Полный текст (5 377 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.
стр. 4411
وَقَدْ يَغْلِبُونَ وَاَلُحَالَه هذِه فِي بَلَدٍ فَهمْ قٌطَّاعٌ. وَلَوْ عَلِمَ اٌلِإمَامُ قوْمًا يُخِيفُونَ اٌلطَّرِيقَ وَلَمً يَاخُذُوا مَالًا وَلاَ نَفُسًا .... عَزَّرَهمٌ بِحَبْسٍ وَغَيْرِه, وَإِذَا أَخَذَ اَلَقَاطِعُ نِصَابَ اَلسَّرِقِه .... قَطَعَ يَدَه اَليُمْنَى وَرِجلَه اَليُسْرَى,
ــ
قال: (وقد يَغلبون والحاله هذه) أي: عند ضعف السلطان أو بعده أو بعد أعوانه (في بلد فهم قطاع) , لوجود الشروط فيهم.
وأبو حنيفه لا يرى الخارجين من البلد قطاعًا, زاد مالك: ولا قريبًا منه بثلاث مراحل.
قال: (ولو علم الإمام قومًا) وكذا واحدًا (يخيفون الطريق ولم يأخذوا مالًا ولا نفسًا .. عزرهم بحبس وغيره) , لأنهم تعرضوا للدخول في معصيه عظيمه, فيعزرهم علي ذلك كما يُعزَّر علي مقدمات الزنا والشرب والسرقه, وهذا تفسير النفي من الأرض في الآيه الكريمه.
وعباره (المحرر) و (الشرح) ينبغي أن يعزرهم, وعباره (الروضه) كعباره الكتاب, والأمر في الجنس هذا التعزير وقدره راجع إلي الإمام.
وقيل: يتعين الحبس.
فعلى الأصح: للإمام ترك تعزيرهم إن رآه مصلحه.
وعلي الثاني: ليس له إلا أن تظهر توبتهم, لأن سببه قطع الطريق فيتحتم كالقطع, وإذا أراد حبسهم ..... قال ابن سريج: الأولى حبسهم في غير موضعهم, لأنه أحوط وأبلغ في الزجر
والإيحاش.
وقيل: يتقدر حبسهم لسته أشهر, كيلا يزيد علي تغريب العبد الزاني, وقيل: يتقدر بسنه,
وقيل: يضرب دون ثمانين, وقيل: بالنفي إلى حيث يراه.
وكلام المصنف صريح في أن الإمام يقضي فيهم بعلمه وإن قلنا: لا يقضي به في الحدود, لما في ذلك من حق الآدمي.
وظاهر كلامه: الجمع بين الحبس والتغريب, وسيأتي نظيره في التعزير.
قال: (وإذا أخذ القاطع نصاب السرقه .... قطع يده اليمني ورجله اليسري) , لأنه
стр. 4412
فَإِنْ عَادَ .... فَيُسْرَاه وَيُمٌنَاه, ......
ــ
حد واحد, سواء كان النصاب لواحد أو جماعه, فإن أخذ دون النصاب .... عزر من غيرقطع,
وتعتبر القيمه في موضع الأخذ إن جرت العاده فيه بالبيع والشراء, وإلا ... فيعتبر أقرب موضع إليه, ولا تعتبر قيمته عند استسلام الناس لأخذ أموالهم, لأنه لا قيمه له في تلك الحاله.
ويبدأ بقطع يده ثم برجله ويحسم موضع القطع منهما كما في السارق, ويجوز أن تحسم اليد ثم تقطع الرجل, وأن تقطعا جميعًا ثم تحسما, ولا يشهر المقطوع بعد قطعه, إلا أن يرى الإمام ذلك رادعًا لأهل الفساد.
ويدفن المقطوع إلا أن يري الإمام إبقاءه معه لينزجر الناس به, فإن التمسها المقطوع .. فهو أحق بها ليتولى دفنها, فإن أراد استبقاءها لتدفن معه إذا مات .... منع.
قال: (فإن عاد ... فيسراه ويمناه) , للآيه المتقدمه, وهي وإن اقتضي ظاهرها التخيير ..
فالمراد بها: الترتيب, لقول ابن عباس وغيره في القطاع: (إذا قتلوا وأخذوا المال ... قتلوا وصلبوا, وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال ... قتلوا ولم يصلبوا, وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا .. قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف) وهذا من ابن عباس إما بتوقيف أو لغه, وكلاهما حجه لا سيما وهو ترجمان القرآن.
ووقع في (الوسيط) أن النبي صلي الله عليه وسلم فسره بذلك, والصواب: أنه من كلام ابن عباس.
ولأن الله تعالى بدأ بالأغلظ, فكان مرتبًا ككفاره الظهار والقتل, فلو اريد التخيير .... لبدئ بالأخف ككفاره اليمين , وهكذا عُرْف القرآن.
وإنما قطع من خلاف, لئلا يفوت جنس المنفعه, فاليمين لأخذ المال, والرجل لأجل المحاربه.
وكلام المصنف يفهم: أنه لا يشترط أن يكون من حرز, وهو وجه, لأن الحرز
стр. 4413
وَإِنْ قَتَلَ .... قُتِلَ حَتْمًا,
ــ
لا يؤثر مع القاهر, ولأنه تفاحشت جنايته فغلظ عليه, لكن المشهورالذي جزم به الأكثرون: أنه يعتبر.
والحرزهنا: أن يكون مع مالكه أو بحيث يراه ويقدر أن يدفع عنه من ليس بغالب, فإذا كان المأخوذ دون نصاب ... فلا قطع في الأصح, وإذا كان له فيه شبهه كالوالد يأخذ مال الولد أو عكسه ... ففيه قولان:
أحدهما: لا قطع كالسرقه.
والثاني: تقطع يده ورجله, لأنه محض حق الله تعالى, فإذا كانت يده اليمنى ورجله اليسرى مفقودتين عند المحاربه .. نزل ذلك منزله أخذه المال مره ثانيه, فتقطع يده اليسرى ورجله اليمنى.
فلو كانت يمناه أو رجله اليسرى مفقوده ... فالأصح: الاكتفاء بالموجوده.
والثاني: أن الموجود يتبع المفقود.
قال: ﴿وإن قَتل﴾ أي: عمدًا محضًا عدوانًا من يكافئه وهو معصوم, وكان القتل لأخذ المال) .. قتل حتمًا) , لقوله تعالى ﴿أَن يُقَتَّلُواُ﴾ فأوجب القتل وحتمه, لأن كل معصيه فيها عقوبه في غير المحاربه تجب فيها زياده عند المحاربه كأخذ المال, ولا زياده هنا إلا التحتم,
ومعناه: أنه لا يسقط بعفو ولي القصاص ولا بعفو السلطان, ويستوفيه الإمام, لأنه حد من حدود الله تعالى.
قال الشيخ عز الدين: وإنما تحتم كما تحتم حد الزنا من جهه: أنهم ضموا إلي جنايتهم إخافه السبيل في منع كل مجتاز بها, بخلاف من قتل إنسانًا أو سرق ماله في خفيه.
ثم بعد القتل يدفع إلي أهله ليغسلوه ويصلوا عليه.
وقال أبو حنيفه: لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه كالباغي.
وحكم الجرح في المحاربه والموت بعد أيام قبل الظفر والتوبه حكم القتل صبرًا,
стр. 4414
وَإِنْ قَتَلَ وَأَخَذَ اَلْمَالَ ... قُتِلَ ثُمَّ صُلِبَ ثَلاَتًا ثُمَّ يُنَزَّلُ, وَقِيلَ: يَبْقَى حَتَّى يَسِيلَ صَدِيدُه,
وَفِي قَوْلٍ: يُصْلَبُ قَلِيلًا ثُمَّ يُنَزَّلُ فَيُقْتَلُ
ــ
قاله الإمام, وأبدي احتمالًا– ورجحه-: أنه لا يتحتم.
أما إذا قتل خطأ أو شبه عمد ... فإنه لا يُقتل, وحكم الديه كما في غير المحاربه, ولو قتل معصومًا لا يكافئه عمدًا .... لم يقتل به في الأصح.
قال: (وإن قَتل وأخذ المال) أي: نصابًا) ... قُتل ثم صلب ثلاثًا يُنزَّل) , لما تقدم عن ابن عباس.
وإنما صلب بعد القتل, لأن في صلبه قبله زياده تعذيب, وقد نهي رسول الله ﷺ عن تعذيب الحيوان كما رواه البخاري وأبو داوود [(٢٨٠٧)].
والحاكم, وقال: (إذا قتلتم ... فأحسنوا القتله).
وإنما صلب ثلاثًا, ليشتهر الحال ويتم النكال, فإن خيف تغيره قبل الثلاث فقيل: يبقى مصلوبًا حتى يتم الثلاث، لظاهر النص.
والأصح: أنه ينزل، لئلا يفوت الغسل وغيره, وحمل النص علي زمن البرد.
وشرط بعضهم: أن لا يتأذى به الأحياء.
قال: (وقيل: يبقي حتي يسيل صديده) , لأن في ذلك أشتهار الحاله,
وقال في (الروضه) ويتهرأ ولا ينزل بحال.
والصلب علي خشبه ونحوها, وقيل: يطرح بالأ رض حتي يسيل صديده.
و) الصديد) ماء رقيق يخرج من الجرح مختلط بدم.
والخشبه التي يصلب عليها سميت صلبيًا, لسيلان صليب المصلوب عليها.
قال: (وفي قول: يصلب قليلًا ثم يُنزَّل فيقتل) , لأن الصلب إذا كان عقوبه ...
وجب أن يكون في الحياه, لأنه لا حد علي ميت, ولأنه أزجر, وبه قال أبو حنيفه.
стр. 4415
وَمَنْ أَعَانَهُم وَكَثَّرَ جَمْعَهُم ... عُزِّرَ بِحَبْسٍ وَتَغْرِيبٍ وَغَيرِهمَا, وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ التَّغْرِيبُ إِلَى حَيَثُ يَرَاه
ــ
وعلى هذا: كيف يقتل؟ أيترك بلا طعام ولا شراب حتى يموت أو يجرح حتي يموت أو يترك مصلوبًا ثلاثًا ثم ينزل فيقتل؟ فيه أوجه, والوجه الثالث أقرب إلي ما في الكتاب, فإن الثلاثه قليل.
فروع:
الأول: تقام عليهم الحدود في الموضع الذي حاربوا فيه إذا شاهدهم فيه من يرتدع بهم من الناس, فإن كانوا في مفازه .... ففي أقرب بلد.
الثاني: إذا مات حتف أنفه ... روي الحارث بن شريح البقال عن الشافعي: أنه لا يصلب بعد موته, والفرق: أن قتله حد يستوفي فيكمل بصلبه, وموته مسقط لحده , فسقط تابعه.
وخرج بعض الأصحاب وجها: أنه يصلب.
الثالث: إذا قلنا بالصحيح: أنه يقتل ثم يصلب ... فالأصح: أنه يغسل ويكفن ويصلى عليه ثم يصلب مكفنًا.
قال: (ومن أعانهم وكثر جمعهم .. عزر بحبس وتغريب وغيرهما) كسائر المعاصي, وروى أبو يعلي الموصلي: أن النبي ﷺ قال: (من كثر سواد قوم .. فهو منهم)
و (الواو) في قوله: (بحبس وتغريب وغيرهما) بمعني (أو) كما صرح به في (المحرر)
وفيه الخلاف السابق في المخيف كما أشار إليه الماوردي.
قال: (وقيل: يتعين التغريب إلي حيث يراه) أي: الإمام, لأن النفي عقوبه مقصوده يرجع فيها إلي رأي الإمام، وعلي هذا: هل يعزره في المنفي إليه بضرب وحبس وغيرهما أو يكفي النفي؟ فيه وجهان:
стр. 4416
وَقَتْلُ القْاطِع يُغَلَّبُ فِيه مَعْنَى الْقِصَاص، وَفِى قَوْلٍ: الْحَدُّ، فَعَلَى الأَوَّلِ: لاَ يُقْتَلُ بِوَلَدِه وَذِمّىّ، وَلَوْمَاتَ .. فَدِيَه، وَلَوْ قَتَلَ جَمْعًا .. قُتِلَ بِوَاحِدٍ، وَلِلْبَاقِينَ الّديَاتُ، وَلَوْ عَفَا وَلِيُّه بِمَالٍ .. وَجَبَ وَسَقَطَ الْقِصَاصُ وَيُقْتَلُ حَدًّا ..
ــ
الأشبه فى (الشرح الصغير) جواز الاقتصاد على النفى.
وقال المصنف: الأصح: أنه إلى رأى الإمام بما تقتضيه المصلحه.
قال: (وقتل القاطع يُغلَّب فيه معنى القصاص)؛ ولانه قتل فى مقابله قتل. فعلى هذا: عليه الكفاره.
قال: (وفى قول: الحد) لانه لا يصح العفو عنه ويتعلق استيفاؤه بالسلطان لا بالولى، والقولان فيما يغلب منهما، وهذه الطريقه الصحيحه. وقال آخرون: هل يتمحص حق الله تعالى أم فيه أيضًا حق آدمى؟ قولان.
قال: (فعلى الأول: لا يقتل بولده وذمى)؛ لعدم المكافأه، وهذا تفريغ على الخلاف، فعلى هذا: تجب الديه، وكذا لا يقتل الحر بعبد، تجب القيمه.
وعلى الثانى: نعم.
قال: (ولومات .. فديه) أى: من تركته.
وعلى الثانى: لا شئ.
قال: (ولو قتل جمعًا .. قتل بواحد، وللباقين الديات) كالقصاص. ولو فرعنا على الثانى .. قتل بهم ولا ديه، لكن عبارته تقتضى جواز قتله بغير الأول، وليس كذلك، بل إن قتلهم بالترتيب .. قتل بالأول.
قال: (ولو عفا بمال .. وجب وسقط القصاص ويقتل حدًا) كمرتد استوجب القصاص
وعفى عنه، وإن فرعنا على الثانى .. لغا العفو.
والذى ذكره المصنف من إيجاب الديه للعافى تبع فيه (المحر)، و (المحر) تبع فيه الفورانى، ولم يقل به أحد من العلماء وهو مخالف لظاهر نص الشافعى وكلام العراقيين وجمع من المراوزه.
стр. 4417
وَلَوْ قَتَلَ بِمُثَقَّلٍ أَوْ بِقَطْعِ عُضْوٍ .. فُعِلَ بِه مثْلُه. وَلَوْ جَرَحَ فَانْدَمَلَ .. لَمْ يَتَحَتَّمْ قِصَاصٌ فِى الأَظْهرِ. وَتَسْقُطُ عُقُوبَاتٌ تَخُصُّ الْقَاطِعَ بِتَوْبَتِه قَبْلَ الْقُدْرَه عَلَيْه،
ــ
والمعتمد: أنه لا ديه على القولين معًا؛ لأن القاطع لم يستفد بالعفو شيئًا لتحتم قتله بالمحاربه.
قال: (ولو قَتل بمثقل أو قطع عضو .. فُعل به مثله) كما فى القصاص. وعلى الثانى: يقتل كالمرتد بالسيف.
ومن ثمره الخلاف أيضا: مالو تاب قبل أن يقدر عليه .. لم يسقط القصاص على الأول، ويسقط على الثانى.
قال: (ولو جرح فاندمل .. لم يتحتم قصاص فى الأظهر)؛ لأن التحتم تغليظ لحق الله تعالى فاختص بالنفس كالكفاره، ولأن الله تعالى لم يذكر الجراح فى آيه المحاربه فكان باقيًا على أصله فى غيرها.
وعلى هذا: فيتخير المجروح بين القصاص والعفو على مال أو غيره.
والثانى: يتحتم كالنفس.
والثالث: يتحتم فى اليدين والرجلين؛ لأنهما مما يستحقان فى المحاربه دون الأنف والأذن والعين وغيرهما.
تنبيه:
قوله: (جرح) المراد به: أنه جرح جرحًا يجب فيه القصاص كقطع اليد والرجل وغيرهما، فإن كان غيرهما كالجائفه .. ففيها المال.
واحترز بقوله: (اندمل) عن السارى إلى النفس؛ فإنه قتل، وقد تقدم فى قوله: (بقطع عضو)، ولو عبر بقوله: لم يتحتم الجرح .. كان أولى.
وكان ينبغى التعبير بالمشهور الدال على ضعف الخلاف؛ فإنه شديد الضعف.
قال: (وتسقط عقوبات تخص القاطع بتوبته قبل القدره عليه)؛ لقوله تعالى:
стр. 4418
لَاَ بَعْدَها عَلَى الْمَذْهبِ،
ــ
﴿إلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
والمراد ب (العقوبات) تحتم القتل والصلب وقطع الرجل، وكذا اليد فى الأصح.
وفى (الكفايه) و (المطلب) أن المصنف اختار منع سقوط قطع اليد، وهو سهو؛ فقد صرح فى (التصحيح) بأن الأصح السقوط، وفى (الروضه) بأنه المذهب، وهو وارد على إطلاقه هنا، فإنه يقتضى: أنه لا يسقط إلا قطع الرجل، فإنها التى تخص القاطع، ولو قال: يسقط حق الله .. لا ستقام. واحترز عما لا يختص، كاصل القصاص وضمان المال؛ فلا يسقط. وفى الضمان وجه ضعيف: انه يسقط فلا يبقى عليه شئ اصلًا.
وفى قوله قديم: لا يسقط عنه شئ أصلًا، بناء على الخلاف فى سقوط الحد بالتوبه.
و (التوبه) الرجوع عن الذنب، وهى واجبه من كل معصيه، فإن كانت بين العبد وبين الله تعالى .. فلها شروط: الإقلاع، الندم، العزم على ألا يعود إليها.
وإن تعلقت بآدمى .. زادت شرطًا رابعًا: وهو البراءه من حق صاحبها برد الظلامه أو العفو ن وسيأتى بيان ذلك فى (الشهادات).
قال: (لا بعدها على المذهب)؛ لمفهوم الآيه، وإلا .. لما كان للتخصيص بقوله: ﴿مِن ٌقَبْلِ﴾ فائده، والفرق من جهه المعنى: انه بعد القدره متهم؛ لقصد دفع الحد ن بخلاف ما قبلها؛ فإنها بعيده عن التهمه، قريبه من الحقيقه.
والطريق الثانى: جريان قولين، كالقولين فى سقوط حد الزانى والسارق بالتوبه.
والمراد ب) التوبه) قبل القدره الثانيه، فلو ظفرنا به فادعى سبق توبته .. فنقل فى (الكفايه) عن (الأحكام السلطانيه) أنه إن لم تظهر أمارتها .. لم يصدق، وإلا .. فوجهان محتملان.
стр. 4419
وَلاَ تَسْقُطُ سَائِرُ الْحُدُودِ بِها فى الأَظْهرِ
ــ
قال: (ولا تسقط سائر الحدود فى الأظهر) كحد الزنى والسرقه والشرب؛ وبهذا قال أبو حنيفه؛ لأن العمومات الوارده فيها لم تصل بين ما التوبه وما بعدها؛ بخلاف قاطع الطريق.
والثانى: تسقط بها؛ لقوله تعالى ﴿فَمَن تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِه وأَصْلَحَ فَإنَّ اللَّه يَتُوبُ عَلَيْه﴾؛ وقال ﷺ (التوبه تجب ما قبلها).
وروى مسلم [٢٧٠٣] عن أبى هريره: أن النبى ﷺ قال: (من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها .. تاب الله عليه)؛ وتقدم فى أول) الجنائز) حديث: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له).
وفى (المستدرك) [٤/ ٢٤٤] عن ابن عمر: أن النبى ﷺ قال: (اجتنبوا هذه القاذورات التى نهى الله عنها؛ فمن ألم بشئ منها .. فليستتر بستر الله وليتب إلى الله؛ فإنه من يبد لنا صفحته .. نقم عليه الحد).
فلولا أنها تسقط الحد .. لكان فيه حث على كتمان الحق وصحح هذا جماعه؛ منهم: ابن خيران
والحليمى والماوردى والمحاملى والرويانى وصاحب (المهذب) والبندنيجى والعمرانى؛ وهو المنصوص فيه (الأم) أيضًا؛ ولأنه محض حق الله تعالى فاشبه المحاربه.
فإذا قولنا بسقوط حد القطع بالتوبه بعد القدره أو بسقوط حد الزنا والسرقه والشرب بها .. فهل يسقط بنفس التوبه أو يتوقف على إصلاح العمل؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ قال العراقيون والبغوى والرويانى؛ وصححه فى (الشرح الصغير) ونسبه الإمام غلى القاضى حسين ونسب مقابله إلى سائر الأصحاب.
تتمه:
موضع الخلاف فى السقوط وعدمه فى ظاهر الحكم؛ أما فيما بينه وبين الله تعالى .. فيسقط بلا خلاف؛ لأن التوبه تسقط أثر المعصيه؛ كذا نبه عليه فى زوائد (الروضه) فى (باب السرقه) وهو كما قال.
فَصْلٌ:
стр. 4420
مَنْ لَزِمَه قِصَاصٌ وَقَطْعٌ وَحَدُّ قَذْفٍ وَطَالَبُوه .. جُلِدَ ثُمَّ قُطِع ثُمَّ قُتِلَ؛ وَيُبَادَرُ بِقَتْلِه بَعْدَ قَطْعِه لَا قَطْعِه بَعْدَ جَلْدِه إِنْ غَابَ مُسْتَحِقُّ قَتْلِه؛
ــ
ومرادهم ب (الحدود) حدود الله خاصه؛ فلا يسقط حد القذف والقصاص بالتوبه قطعًا على المشهور.
وخرج فيهما وجه ضعيف؛ قال في (البحر) وهو تخريج كاسد؛ وحكاه ابن كَجٌ قولًا قديمًا فى (حد القذف)؛ وهو غريب.
نعم؛ يستثنى من إطلاق المصنف تارك الصلاه كسلًا؛ فإنه يقتل حدًا على الصحيح؛ ومع ذلك لو حضر عند الحاكم وتاب: سقط عنه قطعًا من غير تخريج على القولين؛ لأن القتل موجبه الإصرار على الترك لا الترك الماضى وإن كان يأثم به؛ فإذا تاب وصلى .. بان أن لا سبب؛ فلذلك سقط عنه الحد بالإتفاق؛ ثم إذا أقيم الحد فى الدنيا .. لم يقم فى الآخره؛ لقوله ﷺ : (فالله أعدل من أن يُثنى على عبده العقوبه فى الآخره)؛ كذا قال الجيلى؛ ثم قال: وكذا حقوق الآدميين إذا استوفيت أو عفا عنها.
وقال البندنيجى: إذا مات قبل استيفاء الحدود .. سقط ما كان لله؛ وحسابه على الله؛ إن شاء .. عذبه؛ وإن شاء .. غفر له.
قال: (فصل: من لزمه قصاص وقطعٌ وحدٌّ قذفٍ وطالبوه .. جلد ثم قطع ثم قتل)؛ تقديمًا للأخف؛ ولأن ذلك أقرب إلى استيفاء الجميع.
قال: (ويبادر بقتله بعد قطعه لا قطعه بعد جلده إن غاب مستحق قتله)؛ لأنه قد يهلك بالموالاه فيفوت قصاص النفس.
стр. 4421
وَكَذَا إنْ حَضَرَ وَقَاَلَ: عَجَّلُوا اَلْقَطْعَ فِى اَلأَصَحَّ. وَإذَا أَخَّرَ مُسْتَحِقُّ النَّفْسِ حَقَّه .. جُلِدَ؛ فَإِذَا بَرِاءَ .. قُطِعَ؛ وَلَوْ أَخَّرَ مُسْتَحِقُّ الطَّرَفِ ..
جُلِدَ؛ وَعَلَى مُسْتَحِقَّ النَّفْسِ الصَّبْرُ حَتَّى يُسْتَوْفَى الطَّرَفُ؛ فَإِنْ بَادَرَ فَقَتَل .. فَلِمُسْتَحِقَّ الطَّرَفِ دِيَتُه؛ وَلَوْ أَخَّرَ مُسْتَحِقُّ اَلْجَلْدِ .. فَاُلْقِيَاسْ: صَبْرُ الآخَرَيْنِ. وَلَوِ اجْتَمَعَ حُدُودٌ لله تَعَالى .. قُدَّمَ اَلأَخَفُّ فَاَلأخَفُّ؛
ــ
قال: (وكذا إن حضر وقال: عجلوا القطع فى الأصح)؛ خوفًا من هلاكه بالموالاه.
والثانى: يبادر؛ لأن التأخير كان لحقه وقد رضى بالتقديم.
وخص الإمام الوجهين بمن خيف موته بالموالاه حيث يتعذر قصاص النفس؛ ورأى الجزم بالبدار فى غير ذلك.
قال: (وإذا أخر مستحق النفس حقه .. جلد؛ فإذا براء .. قطع)؛ ولا يقطع البرء؛ خشيه ان يفوت قصاص نفسه.
قال: (ولو أخر مستحق الطرف .. جلد)؛ وحينذ يتعذر القتل لحق مستحق الطرف.
قال: (وعلى مستحق النفس الصبر حتى يستوفى الطرف)؛ لئلا يفوت حقه.
قال: (فإن بادر فقتل. فلمستحق الطرف ديته)؛ لأنه فات عليه ومستحق النفس استوفى حقه.
قال: (ولو اجتمع حدود لله تعالى .. قدم الأخف فالأخف) أى: وجوبًا سعيًا فى إقامه الجميع؛ كالشرب والزنا والسرقه والرده؛ فأخفها حد الخمر فيقام أولًا؛ ثم يمهل حتى يبرأ؛ ثم يجلد للزنا ويمهل؛ ثم يقطع؛ فإذا لم يبق إلا القتل .. قتل بغير إمهال؛ لأن الأشق لو قدم .. لطال الإنتظار إلى البرء.
وهل يقدم قطع السرقه على التغريب؟ قال ابن الرفعه: لم أر لهم تعرضًا لذلك.
стр. 4422
أَوْ عُقُوبَاتٌ لله تَعَالَى وَلِلآدَمِيَّينَ .. قُدَّمَ حَدُّ قَذْفٍ عَلَى زِنًا؛ وَالأَصَحُّ: تَقْدِيمُه عَلَى حَدَّ شُرْبٍ؛ وأَنَّ اَلْقَصَاصَ قَتْلًا وَقَطْعًا يُقَدَّمُ عَلَى الزَّناَ
ــ
وعلم من قوله: (الأخف فالاخف) انه لو اجتمع معه التعزير .. فهو المقدم؛ لأنه أخف من حقوق الآدمى؛ قاله الماوردى.
ولو اجتمع قطع سرقه وقطع محاربه .. قطعت يده اليمنى لهما؛ وهل تقطع الرجل معها؟ وجهان: الأصح: نعم؛ وقيل تؤخر حتى تبرأ اليد.
قال: (أو عقوبات لله تعالى وللأدميين .. قدم حد القذف على زنًا)؛ كذا نص عليه؛ واختلفوا فى علته:
فقال أبو اسحاق لأنه حق آدمى؛ وهو الأصح.
وقال ابن أبى هريره: لأنه أخف؛ فيقدم على الشرب على الأول؛ وعكسه على الثانى؛ فلذلك قال:
(والأصح: تقديمه على حد شرب؛ وأنَّ القصاص قتلًا وقطعًا يقدم على الزنا)؛ وهذا بناء على المعنيين أيضًا؛ ويجريان فى الزنا وقصاص الطرف والإمهال بعد كل عقوبه إلى الاندمال.
تتمه:
من زنى مرارًا وهو بكر حد لها حدًا واحدًا وكذا لو سرق أو شرب مرارًا؛ ولو زنى أو شرب فأقيم عليه الحد ثم زنى أو شرب: أقيم عليه حد آخر؛ فإن لم يبرأ من الأول .. أمهل حتى يبرأ.
стр. 4423
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولو أقيم عليه بعض الحد فارتكب الجريمه ثانيًا .. دخل الباقى فى الحد الثانى وإذا زنى فجلد ثم زنى قبل التغريب .. جلد ثانيًا وكفاه تغريب واحد.
ولو جدل خمسين فزنى ثانيًا .. جلد مائه وغرب ودخل فى المائه الخمسون الباقيه.
ولو زنى وهو بكر ثم زنى قبل يحد وقد احصن .. فهل يكتفى بالرجم ويدخل فيه الجلد أو يجمع بينهما؟ وجهان فى (الشرحين) و (الروضه) من غير ترجيح.
قال فيه (المهمات) والصحيح: وجوب الحد.
وعلى هذا: لو زنى العبد ثم عتق ثم زنى قبل الإحصان .. فالأصح: أنه يجلد مائه فقط.
ويدخل الأقل فى الأكثر؛ لإتحاد الجنس؛ كما صرح به الشيخان وصاحب (التنبيه) فى (كتاب اللعان).
...
خاتمه
يثبت قطع الطريق بشهاده رجلين لا بشهاده رجل وأمرأتين؛ ويشترط فى الشهاده التفصيل وتعيين القاطع ومن قتله أو اخذ ماله وإذا شهد إثنان من الرفقه على واحد؛
أو جماعه بقطع الطريق على واحد أو جماعه فإن لم يتعرضا فى شهادتهما إلى: أنهم قصدوا أنفسهما ومالهما .. قبلت شهادتهما؛ ولهما أن يشهدا بذلك وإن كانوا تعرضوا له ما؛ وليس للقاض أن يبحث: هل هما من الرفقه أو لا؛ فإن بحث .. لم يلزمهما الجواب؛ ولو طلبا بعد شهادتهما حقهما منهم؛ فإن كان قبل الحكم .. امتنع الحكم؛ وإن كان بعده .. فلا؛ إن قالا: قطعوا علينا الطريق وأخذوا مالنا ومال رفاقنا .. لم تقبل شهادتهما على المذهب
стр. 4424
كتاب الأشربة
стр. 4425
كتاب الأشربة
ــ
كتاب الأشربة
هي جمع: شراب، وهو: الذي يشرب، والشريب: المولع بالشراب.
و (الشَّرْب) بفتح الشين وسكون الراء: الجماعة يشربون الخمرة، قالت القينة التي غنت حمزة ﵁ في ذلك] من الوافر [:
ألا يا حمز بالشرف النواء .... وهن معقلات بالفناء
ضع السكين في اللبات منها .... وضرجهن حمزة بالدماء
وعجل من أطايبها لشرب .... طعامًا من قديد أو شواء
فأنت أبو عمارة والمفدى .... لكشف الضر عنا والبلاء
و (الخمر) بالإجماع: المسكر من عصير العنب وإن لم يقذف بالزبد، واشترط أبو حنيفة: أن يقذف به، فحينئذ يكون مجمعًا عليه.
واختلف أصحابنا في وقوع اسم الخمر على الأنبذة حقيقة:
فقال المزني وجماعة بذلك؛ لأن الاشتراك بالصفة يقتضي الاشتراك بالاسم، وهو قياس في اللغة، وهو جائز عند الأكثرين، وهو ظاهر الأحاديث.
ونسب الرافعي إلى الأكثرين: أنه لا يقع عليها إلا مجازًا.
أما في التحريم والحد ... فهي كالخمر، لكن لا يكفر مستحلها؛ للخلاف فيها، وشربها من أكبر المحرمات بالإجماع، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ الآية، وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ﴾، وهو عند الأكثرين الخمر.
وفي (الصحيحين) [خ ٢٤٢ - ٢٠٠١م]: (كل شراب أسكر فهو حرام).
وفي (مسلم) [٢٠٠٣/ ٧٣]: (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام).
وفي (المستدرك) [٤/ ١٤٥] عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال:
стр. 4426
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(اجتنبوا الخمر؛ فإنها مفتاح كل شر).
وقال عمر وعثمان: إنها أم الكبائر.
وكان المسلمون يشربونها في أول الإسلام.
واختلف أصحابنا في أن ذلك كان استصحابًا منهم لحكم الجاهلية أو بشرع في إباحتها على وجهين، رجح الماوردي الأول، والمصنف الثاني.
وكان تحريمها في السنة الثالثة من الهجرة بعد أحد.
وقال ابن خيران: حين كانت مباحة .. لم يثبت أن الإباحة كانت إلى حد يزيل العقل، وكذا قال المصنف في (شرح مسلم).
والأصل في تحريمها: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِر﴾ إلى قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾.
وروى أبو داوود [٣٦٦٦]: (أن رسول الله ﷺ لعن الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وآكل ثمنها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه).
وقال ﷺ : (من شربها في الدنيا ولم يتب .. حُرِمَها في الآخرة)).
وروى مسلم [٥٧]: أن النبي ﷺ قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمرة حين يشربها وهو مؤمن).
وانعقد الإجماع على تحريمها.
стр. 4427
كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ .. حَرُمَ قَلِيلُهُ، وَحُدَّ شَارِبُهُ،
ــ
قال: (كل شراب أسكر كثيره .. حرم قليله) أي: وكثيره؛ لما روى النسائي [٨/ ٣٠١] عن سعد بن أبي وقاص: أن النبي ﷺ قال: (أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره).
وفي (الصحيحين) أن النبي ﷺ سئل عن البِتْع- وهو نبيذ العسل- فقال: (كل شراب أسكر .. فهو حرام).
وروى مسلم عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام).
وتناول قوله: (شراب) جميع الأنبذة المتخذة من التمر والزبيب والشعير والذرة وغير ذلك، وخرج به: النبات، كالحشيشة التي تأكلها الحرافيش، ونقل الشيخان في (باب الأطعمة) عن الروياني: أن أكلها حرام، ولا حد فيها.
وقال القرافي في (القواعد) يجب على آكلها التعزير الزاجر دون الحد، ولا تبطل بحملها الصلاة قال: وسئل بعض الفقهاء عنها، فأفتى بأنه إن حملها قبل أن تحمض أو تلصق .. صحت الصلاة، وإلا .. بطلت.
وقال في (الذخيرة) يجب على آكلها الحد والتعزير.
وقال الشيخ تقي الدين بن تيمية: إن الحشيشة أول ما ظهرت في آخر المئة السادسة من الهجرة حين ظهرت دولة التتار، وهي من أعظم المنكرات، وشر من الخمر من بعض الوجوه؛ لأنها تورث نشوة ولذة وطربًا كالخمر، ويصعب الفطام عنها أكثر من الخمر، وقد أخطأ القائل فيها [من التخفيف]:
حرموها مِن غيرِ عقلٍ ونقلٍ .... وحرامٌ تحريمُ غيرِ الحرامِ
وأما غير الأشربة مما يزيل العقل كالبنج .. فإنه حرام لا حد في تناوله؛ لأنه لا يطرب ولا يدعو قليله إلى كثيره.
قال: (وحُدَّ شاربه)، سواء سكر أم لا؛ لما روى الحاكم: أن النبي ﷺ قال: (من شرب الخمر .. فاجلدوه)، وروى أحمد [٢/ ١٣٦] والحاكم [٤/ ٣٧١] عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: (من شرب الخمر ..
стр. 4428
إِلاَّ صَبِيًا وَمَجْنُونًاوَحَرْبِيًا
ــ
فاجلدوه)، وفيه القتل في الرابعة، وهو منسوخ بالإجماع المستند إلى قول النبي ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث)).
قال الترمذي في آخر (كتابه) [٥/ ٧٣٦]: ليس في كتابي حديث أجمعت الأمة على ترك العمل به إلا حديث ابن عباس في الجمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر، وحديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة.
قال المنصف: والذي قاله في حديث شارب الخمر صحيح، وأما حديث ابن عباس .. فلم يجمعوا على ترك العمل به، بل هو محمول على الجمع بعذر المرض ونحوه، وبه قال أحمد والقاضي حسين من أصحابنا والخطابي والمتولي والروياني، وهو المختار.
وخرج بقول المصنف: (حد شاربه) ما لو أحقن بالخمر أو استعط كما سيأتي، ودخل فيه الحنفي إذا شرب نبيذًا يعتقد حله على المذهب، وقيل: لا يحد لاعتقاده الإباحة.
فإن قيل: إذا وطئ الحنفي في نكاح بلا ولي معتقدًا حله لا حد عليه على الصحيح .. فالجواب: أن النكاح في عقد بلا ولي للواطئ سبيل إلى استباحته بولي فاقتصر في الزجر عنه على مجرد النهي، والنبيذ لا سبيل إلى استباحته فضم إلى النهي الحد؛ ليكون أبلغ في الزجر).
فلو فرض شخص لا تسكره الخمر .. حَرُم عليه شربها للنجاسة لا للإسكار، وفي وجوب الحد عليه نظره، والظاهر: وجوبه، كما لو شرب من تؤثر فيه قدرًا لا يسكر.
قال: (إلا صبيًا ومجنونًا)؛ لرفع القلم عنهما.
قال: (وحربيًا)؛ لعدم الالتزام.
стр. 4429
وَذِمِّيًّا وَمُوجَرًا، وَكَذَا مُكْرَهٌ عَلَى شُرْبِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَمَنْ جَهِلَ كَوْنَهَا خَمْرًا .. لَمْ يُحَدَّ، وَلَوْ قَرُبَ إِسْلَامُهُ فَقَال: جَهِلْتُ تَحْرِيمَهَا .. لَمْ يُحَدَّ
ــ
قال: (وذميًا)؛ لأنه لا يعتقد تحريمها، وفي وجه: نقيمه عليه برضاه بحكمنا.
وكلام القاضي حسين يشعر بأن الخلاف إذا أظهروا الشرب، أما المعاهد .. فلا حد عليه قطعًا.
قال: (وموجَرًا)؛ لعدم تكليفه؛ لأنه صب في حلقه بغير اختياره.
قال: (وكذا مكره على شربه على المذهب)؛ للحديث المشهور.
وقيل: وجهان، ويمكن بناؤهما على أن الإكراه هل يبيحه أو لا؟ وفي ذلك أوجه: أصحها: نعم، وبه جزم الرافعي في (الجراح).
وقيل: لا.
وقيل: يجب، ومحل عدم الوجوب: إذا لم يخف على روحه أو ما يحل محل الروح.
ونص في (الأم) و (البويطي) على: أن عليه أن يتقيأ، ونقله في (شروط الصلاة) في (شرح المهذب) عن أكثر الأصحاب، وقيل: يستحب، وكذا حكم سائر المحرمات من المأكول والمشروب.
قال: (ومن جهل كونهما خمرًا .. لم يحد)؛ لأنه معذور بالجهل، فلو قال السكران بعد أن صحا: كنت مكرهًا، أو لم أعلم أن الذي شربته مسكر .. صدق بيمينه، قاله في (البحر) في (كتاب الطلاق).
قال: (ولو قرب إسلامه فقال: جهلتُ تحريمها .. لم يحد)؛ لأنه قد يخفى عليه ذلك والحدود تدرأ بالشبهات.
هذا بالنسبة إلى من نشأ في غير بلاد الإسلام، أما الناشئ بها المخالط للمسلمين إذا أسلم ثم ادعى ذلك .. فالظاهر: أنه لا تقبل دعواه في ذلك؛ لأن الظاهر: أنه يعلم تحريمها على المسلمين.
стр. 4430
أَوْ جَهِلْتُ الْحَدَّ .. حُدَّ. وَيُحَدُّ بِدُرْدِيِّ خَمْرٍ، لاَ بِخُبْزٍ عُجِنَ دَقِيقُةُ بِهَا وَمَعْجُونٍ هِيَ فِيهِ، وَكَذَا حُقْنَةٌ وَسَعُوطٌ فِي الأَصَحِّ، وَمَنْ غَصَّ بِلُقْمَةٍ .. أَسَاغَهَا بِخَمْرٍ إِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا،
ــ
قال: (أو جهلتُ الحد .. حُدَّ)؛ لأنه إذا علم تحريمها .. كان من حقه أن يجتنبها.
قال: (ويحد بدُرْديِّ خمرٍ) وهو: كا يبقى في آخر الإناء من العكر، ومثله الثخين منه إذا أكله بخبز؛ لبقاء عين الخمر فيهما، ولا يحد بأكل اللحم المطبوخ بها؛ لأن عين الخمر لم تبق فيه.
قال: (لا بخبزٍ) عجن دقيقه بها ومعجون هي فيه)؛ للاستهلاك، وفيهما وجه.
ولو ثرد فيها خبزًا وأكله .. حد.
وقال الإمام: من شرب كوب ماء فيه قطراتخمر والماء غالب بصفاته .. لم يحد؛ لاستهلاكه.
قال: (وكذا حقنة وسعوط في الأصح)؛ لأن الحد للزجر ولا حاجة إلى الزجر عنهما.
والثاني: يحد، كما يحصل الإفطار بهما للصائم.
والثالث: يحد في السعوط؛ لأنه ربما أطرب، بخلاف الحقنة.
قال: (ومن غَص بلقمة .. أساغها بخمر إن لم يجد غيرها)؛ إنقاذًا للنفس من الهلاك، ويجب عليه ذلك في هذه الحالة؛ لأن السلامة به قطعية، بخلاف التداوي، وتقدم في (صلاة المسافر) أن هذه رخصة واجبة.
وحكى إبراهيم المروروذي في تحريم الإساغة وجهين، ورجح صاحب (االإستقصاء) أنه لا يجوز) ويجب الحد.
و (غَص) بفتح الغين لا بضمها كما قاله ابن الصلاح وغيره، ومعناها: شرق، لكن المشهور: استعمال شرق في الماء، وغص في غيره.
стр. 4431
وَالأَصَحُّ: تَحْرِيمُهَا لِدَوَاءٍ وَعَطَشٍ
ــ
وروي عن النبي ﷺ : (أن اللبن لم يشرق به أحد أبدًا؛ فإن الله جعله سائغًا للشاربين).
قال: (والأصح: تحريمها لدواء وعطش)، ففي (صحيح مسلم) [١٩٨٤] عن وائل بن حجر الكندي: أن طارق بن سويد سأل النبي ﷺ عن الخمر فقال: إني أصفه للدواء؟ فقال: (إنه ليس بدواء، لكنه داء).
ورى البيقهي [١٠/ ٥] وأبو يعلي الموصلي [٦٩٦٦] بإسناد حسن عن أم سلمة أنها قالت: نبذت نبيذًا في كوز، فدخل النبي ﷺ وهو يغلي، فقال: ما خذا؟ قلت: اشتكت ابنة لي فنقعت لها هذا، فقال ﷺ : (إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم).
والثاني: يجوز- وبه قال أبو حنيفة- كما يجوز شرب البول والدم وسائر النجاسات للتداوي.
والثالث: يجوز للتداوي دون الجوع والعطش؛ فإنه يزيد عطشًا.
والرابع: عكسه.
والخامس: يجوز للعطش دون الجوع.
والسادس: لا يجوز شربها للتداوي، ويجوز شرب الجديد منها للعطش دون العتيق.
قال القاضي أبو الطيب: سألت بعض أهل المعرفة بها، فقال: يروي في الحال ثم يثير عطشًا عظيمًا، واستشكله في (الذخائر) في (كتاب الأطعمة) بأنها رواية فاسق لا يقبل، وهذا عجيب؛ لاحتمال إخباره بعد التوبة.
ثم الخلاف بالتداوي مخصوص بالقليلِ الذي لا يسكر، وإخبار طبيب مسلم، أو معرفةِ المريض، وأن لا يجد ما يقوم مقامها، وتعجيلِ الشفاء كرجائه في الأصح.
وأطلق الرافعي والمصنف الخلاف، ومحله: إذا لم ينته الأمر به إلى الهلاك، فإن أشفى عليه ولم يجد غيرها .. تعين شربها كما يتعين على المضطر أكل الميتة، وكذا نقله الإمام عن إجماع الأصحاب.
стр. 4432
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فروع:
قال القاضي حسين والماولادي والغزالي وصاحب (الحاوي الصغير) لا حد على المتداوي بالخمر وإن حكمنا بتحريمها، واختاره المصنف في (التصحيح).
وإذا احتيج في قطع اليد المتأكِّلة أو السلعة إلى ما يزيل العقل من غير الأشوبة) كالبنج .. خرجه الرافعي على جواز التداوي بالخمر، وصحح المصنف الجواز، وهو المنصوص المفتى به.
وإنما يحرم التداوي بصرفها، أما الترياق المعجون بها .. فإنه جائز قطعًا، ولو وجد العطشان خمرًا وبولًا .. شرب البول، وهل يشرب ما يرويه أو يسد رمقه؟ فيه قولان كما في أكل الميتة.
فائدة:
كان الشيخ يقول: (كل ما يقوله الأطباء في الخمر من المنافع .. فهو شيء كان عند شهادة القرآن بأن فيها منافع للناس قبل التحريم، وأما بعد نزول آية (المائدة) .. فإن الله الخالق لكل شيء سلبها المنافع جملة، فليس فيها شيء من المنافع، قال: ويهذا تسقط مسألة التداوي بالخمر ويدل لهذا قوله ﷺ : (إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها) اهـ
والذي قاله منقول عن الربيع والضحاك، وفيه حديث أسنده الثعلبي وغيره: أن النبي ﷺ قال: (إن الله لما حرم الخمر .. سلبها المنافع).
وكان قيس بم عاصم شرابًا لها في الجاهلية، ثم حرمها على نفسه وقال] من الوافر [:
رأيت الخمر صالحة وفيها .... خصال تفسد الرجل الحليما
فلا والله أشربها صحيحًا .... ولا أشفي بها أبدًا سقيمًا
стр. 4433
وَحَدُّ الْحُرِّ أَرْبَعُونَ،
ــ
ولا أعطي بها ثمنًا حياتي .... ولا أدعو لها أبدًا نديمًا
فإن الخمر تفضح شاربيها .... وتُجنيهم بها الأمر العظيما
ويروى: أن هذه الأبيات لأبي محجن الثقفي، قالها في ترك الخمر، وهو القائل] من الطويل [:
إذا مت فادفني إلى أصل كرمة .... تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني في الفلاة فإنني .... أخاف إذا ما مت ألا أذوقها)
وكان عمر قد جلده في الخمر مرارًا ثم تاب وحسنت توبته.
وذكر الهيثم بن عدي: أنه أخبره من رأى قبر أبي محجن بأذربيجان- أو قال: بنواحي جرجان- وقد نبت عليه ثلاث أصول كرم، وقد طالت وأثمرت، وهي معرشة على قبره.
قال: (وحد الحر أربعون)؛ لما روى مسلم [١٧٠٧] عن حضين بن المنذر أبي ساسان قال: شهدت عثمان أُتي بالوليد، فشهد عليه رجلان: أحدهما حمران: أنه شرب خمرًا، وشهد آخر: أنه رآه يتقيؤها، فقال عثمان: (إنه لم يتقيأها حتى شربها)، فقال: (يا علي؛ قم فاجلده)، فقال علي: (قم يا حسن فاجلده)، فقال الحسن: (ولِّ حارها من تولَّى قارها)، فكأنه وجد عليه، فقال: (يا عبد الله بن جعفر؛ قم فاجلده)، فجلده وعلي ﵁ بعد حتى بلغ أربعين، فقال: (أمسك)، ثم قال: (جلد النبي ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر ﵁ أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سنة، وهذا أحب إلي).
ولا نعرف من يسمى (حضينًا) بالضاد المعجمة غير أبي ساسان، وهو تابعي ثقة، كان إذا رأى زوج ابنته .. قام من مجلسه وقال: مرحبًا بمن ستر العورة وكفى المؤنة، مات سنة تسع وتسعين.
وقول الحسن: (ولِّ حارها من تولى قارها) مثل مشهور، معناه: (ولِّ شدتها
стр. 4434
وَالرَّقِيقِ عِشْرُونَ بِسَوْطٍ أَوْ يَدٍ أَوْ نِعَالٍ أَوْ أَطْرَافِ ثِيَابٍ، وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ سَوْطٌ
ــ
وأوساخها من تولى هنيها ولذاتها، والضمير عائد إلى الخلافة والولاية، أي: كما أن عثمان وأقاربه يتولون هنيَّ الخلافة ويختصون به يتولون نكدها وقاذوراتها، وهذه الرواية وقع فيها: أن عليًا عد على الوليد بن عقبة أربعين.
وفي (صحيح البخاري) [٣٦٩٦] من رواية عبد الله بن عدي بن الخيار: أن عليًا جلده ثمانين، والقصة واحدة، وجُمع بينهما بأنه ضربه بسوط له رأسان، فضربه برأسه أربعين، فجملتها ثمانون، ولا يخفى ما فيه، وكذلك قال الأئمة الثلاثة وابن المنذر: الحد ثمانون، ونقله ابن عبد البر قولًا للشافعي.
قال: (والرقيق عشرون)؛ لأنه حد يتبعض، فكان العبد فيه على النصف من الحر كالزنا وحد القذف، وفي (البيقهي) [٨/ ٣٢١] عن عمر وعثمان وعبد الله بن عمر: أنهم جلدوا عبيدهم نصف حد الحر في الخمر.
وهل يكون المبعض كالحر أو كالقن؟ فيه نظر، والظاهر: أنه كالرقيق كما صرحوا به في حد القذف.
قال: (بسوط أو يد أو نعال أو أطراف ثياب)؛ لما روى الشيخان [خ ٦٧٨١] عن أبي هريرة قال: (أتي النبي ﷺ بسكران، فأمر بضربه، فمنا من ضربه بيده، ومنا من ضربه بنعله، ومنا من ضربه بثوبه).
ورويا [خ ٦٧٧٣ - م ١٧٠٦/ ٣٦] عن أنس: (أن النبي ﷺ ضرب في الخمر بالجريد والنعال).
وليس المراد ب (طرف الثوب) الضرب به على هيئته، إنما المراد: أنه يُفتل حتى يشتد، ثم يضرب به، صرح به المَحاملي في (التجريد)، والبغوي في (تعليقته)، وغيرهما.
قال: (وقيل: يتعيَّن سوط)؛ لإجماع الصحابة على الضرب به.
وفي وجه ثالث: يتعين ما عدا السوط.
ومثار الخلاف: أن ضرب النبي ﷺ بالثياب ونحوها كان لعذر في
стр. 4435
وَلَوْ رَأَى الإِمَامُ بُلُوغَهُ ثَمَانِين .. جَازَ فِي الأَصَحِّ، وَالزِّيَادَةُ تَعْزِيرَاتٌ، وَقِيلَ: حَدٌّ
ــ
الشارب من مرض أو نحافة، أو كان شرعًا خفف في صفته كما خفف في قدره؟ وجهان).
قال: (ولو رأى الإمام بلوغه ثمانين .. جاز في الأصح)؛ لما روى مسلم [١٧٠٦/ ٣٥] عن أنس: (أن النبي ﷺ أتي بشارب فجلده بجريدتين نحو أربعين) – قال-: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر ودنى الناس من الريف والقرى .. استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر) ولم ينكر عليهم أحد.
والثاني: لا تجوز الزيادة؛ لأن عليًا رجع عن ذلك، وكان يجلد في خلافته أربعين.
قال: (والزيادة تعزيرات)؛ لأنها لو كانت حدًا .. لم يجز تركها.
وعبارة المصنف أحسن من قول (المحرر) (تعزير)؛ لأن القائل الثاني أورد أن التعزير لا يجوز أن يبلغ أربعين، فأجاب عنه بأنها تعزيرات على أنواع تصدر عنه؛ من هذيان، وتسببه في إزالة عقله، وفي تعرضه للقذف، وأنواع الإيذاء، وترك الصلاة، وغير ذلك.
قال: (وقيل: حد)؛ لأن التعزير لا يكون إلا على جناية محققة، وسيأتي في الباب الذي بعده حكم ما إذا ضربه أكثر من أربعين فمات بذلك.
стр. 4436
وَيُحَدُّ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، لاَ بِرِيحِ خَمْرٍ وَسُكْرٍ وَقَيْءِ، وَيَكْفِي فِي إِقْرَارٍ وَشَهَادَةٍ: شَرِبَ خَمْرًا،
ــ
تذنيب:
في الحديث: أن النبي ﷺ أمر أن يحثى عليه التراب وأن يبكت، فلما ولى .. شرع القوم يسبونه ويدعون عليه، ويقول القائل منهم: اللهم العنه، فقال ﷺ : (لا تقولوا هذا، ولكن قولوا: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه)).
وظاهر عبارة الماوردي في (الإقناع) أن الترتيب والتبكيت واجب.
وروى البيهقي [٨/ ٣٢١]: أن عمر ﵁ اتي بشيخ قد شرب الخمر في شهر رمضان، فضربه ثمانين ونفاه إلى الشام، وقال: (أفي شهر رمضان وصبياننا صيام)، قال: وأتي علي بشيخ يسكر في شهر رمضان، فضربه ثمانين، ثم أخرجه من الغد وضربه عشرين، ثم قال: (إنما ضربتك هذه العشرين لجراءتك على الله، وإفطارك في شهر رمضان).
قال: (ويحد بإقراره أو بشهادة رجلين)؛ لأن ذلك حجة شرعية.
قال: (لا بريح خمر وسكر وقيء)؛ لاحتمال أن يكون شرب غالطًا أو مكرهًا.
وعن أبي حنيفة: يقام الحد بمجرد الرائحة؛ لأن ابن مسعود جلد بها.
روى أبو داوود [٤٤٣١] عن بريدة: (أن النبي ﷺ استنكه ماعزًا).
وقال ابن أبي هريرة: أحدُّه بالرائحة، إلا أن يدعي ما يسقط الحد.
وقول المصنف: (بإقرار أو بشهادة) يفهم: أنه لا يثبت باليمين المردودة، وأن القاضي لا يقضي فيه بعلمه، وهو كذلك فيهما، لكن تقدم: أن الصحيح: أن سيد العبد يقضي فيه بعلمه في حدود الله تعالى، وكأن الفرق: تعلق حق الآدمي به، والحاجة إلى صلاح ملكه.
قال: (ويكفي في إقرار وشهادة: شَرِب خمرًا) أي: ولا يحتاج أن يقول: وهو
стр. 4437
وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ: وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ مُخْتَارٌ، وَلاَ يُحَدُّ حَالَ سُكْرِهِ، وَسَوْطُ الْحَدِّ: مَا بَيْنَ قَضِيبٍ وَعَصًا وَرَطْبٍ وَيَابِسٍ، .....
ــ
مختار عالم؛ لأن الأصل عدم الإكراه، والظاهر من حال الأكل والشرب: العلم بما يتناوله، كما أن الإقرار بالبيع والطلاق وغيرهما والشهادة عليها لا يشترط فيها التعرض للعلم والاختيار.
قال: (وقيل: يشترط: وهو عالم به مختار)؛ لاحتمال الجهل والإكراه، كما أنه لابد من التفصيل في الزنا.
والفرق: ان الزنا يعبر به عن مقدماته، كقوله ﷺ : (العينان تزنيان، واليدان تزنيان))، فاحتيج فيه إلى الاحتياط، بخلاف هذا.
قال: (ولا يحد حال سكره)؛ لأن المقصود منه الردع والزجر وذلك لا يحصل حالة السكر، وفي هذا التعليل نظر؛ ففي (البخاري) [٦٧٨٦]: (ان النبي ﷺ أتي بسكران فأمر بضربه)).
والحكم لا يختص بالشرب، بل جميع حدود الله تعالى كذلك.
فلو حد حال سكره .. ففي الاعتداد به وجهان: أصحهما: نعم؛ للحديث المذكور.
قال: (وسوط الحد: ما بين قضيب وعصًا ورطب ويابس)؛ لما في (الموطأ) [٢/ ٨٢٥] عن زيد بن أسلم مرسلًا: أن النبي ﷺ أراد أن يجلد رجلًا، فأتي بسوط خلق، فقال: (فوق هذا)، فأتي بسوط جديد، فقال: (بين هذين).
стр. 4438
وَيُفَرِّقُهُ عَلَى الأَعْضَاءِ إِلاَّ الْمَقَاتِلَ وَالْوَجْهَ، قِيلَ: وَالرَّاسَ، وَلاَ تُشَدُّ يَدُهُ، وَلاَ تُجَرَّدُ ثِيَابُهُ،
ــ
قال ابن الصلاح: و (السوط) هو: المتخذ من سيور تلوى وتلف، وقال علي ﵁: سوط الحد بين سوطين، وضربه بين ضربين، ذكره الرافعي، وهو غريب، قال: ولا يرفع الضارب يده فوق رأسه، ولا يضع السوط عليه وضعًا).
وقوله: (سوط الحد) ليس للتقييد؛ فإن سوط التعزير كذلك.
قال: (ويفرقه على الأعضاء)؛ لئلا يعظم ألمه بالموالاة في موضع واحد؛ لما روى ابن أبي شيبة [٦/ ٥٣٨] وعبد الرزاق [١٣٦١٧] والبيقهي [٨/ ٣٢٧] عن علي ﵁ أنه قال للجلاد: (أعط كل عضو حقه واتق الوجه والمذاكير).
والمعنى في التفريق: أن الضرب في الموضع الواحد مهلك للموالاة.
قال: (إلا المقاتل) وهي المواضع التي يسرع القتل إليه بضربه فيها، كالصلب والفرج ونقرة النحر ونحوها.
قال: (والوجه)؛ لما روى مسلم [٢٦١٢/ ١١٢:] أن النبي ﷺ قال: (إذا ضرب أحدكم. ز فليتق الوجه)، ولأنه يجمع المحاسن، وأثر الشين يعظم فيه، بل اتقاء الوجه مطلوب في ضرب كل حيوان.
قال: (قيل: والرأس)؛ لنه عضو شريف، وهو أولى من الوجه في الاتقاء، ويخشى من ضربها نزول الماء فى العين.
واحتج لعدم اتقاء الرأس بما روى ابن أبي شيبة [٦/ ٥٩١] عن أبي بكر ﵁ أنه قال للجلاد: (اضرب الرأس؛ فإن الشيان فيه).
قال: (ولا تشدُّ يدُه)، بل تترك ليتقي بها، وإذا وضعها على موضع ضرب غيره.
قال: (ولا تجرد ثيابه)، بل يبقى عليه قميص ونحوه مما لا يمنع ألم الضرب،
стр. 4439
وَيُوَالِي الضَّرْبَ بِحَيْثُ يَحْصُلُ زَجْرٌ وَتَنْكِيلٌ
ــ
فأما ما يمنع كالجبنة ونحوها .. فينزع عنه؛ مراعاة لمقصود الحد، والذي جزم به المصنف هو المعروف في المذهب.
وحكى ابن عبد البر في (التمهيد) عن الشافعي الضرب في الحدود والتعازير مجردًا قائمًا غير ممدود، إلا حد القذف؛ فإنه يضرب وعليه ثيابه، وقال الشافعي: إن كان مدُّهُ صلاحًا مدَّه.
قال: (ويوالي الضرب بحيث يحصل زجر وتنكيل)، فلا يجوز أن يضرب في كل يوم سوطًا أو سوطين؛ لأنه لا يحصل المقصود، وهذا بخلاف ما لو حلف لأضربن فلانًا كذا كذا سوطًا؛ فإنه يبرأ إذا فرقها على الأيام؛ لأن المتبع هناك مدلولات الألفاظ، وفي الحد التنكيل والزجر.
ويجلد الرجل قائمًا، والمرأة جالسة، وتلف عليها أثوابها، ويتولى لف ثيابها امرأة.
قال الماوردي: وإذا كان المحدود متهاتفًا على ارتكاب المعاصي .. ضربه في الملأ، وإن كان من ذوي الهيئات. ضربه في الخلوات.
ولا تجلد الحامل حتى تضع وتبرأ من ألم الولادة.
تتمة:
لا يجوز للإمام العفو عن الحد ولا تجوز الشفاعة فيه؛ لقوله ﷺ : (لعن الله الشافع والمشفع)).
وتستحب الشفاعة الحسنة إلى ولاة الأمور من أصحاب الحقوق ما لم يكن في حد أو أمر لا يجوز تركه، كالشفاعة إلى ناظر يتيم، أو وقف في ترك بعض الحقوق التي في ولايته، فهذه شفاعة سوء محرمة.
واستدل للشفاعة الحسنة بقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ الآية، وبما في (الصحيحين) [خ ١٤٣٢ - م ٢٦٣٧] عن أبي موسى: أن النبي ﷺ كان إذا
стр. 4440
فَصْلٌ:
يُعَزَّزُ فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ لاَ حَدَّ فِيهَا وَلاَ كَفَّارَةَ
ــ
أتاه طالب حاجة .. أقبل على جلسائه وقال: (اشفعوا .. تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء).
وفي (البيقهي) [٦/ ٨٢] عن ابن عمر: ان النبي ﷺ قال: (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله تعالى .. فقد ضاد الله في حكمه).
قال: (فصل)
عقب المصنف ﵀ الجنايات السبع الموجبة للحدود بفضل في التعزير.
وهو في اللغة: التأديب، وفى الشرع: تأديب على ذنب لا حد فيه.
وأصله من العزر، وهو: المنع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ أي: تدفعوا العدو عنه وتمنعوه، وهو مخالف للحد من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يختلف باختلاف الناس، فتعزير ذوي الهيئات أخف، ويستوون في الحدود.
والثاني: تجوز الشفاعة فيه والعفو، بل يستحبان.
والثالث: التالف به مضمون في الأصح، خلافًا لأبي حنيفة ومالك.
قال: (يعزز في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة) بالإجماع، سواء كانت حقًا لله تعالى أو لآدمي، وسواء كانت مقدمة لما فيه حد، كمباشرة أجنبية بغير الوطء، وسرقة ما لا قطع فيه، والسب والإيذاء بغير قذف، أو لم تكن، كشهادة الزور، والضرب بغير حق، والتزوير، وسائر المعاصي، وقد أشار المصنف إلى هذا في آخر الفصل.
والأصل فيه قبل الإجماع: قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ الآية، فأباح الضرب عند المخالفة، فكان فيه تنبيه على التعزير.
وقال ﷺ في سرقة التمر: (إذا كان دون نصاب .. فيه غرم
стр. 4441
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مثله) وجلدات نكال) رواه أبو داوود [١٧٠٧] والنسائي [٨/ ٨٥] بمعناه.
وفي (الرافعي) أن عمر عزر رجلًا زوَّر كتابًا.
وروى البيقهي [٨/ ٢٥٣]: أن عليًا سئل عمن قال لرجل: يا فاسق، يا خبيث، فقال: (يعزر).
ويستثنى مما فيه كفارة: الجماع في نهار رمضان؛ فيجب فيه التعزير مع الكفارة، كما صرح به شارح (التقرير) والرافعي في (شرح المسند)، ونقل البغوي في (شرح السنة) فيه الإجماع.
ويستثنى ما في (الشامل) في أوائل (الجراح) أن كل موضع قلنا: لا يجب القصاص فيه كقتل الولد والعبد .. فإن القاتل يعزر، ويلزمه البدل والكفارة، وهو المنصوص في (الأم).
ونقل أيضًا في (باب جامع السير) عن الشافعي: أن المسلم إذا كتب إلى المشركين بخبر الإمام: إن كان فاعل ذلك من ذوي الهيئات .. لم يعزر؛ لخبر حاطب بن أبي بلتعة)، وإن لم يكن من ذوي الهيئات .. عزر، وهذا يشهد لقول الشيخ عز الدين: إن الأولياء إذا صدرت منهم صغائر .. لا يعزرهم عليها الحاكم، بل تقال عثراتهم، وتستر زلاتهم، قال: وقد جهل أكثر الناس، فزعموا: أن الولاية تسقط بالصغيرة، ويشهد لذلك حديث: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود) رواه أبو داوود [٤٣٧٥] والنسائي [٧٢٥٤]، وصححه ابن حبان [٩٤] بغير استثناء، لكن في رجال إسناده عبد الملك بن يزيد وعطاف بن خالد، وهما ضعيفان.
قال الشافعي: والمراد ب (ذوي الهيئات) الذين لا يعرفون الشر، فتترك لأحدهم الزلة.
وحكى الماوردي في ذلك وجهين:
أحدهما: أنهم أصحاب الصغائر دون الكبائر.
стр. 4442
بِحَبْسٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ صَفْعٍ أَوْ تَوْبِيخٍ،
ــ
والثاني: من إذا أذنب تاب.
وفي عثراتهم وجهان:
أحدهما: الصغائر.
والثاني: أول معصية زل فيها مطيع.
والزيادة على الأربعين في الخمر إلى الثمانين تعزير على الصحيح كما تقدم، والأربعون حد، فاجتمع الحد والتعزير.
وقال الفوراني: تقطيع يد السارق ويعزر، قال مجلي: إذا أراد به: تعليق يده في عنقه .. ، أو غيره .. فمنفرد به.
واليمينن الغموس فيها الكفارة والتعزير كما جزم به صاحب (المهذب)، وقول من قال: لا تستثنى هذه؛ لأن في اليمين الغموس جهتين الكذب وانتهاك الاسم المعظم، كما ذكره ابن الصباغ وابن عبد السلام .. مردود؛ لأن اختلاف الجهة لا يخرجها على الاستثناء.
ولنا: معصيته ليس فيها حد ولا تعزير ولا كفارة، وهي إذا حمى رجل من عوام المسلمين مواتًا؛ ومنع الناس منه زمانًا، ورعاه، ثم علم الإمام به .. رفع يده عنه ولم يغرمه ما رعاه؛ لأنه ليس بمالك، ولا يعزره؛ لأنه أحد مستحقيه، وإنما ينهاه عن مثل تعديه، كذا قاله الماوردي.
وفي زوائد (الروضة) هناك: لو رعى واحد من أهل القوم ماشيته في الحمى .. لا تعزير عليه ولا غرم، قاله أبو حامد مع كونه ارتكب معصية.
قال: (بحبس أو ضرب)؛ لأن المقصود الردع، وهو حاصل بكل من ذلك، وله الجمع بينهما إن رآه، لكن لا يبلغ في الحبس سنة، نص عليه الشافعي ومعظم الأصحاب، ووهم الإمام في (الغياثي) حيث نقله عن بعضهم وضعفه.
قال: (أو صفع أو توبيخ) أي: باللسان إن رآه، ولا يرقى إلى مرتبةٍ وهو يرى ما دونها كافيًا.
стр. 4443
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و (الصفع) الضرب بجميع الكف، قيل: الضرب بكف مبسوط، وقال الجوهري: الصفع كلمة مولَّدة، والرجل صفعان.
قال الماوردي: ويعزر بالإعراض عنه.
قال القرطبي: في قوله تعالى: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ دليل على أن العقوبة على قدر الذنب لا على قدر الحسد.
وللإمام أن يقتصر على التوبيخ إن رآه مصلحة، وله إشهاره في الناس زيادة على النكال، وهذا محثوث عليه في شاهد الزور، فيشهر على باب المسجد، وفي سوقه وقبيلته، وينادى عليه: هذا شاهد زور فاعرفوه.
وإنما تثبتشهادة الزور بإقرار الشاهد، أو بيقين القاضي؛ بأن شُهد بأن فلانًا زنى بالكوفة يوم كذا وقد رآه القاضي في ذلك اليوم ببغداد. قال الرافعي: كذا أطلقه الشافعي والأصحاب، ولم يخرجوه على قضاء القاضي بعلمه.
وله أن يجرد المعزر من ثيابه ما سوى العورة.
وقال الماوردي: لا يجوز حلق لحيته، ويجوز حلق رأسه، وفي جواز تسويد وجهه وجهان: الأكثرون على الجواز، وقال ابن الصباغ تبعًا لأبي الطيب: لا يجوز أن يركبه ويطاف به؛ للنهي عن المثلة.
وقال الماوردي والروياني: يجوز أن يعزر بالصلب ثلاثة أيام فما دونها؛ لأن النبي ﷺ صلب رجلًا على جبل يقال له: ذُباب، كذا هو في كتب الغريب)، قال البكري: وهو جبل بجبانة المدينة).
ولا يمنع من الطعام والشراب والوضوء، ويصلي موميًا ويعيد إذا أرسل، ولا وجه لمنعه الصلاة على الأرض.
стр. 4444
وَيَجْتَهِدُ الإِمَامُ فِي جِنْسِهِ وَقَدْرِهِ،
ــ
وفي القديم: يجوز التعزير بالمال، وسكت الرافعي هنا عن التعزير بالنفي، وذكره في (باب حد الزنا)، وقال: إن النبي ﷺ نفى المخنثين من المدينة)، ونفى الحكم بن أبي العاصي بن أمية إلى الطائف)، وسيأتي خبره في الباب الذي بعد هذا، ونفى رجلًا خضب يديه ورجليه بالحناء كما تقدم في (باب ترك الصلاة).
قال: (ويجتهد الإمام في جنسه وقدره)؛ لأنه يحتاج إلى نظر واجتهاد، وعلم من هذا: أنه لا يستوفيه إلا الإمام، وهو كذلك؛ لعموم ولايته، ومعنى تخييره فيه: أنه يجتهد في سلوك الأصلح؛ لاختلاف ذلك باختلاف مراتب الناس وباختلاف المعاصي.
وليس له أن يفوضه إلى مستحقه ولا إلى المستحق عليه ولا إلى أبيه ولا ابنه، وليس ذلك لغيره إلا ثلاثة:
الأب؛ فله تأديب ولده الصغير للتعليم والزجر عن سيئ الأخلاق، والظاهر: أن الأمم ومَن الصبيُّ في كفالته كذلك للأمر بالصلاة والضرب عليها، وليس للأب تعزير البالغ وإن كان سفيهًا على الأصح.
الثاني: السيد يعزر رقيقه في حق نفسه، وكذا في حق الله على الأصح.
الثالث: الزوج له تعزير زوجته في أمر النشوز على الوجه المتقدم في بابه، وهل له تأديبها إذا كانت تؤذيه بالشتم والبذاءة؟ فيه تردد تقدم.
قال القمولي: رأيت فيما علق عن بعض مشايخ عصرنا: أن الظاهر أن للزوج تأديب زوجته الصغيرة للتأديب، والتعليم، واعتياد الصلاة، واجتناب المساوئ.
وأفتى جمال الإسلام عمر ابن البَزْري بأنه يجب على الزوج أمر زوجته بالصلاة في أوقاتها، ويجب عليه ضربها على ذلك).
стр. 4445
وَقِيلَ: إِنْ تَعَلَّقَ بِآدَمِيٍّ .. لَمْ يَكْفِ تَوْبِيخٌ، فَإِنْ جَلَدَهُ .. وَجَبَ أَنْ يَنْقُصَ فِي عَبْدٍ عَنْ عِشْرِينَ جَلْدَةً، وَحُرٍّ عَنْ أَرْبَعِينَ، وَقِيلَ: عِشْرِينَ،
ــ
قال: (وقيل: إن تعلق بآدمي .. لم يكف توبيخ)؛ لتأكد حقه.
قال في (الروضة) إن تعلقت الجناية بحق آدمي .. فهل يجب التعزير إذا طالب وجهان:
أحدهما: يجب، وهو مقتضى كلام صاحب (المهذب) كالقصاص.
والثاني: لا يجب، كالتعزير لحق الله تعالى، وهذا هو الذي أطلقه الشيخ أبو حامد وغيره، ومقتضى كلام البغوي ترجيحه.
وقال الإمام: وقدر التعزير وما به التعزير إلى رأي الإمام، ولا تكاد تظهر جنايته عند الإمام إلا ويوبخه ويغلظ له القول، فيؤول الخلاف إلى أنه هل يجوز الاقتصار على التوبيخ؟
قال: (فإن جلده .. وجب أن ينقص في عبد عن عشرين جلدة، وحر عن أربعين)؛ لما روى البيهقي [٨/ ٣٢٧] عن النعمان بن بشير: أن النبي ﷺ قال: (من بلغ حدًا في غير حد .. فهو من المعتدين)، ثم قال: والمحفوظ إرساله.
قال: (وقيل: عشرين)؛ لأنها حد العبد.
وفي وجه ثالث: لا يبلغ أربعين فيهما.
وفي رابع: لا يزاد على عشرة أسواط؛ للحديث الثابت في (الصحيحين) [خ ٦٨٤٨ - م ١٧٠٨] وغيرهما: (لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى).
وجوابه: أنه منسوخ بعمل الصحابة على خلافه من غير إنكار).
стр. 4446
وَتَسْتَوِي فِي هَذَا جَمِيعُ الْمَعَاَصِي فِي الأَصَحِّ
ــ
وقال صاحب (التقريب) لو بلغ الخبر الشافعي .. لقال به؛ فإنه قال: إذا صح الحديث .. فهو مذهبي.
وفي خامس: أنا نعتبر كل معصية بما يناسبها مما يوجب الحد، فلا يبلغ بتعزير مقدمات الزنا حد الزنا، وله أن يزيده على حد القذف؛ فله في الحر تسعة وتسعون، وفي العبد تسعة وأربعون، وفي التعريض للقذف تسعة وسبعون للحر، وتسعة وثلاثون للعبد.
قال: (وتستوي في هذا جميع المعاصي في الأصح)؛ لعموم الأدلة، سواء كانت من مقدمات ما فيه حد أم لا كما تقدم.
والثاني: يعتبر في كل معصية ما يناسبها كالوجه الخامس.
فائدة:
أهل بدر إذا عمل أحد منهم ذنبًا يقتضي حدًا أو غيره .. أقيم عليه بالإجماع.
وأما قوله في حديث حاطب بن أبي بلتعة ما قال) .. فقيل: معناه الغفران لهم في
стр. 4447
وَلَوْ عَفَا مُسْتَحِقُّ حَدٍّ .. فَلاَ تَعْزِيرَ لِلإِمَامِ فِي الأَصَحِّ، أَوْ تَعْزِبرٍ .. فَلَهُ فِي الأَصَحِّ
ــ
الدار الآخرة؛ فقد أقام عمر الحد على قدامة بن مظعون في الخمر)، وحد النبي ﷺ نعيمان فيه أيضًا) وكانا بدريين، وضرب ﷺ مسطحًا الحد كما تقدم) وكان بدريًا.
وقال الخطابي وغيره: المراد الماضي لا المستقبل، وتقديره: أي عمل كان لكم .. فقد غفر؛ لأنه لو كان للمستقبل .. كان جوابه: فسأغفر، ولأنه لو كان للمستقبل .. لكان إطلاقًا في الذنوب، ولا وجه لذلك.
وتوضيح هذا: أن القوم خافوا من العقوبة فيما بعد، فقد قال عمر: يا حذيفة؛ هل أنا منهم، وكان النبي ﷺ قد أسر إليه أمر اثني عشر رجلًا من المنافقين).
قال: (ولو عفا مستحق حدٍّ .. فلا تعزير للإمام في الأصح، أو تعزيرٍ .. فله في الأصح)؛ لأن الحد مقدر لا نظر للإمام فيه، وإذا أسقطه .. لم يعدل إلى غيره، والتعزير يتعلق أصله بنظره فلم يؤثر فيه إسقاط غيره.
والثاني: له ذلك مطلقًا؛ لأن فيه حقًا لله تعالى.
والثالث: لا مطلقًا؛ لأن مستحقه أسقطه، واستدل الرافعي لتركه التعزير بأن النبي ﷺ أعرض عن جماعة استحقوه، كالذي غل من الغنيمة)،
стр. 4448
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والذي لوى شدقه حين حكم النبي ﷺ للزبير في شراج الحرة).
وخرج بـ (الإمام) السيد، فلو عفا مستحق التعزير عن العبد .. كان لسيده أن يعزره قطعًا؛ للحاجة إلى إصلاح ملكه.
تتمة:
يعزر من وافق الكفار في أعيادهم، ومن يمسك الحية، ويدخل النار ومن قال لذمي: يا حاج، ومن هنأه بعيد، ومن سمى زائر قبور الصالحين حاجًا، والساعي بالتميمة؛ لكثرة إفسادها بين الناس، قال يحيى بن أبي كثير: يفسد النمام في ساعة ما لا يفسده الساحر في سنة.
...
خاتمة
لا تقام التعزيرات في المسجد، فإن فعلت .. وقعت الموقع، كالصلاة في الدار المغصوبة، كذا قاله الرافعي هنا، وهو يفهم: أن فعل ذلك حرام، وصرح في (أبواب القضاء) بكراهته وفاقًا لابن الصباغ، وسيأتي ذكره هناك.
وقال الروياني: إن كان فيه تلويث كقطع يد السارق .. حرم.
قال الشيخ: وجمهور العلماء على كراهة ذلك أو تحريمه؛ لقوله ﷺ : (لا تقام الحدود في المساجد) رواه ابن ماجه [٢٥٩٩].
وكان الشعبي وشريح وابن أبي ليلى يرون إقامة الحدود فيها.
ويحكى: أن ابن أبي ليلي مر على امرأة ضربها شاب وهي تقول له: يا ابن
стр. 4449
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الزانيين، فأخذها وأدخلها المسجد وضربها حدين في مجلس واحد بغير محضر الأبوين، فقال أبو حنيفة: أخطأ القاضي في خمسة أحكام: كونه عاد إلى مجلسه في غير وقته، وفي إقامة الحد في المسجد، وفي توالي الحدين، وفي استيفاء الحد بغير طلب صاحبه، وفي ضربها قائمة، فشكاه إلى أمير المؤمنين، فمنع أبا حنيفة الفتيا، فاتفق أن سألته ابنته عن مسألة في الحيض فلم يجبها وقال: سلي أخاك حمادًا؛ فإني ممنوع من الفتيا.
***
стр. 4450
كِتَابُ الصِّيَالِ وَضَمَانِ الوِلاَةِ
следующие страницы →