Полный текст (5 377 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.
стр. 4271
مُكَلَّفًا حُرًّا ذَكَرًا قُرَشِيًّا
ــ
قال الخطابي: معنى (الظل) العز والمنفعة، ويحتمل أن يريد به الستر، كما يقول القائل للرجل الشريف: أنا في ظلك، أي: في سترك، وقيل: إنما وصفه بالظل؛ لأنه يدفع الأذى عن الناس كما يدفع الظل أذى حر الشمس.
فأول شروطه: أن يكون مسلمًا؛ ليراعي مصلحة الإسلام والمسلمين.
قال: (مكلفًا)، فلا تصح إمامة الصبي والمجنون بالإجماع.
وفي (مسند أحمد) [٢/ ٣٢٦] عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: (استعيذوا بالله من إمرة الصبيان).
وما أحسن قول الشاعر [من الكامل]:
شيئانِ يعجزُ ذو الرياضةِ عنهم رأيُ النساءِ وإمرةُ الصبيانِ
أما النساءُ فميلهُنَّ إلى الهوى ... وأخو الصبا يجري بغيرِ عنانِ
قال: (حرًا)؛ لأن الرقيق لا يُهاب ولا يصلح للإرهاب، وما روى مسلم [١٢٩٨] من قوله ﷺ : (اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي مجدع الأطراف كان رأسه زبيبة) .. فمحمول على غير الإمامة العظمى.
قال: (ذكرًا)؛ لما روى البخاري [٤٤٢٥] عن أبي بكر: أن النبي ﷺ –لما بلغه أن فارس ولوا بنت كسرى-: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)، والخنثى كالمرأة.
قال ابن عبد السلام: فلو ابتلي الناس بولاية امرأة أو صبي مميز .. نفذ تصرفهما العام كتولية القضاة والولاة، وفيه وقفة.
قال: (قرشيًا)؛ لما روى الترمذي [٣٩٣٦] عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: (الملك في قريش، والقضاء في الأنصار، والأذان في الحبشة)، والأصح وقفه على أبي هريرة.
وروى النسائي [سك ٥٩٠٩] والحاكم [٤/ ٥٠١] بإسناد صحيح عن أنس: ان النبي ﷺ قال: (الأئمة من قريش) إلا أن في سنده بكير بن وهب
стр. 4272
مُجْتَهِدًا
ــ
الجزري، وفيه كلام لا يضره؛ فإن ابن حبان ذكره في (الثقات).
ولما أراد الأنصار ولاية سعد بن عبادة .. روى لهم أبو بكر هذا الخبر، فرجعوا إلى قوله.
وقال ﷺ : (قدِّموا قريشًا ولا تَقَدَّموها).
وانعقد الإجماع على ذلك.
قال الإمام: ولم يزل الناس لاهجين باختصاص ذلك بقريش على طول الأزمان، فلو جاز لغيرهم .. لطلبه ذو النجدة والبأس، ولما اشرأبَّ له المارقون بمصر .. بذلوا الأموال لِكَذَبة النسابين حتى ألحقوا نسبهم بالشجرة النبوية.
قال: ونحن نعقل عدم احتياج الإمامة في وضعها إلى النسب، ولكن خصهم الله بذلك.
فلو لم يوجد قرشي بالشروط .. فكناني، فإن لم يوجد .. فمن ولد إسماعيل ﷺ ، فإن لم يوجد .. ففي (التهذيب) يولى عجمي، وقال المتولي: جرهمي، فإن لم يوجد .. فمن ولد إسحاق.
وجرهم أصل العرب، ومنهم تزوج إسماعيل ﷺ حين أنزله أبوه أرض مكة.
قال: (مجتهدًا) حيث لا يحتاج إلى استفتاء غيره في الحوادث؛ لأنه بالمراجعة والسؤال يخرج عن رتبة الاستقلال، ويفوِّت من الأمور العظام ما لا يتناهى.
وقد حكى الإمام في (الإرشاد) الإجماع على اشتراط ذلك.
وفي اعتبار الاجتهاد المطلق نظر؛ فإن أكثر من ولي بعد الخلفاء الراشدين لم يكن بهذا الوصف.
стр. 4273
شُجَاعًا ذَا رَايٍ
ــ
وقال القاضي حسين: إذا اجتمع عدل جاهل وعالم فاسق .. فالأول أولى؛ لتمكنه من التفويض إلى العلماء، قال ابن الرفعة: هذا إنما يكون عند فقد المجتهدين.
قال: (شجاعًا)؛ ليغزو بنفسه ويقهر الأعداء ويجهز الجيوش ويفتح الحصون.
فمن لم يكن عقربًا يتفي ... مشت بين أثوابه العقرب
قال الماوردي: فإذا اجتمع أعلم وأشجع، فإن كانت الحاجة إلى الشجاعة أدعى .. قدم، وإن كانت إلى الأعلم أشد لظهور البدعة .. قدم.
و (الشجاعة) شدة القلب عند البأس، يقال: شجُع الرجل –بالضم- فهو شجع، وفي شينه ثلاث لغات حكاها ابن سيده وغيره.
قال أبو زيد: يقال: رجل شجاع، ولا توصف به المرأة.
قال: (ذا رأي) يفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح الدنيوية.
فالرأيُ قبلَ شجاعةِ الشجعانِ ... هي أوَّلٌ وهوَ المحلُّ الثاني
فإذا هُما اجتمعا لنفسٍ مرَّةً ... بلغت مِنَ العلياءِ كلَّ مكانِ
ولرُبَّما قهرَ الفتى أقرانَهُ ... بالرأيِ لا بتطاعنِ الأقرانِ
وقد كان العباس بن عبد المطلب يضرب به المثل في سداد الرأي، وكذلك الحُباب بن المنذر الأنصاري، وهو الذي أشار على النبي ﷺ أن ينزل على ماء بدر للقاء القوم، فنزل جبريل على النبي ﷺ وقال: الرأي ما رآه الحباب، وهو القائل يوم سقيفة بني ساعدة: (أنا جُذَيلُها المُحكَّك،
стр. 4274
وَكِفَايَةٍ وَسَمْعٍ وَبَصَرٍ وَنُطْقٍ
ــ
وعُذَيْقُها المُرَجَّب، منكم أمير ومنا أمير).
قال: (وكفاية)؛ ليقوم بما يتولاه من أمور رعاياه، فلا يكون إمعًا ولا إمعة، وهو: الذي يكون لضعف رأيه مع كل واحد، ولا يقال ذلك للنساء، ومثله: رجل إمر وإمرة، وهو: الذي لضعف رأيه يأتمر لكل أحد.
قال: (وسمع وبصر ونطق)؛ ليتأتى منه فصل الأمور.
أما اشتراط السمع .. فقال الإمام في (الغياثي) أجمعوا عليه.
وأما البصر .. فلأنه في معناه، وضعف البصر إن كان يمنع تمييز الأشخاص .. منع، وإلا .. فلا، ولا يمنع الولاية كونه أعشى.
واشترط الشيخان مع هذه الأمور: العدالة، وعبر عنها الإمام بالورع والتقوى والأمانة.
وحذف المصنف هذا الشرط؛ لظنه دخوله في الاجتهاد، وهذا عند التمكن، فلو دعت الضرورة إلى ولاية فاسق .. جاز.
قال ابن عبد السلام: وإذا تعذرت العدالة في الأئمة والحكام .. قدمنا أقلهم فسقًا؛ دفعًا لأشد المفسدتين بأخفهما، والأصح: اشتراط كونه سالم الأعضاء الظاهرة.
وأما فقد الشم والذوق وقطع الذكر والأنثيين .. فلا يمنع قطعًا.
وجزم في (البحر) بأن العور يمنع الإمامة دون القضاء.
стр. 4275
وَتَنْعَقِدُ الإِمَامَةُ بِالْبَيْعَةِ،
ــ
ولا يشترط كونه هاشميًا بالاتفاق، ولا كونه معصومًا، خلافًا للإسماعيلية والإثني عشرية.
ثم إذن هذه الشروط كما تعتبر في الابتداء تعتبر في الدوام إلا العدالة.
وفي جواز تولية المفضل خلاف مذكور في (أدب القضاء)، فإن لم تتفق الكلمة إلا عليه .. جازت توليته بلا خلاف لتندفع الفتنة، ولو نشأ من هو أفضل من المنصوب .. لم يعدل إليه بلا خلاف.
) والجمهور على أن الإمامة وجبت بالشرع؛ لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ففرض طاعتهم علينا، وقال ﷺ : (اسمعوا وأطيعوا)، و (عليكم بالسمع والطاعة).
وروي عن بعض المتكلمين: أنها وجبت بالعقل؛ لقول الأفوه الأودي الجاهلي [من البسيط]:
لا يصلحُ الناسُ فوضى لا سراةَ لهم ... ولا سراةَ إذا جُهّالهُم سادوا
والبيتُ لا ينبني إِلا له عَمَدٌ ولا عمادٌ إذا لم ترسُ أوتادُ
قال: (وتنعقد الإمامة بالبيعة) الطرق التي تنعقد بها الإمامة ثلاثة: البيعة كما بايع الصحابة أبا بكر ﵃، هكذا استدل به الجمهور.
قال ابن حزم: الذي اعتقده أنه إنما ولي بعهد من رسول الله ﷺ ، والحديث الوارد في ذلك رواه البخاري [٣٦٥٩] ومسلم [٢٣٨٦]، وهو قصة المرأة التي قالت: فإن رجعت ولم أجدك؟ كأنها تريد الموت، هذا في نص الحديث، فقال ﵊: (فآت أبا بكر).
وما أحسن قول الحسن -في قول أبي بكر لما ولي الخلافة: (وليتكم ولستُ
стр. 4276
وَالأَصَحُّ: بَيْعَةُ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ وَوُجُوهِ النَّاسِ الَّذِينَ يَتَيَسَّرُ اجْتِمَاعُهُمْ، وَشَرْطُهُمْ صِفَةُ الشُّهُودِ
ــ
بخيركم) -: (كان يعلم أنه خيرهم؛ ولكن المؤمن يهضم نفسه).
قال: (والأصح: بيعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء ووجوه الناس الذين يتيسر اجتماعهم)؛ لأن الأمر ينتظم بهم، ويتبعهم سائر الناس.
ولا يشترط على هذا عدد، فلو تعلق الحل والعقد بواحد مطاع .. كفت بيعته؛ لأن عمر هو الذي بايع أبا بكر أولًا، ثم بايعه الناس، وقال العباس لعلي: (امدد يدك أبايعك)، فيقول الناس: عم رسول الله ﷺ بايع ابن عمه، فلا يختلف عليك اثنان.
وفي وجه ثان: يشترط اثنان.
وثالث: ثلاثة، يتولاها واحد برضا الاثنين، كولي وشاهدين في النكاح، وحاكم وشاهدين في الحكم، ولأن الثلاثة مطلق الجمع، فإذا اتفقوا .. لم تجز مخالفة الجماعة.
ورابع: أربعة؛ لأنه أكمل نصاب الشهادة.
وخامس: خمسة، حكاه في (الكفاية)؛ لأن بيعة أبي بكر انعقدت بعمر وأبي عبيدة وأُسيد بن حُضير وبشير بن سعد وسالم مولى أبي حذيفة.
وجعل عمر الأمر شورى بين ستة؛ لينعقد لأحدهم برضا الخمسة.
وسادس: أربعون كالجمعة، ولا يشترط اتفاقهم في سائر البلاد، بل إذا وصل الخبر إلى البلاد البعيدة .. لزمهم الموافقة والمتابعة.
وخرج بـ (أهل الحل والعقد) إجماع العامة وحدهم، ولا يلتفت إليهم؛ لأنهم أتباع لأهل الاجتهاد.
قال: (وشرطهم صفة الشهود)، فلا تنعقد بالفسقة.
стр. 4277
وَبِاسْتِخْلَافِ الإِمَامِ،
ــ
وظاهر عبارته أنه لا يشترط فيهم الاجتهاد، وهو كذلك بالنسبة إلى الجميع.
أما لو عقدت بواحد .. فيشترط فيه الاجتهاد.
وكذلك إن اعتبرنا العدد .. لا بد وأن يكون فيهم مجتهد؛ لينظر في الشروط المعتبرة.
والمرد بـ (المجتهد) هنا: العارف بشروط الإمامة، لا أن يكون مجتهدًا مطلقًا كما صرح به الزنجاني في (شرح الوجيز).
والأصح في زوائد (الروضة) لا يشترط حضور شاهدَينِ البيعةَ إن كان العاقدون جمعًا، وإن كان واحدًا .. اشترط.
ويشترط: أن يجيب الذي بايعوه، فإن سكت .. لم تنعقد بيعته، فإن لم يكن يصلح إلا واحد .. أجبر بلا خلاف، ويلزمه طلبها.
قال: (وباستخلاف الإمام) هذه الطريقة الثانية، وهي استخلاف الإمام وعهده إليه، فإذا مات .. صار إمامًا، وكذلك إذا عزل نفسه.
واستدل لذلك بعهد أبي بكر إلى عمر ﵄، وانعقد الإجماع على ذلك، كذا قاله الرافعي، وفي المسألة وجهان في (الإشراف) للهروي.
وممن ولي بعهد من الخلفاء: يزيد بن معاوية، وعبد الملك بن مروان، والوليد ابنه، وسليمان أخوه، وعمر بن عبد العزيز، ويزيد بن عبد الملك، وهشام أخوه، والوليد بن يزيد، وإبراهيم بن الوليد، وأبو جعفر المنصور، والمهدي، والهادي، والرشيد، والأمين، والمأمون، والواثق، والمنتصر، والمعتضد، والمكتفي، والمقتدر، والطائع، والقائم بأمر الله.
كل هذا إذا كان صالحًا للإمامة، فإن كان فاسقًا أو صغيرًا عند العهد كاملًا عند موت المستخلف .. فلا بد من بيعة حينئذ كما جزم به في (الغياثي)، وصوبه في (الروضة)، وأنكر على الرافعي التوقف فيه.
стр. 4278
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكيفية الاستخلاف: أن يجعله خليفة في حياته ثم يخلفه بعد مته، فإن أوصى له بالإمامة .. فوجهان؛ لأنه بالموت خرج عن الإمامة فلا يصح منه تولية غيره.
قال الرافعي: (ولك أن تقول: هذا التوجيه يشكل بكل وصاية، ثم جعلُه خليفةً في حياته إن أريد به استنابة .. فلا يكون هذا عهدًا إليه بالإمامة، وإن أريد جعله إمامًا في الحال .. فهذا إما خَلَعَ نفسه، أو اجتماعُ إمامين في وقت، وكلاهما لا يجوز، أو يريد جعله خليفة بعد موته .. فهذا معنى الوصية، ولا فرق بينهما) اهـ
وعلى كل تقدير: فلا بد من قبول المعهود إليه، ووقته على الأصح: من العهد إلى الموت.
وينبني على هذا الخلاف: أن المعاهد هل له خلعه؟ جزم المتولي بالجواز؛ لأن الخلافة لم تنتقل إليه فلا يخشى منه فتنة.
وجزم الماوردي بالمنع من غير سبب، ورجحه الإمام والمصنف في زوائد (الروضة).
فإن امتنع المعهود إليه من القبول .. بويع غيره وكأنه لا عهد.
ويجوز العهد إلى الوالد والولد كما يجوز إلى غيرهما.
وقيل: يمتنع ذلك كالتزكية والحكم لهما.
وقيل: يفترق الحال بين الوالد والولد؛ لن الميل إلى الولد أشد.
ولو أراد ولي العهد أن ينقل ما إليه من العهد إلى غيره .. لم يجز.
ولو عهد إلى جماعة مرتبين كفلان ثم فلان ثم فلان .. جاز وانتقلت الخلافة إليهم، كما رتب النبي ﷺ أمراء مؤتة.
فإن مات الأول في حياة الخليفة .. فالخلافة للثاني، وإن مات الأول والثاني .. فهي للثالث.
وإن مات الخليفة وبقي الثلاثة أحياء فانتصب الأول .. كان له أن يعهد بها إلى غير الآخرين؛ لأنها لما انتهت إليه .. صار أملك بها، بخلاف ما إذا مات ولم يعهد إلى
стр. 4279
فَلَوْ جَعَلَ الأَمْرَ شُورَى بَيْنَ جَمْعِ .. فَكَالاِسْتِخْلَافِ، فَيَرْتَضُونَ أَحَدَهُمْ وَبِاسْتِيلَاءِ جَامِعِ الشُّرُوطِ، وَكَذَا جَاهِلٌ وَفَاسِقٌ فِي الأَصَحِّ
ــ
أحد؛ فليس لأهل البيعة أن يبايعوا غير الثاني، ويقدم عهد الأول على اختيارهم.
قال: (فلو جعل الأمر شورى بين جمع .. فكالاستخلاف، فيرتضون أحدهم) كما فعل عمر؛ فإنه جعل الأمر شورى بين علي والزبير وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة وسعد بن أبي وقاص، فاتفقوا بعد موته على عثمان.
ووقع في (الكفاية) و (تعليقة القاضي حسين) أن أبا عبيدة من أهل الشورى وأسقطا سعدًا، وهو وهم؛ لأن أبا عبيدة كان قد مات قبل ذلك سنة ثماني عشرة من الهجرة في طاعون عَمواس؛ وهي قرية بين الرملة وبيت المقدس، ودفن بغور بيسان.
وقال عمر عند الموت: لو كان أبو عبيدة حيًا ما عدلت بها عنه.
وكان سعيد بن زيد أحد العشرة حيًا أيضًا، إلا أن عمر لم يدخله فيهم؛ لكونه ابن عمه.
فلو امتنع أهل الشورى من الاختيار .. لم يجبروا عليه، وكأنه لم يجعله إليهم.
وليس لأهل الشورى أن يعينوا واحدًا منهم في حياة الخليفة إلا أن يأذن لهم في ذلك.
قال: (وباستيلاء جامع الشروط) هذه الطريقة الثالثة، فإذا مات الخليفة فتصدى لها من هو لها أهل وقهر الناس بشوكته وجنوده .. انعقدت إمامته؛ ليتنظم شمل المسلمين، وأنكرت الإمامية ذلك.
وقال الزيدية: كل فاطمي عالم خرج بالسيف وادعى الإمامة .. صار إمامًا، ولا اعتداد بخلافهم.
قال: (وكذا جاهل وفاسق في الأصح) وإن كان عاصيًا بما فعل.
والثاني: المنع؛ لفقد الشرط.
وظاهر عبارته: أن الخلاف عند اجتماع الجهل والفسق، لكن عبارة (الشرح) و (الروضة) تقتضي: أنه في أحدهما، وهو الظاهر.
стр. 4280
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فتلخص: أن الشخص لا يصير إمامًا إلا بأحد هذه الطرق، حتى لو انفرد شخص بشروطها في وقت .. لم يصر إمامًا بمجرد ذلك كما جزم به الجمهور.
وقيل: تثبت إمامته بذلك وتجب طاعته، واختاره الإمام.
وحكى القمولي وجهًا: أن الإمامة تنعقد من غير عقد، قال: ومن الفقهاء من ألحق القاضي بالإمام في ذلك، قال: ومنهم من سوى بينهما في المنع، وهو أقرب من عكسه.
فروع:
تجب طاعة الإمام في أمره ونهيه ما لم يخالف حكم الشرع، سواء كان عادلًا أو جائرًا.
ولا يجوز خلع الإمام اتفاقًا ما لم تختل الصفات.
فلو أراد هو خلع نفسه .. ففي جواز ذلك وجهان: وجه الجواز: أن الحسن بن علي خلع نفسه –ولم ينكره أحد- لما رأى في ذلك من تسكين الفتنة.
ولا يجوز نصب إمامين في وقت واحد وإن تباعد الإقليمان بهما.
وحكى أبو القاسم الأنصاري في (الغنية) عن الأستاذ أبي إسحاق: أنه يجوز نصبهما في إقليمين؛ لأنه قد يحتاج إلى ذلك، وهو اختيار الإمام.
وإذا عقدت البيعة لاثنين معًا .. فالبيعتان باطلتان، وإن ترتبتا .. بطلت الثانية؛ لما روى مسلم [١٨٥٣] عن أبي سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما) روي بالتاء المثناة من فوق، من القتل، ومعناه: أبطلوا دعوته واجعلوه كمن مات، وروي بالياء المثناة من تحت، أي: لا تطيعوه.
ثم إن جهل الثاني ومَن بايعه بيعةَ الأول .. لم يغرروا، وإلا .. وجب تعزيرهم، ولو عرف سبق أحدهما ولم يتعين، أو شككنا في المعية والترتيب .. فالحكم كما سبق في الجمعتين والنكاحين.
стр. 4281
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
روى البيهقي [٨/ ١٤٥] في حديث السقيفة: أن الأنصار حين قالوا: منا رجل ومنكم رجل .. قال عمر بن الخطاب: (سيفان في غمد إذن لا يصطحبان)، ثم أخذ بيد أبي بكر فقال: (من هذا الذي له هذه الثلاث) ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، ثم قال: (بايعوه)، فبايعه الناس أحسن بيعة وأجملها.
وقوله: (يصطحبان) من الصحبة، كقول أبي ذؤيب [من الطويل]:
تريدين كيما تجمعيني وخالدًا .... وهل يجمع السيفان ويحك في غمد
وفي المثل: لا يجتمع فحلان في شول، وتمثل به عبد الملك بن مروان عند قتله عمرو بن سعيد الأشدق، والمعنى ينظر إلى قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ وقد ذكر الزمخشري المثل هنالك.
فوائد:
الأولى: هل للسلطان أن يقضي بين الخصمين أو يفصل حكومة بين متحاكمين؟
عند أبي حنيفة ليس له ذلك وإنما هو لنائبه الخاص، وكذلك مذهبنا كما نقله في (شرح مسلم).
وفي (التتمة) في (كتاب النكاح) كان القاضي حسين يقول: الإمام الفاسق لا يزوِّج الأيامى ولا يقضي، كما لا يشهد، ولكنه ينصِّب القضاة حت يزوِّجوا.
قال: وليس في منعه من القضاء والتزويج خوف فتنة؛ لأنه يفوض ذلك إلى من يصلح له.
قال الشيخ: (وهو حسن متعين؛ لأن الضرورة في تنفيذ قضائه وتزويجه إليه.
قال: وهكذا أقول إذا ولى قاضيًا لا يصلح، وكنت أظن أن تنفيذ ذلك ضرورة؛ لما يترتب على إبطاله من كثرة المفاسد حتى تنبهت بقول المتولي: إن الضرورة إنما هي خوف القتال، وهذا لا يحصل إلا بإزالة الإمام، وأما أفعال القاضي .. فلا يترتب على إبطالها قتال ولا هرج وإن كانت كثيرة –قال-: فهذا الذي استقر عليه رأيي) اهـ
стр. 4282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وجزم المصنف في (الروضة) في (القضاء على الغائب) بأن سماع البينة يختص بالقضاة، وسيأتي في تتمة (فصل تحمل الشهادة).
الثانية: عهد أبي بكر الذي كتبه بعد موته: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ عند آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة في الحالة التي يؤمن فيها الكافر ويتقي فيها الفاجر، إني استعملت عليكم عمر بن الخطاب، فإن بر وعدل .. فذلك علمي به ورأيي فيه، وإن جار وبدل .. فلا علم لي بالغيب، والخيرَ أردت، ولكل امرئٍ ما اكتسب، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.
الثالثة: أربعة إخوة وُلُّوا الخلافة لا نعرف غيرهم: الوليد وسليمان ويزيد وهشام بنو عبد الملك، وأما ثلاثة إخوة .. فالأمين والمأمون والمعتصم بنو الرشيد، والمنتصر والمعتز والمعتمد بنو المتوكل، والمكتفي والمقتدر والقاهر بنو المعتضد، والراضي والمتقي والمطبع بنو المقتدر.
وأكثر الخلفاء ولدًا: عبد الرحمن بن الحكم، كان له خمسون ذكرًا وخمسون أنثى.
وأطولهم عمرًا: القادر، بلغ ثلاثًا وتسعين سنة، ولم يصح عن خليفة غيره: أنه تجاوز السبعين.
وأقصرهم عمرًا: معاوية بن يزيد، لم يجاوز العشرين، وكانت ولايته أربعين يومًا.
وسابور ذو الأكتاف ولي وهو في بطن أمه حين مات أبوه، ولم يكن له ولد، وضعوا التاج على بطن أمه، وعقدوا لحملها اللواء، فولدته ذكرًا، فملكهم إلى أن مات.
الرابعة: رأى المستنجد في حياة والده المقتفي كأن ملكًا من السماء نزل فكتب في كفه أربع خاءات معجمات، فلما استيقظ .. عبرها له بعض العلماء؛ بأنه يلي الخلافة سنة خمس وخمسين وخمس مئة، فكان ذلك.
стр. 4283
قَلْتُ: وَلَوِ ادَّعَى دَفْعَ زَكَاةٍ إِلَى الْبُغَاةِ .. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، أَوْ جِزْيَةٍ .. فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَذَا خَرَاجٌ فِي الأَصَحِّ، وَيُصَدَّقُ فِي حَدٍّ
ــ
ورأى عبد الملك بن مروان أنه بال في محراب النبي ﷺ أربع بولات، فولي الخلافة من بنيه لصلبه أربعة كما تقدم.
الخامسة: كان المعتصم بالله يُدعى المُثمَّن؛ لأنه ثامن خلفاء بني العباس، ولد سنة ثمان ومئة لثماني عشرة خلت من شعبان، وهو الشهر الثامن من السنة، وفتح ثماني فتوحات، ووقف ثمانية ملوك وثمانية أعداء ببابه، وعاش ثمانية وأربعين سنة، وكانت خلافته ثماني سنين وثمانية أيام، وخلف ثمانية بنين، وثماني بنات، وثمانية آلاف دينار، وثماني مئة ألف درهم، وثمانية آلاف فرس، وثمانية آلاف بعير وبغل ودابة، وثمانية آلاف خيمة، وثمانية آلاف عبد، وثمانية آلاف أمة، وثماني قصور، وكان نقاش خاتمه: الحمد لله، وهي ثمانية أحرف، وكانت غلمانه الأتراك ثمانية عشر ألفًا.
قال: (قلت: ولو ادعى دفع زكاة إلى البغاة .. صدق بيمينه)؛ لأنها عبادة ومواساة، والمسلم في العبادات أمين، لكنه يحلف وجوبًا على الأصح، وقيل: استحبابًا.
قال: (أو جزية .. فلا على الصحيح)؛ لأن الذمي غير مؤتمن فيما يدعيه على المسلمين، ولأنها أجرة ومدعي دفعها غير مصدق.
والثاني: نعم كالزكاة؛ فإنها عبادة ومواساة أيضًا.
قال: (وكذا خراج في الأصح)؛ لأنه ثمن أو أجرة فيحتاط فيه.
والثاني: أنه يصدق؛ لأن المسلم مأمون على أمر دينه.
قال: (ويصدَّق في حدٍّ) أي: في إقامته عليه، قال الماوردي: بلا يمين؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات.
стр. 4284
إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ بِبَيِّنَةٍ، وَلَا أَثَرَ لَهُ فِي الْبَدَنِ، وَاللهُ أَعْلَمُ
ــ
قال: (إلا أن يثبت ببينة، ولا أثر له في البدن والله أعلم)؛ لأن المشاهدة تدل عليه، فأما إذا ثبت بالبينة ولا أثر ببدنه .. فلا يصدق؛ لأنه متهم، وكان اللائق بالمصنف أن يذكر هذه الزيادة قبل الكلام على أحكام الإمامة.
تتمة:
تقدم في (الجنائز) أن من مات في قتال البغاة ليس بشهيد في الأظهر، ولا ينقطع التوارث بين أهل العدل وأهل البغي.
وإذا اجتمع الفريقان في قتال الكفار .. قسم الإمام الغنيمة بينهم، وأعطى القاتل منهم السلب.
ومن قتل من أحد الفريقين في المعترك ولم يعلم قاتله .. لم يرثه من كان في الطائفة الأخرى من ورثته؛ لاحتمال أنه قتله وشارك في قتله.
خاتمة
تجب نصيحة الإمام بحسب القدرة، ويجوز أن يقال له: الخليفة، والإمام، وأمير المؤمنين، وإن كان فاسقًا.
وتقدم في (الوصايا) أنه لا ينعزل بالفسق على الأصح، لكنه ينعزل بالمرض الذي ينسيه العلوم، وبالجنون إلا اليسير الذي يتمكن منه من القيام بالأمور.
وينعزل بالعمى والصمم والخرس، لا بثقل السمع وتمتمة الكلام.
والأصح: أن قطع إحدى يديه ورجليه لا يؤثر.
وإذا أسر .. لزم الرعية استنقاذه وهو على إمامته ما دام مرجوَّ الخلاص، فإن أيس منه وقد أسره الكفار .. خرج عن الإمامة وعقدت لغيره، فإن عهد بها في هذه الحالة .. لم يصح عهده.
стр. 4285
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويستحب أن يكون الإمام لينًا من غير ضعف، شديدًا من غير عنف، وأن لا يحتجب، وأن يشاور الفقهاء، وحكمه في ذلك كالقاضي، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى,
ويستحب أن يكون له وزير صدوق، إن نسي .. ذكره، وإن ذكر .. أعانه.
وأن لا يكون متلوِّنًا، كما قال شيخ الإسلام القشيري في وصف الوزير تاج الدين الجيلي [من الخفيف]:
مقبل مدبر بعيد قريب ... محسن مذنب عدو حبيب
عجب من عجائب البر والبحـ ... ـر ونوع فرد وجنس غريب
قال الزمخشري: ألا أخبركم بالنفس الوزارة؟ نفس بلاها الله بالوزارة، كل وزير موسى إلا وزير موسى.
وأعظم من نيل الوزارة للفتى ... حياة تريه مصرع الوزراء
стр. 4286
كتاب الردة
стр. 4287
كِتَابُ الرِّدَّةِ
هِيَ: قَطْعُ الإِسْلَامِ بِنِيَّةٍ أَوِ قَوْلِ كُفْرٍ أَوْ فِعْلٍ،
ــ
كتاب الردة
هي في اللغة: الرجوع عن الشيء إلى غيره، وشرعًا ما سيأتي، وهي أفحش أنواع الكفر وأغلظها حكمًا.
والأصل في الباب: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾، وأشباه ذلك.
وقوله ﷺ : (من بدل دينه .. فاقتلوه) وهو في (البخاري) [٣٠١٧]، ووهم الحاكم فاستدركه عليه [٣/ ٥٣٨].
والردة محبطة للأعمال إذا اتصلت بالموت؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَائِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾، وقوله: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، ولا يكون خاسرًا في الآخرة إلا من مات على الكفر.
فلو كان قد حج قبل الارتداد .. لم تجب الإعادة بعد العود خلافًا لأبي حنيفة، لكن نص في (الأم) على حبوط ثواب الأعمال بمجرد الردة، وهو حسن غريب.
قال: (هي قطع الإسلام بنية أو قول كفر أو فعل) هذا تعريفها شرعًا.
واحترز بـ (قطع الإسلام) عن قطع العبادات كالصلاة والصوم والحج؛ فلا يكون ذلك كفرًا.
فإن قيل: الإسلام معنًى معقول ولا محسوس، فكيف يتصور قطعه؟ .. قيل: المراد: قطع استمراره ودوامه، وعلم من ذلك أن الكافر الأصلي لا يسمى مرتدًا ولا يثبت له حكم المرتدين.
стр. 4288
سَوَاءٌ قَالَهُ اسْتِهْزَاءً أَوْ عِنَادًا أَوِ اعْتِقَادًا
ــ
وقوله: (بنية ... إلخ) أشار به إلى أن القطع يكون بأحد هذه الأمور الثلاثة؛ لأن كلًا منها يؤثر، لكن يَرِد عليه أن الردة تحصل وإن لم يوجد قطع، كما إذا تردد في أنه يخرج من الإسلام أو يبقى فيه؛ فإنها ردة كما سيأتي، وكذلك من علق بين مرتدين .. فإنه مرتد على الأصح عند المصنف.
والقطع بالنية لم يذكره في (الروضة) ولا في (الشرحين)، وكأنه ذكره ليدخل في الضابط مسألة العزم على الكفر الآتية.
وقوله: (أو قول) المراد به: القول المقصود، فمن سبق لسانه إليه أو أكره عليه .. لا يكون مرتدًا، وكذلك تغتفر الكلمات الصادرة من الأولياء في حال غيبتهم.
ففي (أمالي ابن عبد السلام) أن الولي إذا قال: أنا الله .. عزر التعزير الشرعي، ولا ينافي ذلك الولاية؛ لأنهم غير معصومين.
وهذا ينافيه قول القشيري: من شرط الولي: أن يكون محفوظًا، كما أن من شرط النبي: أن يكون معصومًا؛ فكل من كان للشرع عليه اعتراض .. فهو مغرور مخادع، فالولي: الذي توالت أفعاله على الموافقة، وقد سئل ابن سريج عن الحسين الحلاج لما قال: أنا الحق؟ فتوقف فيه وقال: هذا رجل خفي علي حاله وما أقول فيه شيئًا.
وأفتى بكفره بذلك وبغيره القاضي أبو عمر وأبو القاسم الجنيد وفقهاء عصره، فأمر المقتدر بضربه ألف سوط، فإن مات، وإلا .. ضرب ألفًا أخرى، فإن لم يمت .. قطعت يداه ورجلاه ثم يضرب عنقه، ففعل به جميع ذلك لست بقين من القَعدة سنة تسع وثلاث مئة، والناس مع ذلك مختلفون في أمره، فمنهم من يبالغ في تعظيمه، ومنهم من يكفِّره؛ لأنه قتل بسيف الشرع.
قال: (سواء قاله استهزاء أو عنادًا أو اعتقادًا)؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاَللَّهِ وَآيَاته وَرَسُوله كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾، ﴿لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾.
و (المعاند) الذي يرد الحق وهو يعرفه.
стр. 4289
فَمَنْ نَفَى الصَّانِعَ أَوِ الرُّسُلَ أَوْ كَذَّبَ رَسُولًا أَوْ حَلَّلَ مُحَرَّمًا بِالإِجْمَاع كَالزِّنَا وَعَكْسُهُ، أَوْ نَفَى وُجُوبَ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، أَوْ عَكْسُهُ، أَوْ عَزَمَ عَلَى الْكُفْرِ غَدًا أَوْ تَرَدَّدَ فِيهِ .. كَفَرَ.
ــ
قال: (فمن نفى الصانع أو الرسل أو كذَّب رسولًا أو حلَّل محرمًا بالإجماع كالزنا وعكسه، أو نفى وجوب مُجمع عليه، أو عكسه، أو عزم على الكفر غدًا أو تردد فيه .. كفر)؛ لمنافاة ذلك الإسلام.
فنفي الصانع جل وعلا كفر بالإجماع، وكذلك إذا اعتقد قدم العالم أو حدوث الصانع، أو نفى ما هو ثابت له تعالى بالإجماع ككونه عالمًا وقادرًا، أو أثبت له ما هو منتف عنه إجماعًا، أو أثبت له الاتصال والانفصال .. كان كافرًا.
واستشكل الشيخ عز الدين في (القواعد) أن أصحابنا كفَّروا من اعتقد أن الكواكب فعالة، ولم يكفروا المعتزلة في اعتقادهم أن العبد يخلف أفعال نفسه؟
وأجيب عنه بأن صاحب الكواكب اعتقد فيها ما يعتقد في الإله من أنها مؤثرة في جميع الكائنات كلها، بخلاف المعتزلي؛ فإنه إنما يقول بخلق أفعاله فقط.
فإن قيل: في إطلاق اسم الصانع على الله تعالى نظر؛ إذ لم يرد به إذن في كتاب لا سنة .. فالجواب: أن البيهقي رواه في (الأسماء والصفات) [٤٣]، وصاحب كتاب (الحجة إلى بيان المحجة)، ومعناه: المُركِّب المُهيِّئ، قال تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، وقال ﷺ : (إن الله صنع كل صانع وصنعته) رواه الحاكم في أوائل (المستدرك) [١/ ٣١] من حديث حذيفة، وقال: صحيح على شرط مسلم.
وكذلك يكفر من جحد جواز بعثة الرسل، أو أنكر نبوة نبي من الأنبياء أو رسولًا من الرسل ﵈.
واحترز بقوله: (كذَّب رسولًا) عما إذا كَذَب عليه؛ فإنه لا يكفر، خلافًا للشيخ أبي محمد؛ فإنه قال: يكفر بذلك ويراق دمه؛ لما تواتر عنه من قوله ﷺ : (من كذب علي متعمدًا .. فليتبوأ مقعده من النار).
стр. 4290
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال الإمام: وهذه زلة، ولم أرَ ما قاله لأحد من الأصحاب، والصواب: أنه يعزر ولا يكفر ولا يقتل.
وكذلك يكفر من اعتقد حل محرم بالإجماع كالزنا وشرب الخمر، أو تحريم حلال بالإجماع، أو وجوب ما ليس بواجب بالإجماع كزيادة ركعة في الصلاة المفروضة، أو وجوب صوم يوم من شوال، ومن هذا إذا اعتقد حَقيَّة المكوس، ويحرم تسميتها: حقًا.
ويكفر من نسب إلى سيدتنا عائشة ﵂ الفاحشة، وفي كفر من سب الحسن والحسين وجهان.
ويكفر من ادعى النبوة بعد نبينا محمد ﷺ ، أو صدَّق من ادعاها، أو عظم الصنم بالتقرب إليه بالذبح باسمه أو بالسجود له، أو قال لمسلم: يا كافر، بلا تأويل، فإن أراد كفر النعمة والإحسان .. لم يكفر.
وأما العزم على الكفر .. فكفر في الحال، قال في (شرح المهذب) في باب (صفة الصلاة) لا خلاف في ذلك، لكن في (الشهادات) من (البحر) لو نوى أن يكفر غدًا .. كفر في الحال على الصحيح، وكذلك الحكم إذا علق الكفر بأمر مستقبل، كقوله: إن هلك ماله أو والده .. تهود أو تنصر؛ لأن نية الاستدامة شرط في الإيمان، بخلاف ما لو نوى العدل فعل كبيرة عمدًا؛ فإنه لا يفسق بذلك كما سيأتي في بابه.
والرضا بالكفر .. كفر. فلو سأله كافر يريد الإسلام أن يلقنه كلمة التوحيد فلم
стр. 4291
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يفعل، أو أشار عليه بأن لا يسلم، أو على مسلم بأن يرتد .. كفر، بخلاف ما إذا قال لمسلم: سلبه الله الإيمان، أو لكافر: لا رزقه الله الإيمان؛ فإنه لا يكفر بذلك على الصحيح؛ لأنه ليس رضا به، لكن دعاء عليه بتشديد الأمر والعقوبة.
ومن دخل دار الحرب فشرب معهم الخمر وأكل لحم الخنزير .. لم يكفر.
وارتكاب كبائر المحرمات لا تسلبه اسم الإيمان، خلافًا للخوارج والمعتزلة.
وقال القاضي حسين: لو تقلنس بقلنسوة المجوس أو تزنر بزُنَّار النصارى .. صار كافرًا؛ لأن الظاهر: أنه لا يفعله إلا عن عقيدة الكفر.
ولو شد على وسطه حبلًا فسئل عنه فقال: هذا زُنَّار .. فالأكثرون على أنه يكفر.
قال المصنف: والصواب: أنه لا يكفر في المسألتين.
وفي كتب الحنفية: من قال: لو أعطاني الله الجنة ما دخلتها .. كفر، وكذا من قرأ القرآن على دُف أو قصب أو على الإيقاع .. كفر.
واختلفوا فيمن خرج لسفر فصاح عَقْعَقٌ .. فَرَجَعَ.
ولو حضر جماعة وواحد يعظهم وهم يسخرون ويضربونه بالمخراق .. كفر.
ولو عطس السلطان فشمته إنسان، فقال له شخص: لا تقل للسلطان هذا .. كفر.
قال المصنف: الصواب: أنه لا يكفر بشيء من هذه إذا لم تكن له نية.
ولو قال لغيره: كان النبي ﷺ إذا أكل لحس أصابعه الثلاثة، فقال السامع: هذا ليس بأدب .. كفر، وكذا لو قال لغيره: قلم أظافرك؛ فهو سنة رسول الله ﷺ ، فقال: لا أفعله وإن كان سنة .. كفر.
قال المصنف: المختار: أنه لا يكفر بهذا إلا أن يقصد الاستهزاء، وحديث لعق الأصابع الثلاث رواه مسلم [٢٠٣٢] من رواية كعب بن مالك.
وفي (الروضة) إذا قال: لو كان فلان نبيًا آمنت به .. كفر، كذا بخط المصنف، وفي بعض نسخ الرافعي: ما آمنت به، بإثبات (ما) النافية، وهو الصواب.
стр. 4292
وَالْفِعْلُ المُكَفِّرُ: مَا تَعَمَّدَهُ اسْتِهْزَاءً صَرِيحًا بِالدِّينِ أَوْ جُحُودًا لَهُ كَإِلْقَاءِ مُصْحَفٍ بِقَاذُورَةٍ، وَسُجُودٍ لِلصَّنَمِ أَوِ الشَّمْسِ
ــ
فائدة:
لا بدع ولا إشكال في العبارة المعزوة إلى الشافعي في قوله: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى؛ فهي مروية عن عمر، وصحت عن ابن مسعود، وهي قول أكثر السلف والشافعية والمالكية والحنابلة وسفيان الثوري والأشعرية والكلابية.
وحكي عن أبي حنيفة إنكارها، وهو عجيب؛ لأنها صحت عن ابن مسعود، وهو شيخ شيخ شيخ شيخه.
والقائلون بجواز قولها اختلفوا في الوجوب، وذكر العلماء لها محامل كثيرة، والصواب: عدم الاحتياج إلى تلك المحامل؛ لأن حقيقة (أنا مؤمن) هو جواب الشرط، أو دليل الجواب، وكل منهما لا بد أن يكون مستقبلًا، فمعناه: أنا مؤمن في المستقبل إن شاء الله، وحينئذ لا حاجة إلى تأويل، بل تعليقه واضح مأمور به بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ﴾.
وقال الشيخ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: استدل بها على أن الأولى أن يقول: أنا مسلم، من غير تقييد بقوله: إن شاء الله، قال: والخلاف الذي أعرفه في قوله: أنا مؤمن إن شاء الله، ومن قيد .. نظر إلى حالة الوفاة، وأما قوله: أنا مسلم .. فمعناه: أنا مقر، ولا معنى لتقييده بالمشيئة.
وقال المصنف في أوائل (شرح مسلم) هذا في المؤمن، أما الكافر .. ففيه خلاف غريب لأصحابنا:
منهم من قال: يقول: هو كافر، ولا يقول: إن شاء الله.
ومنهم من قال: هو في التقييد كالمسلم، فيقول: هو كافر إن شاء الله؛ نظرًا إلى الخاتمة، وأنها مجهولة، وهذا القول اختاره بعض المحققين.
قال: (والفعل المكفِّر: ما تعمده استهزاءً صريحًا بالدين أو جحودًا له كإلقاء مصحف بقاذورة، وسجود للصنم أو الشمس) أو غيرهما من المخلوقات، وكذلك
стр. 4293
وَلَا تَصِحُّ رِدَّةُ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَمُكْرَهٍ، وَلَوِ ارْتَدَّ فَجُنَّ .. لَمْ يُقْتَلْ فِي جُنُونِهِ .....
ــ
السحر الذي فيه عبادة كوكب، فإن لم يتضمن ذلك .. لم يكن كفرًا.
قال القاضي: وكذلك الاستنجاء بأوراق المصحف مستحلًا، وألحق الروياني بها أوراق العلوم الشرعية.
وعن الشيخ أبي محمد: أن الفعل بمجرده لا يكون كفرًا، وأنكر الإمام.
قال: (ولا تصح ردة صبي ومجنون)، أما المجنون .. فبالإجماع، وأما الصبي .. فقياسًا عليه بجامع رفع القلم، لكن الإمام يهدد المميز ولا يقتله، والمراد: أن أحكام الردة لا تترتب على غير المكلف المختار.
قال: (ومكره) إذا كان قلبه مطمئنًا بالإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾، وهو عمار بن ياسر بالإجماع.
روى أحمد [٤/ ٨٩]: أن النبي ﷺ قال: (من أحب عمارًا .. أحبه الله، ومن أبغضه .. أبغضه الله، ومن عاداه .. عاداه الله)، فإذا أكره المسلم على التلفظ بكلمة الكفر ففعل .. لم يحكم بردته، بل تدوم عصمته وزوجيته وماله، وترثه ورثته إذا مات.
وقد تقدم في أول (الجراح) أن المكره يباح له ذلك ولا يجب عليه على الصحيح، وأن الأولى له: أن يثبت ولا يتلفظ بها.
ويصح الإسلام بالإكراه من الحربي والمرتد بلا خلاف، وفي الذمي وجهان: أصحهما: المنع.
ولو أكره مسلمًا على الكفر .. صار المكره كافرًا.
قال: (ولو ارتد فجن .. لم يقتل في جنونه)؛ لأنه إذا عقل ربما عاد إلى الإسلام، وكذا إذا أقر بما يوجب حدًا ثم جن .. لا يقام عليه؛ لأنه قد يرجع عن الإقرار، بخلاف ما لو أقر بقصاص أو حد قذف ثم جن؛ فإنه يستوفى منه في جنونه؛ لأنه لا يسقط برجوعه، لكن هذا التأخير للاحتياط، حتى لو قتل أو حد في الجنون .. لم يجب على القاتل شيء.
стр. 4294
وَالمَذْهَبُ: صِحَّةُ رِدَّةِ السَّكْرَانِ وَإِسْلَامِهِ، وَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بِالرِّدَّةِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: يَجِبُ التَّفْصِيلُ؛
ــ
قال: (والمذهب: صحة ردة السكران) كطلاقه، ولأن الصحابة اتفقوا على مؤاخذته بالقذف، والمصحح طريقة القولين.
وقيل: تصح قطعًا، فعلى الصحيح: يقتل بردته، لكن لا يقتل حتى يُفيق فيعرض على الإسلام.
وفي صحة استتابته في حالة السكر وجهان: أصحهما: نعم، لكن يستحب أن يؤخر إلى الإفاقة.
قال: (وإسلامه) أي: إذا عاد إلى الإسلام في السكر .. صح إسلامه وارتفع حكم الردة، وإذا صححنا إسلامه فقتله رجل .. لزمه القصاص والضمان على المشهور.
قال: (وتقبل الشهادة بالردة مطلقًا)، لأن الظاهر من حال العدل: أنه لا يطلق الشهادة بذلك إلا وهو على بصيرة منه؛ لعظم أمره.
قال: (وقيل: يجب التفصيل)؛ لأن مذاهب العلماء في التكفير مختلفة، والحكم بالردة عظيم الوقع فيحتاط له.
وهذا الذي ضعفه المصنف هو القوي الصحيح المعتمد في الفتوى، وفاقًا للقفال والبغوي والمتولي والشاشي والقاضي أبي الطيب وأصحاب (المهذب) و (البيان) و (الذخائر) و (الحاوي) و (الوسيط) و (الانتصار)، وأجاب الرافعي بنحوه في (تعارض البينتين)، وسيأتي فيما إذا أقر أحد الابنين، بأن أباه مات كافرًا ولم يبين سبب كفره، وفي الجرح: أنه لا بد من بيان السبب، والمدرك واحد.
والذي صححه الرافعي هنا تبع فيه الإمام، والإمام لم ينقله عن أحد، وإنما هو من تخريجه، وهو معارض بما ذكرناه، والإقدام على قتل نفس بمجرد شهادة مطلقة صعب.
стр. 4295
فَعَلَى الأَوَّلِ: لَوْ شَهِدُوا بِرِدَّةٍ فَأَنْكَرَ .. حُكِمَ بِالشَّهَادَةِ،
ــ
وقد يقال: إن كانت الشهادة عند من يقبل التوبة كالشافعية .. تقبل مطلقًا، ثم يقول له القاضي: تلفظ بالشهادتين ولا حاجة إلى السؤال عن السبب، فإذا امتنع .. كان امتناعه قرينة لا يحتاج معها إلى ذكر الشاهد السبب، وإن كان عند من لا يقبل التوبة كالمالكية .. لم تقبل إلا مفصلة.
والجواب: أن عار ذلك يبقى على الإنسان، فلا بد من التفصيل والبيان.
ووقع في (المحاكمات) أن شاهدين شهدا بفساد عقيدة إنسان، فأفتى علماء الشام بأنه لا بد من بيان السبب، وليس كالشهادة بالردة على ما فيها من النظر؛ لإضافة الشهادة إلى العقيدة التي لا يطلع عليها إلا الله.
فائدة:
قال في (المطلب) جمع بعض الفقهاء المواضع التي لا تسمع البينة فيها إلا مفصلة فبلغت ثلاثة عشر موضعًا: الزنا، والإقرار به، والسرقة، والإقرار بها، والردة، والجرح، والإكراه، وأنه وارث فلان، وأن الماء نجس، وأن فلانًا سفيه، وأنه يستحق النفقة، وأن بين هذين رضاعًا، والشهادة على الشهادة، فلا بد في جميع ذلك من التفصيل.
وبقيت مسائل أخرى:
منها: لو شهدا بأنه قذفه، أو بأن المقذوف محصن .. فالظاهر: أنه لا يكفي الإطلاق، خصوصًا إذا كان الشاهد غير فقيه.
ومنها: لو شهدا بأنه شفيع، ذكره في (الإشراف).
ومنها: لو شهدا بأنها مطلَّقة ثلاثًا .. قال الزبيلي في (أدب القضاء) لم تسمع حتى يَذكرا لفظ الزوج.
قال: (فعلى الأول) وهو الإطلاق (لو شهدوا بردة فأنكر .. حكم بالشهادة)، ولا أثر لتكذيبه، ولا ينفعه ذلك، بل يلزمه أن يأتي بما يصير به الكافر مسلمًا، وكذا الحكم إن قلنا بالتفصيل ففصلا وكذبهما، بخلاف ما إذا شهد أربعة على إقرار شخض
стр. 4296
فَلَوْ قَالَ: كُنْتُ مُكْرَهًا وَاقْتَضَتْهُ قَرِينَةٌ كَأَسْرِ كُفَّارٍ .. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَإِلَّا .. فَلَا، وَلَوْ قَالَا: لَفَظَ لَفْظَ كُفْرٍ، وَادَّعَى إِكْرَاهًا .. صُدِّقَ مُطْلَقًا
ــ
بالزنا فأنكر لا يحد؛ لأنه لو رجع عن الإقرار .. سقط الحد.
وقتل المرتد لا يسقط بالرجوع.
قال: (فلو قال: كنت مكرهًا واقتضته قرينة كأسر كفار .. صدق بيمينه)؛ عملًا بالقرائن الشاهدة لذلك، وإنما حلف؛ لاحتمال أنه كان مختارًا، وكذا الحكم لو قامت بينة بإقراره بالبيع وغيره وكان مقيدًا أو محبوسًا، وقال: كنت مكرهًا.
قال: (وإلا .. فلا)؛ لانتفاء القرائن؛ بأن كان في دار الإسلام، فإنه لا يقبل قوله: كنت مكرهًا، وكذا إن كان في دار الكفر وسبيله مخلى.
فرع:
من سبق لسانه إلى كلمة كفر من غير قصد .. لا يحل لشاهد أن يشهد عليه قطعًا، كذا نص عليه الشافعي، وحكى الرافعي مثله في نظيره من الطلاق وقد تقدم، وأفاد الغزالي في (الإحياء) أن الشاهد إذا سمع لفظ الكفر .. لا تحل له حكايته إلا في مجلس الحكم.
وأفتى الشيخ بأنه لا يحل للشاهد الشافعي أن يشهد بالكفر، أو التعريض بالقذف، أو بما يوجب التعزير عند من يعلم أنه لا يقبل التوبة ويحد بالتعريض ويعزر بما ينتهي إلى القتل، قال: وليس كطلب الشافعي شفعة الجوار من الحنفي؛ لأن أمر الأموال أخف من الدماء والأبدان، ويؤيده قول ابن سراقة: لو شهد على مسلم: أنه قتل كافرًا، والحاكم يقتل بذلك .. لم يجز له الأداء؛ لما فيه من قتل المسلم بالكافر.
قال: (ولو قالا: لَفَظ لفْظَ كفرٍ، وادعى إكراهًا .. صدق مطلقًا)؛ لأنه ليس فيه تكذيب للشاهدين، بخلاف ما إذا شهدا بالردة؛ فإن الإكراه ينافي الردة ولا ينافي التلفظ بكلمتها.
стр. 4297
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال الجويني: والحزم أن يجدد عليه الإسلام.
واستشكل الرافعي تصوير المسألة؛ بأنه إن اعتبر تفصيل الشهادة والتعرض للشرائط .. فمن الشرائط الاختيار، وإذا قال الشاهد: إنه كان مختارًا، فقال: كنت مكرهًا .. فقد كذَّبَ الشاهد، وإن لم يشترط التفصيل .. فإنما لا يشترط إذا قال: إنه ارتد، فيكتفى به؛ لتضمنه حصول الشرائط، فأما إذا قال: إنه تكلم بكذا .. فيبعد أن يحكم به ويقنع بأن الأصل الاختيار.
حادثة:
رجل نسب إلى شخص ما يقتضي الكفر، ولم يأت ببينة، وقصد المدعى عليه: أن الحاكم يحكم بعصمة دمه خشية أن تقوم عليه بينة عند حاكم لا يقبل توبته .. فهل يجوز للحاكم الشافعي إذا جدد هذا الرجل إسلامه أن يحكم بإسلامه وعصمة دمه وإسقاط التعزير عنه، أو لا يجوز حتى يثبت عليه إما ببينة أو اعترافه ثم يجدد إسلامه بعد ذلك؟
نقل عن الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد أنه قال: ليس للحاكم ذلك، بل لا بد من أن يعترف أو تقوم عليه بينة.
وخالفه الشيخ فقال: يجوز للحاكم الشافعي الذي يرى قبول التوبة إذا تلفظ هذا الرج بين يديه بكلمة الإسلام وطلب منه الحكم له وقد ادعيَ عليه بخلافه: أن يحكم للمذكور بإسلامه وعصمة دمه وإسقاط التعزير عنه، ولا يتوقف ذلك على اعترافه؛ لأنه قد يكون بريئًا، فإلجاؤه إلى الاعتراف على نفسه بخلاف ما وقع لا معنى له، بل لا يجوز له أيضًا أن يفعل ذلك، إنما يحكم القاضي بإسلامه مستندًا إلى ما سمعه منه من كلمة الإسلام العاصمة للدم الماحية لما قبها، ويَمنع بحكمه ذلك مَن ادعى عليه بخلاف ذلك وغيره من التعرض له، ثم أطال في الاستدلال لذلك، وسبقه إلى ذلك ابن القاص في (أدب القضاء) له، فذكره في (باب ما لا تجب فيه اليمين)، فقال: إذا ادعى على شخص: أنه ارتد، وهو ينكر .. قال الشافعي: لم أكشف عن حقيقة
стр. 4298
وَلَوْ مَاتَ مَعْرُوفٌ بِالإِسْلاَمِ عَنِ أبْنَيْنِ مُسْلِمَيْنِ فَقَالَ أَحَدُهَمَا: ارْتَدَّ فَمَاتَ كَافِرًا، فَإِنْ بَيَّنَ سَبَبَ كُفْرِهِ .. لَمْ يَرِثْهُ، وَنَصِيبُهُ فَئٌ، وَكَذَا إِنْ أَطْلَقَ فِي الأَظْهَرِ ....
ــ
الحال، بل أقول له: قل أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وأنه برئ من كل دين يخالف دين الإسلام، وسيأتي في كيفية الحسبة فرع له تعلق بهذا.
واقعة:
سئل الشيخ عن من قال: القاضي يقتضي والمفتي يهذي؟ فقال: (هذا لفظ صعب يخشى على قائله الكفر، فإن المفتي يبين حكم الله وهو وارث النبوة، قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾، والقاضي يفصل ويلزم، قال تعالى: ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾، فالمفتي أعلى درجة من القاضي، لأن القاضي تابع له، فمن قال: إن المفتي يهذي مع اعتقاده أن فتواه صواب فيما أخبر به عن الله تعالى .. فهو كافر، وإن قصد أن قول المفتي لا يلزم .. فإطلاق هذه العبارة خطأ).
فإن كانت عبارته يهدي- بالدال المهملة- وأراد الهداية إلى الحق وبيان الحكم الشرعي من غير إلزام .. فلا خطأ عليه في إطلاق ذلك.
قال: (ولو مات معروف بالإسلام عن ابنين مسلمين فقال أحدهما: ارتد فمات كافرًا، فإن بين سبب كفره)، بأن قال: سجد للصنم أو تكلم بما يوجب الكفر) .. لم يرثه، ونصيبه فئ)، لأن المسلم لا يرث الكافر، ولم يحك الرافعي ولا المصنف ف يهذه الحالة خلافًا.
قال: (وكذا إن أطلق في الأظهر)، لأنه أقر بكفره فعومل بمقتضى إقراره فلم يرث منه.
والثاني: أن نصيبه يصرف إليه ولا يعتبر الإقرار المطلق، لاختلاف المذاهب في التكفير، فقد يعتقد ما ليس بكفر كفرًا.
وعلى الأظهر: قولان: أحدهما: أنه فئ فيجعل في بيت المال.
وأظهرهما: أنه يوقف وستفصل، فإن ذكر مصرفًا .. عمل به.
стр. 4299
وَتَجِبُ اسْتِتَابَةُ الْمُرْتَدِّ وَالْمُرْتَدَّةِ، وَفِي قَوْلٍ: تُسْتَحَبُّ كَالْكَافِرِ، وَهِيَ فِي الْحَالِ،
ــ
قال: (وتجب استتابة المرتد والمرتدة)، لأنهما كانا محترمين بالإسلام، فربما عرضت لهما شبهة فيسعى في إزالتها وردهما إلى ما كانا عليه، لأن الغالب أن الردة تكون عن شبهه عرضت، وقد بعث النبي ﷺ بالتوبة إلى الحارث بن سويد ومن كان قد ارتد معه إلى مكة بعد أن نزلت فيه آية التوبة.
وروي البيهقي [٨/ ١٩٧]: أن النبي ﷺ استتاب رجلًا- يقال له: نبهان- أربع مرات.
وفيه وفي (الدارقطني) [٣/ ١١٨] عن جابر: أن امرأة- يقال لها أم رومان – ارتدت، فأمر النبي ﷺ أن يعرض عليها الإسلام، فإن تابت، وإلا – قتلت.
وثبت وجوب الاستتابة عن عمر، وحكي ابن القصار المالكي إجماع المالكية على تصويته.
فإن قيل: لم يستتب النبي صلى الله هـ عليه وسلم العرنيين وهو مرتدون .. فالجواب: أنهم حاربوا، والمرتد إذا حارب لا يستتاب، وإنما نص المصنف على المرتدة، لأجل خلاف أبي حنيفة فيها.
وكان الأحسن أن يعبر كما في (المحرر) بقتل المرتد إن لم يتب رجلًا كان أو امرأة، لأن خلاف أبي حنيفة في قتلها لا في استتابتها، فقال: لا تقتل المرتدة، بل تحبس وتضرب إلى أن تموت أو تسلم، للنهي عن قتل النساء.
وأجيب بأنه محمول على الحربيات.
قال: (وفي قول: تستحب كالكافر) الأصلي، لعموم قوله ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه) ولم يكر توبة.
قال: (وهي في الحال)، فإن تاب، وإلا .. قتل، لحديث أم رومان المتقدم.
стр. 4300
وَفِي قَوْلٍ: ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ أَصَرَّا .. قُتِلاَ، وَإِنْ أَسْلَمَ .. صَحَّ وَتُرِكَ، ....
ــ
قال: (وفي قوله: ثلاثة أيام)، سواء قلنا بوجوبها أم استحبابها، لما روى مالك [٢/ ٧٣٧] والشافعي [١/ ٣٢١] وأحمد والييهقي [٨/ ٢٠٦] أن محمد بن عبد الله بن عبيد القاري وفد على عمر من قبل أبي موسى، فقال: (هل من مغربة خبر؟) قال: رجل كفر بعد إسلامه، قال: (ما فعلتم به؟) قال: ضربنا عنقه، قال: (هلا حبستموه ثلاثًا وأطعمتموه كل يوم رغيفًا وسقيتموه لعله يتوب، اللهم لم أحضر، ولو أرض إذا بلغني).
وقال مالك: الذي آخذ به في المرتد قول عمر، فلا يأتي الاستظهار إلا بخير.
وقال الزهري: يدعى إلى الإسلام ثلاث مرات، فإن أبي .. قتل، ونقل في (الشفاء) عن على: أنه يستتاب شهرين.
وقال النخعي والثوري: يستتاب أبدًا.
قال: (فإن أصرا .. قتلا)، لعموم قوله ﷺ : (من بدل دينه .. فاقتلوه)، والأصح: أنه يحبس مدة الإمهال، فإن كان حرًا .. قتله الإمام، فإن قتله غيره .. عزره، وإن كان عبدًا .. فالأصح: أنه يجوز للسيد قتله، وقيل: لا.
ويقتل المرتد بضرب العنق دون الإحراق ونحوه، للأمر بإحسان القتلة.
وفي (الأحكام السلطانية) عن ابن سريج: أنه يضرب بالخشب ونحوه حتى يموت، لأنه ربما استدرك التوبة، بخلاف السيف الموحي، ولا يدفن في مقابر المسلمين، لخروجه بالردة عنهم، ولا في مقابر المشركين، لما تقدم له من حرمة الإسلام.
قال: (وإن أسلم .. صح وترك)، لقوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾.
وقوله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله).
стр. 4301
وَقِيلَ: لاَ يُقْبَلُ إِسْلاَمُهُ إِنِ ارْتَدَّ إِلَى كُفْرٍ خَفِيٍّ كَزَنَادِقَةٍ وَبَاطِنِيَّةٍ
ــ
وكان الأحسن أن يقول: فإن اسلما، لموافقة ما قبله.
واقتضت عبارته: قبول توبة مكذب الرسول ﷺ ، فإنه ذكره في صدر الباب من أنواع الردة، وبه جزم الرافعي في آخر (باب الجزية).
ومن قذف النبي ﷺ .. فهو كافر باتفاق الأصحاب، فإن عاد إلى الإسلام .. فثلاثة أوجه:
أحدهما: لا شئ عليه، لأنه مرتد أسلم، قاله الأستاذ أبو إسحاق.
والثاني- قال أبو بكر الفارسي، وتبعه صاحب (الحاوي الصغير)، وهو الصواب -: يقتل حدًا، لأنه حد القذف، ولا يسقط بالتوبة.
والثالث- قاله الصيدلاني-: يجلد ثمانين جلدة.
ولو لم يقذف صريحًا لكن عرض .. فقال الإمام: الذي أراه أنه كالسب الصريح في اقتضاء الكفر، لما فيه من الاستهانة.
قال في زوائد (الروضة) وهذا متعين، وقد قاله آخرون، ولا نعلم فيه خلافًا.
قال: (وقيل: لا يقبل إسلامه إن ارتد إلى كفر خفي كزنادقة وباطنية)، لأن التوبة عند الخوف عين الزندقة.
و (الزنديق) الذي لا ينتحل دينًا على المشهور.
وقيل: الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وهو الذي في (الروضة) هنا وفي (الفرائض) و (صفة الأئمة)، والأول ذكره في (اللعان)، وهو الأقرب، بل الأصوب، لأن الثاني نفاق.
стр. 4302
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فرع:
من تكررت منه الردة .. لم يعزر في المرة الأولى، لجواز أن تكون له شبهة يزيلها عنه، وفي الثانية: يعزر.
وقال أبو حنيفة: إنما يعزر في الثالثة، وعلى كل حال يصح إسلامه، لعموم الأدلة.
وقد تقدم: (أن النبي ﷺ استتاب نبهان أربع مرات).
ونقل عن الشيخ أبي إسحاق المروزي: أنه يقتل في الرابعة.
قال الإمام: وعد هذا من هفواته الفاحشة، والصواب: أن المنسوب إليه ذلك إنما هو إسحاق بن راهوية كما قال القاضي عياض وغيره.
قال ابن المنذر: ولا نعلم أحدًا أوجب على المرتد في المرة الأولى أدبًا.
وتحصل توبة المرتد – وفي معناها الكافر الأصلي- بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن يبرأ من كل دين يخالف الإسلام، وإن كان الكافر ثنويًا أو وثنيًا.
فلو قال: أنا مسلم أو آمنت .. لم يكف.
ولو قال: أنا من أمة محمد أو دينكم حق .. حكم بإسلامه.
وجزم القاضي أبو الطيب بأن شرط الإيمان بالله ورسوله الترتيب، فلو آمن برسول اتلله ﷺ قبل أن يؤمن بالله .. لم يصح، كذا نقله في (شرح المهذب) في (الترتيب في الوضوء).
وقال الحليمي: إن الموالاة بينهما لا تشترط فلو تراخي الإيمان بالرسالة عن الإيمان بالله مدة طويلة .. صح، قال: وهذا بخلاف القبول في البيع والنكاح، لأن حق الدعوى إلى دين الحق أن تدوم ولا تختص بوقت دون وقت، فكان العمر كله بمنزلة المجلس.
стр. 4303
وَوَلَدُ الْمُرْتَدِّ إِنِ انْعَقَدَ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا وَأَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمٌ .. فَمُسْلِمٌ، أَوْ مُرْتَدَّانِ .. فَمُسْلِمٌ، وَفِي قَوْلٍ: مُرْتَدٌّ، وَفِي قَوْلٍ: كَاِفٌر أَصْلِيٌّ. قُلْتُ: الأَظْهَرُ: مُرْتَدٌّ، وَنَقَلَ الْعِرَاقِيُّونَ الاتِّفَاقَ عَلَى كُفْرِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ ...
ــ
قال: (وولد المرتد إن انعقد قبلها أو بعدها وأحد أبويه مسلم .. فمسلم) تغليبًا للإسلام، حتى لو ارتد حامل .. لم يحكم بردة ولدها، لأنه قد حكم بإسلامه تبعًا والإسلام يعلو، ولا يحكم بردته تبعًا، فإن بلغ وأعرب بالكفر .. كان مرتدًا بنفسه.
وإن حدث الولد بعد الردة، فإن كان أحد أبويه مسلمًا .. فهو مسلم بلا خوف، تغليبًا للإسلام.
قال: (أو مرتدان .. فمسلم)، لبقاء علقة الإسلام في أحد الأبوين، ولو يصدر منه كفر، وهذا حجة الرافعي وفاقًا للبغوي والخوارزمي والجويني والغزالي، وهو الذي ذكره صاحب (التلخيص).
قال: (وفي قوله: كافر أصلي)، لتولده بين افرين فأشبه ولد الحربيين.
قال: (قلت: الأظهر: مرتد، ونقل العراقيون الاتفاق على كفره والله أعلم)، فإذا قلنا: إنه مسلم .. لايسترق بحال وإن مات صغيرًا .. ورثه قرابته المسلمون، ويجزئ عتقه عن الكفارة إن كان رقيقًا، وإن بلغ وأعرب بالكفر .. فمرتد.
وإن قلنا: كافر أصلي .. جاز استرقاقه، لأنه كافر لا أمان له فأشبه ولد الحربي. وعلى هذا: يجوز المن عليه والفداء به، ولا يجوز إقراره بالجزية، لأنه دخل في الكفر بعد نزول القرآن.
وإن قلنا: إنه مرتد .. لم يسترق بحال، ولم يقتل حتى يبلغ فيستتاب، فإن أصر .. قتل.
стр. 4304
وَفِي زَوَالِ مِلْكِهِ عَنْ مَالِهِ بِهَا أَقْوَالٌ: أَظْهَرُهَا: إِنْ هَلَكَ مُرْتَدًّا .. بَانَ زَوَالُهُ بِهَا، وَإِنْ أَسْلَمَ .. بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَزُلْ،
ــ
وأولاد أولاد المرتدين حكمهم حكم أولاد المرتدين.
كل هذا إذا لم يكون للولد أصل مسلم معروف من أجداد أو جدات، فإن كان .. فهو مسلم على الصحيح كما سبق في (باب اللقيط)، ولا يأتي ترجيح أنه مرتد أو كافر أصلي.
وسكت الأصحاب هنا عمن أشكل علوقه قبل الردة أو بعدها، والظاهر: أنه على الأقوال، لأن الأصل في كل حادث تقديره بأقرب زمان، ويدل له كلامهم في الوصية للحمل.
وأولاد المبتدعة من المسلمين إذا كفرناهم ببدعتهم .. الظاهر: أنهم مسلمون مل لم يعتقدوا بعد بلوغهم كفرًا، لأنهم ولدوا على الإسلام، واعتقاد الأب لا يسري إلى الولد، وقد تقدم في آخر (باب اللقيط) حكم الأطفال في الدار الآخرة.
قال: (وفي زوال ملكه عن ماله بها أقوال: أظهرها: إن هلك مرتدًا .. بأن زواله بها، وإن أسلم .. بان أنه لم يزل) وجه بقاء ملكه: أن الكفر لا ينافي الملك، ووجه زواله: أن ردته أزالت ملكه عن دمه الذي هو أعز الأشياء، فلأن تزيل ملكه أولى، ووجه الوقف: القياس على بضع زوجته.
ووقع في (الكفاية) أن المصنف صحح عدم زوال ملكه، وتبعه القمولي، وهما واهمان عليه، بل صحح هنا الوقف تبعًا (للمحرر)، وصححه في (أصل الروضة) و (التصحيح) وفي) شرح المهذب) في أول (الزكاة).
وأما الرافعي في (شرحه) .. فلم ينقل تصحيحه إلا عن البغوي فقط، وقال في (كتاب التدبير) إن بعضهم روى عن الشافعي أنه قال: أشبه الأقوال بالصحة زوال ملكه بنفس الردة، وبه أقول، وهو نص (المختصر) هناك، وصححه الشاشي والبغوي والمحاملي، والشيخ أبو محمد في) التبصرة)، والغزالي في (الخلاصة)، وهو المعتمد، وتجري الأقوال فيما تجدد ملكه بعد الردة باصطياد ونحوه كما صرح به المارودي.
стр. 4305
وَعَلَى الأَقْوَالِ: يُقْضَى مِنْهُ دَيْنٌ لَزِمَهُ قَبْلَهَا، وَيُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْهُ،
ــ
فإن قلنا بالبقاء .. ملك، وإن قلنا بالزوال .. لم يملك، بل هو لأهل الفئ عند الإمام.
وقال المتولي: إنه باق على إباحته كالمحرم إذا اصطاد، قال في (الكفاية) وهو متعين.
وأن قلنا: موقوف، فإن أسلم .. تبينا انه ملكه، وإن قتل أو مات على الردة .. تبينا أنه لم يملك، وجئ مقالة المتولي.
قال الرافعي: وعلى قياس ما قاله الإمام يكون لأهل الفيء.
تنبيهان:
أحدهما: أطلق الشيخان وغيرهما الأقوال، وخصها القاضي حسين في (باب الكتابة) بالأملاك المعرضة للزوال، قال: فأما ما لا تعرض له كالمكاتب وأم الولد .. فلا يزول ملكه عنه قطعًا، ولا يعيق مدبره ومستولده على الأقوال كلها.
الثاني: ظاهر عبارة المصنف: أنه يصير محجورًا عليه بنفس الردة، وهو وجه، والجمهور على أنه لا بد من ضرب الحاكم، وعلى الأقوال: هل هو كحجر السفه أو المرض أو الفلس؟ أوجه: أصحها: ثالثها، لأنه لأجل حق أهل الفيء.
قال: (وعلى الأقوال: يقضي منه دين لرمه قبلها)، لأنا إن قلنا ببقاء ملكه .. فواضح، أو بواله .. فهي لا تزيد على الموت، والدين يقدم على حق الورثة فليقدم على حق أهل الفيء.
وقال الإصطخري: لا تقضى منه ديونه على قول زوال الملك، ويجعل المال كالتالف
قال: (وينفق عليه منه) كمال المفلس، ونجعل حاجته إلى النفقة كحاجة الميت إلى التجهيز بعد زوال ملكه، وعن ابن الوكيل: لا ينفق منه قول الزوال بل نفقته في بيت المال.
стр. 4306
وَالأَصَحُّ: يَلْزَمُهُ غُرْمُ إِتْلاَفِهِ فِيهَا، وَنَفَقَةُ زَوْجَاتٍ وُقِفَ نِكَاحُهُنَّ وَقَرِيبٍ. وَإِذَا وَقَفْنَا مِلْكَهُ .. فَتَصَرُّفُهُ إِنِ احْتَمَلَ الْوَقْفَ كَعِتْقٍ وَتَدْبِيرٍ وَوَصِيَّةٍ مَوْقَوفٌ، إِنْ أَسْلَمَ .. نَفَذَ، وَإِلَّا .. فَلاَ، وَبَيْعُهُ وَهِبَتُهُ وَرَهْنُهُ وَكِتَابَتُهُ بَاطِلَةٌ، وَفِي الْقَدِيمِ مَوْقُوفَةٌ، وَعَلَى الأَقْوَالِ: يُجْعَلُ مَالُهُ عِنْدَ عَدْلٍ، وَأَمَتُهُ عِنْدَ امْرَأَةٍ ثِقَةٍ، وَيُؤَجَّرُ مَالُهُ، وَيُؤَدَّي مُكَاتَبُهُ النُّجُومَ إِلَى الْقَاضِي
ــ
قال: (والأصح: يلزمه غرم إتلافه فيها)، كمن حفر بئرًا عدوانًا ومات وحصل بسببها إتلاف، فإنه يتعلق بتركه وإن زال ملكه بالموت).
قال: (ونفقة زوجات وقف نكاحهن وقريب)، لأنها حقوق متعلقة به.
والثاني: لا يلزمه ذلك، لأنه لا مال له، وهذا الخلاف مفرع على قول الزوال. وسكت عن نفقة الرقيق، استغناء بذكر القريب، وصرح في (المطلب) بأنه ينفق على الرقيق وأم الولد قطعًا.
قال: (وإذا وقفنا ملكه .. فتصرفه إن احتمل الوقف كعتق وتدبير ووصية موقوف، إن أسلم .. نفذ، وإلا .. فلا)، لأن الوقف لا يضرها، وضابط ما يقبل الوقف: ما يحتمل التعليق.
قال: (وبيعه وهبته ورهنه وكتابته باطلة، وفي القديم موقوفة، وعلى الأقوال: يجعل ماله عند عدل، وأمته عند امرأة ثقة) احتياطًا، لأنا وإن أبقينا ملكه .. فقد تعلق به حق المسلمين.
قال: (ويؤجر ماله)، عقارًا كان أو غيره، صيانة له عن الضياع.
قال: (ويؤدي مكاتبه النجوم إلى القاضي)، لأن قبضه غير معتبر، فإذا أداه إلى القاضي .. عتق.
تتمة:
إذا أزلنا ملكه .. حل ما عليه من دين مؤجل، وإن أبقيناه .. فلا، وإن وقفناه فأسلم .. بأن عدم الحلول.
стр. 4307
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خاتمة
إذا أتلف المرتد في حال الحرب شيئًا .. وجب عليه ضمانه، نص عليه في أكثر كتبه، وصححه الجمهور، وصحح صاحب (التنبيه) عدم الضمان، وأقره عليه المصنف، ولم يصحح في (الروضة) ولا في (الشرحين) شيئًا، والمعتمد ما تقدم من النص وقول الأكثرين، والله تعالى أعلم.
стр. 4308
كتاب الزنا
стр. 4309
كتاب الزنا
ــ
كتاب الزنا
لغة الحجاز فيه القصر، قال الله تعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ ولغة نجد المد، قال الفرزدق (من الطويل)
أيا حاضر من يزن يعرف زناؤه ... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكرًا
أي: مخمورًا.
واتفق أهل الملل على تحريمه، وهو من أفحش المحرمات الكبائر، قال الله تعالى: (ولا تقربوا الزنى إنه كان فحشة).
وفي (الصحيحين) [خ ٤٤٧٧ - م٧٦] عن ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: (أن تجعل لله ندًا وهو خلقك) قلت: ثم أي؟ قال: (أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك) قلت: ثم أي؟ قال: (أن تزني بحليلة جارك)، فأنزل الله تصديقها: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلاَّ بِالْحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾، وقال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ والزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، و (الشيخ والشيخة إن زنيا فارجموهما البتة)، وهذه نسخ لفظهما وبقي حكمهما.
وروى مسلم [١٦٩٠] عن عبادة بن الصامت: أن النبي ﷺ قال: (خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر البكر جلد مئة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مئة والرجم).
واشتهر الرجم عن رسول الله ﷺ في قصة ماعز والغامدية واليهوديين، وعلى ذلك جرى الخلفاء بعده وبلغ حد التواتر.
стр. 4310
إِيلاَجُ الذَّكَرِ بِفَرْجٍ مُحَرَّمٍ لِعَنْتِهِ خَالٍ عَنِ الشُّبْهَةِ مُشْتهىً .. يُوجِبُ الْحَدَّ، وَدُبُرُ ذَكَرٍ وَأُنْثَى كَقُبُلٍ عَلَى الْمَذْهَبِ
ــ
قال: (إيلاج الذكر بفرج محرم لعينه خال عن الشبهة مشتهي .. يوجب الحد) بالنص والإجمال، فإذا انتفى من هذا الضابط قيد .. انتفى الوجوب، وسيبين المصنف ما احترز عنه.
وإطلاقه (الذكر) يشمل وغيره، والسليم والأشل والملفوف في خرقة وغيره.
والأصح: وجوب الغسل به، وقيد في (الروضة) بقدر الحشفة منه، فلو غيب بعضها .. عزر، وتعزيره أغلظ بالاستمتاع بما دون الفرج.
وشمل لفظ الفرج: القبل والدبر، وأحرج ما عداهما.
وخرج بـ (محرم) إيلاج الصبي والمجنون.
وبقوله: (لعينه) وطء الحائض.
وبقوله: (خال عن الشبهة) شبهة المحل والطريق والفاعل، لقوله ﷺ : (ادرؤوا الحدود بالشبهات) ذكره البيهقي في (المعرفة) [١٦٨٧٣] عن على مرفوعًا.
ورواه الترمذي [١٤٢٤] والحاكم [٤/ ٣٨٤] من رواية عائشة بلفظ: (ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كانت لكم مخرج .. فخلوا سبيله، فإن الإمام أنن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة) قال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال الترمذي والبيهقي [٨/ ٢٣٨] الأصح: أنه موقوف.
وخرج بـ (المشتهى) وطء البهيمة والميتة.
قال: (ودبر ذكر وأنثى كقبل على المذهب)، فيرجم المحصن، ويجلد ويغرب غيره، لأنه زنا بدليل، لقوله تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنى إنه كان فحشة﴾.
وقال تعالى: ﴿أتأتون الفحشة﴾.
وروى البيهقي [٨/ ١٣٣] عن أبي موسى: أن النبي ﷺ قال: (إذا أتى الرجل الرجل .. فهما زانيان).
следующие страницы →