور جميع أجزائها.
قال: (أركانها ثلاثة عشر)، كذا في (المحرر)، وجعلها في (الروضة) و (التحقيق) سبعة عشر، فزاد الطمأنينة في الركوع وفي السجود وفي الاعتدال وفي الجلوس بين السجدتين، وهنا جعلها في كل ركن كالجزء منه وكالهيئة التابعة له، وهو صريح كلامهم في التقدم والتأخر بركن أو ركنين.
стр. 425
النِّيَةُ. فَإِنْ صَلَّى فَرْضًا .. وَجَبَ قَصْدُ فِعْلِهِ وَتَعْيِينُهُ
ــ
قال الرافعي: وبه يشعر قوله ﷺ للأعرابي: (ثم اركع حتى تطمئن راكعًا)، وهو خلاف لفظي، وزاد بعضهم الموالاة، وبعضهم نية الخروج، وبعضهم استقبال القبلة.
ونقص الغزالي النية، فجعلها بالشروط أشبه، وعدها في الصوم ركنًا؛ لأنها هنا صفة للأفعال فكانت كالطهارة، وأما الصوم .. فترك، فلا يحسن أن تكون وصفًا له، ولذلك لا تعتبر في سائر التروك، ولولا الخبر لما اعتبرت في الصوم.
قال: (النية)؛ لقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾. قال الماوردي: والإخلاص في كلامهم: النية. وقوله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى). ولأن الصلاة قربة محضة، فلا تصح بغير نية كالصوم، وأجمع الأمة على اعتبار النية في الصلاة. وبدأ بها، لأن الصلاة لا تنعقد إلا بها.
قال: (فإن صلى فرضًا .. وجب قصد فعله وتعيينه) أي: فعل الصلاة، وتعيين كونها ظهرًا أو عصرًا؛ ليتميز بالأول عن سائر الأفعال، وبالثاني عن سائر الصلوات؛ لأن النية شرعت لتمييز العبادة عن العادة كما في القسم الأول، أو لتمييز مراتب العبادة كما في الثاني، وكان الصواب أن يقول: قصد فعلها وتعيينها بضمير المؤنث ليعود على الصلاة؛ إذ لا يمكن عوده على الفريضة؛ لأن قصد الفرض سيأتي.
قال الرافعي: ولا يكفيه أن يحضر نفس الصلاة بباله مع الغفلة عن الفعل.
ولو اقتصر على نية فرض الوقت .. لم يكف في الأصح؛ لاحتمال أنه ذكر حينئذ فائتة. ولا تصح الظهر بنية الجمعة على الصحيح، وتصح الجمعة بنية الظهر المقصورة إن قلنا: إنها كذلك.
стр. 426
وَالأَصَحُّ: وُجُوبُ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّة دُونَ الإِضَافَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى
ــ
قال: (والأصح: وجوب نية الفرضية)؛ لتمتاز عن صلاة الصبي، والصلاة المعتادة في جماعة.
والثاني: لا؛ لأن الظهر من البالغ إذا لم تكن معادة .. لا تكون إلا فرضًا، وصلاة الصبي حجة لنا؛ لأن الصبي إذا صلى ثم بلغ .. يجزئه ما أتى به، ولو كانت نية الفرضية مشترطة .. لما أجزأه ذلك.
لكن صحح في (التحقيق) و (شرح المهذب): أن نية الفرضية لا تشترط في صلاة الصبي، وفي (أصل الروضة) الاشتراط، والأول هو الظاهر.
والنذر كالفرض، حكاه ابن الرفعة عن بعضهم وأقره.
قاعدة:
العبادات المشروط فيها النية، في وجوب التعرض للفرض فيها خمسة أقسام:
الأول: يشترط بلا خلاف كالزكاة.
الثاني: عكسه كالحج والعمرة.
الثالث: يشترط التعرض له على الأصح كالصلاة.
الرابع: عكسه الجمعة والصوم على ما صححه في (شرح المهذب)، خلافًا لما وقع للرافعي من ترتيب الخلاف على الصلاة، وتبعه صاحب (الحاوي الصغير).
الخامس: عبادة لا يكفي فيها ذلك، بل يضر على الصحيح، وهي التيمم، فإذا نوى فرضه .. لم يكف.
قال: (دون الإضافة إلى الله تعالى)؛ لأن عبادة المسلم لا تكون إلا لله.
والثاني: يجب؛ لتحقق معنى الإخلاص. ويجريان في سائر العبادات.
ولا يشترط التعرض لعدد الركعات واستقبال القبلة على الصحيح، لكن متى نوى الظهر ثلاثًا أو خمسًا .. لم ينعقد.
وفي تصوير عدم الإضافة إلى الله تعالى إشكال، فإن فعل الفرض لا يكون إلا لله، فلا ينفك قصد الفرضية عن نية الإضافة إلى الله تعالى.
стр. 427
وَأَنَّهُ يَصِحُّ الأَدَاءُ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ وَعَكْسُهُ. وَالنَّفْلُ ذُو الْوَقْتِ أَوِ السَّبَبِ كَالْفَرْضِ فِيمَا سَبَقَ،
ــ
قال: (وأنه يصح الأداء بنية القضاء وعكسه)؛ لاستعمال كل بمعنى الآخر، تقول: قضيت الدين وأديته، وقال تعالى: ﴿فإذا قضيتم الصلوة﴾ أي: أديتموها.
والثاني: يشترطان؛ ليتميز كل منهما عن الآخر.
والثالث: يشترط التعرض لنية القضاء دون الأداء، لأن الأداء يتميز بالوقت بخلاف القضاء.
والرابع: إن كان عليه فائتة مثلها .. اشترط التعرض لنية الأداء، وإلا .. فلا، وبه قطع الماوردي والقفال.
قال الرافعي: هذا الخلاف ليس بظاهر؛ لأنه إن جرت هذه النية على لسانه أو في قلبه، ولم يقصد حقيقة معناها .. فينبغي أن يصح قطعًا، وإن قصد حقيقة معناها .. ينبغي أن لا تصح قطعًا؛ لتلاعبه.
وأجاب المصنف بأن مراد الأصحاب من نوى ذلك جاهلًا بالوقت لغيم ونحوه، فصلى بنية الأداء ثم تبين أنه صلى في غير الوقت .. فنص الشافعي على صحتها، وكذا لو ظن خروج الوقت فصلى بنية القضاء، ثم بان أنه باق .. فإنه تجزئه بلا خلاف، وكذا لو لم ينو شيئًا منهما؛ لأن الوقت يغني عن تعيين الأداء والقضاء.
ومن عليه فائتة أو فوائت .. لا خلاف أنه لا يشترط أن ينوي ظهر يوم الخميس مثلًا، بل تكفيه نية الظهر، أو الظهر الفائتة إذا شرطنا نية القضاء.
قال: (والنفل ذو الوقت أو السبب كالفرض فيما سبق) أي: من اشتراط نية فعل الصلاة والتعيين، فينوي في ذي السبب صلاة الاستسقاء مثلًا أو الخسوف.
وأما ذو الوقت .. فينقسم إلى راتب وهو: التابع للفرائض كسنة الظهر، وإلى غيره كصلاة العيد.
فغير الراتب يعينه بما اشتهر به كالتراويح والضحى وصلاة العيد.
وقال الشيخ عز الدين: لا يجب التعرض لكونه فطرًا أو نحرًا.
стр. 428
وَفِي نِيَّةِ النَّفْلِيَّةِ وَجْهَانِ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ: لاَ تُشْتَرَطُ نِيَّةُ النَّفْلِيَّةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَكْفِي فِي النَّفْلِ الْمُطْلَقِ نِيَّةُ فِعْلِ الصَّلاَةِ. وَالنِّيَّةُ بِالْقَلْبِ،
ــ
والرواتب يعينها بالإضافة، فيقول مثلًا: أصلي ركعتي الفجر، أو سنة العشاء، أو راتبة الظهر.
وقال في (شرح المهذب): التي قبلها أو بعدها وفيه نظر.
والوتر صلاة مستقلة فلا يضيفها لصلاة العشاء، فإن أوتر بواحدة أو بما زاد ووصل .. نوى الوتر، وإن فصل .. نوى بالواحدة الوتر، وفيما قبلها أوجه:
أصحها: ينوي الوتر أيضًا.
والثاني: صلاة الليل.
والثالث: سنة الوتر.
والرابع: مقدمة الوتر.
قال الرافعي: وهذه الأوجه تشبه أن تكون في الأولوية لا في الاشتراط.
قال: (وفي نية النفلية وجهان)، كما في اشتراط الفرضية في الفرض.
ولو عبر بالتعريف كما عبر في (المحرر) و (الروضة) .. كان أولى، وكانت في أصل المصنف كذلك، لكنه كشط الألف واللام وصحح عليه.
قال: (قلت: الصحيح: لا يشترط نية النفلية والله أعلم)؛ لأن النفلية ملائمة للفعل، بخلاف الظهر ونحوها.
قال: (ويكفي في النفل المطلق) وهو: الذي ليس له وقت ولا سبب (نية فعل الصلاة)؛ لأن بها تتحقق القربة، ولا خصوصية لها تفتقر إلى قصدها.
قال: (والنية بالقلب)؛ لأنها القصد، فلا يكفي النطق مع غفلة القلب بالإجماع، ونبه به هنا على جميع الأبواب فإنه لم يذكره إلا هنا.
стр. 429
وَيُنْدَبُ النُّطْقُ قُبَيْلَ التَّكْبِيرِ. الثَّاني: تَكْبِيرةُ الإِحْرَامِ
ــ
قال: (ويندب النطق قبيل التكبير)؛ ليساعد اللسان القلب، ولأن ذلك أبعد عن الوسواس، وتقدم أن الزبيري أوجب التلفظ بالنية في كل عبادة وهو بعيد، بل لم يقم دليل على الندبية.
ولا يجب استصحاب النية بعد التكبير، ولكن يشترط أن لا يأتي بمناقض لها.
فلو نوى في أثناء الصلاة الخروج منها .. بطلت، وإن تردد في أن يخرج أو يستمر .. بطلت.
ولو نوى في الركعة الأولى الخروج في الثانية، أو علق الخروج بشيء يوجد في صلاته .. بطلت في الحال على الصحيح، كما لو علق به الخروج من الإسلام .. فإنه يكفر في الحال كما سيأتي في بابه.
ولو تردد في الخروج من صومه، أو علقه على وجود شيء .. لم يبطل على المذهب كالحج.
فالعبادات في قطع النية أربعة أضرب:
الأول: الإيمان والصلاة، يبطلان بنية الخروج وبالتردد.
الثاني: الحج والعمرة لا يبطلان.
الثالث: الصوم والاعتكاف، الأصح: أنهما لا يبطلان.
الرابع: الوضوء فلا يبطل بنية الخروج بعد الفراغ على المذهب، ولا بالتردد فيه قطعًا.
ولو عقب النية بإن شاء الله بلسانه أو قلبه تبركًا .. لم يضر، وإن علق أو شك .. ضر.
ولو قيل له: صل الظهر لنفسك ولك دينار، فصلى بهذه النية .. صحت ولا دينار.
قال: (الثاني: تكبيرة الإحرام)؛ لقوله ﷺ للمسيء صلاته: (إذا قمت إلى الصلاة .. فكبر).
стр. 430
وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْقَادِرِ: (اللهُ أَكْبَرْ)،
ــ
وروى الشافعي [١/ ١٠٠] وأبو داوود [٦٢] والحاكم [١/ ٢٢٣] عن محمد ابن الحنفية عن أبيه علي بن أبي طالب أن النبي ﷺ قال: (مفتاح الصلاة الوضوء، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)، وقال الترمذي [٣]: هو أصح شيء في الباب وأحسن.
وسميت تكبيرة الإحرام؛ لأنه يحرم بها عليه ما كان حلالًا قبلها من مفسدات الصلاة، كالأكل والكلام ونحوهما.
وعند أبي حنيفة: التكبير شرط لا يدخل في الصلاة إلا بعد فراغه.
وعندنا وجه كمذهبه، والمذهب: أنا نتبين بفراغه منه دخوله فيها بأوله.
وفائدة الخلاف: فيما لو افتتح التكبير بمانع ما من نجاسة أو غيرها.
قال: (ويتعين على القادر: (الله أكبر))؛ لأن النبي ﷺ كان يدخل به في الصلاة، وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) رواه البخاري [٦٣١].
وروى أبو حميد الساعدي: (أن النبي ﷺ كان إذا فتتح الصلاة .. استقبل القبلة ورفع يديه وقال: (الله أكبر) رواه ابن ماجه [٨٦٢]، وصححه ابن حبان [١٨٧٠]،
стр. 431
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فلا تنعقد بقوله: الله الكبير؛ لفوات مدلول أفعل التفضيل، وفي وجه شاذ: يجزئ الرحمن الرحيم أكبر.
ومعنى (الله أكبر) أي: من كل شيء.
ويشترط في التكبير جزم الراء؛ لقوله ﷺ : (التكبير جزم)، فلو ضم الراء من أكبر .. لم تصح صلاته كما قاله ابن يونس في (شرح التنبيه)؛ لأنه ﷺ قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وهو ﷺ لم ينطق بالتكبير إلا مجزومًا. ولو قال: أللهو أكبر بزيادة واو ساكنة أو محركة .. لم تصح. ولو قال: الله هو أكبر .. لم تصح كما قال في (الكفاية). ولو شدد الباء من أكبر .. ففي (فتاوى ابن رزين): أنها لا تنعقد.
стр. 432
وَلاَ تَضُرُّ زِيَادَةٌ لاَ تَمْنَعُ الاِسْمَ كَـ (اللهُ الأَكْبَرْ)، وَكَذَا (اللهُ الْجَلِيلُ أَكْبَرْ) فِي الأَصَحِّ، لاَ (أَكْبَرُ اللهُ) عَلَى الصَّحِيحِ
ــ
ولو قال: أصلي الظهر مأمومًا أو إمامًا الله أكبر .. فالأولى أن يقطع الهمزة من قوله: الله أكبر وليحققها، فإن وصلها .. خلاف الأولى، ولكن تصح صلاته، كذا في (شرح المهذب) و (التحقيق)، وأفتى به ابن الصلاح وابن عبد السلام.
والحكمة في استفتاح الصلاة بالتكبير: استحضار المصلي عظمة من تهيأ لخدمته والوقوف بين يديه؛ ليمتلئ هيبة فيحضر قلبه ويخشع ولا يغيب.
قال: (ولا تضر زيادة لا تمنع الاسم كـ (الله أكبر))؛ لأنه أتى به وبزيادة لا تخل بالمعنى.
قال: (وكذا (الله الجليل أكبر) في الأصح)؛ قياسًا على الله أكبر، والله أكبر، ونحو ذلك من الصفات التي لا يطول بها الفصل؛ لما سبق.
والثاني: يضر؛ لأن هذه زيادة مستقلة تغير النظم، بخلاف تلك.
وصورة المسألة: أن يكون الفاصل يسيرًا كما مثله المصنف، فإن طال كقوله: الله الذي لا إله هو الرحمن الرحيم الملك القدوس أكبر .. ضر بلا خلاف، كذا في (الروضة).
وفي (الكفاية) وجه: أنه لا يضر، وهو اختيار الشاشي.
قال: (لا (أكبر الله) على الصحيح)؛ لأنه لا يسمى تكبيرًا، هذا هو المنصوص هنا، ونص على أنه: لو قال في آخر الصلاة عليكم السلام .. أجزأه، فقيل قولان بالنقل والتخريج، والأصح تقرير النصين. والفرق: أن ذلك يسمى تسليمًا، وهذا لا يسمى تكبيرًا.
والثاني: لا يضر؛ لأن تقديم الخبر جائز.
فائدة:
قال الإمام فخر الدين في تفسير قوله تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخفية﴾ أجمع
стр. 433
وَمَنْ عَجَزَ .. تَرْجَمَ، وَوَجَبَ التَّعَلُّمُ إِنْ قَدَرَ
ــ
المتكلمون على أن: من عبد الله ودعا لأجل الخوف من العقاب والطمع في الثواب .. لا تصح عبادته، وجزم في أوائل تفسير (سورة الفاتحة) بأن لو قال: أصلي لثواب الله أو للهرب من عقابه .. فسدت صلاته.
قال: (ومن عجز) أي: عن النطق بالعربية، ولم يقدر على التعلم (.. ترجم) أي: بدل التكبير؛ ولا يعدل إلى ذكر آخر؛ لأنه لا إعجاز فيه، والأصح: أنه يتخير، فيأتي بأي لسان كان.
وقيل: إن عرف السريانية أو العبرانية .. تعينت؛ لشرفها بإنزال الكتاب بهما، وبعدهما الفارسية أولى من التركية والهندية.
وانفرد أبو حنيفة بجواز الترجمة للقادر. أما العاجز لخرس أو نحوه .. فسيأتي حكمه في القراءة.
قال: (ووجب التعلم إن قدر)؛ لأن: (ما لا يتم الواجب إلا به .. فهو واجب).
فلو كان في موضع لا يجد من يعلمه .. لزمه السير إليه في الأصح.
وقيل: لا يجب السفر، كما لا يلزمه ذلك عند عدم الماء ليتوضأ.
والفرق: أن هذا تعلم كلمة واحدة ينتفع بها طول عمره، بخلاف الماء.
стр. 434
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا يجوز الاقتصار على الترجمة في أول الوقت إذا قدر على التعلم والإتيان بها في آخره، فلو أخر مع القدرة وضاق الوقت فلم يتعلم .. صلى بالترجمة لحرمة الوقت، ثم يقضي لتقصيره، وفي وجه: لا يجب القضاء.
فروع:
يلزم السيد أن يعلم غلامه العربية لأجل التكبير، أو يخليه ليكتسب أجرة المعلم، فلو لم يعلمه واستكسبه .. عصى بذلك.
ويجب الاحتراز في التكبير عن وقفة بين كلمتيه، وعن زيادة تغير المعنى كمد الهمزة من الله، أو إشباع حركة الباء من أكبر فتحدث بعدها ألف.
والواجب فيه وفي سائر الأقوال الواجبة: أن يسمع نفسه إن كان صحيح السمع، ولا مانع من لغط وغيره.
ويستحب للإمام أن يجهر بالتكبير فيسمع من خلفه، ورفع المرأة إذا أمت دون رفع الرجل. أما المأموم .. فيكره له الجهر؛ لئلا يشوش على غيره.
والأخرس يجب عليه أن يحرك لسانه وشفتيه بحسب الإمكان.
ويستحب على المشهور أن يأتي بتكبيرة الإحرام بسرعة، ولا يمدها؛ لئلا تزول النية.
ويجب أن يكبر قائمًا حيث يجب القيام، فلو وقع حرف من تكبيرته في غير القيام .. لم يصح مسبوقًا كان أو غيره. فلو كبر المسبوق تكبيرة واحدة نوى بها التحريم والهوي .. فالأصح: لا تنعقد.
стр. 435
وَيُسَنُّ رَفْعُ يَدَيْهِ فِي تَكْبِيرِهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ،
ــ
ولو كبر للإحرام أربع تكبيرات أو أكثر .. دخل في الصلاة بالأوتار، وبطلت بالأشفاع.
وصورته: أن ينوي بكل تكبيرة افتتاح الصلاة، ولم ينو الخروج منها، فبالأولى دخل، وبالثانية خرج، وبالثالثة دخل، وبالرابعة خرج، وبالخامسة دخل، وبالسادسة خرج وهكذا أبدًا، هكذا في زوائد (الروضة)، والمسألة في (الشرح) كذلك في الباب الثاني من (أبواب الشفعة).
قال: (ويسن رفع يديه في تكبيره)؛ لأن النبي ﷺ كان إذا افتتح الصلاة .. رفع يديه حذو منكبيه، متفق عليه [خ٧٣٥ - م٩٣٠]، وأجمعت الأمة عليه.
وقال أبو الحسن أحمد بن سيار المروزي- من متقدمي أصحابنا، أصحاب الوجوه في طبقة المزني-: رفعهما واجب، لا تصح الصلاة إلا به. وهو قول الأوزاعي والحسن وداوود وآخرين، وسواء فيه من صلى قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا، والمفترض والمتنفل، والرجل والمرأة، والإمام والمأموم.
قال: (حذو منكبيه)؛ لأنه ﷺ كان يفعل ذلك إذا افتتح الصلاة كما تقدم. فلو كان بيديه ما يمنع من ذلك .. رفع إلى حيث يمكنه. ولو كان بإحدى يديه علة .. رفع الصحيحة كما سبق، والعليلة إلى حيث أمكن.
ويستحب كشف يديه، وأن تكون إلى القبلة، وتفريق أصابعهما تفريقًا وسطًا.
و (حذو) بالذال المعجمة معناه: مقابل.
و (المنكب): مجمع عظم العضد والكتف.
والمراد بـ (اليدين) هنا: الكفان.
стр. 436
وَالأَصَحُّ: رَفْعُهُ مَعَ ابْتِدَائِهِ. وَيَجِبُ قَرْنُ النِّيَّةِ بِالتَّكْبِيرِ، وَقِيلَ: يَكْفِي بِأَوَّلِهِ
ــ
ولو قطعت يده من الكوع .. رفع الساعد، أو من المرفق .. رفع العضد في الأصح.
قال: (والأصح: رفعه مع ابتدائه)؛ لما روى الشيخان [خ٧٣٥ - م٩٣٠] عن ابن عمر: (أن النبي ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر)، فيكون ابتداؤه مع ابتدائه، ولا استحباب في الانتهاء، فإن فرغ من التكبير قبل تمام الرفع أو بالعكس .. أتم الآخر، وإن فرغ منهما .. حط يديه ولم يستدم الرفع.
والثاني: يرفع يديه غير مكبر، ثم يكبر ويداه قارتان، فإذا فرغ .. أرسلهما؛ لأن أبا داوود [٧٢٥] رواه كذلك بإسناد حسن، وصحح هذا البغوي، واختاره الشيخ، ودليله في (مسلم) [٣٩٠] من رواية ابن عمر.
والثالث: يرفع مع ابتداء التكبير، ويكون انتهاؤه مع انتهائه، ويحطهما بعد فراغ التكبير لا قبل فراغه؛ لأن الرفع للتكبير فكان معه، وصححه المصنف ونسبه إلى الجمهور.
ولو نسي الرفع ثم ذكره بعد فراغ التكبير .. لم يأت به، ولو ذكره في أثنائه .. أتى به.
قال: (ويجب قرن النية بالتكبير)؛ لأنه أول فرض، وجميعه بالنسبة إلى الصلاة كالجزء الواحد.
ومعنى مقارنتها للتكبير: أن تقارن جميعه.
وفي كيفية المقارنة وجهان:
أحدهما: يجب أن يبتدئ النية بالقلب مع ابتداء التكبير باللسان، ويفرغ منها مع فراغه منه، واستبعده الشيخ؛ لأن النية عرض لا ينقسم فلا أول لها ولا آخر.
وأصحهما- وهو مراد المصنف-: أن توجد النية مع أول التكبير وتستمر إلى آخره.
قال: (وقيل: يكفي بأوله)؛ لأن ما بعد التكبير في حكم الاستدامة، وهذا الوجه صححه الرافعي في (الطلاق).
стр. 437
الثَّالِثُ: الْقِيَامُ فِي فَرْضِ الْقَادِرِ
ــ
وقال الإمام: لم يكن السلف الصالحون يرون المؤاخذة بهذه التفاصيل، إنما المعتبر انتفاء الغفلة بذكر النية حالة التكبير مع بذل المجهود، ومن لم يقل بذلك .. وقع في الوسواس المذموم.
واختار في شرحي (المهذب) و (الوسيط) تبعًا للإمام، والغزالي في (الإحياء): أن المراد المقارنة العرفية العامة بحيث يعد مستحضرًا للصلاة غير غافل عنها، قال الشيخ: وهو الصواب.
قال: (الثالث: القيام في فرض القادر)؛ لقوله تعالى: ﴿وقوموا لله قنتين﴾.
وقال عمران بن حصين: كان بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: (صل قائمًا، فإن لم تستطع .. فقاعدًا، فإن لم تستطع .. فعلى جنب) رواه البخاري [٣٧١]. زاد النسائي: (فإن لم تستطع .. فمستلقيًا ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾.
وأجمع الأمة على ذلك، وهو معلوم من الدين بالضرورة، من استحله من غير عذر .. كفر، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام.
وكلام المصنف يقتضي: أن المعادة في جماعة، إذا قلنا بالمذهب: إنها نافلة .. يجوز فعلها قاعدًا، وكذلك ظهر الصبي، وفيهما نظر.
وصحح في (البحر): أن الصبي لا يصح ظهره قاعدًا مع القدرة على القيام. لكن يستثنى لحاجة أو ضرورة مسائل:
منها: إذا كان للغزاة رقيب يرقب العدو، ولو قام لرآه العدو، أو جلس الغزاة في مكمن، ولو قاموا لرآهم العدو، وفسد تدبير الحرب .. فلهم الصلاة قعودًا، والمذهب: وجوب الإعادة.
ومنها: إذا خاف راكب السفينة الغرق، أو دوران الرأس .. صلى قاعدًا ولا يعيد.
стр. 438
وَشَرْطُهُ: نَصْبُ فَقَارِهِ، فَإِنْ وَقَفَ مُنْحَنِيًا أَوْ مَائِلاً بِحَيْثُ لاَ يُسَمَّى قَائِمًا .. لَمْ يَصِحَّ
ــ
ومنها: المريض إذا أمكنه القيام منفردًا ولو صلى جماعة قعد في بعضها .. نص الشافعي على جواز الأمرين، وقعوده أفضل.
والسلس الذي إذا قام استرسل بوله .. يصلي قاعدًا على الصحيح ولا إعادة عليه، وقال القفال: يصلي قائمًا محافظة على الركن كما يصلي العاري.
ومنها: إذا قال طبيب ثقة لمن بعينيه ماء: إن صليت مستلقيًا أمكن مداواتك .. فله ترك القيام على الأصح.
والثاني: لا يجوز، قال في (الوسيط): لأن ابن عباس استفتى عائشة وأبا هريرة، فليم يرخصا له فيه، وهذا لا يصح إنما روي: أنه كره ذلك.
وفي (المهذب): أن عبد الملك بن مروان حمل إليه الأطباء على البرد، فنعتوا له ذلك، فاستفتى عائشة وأم سلمة فنهتاه.
وإنما تولى عبد الملك الخلافة بعد موتهما وموت أبي هريرة بسنين عديدة.
أما إذا قال: إن صليت قاعدًا أمكن مداواتك .. فقال الإمام: يجوز القعود قطعًا، ونازعه الرافعي في ذلك.
قال: (وشرطه: نصب فقاره)؛ لأنه لا يسمى قائمًا بدون ذلك، ولا يضر إطراق الرأس بغير انحناء بلا خلاف، بل صرح في (الخلاصة) باستحبابه؛ لأن النبي ﷺ كان يفعله. لكن يكره أن يلصق قدميه، وأن يقدم إحداهما على الأخرى.
و (الفقار) بفتح الفاء: خرزات الظهر، وفي حديث زيد بن ثابت: ما بين عجب الذنب إلى فقار القفا ثنتان وثلاثون فقارة.
قال: (فإن وقف منحنيًا أو مائلًا بحيث لا يسمى قائمًا .. لم يصح)؛ لتركه الواجب بلا عذر.
стр. 439
فَإِنْ لَمْ يُطِقِ انْتِصَابًا وَصَارَ كَرَاكِعٍ .. فَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَقِفُ كَذَلِكَ، وَيَزِيدُ انْحِنَاءَهُ لِرُكُوعِهِ إِنْ قَدَرَ. وَلَوْ أَمْكَنَهُ الْقَيَامُ دُونَ الرُّكُوعِ وَالسَّجُودِ قَامَ وَفَعَلَهُمَا بِقَدْرِ إِمْكَانِهِ
ــ
ولو استند مع الانتصاب المشروط إلى جدار أو إلى إنسان استنادًا لا يسلب اسم القيام .. صح في الأصح، وقيل: لا، وقيل: إن كان بحيث لو رفع السناد لم يسقط .. صح، وإلا .. فلا.
ولو لم يقدر على النهوض للقيام إلا بمعين .. لزمه أن يستعين بمن يقيمه، فإن لم يجد متبرعًا .. لزمه الاستئجار بأجرة المثل إن وجدها، أو أن يعتمد على شيء. قال القاضي حسين: لم يلزمه ذلك، وصرح الإمام والمتولي بخلافه.
وإذا عجز عن القيام في الفاتحة فجلس .. وجب عليه إدامة القراءة في هوية، وقال المتولي: تجوز القراءة في هذه الحالة.
وفي (مرشد ابن أبي عصرون): لا تجزئه القراءة فيها، فحصلت ثلاثة آراء، وبالأول جزم الشيخان.
قال: (فإن لم يطق انتصابًا وصار كراكع .. فالصحيح: أنه يقف كذلك) أي: وجوبًا؛ لأنه أقرب إلى الواجب.
والثاني- قاله الإمام استنباطًا من كلام الأئمة، وتبعه عليه الغزالي-: أنه يلزمه أن يقعد؛ لأن حد الركوع يخالف حد القيام، فلا يتأدى أحدهما بالآخر.
ويشكل على الإمام: أنه رجح فيمن لا يمكنه القيام على قدميه، وأمكنه النهوض على ركبتيه .. أنه يلزمه- كما نقله الغزالي في تدريسه عنه، وهو أحد الوجهين- مع أنه لا يسمى قائمًا.
قال: (ويزيد انحناءه لركوعه إن قدر)؛ ليتميز الواجب عن غيره، وظاهر عبارة المصنف وغيره أن ذلك على سبيل الوجوب.
قال: (ولو أمكنه القيام دون الركوع والسجود .. قام وفعلهما بقدر إمكانه)؛ لقوله ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر .. فأتوا منه ما استطعتم)، فيحني
стр. 440
وَلَوْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ .. قَعَدَ كَيْفَ شَاءَ، وَافْتِرَاشُهُ أَفْضَلُ مِنْ تَرَبُّعِهِ فِي الأَظْهَرِ.
ــ
صلبه ما أمكنه، فإن عجز .. حتى رقبته ورأسه، فإن عجز .. أومأ إليهما؛ لأن: (الميسور لا يسقط بالمعسور).
قال: (ولو عجز عن القيام .. قعد)؛ لما روى الشيخان [خ٨٠٥ - م٤١١] عن أنس: (أن النبي ﷺ سقط عن فرس، فجحش شقه الأيمن، فدخلتا عليه نعوده، فحضرت الصلاة فصلى قاعدًا)، ولإطلاق حديث عمران والإجماع، ولا إعادة عليه.
قال في (التهذيب): قال في (المهذب): ولا ينقص بذلك ثوابه؛ لأنه معذور.
وأما قوله ﷺ : (من صلى قائمًا .. فهو أفضل، ومن صلى قاعدًا .. فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائمًا .. فله نصف أجر القاعد) كما أخرجه البخاري في (التاريخ) عن عمران بن حصين .. فمحمول على النفل عند القدرة على القيام، وضبط الإمام العجز في هذا الباب بأن يلحقه بالقيام مشقة تذهب خشوعه. والمذهب: أنه لا يكفي ذلك، بل خوف الهلاك، أو زيادة المرض، أو مشقة شديدة.
قال: (كيف شاء) لا خلاف في ذلك، إنما الخلاف في الأفضل.
قال: (وافتراشه أفضل من تربعه في الأظهر) أي: في موضع قيامه؛ لأنها هيئة مشروعة في الصلاة، فكانت أولى من التربع؛ لأنه لا يليق بالخضوع، وهذا هو الصحيح، وخصه في (الحاوي) بالرجل وقال: الأولى للمرأة التربع؛ لأنه أستر.
والثاني: تربعه أفضل، وهو نصه في (البويطي)، واختاره الشيخ؛ لما رورى النسائي [٣/ ٢٢٤] عن عائشة ﵁ قالت: (رأيت رسول الله ﷺ يصلي متربعًا)، وكان أنس وابن عمر يفعلانه.
стр. 441
وَيُكْرَهُ الإقْعَاءُ بِأَنْ يَجْلِسَ عَلَى وَرِكَيْهِ نَاصِبًا رُكْبَتَيْهِ
ــ
والفرض عند العجز كالنفل، والمعنى فيه: أنه بدل عن القيام فاستحب مخالفة صورته لصورة القعود كصلاة الصحيح، ولأنه أبعد عن السهو.
وقيل: التورك؛ لأنه أعون للمصلي.
وقيل: يجلس على رجله اليسرى، وينصب ركبته اليمنى كالجلوس بين يدي المقرئ؛ لأنه أكثر أدبًا، فهي قولان ووجهان.
قال: (ويكره الإقعاء)؛ لما روى الحسن عن سمرة قال: (نهى النبي ﷺ عليه وسلم عن الإقعاء في الصلاة) رواه الحاكم [١/ ٢٧٢] وقال: [صحيح] على شرط البخاري؛ لأن البخاري روى أنه سمعه من سمرة.
قال: (بأن يجلس على وركيه ناصبًا ركبتيه)، هكذا فسره أبو عبيد القاسم بن سلام عن شيخه أبي عبيدة معمر بن المثنى بزيادة: وضع يديه على الأرض.
والمراد بـ (الورك): أصل الفخذ. ومعنى ذلك: أن يلصق أليته بالأرض، وينصب فخذيه وساقيه كهيئة المستوفز. وإنما نهى عن ذلك؛ لتشبهه بالكلاب والقردة. وهذا الإقعاء منهي عنه في جميع الصلاة.
ومن الإقعاء نوع مستحب عند المصنف وابن الصلاح والبيهقي، ونص عليه في (البويطي)، وصوبه الشيخ وهو: أن يفرش رجليه، ويضع أليتيه على عقبيه، كما ثبت في (صحيح مسلم) [٥٣٦] عن طاووس قال: قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين، قال: (هي سنة نبيكم ﷺ ، وروي ذلك عن العبادلة، وجعله الرافعي أحد الأوجه في الإقعاء المكروه، وليس المراد بكونه سنة أنه أفضل من غيره، بل الافتراش أفضل منه؛ لكثرة رواته ولمواظبة النبي ﷺ ، ويكره أيضًا أن يقعد مادًا رجليه.
стр. 442
ثُمَّ يَنْحَنِي لِرُكُوعِهِ بِحَيْثُ تُحَاذِي جَبْهَتُهُ مَا قُدَّامَ رُكْبَتَيْهِ، وَالأَكْمَلُ: أَنْ تُحَاذِيَ مَوْضِعَ سُجُودِهِ. فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْقُعُودِ .. صَلَّى لِجَنْبِهِ الأَيْمَنِ،
ــ
قال: (ثم ينحني لركوعه بحيث تحاذي جبهته ما قدام ركبتيه) أي: من الأرض؛ وهذا أقل ركوع القاعد.
قال: (والأكمل: أن تحاذي موضع سجوده)؛ لأنه يضاهي أكمل ركوع القائم. أما سجوده فكسجود القائم، فإن عجز عن الركوع والسجود على ما تقرر .. أتى بالممكن، وإذا لم يقدر من السجود على وضع الجبهة، وقدر على زيادة أكمل الركوع .. وجب الاقتصار من الركوع على أكمله ليتميز عن السجود؛ لقوله ﷺ لمريض عاده، فرآه يصلي على وسادة فأخذها فرمى بها، فأخذ عودًا ليصلي عيه فرمى به، وقال ﵊: (صل على الأرض إن استطعت، وإلا .. فأومئ إيماء واجعل سجودك أخفض من ركوعك) رواه البيهقي [٢/ ٣٠٦].
قال: (فإن عجز عن القعود .. صلى لجنبه)؛ لقوله ﷺ : (فإن لم تستطع .. فعلى جنب).
والمعتبر في العجز هنا: ما يعتبر في القيام، وقال الإمام هنا: لابد من عدم تأتي القعود، أو خيفة الهلاك، أو المرض الطويل، كالتيمم.
قال: (الأيمن)؛ لفضله. ويجب استقبال القبلة بوجهه ومقدم بدنه، كالميت في لحده؛ لأنه روي: (فإن لم تستطع .. فعلى جنبك الأيمن مستقبل القبلة). فعلى هذا، لو اضطجع على يساره .. جاز؛ لإطلاق الحديث.
وقيل: على قفاه ورجلاه إلى القبلة، ويضع تحت رأسه شيئًا ليرتفع ويصير وجهه إلى القبلة لا إلى السماء، والخلاف في الوجوب لا الأولوية، بخلاف الكلام في هيئة القاعد.
والخلاف فيمن قدر على الاضطجاع والاستلقاء، أما من لم يقدر على كيفية واحدة .. فإنها تجزئه جزمًا.
стр. 443
فَإِنْ عَجَزَ .. فَمُسْتَلْقِيًا. وَلِلْقَادِرِ التَّنَفُّلُ قَاعِدًا،
ــ
قال: (فإن عجز .. فمستلقيًا) - أي: على قفاه- ويجعل رجليه إلى القبلة، كذا رواه الدارقطني [٢/ ٤٢] بمعناه، لكن ضعفه عبد الخالق.
ويجب عليه في هذه الحالة أن يأتي بالركوع والسجود إذا قدر عليهما، وإلا .. أومأ بهما وقرب الجبهة من الأرض بحسب الإمكان، ويجب عليه أيضًا أن يضع تحت رأسه شيئًا ليقبل بوجهه إلى القبلة كما تقدم، وهذا الوجه الثاني في المسألة قبلها، فإن عجز عن الإيماء برأسه .. أومأ بجفونه، فإن عجز عن الإيماء .. أجرى أفعال الصلاة على قلبه، بأن يمثل نفسه قائمًا وراكعًا وساجدًا، ويأتي بالقراءة والأذكار في محالها، فإن اعتقل لسانه .. وجب أن يجري القراءة والأذكار على قلبه، والمذهب: أنها لا تسقط ما دام عقله باقيًا ولا يعيد، وفيه وجه: أنه يعيد، ووجه آخر: أنه لا يصلي وتسقط عنه الصلاة في هذه الحالة، وحيث تغيرت حاله في الصلاة بقدرة أو عجز .. أتى بما يمكنه إلا إذا قدر على ركوع القائم بعد أن اطمأن في ركوعه .. فلا؛ لئلا يزيد ركوعًا.
كل هذا إذا صلى خارج الكعبة، أما إذا صلى فيها مضطجعًا لمرض أو نفلًا .. فالمتجه: أنه يجوز أن يصلي مستلقيًا على ظهره أو على وجهه؛ لأنه كيفما توجه مستقبل لجزء من أجزاء البيت، فإن لم يكن للكعبة سقف، أو كان على سطحها .. امتنع الاستلقاء على الظهر.
والمصلوب يلزمه أن يصلي، ثم إن كان مستقبل القبلة .. فلا إعادة عليه، وإلا .. أعاد، وكذلك الغريق على لوح.
قال: (وللقادر التنفل قاعدًا) بالإجماع، سواء فيه الرواتب وغيرها.
وفي صلاة العيدين والكسوفين والاستسقاء وجه: أنها لا تجوز، ويدل لعموم الجواز أنه ﷺ في حديث عمران المتقدم جعل للقاعد نصف أجر القائم، وللنائم نصف أجر القاعد، والمراد: حالة القدرة، وإلا .. لم ينقص الأجر بذلك، ولأن النوافل تكثر فاشتراط القيام فيها يؤدي إلى المشقة والحرج.
стр. 444
وَكَذَا مُضْطَجِعًا فِي الأَصَحِّ. الرَّابِعُ: الْقِرَاءَةُ
ــ
قال: (وكذا مضطجعًا في الأصح)؛ للحديث المتقدم.
وعلى هذا: يلزمه أن يقعد للركوع والسجود، وقيل: يومئ بهما أيضًا.
والوجه الثاني: لا يجوز لانمحاق صورة الصلاة، وصاحب هذا الوجه يحمل الحديث على الفرض ويقول: المراد به: المريض الذي لا يستطيع إلا ذلك، وأجره على النصف مما قبله، فإن تحمل المشقة وأتى بالزائد .. تم أجره؛ لأن الخطاب في الحديث كان لعمران، ومعلوم من حاله أنه كان مريضًا.
وأجيب بأن كونه جوابًا لعمران .. لا يدل لاحتمال أن يكون عمران سأله عن الفرض مرة وعن النفل أخرى، لكن نقل السهيلي قبيل غزوة ودان عن الخطابي وابن عبد البر: أنهما نقلا إجماع الأمة على أن: المضطجع لا يصلي في حال الصحة نافلة ولا غيرها، ثم قال: وليست مسألة إجماع كما زعما، بل كان في السلف من يجيز ذلك كالحسن وغيره.
فائدة:
سئل الشيخ عز الدين عن رجل يتقي الشبهات، ويقتصر على مأكول يسد الرمق من نبات الأرض ونحوه، فضعف بسبب ذلك عن الجماعة والجمعة والقيام في الفرائض: هل هو مصيب؟ فأجاب: بأنه لا خير في ورع يؤدي إلى إسقاط فرائض الله تعالى.
قال: (الرابع: القراءة) حفظًا أو تلقينًا أو نظرًا في المصحف؛ لقوله تعالى: ﴿فاقرءوا ما تيسر منه﴾. وبينه ﷺ بقوله: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)، وقوله: (كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فهي خداج) أي: ناقصة.
وفي قول: لا تجب على المأموم في الصلاة الجهرية؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرءان فاستمعوا له وأنصتوا﴾.
стр. 445
وَيُسَنُّ بَعْدَ التَّحَرُّمِ دُعَاءُ الاِفْتِتَاحِ،
ــ
وروى مسلم [٤٠٤] عن أبي موسى: أن النبي ﷺ قال: (وليؤمكم أحدكم، فإذا كبر .. فكبروا، وإذا قرأ .. فأنصتوا)، وهذا نصه في القديم، وبعض الجديد.
وأجاب القائل بالأول بأن الآية المراد بها: الخطبة، وأما الخبر .. فمحمول على السورة جمعًا بين الأحاديث.
أما السرية .. فيلزمه فيها القراءة وجهًا واحدًا.
ولو أسر الإمام في الجهرية، أو جهر في السرية، فهل الاعتبار بصفة الصلاة في الأصل، أو بفعل الإمام الآن؟ فيه وجهان، صحح المصنف الثاني.
قال: (ويسن بعد التحرم دعاء الافتتاح) أشار بذلك إلى أن لقراءة الفاتحة سنتين سابقتين، وسنتين لاحقتين: دعاء الاستفتاح والتعوذ، والتأمين وقراءة السورة.
فأما دعاء الاستفتاح .. فهو: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا مسلمًا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم؛ أنت الملك
стр. 446
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعها؛ إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك)، رواه مسلم [٧٧١] من حديث علي بن أبي طالب عن رسول الله ﷺ ، غير أن النبي ﷺ كان يقول: (وأنا أول المسلمين)؛ لأنه أول مسلمي هذه الأمة، وغيره إنما يقول: وأنا من المسلمين.
وورد في الاستفتاح أحاديث أخر اختار الشافعي منها هذا؛ لما فيه من موافقة ألفاظ القرآن، ولو دعا بغيره .. كان آتيًا بالسنة.
فإن كان إمامًا، ولم يعلم من حال المأمومين أنهم يؤثرون التطويل .. لم تستحب له الزيادة على قوله: من المسلمين، وكذلك المأموم فيما ينصت فيه لقراءة إمامه.
وغيرهما يستحب له إكماله، ويزيد عليه ما في (الصحيحين) [خ٧٤٤ - م٥٩٨] عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ كان يقول: (اللهم؛ باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب. اللهم؛ نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم؛ اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد) أي: طهرني من
стр. 447
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الذنوب. وذكر هذه الأشياء مبالغة في التطهير.
وروت عائشة: أنه ﷺ كان إذا افتتح الصلاة .. قال: (سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك) خرجه أصحاب السنن، لكن انفرد به طق بن غنام وليس بالقوي، فاستحب القاضي حسين والقاضي أبو حامد وغيرهما: أنه يبدأ به، ثم يقول: وجهت وجهي ... إلى آخره.
وعن الطبري: يندب أن يقول: الله أكبر كبيرًا، والحمد له كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، وجهت وجهي .. إلى آخره.
فلو ترك دعاء الاستفتاح عمدًا أو سهوًا .. لم يعد إليه، ولا يأتي به في باقي الركعات.
ويستثنى من إطلاق المصنف صلاة الجنازة على الأصح، والمسبوق إذا أدرك الإمام في غير القيام، أو فيه وخاف فوت الفاتحة، حتى لو أدركه في الاعتدال .. لم يأت به، بل يأتي بالتسميع والتحميد.
تنبيه:
لا فرق في التعبير بقوله: من المسلمين، ومن المشركين، بين الرجل والمرأة؛ لما روى الحاكم [٤/ ٢٢٢] عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال: (يا فاطمة قومي فاشهدي أضحيتك؛ فإنه يغفر لك بأول قطرة تقطر من دمها، وقولي: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين)، قال عمران: قلت يا رسول الله؛ هذا لك ولأهل بيتك خاصة، أم للناس عامة؟ قال: (بل للمسلمين عامة).
فائدة:
معنى (وجهت وجهي): قصدت بعبادتي.
стр. 448
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و (فطر السماوات): ابتدأ خلقها من غير مثال سبق، وجمعت السماوات ووحدت الأرض في جميع الآيات؛ لأن النبي ﷺ أسري به إليها، ووطئها بقدميه فتشرفت بذلك فجمعت، وأما الأرض فلم يطأ بقدميه الشريفتين سوى العليا منها، ولأن السماوات محل الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم، ولم يثبت في الأرض مثل ذلك، فجمعت السماوات حينئذ لشرفها، ولذلك كان المختار أنها أفضل من الأرض.
وروينا عن كعب الأحبار أنه قال: خلق الله سماء الدنيا من موج مكفوف، والثانية صخرة، والثالثة حديد، والرابعة نحاس، والخامسة فضة، والسادسة ذهب، والسابقة ياقوت. وروى البيهقي عن أبي الضحى عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: ﴿ومن الأرض مثلهن﴾ قال: (سبع أرضين، في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدمكم، ونوح كنوحكم، وإبراهيم كإبراهيمكم، وعيسى كعيسى)، ثم قال: إسناد هذا الحديث عن ابن عباس صحيح، غير أني لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعًا.
والحنيف): المائل إلى الخير والصلاح.
وقوله: (وما أنا من المشركين) بيان للحنيفي وإيضاح لمعناه.
و (النسك): العبادة، وجمع بين الصلاة والنسك، وإن كانت داخلة فيه تنبيهًا على شرفها وعظم مرتبتها، وهو من باب ذكر العام بعد الخاص.
و (رب العالمين) معناه: ملك الجن والإنس.
وأما قوله: (والشر ليس إليك) .. فقال المزني: معناه لا ينسب إليك وإن
стр. 449
ثُمَّ التَّعَوُّذُ،
ــ
كنت فاعله، كما لا يقال: يا خالق القردة والخنازير.
وقال ابن خزيمة وغيره: معناه لا يتقرب به إليك، وقيل: لا يصعد إليك.
قال: (ثم التعوذ)، لقوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ أي: أردت القراءة، كقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم﴾ أي: أردتم القيام.
وصيغته المحبوبة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وقيل: بزيادة السميع العليم.
ومعنى (أعوذ بالله): ألتجئ إليه وأعتصم به.
و (الشيطان): كل متمرد من الجن والإنس، وهو من: شاط يشيط إذا هلك، أو من: شطن بمعنى بعد.
و (الرجيم): بمعنى مرجوم بالطرد واللعن، وقيل: يرجم به غيره بالإغواء.
ويحصل التعوذ بكل لفظ حصل معناه.
وقيل: يستحب ما رواه الحاكم [١/ ٢٣٥] وابن حبان [١٧٧٩] عن جبير بن مطعم أن النبي ﷺ كان يقول إذا افتتح الصلاة: (أعوذ بك من الشيطان
стр. 450
وَيُسِرُّهُمَا، وَيَتَعَوَّذُ كُلَّ رَكْعَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَالأُولَى آكَدُ. وَتَتَعَيَّنُ (الْفَاتِحَةُ)
ــ
الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه).
(همزه): الجنون، و (نفخه): الكبر، و (نفثه): الشعر.
ويستثنى المسبوق إذا علم عدم إدراك الفاتحة، وحيث لا يقرأ المأموم لا يستحب له التعوذ في الأصح.
وقياسه عدم الاستحباب فيمن لا يحسن القراءة، إذا قلنا: التعوذ لها، فإن قلنا: التعوذ للصلاة .. تعوذ في الأولى.
قال: (ويسرهما) كسائر الأذكار المستحبة، وفي قول: يستحب الجهر بالتعوذ في الجهرية؛ لأنه تابع للقراءة فأشبه التأمين، وقيل: يستحب الإسرار قطعًا، وقيل: يتخير بين الجهر والإسرار.
قال: (ويتعوذ كل ركعة على المذهب)؛ لحصول الفصل بين القراءتين بالركوع وغيره.
والثاني: يختص بالأولى، كما لو سجد لتلاوة ثم عاد للتلاوة .. فإنه لا يعيد التعوذ. وعلى هذا، إذا تركه في الأولى عمدًا أو سهوًا .. أتى به في الثانية بخلاف دعاء الاستفتاح.
قال: (والأولى آكد)؛ للاتفاق عليها، ولأن افتتاح القراءة في الصلاة فيها.
ويتعوذ في صلاة الجنازة، وفي قراءة خارج الصلاة، وكلما قطع بكلام أو سكوت طويل، لا سجدة تلاوة كما تقدم.
قال: (وتتعين (الفاتحة)) حتى لو قرأ القرآن كله في ركعة ولم يقرأها .. لم تصح صلاته؛ لقوله ﷺ : (لا صلاة لمن يقرأ بفاتحة لكتاب) متفق عليه [خ٧٥٦ - م٣٩٤] من رواية عبادة بن الصامت.
وفي رواية: (لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب) رواه ابن خزيمة [٤٩٠]
стр. 451
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وابن حبان [١٧٩٤] من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح، والدارقطني [١/ ٣٢٢] من رواية عبادة وقال: رجاله كلهم ثقات.
وأفهم قوله: (تعيين) أنها لا تسقط بالنسيان، وهو كذلك على الصحيح، كالركوع والسجود.
وفي القديم: تسقط به؛ لما روي أن عمر صلى المغرب، فترك قراءة الفاتحة، فقيل له ذلك، فقال: (كيف كان الركوع والسجود؟) قالوا: حسنًا، قال: (فلا بأس إذاً).
والقائلون بالأول أجابوا عن هذا: بأنه ترك الجهر بالقراءة، أو أنه منقطع؛ فإن الشافعي رواه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عنه، وأبو سلمة لم يدرك عمر.
فائدة:
سميت (فاتحة الكتاب)؛ لافتتاح القرآن بها. وسميت (أم الكتاب)؛ لأنها أوله وأصله، ولذلك سميت مكة أم القرى؛ لأنها أول الأرض وأصلها ومنها دحيت.
وحكى في (التحرير): لها عشرة أسماء: الحمد، وفاتحة الكتاب، وأم الكتاب، وأم القرآن، والسبع المثاني- لأنها سبع آيات، وتثنى في كل ركعة- والصلاة، والوافية، والكافية، والشفاء، والأساس، زاد الكاشغري في (غريبه): الكنز.
стр. 452
كُلَّ رَكْعَةٍ، إِلاَّ رَكْعَةَ مَسْبُوقٍ،
ــ
قال في (الإكمال): وكره قوم منهم ابن سيرين تسميتها بأم الكتاب، ولا وجه له لصحة الأحاديث به.
وفي (تفسير بقي بن مخلد): أن إبليس رن أربع رنات: رنة حين لعن، ورنة حين أهبط، ورنة حين ولد النبي ﷺ ، ورنة حين أنزلت فاتحة الكتاب.
قال: (كل ركعة)؛ لما روى أحمد [٤/ ٣٠٤] والبيهقي [٢/ ٣٧٤] وابن حبان [١٧٨٧]- بسند صحيح- أن النبي ﷺ قال لخلاد بن رافع الزرقي حين أساء صلاته: (إذا قمت إلى الصلاة .. فكبر، ثم اقرأ بأم القرآن) إلى أن قال: (ثم اصنع ذلك في كل ركعة). ولأنه ﷺ (كان يقرأ في كل ركعة) رواه مسلم. وقال ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) رواه الشيخان [خ٦٣١ - م٦٧٤].
قال: (إلا ركعة مسبوق)؛ لأنه إذا أدرك الركوع .. فقد أدرك الركعة؛ لحديث أبي بكرة: (أنه دخل والنبي ﷺ راكع، فركع معه، ثم دخل في الصف) رواه البخاري [٧٨٣].
وعبارة المصنف تفهم: أن (الفاتحة) لا تجب عليه وهو وجه.
والأصح: أنها تجب عليه، ثم يتحملها الإمام عنه، فيكون مراده: نفي الوجوب المستقر.
وذهب ابن خزيمة وأبو بكر الصبغي من أصحابنا إلى أنه لا يكون مدركًا للركعة بإدراك الركوع.
أما إذا أدركه قائمًا وقرأ بعضها من غير اشتغال بشيء فركع .. فإنه يركع معه في الأصح.
وتسقط (الفاتحة) أيضًا في الركعات كلها حيث حصل له عذر تخلف بسببه عن الإمام
стр. 453
وَالْبَسْمَلَةُ مِنْهَا،
ــ
بأربعة أركان طويلة، وزال عذره والإمام راكع، وذلك في صور:
منها: لو كان الإمام بطيء القراءة.
ومنها: لو نسي أنه في الصلاة.
ومنها: لو امتنع من السجود بسبب الزحمة.
ومن الأعذار أيضًا: ما إذا شك بعد ركوع إمامه في قراءة الفاتحة .. ففي الجميع يتحمل عنه.
قال: (والبسملة منها)؛ لما روي: (أنه ﷺ عد الفاتحة سبع آيات، وعد ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ آية منها)، وعزاه الإمام والغزالي إلى البخاري، وليس في (صحيحه)، بل في (تاريخه).
وروى الدارقطني [١/ ٣١٢] عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا قرأتم: الحمد لله .. فاقرؤوا: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾؛ إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني، و ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ إحدى آياتها)).
وروى ابن خزيمة [١/ ٢٤٨]- بإسناد صحيح- عن أم سلمة: (أن النبي ﷺ عد ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ آية، و (الحمد لله رب العالمين) ست آيات)، وبه قال علي وابن عباس وابن عمر وابن الزبير.
وقال أبو نصر المؤذن: اتفق قراء الكوفة وفقهاء المدينة على أنها آية منها. وقال قراءة المدينة وفقهاء الكوفة: إنها ليست آية منها.
стр. 454
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولأنها ثبتت بإجماع الصحابة في المصحف مع تحريهم في تجريده مما ليس بقرآن، وأجمعوا على كتابتها بخط القرآن، وأما ما أثبت فيه من أسماء السور والأعشار .. فذلك شيء ابتدعه الحجاج في زمنه فلا اعتبار به، وأيضًا هي بعير خط المصحف.
وسواء قلنا: هي من أول كل سورة قطعًا أو ظنًا، فمن تركها .. لم يكن قرأ السورة كلها، فلا يخرج عن نذره ولا تبر يمينه إذا كان قد حلف على قراءة سورة كذا، ولا تصح صلاته إذا تركه من الفاتحة، لكن إن قلنا: هي قرآن ظنًا .. لم يكفر جاحدها، وإن قلنا قطعًا .. فالمذهب: القطع بعدم تكفيره أيضًا؛ لشبهة الخلاف فيها من الجانبين.
وفي (الكفاية): أن صاحب (الفروع) قال: يكفر جاحدها، ويفسق تاركها.
ثم هي آية كاملة من أول الفاتحة بلا خلاف، وكذا فيما عدا براءة من أوائل السور.
وفي قول: بعض آية.
ويجهر بها فيما يجهر فيه بـ (الفاتحة)، روي ذلك عن النبي ﷺ من جهة أحد وعشرين صحابيًا.
وقال ابن أبي هريرة: لا يجهر بها؛ لأن ذلك صار من شعار الرافضة.
وحجة المخالفين حديث أنس. وجوابه: أنه محمول على سورة (الحمد)، أو أن المراد عدم المبالغة في الجهر.
وروى أحمد [٣/ ١٦٦] وابن خزيمة والدارقطني [١/ ٣١٦]- بسند صحيح- أن أنسًا سئل: هل كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر يفتتحون القراءة بـ ﴿الحمد لله رب العلمين﴾، أو بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾؟ فقال للسائل: (هذا شيء لم أعرفه، ولم يسألني عنه أحد قبلك).
وروى الدارقطني [١/ ٣١١] والحاكم [١/ ٢٣٣] عن أنس أنه قال: صلى معاوية بالمدينة صلاة فجهر فيها بالقراءة فقرأ البسملة في (أم القرآن)، ولم يقرأها في السورة، فلما سلم .. ناداه من شهد ذلك من المهاجرين من كل مكان: يا معاوية؛ أسرقت الصلاة
стр. 455
وَتَشْدِيدَاتُهَا. وَلَوْ أَبْدَلَ ضَادًا بِظَاءٍ .. لَمْ تَصِحَّ فِي الأَصَحِّ
ــ
أم نسيت؟ فلما صلى بعد ذلك .. قرأها.
قال: (وتشديداتها)؛ لأن المشدد حرفان أولهما ساكن، وفيها أربع عشرة شدة، وجملة حروفها مئة وأحد وأربعون حرفًا دون التشديدات، وبها مئة وخمسة وخمسون إلا لمن أدغم، أو قرأ: ﴿ملك﴾، فإنه يزيد حرفًا وينقص حرفًا.
والحكم على التشديد بكونه من الفاتحة فيه تجوز. وقد أحسن (المحرر) في قوله: وتجب رعاية تشديداتها.
وقال في (البحر): لو ترك التشديد من قوله: ﴿إياك﴾ وخففها، فإن تعمد وعرف معناه .. كفر؛ لأن (الإيا): ضوء الشمس، فكأنه قال: نعبد ضوء الشمس، وإن كان ناسيًا أو جاهلًا .. سجد للسهو. قال: ولو شدد حرفًا مخففًا منها .. أساء وأجزأه، وفيه نظر.
قال: (ولو أبدل ضادًا بظاء .. لم تصح في الأصح)؛ لاختلاف المعنى؛ لأن الضاد من الضلال، والظاء من قولهم: ظل فعل كذا ظلولًا إذا فعله نهارًا، وقياسًا على باقي الحروف.
والثاني: يصح لقرب المخرج، وعسر التمييز بينهما، والخلاف مخصوص بالقادر.
وأما العاجز .. فيجزئه قطعًا، وعبارة المصنف كعبارة (الشرح) و (الروضة) و (المحرر) وغيرها من كتب الأصحاب، وصوابه: بالعكس؛ لأن الباء تدخل على المتروك، فإذا ترك الظاء إلى الضاد .. فقد أصاب، وإنما الممتنع على الأصح العكس، كقوله تعالى: ﴿ومن يتبدل الكفر بالإيمان﴾. وقال: ﴿أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير﴾. وقال: ﴿ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب﴾.
لكن حكى الواحدي عن ثعلب عن الفراء في قوله تعالى: ﴿بدلنهم جلودًا غيرها﴾ ما يدل على صحة عبارة المصنف.
ويشهد لذلك قول الطفيل بن عمرو الدوسي لما أسلم في وصف النبي ﷺ [من الوافر]:
стр. 456
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فألهمني هداي الله عنه .... وبدل طالعي نحسي بسعدي
وأيضًا (الإبدال) في اللغة: الإزالة، فيكون المعنى أزال ضادًا بظاء.
وسيأتي في (الديات): أن لغة الغرب انفردت بحرف الضاد، فلا يوجد في لغة غيرها، ولذلك قال ﷺ : (أنا أفصح من نطق بالضاد، بيد أني من قريش، واسترضعت في بني سعد).
وكذلك الحكم إذا أبدل حرفًا بحرف من (الفاتحة) غير الضاد، كالذال المعجمة إذا أتى بها مهملة، إلا أن تكون قراءة شاذة مثل: (إنا أنطيناك الكوثر) .. فإنها لا تبطل.
فرع:
تشرع القراءة بما ورد في السبع؛ لقوله ﷺ : (إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، كلها شاف كاف). قال المتولي: المراد: أنزل بلغة سبع قبائل من فصحاء العرب.
قال: وأما القراءة بالشواذ، فإن لم يكن فيها تغيير معنى ولا زيادة حرف ولا نقصانه .. فتجوز ولا تبطل الصلاة- كاللحن الذي لا يغير المعنى- وإن كان فيها زيادة حرف أو تغيير معنى .. امتنع وتبطل الصلاة به إذا تعمده، كقوله: (ثلاثة أيام متتابعات)، وقوله: (فاقطعوا أيمانهم)، وقوله: (وأقيموا الحج والعمرة لله)، و (إنما يخشى الله من عباده العلماء) برفع (الله) وبنصب (العلماء)، وإن كان ساهيًا .. سجد للسهو، وإن لم يغير المعنى ولم يزد في الكلام .. لم تبطل.
стр. 457
وَيَجِبُ تَرْتِيبُهَا وَمُوَالاَتُهَا، فَإِنْ تَخَلَّلَ ذِكْرٌ .. قَطَعَ الْمُوَالاَةَ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِالصَّلاَةِ كَتَامِينِهِ لِقِرَاءَةِ إِمَامِهِ وَفَتْحِهِ عَلَيْهِ
ــ
وجزم المصنف في كتبه بتحريم القراءة بالشاذ من غير تفصيل.
وحكى البغوي في أول (تفسيره) الاتفاق على جواز القراءة بما قرأ به يعقوب وأبو جعفر لاستفاضتها، وصوبه الشيخ واختاره.
وفي (فتاوى) قاضي القضاة صدر الدين موهوب الجزري: أن القراءة بالشواذ جائزة مطلقًا، إلا في الفاتحة للمصلي.
ونقل ابن عبد البر الإجماع على أنه: لا تجوز القراءة بالشاذ، ولا الصلاة خلف من يقرأ بها.
وقال العجلي: وتكره القراءة بها وتجزئ الصلاة.
قال: (ويجب ترتيبها) بأن يأتي بالآية بعد الآية؛ لأن نظم القرآن معجز، وترك الترتيب يزيل إعجازه. فإن قدم وأخر عمدًا .. بطلت قراءته دون صلات واستأنف القراءة، وإن كان سهوًا .. لم يعتد بالمؤخر.
واستشكل الشيخ وجوب الاستئناف عند التعمد على الوضوء والأذان والطواف والسعي وغيرها، قال: ولو قيل: إنه يبني .. لكان له وجه.
قال: (وموالاتها) وهي: أن يصل الكلمات بعضها ببعض، ولا يفصل إلا بقدر التنفس؛ لأنها القراءة المأثورة.
قال: (فإن تخلل ذكر .. قطع الموالاة) سواء كثر أم قل، وسواء كان قرآنًا أم غيره: كالتحميد عند العطاس، وإجابة المؤذن، والتسبيح للداخل، ونحو ذلك؛ لأن الاشتغال به يوهم الإعراض عن القراءة فيستأنفها.
هذا إذا تعمد. فإن كان سهوًا .. فالصحيح المنصوص: لا يقطع فيبني، وقيل: إن طال الذكر .. قطع القراءة، وإلا .. فلا.
قال: (فإن تعلق بالصلاة كتأمينه لقراءة إمامه وفتحه عليه)، وكذلك إذا قرأ
стр. 458
فَلاَ فِي الأَصَحِّ، وَيَقْطَعُ السُّكُوتُ الطَّوِيلُ، وَكَذَا يَسِيرٌ قَصَدَ بِهِ قَطْعَ الْقِرَاءَةِ فِي الأَصَحِّ. فَإِنْ جَهِلَ (الْفَاتِحَةَ)
ــ
الإمام آية رحمة فسألها المأموم، أو آية عذاب فاستعاذ، أو آية سجدة فسجد.
و (الفتح): تلقين الآية عند التوقف فيها.
قال: (.. فلا في الأصح) أي: لا يقطع القراءة؛ لأن المأموم مندوب إلى هذه الأمور على المشهور. أما التأمين .. فلما سيأتي. وأما الفتح عليه .. فلأن النبي ﷺ كان يقرأ في الصلاة، فترك شيئًا لم يقرأه، فقال له رجل: يا رسول الله؛ آية كذا وكذا، فقال ﷺ لأبي: (أصليت معنا؟) قال: نعم، قال: (فما منعك؟).
وأما باقيها .. فواضح، لكن عبارة المصنف تقتضي: أنه لا فرق بين أن يطول الذكر الفاصل أو يقصر، وفيه إذا طال نظر.
والوجه الثاني: تبطل الموالاة كالذكر الأجنبي.
والثالث: تبطل الصلاة.
ومحل الخلاف: في العامد، فإن كان ساهيًا .. لم يقطع جزمًا.
قال: (ويقطع السكوت الطويل) وهو: المشعر بإعراضه عن القراءة، مختارًا كان أو لعائق؛ لإخلاله بالموالاة المعتبرة.
وقيل: لا لوجود القراءة المأمور بها.
كل ذلك في المعتمد، أما الناسي .. فلا يضره على الصحيح.
قال: (وكذا يسير قصد به قطع القراءة في الأصح)؛ لاجتماع السكوت والقصد.
والثاني: لا يقطع؛ لأن كلًا منهما لا يؤثر بمفرده، فكذلك إذا اجتمعا.
و (اليسير): ما جرت به العادة لتنفس أو استراحة.
قال: (فإن جهل (الفاتحة)) أي: كلها بالعربية. وعجز عن قراءتها أو تعلمها أو
стр. 459
فَسَبْعُ آيَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ، فَإِنْ عَجَزَ .. فَمُتَفَرَّقَةٍ. قُلْتُ: الأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: جَوَازُ الْمُتَفَرِّقَةِ مَعَ حِفْظِهِ مُتَوَالِيَةً، وَاللهُ أَعْلَمُ.
ــ
تلقنها أو قراءتها في المصحف- بإجارة أو إعارة- أو عدم الضوء وهو في ظلمة وضاق الوقت عن التعلم.
قال: (.. فسبع آيات)؛ لأن النبي ﷺ قال للمسيء صلاته: (إذا قمت إلى الصلاة .. فتوضأ كما أمرك الله، فإن كان معك قرآن .. فاقرأ، وإلا .. فاحمد الله وهلل وكبر) رواه الترمذي [٣٠٢] وقال: حسن. والمعنى فيه: أن القرآن بالقرآن أشبه.
وإنما أوجبنا سبع آيات؛ لأن هذا العدد مرعي في (الفاتحة)؛ لأنها السبع المثاني. ولا تجزئ الآية الواحدة وإن طالت كآية الدين.
قال الشافعي: وأحب أن يقرأ ثماني آيات؛ لتكون الآية الثامنة بدلًا عن السورة.
وحكى المحب الطبري وجهين: في أن البدل هل يشترط أن يكون مشتملًا على ثناء ودعاء؟
قال: (متوالية)؛ لأنها أشبه بـ (الفاتحة).
قال: (فإن عجز) أي: عنها (.. فمتفرقة)؛ لأنه المقدور.
قال: (قلت: الأصح المنصوص: جواز المتفرقة) أي: من سورة أو سور (مع حفظه متوالية والله أعلم) كما في قضاء رمضان.
وقال في (المهمات): المعتمد في الفتوى ما ذهب إليه الرافعي، لكن قال الإمام: إذا كانت الآية المنفردة لا تفيد معنى منظومًا كـ ﴿ثم نظر﴾ .. لم يؤمر بقراءتها.
وحكى صاحب (التنبيه) وغيره الخلاف قولين، وهو الصواب؛ لأنهما منصوصان في (الأم).
стр. 460
فَإِنْ عَجَزَ .. أَتَى بِذِكْرٍ،
ــ
قال: (فإن عجز) أي: عن المتوالية والمتفرقة.
قال: (.. أتى بذكر)؛ لما روى أبو داوود [٨٢٨] والنسائي [٢/ ١٤٣] وابن حبان [١٨٠٨] أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله؛ إني لا أستطيع أن أتعلم القرآن، فعلمني ما يجزيني في صلاتي، فقال ﵊: (قل سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).
وأشار المصنف بقوله: (بذكر) منكرًا إلى أنه: لا يتعين ما في الحديث، وهو المرجح.
وهل يشترط أن يأتي بسبعة أنواع منه؟ فيه وجهان، قال الرافعي: أقربهما: نعم، وقد روي أن النبي ﷺ لقن العاجز عقب الذكر المتقدم: (ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن).
والثاني: لا تلزمه الإضافة؛ لأن النبي ﷺ اقتصر على الكلمات الخمس لما سئل عما يجزئ، ولأنه بدل من غير الجنس، فجاز أن ينقص عن أصله كالتيمم، بخلاف القرآن فإنه بدل من الجنس.
تنبيهات:
أحدها: ادعى ابن الرفعة أنه لا خلاف أن معرفة بعض آية كالعدم، وفي إطلاقه نظر ظاهر؛ فإن بعض الآية قد يفيد معنى منتظمًا كآية الدين، وكقوله تعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة﴾ إلى قبيل آخرها، بل هو أولى بالاعتبار من آية كاملة قصيرة، وكقوله سبحانه: ﴿ثم نظر﴾.
الثاني: الدعاء المحض، في إغنائه عن الذكر تردد للشيخ أبي محمد، والمختار في (النهاية) و (البسيط)، ورجحه في (التحقيق): أنه إن تعلق بأمور الآخرة .. أجزأ، وإلا .. فلا.
قال الشيخ: وفي هذا خروج عن الحديث بالكلية، والمختار: أنه لا يقوم مقام الذكر.
следующие страницы →