Полный текст (5 377 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.
стр. 4236
وَجُبِرَ الْكَسْرُ، وَفِي قَوْلٍ: يَحْلِفُ كُلٌّ خَمْسِينَ. وَلَوْ نَكَلَ أَحَدَهُمَا .. حَلَفَ الآخَرُ خَمْسِينَ، وَلَوْ غَابَ .. حَلَفَ الآخَرُ خَمْسِينَ وَأَخَذَ حِصَّتَهُ، وَإِلاَّ .. صَبَرَ لِلْغَائِبِ،
ــ
قال: (وجبر الكسر)؛ لأن اليمين الواحدة لا تتبعض، فإذا كان له أخوان .. حلف كل خمسة وعشرين، وإن كانوا ثلاثة .. حلف كل سبعة عشر.
وإن خلف أمًا وابنًا .. حلفت تسعًا والابن اثنين وأربعين، وإن ترك أكثر من خمسين ولدًا أو أخًا .. حلف كل واحد يمينًا واحدة، وإن كانوا تسعة وأربعين .. حلف كل واحد يمينين.
وفي صورة الجد والإخوة تقسم الأيمان كقسم المال، وفي المعادة لا يحلف ولد الأب إذا لم يأخذ شيئًا، ففي جد وأخ لأبوين وأخ لأب الأيمان بين الجد والأخ الشقيق أثلاثًا؛ الجد سبعة عشر، والأخ ضعفها.
ولو كان فيهم مشكل .. عمل فيه بالاحتياط، فيحلف الأكثر ويأخذ الأقل، فإذا خلف ولدًا خنثى .. حلف خمسين يمينًا؛ لاحتمال أنه ذكر، ولا يأخذ إلا نصف المال.
قال: (وفي قول: يحلف كل خمسين) يمينًا؛ لأن اليمين إذا توجهت على جماعة .. لزم كل واحد منهم ما كان يلزم الواحد لو انفرد باليمين الواحدة في سائر الدعاوى، ولأن الاستحقاق يتعلق بالخمسين وكل واحد يأخذ ما يأخذ بيمين نفسه فعليهم إتمام الخمسين، وهذا القول مخرج من أن الدية تثبت للوارث ابتداء، ولا فرق في ذلك بين العصبات وأصحاب الفروض.
قال: (ولو نكل أحدهما .. حلف الآخر خمسين)؛ لأن حقه لا يثبت بأقل من ذلك.
قال: (ولو غاب .. حلف الآخر خمسين وأخذ حصته، وإلا .. صبر للغائب)، فإذا حضر .. حلف ما يخصه، فلو قال الحاضر: لا أحلف إلا قدر حصتي .. لم يبطل حقه من القسامة، حتى إذا قدم الغائب .. حلف معه.
فلو كان الورثة ثلاث عصبات أحدهم حاضر وأراد أن يحلف .. حلف خمسين
стр. 4237
وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِلاَ لَوْثٍ، وَالْمَرْدُودَةَ عَلَى الْمُدَّعِي أَوْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ لَوْثٍ، وَالْيَمِينَ مَعَ شَاهِدٍ خَمْسُونَ
ــ
يمينًا وأخذ ثلث الدية، فإذا قدم الثاني .. حلف خمسة وعشرين وأخذ الثلث، فإذا قدم الثالث .. حلف سبعة عشر، ويقاس به ما شابهه.
تنبيهان:
أحدهما: جزم المصنف بأخذ الحصة في الحال كما جزم به الماوردي وابن الصباغ وغيرهما، مع حكايتهم الخلاف في سقوط اللوث بالتكاذب، وينبغي أن لا يعطاها؛ لاحتمال أن يحضر فيكذبه فيسقط اللوث.
وقد أشار إلى ذلك ابن الرفعة، فقال: إنما يأتي هذا إذا قلنا: إن تكذيب بعض الورثة لا يبطل القسامة.
ونظير المسألة: إذا حضر بعض الشفعاء .. فإنه يأخذ جميع الشقص، فإذا حضر الثاني .. أخذ منه نصيبه، فإذا حضر الثالث .. أخذ منهما حصته؛ لأن الشفيع الحاضر إذا لم يأخذ الجميع وأخر إلى حضور الغائب .. سقط حقه، بخلاف ما نحن فيه، والفرق تقصيره في أخذ ما وجب له على الفور بخلاف هذه المسألة.
الثاني: حلف البالغ أو الحاضر خمسين ثم مات الغائب أو الصبي وورثه الحالف .. لم يأخذ نصيبه إلا بعد أن يحلف حصته، ولا يحسب ما مضى؛ لأنه لم يكن مستحقًا له حينئذ، كذا قالوه، وينبغي إذا تبين أنه حالة الحلف كان ميتًا .. اكتفى بحلفه؛ لأنه حينئذ كان كل الورثة، فأشبه ما إذا باع مال أبيه على ظن حياته.
قال: (والمذهب: أن يمين المدعى عليه بلا لوث، والمردودة على المدعي أو على المدعى عليه مع لوث، واليمين مع شاد خمسون) اشتمل كلامه على أربع مسائل:
الأولى: إذا ادعى القتل بغير لوث وتوجهت اليمين على المدعى عليه .. فهل تغلظ عليه بالعدد؟ قولان:
стр. 4238
وَتَجِبُ بِالْقَسَامَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ أَوْ شِبْهِ الْعَمْدِ دِيَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَفِي الْعَمْدِ عَلَى الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ،
ــ
أظهرهما: نعم؛ لأنها يمين دم.
والثاني- واختاره المزني-: يحلف يمينًا واحدة؛ لإطلاق قوله ﷺ : (واليمين على المدعى عليه)، وقياسًا على سائر الدعاوى.
الثانية: إذا لم يحلف المدعى عليه فردت اليمين على المدعي .. ففي تعددها القولان، والمنصوص في (الأم) التعدد.
الثالثة: إذا ردت اليمين على المدعى عليه وهناك لوث .. هل تغلظ؟ طريقان:
أصحهما: القطع بالتغليظ.
الرابعة: إذا حلف المدعي مع الشاهد الواحد .. هل يحلف خمسين يمينًا أو يمينًا واحدة؟ فيه القولان، والأظهر: التعدد؛ لأن الدماء يحتاط لها بدليل الكفارة.
وأشار بقوله: (المردودة على المدعي) إلى أنه إذا نكل المدعي عن القسامة في محل اللوث فردت على المدعى عليه فنكل .. أنها ترد على المدعي مرة ثانية؛ لأنه إنما نكل عن يمين القسامة وهذه غيرها، والسبب في تلك هو اللوث وفي هذه نكول المدعى عليه فصار تعدد السبب كتعدد الخصومة، وبهذا يتبين أن يمين الرد ليست كيمين القسامة.
قال: (وتجب بالقسامة في قتل الخطأ أو شبه العمد دية على العاقلة) كما لو قامت البينة بذلك، فتكون مخففة في الخطأ مغلظة في شبه العمد، وهذا كان المصنف مستغنيًا عنه بما ذكره في (فصل العاقلة).
قال: (وفي العمد على المقسم عليه) أي: ولا قصاص؛ لقوله ﷺ : (إما أن تدوا
صاحبكم، أو تأذنوا بحرب من الله) رواه البخاري، فأطلق إيجاب الدبة ولم يفصل، ولأن يمين المدعي لا يثبت بها النكاح فلا يثبت بها القصاص كالشاهد واليمين.
стр. 4239
وَفِي الْقَدِيمِ: قَصَاصٌ. وَلَوِ ادَّعَى عَمْدًا بِلَوْثٍ عَلَى ثَلاَثَةٍ حَضَرَ أَحَدُهُمْ .. أَقْسَمَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ وَأَخَذَ ثُلُثَ الدِّيَةِ، فَإِنْ حَضَرَ آخَرُ .. أَقْسَمَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ، وَفِي قَوْلٍ: خَمْسًا وَعِشْرِينَ
ــ
قال: (وفي القديم: قصاص) أي: حيث يجب لو قامت البينة به؛ لقوله ﷺ : (أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم) أي: دم قاتل صاحبكم، متفق عليه.
وفي (سنن أبي داوود) [٤٥١١]: (أنه ﷺ قتل في القسامة رجلًا من بني النصر بن مالك).
وفي (الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: (يحلف منك خمسون رجلًا: أن واحدًا منهم قتله فيدفع برمته).
و (الرمة) الحبل.
ولأنها حجة يثبت بهد العمد فيثبت به القصاص كشهادة الرجلين.
وعلى هذا: لو كان المدعى عليه جماعة .. قتلوا كلهم عند الجمهور، وقال ابن سريج: لا يقتل به إلا واحد يختاره الولي لضعف القسامة ويأخذ من الباقين حصصهم من الدية، وهو ضعيف، وعن القديم: أنه لا يقتل بها أكثر من اثنين، وأجاب في الجديد عن الحديث الأول بأنا نضمن بسبب قتل صاحبكم.
وعن الثاني بأنه يحتمل أن لا يكون هناك لوث وإنما حلف المدعي اليمين المردودة.
وعن الثالث: أنه يدفع إليه برمته؛ لتؤخذ منه الدية.
وعن الرابع: أنه ينتقض بما إذا ثبتت السرقة برجل وامرأتين؛ فإنه يثبت المال دون القطع.
قال: (ولو ادعى عمدًا بلوث على ثلاثة حضر أحدهم .. أقسم عليه خمسين وأخذ ثلث الدية، فإن حضر آخر .. أقسم عليه خمسين)؛ لأن أيمان القسامة لا تتناول الثاني، أما إذا أقر .. فإنه يقتص منه بإقراره إن كان القتل عمدًا بشرطه ولا قسامة.
قال: (وفي قول: خمسًا وعشرين) كما لو حضرا معًا.
стр. 4240
إِنْ لَمْ يَكُنْ ذَكَرَهُ فِي الأَيْمَانِ، وَإِلاَّ .. فَيَنْبَغِي الاِكْتِفَاءُ بِهَا بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ الْقَسَامَةِ فِي غَيْبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَهُوَ الأَصَحُّ. وَمَنِ اسْتَحَقَّ بَدَلَ الدَّمِ .. أَقْسَمَ وَلَوْ مُكَاتَبٌ لِقَتْلِ عَبْدِهِ،
ــ
قال: (إن لم يكن ذكره في الأيمان، وإلا .. فينبغي الاكتفاء بها بناء على صحة القسامة في غيبة المدعى عليه، وهو الأصح)، ووجه صحة القسامة في الغيبة: القياس على البينة، ووجه مقابله: ضعف القسامة.
وقوله (إن لم يكن ذكره في الأيمان) قيد في قوله: (أقسم)، لا في القول الضعيف، ولكن عبارته موهمة، وعبارة (المحرر) أوضح؛ فإنه قال: فيقسم خمسًا وعشرين يمينًا في أحد القولين، وخمسين في أصحهما، وليكن هذا الخلاف فيما إذا لم يذكره في الأيمان، فإن ذكره .. فينبغي أن يكتفي بها.
فرع:
إذا حلف المدعى عليه تخلص من المطالبة، ولا يطالب أهل الموضع الذي وجد فيه القتيل ولا بأني ذلك الموضع ولا عاقلته، خلافًا لأبي حنيفة كما في سائر الدعاوى.
وإذا حلف المدعي عند نكول المدعى عليه، فإن كان المدعى قتلًا عمدًا .. وجب القصاص؛ لأن اليمين المردودة كالإقرار أو كالبينة والقصاص يثبت بكل واحد منهما، فإن كان المدعى خطأ أو به عمد .. وجبت الدية.
قال: (ومن استحق بدل الدم ... أقسم) هذا ضابط للحالف في القسامة، وهو كل من يستحق بدل الدم.
قال في (الأم) سواء كان مسلمًا أو كافرًا، عدلًا أو فاسقًا، محجورًا عليه أو غيره، ودخل فيه السيد، فإذا قتل عبده .. أقسم على المذهب كما سبق.
واحترز المصنف عما لو جرح مسلمًا فارتد ومات .. فإن وليه لا تثبت له القسامة؛ لأنه لا يستحق بدل الدم؛ لأن ماله فيء.
قال: (ولو مكاتب لقتل عبده)، فيقسم المكاتب إذا قتل عبده، ولا يقسم
стр. 4241
وَمَنِ ارْتَدَّ .. فَالأَفْضَلُ تَاخِيرُ أَقْسَامِهِ لِيُسْلِمَ، فَإِنْ أَقْسَمَ فِي الرِّدَّةِ .. صَحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ،
ــ
سيده؛ لأن المكاتب استحق بدل العبد ليستعين بالقيمة على أداء النجوم، بخلاف ما إذا قتل عبد المأذون به؛ فإن السيد يقسم دون المأذون له، لأنه لا حق له والمكاتب صاحب حق في عبده، فإن عجز قبل أن يقسم وتعرض عليه اليمين .. فيقسم السيد، وإن عجز يعد عرض اليمين ونكوله .. لم يقسم السيد؛ لبطلان الحق بنكوله، كما لا يقسم الوارث إذا نكل الموروث، ولكن يحلف المدعى عليه، فإن عجز بعدما أقسم .. أخذ السيد القيمة، كما لو مات الوارث بعد ما أقسم.
وكان الأحسن أن ينصب (المكاتب) على حذف كان واسمها، على حد قوله: (ولو خاتمًا من حديد)، لكن المصنف استعمل ذلك كثيرًا كما تقدم له في (الظهار) و (شروط الصلاة).
قال: (ومن ارتد .. فالأفضل تأخير أقسامه ليسلم) إذا ارتد ولي القتيل بعدما أقسم .. فالدية ثابتى ولها حكم سائر أمواله التي ارتد عليها، فإن ارتد قبل أن يقسم .. قال الأصحاب: الأولى أن لا يعرض الحاكم القسامة عليه؛ لأنه لا يتورع عن الأيمان الكاذبة، فإذا عاد إلى الإسلام .. أقسم.
وصورة المسألة: أن يرتد بعد موت المجروح، فإن ارتد قبل موته ثم مات المجروح وهو مرتد .. فلا يقسم؛ لأنه لا يرث، بخلاف ما إذا قتل العبد وارتد السيد؛ فإنه لا يفرق بين أن يرتد قبل موت العبد أم بعده، بل يقسم إذا قلنا بالقسامة في بدل العبد؛ لأن استحقاقه بالملك لا باإرث.
قال: (فإن أقسم في الردة .. صح على المذهب) ويستحق الدبة بها؛ لأن يمين الكافر صحيحة، والقسامة نوع اكتساب للمال فلا تمنع منه الردة كالاحتطاب والاحتشاش.
وقال المزني: لا تصح القسامة في حال الردة ولا يثبت بها شيء.
стр. 4242
وَمَنْ لاَ وَارِثَ لَهُ .. لاَ قَسَامَةَ فِيهِ.
فَصْلٌ:
ــ
وقيل: إن أبقينا ملك المرتد .. صحت، وإن أزلناه .. فلا، وعلى الوقف وجهان: أصحهما: يقسم وتكون الدية لأهل الفيء.
قال الرافعي: والأظهر عند أكثر الأصحاب: تصحيح القسامة على الأقوال كلها.
وموضع الخلاف: إذا مات أو قتل في الردة، فإن عاد إلى الإسلام .. اعتد به وجهًا واحدًا.
قال: (ومن لا وارث له .. لا قساوة فيه)؛ لعدم المستحق المعين؛ لأن ديته لعامة المسلمين ولا يمكن تحليفهم، لكن إذا ظهر للإمام أن القاتل شخص معين .. نصب من يدعي عليه ويحلفه، فإن نكل .. فهل يقضي عليه بنكوله؟ فيه خلاف يأتي في موضعه.
تتمة:
ادعى على جل: أنه قتل أباه عمدًا، فقال المدعى عليه: قتلته ولكن خطأ أو شبه عمد، فإن لم يكن لوث .. صدق المدعى عليه بيمينه، والنص: أنه يحلف يمينًا واحدة، وإن كان شهد عليه عبيد أو نسوة على إقراره بالعمدية .. فأيهما يصدق؟ وجهان: أصحهما: المدعي، وبه قطع الإمام والمتولي.
ولو ادعى: أنه قتل أباه خطأ، فقال: قتلته عمدًا .. فلا قصاص، وهل له المطالبة بدية مخففة؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم.
قال: (فصل) عقدة للشهادة بالدم.
والكلام في صفات الشهود والمشهود به مستوفى قي (كتاب الشهادات)، لكن
стр. 4243
إِنَّمَا يَثْبُتُ مُوجِبُ الْقِصَاصِ بِإِقْرَارٍ أَوْ عَدْلَيْنِ، وَالْمَالِ بِذَلِكَ أَوْ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ وَيَمِينٍ. وَلَوْ عَفَا عَنِ الْقِصَاصِ لِيَقْبَلَ لِلْمَالِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ .. لَمْ يُقْبَلْ فِي الأَصَحِّ
ــ
المزني ذكر هنا مسائل تتعلق بالشهادة على الجناية، فراعى معظم الأصحاب ترتيبه، وأخرة آخرون إلى الشهادات.
قال: (إنما يثبت موجب القصاص بإقرار أو عدلين).
(الموجب) بكسر الجيم، أي: الذي يوجب القصاص من جرح أو قتل لا يثبت إلا بشهادة رجلين يشهدان على نفس الجرح أو القتل أو إقرار الجاني به، لكن يرد على حصره ثبوته بحلف المدعي عند نكول المدعى عليه، وكذا بالقسامة على القديم.
ويرد عليه السحر؛ فإنه قد يوجب القصاص ومع ذلك لا يثبت بالبينة بل بالإقرار فقط كما سيأتي.
قال: (والمال بذلك أو برجل وامرأتين أو ويمين) يعني: أن ما لا يوجب إلا الدية- كالخطأ وشبه العمد، وجناية الصبي والمجنون، ومسلم على ذمي، وحر على عبد، وأب على ابن- يثبت بشهادة رجل وامرأتين، ورجل ويمين كسائر الأموال المدعاة.
قال: (ولو عفا عن القصاص ليقبل للمال رجل وامرأتان)، وكذا شاهد ويمين) .. لم يقبل في الأصح)؛ لأنها لا تثبت المال إلا بثبوت القود، وهذا هو المنصوص، ومنهم من قطع به.
والثاني: يقبل؛ لأن المقصود المال.
ومحل الخلاف: إذا أنشأ الدعوى والشهادة بعد العفو، أما لو ادعى العمد وأقام رجلًا وامرأتين ثم عفا عن القصاص على مال وقصد الحكم له بتلك الشهادة .. لم يحكم له بها قطعًا؛ لأنها غير مقبولة حن أقيمت فلم يجز العمل بها، كما إذا شهد الصبي بشيء ثم بلغ، أو العبد ثم عتق.
стр. 4244
وَلَوْ شَهِدَ هُوَ وَهُمَا بِهَاشِمَةٍ قَبْلَهَا إِيضَاحٌ .. لَمْ يَجِبْ أَرْشُهَا عَلَى الْمَذْهَبِ وَلْيُصَرِّحِ الشَّاهِدُ بِالْمُدَّعَى، فَلَوْ قَالَ: ضَرَبَةُ بِسَيْفٍ فَجَرَحَهُ فَمَاتَ .. لَمْ يَثْبَتْ حَتَّى يَقُولَ: فَمَاتَ مِنْهُ أَوْ فَقَتَلَهُ، وَلَوْ قَالَ: ضَرَبَ رَاسَهُ فَأَدْمَاهُ، أَوْ فَأَسَالَ دَمَهُ .. ثَبْتُتْ دَامِيَةٌ ..
ــ
قال: (ولو شهد هو وهما بهاشمة قبلها إيضاح .. لم يجب أرشها على المذهب)؛ لأن الهشم المشتمل على الإيضاح جناية واحدة، وإذا اشتملت الجناية على ما يوجب القصاص .. احتيط لها، فلا تثبت إلا بحجة كاملة، وهذا هو المنصوص هنا.
والنص فيما إذا رمى زيد سهمًا إلى عمرو فمرق منه إلى غيره: أنه يثبت الخطأ الوارد على الثاني برجل وامرأتين وشاهد ويمين، وفيها طريقان:
إحداهما: على قولين: أحدهما: ثبوت الهشم والجناية على الثاني برجل وامرأتين، وبشاهد يمين. والثاني: المنع.
والمذهب: تقرير النصين.
والفرق: ما تقرر من أن الهشم المشتمل على الإيضاح جناية واحدة، وفي مسألة مروق السهم حصل جنايتان لا تعلق لإحداهما بالأخرى.
قال: (وليصرح الشاهد بالمدعى) أي: يجب أن تكون الشهادة بالقتل مفسرة مصرحة بالغرض؛ لعظم أمر القتل عند الله تعالى.
وأتى المصنف بلام الأمر؛ ليدل على أن ذلك واجب، وهو أحسن من قول (المحرر) وينبغي.
قال: (فلو قال: ضربه بسيف فجرحه فمات .. لم يثبت حتى يقول: فمات منه أو فقتله)؛ لاحتمال أن يكون مات بسبب آخر غير جراحته، فلابد أن يضيف الهلاك إلى فعل المشهود عليه، وكذا لو قال: ضربه فانهار الدم، وكذا ضربه فمات، أو ومات؛ لاحتمال موته بسبب آخر، والشاهد يعرف حصول القتل بقرائن شاهدها وإن لم ير إلا الجراحة وإنهار الدم.
قال: (ولو قال: ضرب رأسه فأدماه، أو فأسال دمه .. ثبتت دامية)؛ عملًا بقوله: ولو قال: فسال دمه .. لم يثبت؛ لاحتمال حصول السيلان بسبب آخر.
стр. 4245
ويُشْتَرَطُ لِمُوضِحَةٍ: ضَرَبَهُ فَأَوْضَحَ عَظْمَ رَاسِهِ، وَقِيلَ: يَكْفِي: فَأَوْضَحَ رَاسَهُ، وَيَجِبُ بَيَانُ مَحَلِّهَا وَقَدْرِهَا لِيُمْكِنَ قِصَاصٌ
ــ
قال: (ويشترط لموضحة: ضربة فأوضح عظم رأسه)، فلا يكفي إطلاق الموضحة؛ لأنها من الإيضاح، وليست مخصوصة بإيضاح العظم.
قال: (وقيل: يكفي: فأوضح رأسه)؛ لفهم المقصود بذلك عرفًا، والوجه الأول جعله في (المحرر) أقوى، وظاهر ما في (الشرح) و (الروضة) ترجيح الثاني.
قال الإمام: والذي يخطر للفطن هنا: أن الشاهد لو كان فقهيًا وعلم القاضي منه أنه لا يطلق الموضحة إلا على ما يوضح العظم .. فيجوز أن يكتفي به لفهم المقصود، ويجوز أن يعتبر الكشف لفظًا؛ لأن الشرع تعبدنا في لفظ الشهادات وإن أفهم غيرها المقصود، وقد ذكر مثل هذا التفصيل في (أداء الشهادة على الشهادة)، وذكر الرافعي نحوه في (الشهادة بمحرمية الرضاع).
قال: (ويجب بيان محلها وقدرها ليمكن قصاص)، فلو كان على رأسه أكثر من موضحة ولم يعين الشاهد موضحة الذي شهد عليه .. فلا قصاص، وهذا لا خلاف فيه إذا كان على رأسه غيرها، فإن لم يكن على رأسه إلا موضحة واحدة وشهدا: أنه أوضح رأسه .. فلا قصاص أيضًا؛ لجواز أنها كانت صغيرة فوسعها.
وصرح الماوردي فيها بوجوب القصاص أو الدية؛ لزوال العلة.
هذا بالنسبة للموضحة، فلو شهدا بأنه قطع يد فلان، ولم يعينا اليد، فوجدناه مقطوع يد واحدة .. فهل تنزل شهادتهم على المشاهدة مقطوعة أو يشترط تنصيصهم؟
قال الرافعي: يجوز أن يقدر فيه خلاف.
وقال المصنف: الصواب: الجزم هنا بالتنزيل على المقطوعة، وبه صرح ابن أبي هريرة والماوردي؛ لأنها صارت ببقاء الأخرى متعينة، ولا خلاف أنهما لو شهدا بموضحة شهادة صريحة فشاهدنا رأس المجروح سليمًا لا أثر عليه والعهد قريب .. أن شهادتهما مردودة.
стр. 4246
وَيَثْبُتُ الْقَتْلُ بِالسِّحْرِ بِإِقْرَارٍ لاَ بِبَيِّنَةٍ
ــ
قال: (ويثبت القتل بالسحر بإقرار)، فإن قال: قتلته بسحري وسحري يقتل غالبًا .. فعمد، أو نادرًا .. فشبه عمد، أو أخطأت من اسم غيره إلى اسمه .. فخطأ. والدية في ماله؛ لأن العاقلة لا تحمل باعتراف الجاني إلا أن يصدقوه، وقوله في (الوجيز) (على العاقلة) وهم أو سبق قلم؛ فلم يذكره غيره.
وإن قال: مرض بسحري ولم يمت .. فهدا لوث تجب به القسامة.
فإن قال: قتلت بسحري جماعة .. لم يقتل لجهالة المستحق.
وقال أبو حنيفة: يقتل السحر حدًا؛ لسعيه بالفساد.
قال: (لا ببينة)؛ لأن الشاهد لا يعلم قصد الساحر، ولا يشاهد تأثير سحره، اللهم إلا أن يقول الساحر: سحرته بنوع كذا، فيشهد عدلان بأن هذا النوع يقتل غالبًا أو نادرًا فيثبت ما يشهدان به، وتتصور معرفة العدلين لذلك؛ بأن يكونا ساحرين ثم تابا، أو فرعنا على القول بجواز تعلمه، والأصح: أنه حرام، وقيده القاضي حسين بما إذا تعلمه ليسحر به.
وقال البندنيجي: من اعتقد إباحته .. كفر.
وقال ابن أبي هريرة: يجوز تعلمه وتعليمه للوقوف عليه لا للعمل به؛ لما في (الصحيحين) (أن لبيد بن الأعصم كان مسلمًا في بني زريق حليف اليهود، وأن النبي ﷺ لم يقتله).
ويحرم فعله إجماعًا، ووقع في (الوسيط) تناقض في جواز تعلمه بين (باب الإجارة) وهذا الباب.
وقال بعض العلماء: إنه كفر.
стр. 4247
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال مالك: زندقة، حتى لو قال رجل: أنا أحسن السحر ولا أعمل به .. قتل ولا تقبل توبته.
ويروى عن أبي حنيفة مثله، وعن أحمد: الساحر يقتل، ولم ينقل عنه في كفره شيء.
احتج من رأى قتله بقوله ﷺ : (اقتلوا كل ساحر وساحرة) وما تقدم من قوله ﷺ : (حد الساحر قتله بالسيف) وما روي: أن جارية لحفصة سحرتها فقتلتها
قلنا: هذا معارض بأن جارية لعائشة سحرتها فأمرت أن تباع لرجل من الأعراب بشيء ملكتها وعندنا لا يكفر به إلا إذا اعتقد اعتقادًا مكفرًا بأن يضيف التصرف إلى الكواكب السبعة وأنها تجيب إلى ما يطلب منها.
فائدة:
السحر في اللغة: صرف الشيء عن وجه، يقال: ما سحرك عن كذا، أي: ما صرفك.
ومذهب أهل السنة والجماعة: أنه حق، وله حقيقة، ويكون بالقول وبالفعل، ويؤلم ويمرض ويقتل، ويفرق بين الزوجين.
وقال المعتزلة وأبو جعفر الإستراباذي- بكسر الهمزة-: إن السحر لا حقيقة له، إنما هو تخييل، وبه قال المعري.
стр. 4248
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
استدلوا بقوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾.
وذهب قوم إلى أن الساحر قد يقلب بسحره الأعيان، ويجعل الإنسان حمارًا بحسب قوة السحر، وهذا واضح البطلان؛ لأنه لو قدر على هذا .. لقدر على أن يرد نفسه إلى الشباب بعد الهرم، وأن يمنع نفسه من الموت.
ومن جملة أنواعه: السيميا والهيميا، ولم يبلغ أحد في السحر إلى الغاية التي وصل إليها القبط أيام دلوكا ملكة مصر بعد فرعون؛ فإنهم وضعوا السحر على البرابي، وصوروا فيها صور عساكر الدنيا، فأي عسكر قصدهم .. أتوا إلى ذلك العسكر المصور، فما فعلوه به من قلع الأعين وقطع الأعضاء .. اتفق نظيره للعسكر القاصد لهم، فتحامتهم العساكر، وأقاموا ست مئة سنة، والنساء هن الملوك والأمراء بمصر بعد غرق فرعون وجنوده، حكاه القرافي وغيره.
وقال الإمام فخر الدين: لا يظهر تأثير السحر إلا على فاسق، ويحرم تعليم الكهانة والتنجيم والضرب بالرمل وبالشعير والحصى والشعبذة، وتعليم هذه كلها وأخذ العوض عليها حرام بالنص الصحيح في النهي عن حلوان الكاهن والباقي في معناه.
وأما الحديث الصحيح أنه: (كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه .. فذاك) .. فمعنها: فمن علم كوافقته له .. فلا بأس، ونحن لا نعلم الموافقة؛ فلا ي .. جوز.
ويحرم المشي إلى أهل هذه الأنواع وتصديقهم، وكذلك تحرم العيافة والطيرة، وعلى فاعل ذلك التوبة منه.
стр. 4249
وَلَوْ شَهِدَ لِمُوَرِّثِهِ بِجُرْحٍ قَبْلَ الاِنْدِمَالِ .. لَمْ تُقْبَلْ، وَبَعْدَهُ تُقْبَلُ، وَكَذَا بِمَالٍ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فِي الأَصَحِّ. وَلاَ تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْعَاقِلَةِ بِفِسْقِ شُهُودِ قَتْلٍ يَحْمِلُونَهُ،
ــ
قال: (ولو شهد لمورثه بجرح قبل الاندمال .. لم تقبل)؛ لأنه لومات .. كان الأرش له، فكأنه شهد لنفسه.
وسيأتي في (كتاب الشهادات) أن من شرط قبول الشهادة: اتفكاكها عن التهمة، وأن من أسباب التهمة: أن يجر بها لنفسه نفعًا أو يدفع عنه ضررًا.
والمصنف أطلق (المورث) وهو مقيد بغير أصله وفرعه؛ لأنهما لا تقبل شهادتهما مطلقًا للبعيضة، وقد ذكر في (المحرر) هذا القيد، وكأن المصنف حذفه للعلم به من (كتاب الشهادات).
وأطلق الشيخان وغيرهما المنع قبل الاندمال.
واستثنى الفارقي منه: ما إذا كان على المجروح دين مستغرق جميع الدية .. فتقبل شهادته؛ لأنه لا يجر لنفسه نفعًا، وتبعه على ذلك صاحبه ابن أبي عصرون، وفيه نظر؛ لأن الدين لا يمنع الإرث.
قال: (وبعده تقبل)؛ لانتفاء التهمة، فلو شهد محجوبان ثم صارا وارثين .. فالشهادة في الأصل مقبولة، لكن إن صارا وارثين قبل قضاء القاضي بشهادتهما .. لم يقض، وإن كان بعد قضائه .. لم ينقض القضاء، كما لو شهد الشاهد ثم فسق.
وقيل: قولان:
أحدهما: هذا.
والثاني: الاعتبار بوقت الشهادة ولا أثر لما يطرأ.
قال: (وكذا بمال في مرض موته في الأصح)؛ لأنها لا تجر له نفعًا، ولا تدفع عنه ضررًا؛ لأن المال إنما يثبت للمريض ثم يرثه.
والثاني: لا تقبل للتهمة؛ لأن المريض محجور عليه بحق الوارث والوارث صاحب حق في المال
قال: (ولا تقبل شهادة العاقلة بفسق شهود قتل يحملونه)، وهو الخطأ وشبه العمد؛ لأنهم يدفعون عن أنفسهم الغرم.
فو كان الشاهدان من فقراء العاقلة .. فالنص: أنه لا تقبل شهادتهما أيضًا.
ولو كانا من الأباعد وفي عدد الأقربين وفاء بالواجب .. فالنص: قبول شهادتهما، فقيل: قولان، والمذهب: تقريرهما.
стр. 4250
وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى اثْنَيْنِ بِقَتْلِهِ فَشَهِدَا عَلَى الأَوَّلَيْنِ بِقَتْلِهِ: فَإِنْ صَدَّقَ الْوَلِيُّ الأَوَّلَيْنِ .. حُكِمَ بِهِمَا، أَوِ الآخَرَيْنِ أَوِ الْجَمِيعَ أَوْ كَذَّبَ الْجَمِيعَ .. بَطَلَتَا
ــ
والفرق: أن المال غاد ورائح فالغنى غير مستبعد فتحصل التهمة، وموت القريب كالمستبعد في الاعتقاد فلا تتحقق فيه تهمة.
قال: (ولو شهد اثنان على اثنين بقتله فشهدا على الأولين) أي: في ذلك المجلس (بقتله: فإن صدق الولي الأولين .. حكم بهما)، فيثبت القتل على الآخرين بشهادة الأولين؛ لخلو شهادتهما عن التهمة، وتسقط شهادة الآخرين؛ لأنهما صارا عدوين للأولين؛ لكونهما شهدا عليهما بالقتل، ولأنهما يدفعان بشهادتهما عن أنفسهما القتل الذي شهد به الأولان، والدافع متهم في شهادته.
قال: (أو الآخرين أو الجميع أو كذب الجميع .. بطلتا)؛ أي: وإن صدق الآخرين دون الأولين .. بطلت الشهادتان، أما شهادة الأولين فلأن تصديق الآخرين يتضمن تكذيبهما، وأما شهادة الأخرين .. لأن الآخرين يدفعان عن أنفسهما ضررًا، ولأنهما عدوان للأولين، وإن صدق الجميع .. بطلت الشهادتان؛ لأن في تصديق كل فريق تكذيب الآخر، وإن كذبهما جميعًا .. فهو أظهر، كذا فرض الشافعي والأصحاب المسألة.
واعترض على تصويرها؛ بأن الشهادة لا تسمع إلا بعد تقدم دعوى على معين، وأجيب بأوجه:
أصحها: أن صورتها: أن يدعي الولي القتل على رجلين ويشهد له اثنان، فيبادر المشهود عليهما فيشهدان على الشاهدين بأنهما القاتلان، وذلك يورث ريبة وشبهة للحاكم، فليراجع الحاكم الولي ويسأله.
стр. 4251
وَلَوْ أَقَرَّ بَعْضُ الْوَرَثَةِ بِعَفْوِ بَعْضٍ .. سَقَطَ الْقِصَاصُ، وَإِنِ اخْتَلَفَ شَاهِدَانِ فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ أَوْ آلَةٍ أَوْ هَيْئَةٍ .. لَغَتْ، وَقِيلَ: لَوْثٌ ..
ــ
ويتصور أيضًا: فيما إذا وكل وكيلين في إثبات الدم وأقام كل من الشاهدين اللذين شهدا أولًا وآخرًا شهادته بطلب وكيل بعد تحرير الدعوى.
وهذا مفرع على الصحيح: أن شهادة الحسبة لا تسمع في حقوق الآدميين، ومفرع على أن التوكيل في الخصومة من غير تعيين صحيح وعليه عمل الحكام.
قال: (ولو أقر بعض الورثة بعفو بعض .. سقط القصاص)؛ لأنه لا يتبعض، سواء عينه أو لم يعينه؛ لاعترافه بسقوط حقه منه، وهو كما لو أقر أحد مالكي العبد؛ بأن شريكه أعتقه وهو موسر .. يحكم بنفوذ العتق إذا جعلنا السراية به.
واحترز بسقوط القصاص عن الدية؛ فإنها لا تسقط، بل إن لم يعين العافي .. فللورثة كلهم الدية، وإن عينه فأنكر .. فكذلك، ويصدق بيمينه في أنه لم يعف، وإن أقر بالعفو. فللباقين حصتهم، وهو إن عفا عنها أيضًا .. سقط حقه، أو مطلقًا .. قعلى القولين في وجوب الدية بالعفو المطلق.
قال: (وإن اختلف شاهدان في زمان أو مكان أو آلة أو هيئة .. لغت) الشهادة؛ للتعارض، وهكذا حكم ما شهدا به واختلفا فيه من الأفعال والألفاظ.
ولو شهد أحدهما: أنه أقر بالقتل عمدًا أو خطأ يوم السبت، والآخر أنه أقر به يوم الأحد .. ثبت القتل؛ لأنه لا اختلاف في القتل وصفته.
قال: (وقيل: لوث)؛ لأنهما متفقان على أصل القتل، والاختلاف في الصفة ربما يكون غلطًا أو نسيانًا.
وحاصل المسألة: أن المزني روى: أنه يكون لوثًا، والربيع: أنه ليس بلوث، وللأصحاب طرق:
أحدها: القطع بأنه ليس بلوث.
وثانيها: القطع بأنه لوث.
وثالثها: إثبات قولين.
стр. 4252
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تتمة:
هذا إذا شهدا على الفعل، فإن شهدا على الإقرار .. لم يضر اختلافهما في الزمان، نص عليه في (الأم)، وقياس باقي الصور كذلك.
ولو ادعى القتل وشهد أحدهما: أنه قتله، والآخر: أنه أقر بقتله .. لم يثبت القتل؛ لأنهما لم يتفقا على شيء واحد، لكنه لوث بلا خلاف؛ لأنه لا تكاذب بين القولين.
****
خاتمة
شهد شاهد على رجل: أنه قتل زيدًا، وشهد آخر: أنه قتل عمرًا .. حصل اللوث في حقهما معًا، ولكل واحد من وليهما أن يقسم، نص عليه في (الأم).
***
стр. 4253
كتاب البغاة
стр. 4254
كتاب البغاة
هُمْ مُخَالِفُو الإِمَامَ بِخُرُوجٍ عَلَيْهِ وَتَرْكِ الاِنْقِيَادِ وَمَنْع حَقٍّ تَوَجَّهَ عَلَيْهِمْ
ــ
كتاب البغاة
(البغي) الظلم ومجاوزة الحد، وهو في اللغة: التعدي والاستطالة، سمي البغاة بذلك؛ لظلمهم وعدولهم عن الحق، يقال: بعى الجرح: إذا تداعى إلى الفساد، وبغت المرأة: إذا فجرت.
وفي (صحيح مسلم) [٢٩١٥]: أن النبي ﷺ قال لعمار: (تقتلك الفئة الباغية).
قال: (هم مخالفو الإمام بخروج عليه وترك الانقياد ومنع حق توجه عليهم) هذا حدهم في اصطلاح العلماء.
والمراد: مخالفة الإمام العدل، عرف ذلك من تعريفه بالألف واللام، فالخروج على الجائر لا يكون بغيًا كما صرح به المتولي وغيره، لكن في (البيان) عن القفال: أن الخروج على الجائر بغي كالخروج على غير الجائر؛ لأنه لا ينعزل بالجور.
والإجماع منعقد على قتالهم.
والأصل في الباب: قوله تعالى: ﴿وإن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإن بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ الآية، نزلت في رهط عبد الله بن أبي سلول ورهط عبد الله بن رواحة الأنصاري لما تقاولا حتى اقتتلا بالأيدي والنعال، فقرأها النبي ﷺ عليهم فاصطلحوا، رواه الشيخان [خ ٢٦٩١ - م ١٧٩٩] عن أنس.
стр. 4255
بِشَرْطِ شَوْكَةٍ لَهُمْ،
ــ
وقاتل أبو بكر أولًا مانعي الزكاة، وعلي آخرًا أصحاب الجمل وأهل الشام وأهل النهروان.
قال الشافعي ﵁: أخذت السيرة في قتال المشركين من النبي ﷺ ، وفي قتال المرتدين من أبي بكر، وفي قتال البغاة من علي.
وقال المزني: أبو بكر يوم الردة، وعمر يوم سقيفة بني ساعدة، وعثمان يوم الدار، وعلى يوم صفين، وأحمد ابن حنبل يوم المحنة.
وفي الآية دليل على وجوب قتال البغاة، وأن الباغي لا يخرج عن اسم الإيمان بذلك- خلافًا للروافض- وعلى جواز الصلح في الحوادث والأحكام، وأن الباغي إذا رجع إلى الطاعة .. قبلت توبته.
وأطلق جماعة من الأصحاب القول بأن البغي ليس باسم ذم، وأن البغاة: قوم اجتهدوا فأخطؤوا وليسوا بفسقة.
وقال آخرون: هم عصاة وليسوا بفسقة، وليست كل معصية توجب الفسق.
وقال آخرون: البغي ينقسم إلى فسق وإلى ما ليس بفسق، وعلى الأول: التشديدات الواردة في الخروج عن طاعة الإمام محمولة على من خرج منها بغير عذر ولا تأويل، كقوله ﷺ : (من خالف الجماعة قيد شبر .. فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه)، وكقوله ﷺ : (من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة .. فميتته جاهلية)، الأول في (سنن أبي داوود) [٤٧٢٥] و (الحاكم) [١/ ٧٧]، والثاني في (الصحيحين) [خ ٦٨٧٤ - م٩٨]، والثالث في (مسلم) [١٨٤٩].
قال: (بشرط شوكة لهم) أي: قوة وعدد يحتاج الإمام في ردهم إلى كلفة مال وقتال، فإن كانوا أفرادًا يسهل ضبطهم .. فليسوا ببغاة.
وشرط بعضهم في عددهم: أن يكونوا عشرة، وهو بعيد.
وشرط بعضهم: انفرادهم بموضع، وقيل: بطرف لا يحيط بهم جند الإمام.
стр. 4256
وَتَاوِيلٍ، وَمُطَاعٍ فِيهِمْ، قِيلَ: وَإِمَامٍ مَنْصُوبٍ
ــ
قال: (وتأويل) أي: يعتقدون به جواز الخروج عليه أو منع الحق، وإلا ... فليسوا بغاة.
والمعتبر: تأويل محتمل، كتأويل أهل الجمل وصفين في مطالبتهم بدم عثمان حين اعتقدوا أن عليًا يعرف من قتله.
فلو كان تأويلهم قطعي البطلان .. فالأوفق لإطلاق الأكثرين: أنه غير معتبر، كتأويل أهل الردة حيث قالوا: أمرنا بدفع الزكاة إلى من صلاته سكن لنا، وهو رسول الله ﷺ ، وصلاة غيره ليست لنا سكنًا، ووجه مقابله: أنه قد يغلط في القطعيات.
قال: (ومطاع فيهم) يصدرون عن رأيه؛ إذ لا قوة لمن لا يجمع كلمتهم مطاع، (وهذا نقله الرافعي عن الإمام فقط، وهو في الحقيقة شرط لحصول الشوكة، لا أنه شرط آخر مع الشوكة كما تقتضيه عبارة الكتاب.
قال: (قيل: وإمام منصوب)؛ لتجتمع به شوكتهم، وهذا نقله الرافعي عن الجديد، ونسبه الإمام إلى المعظم، وجزم به جماعة كثيرة، لكن في (الرافعي) عن الأكثرين: المنع؛ لأن عليًا قاتل أهل الجمل ولا إمام لهم، وأهل صفين قبل نصب إمامهم، وأثر الخلاف في تنفيذ الحكام لا في عدم الضمان.
وظاهر عبارة المصنف: أنه لا يشترط شيء آخر، وليس كذلك، بل يشترط: أن ينفردوا ببلدة أو قرية أو موضع من الصحراء، كما نقله الرافعي عن جمع من الأصحاب.
وحكى الماوردي: الاتفاق عليه.
واعتبر الجويني أمرين آخرين: أن يمتنعوا من حكم الإمام، وأن يظهروا لأنفسهم حكمًا.
стр. 4257
وَلَوْ أَظْهَرَ قَوْمٌ رَايَ الخَوَارِجِ- كَتَرْكِ الْجَمَاعَاتِ وَتَكْفِيرِ ذِي كَبِيرَةٍ- وَلمَ ْيُقَاتِلُوا .. تُرِكُوا، وَإِلاَّ .. فَقُطَّاعُ طَرِيقٍ. وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبُغَاةِ
ــ
قال: (ولو أظهر قوم رأي الخوارج- كترك الجماعات وتكفير ذي كبيرة- ولم يقاتلوا .. تركوا)؛ لأن عليًا سمع رجلًا يقول في المسجد: لا حكم إلا الله ولرسوله وقصد بذلك تخطئة على في التحكيم بينه وبين معاوية، فقال علي وهو في الصلاة: فَاصْبِرْ إنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ، فلما فرغ .. قال: (كلمة حق أريد بها باطل)، ثم جعل حكمهم حكم أهل العدل بقوله: (لكم علينا ثلاثة: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيدينا في أيديكم، ولا نبدؤكم بالقتال)، فجعل حكمهم كأهل العدل؛ اقتداء برسول الله ﷺ في المنافقين، مع علمه بمعتقدهم؛ لتظاهرهم بالطاعة.
هذا إذا لم يتضرر بهم المسلمون، فإن تذرروا بهم .. فنقل القاضي حسين عن الأصحاب: أنه يتعرض لهم حتى يزول الضرر، وإن صرحوا بسبب الإمام أو غيره من أهل العدل .. عزروا، لا إن عرضوا في الأصح.
و (الخوارج) صنف من المبتدعة، يعتقدون أن من أتى كبيرة .. كفر وحبط عمله وخلد في النار، وأن دار الإسلام تصير بظهور الكبائر فيها دار كفر وإباحة، فلذلك يطعنون في الأئمة ولا يحضرون معهم الجماعات والجمعات.
قال: (وإلا .. فقطاع طريق) أي: وإن قاتلوا .. فحكمهم حكم قطاع الطريق، وهذا كله تفريع على أنهم لا يكفرون، وهو المذهب.
وحكى الإمام في تكفير الخوارج وجهين.
قال: (وتقبل شهادة البغاة)؛ لأنهم ليسوا بفسقة، واستثنى الشافعي من قبول شهادتهم: ما إذا شهدوا لموافقيهم بالتصديق كالخطابية، وإنما لم يستثنه المصنف؛ لأنه لا خصوصية له بالبغاة.
стр. 4258
وَقَضَاءُ قَاضِيهِمْ فِيمَا يُقْبَلُ قَضَاءُ قَاضِينَا إِلاَّ أَنْ يَسْتَحِلَّ دِمَاءَنَا، وَيُنَفَّذُ كِتَابُهُ بِالْحُكْمِ، وَيُحْكَمُ بِكِتَابِهِ بِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ فِي الأِصَحِّ
ــ
نعم؛ يستثنى ما إذا صرح الشاهد ببيان السبب؛ فإن شهادته تقبل وإن كان خطابيًا، كما نقله في (البحر) عن النص؛ لأن التهمة قد زالت بالتصريح.
قال: (وقضاء قاضيهم فيما يقبل قضاء قاضينا)؛ لأن لهم تأويلًا يسوغ فيه الاجتهاد، فلو حكم بما يخالف النص أو الإجماع أو القياس الجلي .. فهو باطل.
قال: (إلا أن يستحل دماءنا) فلا يقبل قضاؤه؛ لأنه ليس بعدل وشرط القاضي العدالة، وكذلك لا ينفذ قضاؤه إذا كان من الخطابية الذي يقضون لموافقيهم بالتصديق إذا قضى لهم.
وهذا لا يختص بالقاضي، بل الشاهذ إذا كان ممن يرى ذلك .. لم يقبل، حكاه الرافعي عن المعتبرين، فينبغي أن يكون الاستثناء في كلام المصنف راجعًا إلى الجملتين لا إلى الأخيرة وحدها.
قال: (وينفذ كتابه بالحكم)، لكن يستحب أن لا يقبل؛ استخفافًا بهم.
قال الماوردي: والأولى: أن لا يتظاهر بقبوله ويتلطف في رده، والذي قاله الغزالي وغيره: أنه يجب القبول والتنفيذ، ولعلهم أرادوا عدم النقض والحكم بخلافه كما أوله ابن الرفعة.
وحيث نفذناه .. فشرطه: أن لا يكون باطلًا، كما لو قضى على رجل من أهل العدل بضمان ما أتلف في الحرب عليهم، أو بسقوط الضمان عما أتلف في غير الحرب؛ فإن قضاءه لا ينفذ.
نعم؛ لو حكم بسقوط ما أتلفوه علينا في الحرب .. نفذناه، ولا تجوز مطالبتهم بذلك؛ لأنه محل اجتهاد.
قال: (ويحكم بكتابه بسماع البينة في الأصح)؛ لأن الكتاب الذي يرد له تعلق برعايانا، وإذا نفذنا كتاب قاضيهم لمصلحة رعاياهم .. فلأن نراعي مصلحة رعايانا من باب أولى.
والثاني: لا؛ لما فيه من معاونة أهل البغي وإقامة مناصبهم.
стр. 4259
وَلَوْ أَقَامُوا حَدًّا وَأَخَذُوا زَكَاةً وَجِزْيَةً وَخَرَاجًا وَفَرَّقُوا سَهْمَ الْمُرْتَزِقَةِ عَلَى جُنْدِهِمْ .. صَحَّ، وَفِي الأَخِيرِ وَجْهٌ. وَمَا أَتْلَفَهُ بَاغٍ عَلَى عَادِلٍ وَعَكْسُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي قِتَالٍ .. ضَمِنَ، وَإِلاَّ .. فَلاَ،
ــ
وتعبيره بـ (الأصح) تبع فيه (المحرر)، والخلاف في (الروضة) و (الشرحين) قولان، وطردهما الإمام في الكتاب بالحكم.
قال: وكنت أود لو فصل بين حكم يتعلق بأهل النجدة وحكم يتعلق بالرعايا.
أما إذا ورد على قاضينا كتاب من قاضيهم ولم يعلم أنه ممن يستحل دماء أهل العدل أم لا .. ففي قبوله والعمل به قولان: المختار منهما: المنع.
قال: (ولو أقاموا حدًا وأخذوا زكاة وجزية وخراجًا وفرقوا سهم المرتزقة على جندهم .. صح)؛ لأن في إعادة المطالبة بذلك إضرارًا بأهل البلد، ولأن عليًا ﵁ فعل كذلك في أهل البصرة، ولأنهم أخذوا بتأويل سائغ، فأشبه حكم الحاكم بالاجتهاد ولا ينقضه آخر، ولأنهم قد يقيمون على البلاد سنين كثيرة ففي عدم الاعتداد إضرار بالرعايا، فإن عاد البلد إلى أهل العدل .. لم يطالبوا بشيء من ذلك.
قال: (وفي الأخير) وهو تفرقة سهم المرتزقة على جنودهم (وجه) أنه لا يصح؛ لئلا يستعينوا به على البغي.
والأصح: الصحة؛ لأنهم من جند الإسلام وإرعاب الكفار حاصل بهم.
وفي الجزية أيضًا وجه حكاه الرافعي، وفي الزكاة وجه حكاه القاضي: أنهم إن أعطوا اختيارًا من غير إجبار .. لم تسقط عنهم.
قال: (وما أتلفه باغ على عادل وعكسه إن لم يكن في قتال .. ضمن)؛ جريًا على الأل المقرر في قصاص النفوس وغرامات الأموال، وهذا لا خلاف فيه.
قال: (وإلا .. فلا) أي: وإن كان في قتال .. لم يضمن، أما فيما يتلفه العادل على الباغي .. فلأنه مأمور بالقتال، فلا يضمن ما تولد منه، وأما فيما يتلفه الباغي على العادل .. فلأن الله تعالى أمر الإمام أن يصلح بينهما بالعدل ولم يذكر تباعة في دم ولا مال، ولأنه لم ينقل أن أحدًا طالب أحدًا بذلك في وقعة الجمل وصفين مع معرفة القاتل، ولأن الغرم لو وجب فيها .. لربما نفرهم ذلك عن العود إلى الطاعة ويحملهم.
стр. 4260
وَفِي قَوْلٍ: يَضْمَنُ بَاغٍ. وَالْمُتَأَوِّلُ بِلاَ شَوْكَةٍ يَضْمَنُ
ــ
على التمادي على الباطل، ولهذا سقطت التبعة عن الحربي إذا أسلم، وبهذا قال أبو حنيفة.
قال: (وفي قول: يضمن باغ)، وبه قال مالك؛ لعموم قوله ﷺ : (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام)، وقول أبي بكر للذين قاتلهم بعدما تابوا: (تدون قتلانا، ولا ندي قتلاكم) رواه البيهقي [٨/ ١٨٣].
ولأنهما فرقتان من المسلمين محقة ومبطلة فلا تستويان في سقوط الغرم، كقطاع الطريق.
والجواب: أن أبا بكر لما قال ذلك .. قال عمر: (لا نأخذ لقتلانا دية؛ لأنهم عملوا لله)، فسكت أبو بكر سكوت راجع.
ثم إن كان المتلف نفسًا وقلنا بالأول .. فأصح الوجهين: لا كفارة أيضًا.
ومحل القولين: فيما أتلفه في القتال بسبب القتال أو تولد منه هلاكه، فلو أتلف في القتال ما ليس من ضرورة الحرب .. وجب ضمانه قطعًا.
ويستثنى من الإتلاف في غير القتال: ما إذا قصد أهل العدل بإتلاف المال إضعافهم وهزيمتهم؛ فلا ضمان، قاله الماوردي.
قال: فإن قصدوا التشفي والانتقام .. ضمن كالمتلف في غير القتال.
هذا بالنسبة إلى الضمان، أما التحريم .. فقال الشيخ عز الدين: لا يتصف إتلافهم بإباحة ولا تحريم؛ لأنه خطأ معفو عنه، بخلاف ما يتلفه الكفار حال القتال؛ فإنه حرام غير مضمون.
قال: (والمتأول بلا شوكة يضمن)؛ لأن حكمهم في ذلك حكم قطاع الطريق، فيضمن النفس والمال ولو في حال القتال؛ لأنا لو أسقطنا الضمان عنهم .. لأبدت كل شرذمة من أهل الفساد تأويلًا وفعلت ما تشاء، وفي ذلك إبطال السياسات.
قال الشافعي ﵁ [أم ٤/ ٢١٦]: ولما قتل ابن ملجم عليًا متأولًا .. رأى علي
стр. 4261
وَعَكْسُهُ كَبَاغٍ،
ــ
القصاص، فأمر بحبسه وقال لابنه الحسن: (إذا قتلتموه .. فلا تمثلوا به)، فقتله الحسن وفي الناس بقية من أصحاب النبي ﷺ ، فلم ينكر ذلك منهم أحد.
فإن قيل: كيف سمى الشافعي ابن ملجم متأولًا؟ وأي تأويل كان له في ذلك؟ .. فأجاب عنه في (البحر) بما رواه الحاكم [٣/ ١٤٣]: أنه كان خطب امرأة يقال لها: قطام، وكان علي ﵁ قتل أباها من جملة الخوارج، فقالت له: إن عليًا قتل أبي بغير حق، ووكلته في قتله بأبيها قودًا، وطلبت منه بعد قتله ثلاثة آلاف وعبدًا وقينة حتى تنكحه، وظن المغرور أنها صادقة في القتل بغير حق، ولهذا قال الشاعر [من الطويل]:
فلم أر مهرًا ساقه ذو فطانة .... كمهر قطام بين عرب وأعجم
ثلاثة آلاف وعبد وقينة .... وقتل علي بالحسام المصمم
فلا مهر أغلى من علي وإن علا .... ولا قتل إلا دون قتل ابن ملجم
قال: (وعكسه كباغ) أي: الذين لهو شوكة ولا تأويل لهم حكمهم حكم الباغي في الضمان على أصح الطريقين؛ لأن سقوط الضمان عن الباغي لقطع الفتنة واجتماع الكلمة، وهذا هو موجود فيهم.
والطريق الثاني: يضمن قطعًا كعكسه، أما قضاء قاضيهم .. فالظاهر المعروف: لا ينفذ.
ولو ارتدت طائفة لهم شوكة فأتلفوا مالًا أو نفسًا في القتال ثم تابوا وأسلموا .. ففي ضمانهم القولان كالبغاة: أظهرهما عند بعضهم: لا ضمان، وخالفهم البغوي.
ولا ينفذ قضاء المرتدين قطعًا.
стр. 4262
وَلاَ يُقَاتِلُ الْبُغَاةَ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ أَمِينًا فَطِنًا نَاصِحًا يَسْأَلُهُمْ مَا يَنْقِمُونَ، فَإِنْ ذَكَرُوا مَظْلَمَةً أَوْ شُبْهَةً .. أَزَالَهَا،
ــ
قال: (ولا يقاتل البغاة حتى يبعث إليهم أمينًا فطنًا ناصحًا يسألهم ما ينقمون) أي: ما ينكرون وما يعيبون وما يعدونه ذنبًا، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿ومَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾، فالاستثناء في جميع ذلك من غير الجنس، كقول النابغة [من الطويل]:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم .... بهن فلول من قراع الكتائب
وكقول الرقيات [من المنسرح]:
ما نقموا من بني أمية إلا .... أنهم يحملون إن غضبوا
و (نقم) بفتح القاف وكسرها.
قال: (فإن ذكروا مظلمة أو شبهة .. أزالها)؛ لأن المقصود بقتالهم ردهم إلى الطاعة ودفع شرهم.
والبعث واجب كما صرح ابن الصباغ وغيره، وهو ظاهر عبارة (الشرحين) والكتاب.
وقال أبو الطيب: مستحب.
وقد بعث علي ابن عباس إلى أهل النهروان، فقال لهم: (هذا ابن عم رسول الله ﷺ وزوج ابنته فما تنقمون منه؟) قالوا ثلاثًا.
حكم في الدين وقد أغنى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ عن التحكيم.
وقتل ولم يسب، فإما أن يقتل ويسبي، وإما أن لا يفعلهما.
ومحا اسمه من الخلافة، فإن كان على حق .. فلم خلع؟ وإن كان على غير حق .. فلم دخل؟ فقال ابن عباس: (أما التحكيم .. فقد حكم الله في الدين، فقال تعالى:
стр. 4263
فَإِنْ أَصَرُّوا .. نَصَحَهُمْ ثُمَّ آذَنَهُمْ بِالْقِتَالِ،
ــ
﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾، وقال تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ في أرنب قيمته درهم، أخرجت من هذه؟) قالوا: نعم.
قال: (وأما أنه قتل وما سبى .. فلو حصلت عائشة في قسم أحدكم .. كيف يصنع وقد قال تعالى: ولا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا؟) فقالوا: رجعنا عن هذه.
قال: (وأما محوه اسمه من الخلافة حين كتب كتاب التحكيم بينه وبين معاوية .. عمرو عام الحديبية)، وقد كتب كتاب القضية بينهم وعلى بن أبي طالب، فرجع عند ذلك بعضهم وأبى بعضهم، رواه أحمد [١/ ٨٦] والبهقي [٨/ ١٧٩].
فلما أخبره ابن عباس بما تفق .. قال علي لأصحابه: لا ينفلت منهم عشرة ولن يقتل منا عشرة، فسار إليهم، فقتلوا كلهم إلا ثمانية، وقتل من أصحاب على تسعة.
قال: (فإن أصروا) أي: بعد إزالة العلة) .. نصحهم) ووعظهم وأمرهم بالعود إلى الطاعة؛ لتكون كلمة الدين واحدة، ولأن ذلك أقرب إلى حصول المقصود، فإن أصروا .. دعاهم إلى المناظرة.
قال: (ثم آذنهم بالقتال) أي: أعلمهم؛ لأن الله تعالى أمر أولًا بالإصلاح ثم بالقتال، فلا يجوز تقديم ما أخره الله تعالى.
وإنما يعلمهم بالقتال إذا علم أن في عسكره قوة وقدرة عليهم.
ويكون القصد بالقتال دفعهم عما هم عليه دون قتلهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي: ترجع إلى كتاب الله وسنة رسوله.
стр. 4264
فَإِنَ اسْتَمْهَلُوا .. اجْتَهَدَ وَفَعَلَ مَا رَأَىهُ صَوَابًا. وَلاَ يُقَاتِلُ مُدْبِرَهُمْ
ــ
ثم هذا القتال واجب- قال الماوردي- بخمس شروط:
أحدها: أن يتعرضوا لحريم أهل العدل أو لإفساد نسلهم.
والثاني: أن يتعطل جهاد المشركين بهم.
والثالث: أن يأخذوا من حقوق بيت المال ما ليس لهم.
والرابع: أن يمتنعوا من دفع ما وجب عليهم.
والخامس: أن يتظاهروا على خلع الإمام الذي انعقدت بيعته.
فإن انفردوا عن الجماعة ولا منعوا حقًا ولا تعدوا على الإمام .. جاز قتالهم لأجل تفريق الجماعة.
قال: (فإن استمهلوا .. اجتهد وفعل ما رآه صوابًا)، فإن ظهر له أنهم عازمون على الطاعة وأنهم ينتظرون كشف الشبهة .. أمهلهم ليتضح لهم الحق.
وإ، ظهر له أنهم يحتالون لاجتماع عساكرهم وانتظار مددهم .. لم يمهلهم إن كان في عسكره قوة، وإن سألوا ترك القتال أبدًا .. لم يجبهم.
وظاهر عبارة المصنف: أن هذا الإمهال لا يتقدر، بل يرجع إلى ما يراه الإمام.
وفي (التهذيب) يوم أو يومين، وفي (المهذب) ثلاثة أيام.
وفي (العمدة) للفوراني: إن رجا توبتهم ورجوعهم .. انتظرهم شهرًا أو شهرين، وكذلك إن رأى في أهل العدل ضعفًا.
قال: (ولا يقاتل مدبرهم) إذا كان غير متحرف لقتال أو متحيزًا إلى فئة؛ لقوله ﷺ لابن مسعود: (يا ابن أم عبد؛ ما حكم من بغى من أمتى؟) قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (لا يتبع مدبرهم، ولا يجهز على جريحهم، ولا يقتل أسيرهم) رواه الحاكم [٢/ ١٥٥] والبيهقي [٨/ ١٨٢].
ودخل الحسن بن علي على مروان فقال: ما رأيت أكرم من أبيك، ما إن ولينا ظهورنا يوم الجمل حتى تادى مناديه: أن لا يتبع مدبر ولا يذفف على جريح.
стр. 4265
وَلاَ مُثْخَنَهُمْ وَأَسِيرَهُمْ، وَلاَ يُطْلَقُ وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا أَوِ امْرَأَةً حَتَّى تَنْقَضِيَ الْحَرْبُ وَيَتَفَرَّقَ جَمْعُهُمْ،
ــ
قال الشافعي: ولأن الله تعالى أمر بقتالهم لا بقتلهم، وإنما يقال: قاتلوا لمن يقاتل، ويقال للمنهزم: اقتلوا لا قاتلوا، وكذلك الحكم فيمن ألقى السلاح.
وانهزام الجند: أن يتبددوا وتبطل شوكتهم.
فول ولوا مجتمعين تحت راية زعيمهم .. لم ينكف عنهم، بل يطلبهم حتى يطيعوا، فلو بطلت قوة واحد بتخلفه عنهم .. لم يتبع.
ومن ولى متحرفًا لقتال .. اتبع، وكذا متحيزا إلى فئة قريبة، قيل: أو بعيدة.
قال: (ولا مثخنهم وأسيرهم) أي: لا يقتل مثخنهم، وهو- بفتح الخاء-: المثقل بالجراح، ولا يقتل أسيرهم؛ للخبر المذكور، وجوز أبو حنيفة قتلهما صبرًا.
فلو قتل عادل أسيرهم أو ذفف على جريحهم .. ففي وجوب القصاص وجهان:
أصحهما في زوائد (الروضة) لا قصاص، ونقله في (البحر) عن النص.
ولا يجوز قتل من كف عن قتال منهم إذا وقف معهم في صفهم .. لأنه كاف شره كالأسير، وفي وجه: يجوز؛ لأنه رد لهم.
وقتل رجل محمد بن طلحة حين كان واقفًا مع أهل الجمل، فلم يمنعه علي ولا طالب بديته.
واستثنى بعضهم من ذلك: ما إذا أيس الإمام من صلاحهم لتمكن الضلالة فيهم وخضي عودهم عليه بشر، قال: فيجوز في هذه الحالة أن يتبع مدبرهم ويذفف على جريحهم استئصالًا لهم، كما فعل علي ﵁ بالخوارج، وكذلك المهلب بن أبي صفرة حين قاتلهم في ولاية عبد الملك بن مروان.
قال: (ولا يطلق) أي: أسيرهم (وإن كان صبيًا أو امرأة حتى تنقضي الحرب ويتفرق جمعهم)؛ لينكف شرهم، وذلك واجب إلى انقضاه الحرب، وظاهر عبارة الكتاب في الصبي والمرأة: استمرار حبسهم إلى أن يتفرق جمعهم.
стр. 4266
إِلاَّ أَنْ يُطِيعَ بَاخْتِيَارِهِ. وَيَرُدُّ سِلاَحَهُمْ وَخَيْلَهُمْ إِلَيْهِمْ إِذَا انْقَضَتِ الحَرْبُ وَأُمِنَتْ غَائِلَتُهُمْ، وَلاَ تُسْتَعْمَلُ فِي قِتَالٍ
ــ
والذي في (الروضة) وكتب الرافعي: إلى انقضاء الحرب فقط، وصوبه في (المهمات)، وقيل: إن رأى الإمام في إطلاقهم قوة للبغاة، وفي حبسهم ردهم إلى الطاعة .. حبسهم.
وقيل: له حبسهم مطلقًا إلى حين إطلاق الرجال.
قال: (إلا أن يطيع باختياره)؛ بأن يبايع الإمام فيطلق ولو قبل انقضاء الحرب وتفرق الجمع.
هذا في الحر، أما العبد .. فقيل: هو كالنساء وإن كان يقاتل، وقال المتولي: إن كان يتأتى منه ومن المراهق قتال .. فهما كالرجال في الحبس، واستحسنه الرافهي.
أما الصبي غير المراهق والمرأة .. فيطلقان إذا انقضت الحرب، فإن قاتلت المرأة والعبد والمراهق .. فهم كالرجال يقتلون مقبلين لا مدبرين.
قال: (ويرد سلاحهم وخيلهم إليهم إذا انقضت الحرب وأمنت غائلتهم)؛ لزوال المحذور، وأمن الغائلة بعودهم إلى الطاعة أو تفرق شملهم، قال الرافعي: وهو وقت إطلاق الأسير.
و (الغائلة) الشر.
واعترض ابن الفركاح على المصنف فقال: ذكر أمن الغائلة هنا ولم يذكره في الأسير، وذلك يوهم اختلاف الغايتين، وهما سواء كما ذكره الرافعي.
والجواب: أنه نبه في الأسير على أمن الغائلة بقوله: (ويتفرق جمعهم)؛ فإنه إذا تفرق جمعهم .. أمنت غائلتهم.
واقتصاره على رد السلاح والخيل يعلم أن رد غيرهما من الأموال التي ليست عونًا لهم في القتال إليهم من بابا أولى.
قال: (ولا تستعمل) أي: خيولهم وأسلحتهم (في قتال)، كما لا يجوز الانتفاع بسائر أموالهم، ويدل لذلك عموم قوله ﷺ : (لا يحل مال
стр. 4267
إِلاَّ لِضَرُورَةٍ. وَلاَ يُقَاتَلُونَ بِعَظِيمٍ- كَنَارٍ وَمَنْجَنِيقٍ- إِلاَّ لِضَرُورَةٍ؛ بِأَنْ قَاتَلُوا بِهِ أَوْ أَحَاطُوا بِنَا. وَلاَ يُسْتَعَانُ عَلَيْهِمْ بِكَافِرٍ، وَلاَ بِمَنْ يَرَى قَتْلَهُمْ مُدْبِرِينَ،
ــ
امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه).
قال: (إلا لضرورة)، كما إذا خيف انهزام أهل العدل ولم يجدوا غير خيولهم .. فيجوز لهم ركوبها، وكذا إذا لم يجدوا ما يدفعون به عنهم غير سلاحهم، وتجب أجرتها عند استعمالها للضرورة، كالمضطر إذا أكل طعام الغير .. يغرمه.
قال: (ولا يقاتلون بعظيم، كنار)؛ لأن القصد الكف لا الإهلاك، وفي الحديث الصحيح: (لا يعذب بالنار إلا خالقها).
قال: (ومنجنيق)، وكذا إرسال المياه الكثيرة، وإلقاء الحيات والأسد عليهم؛ لأن المقصود من قتالهم ردهم إلى الطاعة، وقد يرجعون فلا يجدون إلى النجاة سبيلًا، ولأنه قد يصيب من لا يجوز قتله كالنساء والصبيان.
قال: (إلا لضرورة؛ بأن قاتلوا به أو أحاطوا بنا) وحصل الاضطرار إلى الرمي بذلك للدفع، ولهذا بالغ علي ﵁ حتى قتل بنفسه ليلة الهرير ألفًا وخمس مئة.
فلو تحصموا ببلد أو قلعة ولم يقدر عليهم إلا بهذه الأسباب .. فلا يجوز قتالهم، ولا يجوز أن يحاصروا بمنع الطعام والشراب إلا على رأي الإمام في أهل القلعة.
ولا يجوز عقر خيلهم إذا قاتلوا عليها، ولا قطع أشجارهم وزرعهم.
قال: (ولا يستعان عليهم بكافر)؛ إذ لا سبيل لهم على المؤمنين، ولهذا لا يجوز لمستحق القصاص من مسلم أن يوكل كافرًا في استيفائه، ولا للإمام أن يتخذ لهم دلادًا كافرًا لإقامة الحدود على المسلمين.
قال: (ولا بمن يرى قتلهم مدبرين)، إما لعداوة تحمله على ذلك، وإما لاعتقاد جوازه كالحنفي؛ لأنهم إذا انهزموا .. وجب الكف عنهم، وهل هو منع تنزيه أو
стр. 4268
وَلَوْ اسْتَعَانُوا عَلَيْنَا بِأَهْلِ الْحَرْبِ وَآمَنُوهُمْ .. لَمْ يَنْفُذْ أَمَانُهُمْ عَلَيْنَا، وَيَنْفُذُ عَلَيْهِمْ فِي الأَصَحِّ،
ــ
تحريم؟ فيه وجهان: ظاهر عبارة (الشرح) و (الروضة) الثاني، وفي (الكفاية) وجه: أنه يجوز، فإن دعت الضرورة إلى الاستعانة بهم .. جاز بشرطين:
أن يكون لهم حسن إقدام.
وأن يمكنه منعهم لو اتبعوهم.
ولفظ البغوي يقتضي الجواز بأحدهما، كذا قاله الشيخان، وفيه نظر؛ فإن عبارة (التهذيب) ظاهرة في الشرطين.
وزاد الماوردي شرطًا ثالثًا: أن يَشترط عليهم: أن لا يقتلوا مدبرًا ولا يذففوا على جريح، وأن يثق بوفائهم.
فإن قيل: يشكل على هذا جواز استخلاف الشافعي للحنفي .. قلنا: الفرق: أن الخليفة ينفرد برأيه واجتهاده، وهؤلاء تحت راية الإمام، ففعلهم منسوب إليه، فلا يجوز أن يعملوا بخلاف اجتهاده.
قال: (ولو استعانوا علينا بأهل الحرب وآمنوهم) أي: أعطوهم الأمان، وهي بهمزة ممدودة؛ لقوله تعالى: ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾.
قال: (.. لم ينفذ أمانهم علينا)؛ لأن الأمان لترك قتال المسلمين، فلا ينفذ على شرط قتالهم، فيجوز لنا أن نغنم أموالهم، ونسترقهم، ونقتل أسيرهم، ونقتلهم مدبرين ومثخنين.
وقيل: لا يقتل مدبرهم، ولا يذفف على جريحهم، والمذهب: الأول.
قال: (وينفذ عليهم في الأصح)؛ لأنهم آمنوهم من أنفسهم، فلا يجوز أن يكروا عليهم بالقتل وبالأسر والاسترقاق.
والثاني: المنع؛ لأنه أمان انبنى على فساد فلم ينفذ.
وعلى هذا: لأهل البغي قتلهم واسترقاقهم.
وقال الإمام وابن الصباغ
: هو أمان فاسد، فيردوهم إلى مأمنهم ولا يغتالوهم.
стр. 4269
وَلَوْ أَعَانَهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ عَالِمِينَ بِتَحْرِيمِ قِتَالِنَا .. انتُقَضَ عَهْدُهُمْ، أَوْ مُكْرَهِينَ .. فَلَا، وَكَذَا لَوْ قَالُوا: ظَننَّا جَوَازَهُ، أَوْ أَنَّهُمْ مُحِقُّونَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَيُقَاتَلُونَ كَبُغَاةٍ ...
ــ
قال: (ولو أعانهم أهل الذمة عالمين بتحريم قتالنا .. انتقض عهدهم)، كما لو انفردوا بالقتال، ويصير حكمهم حكم أهل الحرب، فيقتلون مقبلين ومدبرين، ولهذا غزا النبي ﷺ بني قريظة لمّا أعانوا الأحزاب.
قال: (أو مكرهين .. فلا)؛ لمكان العذر، وقيل: هو على الخلاف الآتي.
وظاهر كلامه: أن يكتفى بقولهم: إنهم مكرهون من غير بينة، وهو الذي يظهر من إطلاق الجمهور، وشرط المزني والبندنيجي ثبوته عند الإمام.
قال: (وكذا لو قالوا: ظننا جوازه)؛ لأنهم قد يخفى عليهم منع ذلك، وكذا لو قالوا: ظننا أنهم يستعينون بنا على كفار.
قال: (أو أنهم محقون على المذهب)؛ إلحاقًا لهذه الأعذار بالإكراه؛ لأنهم وافقوا طائفة من المسلمين ولم يستقلوا، فلا ترتفع عصمتهم.
والثاني: الانتقاض، كما لو استقلوا بالقتال.
ثم القولان إذا لم يشترط عليهم ترك القتال في عقد الذمة، فإن شرط .. انتقض قطعًا، ومنهم من أطلق القولين.
قال: (ويقاتلون كبغاة)؛ لأن الأمان حقن دماءهم، كما أن الإسلام حقن البغاة، وكل منهم خرج عن الجماعة بتأويل.
ولو استعان البغاة بأهل العهد .. انتقض عهدهم بالمقاتلة معهم.
قال الجمهور: وإذا ذكروا عذرًا لم يقبل منهم إلا ببينة وخالفوا أهل الذمة حيث قبل دعواهم الإكراه بغير بينة؛ لأنهم أقوى، ولهذا لو خاف الإمام من أهل العهد الخيانة .. نبذ إليهم عهدهم، بخلاف أهل الذمة.
تتمة:
قال المتولي: يلزم الواحد من أهل العدل مصابرة اثنين من البغاة؛ فلا يولي إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة.
стр. 4270
فَصْلٌ:
شَرْطُ الإِمَامِ: كَوْنُهُ مُسْلِمًا
ــ
وقال الشافعي ﵀: يكره للعادل أن يعتمد قتل ذي رحم من أهل البغي.
وحكم دار البغي حكم دار الإسلام، فإذا جرى فيها ما يوجب الحد .. أقامه الإمام إذا استولى عليها.
ولو سبى المشركون طائفة من البغاة وقدر أهل العدل على استنقاذهم .. لزمهم ذلك.
قال: (فصل:
شرط الإمام: كونه مسلمًا) لمّا كان البغي عبارة عن الخروج على الإمام .. احتاج إلى تعريف الإمام الأعظم، وهو: القائم بخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، فيا لها رتبة ما أسناها، ومرتبة ما أعلاها أن يكون الإمام ساهيًا لاهيًا مع من يحب ورعيته والخلق تعمل له الطاعات وتكسب له الحسنات.
و (السلطان) يذكر لفظه ويؤنث، وهو مشتق من السلاطة، وقيل: من السليط، وهو: الدهن الذي يستضاء به.
ولفظ الخليفة قد يؤنث أيضًا، وأنشد الفراء عليه [من الوافر]:
أبوك خليفة ولدته أخرى ... وأنت خليفة ذاك الكمال
وامتنع جمهور العلماء من تسميته خليفة الله؛ لأنه إنما يستخلف من يغيب.
وقد قيل لأبي بكر: يا خليفة الله، فقال: (لست بخليفة الله، بل خليفة رسول الله ﷺ .
وجوز بعضهم ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ﴾.
وروى البيهقي [هب ٧٣٦٩] وغيره حديث: (السلطان ظل الله في الأرض، فإذا أحسن .. فله الأجر وعليكم الشكر، وإذا أساء .. فعليه الوزر وعليكم الصبر).
стр. 4271
مُكَلَّفًا حُرًّا ذَكَرًا قُرَشِيًّا
ــ
قال الخطابي: معنى (الظل) العز والمنفعة، ويحتمل أن يريد به الستر، كما يقول القائل للرجل الشريف: أنا في ظلك، أي: في سترك، وقيل: إنما وصفه بالظل؛ لأنه يدفع الأذى عن الناس كما يدفع الظل أذى حر الشمس.
فأول شروطه: أن يكون مسلمًا؛ ليراعي مصلحة الإسلام والمسلمين.
قال: (مكلفًا)، فلا تصح إمامة الصبي والمجنون بالإجماع.
وفي (مسند أحمد) [٢/ ٣٢٦] عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: (استعيذوا بالله من إمرة الصبيان).
وما أحسن قول الشاعر [من الكامل]:
شيئانِ يعجزُ ذو الرياضةِ عنهم رأيُ النساءِ وإمرةُ الصبيانِ
أما النساءُ فميلهُنَّ إلى الهوى ... وأخو الصبا يجري بغيرِ عنانِ
قال: (حرًا)؛ لأن الرقيق لا يُهاب ولا يصلح للإرهاب، وما روى مسلم [١٢٩٨] من قوله ﷺ : (اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي مجدع الأطراف كان رأسه زبيبة) .. فمحمول على غير الإمامة العظمى.
قال: (ذكرًا)؛ لما روى البخاري [٤٤٢٥] عن أبي بكر: أن النبي ﷺ –لما بلغه أن فارس ولوا بنت كسرى-: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)، والخنثى كالمرأة.
قال ابن عبد السلام: فلو ابتلي الناس بولاية امرأة أو صبي مميز .. نفذ تصرفهما العام كتولية القضاة والولاة، وفيه وقفة.
قال: (قرشيًا)؛ لما روى الترمذي [٣٩٣٦] عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: (الملك في قريش، والقضاء في الأنصار، والأذان في الحبشة)، والأصح وقفه على أبي هريرة.
وروى النسائي [سك ٥٩٠٩] والحاكم [٤/ ٥٠١] بإسناد صحيح عن أنس: ان النبي ﷺ قال: (الأئمة من قريش) إلا أن في سنده بكير بن وهب
стр. 4272
مُجْتَهِدًا
ــ
الجزري، وفيه كلام لا يضره؛ فإن ابن حبان ذكره في (الثقات).
ولما أراد الأنصار ولاية سعد بن عبادة .. روى لهم أبو بكر هذا الخبر، فرجعوا إلى قوله.
وقال ﷺ : (قدِّموا قريشًا ولا تَقَدَّموها).
وانعقد الإجماع على ذلك.
قال الإمام: ولم يزل الناس لاهجين باختصاص ذلك بقريش على طول الأزمان، فلو جاز لغيرهم .. لطلبه ذو النجدة والبأس، ولما اشرأبَّ له المارقون بمصر .. بذلوا الأموال لِكَذَبة النسابين حتى ألحقوا نسبهم بالشجرة النبوية.
قال: ونحن نعقل عدم احتياج الإمامة في وضعها إلى النسب، ولكن خصهم الله بذلك.
فلو لم يوجد قرشي بالشروط .. فكناني، فإن لم يوجد .. فمن ولد إسماعيل ﷺ ، فإن لم يوجد .. ففي (التهذيب) يولى عجمي، وقال المتولي: جرهمي، فإن لم يوجد .. فمن ولد إسحاق.
وجرهم أصل العرب، ومنهم تزوج إسماعيل ﷺ حين أنزله أبوه أرض مكة.
قال: (مجتهدًا) حيث لا يحتاج إلى استفتاء غيره في الحوادث؛ لأنه بالمراجعة والسؤال يخرج عن رتبة الاستقلال، ويفوِّت من الأمور العظام ما لا يتناهى.
وقد حكى الإمام في (الإرشاد) الإجماع على اشتراط ذلك.
وفي اعتبار الاجتهاد المطلق نظر؛ فإن أكثر من ولي بعد الخلفاء الراشدين لم يكن بهذا الوصف.
стр. 4273
شُجَاعًا ذَا رَايٍ
ــ
وقال القاضي حسين: إذا اجتمع عدل جاهل وعالم فاسق .. فالأول أولى؛ لتمكنه من التفويض إلى العلماء، قال ابن الرفعة: هذا إنما يكون عند فقد المجتهدين.
قال: (شجاعًا)؛ ليغزو بنفسه ويقهر الأعداء ويجهز الجيوش ويفتح الحصون.
فمن لم يكن عقربًا يتفي ... مشت بين أثوابه العقرب
قال الماوردي: فإذا اجتمع أعلم وأشجع، فإن كانت الحاجة إلى الشجاعة أدعى .. قدم، وإن كانت إلى الأعلم أشد لظهور البدعة .. قدم.
و (الشجاعة) شدة القلب عند البأس، يقال: شجُع الرجل –بالضم- فهو شجع، وفي شينه ثلاث لغات حكاها ابن سيده وغيره.
قال أبو زيد: يقال: رجل شجاع، ولا توصف به المرأة.
قال: (ذا رأي) يفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح الدنيوية.
فالرأيُ قبلَ شجاعةِ الشجعانِ ... هي أوَّلٌ وهوَ المحلُّ الثاني
فإذا هُما اجتمعا لنفسٍ مرَّةً ... بلغت مِنَ العلياءِ كلَّ مكانِ
ولرُبَّما قهرَ الفتى أقرانَهُ ... بالرأيِ لا بتطاعنِ الأقرانِ
وقد كان العباس بن عبد المطلب يضرب به المثل في سداد الرأي، وكذلك الحُباب بن المنذر الأنصاري، وهو الذي أشار على النبي ﷺ أن ينزل على ماء بدر للقاء القوم، فنزل جبريل على النبي ﷺ وقال: الرأي ما رآه الحباب، وهو القائل يوم سقيفة بني ساعدة: (أنا جُذَيلُها المُحكَّك،
стр. 4274
وَكِفَايَةٍ وَسَمْعٍ وَبَصَرٍ وَنُطْقٍ
ــ
وعُذَيْقُها المُرَجَّب، منكم أمير ومنا أمير).
قال: (وكفاية)؛ ليقوم بما يتولاه من أمور رعاياه، فلا يكون إمعًا ولا إمعة، وهو: الذي يكون لضعف رأيه مع كل واحد، ولا يقال ذلك للنساء، ومثله: رجل إمر وإمرة، وهو: الذي لضعف رأيه يأتمر لكل أحد.
قال: (وسمع وبصر ونطق)؛ ليتأتى منه فصل الأمور.
أما اشتراط السمع .. فقال الإمام في (الغياثي) أجمعوا عليه.
وأما البصر .. فلأنه في معناه، وضعف البصر إن كان يمنع تمييز الأشخاص .. منع، وإلا .. فلا، ولا يمنع الولاية كونه أعشى.
واشترط الشيخان مع هذه الأمور: العدالة، وعبر عنها الإمام بالورع والتقوى والأمانة.
وحذف المصنف هذا الشرط؛ لظنه دخوله في الاجتهاد، وهذا عند التمكن، فلو دعت الضرورة إلى ولاية فاسق .. جاز.
قال ابن عبد السلام: وإذا تعذرت العدالة في الأئمة والحكام .. قدمنا أقلهم فسقًا؛ دفعًا لأشد المفسدتين بأخفهما، والأصح: اشتراط كونه سالم الأعضاء الظاهرة.
وأما فقد الشم والذوق وقطع الذكر والأنثيين .. فلا يمنع قطعًا.
وجزم في (البحر) بأن العور يمنع الإمامة دون القضاء.
стр. 4275
وَتَنْعَقِدُ الإِمَامَةُ بِالْبَيْعَةِ،
ــ
ولا يشترط كونه هاشميًا بالاتفاق، ولا كونه معصومًا، خلافًا للإسماعيلية والإثني عشرية.
ثم إذن هذه الشروط كما تعتبر في الابتداء تعتبر في الدوام إلا العدالة.
وفي جواز تولية المفضل خلاف مذكور في (أدب القضاء)، فإن لم تتفق الكلمة إلا عليه .. جازت توليته بلا خلاف لتندفع الفتنة، ولو نشأ من هو أفضل من المنصوب .. لم يعدل إليه بلا خلاف.
) والجمهور على أن الإمامة وجبت بالشرع؛ لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ففرض طاعتهم علينا، وقال ﷺ : (اسمعوا وأطيعوا)، و (عليكم بالسمع والطاعة).
وروي عن بعض المتكلمين: أنها وجبت بالعقل؛ لقول الأفوه الأودي الجاهلي [من البسيط]:
لا يصلحُ الناسُ فوضى لا سراةَ لهم ... ولا سراةَ إذا جُهّالهُم سادوا
والبيتُ لا ينبني إِلا له عَمَدٌ ولا عمادٌ إذا لم ترسُ أوتادُ
قال: (وتنعقد الإمامة بالبيعة) الطرق التي تنعقد بها الإمامة ثلاثة: البيعة كما بايع الصحابة أبا بكر ﵃، هكذا استدل به الجمهور.
قال ابن حزم: الذي اعتقده أنه إنما ولي بعهد من رسول الله ﷺ ، والحديث الوارد في ذلك رواه البخاري [٣٦٥٩] ومسلم [٢٣٨٦]، وهو قصة المرأة التي قالت: فإن رجعت ولم أجدك؟ كأنها تريد الموت، هذا في نص الحديث، فقال ﵊: (فآت أبا بكر).
وما أحسن قول الحسن -في قول أبي بكر لما ولي الخلافة: (وليتكم ولستُ
следующие страницы →