Полный текст (5 377 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.
стр. 4376
وَإِبِلٌ بِصَحْرَاءَ مُحْرَزَةٌ بِحَافِظٍ يَرَاهَا, وَمَقْطُورَةٌ يُشْتَرَطُ الْتِفَاتُ قَائِدِهَا إِلَيْهَا كُلَّ سَاعَةٍ بِحَيْثُ يَرَاهَا, وَأَنْ لَا يَزِيدَ قِطَارٌ عَلَي تِسْعَةٍ,
ــ
وشرط الحافظ هنا: أن يكون قويًا علي دفع السارق.
قال: (وإبل بصحراء محرزة بحافظ يراهل) أي: يري الجميع ويبلغها صوته إذا زجرها, فإن لم ير البعض لكونه في وهدة أو خلف جبل .. فذلك البعض غير محرز.
والمراد بكونها (بصحراء) أنها ترعي.
والخيل والبغال والحمير في المرعي كالإبل, وكذا الغنم إذا ارتفع الراعي علي نشز بحيث يراها ويبلغها صوته وإن تفرقت.
وسكت آخرون عن اعتبار بلوغ الصوت اكتفاء بالنظر؛ لأنه إذا قصد ما يراه أمكنه العدول إليه.
قال: (ومقطورة يشترط التفات قائدها إليها كل ساعة بحيث يراها)؛ لأنها تعد بذلك محرزة, فلو ركب الحافظ أولها .. فهو كقائدها, وإن ركب غير الأول .. فهو لما بين يديه كسائق ولما وراءه كقائد, وفي بلوغ الصوت ما سبق.
قال: (وأن لا يزيد قطار علي تسعة) أي: عشرة إلا واحدًا؛ للعادة الغالبة في ذلك, فإن زاد .. فكغير المقطورة.
وقال ابن الصلاح: سبعة بالباء الموحدة بعد السين, وفيما قاله نظر؛ فإن الروياني والمروروذي ضبطاه بذلك.
وقال الماوردي: القطار لا يزيد علي خمسة.
والأصح في (الشرح) و (الروضة) توسط ذكره السرخسي: أنه في الصحراء
стр. 4377
وَغَيْرُ مَقْطُورَةٍ لَيْسَتْ مُحْرَزضةً فِي الأَصَحِّ,
ــ
لا يتقدر القطار بعدد, وفي العمران تعتبر العادة؛ وهي من سبعة إلي عشرة, فإن زاد .. فالزيادة غير محرزة, فكلام (المنهاج) مخالف لما في (الشرح) و (الروضة) , وسببه: اضطراب العرف, والأشبه: الرجوع في كل مكان إلي عرفه.
والخيل والبغال والحمير لا يعتاد فيها القطر.
و (القطار) بكسر القاف: ما كان بعضه إثر بعض, وجمعه: قطر.
قال: (وغير مقطورة ليست محرزة في الأصح)؛ لأنها لا تسير كذلك في الغالب.
والثاني: أنها كالمقطرة, ورجحه الروياني وصاحب (الإفصاح) , وقال في (الشرح الصغير) إنه أولي الوجهين, ورجحه أبو علي الطبري والقضاة الثلاثة: الماوردي والحسين والروياني, وصاحب (الكافي) والإمام والغزالي وغيرهم, لكن الأول هو المنصوص في (الأم) , فهو المعتمد وإن خالفه الأكثرون, وليس في (الشرح) ولا في (الروضة) تصحيح لشئ من الوجهين, فإن قلنا بالثاني .. فالمعتبر: أن يقرب منها ويقع نظره عليها.
وإذا كانت البهائم في منزل الاستراحة والمبيت, فإن كانت إبلًا مناخة وليس معها أحد .. فغير محرزة, وإن كان معها حافظها .. فهي محرزة بعقالها, وإن نام الحافظ عنها أو اشتغل وإن لم تكن معقولة .. اشترط أن ينظر إليها ويلاحظها.
وإن كانت خيلًا أو بغالًا أو حميرًا .. فقيل: هي كالإبل, وقال الماوردي: يضم بعضها إلي بعض وتربط ويكون معها من يحفظها متيقظًا أو نائمًا.
فروع:
المتاع الذي علي الدابة المحرزة محرز يقطع سارقه, سواء سرقه مع وعائه أو دونه أو مع الدابة, ولو سرق الجمل وصاحبه نائم عليه .. لم يقطع, وإن سرق بقرة فتبعها عجلها .. لم يكن العجل محرزًا, إلا إذا كان قريبًا منه بحيث يراه إذا التفت وكان
стр. 4378
وَكَفَنٌ فِي قَبْرٍ بِبَيْتٍ مُحْرِزٍ مُحْرِزٌ,
ــ
يلتفت كل ساعة كما تقدم في قائد القطار.
ولو دخل المراح وحلب من لبن الغنم أو جز من صوفها ما يبلغ نصابًا وأخرجه .. قطع, ولا يشترط كون اللبن من واحدة منها علي الأصح.
قال: (وكفن في قبر ببيت محرز محرز) فمحرز الأول بكسر الراء, وهو مجرور صفة لبيت, والثاني بفتح الراء, وهو مرفوع خبر قوله: (وكفن).
والمراد: أن سارق الكفن المحرز يقطع؛ لعموم الأمر بقطع السارق.
وروي البيهقي [معرفة١٧١٨٤]: أن النبي صل الله عليه وسلم: (من سرق قطعناه).
وروي أيضًا [معرفة١٧١٧٨]: (أن النبي صل الله عليه وسلم لعن المختفي) وهو نباش القبور.
وقالت عائشة: (سارق موتانا كسارق أحيانا).
وقال الشعبي: النباش سارق.
وروي البخاري في (تاريخه) [١٠٤/ ٤]: أن ابن الزبير قطع نباشًا.
وفي قول قديم: لا يقطع في الكفن مطلقًا؛ لأنه موضوع للبلي, وبه قال أبو حنيفه.
قال الإمام: وكذلك لو كانت مقبرة محفوفة بالعمارة, أو كان عليها حراس.
ولا فرق بين أن يكون الكفن من مال الميت أو أجنبي أو بيت المال كما تقدم.
ومقتضي ما في (الروضة) أن حارس المقبرة إذا سرق منها لا يقطع.
هذا في الكفن المشروع وهو خمسة أثواب أو ثلاثة, فإن كفن في زائد علي ذلك أو في ثوب حرير لرجل أو فرش ونحوه .. فلا قطع في الأصح.
والطيب الزائد علي القدر المستحب لا يقطع به علي المشهور.
واقتصاره علي (الكفن) يقتضي: أنه لو وضع فيه غيره فسرق .. لا قطع, وهو
و
стр. 4379
وَكَذَا بِمَقْبَرَةٍ بِطَرَفِ الْعِمَارَةِ فِي الأَصَحِّ، لا بِمَضْيَعَةٍ فِي الأَصَحَّ
ــ
الأصح, بخلاف الكفن؛ فإن الشرع جعله حرزًا له للضرورة.
ولو وضع في تابوت فسرق .. لا قطع؛ للنهي عنه.
وينبغي اشتراط كون القبر محترمًا, فلو دفن في أرض مغصوبة فسرق منه .. لم يقطع كما سيأتي.
ولا بد من اعتبار كون الميت محترمًا؛ ليخرج به الحربي, ولم أر من تعرض له. ولا فرق في وجوب القطع بين أن يكون القبر كمُل طمه أو لا.
وفي (فتاوي البغوي) لو وضع الميت علي الأرض ونصبت عليه الحجارة .. كان كالقبر فيقطع بسرقة كفنه.
قال في (الروضةينبغي أن لا يقطع إلا إذا تعذر الحفر؛ لأنه ليس بدفن.
ولو كانوا في بحر فطرح الميت في الماء فأخذ رجل كفنه .. لم يقطع؛ لأنه لا يعد إحرازًا, فأشبه ما لو وضع بالأرض فغيبته الريح, قاله البغوي في (فتاويه) , قال الرافعي: وقد يتوقف فيه.
قال: (وكذا بمقبرة بطرف العمارة في الأصح)؛ لأنه حرز في العادة, وقيده الماوردي بما إذا كان القبر عميقًا, فإن كان قريبًا إلي وجه الأرض .. فلا قطع.
والثاني: المنع؛ لأنه ليس دونه باب مغلق ولا عليه حارس, فصار كالمتاع الموضوع هناك.
ومحل الخلاف: إذا لم كين لها حارس, فإن كان .. قطع بلا خوف.
قال: (لا بمضيعة في الأصح)؛ لأن السارق لا يحتاج إلي انتهاز فرصة.
والثاني: أن القبر حرز للكفن بكل حال؛ لأن النفوس تهاب الموتي, وكذلك لا يعد الدافن للميت في ذلك مضيعًا, ونسب هذا ابن الرفعة إلي جماعة كثيرين.
تتمة:
إذا سرق كفن الميت أو ضاع .. وجب تكفينه ثانيًا من تركته, فإن لم يكن .. فهو كمن مات ولا تركة له.
стр. 4380
فَصْلٌ.
يُقْطَعُ مُؤَجَّرُ الْحرْز
ــ
وقال الماوردي: إذا كفن من ماله ثم قسمت التركة ثم سرق الكفن .. استحب للورثه تكفينه ثانيًا, ولا يلزمهم ذلك, وقواه المصنف.
وفي مالك الكفن إذا كان من التركة أوجة:
أصحها: الورثة, والميت أحق به ما دام باقيًا, فإذا بلي .. تصرفوا فيه بالفريضة.
والثاني: أنه باق علي ملك الميت.
فعلي هذا: إذا أكله سبع أو أظهره سيل .. الأصح: أنه يكونلبيت المال, وجزم ابن الصباغ والقاضي والإمام بأنه لورثته.
والثالث: أنه لله تعالي, فإذا ظهر بعد البلي .. كان ليت المال, قال الرافعي: بلا خلاف, وقال القاضي: يكون للورثة, كذا نقله القمولي.
وإن قلنا بالأصح .. فالوارث الخصم في سرقة, فإن سرقه وارثه أو ولده .. لا قطع, وإن قلنا: لله .. فالخصم الحاكم, فإن كفن من بيت المال أو كفنه أجنبي ..
فالأصح: أنه باق علي ملك المكفن أو بيت المال كما لو أعار أرضًا يدفن فيها.
قال: (فصل: يقطع مؤجر الحرز) خلافًا لأبي حنيفة.
لنا: أنه لا شبهة له فيه ومنفعته مستحقة بعقد الإجارة والإحراز من المنافع, وهذا بخلاف ما إذا وطئ أمته المزوجة .. فإنه لا يحد؛ لأن الشبهة قائمة في المحل.
стр. 4381
وَكَذَا مُعِيرُهُ فِي الأَصَحِّ,
ــ
قال الرافعي: وفي هذا الاستدلال إعلام بأن التصوير فيمن استحق بالإجارة إيواء المتاع دون من استأجر لزراعة فآوي ماشية مثلًا, وتبعه في (الروضة) علي ذلك, فإطلاق الكتاب أيضًا محمول عليه هذا إذا سرق في مدة الإجازة, فإن كان بعد انقضائها .. ففيه الخلاف الآتي في المعير.
كل ذلك في الإجازة الصحيحة, أما الفاسدة .. فلا يأتي فيها خلاف.
قال: (وكذا معيره في الأصح) , هو المنصوص؛ لأنه سرق النصاب من حرز محترم.
والثاني: لا يقطع؛ لأن المنفعة ملك المعير فلم يهتك حرز الغير.
والثالث: أن دخل بنيَّة السرقة وأخذِ المال .. قطع, أو بنيَّة الرجوع في العارية .. فلا, ومحل الخلاف: في العارية الجائزة, فإن كانت لازمة يمتنع الرجوع فيها .. قطع قطعًا.
والذي أطلقه المصنف من قطع المعير محله: إذا لم يتقدمه رجوع, فإن رجع أولًا في العارية بالقول وامتنع المستعير من الرد بعد التمكن .. فلا قطع قطعًا؛ لأن المستعير حينئذ يتصرف فيه بغير حق فكان كالغاصب.
هذا إذا استعمله في الوجه المأذون له فيه, فلو استعار للزراعة فغرس ودخل المعير فسرق من الغراس .. لم يقطع, علي قياس ما قاله الرافعي في صورة الإجازة السابقة.
فرع:
أرتهن دارًا وأحرز فيها متاعاَ .. لم يقطع سارقه, سواء سرقه الراهن أو غيره؛ لأن منافع الرهن للراهن فصار المرتهن كالغاضب.
стр. 4382
وَلَوْ غَصَبَ حِرْزًا .. لَم يُقْطَعْ مَالِكُهُ, وَكَذَا أَجْنَبيٌّ فِي الأَصَحِّ, ولوْ غضبَ مَالًا وَأَحْرَزَهُ بحرْزهِ فسرَقَ الْمَالِكُ منْهُ مَالَ الغَاصب أوْ أجْنبِيٌّ الْمغْصُوبَ .. فلاَ قطْعَ فِي الأصحِّ
ــ
قال: (ولو عصب حرزًا .. لم يقطع مالكه) أي: بسرقة ما أحرزه الغاصب فيه؛ لأن له الدخول والهجوم عليه فلا يكون محرزًا عنه, كذا جزم به الرافعي.
وفيه وجه في (التنبيه) أنه يقطع؛ لأنه مال محرز لا شبهة له فيه, وهذا لا يعرف في غيره.
قال: (وكذا أجنبي في الأصح)؛ لأن الإحراز من المنافع والغاصب لا يستحقها.
والثاني: يقطع؛ لأنه لا حق للأجنبي فيه وليس له الدخول.
قال: (ولو غصب مالًا وأحرزه بحرزه فسرق المالكُ منه مالَ الغاصب أو أجنبيٌّ المغصوب .. فلا قطع في الأصح) , أما في المالك .. فلأن له دخول الحرز وهتكه لأخذ ماله, فالذي يأخذ من الغاصب يأخذه وهو غير محرز عنه.
ووجه مقابله: أنه إذا أخذ المال .. هتك الحرز للسرقة لا لأياخذ ماله فيقطع.
وأما إذا سرق المغصوب أجنبي .. فلأنه حرز لم يرضه المالك وهو في يده بغير حق.
ووجه مقابله: أنه سرق نصابًا من حرز مثله لا شبهة له فيه.
والخلاف جار سواء عرف السارق أنه مغصوب أم لا.
وخص بعضهم الوجهين في المسألة الأولي بما إذا تميز مال الغاصب عن ماله, سواء أخذه وحده أو مع مال نفسه, وإلا .. لم يقطع جزمًا.
فرع:
سرق الطعام عام القحط والمجاعة, فإن كان يوجد بثمن غال .. قطع, وإن كان لا يوجد ولا يقدر عليه .. لم يقطع جزمًا, وعلي هذا يحمل ما جاء عن عمر رضي الله
стр. 4383
وَلاَ يُقْطَعُ مُخْتلسٌ وَمُنْتهبٌ وَجاحدُ وَديعةٍ. وَلَوْ نَقَبَ وَعَادَ فِي لَيْلَةٍ أُخْري فسَرقَ .. قُطع في الأصحَّ
ــ
عنه: (أنه لا قطع في المجاعة) , كذا استدل به الرافعي وغيره, وهو غريب.
قال: (ولا يقطع مختلس ومنتهب) هذا هو الركن الثاني, وهو نفس السرقة.
والدليل عيل أنه لا يقطع المختلس: ما روي الأربعة عن جابر: أن النبي صل الله عليه وسلم قال: (ليس علي المختلس والمنتهب والخائن قطع).
و (المختلس) الذي يعتمد العرب, و (المنتهب) يعتمد القوة والغلبة, وكل منهما يأخذ عيانًا والسارق يأخذ خفية فاختلفا.
قال: (وجاحد وديعة)؛ لأنه لم يوجد منه أكثر من حبسه عن مالكه والكذب في جحوده, وليس واحد منهما موجبًا للقطع, وكذا الحكم في الخائن, وهو: من يأخذ بعضها, وحديث المخزومية التي كانت تستعير المتاع وتجحده ذكره للتعريف, فإنها اشتهرت بذلك؛ لا أن ذلك سبب القطع, ويدل له ما في (الصحيحين) [خ٣٤٧٥ - م١٦٨٨]: أن قريشًا أهمهم شأنها لما سرقت.
وقال أحمد في المسائل الثلاثة: عليهم القطع.
لكن كان ينبغي للمصنف أن يمثل بجاحد العارية؛ فإنه موضع الخلاف بيننا وبينه.
قال: (ولو نقب وعاد في ليله أخري فسرق .. قطع في الأصح) كما لو نقب في أول الليل وأخرج المال في آخره.
والثاني: لا يقطع؛ لأنه عاد بعد هتك الحرز, فصار كما لو جاء غيره وأخذ المال.
стр. 4384
قُلتُ: هذَا إِذَا لمْ يعْلَمِ الْمالِكُ وَلَمْ يظْهَرْ للطارقِينَ, وَإِلاَّ .. فلاَ يُقْطَعُ قطعًا, واللهُ أعْلمُ. ولَو نَقَبَ وَأَخْرَجَ غَيْرُهُ .. فلاَ قطْعَ,
ــ
قال: (قلت: هذا إذا لم يعلم المالك النقب ولم يظهر للطارقين)؛ بأن كان خفياَ.
قال: (وإلا .. فلا يقطع قطعًا والله أعلم)؛ لانتهاك الحرز, وهذا محكي عن النص, وهو الصواب في التعبير, ووقع في بعض النسخ: (وإلا .. فيقطع قطعًا) , وهو غلط, والذي بخط المصنف الأول, وهذا التفصيل ذكره الرافعي في (شرحيه) , وأهمله في (المحرر) , إلا أن ادعاءه نفي الخلاف ممنوع؛ ففي (البحر) للروياني التصريح به, ولهذا لم يذكره في (الروضة) , علي أن ما جزم به هنا من عدم القطع عند الاشتهار مخالف لما صححه فيما إذا أخرج نصاباَ دفعات: أنه يجب القطع علي الأصح وغن عاد بعد الاشتهار, والصواب: إجراء الخلاف في الموضعين.
وخرج بقوله: (ثم عاد في ليلة اخري) ما إذا نقب وأخرج النصاب عقب النقب؛ فإنه يقطع بلا خلاف؛ لأنه أفعاله المتواصلة كالفعل الواحد.
قال: (ولو نقب وأخرج غيره .. فلا قطع)؛ لأن الناقب لم يسرق والآخذ أخذ من غير حرز, لكن علي الأول ضمان الجدار, وعلي الثاني رد المال.
وقيل: في قطع المخرج قولان, فلو كان صاحب الدار فيها وهو يلاحظها .. قطع المخرج؛ لأنها محرزة, وإن كان نائمًا .. فلا علي الأصح, كمن نام والباب مفتوح, كذا قالي الرافعي.
قال ابن الرفعة: وهذا منه إشارة إلي أن كون السرقة بالنهار؛ لأنه محل الوجهين كما قررنا, أما بالليل .. فقد جزم بأنها ليست محفوظة بالنائم.
كل هذا إذا كان المخرج مميزًا, فلو نقب ثم أمر من لا يميز أو عبدًا أعجميًا بلإخراج ففعل .. وجب القطع علي الآمر علي المشهور.
стр. 4385
وَلَوْ تَعَاوَنَا فِي النَّقْب وانْفَرَد أَحَدُهُمَا بالأخْراج, أَوْ وَضعَهُ ناقِبٌ بقُرْب النَّقْبِ فأخْجهُ آخرُ .. قْطعَ الْمخرجُ, وَلَوْ وَضَعَهُ نقْبهِ فأخَذّهُ خَارِجٌ وَهُوَ يُسَاوي نصَابيْنِ .. لَمْ يُقْطعَا فِي الأظْهَرِ
ــ
قال: (ولو تعاونا في النقب وانفرد أحدهما بالإخراج, أو وضعه ناقب بقرب النقب فأخرجه آخر .. قطع المخرج)؛ لأنه السارق, وهذا مع قوله: (ولو نقب وأخرج غيره .. فلا قطع) في غاية التباين؛ فإن غير الناقب إذا لم يقطع فيما إذا كان هو الداخل والسارق فبطريق الأولي أن لا يقطع مع عدم الدخول وتقريب الناقب له من النقب, والغلط حصل من الاختصار.
وعبارة (المحرر) (ولو تعاونا علي النقب وانفرد أحدهما بالإخراج .. فالقطع علي المخرج, وكذا إن دخل أحدهما ووضع المتاع قريباَ من النقب فأدخل الأخر يده وأخرجه) اهـ
فعلم أن صورة المسألة في ناقبين, فتوهم المصنف أنها في ناقب واحد, فوهم.
قال: (ولو وضعه بوسط نقبه فأخذه خارج) أي: قد شاركه في النقب (وهو يساوي نصابين .. لم يقطعا في الأظهر)؛ لأن كلًا منهما لم يخرجه من تمام الحرز.
والثاني: يقطعان؛ لاشتراكهما في الهتك والإخراج, ولئلا يصير ذلك طريقًا إلي إسقاط الحد, وهذا رواه الحارث بن شريح والبقال عن القديم
ولو ناول الداخل الخارج من فم النقب .. لم يقطع واحد منهما, ويسمي هذا
стр. 4386
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
السارق: الظريف, كذا حكاه في (البحر) عن الشعبي.
واحترز المصنف عما إذا كان دون نصابين؛ فإنه لا قطع عليهما جزمآ.
فروع:
الأول: علم قرداّ النزول إلى الدار واخراج المتاع فنقب الحرز وأرسل القرد وأخرج المتاع .. قال القفال: ينبغي أن لا يجب القطع, وهو يشكل بما إذا علَّمه القتل ثم أرسله علي إنسان فقتله, فإنه يضمنه.
ويفرق بأن القطع إنما يجب بالمباشرة دون السبب, بخلاف القتل.
الثانى: نقب مقعد وأعمى وحمل الأعمى المقعد وأخذ المال .. فهل يقطعان أو لا, أو يقطع الآخذ دون الحامل؟ فيه أوجه: أصحهما: الثالث.
ولو أخذ الأعمى المال بدلالة المقعد .. فقيل: يقطعان, والأصح: يقطع الأعمى فقط.
ولو كانا بصيرين سالمين فأخذ أحدهما المال وحمله الآخر وأخرجه والمال معه ..
فهل يقطعان أو المحمول فقط؟ فيه وجهان: اصحهما: الثانى.
ولو أخذ المقعد المال وحمله الأعمى .. وجب القطع علي المقعد, ولا يجعل حامل حامل المال حاملا للمال, ولهذا لو حلف لا يحمل طبقًا فحمل رجلا وذلك الرجل علي يده طبق ... ولم يحنث الحالف.
الثالث: كان في البستان أترج والماء يدخل من أحد طرفيه ويخرج من الآخر, فجمع النار والوقود في ظرف ووضعه في الماء حتى دخل البستان, فعلا الدخان وأسقط الأترج في الماء وخرج الطرف الآخر فأخذه, أو رمى الأشجار بالأحجار ونحوها حتى تناثرت الثمرة في الماء وخرجت .. لم يقطع علي الصحيح.
стр. 4387
وَلَو رَمَاهُ إِلَى خَارجِ حِرزِ, اَوُ وَضَعَهُ بِمَاءِ جَارِ أَو ظَهرِ دَأبةِ سَائرةِ, أَو عَرّضَهُ لِرِيِحِ هَابةِ فأَخَرجَتُهُ .. قُطِعَ, أَو وَاقِفَهِ فَمَشَت بِوَضعِهِ .. فَلاَ فِىِ الأَصَحُ. وَلا يَضمَنُ حُرٌ بيدٍ, وَلاَ يُقطًعَ سَارِقُهُ ,
ــ
قال: (ولو رماه إلى خارج حرز, أو وضعه بماء جار أو ظهر دابة سائرة, أو عرضه لريح هابة فأخرجته .. قطع) , أما الأولى .. فكما لو أخرجه بيده.
وصورتها: أن يدخل الحرز فيأخذ المال ويرميه إلى خارج الحرز, فيلزمه القطع, سواء أخذه الرامى أو تركه فضاع أو أخذه غيره.
وقيل: أن لم يأخذه .. فلا قطع, كما لو أتلفه في الحرز.
وأما الثانية ... فلأنه المخرج.
واحترز بـ (الجارى) عن الراكد, لكنه إن حركه بيده حتى خرج .. كان كالجارى, وإن حركه غيره حتى خرج .. فالقطع علي المحرك, وإن زاد الماء بانفجار نهر أو مجاء سيل فخرج به .. لم يقطع علي الأصح.
وأما الثالثة .. فلأنه إخراج مال من حرزه, وكذلك لو سيرها هو من باب أولى, وهى
مذكورة في (المحرر).
وأما الرابعة فلتسببه.
واحترز بـ (الهايَّة) عما إذا كانت راكدة ووضعه علي طرف النقب فهبت وأخرجته؛ فالظاهر: إنه لا يجب.
قال: (أو واقفه فمشت بوضعه .. فلا في الأصح)؛ لأن لها اختيارًا في السير.
والثانى: نعم؛ لأن الخروج حصل بفعله, فإنها إذا أثقلت بالحمل ... سارت.
والثالث: إن سارت عقب الوضع .. قطع, وإلا ... فلا, حكاه الماوردى, وهو كالخلاف في فتح القفص عن الطائر.
قال: (ولا يُضمن حرً بيدِ, ولا يقطع سارقه) وإن كان صغيرًا؛ لأنه ليس بمال.
وعن مالك يجب القطع بسرقته؛ لما روي الدارقطني [٢٠٢/ ٣] عن عائشة: (أن
стр. 4388
وَلَوَ سَرَقَ صَغِيرًا بِقِلاَدهِ .. فَكَذَا فِى اَلأَصَحَ. وَلَو نَامَ عَبدُ عَلَى بَعِيرِ فَقَادَهُ وَأَخرَجَهُ عَنِ اَلَقَافِلَه .. قَطِعَ, أَو حُرٌ .. فَلاَ فِى اَلأَصَحَّ
ــ
النبي صل الله عليه وسلم أتى برجل كان يسرق الصبيان ثم يخرج بهم فيبيعهم في أرض أخري فأمر بقطعه) لكنه ضعيف أو محمول علي الأرقاء.
والحكم فيهم: أن العبد الصغير الذى لا يميز إذا أخذه من حرزه .. يجب القطع بسرقته, والمجنون والأعجمى الذى لايميز كالصغير.
وإن كان الصغير مميزًا فأخذه وهو نائم أو سكران أو مضبوط .. فهو كغير المميز,
وأن دعاه وخدعه ببيعه باختياره .. فلا قطع, والمكاتب والمبعض كالحر.
قال: (ولو سرق صغيرًا) أى: حرًا (بقلاده .. فكذا في الأصح)؛ لأن يده علي ما معه, ولهذا لو كان علي اللقيط مال .. فهو له, كمن سرق جملًا وصاحبه راكبه.
والثانى: يقطع؛ لأنه سرق نصابًا.
والوجهان جاريان سواء أخذه علي صورة السرقه أم لا, وخصهما الزبيلي بما إذا
نزع الحلى والثياب عن الصبي, فإن لم ينزعهما .. فلا قطع قطعًا, ويتعين أن يكون مراده بما إذا نزعهما بعد الإخراج من الحرز.
والخلاف في القلادة جار فيما إذا كان معه مال.
وموضع الوجهين: إذا كان الصغير في موضع لا ينسب لتضييع, وإلا .. لم يقطع بلا خلاف.
واحترز بـ (الصغير) عن البالغ العاقل؛ فلا خلاف أنه لا يقطع إذا حمله نائمًا أو مكرهًا وعليه حلى, وطرد بعضهم الخلاف فيه.
ولو سرق كلبًا في عنقه قلاده .. قطع, وحرز الكلب حرز الدواب ..
قال: (ولو نام عبد علي بعير فقاده وأخرجه عن القافله .. قطع)؛ لأنه كان محرزًا بالقافلة.
والثانى: المنع؛ لأن يده علي البعير, وإنما تتحقق السرقة عند إزالتها.
قال: (أو حر .. فلا في الأصح)؛ لأن البعير والمتاع بيده.
стр. 4389
وَلَوَ نَقَلَ من بِيتِ مُغلَقِ إلِى صَحنِ دَارِ بَابُهَا مَفتُوحٌ .. قُطِعَ, وَإِلأَ .. فَلاَ, وَقِيلَ: إِن كَانَا مُغلَقَينِ .. قطِعَ. وَبَيتُ خَانِ وصَحْنُهُ كَبَيتٍ وَدَارِ فِى ألأَصَحُ
ــ
والثانى: يقطع مطلقًا؛ لأنه أخرج نصابًا من الحرز إلى محل الضياع.
والثالث: إن كان الراكب قويًا لا يقاومه السارق .. لم يقطع, أو ضعيفًا لا يبالي به قطع.
وأطلق المصنف (الحر والعبد) ومراده: البالغين والعاقلين.
قال: (ولو نقل من بيت مغلق إلى صحن دار بابها مفتوح .. قطع)؛ لأنه أخرجه إلى موضع الضياع.
ومراده بقوله: (بابها مفتوح) أنه كان مفتوحًا, لا ما فتحه هو سواء تركه مفتوحًا أم أغلقه ..
فلو كانت الدار مشتركة بين سكان وانفرد كل ساكن ببيت أو حجره فيها .. فهى مسألة الخان الآتيه, وكذلك بيوت المدرسة والرباط.
قال: (وألا .. فلا) أى: إذا كان باب البيت مفتوحًا وباب الدار مغلقًا لم يقطع؛ لأنه لم يخرجه عن تمام الحرز, وكذا إذا كانا مفتوحين؛ لأن المال ضائع إذا لم يكن محرزًا باللحاظ.
قال: (وقيل: إن كانا مغلقين .. قطع)؛ لأنه أخرجه من حرز.
والأصح: المنع؛ لأنه لم يخرجه إلى تمام الحرز, فأشبه ما إذا أخرج من الصندوق إلى البيت ولم يخرج من البيت.
والثالث: إن كان الصحن حرزًا .. لم يقطع, وإلا ... قطع.
قال: (وبيت خان وصحته كبيت ودار في الأصح) , فيفترق الحال بين أن يكون باب الخان مفتوحًا أو مغلقًا, كما إذا أخرج من البيت إلى صحن الدار.
والثانى: يجب القطع بكل حال؛ لأن صحن الخان ليس حرزًا لصاحب البيت, بل هو مشترك بين السكان, فهو كالسكة المشتركة بين أهلها.
стр. 4390
فَصْلٌ:
لاَ يُقطَعُ صَبِىٌ وَمَجنُونٌ
ــ
وموضع الخلاف: إذا كان السارق من غير سكانه, فإنه كان منهم وسرق من البيت والحجرة المقفلين .. قطع, وإن سرق من العرصة .. لم يقطع.
تتمه:
دخل الحمام ليغتسل فسرق ثياب بعض الداخلين أو مئزر الحمام ونحوه وأخرجه .. لم يقطع, وإن دخل ليسرق, فإن كان هناك حافظ الحمامي أو غيره .. قطع, وإن لم يكن حافظ أو كان
لكنه نائم أو اشتغل عن الحفظ .. لم يقطع.
ولو نزع ثيابه والحمامي أو الحارس جالس ولم يسلمها إليه ولا استحفظه بل دخل علي العاده فسرقت .. فلا قطع ولا ضمان علي الحمامي ولا علي الحارس, وقيل: يقطع للعادة.
ولو سرق السفن من الشط وهى مشدودة .. قطع.
ولو ابتلع جوهرة في الحرز وخرج .. فقيل: يقطع؛ وقيل: لا, والأصح: إن حرجت منه .. قطع, وإلا .. فلا.
قال: (فصل) عقده للركن الثالث وهو السارق.
وشرطه: التكليف والاختيار والالتزام, فإذا حصل ذلك .. وجب القطع من غير فرق بين الرجل والمرأه, والحر والعبد.
وكان ابن عباس يرى أن العبد الآبق إذا سرق لا قطع عليه, وبقوله قال أبو حنيفه؛ بناء
علي أن القضاء علي الغائب لايجوز؛ إذ في قطعه قضاء علي سيده الغائب.
وقال الشافعى: لا تزيده معصية الله بالإباق خيرًا.
قال: (لايقطع صبي ومجنون)؛ لرفع القلم عنهما.
واستدل له الرافعى بأن النبي صل الله عليه وسلم أتى بجارية سرقت فوجدها لم تحض فلم يقطعها, وهو غريب, لكن نص في (الإملاء) علي أن الصبي يعزر,
стр. 4391
وَمُكْرَه, وَيُقْطَعُ مُسْلِمٌ وَذِمِّيٌّ بِمَالِ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ, وَفِي مُعَاهدٍ أَقْوَالٌ: أَحْسَنُها إنْ شُرِطَ قَطْعُه بِسَرِقَه .. قُطِعَ, وَإلَّا .. فَلَا. قُلْتُ: الأَظْهرُ عِنْدَ الجُمْهورِ: لَا قَطْعَ, والله أَعْلَمُ ... ..
ــ
وكذلك المجنون الذي له نوع تمييز, قال له القاضي حسين, وكان ينبغي أن يقول: (وحربي)؛ لأنه غير ملتزم بالأحكام.
قال: (ومكره) , للخبر المشهور.
ولا يجب القطع علي المكره– بكسر الراء– جزمًا كالمكره علي الزنا.
قال: (ويقطع مسلم وذمي بالمال مسلم وذمي) , أما قطع المسلم بمال المسلم ..
فبالإجماع, وأما قطعه بمال الذمي .. فهو المشهور، لأنه معصوم بذمته.
وقيل: لا يقطع كما لا يقتل المسلم بالذمي, وهذا شاذ.
وفي قطع الذمي بالسرقه ثلاثه أوجه:
أصحها: يقطع مطلقًا.
والثاني: لا يقطع إلا برضاه بحكمنا.
والثالث: إن سرق مال مسلم .. قطع قطعًا, وإن سرق مال ذمي .. لم يقطع إلا برضاه، وفي إقامه الحد عليه بالزنا هذه الأوجه.
قال: (وفي معاهد) وكذا من دخلها بأمان (أقوال: أحسنها إن شرط قطعه بسرقه .. قطع, وإلا .. فلا)؛ لأنه إذا عوهد علي هذا الشرط .. فقد إلتزمه.
والثاني: لا قطع مطلقًا ,وهو المنصوص في أكثر كتبه, ورجحه الأصحاب.
والثالث: يقطع مطلقًا كالذمي.
والمصنف وافق (المحرر) في التعبير بـ (الأحسن) , وعباره (الشرح الصغير) أقربها, وفي (الروضه) و (أصلها) أظهرها – عند الأصحاب, وهو نصه في أكثر كتبه_: لا يقطع, وهو موافق لما في (المنهاج) حيث قال:
(قلت: الأظهر عند الجمهور: لا قطع والله أعلم) , لأنه لم يلتزم الأحكام فأشبه الحربي.
стр. 4392
وَتَثْبُتُ السَّرِقَه بِيَمِينِ المُدَّعِي المَرْدُودَه فِي الأَصَحْ,
ــ
وقال الماوردي: محل الخلاف: إذا سرق مال مسلم أو ذمي, فإن سرق مال معاهد .. فلا قطع قطعًا ولا نحده بقذفه.
وفي انتقاض عهده بالسرقه أوجه: ثالثها: إن شرط أن لا يسرق .. انتقض, وإلا .. فلا
ولا خلاف أنه يطالب برد ما سرقه إن كان باقيًا, ويبدله إن كان تالفًا.
ولو سرق مسلم مال المعاهد .. قال الإمام: فيه التفصيل كعكسه.
قال: (وتثبت السرقه بيمين المدعي المردوده في الأصح) , لأنها كالإقرار أو كالبينه, والقطع يثبت بالأمرين جميعًا, فأشبه القصاص, فإنه يثبت باليمين المردوده, وهذا هو الأظهر في (المحرر).
والثاني: لا يثبت القطع بها؛ لأنه حق الله تعالي, فأشبه ما إذا قال: أكره أمتي علي الزنا فحلف المدعي بعد نكول المدعي عليه, فإنه يثبت المهر دون حد الزنا, وصححه الرافعي والمصنف في (الدعاوي) , وفي (الحاوي الصغير) ها هنا, وأفتى به الشيخ عماد الدين بن يونس, وهو ظاهر نص (الأم) و (المختصر) , وهو المذهب المفتى به.
ولم يصحح الشيخان ها هنا شيئًا من الوجهين, بل نقلا القطع عن العراقيين وإبراهيم المروروذي, ومقابله عن ابن الصباغ والعمراني وغيرهما.
فرع:
أقر بالسرقه ثم أقيمت عليه البينه ثم رجع .. سقط عنه القطع علي الصحيح) ,
لأن الثبوت كان بالإقرار, صرح به القاضي حسين, وقد تقدم نظير هذا في الزاني إذا رجع بعد الإقرار وإقامه البنيه.
стр. 4393
وَبِإِقْرَارِ السَّارِقِ,
ــ
فرع:
أخذ المقر بالسرقه ليقطع فهرب .. هل يسقط عنه القطع؟ قال الشيخ: لم أره مسطورًا لأصحابنا, إنما كلام صاحب (المبسوط) من الحنفيه يقتضي السقوط, ثم قال: والأرجح: عدمه, لكنه لا يتبع ولا يطالب.
ورأيت في (البيان والتحصيل) سئل سحنون عن اللصوص إذا ولوا يتبعون؟
فقال: نعم يتبعون ولو بلغوا برك الغماد.
قال: (وبإقرار السارق) , مؤاخذه له بقوله.
والمراد: إقرار بعد الدعوى, فإن أقر قبلها .. فالأصح: لا يقطع في الحال, بل يوقف إلي حضور المالك وطلبه كما سيذكره المصنف.
ولا يشترط تكرار الإقرار كما في سائر الحقوق, لقوله صل الله عليه وسلم: (من ابدي لنا صفحته .. أقمنا عليه حد الله تعالي)
ولم يفرق بين أن يتكرر أو لا يتكرر, والحديث المذكور رواه مالك [٢/ ٨٢٥] والشافعي [أم٦/ ١٤٥] عن زيد بن أسلم مرسلًا, وأسنده الحاكم [٤/ ٢٤٤] والبيهقي [٨/ ٣٢٩] من روايه ابن عمر بإسناد صحيح علي شرط الشيخين.
وعن أحمد: لا يقطع حتى يقر مرتين, للحديث الآتي في المسأله بعدها.
كل هذا بالنسبه إلي الحر, أما العبد .. فقد تقدم في أول (باب الإقرار) حكم إقراره بالعقوبات وأن السيد يقضي فيه بعمله, بخلاف الحر.
فرع:
لا يجب القطع بالإقرار المطلق بالسرقه, وفي شرب الخمر يجب الحد به. وبالزنا فيه وجهان: أصحهما: لا نوجبه.
والفرق: أن اسم السرقه متحقق فلا قطع كما في الشبهه, والمتبادر من شربه المسكر أنه شربه حرامًا.
стр. 4394
وَالمَذْهبُ: قَبولُ رُجُوعِه. وَمَنْ أَقَرَّ بِعُقُوبَه لله تَعَالَي .. فَالصَّحِيحُ: أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يُعَرِّضَ لَه بِالرُّجُوعِ
ــ
قال: (والمذهب: قبول رجوعه) بالنسبه إلي القطع؛ لأنه حق لله تعالي فيسقط كما يسقط حد الزنا, وقد روي أبو أميه المخزومي: أن النبي صل الله عليه وسلم أتي بلص قد اعترف ولم يوجد معه متاع, فقال رسول الله صل الله عليه وسلم: (ما إخالك سرقت) قال: بلي, فأعاد عليه مرتين أو ثلاثًا, فأمر به فقطع وجيء به, فقال: (استغفر الله وتب إليه) فقال: أستغفر الله وأتوب إليه, فقال: (اللهم تب عليه) ثلاثًا - رواه أبو داوود [٤٣٨٠] والنسائي [سك ٧٤٢٨] وابن ماجه [٢٥٩٧] , وفي سنده مجهول, وأنكر علي إمام الحرمين قوله: متفق علي صحته- فلو لم يكن الرجوع مقبولًا. لم يكن للحث عليه معنيً.
وحاصل ما في المسأله ثلاث طرق: يقبل مطلقًا, لا يقبل مطلقًا, يقبل ويسقط القطع إذا رجع.
قال: (ومن أقر بعقوبه لله تعالي .. فالصحيح: أن للقاضي أن يعرض له الرجوع) فيقول له: لعلك غضبت. لعلك أخذت من غير حرز, وفي الشرب: لعلك لم تعلم أنه مسكر, وفي الإقرار بالزنا: لعلك فاخذت أو قبلت أو لمست؛ لأن النبي صل الله عليه وسلم قال لماعز: (لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت) رواه البخاري.
وقال الإمام: تذكر مسأله الرجوع بحضرته ويذكر حكمها, وقيل: لا يعرض له مطلقًا, وقيل: إن لم يعلم جواز الرجوع .. عرض له , وإلا .. فلا.
كل هذا إذا كان المقر جاهلًا بالحد) إما لقرب عهده بالإسلام أو لكونه نشأ بباديه بعيده عن العلماء, والخلاف في الجواز فقط.
واحترز بـ (حقوق الله تعالي) عن حقوق الآدميين, فلا يتعرض في السرقه لما يسقط الغرم, بل في دفع القطع.
واحترز بـ (الإقرار) عما إذا ثبت بالبينه. فإن القاضي لا يحمله علي الإنكار.
стр. 4395
وَلَا يَقُولُ: ارْجِعْ
ــ
قال: (ولا يقول: ارجع)؛ لأن في ذلك إبطالًا لإقامه الحدود التي أمر الله بها. وفي جواز التعرض للشهود بالتوقف وجهان:
أحدهما: لا يستجيب, وصححه في (البحر).
والثاني: يستجيب, لعموم الأمر بالستر.
وصحح المصنف: أنه إن رأي المصلحه في الستر .. ستر, وإلا .. فلا.
فرع:
يصح العفو عن القطع قبل علم الإمام, لقوله صل الله عليه وسلم في خبر صفوان بن أميه: (هلا كان قبل أن تأتيني به) رواه الشافعي [١/ ٣٣٥] ومالك [٢/ ٨٣٤] وأبو داوود [٤٣٩٤] والنسائي [٨/ ٦٩] وابن ماجه [٢٥٩٥] والبيهقي [٨/ ٢٦٥] والحاكم [٤/ ٣٨٠] وقال: صحيح الإسناد.
وروي: أن الزبير شفع في سارق فقيل له: حتى يبلغ الإمام, فقال: (إذا بلغ الإمام فلعن الله الشافع والمشفع كما قاله رسول الله صل الله عليه وسلم))
وروي: أن معاويه بن أبي سفيان أتي بلصوص فقطعهم حتى بقي واحد منهم فقال [من الطويل]:
يميني أمير المؤمنين أعيذها ... بعفوك أن تلقي نكالًا يشينها
يدي كانت الحسنى فلو تم سترها ... وإن تعدم الحسناء عونًا تعينها
فلا خير في الدنيا وكانت خبيثه ... إذا ما شمالي فارقتها يمينها
فقال معاويه: (كيف أصنع بك وقد قطعت أصحابك؟!) فقالت أم السارق:
يا أمير المؤمنين اجعلها من ذنوبك التي تستغفر الله منها, فخلى سبيله, فكان أول حد ترك في الإسلام).
стр. 4396
وَلَوْ أَقَرَّ بِلَا دَعْوَى أَنَّه سَرَقَ مَالَ زَيْدٍ الغَائِبِ .. لَمْ يُقْطَعْ فِي الْحَالِ، بَلْ يُنْتَظَرُ حُضُورُه فِي الأَصَحِّ،
ــ
وسيأتي حكم الشفاعه في الحدود في تتمه (حد الخمر).
قال: (ولو أقر بلا دعوى أنه سرق مال زيد الغائب .. لم يقطع في الحال, بل ينتظر حضوره في الأصح) أي: ومطالبته, لأنه ربما حضر وذكر: أنه كان أباحه له فيسقط الحد وإن كذبه السارق لأجل الشبهه.
والثاني: يقطع في الحال, لظهور الموجب للقطع, فأشبه ما إذا أقر: أنه زنى بفلانه, فإنه لا يشترط حضورها.
وفي (سنن ابن ماجه) [٢٥٨٨] بسند فيه ابن لهيعه: أن عمرو بن سمره أخا عبد الرحمن بن سمره أتى النبي صل الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله, إني سرقت جملًا لبني فلان, فأرسل إليهم, فقالوا: إنا افتقدنا جملًا لنا, فأمر بقطع يده, فقطعت, فحين وقعت الأرض قال: (الحمد لله الذي طهرني منك أردت أن تدخلي جسدي النار).
فإن قلنا: لا تقطع في الحال .. ففي حبسه إلي حضور المالك أوجه:
أحدها: يحبس إلي أن يقدم, كمن عليه قصاص لغائب أو صبي, وصححه في (الكفايه).
والثاني: لا.
والثالث: إن قصرت المسافه ورجي حضوره عن قرب .. حبس, وإلا .. فلا.
والرابع: إن كانت العين تالفه .. حبس ليغرم, وإن كانت باقيه .. أخذت منه ولم يحبس مطلقًا, ثم إن قربت المسافه .. حبس, أو بعدت .. فلا.
والخامس: إن كانت العين باقيه .. وأخذت منه ولم يحبس مطلقًا, وقال القاضي: إنه المذهب.
стр. 4397
أَوْ أَنَّه أَكْرَه أَمَه عَلَى الزِّنَا .. حُدَّ فِي الحَالِ فِي الأصَحِّ. ويَثْبُتُ بِشَهادَه رَجُلَيْنِ, فَلَوْ شَهدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ .. ثَبَتَ المَالُ وَلَا قَطْعَ، وَيُشْتَرَطُ ذِكْرُ الشَّاهدِ شُرُوطَ السَّرِقَه
ــ
ولو أقر بغصب مال من غائب .. لم يحسبه الحاكم عليه, لأنه لا مطالبه له بمال الغائب إلا أن يموت وله ورثه أطفال, وهل للحاكم انتزاعه منه؟ فيه خلاف تقدم في بابه.
ولو سرق مال صبي أو مجنون .. قال ابن كج: إن انتظرنا حضور الغائب .. انتظر بلوغه وإفاقته, وإلا .. قطعناه في الحال.
قال: (أو أنه أكره أمه غائب علي الزنا .. حد في الحال في الأصح)؛ لأن حد لا يتوقف علي الطلب.
وقال ابن سريج وغيره: ينتظر حضور المالك؛ لاحتمال أن يقر: أنه كان وقفها عليه, فتصير شبهه مسقطه.
قال: (ويثبت) أي: القطع (بشهاده رجلين) كسائر العقوبات غير الزنا, فإنه خص بمزيد عدد لفحش أمره.
قال: (فلو شهد رجل وامرأتان .. ثبت المال ولا قطع) , كما لو علق الطلاق أو العتق علي غصب أو سرقه
العسقلاني ﵀ ما لفظه: (هذه حكايه مختلقه ما أشك أنها من وضع الروافض، ينبغي تبرئه أصحاب رسول الله ﷺ عنها) أهـ كلامه جزاه الله خيرًا
فشهد رجل وامرأتان علي الغصب أو السرقه .. ثبت المال دون الطلاق والعتق, كذا نظره الرافعي هنا, وذكر فيه تفصيلًا في (الشهادات).
وقيل: في ثبوت المال قولان, وهذا بخلاف ما إذا شهدوا بالقتل العمد, فإنه لا يثبت القصاص ولا الديه, وكذلك الحكم لو أقام المدعي شاهدًا واحدًا وحلف معه.
قال: (ويشترط ذكر الشاهد شروط السرقه) , فلا تقبل شهادته مطلقًا , لاختلاف المذاهب فيها, وفي شروط تعلق القطع بها: فلا بد وأن يبين السارق بالإشاره إلي عينه إن كان حاضرًا, ويذكر اسمه ونسبه بحيث يحصل التمييز إن كان غائبًا, ويكفي عند حضوره أن يقول: سرق هذا.
وعن ابن سريج: يشترط أن يقول: هذا بعينه, وليس بشيء.
стр. 4398
وَلَوِ اخْتَلَفَ شَاهدانِ كَقَوْلِه: سَرَقَ بُكْرَه, وَالآخَرِ: عَشِيَّه .. فَبَاطِلَه. وَعَلَي السَّارِقِ رَدُّ مَا سَرَقَ,
ــ
ويجب أن يبين قدر المسروق والمسروق منه وكون السرقه في الحرز.
وعن القاضي أبي الطيب وغيره: أن الشاهد يقول أيضًا: ولا أعلم له فيه شبهه.
وقال صاحب (الشامل) وذكر هذا تأكيد, لأن الأصل عدم الشبهه.
وقد تقدم في (باب الرده) عد المواضع التي لا تسمع فيها البينه إلا مفصله.
قال: (ولو اختلف شاهدان كقوله: سرق بكره, والآخر: عشيه .. فباطله)؛ لأنها شهاده علي فعل لم يتفقا عليه.
وكذا لو قال أحدهما: كبشًا أبيض, وقال الآخر: أسود .. فهما شهادتان علي شيئين مختلفين وبطلانها بالنسبه إلي القطع, وللمشهود له أن يحلف مع أحدهما ويأخذ الغرم, أو معهما ويأخذ غرم ما شهدا به, وهذا يؤخذ من قول (المحرر) لم يثبت بشهادتهما شيء, وهو أولى من تعبير المصنف بـ (البطلان).
ولو شهد واحد بسرقه كبش وآخر بسرقه كبشين .. ثبت الواحد وتعلق به القطع إن بلغ نصابًا.
وكما يشترط التفصيل في الشهاده يشترط في الإقرار بها, فلا يقطع من أقر بالسرقه مطلقًا, لأنه قد يظن غير السرقه سرقه, واسم السرقه يقع علي ما يقطع به وعلى غيره.
قال: (وعلي السارق رد ما سرق) , ففي الحديث الصحيح: (علي اليد ما أخذت حتى تؤديه) , وبمذهبنا قال أحمد.
وقال أبو حنيفه: إن قطع .. لم يغرم, وإن غرم .. لم يقطع.
وقال مالك: إن كان غنيًا .. ضمن, وإلا .. فلا.
لنا: أن القطع لله والغرم للآدمي فلا يمنع أحدهما الآخر.
وكذا إن كان للمسروق منفعه استوفاها أو عطلها .. وجبت أجرتها كالمغصوب, ولو أعاد المال المسروق إلي الحرز .. لم يسقط القطع ولا الضمان عنه.
стр. 4399
فَإِنْ تَلِفَ .. ضَمِنَه وَتُقْطَعُ يَمِينُه, فإن سَرَقَ ثَانِيًا بَعْدَ قَطْعِها .. فَرِجْلُه اليُسْرَى,
ــ
وقال أبو حنيفه: يسقطان.
وعن مالك: لا ضمان ويقطع, كذا في (البحر) , ولو قيل بعكس هذا .. لكان مذهبًا لدرء الحدود بالشبهات.
قال: (فإن تلف .. ضمنه)؛ جبرًا لما فات.
قال: (وتقطع يمينه) بالإجماع وإن كان أعسر.
وقرأ ابن مسعود: (والسارق والسارقه فاقطعوا أيمانهما) , والقراءه الشاذه لخبر الواحد في وجوب العمل, كما جزم به الرافعي والشيخ أبو حامد والقضاه: أبو الطيب والحسين والماوردي والمَحاملي, ونص عليه في موضعين من (البويطي).
وقال إمام الحرمين: الظاهر من مذهب الشافعي: أنه لا يحتج بها, فقلده في ذلك المصنف فجزم به في (شرح المسلم) في قوله: (شغلونا عن الصلاه الوسطى صلاه العصر) وفي غيره, والصواب: الأول.
وأورد الإمام في (البرهان) علي الحنفيه أنهم يقولون: القراءه الشاذه يعمل بها, وعندهم العدل إذا انفرد في الحديث بزياده لا يقبل خبره, مثل: (علي كل حر وعبد من المسلمين) , ولا شك أن القراءه الشاذه راويها عدل انفرد, فينبغي أن لا تقبل كغيره.
والحكمه في قطع اليمين: أن البطش بها أقوى فكانت البداءه بها أردع.
وفي (معجم الطبراني) [طب ١٨/ ٢٩٩]: (أن النبي صل الله عليه وسلم أتي بسارق فقطع يمينه) , وكذا فعله الخلفاء الراشدون.
وظاهر قوله: (وتقطع يمينه) أن الإمام لو وكله في قطعها فباشر ذلك من نفسه .. لا يقع الموقع , وهو كذلك كما صرح به الرافعي في (الوكاله).
قال: (فإن سرق ثانيًا بعد قطعها .. فرجله اليسري)) , لما روي الشافعي: أن
стр. 4400
وَثَالَثًا .. يَدَه اليَسْرَى, وَرَابِعًا .. رِجْلُه اليُمْنَى, وَبَعْدَ ذَلِكَ .. يُعَزَّرُ
ــ
النبي صل الله عليه وسلم قال في السارق: (أن سرق .. فاقطعوا يده, ثم إن سرق .. فاقطعوا رجله) , وكذا فعله أبو بكر وعمر ولا مخالف لهما.
وإنما يقطع بعد اندمال اليد لئلا يفضي التوالي إلي الهلاك, وخالف موالاتهما في الحرابه, لأن قطعهما ثم حد واحد.
قال: (وثالثًا. ويده اليسرى, ورابعًا .. رجله اليمني)) , للخبر المذكور.
قال القفال: والمعني في هذا الترتيب: أن اعتماد السارق في السرقه علي البطش والمشي, فإنه بيده يأخذ وبرجله ينقل فتعلق القطع بهما, وإنما قطع في الثالثه, لأن اعتماد السرقه علي البطش والمشي, ولم يكن بد من تفويت أحد جنسي المنفعه فقدم الأهم قياسًا علي المحاربه, فإن الرجل اليسرى تقطع بعد اليد اليمني, لأن السرقه مرتين تعدل الحرابه شرعًا.
وقال أبو حنيفه وأحمد: إن سرق ثالثًا .. لم يقطع. بل يعزر.
لنا: ما سبق.
قال: (وبعد ذلك .. يعزر) , لأن القطع ثبت بالكتاب والسنه ولم يثبت بعد ذلك شيء, والسرقه معصيه فتعين التعزيز.
стр. 4401
وَيُغْمَسُ مَحَلُّ قَطْعِه بِزَيْتٍ أَوْ دُهن مَغْلِيٍّ,
ــ
وعن القديم قول: إنه يقتل بعد الرابعه, لما روي الأربعه) عن جابر قال: جيء بسارق إلي رسول الله صل الله عليه وسلم فقال: (اقتلوه) قالوا: إنما سرق! قال: (اقطعوه) , ثم جيء به ثانيًا فقال: (اقتلوه) قالوا: إنما سرق! قال (اقطعوه)، ثم جيء به ثالثه، , فأمر بقتله, فقالوا: إنما سرق! فقال: (اقطعوه) , ثم جئ به بعد الرابعه, فأمر بقتله, فقتلوه.
والجواب: أنه ضعيف, وانعقد الاجتماع علي خلافه, وعلى تقدير صحته أجيب عنه بأنه منسوخ, وقيل: مؤول بالمستحل.
قال: (ويغمس محل قطعه بزيت أو دهن مغلي) لينقطع الدم, لأنه لو استمر .. هلك.
وفي (المستدرك) [٤/ ٣٨١] عن أبي هريره: أن النبي صل الله عليه وسلم أتى بسارق شمله, فقالوا: يا رسول الله؛ إن هذا سرق, فقال: (ما أخاله سرق) فقال السارق: بلى يا رسول الله, فقال صل الله عليه وسلم: (اذهبوا به فاقطعوا يده واغمسوه بزيت).
والمعنى فيه: سد أفواه العروق لينقطع الدم.
وقوله: (بزيت أو دهن) يقتضي امتناعه بغيرهما, لكن الشافعي في (الأم) اقتصر علي الحسم بالنار, وكذلك الشيخ أبو محمد والماوردي في (الإقناع) وابن سراقه.
وقال الشاشي: بالزيت أو النار.
وفصل الماوردي في (الحاوي) , فجعل الزيت للحضري والنار للبدوي؛ لأنها عادتهم.
وقوله: (مغلي) بفتح الميم, من أغليت, يقال: غلت القدر تغلي غليًا وغليانًا وأغليتها أنا, ولا يقال: غليت كما تقدم في (صلاه الجمعه).
стр. 4402
قِيلَ: هوَ تَتِمَّه لِلْحَدِّ, وَالأَصَحُّ: أَنَّه حَقٌ لِلْمَقْطُوعِ؛ فَمُؤْنَتُه عَلَيْه, وَلِلإِمَامِ إهمَالُه
ــ
قال: (قيل: هو تتمه للحد) , فيجب علي الإمام فعله, ومؤنته في بيت المال) , لأن فيه زياده إيلام, وما زال الولاه يفعلونه على كراهه من المقطوعين. ولم يراعوا ذلك في قطع الأطراف قصاصًا.
قال: (والأصح: أنه حق للمقطوع؛ فمؤنته عليه, وللإمام إهماله)؛ لأن الغرض المعالجه ودفع الهلاك عنه بنزف الدم.
وما صححه من وجوب المؤنه عليه محله: إذا لم ينصب الإمام من يقيم الحدود ويرزقه من المصالح, فإن فعل ذلك .. لم يجب علي المقطوع, وهذه المسأله مكرره, لأنه سبق من المصنف في (باب القصاص) أن أجره الجلاد علي الجاني.
فرع:
إذا أريد قطع يد السارق سيق إلى موضع القطع من غير عنف ولا سب ولا تعيير, ويجلس إن أمكن, وتخلع يده بحبل وتجر بعنف, ثم تقطع بحديده ماضيه دفعه واحده.
ويستحب أن تعلق في عنقه تنكيلًا, لأن النبي صل الله عليه وسلم أمر بذلك, رواه أبو داوود [٤٤١١] والنسائي [٨/ ٩٢] وابن ماجه [٢٥٨٧] , وحسنه الترمذي [١٤٤٧].
стр. 4403
وَتُقْطَعُ الْيَدُ مِنَ الكُوعِ, والرِّجْلُ مِنْ مَفْصِلِ القَدَمِ
ــ
وقيل: تعلق ثلاثه أيام, وقيل: لا تعلق, والخبر ضعيف, لأن في إسناده الحجاج بن أرطاه, وقيل: الأمر فيه إلي رأي الإمام.
ولا يقطع في حر ولا برد شديدين, ولا الحامل حتى تضع وتبرأ من النفاس, ولا في مرض يرجى برؤه.
قال: (وتقطع اليد من الكوع) بالإجماع.
وفي (الدارقطني) [٣/ ٢٠٤]: أن النبي صل الله عليه وسلم أمر بذلك في سارق رداء صفوان.
وروي البيهقي عن أبي بكر وعمر أنهما قالا: إذا سرق السارق فاقطعوا يده من الكوع).
وروي البخاري عن علي: أنه قطع منه.
والمعنى فيه: أن البطش بالكف, وما زاد من الذراع تابع, ولهذا يجب في الكف ديه اليد.
وعن بعض السلف: تقطع من الأصابع, لأن اليد تطلق عليها, قال تعالى:
﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هاذَا مِنْ عِنْدِ اللَّه﴾
وإنما يكتب بالأصابع.
والجواب: أن الكتابه تكون بالقلم, ولو كان المراد ما باشرته .. لكانت ثلاثه أصابع.
واستدلوا أيضا بما في (البخاري) عن ابن عباس [٥٤٥٦]: أن النبي ﷺ قال: (إذا أكل أحدكم طعامًا .. فلا يمسح يده حتى يلعقها أو يلعقها).
وقال الخوارج: تقطع اليد من المنكب, لأنها حقيقه في ذلك.
و (الكوع) تقدم بيانه في (الديات).
قال: (والرجل من مفصل القدم) , لما رواه سعيد بن منصور وابن المنذر عن
стр. 4404
وَمَنْ سَرَقَ مِرَارًا بِلَا قَطْعٍ .. كَفَتْ يَمِينُه وَإِنْ نَقَصَتْ أَرْبَعَ أَصَابعَ. قَلْتُ: وَكَذَا لَوْ ذَهبَتِ الخَمْسُ فِي الأَصَحِّ, وَالله أَعْلَمُ. وَتُقْطَعُ يَدٌ زَائِدَه إِصْبَعًا فِي الأَصَحْ,
ــ
عمر: أنه كان يقطع رجل السارق من المفصل.
وعن أبي ثور: تقطع من معقد الشراك, وهو مذهب علي.
و (المفصل) تقدم: أنه بفتح الميم وكسر الصاد, واحد مفاصل الأعضاء.
قال: (ومن سرق مرارًا بلا قطع .. كفت يمينه) , لأن السبب واحد فتداخلت لحصول الحكمه, وهو الزجر, وقياسًا على حد الزنا والشرب مرارًا.
فإن قيل: إذا لبس في الإحرام أو تطيب في مجالس .. تعددت الكفاره على الصحيح مع أن السبب واحد؟ .. فالجواب: أن في ذلك حقًا لآدمي, لأن الكفاره تصرف إليه فلم تتداخل, بخلاف الحد.
قال: (وإن نقصت أربع أصابع) فيكتفي بها, لحصول الإيلام والتنكيل, ولإطلاق اسم اليد عليها مع نقص أصابعها كما تطلق عليها مع زيادتها, فشملها عموم الآيه.
ومقتضى كلام المصنف: أنه لا خلاف في ذلك, وليس كذلك, ففي (شرح الكفايه) للصيمري: إن ذهب أكثر الأصابع .. قطعت رجله اليسرى.
وحكى الرافعي عن القاضي أبي حامد: أن يمينه إن نقصت الإبهام .. لم تجزئ.
قال: (قلت: وكذا لو ذهبت الخمس في الأصح والله أعلم) , لما ذكرناه, وهذا الذي صححه الأكثرون, ورواه الحارث بن شريح البقال.
والثاني: لا يكفي, بل تقطع الرجل اليسرى, لأن اليد عباره عما يبطش ولم يبق من آله البطش شيء, وهو محكي عن النص, فكان ينبغي أن يعبر بـ (الأظهر).
ويجري الخلاف فيما لو سقط بعض الكف وبقي محل القطع.
قال: (وتقطع يد زائده إصبعا في الأصح)؛ لإطلاق الآيه, فإن اسم اليد يتناولها, ولا يشبه القصاص؛ فإنه مبني علي المساواه, والمقصود هنا الزجر والتنكيل.
стр. 4405
وَلَوْ سَرَقَ فَسَقَطَتْ يَمِينُه بِآفَه .. سَقَطَ القَطْعُ, أَوْ يَسَارُه .. فَلَا عَلَى المَذْهبِ
ــ
والثاني: لا تقطع, كما لا تقطع في القصاص ست أصابع بخمس.
فعلى هذا: تقطع الرجل اليسرى.
قال: (ولو سرق فسقطت يمينه بآفه) أي: أو بجنايه) .. سقط القطع)؛ لأنه تعلق بعينها وقد زالت.
وقيل: يعدل إلى الرجل, كما لو فات محل القصاص, وكذا لو شلت يده بعد السرقه وخشي من قطعها تلف النفس .. فهو كما لو سقطت.
وقوله: (بآفه) يقتضي: أنها لو سقطت بقصاص أو غيره .. لم يسقط ويعدل إلي الرجل, وليس كذلك, بل لا فرق, قاله القاضي حسين والبغوي والروياني.
قال: (أو يساره .. فلا علي المذهب) , لوجود اليمين, وهي محل القطع.
وعن أبي إسحاق: أن القطع يسقط في اليمين علي قول كما في مسأله الجلاد, قال الرافعي: وضعفه كل من نقله.
تتمه:
لو كان علي معصمه كفان ولم تتميز الأصليه منهما .. فالمنقول: أنهما تقطعان.
وعن البغوي: تقطع إحداهما, واستحسنه الرافعي, وجزم به في (التحقيق) , وصوبه ف ي (شرح المهذب) , وصححه ابن الصلاح.
وعلى هذا: لو سرق ثانيًا .. قطعت الثانيه.
لكن يشكل على المصنف: أنه صحح في الخنثى المشكل كما سبق في موضعه:
أنه لا يختن في أحد فرجيه, معللًا بأن الجرح مع الإشكال ممتنع.
ولو قيل بإجراء وجه ثالث: أنه لا تقطع واحده منهما .. لم يبعد؛ لأن الزائده لا يجوز قطعها وقد التبست بالأصليه.
стр. 4406
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خاتمه
روى أحمد [٦/ ٤٥] وأبو داوود [١٤٩٢] عن عطاء عن عائشه: أن النبي صل الله عليه وسلم قال لها وقد دعت عليى سارق سرق لها ملحفه: (لا تسبخي عنه بدعائك عليه).
ومعناه: لا تخففي عنه الإثم الذي استحقه بالسرقه.
قال الخطابي: ومن هذا سبائخ القطن, وهي القطع المتطايره عند الندف, وقال الشاعر:
فسَبخ عليك الهم واعلم بأنه ... إذا قدر الرحمن شيئًا فكائن
وهذا يدل على أن الظالم يخفف عنه بدعاء المظلوم عليه, ويدل له ما رواه أحمد في (كتاب الزهد) عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: بلغني أن الرجل ليظلم مظلمه, فلا يزال المظلوم يشتم الظالم وينتقصه حتى يستوفي حقه ويكون للظالم الفضل عليه.
وفي (الترمزي) [٣٥٥٢] عن عائشه: أن النبي صل الله عليه وسلم قال: (من دعا على من ظلمه .. فقد انتصر).
وفي (كتاب اللطائف) للقاضي أبي يوسف: أن امرأه من بني إسرائيل كانت صوامه قوامه سرقت لها امرأه دجاجه, فنبت ريش الدجاجه في وجه السارقه وعجزوا عن إزالته عن وجهها, فسألوا عن ذلك بعض علمائهم فقال: لا يول هذا الريش إلا بدعائها عليها, قال: فأتتها عجوز فذكرتها بدجاجتها, فلم تزل بها إلى أن دعت علي سارقتها دعوه, فسقطت من وجهها ريشه, فلم تزل تكرر ذلك إلي أن سقط جميع الريش.
فإن قيل: مدح الله المنتصر من البغي, ومدح العافي عن الجرم؟ .. قال ابن العربي: فالجواب: أن الأول محمول على ما إذا كان الباغي وقحًا ذا جرأه وفجور, والثاني على من وقع منه ذلك نادرًا, فتقال عثرته بالعفو عنه.
وقال الواحدي: إن كان الانتصار لأجل الدين .. فهو المحمود, وإن كان لأجل
стр. 4407
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النفس. فهو مباح لا يحمد عليه.
واختلف العلماء في التحليل من الظلامه علي ثلاثه أقوال:
فكان ابن المسيب لا يحلل أحدًا عرض ولا مال.
وكان سليمان بن يسار وابن سيرين يحللان منهما.
ورأى مالك التحليل في العرض دون المال.
стр. 4408
باب قاطع الطريق
ــ
باب قاطع الطريق
سمي بذلك؛ لامتناع الناس من المرور خوفًا منه. وجمعه: قطاع وقطع, كحائض وحيض.
و (الطريق) تذكر وتؤنث.
والأصل في الباب: قوله تعالي:
﴿إِنَّمَا جَزَآءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُولَه وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآيه.
قال عامه الفقهاء: نزلت في قطاع الطريق من المسلمين وغيرهم).
وفي (سنن أبي داوود) [٤٣٦٩]: أنها نزلت في العرنيين, وحديثهم في) الصحيحين).
وفي (النسائي) [٧/ ١٠١]: أنها نزلت في المحاربين من الكفار لأن محاربه الله والرسول إنما تكون منهم, والأول أصح, لقوله تعالي:
﴿إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْه﴾
ولو كان المراد: الكفار .. لم يسقط عنهم القتل وإن تابوا بعد القدره, والمحاربه لله ولرسوله قد تكون من المسلمين, وقال تعالى:
﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِه﴾ , وقال صل الله عليه وسلم: قال الله تعالى: ﴿من آذي لي وليًا .. فقد آذنته بالمحاربه﴾
стр. 4409
هوَ مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ لَه شَوْكَه،
ــ
وانعقد الاجتماع علي أصل حدهم.
قال: (هو مسلم مكلف له شوكه) , فالكفار ليس لهم حكم قطاع الطريق وإن أخافوا السبيل وتعرضوا للأنفس والأموال, عملًا بمقتضي سبب نزول الآيه.
والمراهقون لا عقوبه عليهم, لكن يضمنون المال والنفس كما في غير قطع الطريق.
و (الشوكه) شده اليأس والنجده.
والمراد هنا: أن يعتمدوا العدد والقوه وشهر السلاح, ويستوي فيه السيف والدبوس والقوس والعصا, قال البندنيجي: وكذا الحجاره, قال القاضي حسين: ويكفي اللكم واللطم باليد من القوي.
وما ذكره من اشتراط الإسلام تبع فيه (المحرر) , ومقتضاه: أن أهل الذمه لا يكونون قطاعًا, وجرى عليه في (الكفايه) , وأغرب فنقله عن الأصحاب, وهو لا يعرف لغير الرافعي, والصواب: أن حكمهم حكم المسلمين في ذلك, لالتزامهم الأحكام؛ فقد نص الشافعي عليه في (الأم) صريحًا, وحكاه عنه ابن المنذر في (الأشراف) , فالصواب: التعبير بالتزام الأحكام ليخرج الحربي, وكذا المعاهد في الأصح, فإنهما لا يضمنان نفسًا ولا مالًا.
стр. 4410
لَا مُخْتَلِسُونَ يَتَعَرَّضُونَ لِآخِرِ قَافِلَه يَعْتَمِدُونَ الْهرَبَ. وَالَّذِينَ يَغْلِبُونَ شِرْ ذِمَه بِقُوَّتِهمْ قُطَّاعٌ فِي حَقِّهمْ، لَا لشقَافِلَه عَظِيمَه، وَحَيْثُ يَلْحَقُ غَوْثٌ فَلَيْسُوا بِقُطَّاعٍ، وَفَقَدُ الْغَوْثِ يَكُونُ لِلْبُعْدِ أَوْ لِضَعْفٍ، ......
ــ
وكان ينبغي أن يستثني السكران من (المكلف) علي رأيه كما فعل في (الطلاق) وغيره؛ فإن له حكم القاطع وليس بمكلف عنده.
وفهم من عبارته: أنه لا يشترط في قاطع الطريق الذكوره, وهو كذلك, فلو اجتمع نسوه لهن قوه وشوكه .. فهن قاطعات طريق, قال الشافعي: لأني وجدت الأحكام علي الرجال والنساء في الحدود واحده.
وقال أبو حنيفه: لا حد علي المرأه, ويلزمها القصاص بالقتل وضمان المال.
وكذلك لا يشترط شهر السلاح ولا العدد, بل الواحد إذا كان له فضل قوه يغلب بها الجماعه .. فهو قاطع طريق.
قال: (لا مختلسون يتعرضون لآخر قافله يعتمدون الهرب) , فليسوا قطاع طريق, لعدم الشكوه , بل حكمهم كيرهم في القصاص والضمان.
قال: (والذين يغلبون شر ذمه بقوتهم قطاع في حقهم) وإن لم يكثر عددهم؛ لاعتمادهم علي الشوكه بالنسبه إلي الشر ذمه.
و (الشرذمه) بالذال المعجمه: الطائفه من الناس.
قال: (لا لقافله عظيمه) , لأنه يتأتى دفعهم ومقاومتهم, وإنما هم مختلسون.
قال: (وحيث يلحق غوث) أي: بالسلطان القوي وغيره (فليسوا بقطاع) , بل منتهبون؛ لإمكان الاستغاثه.
قال: (وفقد الغوث يكون للبعد أو لضعف) أي: لبعد السلطان وبعد أعوانه, أو لضعف السلطان, لتمكنهم من الاستيلاء والقهر مجاهرة.
و (الغوث) الاستغاثه, وهو: أن يقول الرجل: واغوثاه.
ولو دخل جمع بالليل دارًا ومنعوا أهلها من الاستغاثه مع قوه السلطان وحضوره.
فالأصح: أنهم قطاع, وقيل: مختلسون, وقيل: سراق.
стр. 4411
وَقَدْ يَغْلِبُونَ وَاَلُحَالَه هذِه فِي بَلَدٍ فَهمْ قٌطَّاعٌ. وَلَوْ عَلِمَ اٌلِإمَامُ قوْمًا يُخِيفُونَ اٌلطَّرِيقَ وَلَمً يَاخُذُوا مَالًا وَلاَ نَفُسًا .... عَزَّرَهمٌ بِحَبْسٍ وَغَيْرِه, وَإِذَا أَخَذَ اَلَقَاطِعُ نِصَابَ اَلسَّرِقِه .... قَطَعَ يَدَه اَليُمْنَى وَرِجلَه اَليُسْرَى,
ــ
قال: (وقد يَغلبون والحاله هذه) أي: عند ضعف السلطان أو بعده أو بعد أعوانه (في بلد فهم قطاع) , لوجود الشروط فيهم.
وأبو حنيفه لا يرى الخارجين من البلد قطاعًا, زاد مالك: ولا قريبًا منه بثلاث مراحل.
قال: (ولو علم الإمام قومًا) وكذا واحدًا (يخيفون الطريق ولم يأخذوا مالًا ولا نفسًا .. عزرهم بحبس وغيره) , لأنهم تعرضوا للدخول في معصيه عظيمه, فيعزرهم علي ذلك كما يُعزَّر علي مقدمات الزنا والشرب والسرقه, وهذا تفسير النفي من الأرض في الآيه الكريمه.
وعباره (المحرر) و (الشرح) ينبغي أن يعزرهم, وعباره (الروضه) كعباره الكتاب, والأمر في الجنس هذا التعزير وقدره راجع إلي الإمام.
وقيل: يتعين الحبس.
فعلى الأصح: للإمام ترك تعزيرهم إن رآه مصلحه.
وعلي الثاني: ليس له إلا أن تظهر توبتهم, لأن سببه قطع الطريق فيتحتم كالقطع, وإذا أراد حبسهم ..... قال ابن سريج: الأولى حبسهم في غير موضعهم, لأنه أحوط وأبلغ في الزجر
والإيحاش.
وقيل: يتقدر حبسهم لسته أشهر, كيلا يزيد علي تغريب العبد الزاني, وقيل: يتقدر بسنه,
وقيل: يضرب دون ثمانين, وقيل: بالنفي إلى حيث يراه.
وكلام المصنف صريح في أن الإمام يقضي فيهم بعلمه وإن قلنا: لا يقضي به في الحدود, لما في ذلك من حق الآدمي.
وظاهر كلامه: الجمع بين الحبس والتغريب, وسيأتي نظيره في التعزير.
قال: (وإذا أخذ القاطع نصاب السرقه .... قطع يده اليمني ورجله اليسري) , لأنه
стр. 4412
فَإِنْ عَادَ .... فَيُسْرَاه وَيُمٌنَاه, ......
ــ
حد واحد, سواء كان النصاب لواحد أو جماعه, فإن أخذ دون النصاب .... عزر من غيرقطع,
وتعتبر القيمه في موضع الأخذ إن جرت العاده فيه بالبيع والشراء, وإلا ... فيعتبر أقرب موضع إليه, ولا تعتبر قيمته عند استسلام الناس لأخذ أموالهم, لأنه لا قيمه له في تلك الحاله.
ويبدأ بقطع يده ثم برجله ويحسم موضع القطع منهما كما في السارق, ويجوز أن تحسم اليد ثم تقطع الرجل, وأن تقطعا جميعًا ثم تحسما, ولا يشهر المقطوع بعد قطعه, إلا أن يرى الإمام ذلك رادعًا لأهل الفساد.
ويدفن المقطوع إلا أن يري الإمام إبقاءه معه لينزجر الناس به, فإن التمسها المقطوع .. فهو أحق بها ليتولى دفنها, فإن أراد استبقاءها لتدفن معه إذا مات .... منع.
قال: (فإن عاد ... فيسراه ويمناه) , للآيه المتقدمه, وهي وإن اقتضي ظاهرها التخيير ..
فالمراد بها: الترتيب, لقول ابن عباس وغيره في القطاع: (إذا قتلوا وأخذوا المال ... قتلوا وصلبوا, وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال ... قتلوا ولم يصلبوا, وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا .. قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف) وهذا من ابن عباس إما بتوقيف أو لغه, وكلاهما حجه لا سيما وهو ترجمان القرآن.
ووقع في (الوسيط) أن النبي صلي الله عليه وسلم فسره بذلك, والصواب: أنه من كلام ابن عباس.
ولأن الله تعالى بدأ بالأغلظ, فكان مرتبًا ككفاره الظهار والقتل, فلو اريد التخيير .... لبدئ بالأخف ككفاره اليمين , وهكذا عُرْف القرآن.
وإنما قطع من خلاف, لئلا يفوت جنس المنفعه, فاليمين لأخذ المال, والرجل لأجل المحاربه.
وكلام المصنف يفهم: أنه لا يشترط أن يكون من حرز, وهو وجه, لأن الحرز
стр. 4413
وَإِنْ قَتَلَ .... قُتِلَ حَتْمًا,
ــ
لا يؤثر مع القاهر, ولأنه تفاحشت جنايته فغلظ عليه, لكن المشهورالذي جزم به الأكثرون: أنه يعتبر.
والحرزهنا: أن يكون مع مالكه أو بحيث يراه ويقدر أن يدفع عنه من ليس بغالب, فإذا كان المأخوذ دون نصاب ... فلا قطع في الأصح, وإذا كان له فيه شبهه كالوالد يأخذ مال الولد أو عكسه ... ففيه قولان:
أحدهما: لا قطع كالسرقه.
والثاني: تقطع يده ورجله, لأنه محض حق الله تعالى, فإذا كانت يده اليمنى ورجله اليسرى مفقودتين عند المحاربه .. نزل ذلك منزله أخذه المال مره ثانيه, فتقطع يده اليسرى ورجله اليمنى.
فلو كانت يمناه أو رجله اليسرى مفقوده ... فالأصح: الاكتفاء بالموجوده.
والثاني: أن الموجود يتبع المفقود.
قال: ﴿وإن قَتل﴾ أي: عمدًا محضًا عدوانًا من يكافئه وهو معصوم, وكان القتل لأخذ المال) .. قتل حتمًا) , لقوله تعالى ﴿أَن يُقَتَّلُواُ﴾ فأوجب القتل وحتمه, لأن كل معصيه فيها عقوبه في غير المحاربه تجب فيها زياده عند المحاربه كأخذ المال, ولا زياده هنا إلا التحتم,
ومعناه: أنه لا يسقط بعفو ولي القصاص ولا بعفو السلطان, ويستوفيه الإمام, لأنه حد من حدود الله تعالى.
قال الشيخ عز الدين: وإنما تحتم كما تحتم حد الزنا من جهه: أنهم ضموا إلي جنايتهم إخافه السبيل في منع كل مجتاز بها, بخلاف من قتل إنسانًا أو سرق ماله في خفيه.
ثم بعد القتل يدفع إلي أهله ليغسلوه ويصلوا عليه.
وقال أبو حنيفه: لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه كالباغي.
وحكم الجرح في المحاربه والموت بعد أيام قبل الظفر والتوبه حكم القتل صبرًا,
стр. 4414
وَإِنْ قَتَلَ وَأَخَذَ اَلْمَالَ ... قُتِلَ ثُمَّ صُلِبَ ثَلاَتًا ثُمَّ يُنَزَّلُ, وَقِيلَ: يَبْقَى حَتَّى يَسِيلَ صَدِيدُه,
وَفِي قَوْلٍ: يُصْلَبُ قَلِيلًا ثُمَّ يُنَزَّلُ فَيُقْتَلُ
ــ
قاله الإمام, وأبدي احتمالًا– ورجحه-: أنه لا يتحتم.
أما إذا قتل خطأ أو شبه عمد ... فإنه لا يُقتل, وحكم الديه كما في غير المحاربه, ولو قتل معصومًا لا يكافئه عمدًا .... لم يقتل به في الأصح.
قال: (وإن قَتل وأخذ المال) أي: نصابًا) ... قُتل ثم صلب ثلاثًا يُنزَّل) , لما تقدم عن ابن عباس.
وإنما صلب بعد القتل, لأن في صلبه قبله زياده تعذيب, وقد نهي رسول الله ﷺ عن تعذيب الحيوان كما رواه البخاري وأبو داوود [(٢٨٠٧)].
والحاكم, وقال: (إذا قتلتم ... فأحسنوا القتله).
وإنما صلب ثلاثًا, ليشتهر الحال ويتم النكال, فإن خيف تغيره قبل الثلاث فقيل: يبقى مصلوبًا حتى يتم الثلاث، لظاهر النص.
والأصح: أنه ينزل، لئلا يفوت الغسل وغيره, وحمل النص علي زمن البرد.
وشرط بعضهم: أن لا يتأذى به الأحياء.
قال: (وقيل: يبقي حتي يسيل صديده) , لأن في ذلك أشتهار الحاله,
وقال في (الروضه) ويتهرأ ولا ينزل بحال.
والصلب علي خشبه ونحوها, وقيل: يطرح بالأ رض حتي يسيل صديده.
و) الصديد) ماء رقيق يخرج من الجرح مختلط بدم.
والخشبه التي يصلب عليها سميت صلبيًا, لسيلان صليب المصلوب عليها.
قال: (وفي قول: يصلب قليلًا ثم يُنزَّل فيقتل) , لأن الصلب إذا كان عقوبه ...
وجب أن يكون في الحياه, لأنه لا حد علي ميت, ولأنه أزجر, وبه قال أبو حنيفه.
стр. 4415
وَمَنْ أَعَانَهُم وَكَثَّرَ جَمْعَهُم ... عُزِّرَ بِحَبْسٍ وَتَغْرِيبٍ وَغَيرِهمَا, وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ التَّغْرِيبُ إِلَى حَيَثُ يَرَاه
ــ
وعلى هذا: كيف يقتل؟ أيترك بلا طعام ولا شراب حتى يموت أو يجرح حتي يموت أو يترك مصلوبًا ثلاثًا ثم ينزل فيقتل؟ فيه أوجه, والوجه الثالث أقرب إلي ما في الكتاب, فإن الثلاثه قليل.
فروع:
الأول: تقام عليهم الحدود في الموضع الذي حاربوا فيه إذا شاهدهم فيه من يرتدع بهم من الناس, فإن كانوا في مفازه .... ففي أقرب بلد.
الثاني: إذا مات حتف أنفه ... روي الحارث بن شريح البقال عن الشافعي: أنه لا يصلب بعد موته, والفرق: أن قتله حد يستوفي فيكمل بصلبه, وموته مسقط لحده , فسقط تابعه.
وخرج بعض الأصحاب وجها: أنه يصلب.
الثالث: إذا قلنا بالصحيح: أنه يقتل ثم يصلب ... فالأصح: أنه يغسل ويكفن ويصلى عليه ثم يصلب مكفنًا.
قال: (ومن أعانهم وكثر جمعهم .. عزر بحبس وتغريب وغيرهما) كسائر المعاصي, وروى أبو يعلي الموصلي: أن النبي ﷺ قال: (من كثر سواد قوم .. فهو منهم)
و (الواو) في قوله: (بحبس وتغريب وغيرهما) بمعني (أو) كما صرح به في (المحرر)
وفيه الخلاف السابق في المخيف كما أشار إليه الماوردي.
قال: (وقيل: يتعين التغريب إلي حيث يراه) أي: الإمام, لأن النفي عقوبه مقصوده يرجع فيها إلي رأي الإمام، وعلي هذا: هل يعزره في المنفي إليه بضرب وحبس وغيرهما أو يكفي النفي؟ فيه وجهان:
следующие страницы →