← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13783

النجم الوهاج في شرح المنهاج

الدميري

Полный текст (5 377 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

وَلَوْ أَسَرُوا مُسْلَمًا .. فَالأَصَحُّ: وُجُوبُ النُّهُوضِ إِلَيْهِمْ لِخَلاَصِهِ إِنْ تَوَقَّعْنَاهُ. فَصْلٌ: يُكْرَهُ غَزْوٌ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، ــ والأصح: اشتراط وجود المركوب لمن على مسافة القصر، وكذلك يشترط وجود الزاد كالحج. قال: (ولو أسروا مسلمًا .. فالأصح: وجوب النهوض إليهم لخلاصه إن تو قعنا)؛ لقوله ﷺ : (فكوا العاني) رواه البخاري [٣٠٤٦]. والتوقع بأن يكونوا قريبين، ويكون ذلك كدخولهم الدار؛ لأن حرمة المسلم أعظم من حرمة الدار. والثاني: المنع؛ لأن تحريك الجنود لواحد يقع في الأسر بعيدٌ. تتمة: محل ما ذكره المصنف إذا لم يتوغلوا في بلادهم، فإن توغلوا فيها ولم يمكن التسارع إليهم .. فإنا نضطر إلى الانتظار، كما لو دخل ملك عظيم الشوكة طرف بلاد الإسلام .. فإنه لا يتسارع إليه آحاد الناس. قال: (فصل: يكره غزو إذن الإمام أو نائبه) أصل الغزو الطلب، يقال: ما مغزاك، أي: ما مطلوبك، فالغازي يطلب إعلاء كلمة الله والغنيمة، فيكره له ذلك بغير إذن الإمام أو نائبه؛ لأنه على حسب الحاجة، وهما أعرف بذلك، وقال في (المرشد) لا يجوز بغير إذنهما، وهو مشهور مذهب أبي حنيفة. ورد بأنه ليس في أكثر من التغرير بالنفس، وهو جائز في الجهاد. وأستدل الشافعي للجواز؛ بأن النبي ﷺ ذكر الجنة، فقال له رجل من الأنصار: إن قتلت يا رسول الله ما لي؟ قال: (إن قتلت صابرًا محتسبًا .. فلك الجنة فانغمس في العدو فقتل، رواه الحاكم [٢/ ٩٣] من رواية أنس، وقال: صحيح على شرط مسلم.

стр. 4517

وَيُسَنُّ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أِنْ يُؤَمِّرَ عَلَيْهِمْ ــ فإذا جاز للواحد أن يقدم على من الأغلب أنهم يقتلونه .. كان هذا في الغير وبغير إذن الإمام أولى. ومقتضى إطلاق المصنف وغيره: أنه لا فرق بين المرتزقة وغيرهم، والظاهر: أنه مخصوص بالمتطوعة، أما المرتزقة .. فليس لهم الخروج بغير إذن الإمام؛ لأنهم مرصدون لمهمات تعرض للإسلام يصرفهم الإمام فيها على مقتضى نظره فيهم بمنزلة الأُجراء، قال: (ويسن إذا بعث سرية أن يؤمِّر عليهم)؛ لما روى مسلم [١٧٣١] عن بريدة بن الحصيب قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرًا قال: (اغزوا باسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله). وجعل ابن سريج التأمير في الجهاد واجبًا؛ لأن تركهم فوضي يؤدي إلى اختلاف كلمتهم وتنازعهم، ولأن العدو إنما يفزع من رئيس القوم، فإذا لم يكن فيهم زعيم حصل الطمع فيهم. قال في (الأم) ولا ينبغي أن يولي الإمام الغزو إلا ثقة في دينه، شجاعًا في بدنه حسن الأناة، عارفًا بالحرب، غير عجل ولا نزق، شجاعًا يثبت عند الهرب، ويتقدم عند الطلب، وأن يكون ذا رأي في السياسة والتدبير؛ ليسوس الجيش على اتفاق الكلمة والطاعة وتدبير الحرب في انتهاز الفرصة، وأن يكون من أهل الاجتهاد في أحكام الجهاد. وفي اعتبار كونه من أهل الاجتهاد في الأحكام الدينية وجهان. و (السرية) قطعة من الجيش أربع مئة ونحوها ودونها، وجمعها: سرايا، سميت بذلك؛ لأنها تسري في الليل، وقيل: لأنها خلاصة العسكر وخياره. روى ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: (خير الأصحاب أربعة، وخير السرايا أربع مئة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب اثنا عشر ألفًا من قلة) كذا رواه الترمذي [١٥٥٥] وأبي داوود [٢٦٠٤]، زاد أبو يعلي الموصلي [٢٧١٤]: (إذا

стр. 4518

وَيَاخُذَ الْبَيْعَةَ بِالثَّبَاتِ، وَلَهُ الاِسْتِعَانَةُ بِكُفَّارِ ــ صبروا وصدقوا) زاد العسكري: (وخير الطلائع أربعون). قال: (ويأخذ البيعة بالثبات) أي: حيث توجه عليهم؛ اقتداء برسول الله ﷺ ، فإنه بايع أصحابه تحت الشجرة على أن لا يفروا، ولم يبايعوه على الموت، رواه مسلم [١٨٥٦/ ٦٨]. ويستحب أن يخرج بهم يوم الخميس في أوله؛ لما روى الشيخان [خ ٢٩٥٠] عن كعب بن مالك: أن رسول الله ﷺ كان يحب أن يخرج يوم الخميس. وسيأتي في (القضاء) حديث صخر بن وداعة. ويستحب أن يبعث السرايا يوم الاثنين، وأن يدخل دار الحرب بنفسه؛ لأنه أحوط وأرهب، وأن يدعو عند التقاء الصفين؛ لما روى ابن حبان [١٧٢٠] عن سهل بن سعد: أن النبي ﷺ قال: (ساعتان تفتح فيهما أبواب السماء؛ عند حضور الصلاة، وعند الصف في سبيل الله). وأن يكون لهم شعار؛ لما روى النسائي [سك ١٠٣٧٦] والحاكم [٢/ ١٠٧] عن البراء بن عازب: أن النبي ﷺ قال: (إنكم ستلقون العدو، فليكن شعاركم: (حم) لا ينصرون). قال الخطابي: بلغني عن ابن كيسان النحوي أنه سأل أبا العباس أحمد بن يحيى عنه فقال: معناه: الخبر، ولو كان بمعنى الدعاء .. لكان مجزومًا، أي: لا ينصروا، وإنما هو إخبار، كأنه قال: والله لا ينصرون. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: (حم اسم من أسماء الله تعالى))، فكأنه حلف بالله: أنهم لا ينصرون. قال: (وله الاستعانة بكفار) من أهل الذمة وغيرهم؛ لأن النبي صلى الله عليه

стр. 4519

تُؤْمَنُ خِيَانَتُهُمْ، وَيَكُونُونَ بِحَيْثُ لَوِ انْضَمَّتْ فِرْقَتَا الْكُفْرِ .. قَاوَمْنَاهُمْ، ــ وسلم استعان بيهود بني قينقاع، ذكره الشافعي [أم ٧/ ٣٤٢]، وقال البيهقي [٩/ ٥٣]: إسناد ضعيف، وصح شهود صفوان بن أمية معه حنينًا). وذهب مالك وأحمد إلى المنع استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾، وقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾. وروي مسلم [١٨١٧] عن عائشة: أن النبي ﷺ قال: (إنا لا نستعين بمشرك). وأجاب الشافعي بأن النبي ﷺ تفرس في الرجل المذكور وفي أمية الرغبة في الإعلام فأسلما، كما رواه مالك وغيره. وإنما تجوز الاستعانة بهم بشرطين، أشار إليهما المصنف فقال: (تؤمن خيانتهم)؛ بأن يعرف حسن رأيهم في المسلمين، وجهل هذا في (الروضة) شرطًا ثالثًا، والرافعي جعله مع أمن الخيانة شرطًا واحدًا. قال: (ويكونون بحيث لو انضمت فرقتا الكفر .. قاومناهم)؛ لأنهم إذا انضموا إلى الفئة الأخرى .. أمكن دفعهم، فإن زادوا بالاجتماع على الضعف .. لم تجز الاستعانة بهم. وشرط العراقيون قلة المسلمين، قال الماوردي) وهذا الشرط وما قبله متنافيان. وقال المصنف: لا منافاة، والمراد: أن يكون المستعان بهم فرقة لا يكثر العدد بهم كثرة ظاهرة. وشرط الماوردي شرطًا آخر؛ وهو: أن يكون معتقدهم مخالفًا لمعتقد العدو كاليهود مع النصارى، وحيث تجوز الاستعانة بالكفار .. قال الشافعي: الأولى: أن يستأجرهم. كل هذا في الاستعانة بهم على الكفار، أما على البغاة .. فتقدم حكمة في بابه.

стр. 4520

وَبِعَبِيدٍ بِإِذْنِ السَّادَةِ وَبِمُرَاهِقِينَ أَقْوِيَاءَ، وَلَهُ بَذْلُ الأُهْبةِ وَالسِّلَاحِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَمِنْ مَالِهِ ــ ولو أكره الإمام الذمي على الخروج والقتال معه .. استحق أجرة المثل من حين الخروج إلى عوده إلى وطنه، بخلاف العبد إذا أكرهه؛ فإنه يضمن إلى حين عوده إلى سيده، فلو لم يقاتل الذمي الذي خرج مكرهًا .. لم يستحق أجرة القتال على الأصح. قال: (وبعبيد بإذن السادة)؛ لأنه ينتفع بهم في القتال، لكن يستثنى منه من لا يتوقف حضوره على إذن سيده، كالمكاتب والموصى بمنتفعته لبيت المال على الأصح فيهما. قال: (وبمراهقين أقوياء)؛ لأن النبي ﷺ أحضر معه بعض المراهقين في بعض غزواته، وجوز ذلك؛ ليتمرنوا على الجهاد، فبهم فيه مصلحة، كالختان وقطع السلعة عند غلبة السلامة. قال: (وله) أي: للإمام (بذل الأهبة والسلاح من بيت المال ومن ماله)؛ لقوله ﷺ : (من جهز غازيًا .. فقد غزا) متفق عليه [خ٢٨٤٣ – م ١٨٩٥]، ولأن الرجال حصون يبنيها الإحسان ويهدمها الحرمان. ومقتضى كلام المصنف: أنه ليس للآحاد ذلك، وليس كذلك؛ فقد صح الشيخان وغيرهما بجوازه. فرع: يمنع الإمام المخذل الذي يخوف الناس أن يخرج مع الجيش، فإن خرج .. رده، فإن قاتل .. لم يستحق شيئًا، ولو قتل كافرًا .. لم يستحق سلبه كما تقدم في (باب الغنيمة). وفي معنى المخذل: (المرجف) الذي يكثر الأراجيف، وكلام الإمام والغزالي يقتضي دخوله في المخذل، والظاهر: الأول. فإن قيل: كان النبي ﷺ لا يمنع عبد الله بن أبي بن مسلول من

стр. 4521

وَلَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ مُسْلِمٍ لِجِهَادٍ، وَيَصِحُّ اسْتِئْجَارُ ذِمِّيٍّ لِلإِمَامِ، قِيلَ: وَلِغَيْرِهِ ..... ــ ذلك، وهو القائل يوم الخندق: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا، وقال يوم أحد: لو أطاعونا ما قتلوا .. فالجواب: أن الله تعالى كان يخبر بأحوالهم، وكان الصحابة أقوياء في الدين لا يبالون بتخذيلهم. قال: (ولا يصح استئجار مسلم لجهاد)، سواء استأجره الإمام أو غيره؛ لأنه يتعين عليه إذا حضر الصف، وهو كالصرورة إذا استؤجر ليحج عن غيره، والمسألة تقدمت في (الإجازة). وقيل: يجوز للإمام دون الآحاد، ويعطي الأجرة من مال المصالح. وما يأخذه المرتزقة من الفيء والمتطوعة من الصدقات .. ليس أجرة لوقوع غزوهم لهم. ولو أكره الإمام جماعة على الغزو .. لم يستحقوا أجرة؛ لوقوع غزوهم لهم، كذا أطلقوه. وقال البغوي: إن تعين عليهم .. فكذلك، وإلا .. فلهم الأجرة من الخروج إلى حضور الوقعة، قال الافعي: وهو حسن فليحمل إطلاقهم عليه. قال: (ويصح استئجار ذمي)؛ لأنه لا يقع عنه، فأشبه البهيمة، وفي معناه: المعاهد والمستأمن. وقيل: هو جعالة لا إجارة؛ لجهالة العمل. والمذهب: الأول، واغتفرت الجهالة للضرورة؛ لأن معاقدة الكفار تحتمل ما لا تحتمله معاقدة المسلمين، ولأنها لو كانت جعالة .. لجاز الانصراف متى شاء، وفيه ضرر عظيم. قال: (للإمام)؛ لأنه أعرف بالمصالح. قال: (قيل: ولغيره) كالأذان. والأصح المنع؛ لأن الآحاد لا يتولون المصالح العامة، والجهاد يحتاج إلى نظر كامل.

стр. 4522

وَيُكرَهُ لِغَازٍ قَتلُ قَرِيبٍ, وَمَحرَمٍ أَشَدُّ. قُلتُ: إلاَّ أَن يَسمَعَهُ يَسُبُّ الله تَعَالَى أَو رَسُولَهُ ﷺ , واللهُ أَعلَمُ ــ ثم قيل: يجب نقص المسمى عن سهم راجل, والأصح: أنه لا حجر كسائر الإجارات. فإن كان شيئًا مجهولًا؛ بأن قال: نرضيكم, أو نعطيكم ما تستعينون به, أو أخرجهم وحملهم على الجهاد كرهًا .. وجبت أجرة المثل, وإن خرجوا راضيين ولم يسهم لهم شيئًا .. فهذا موضع الرضخ, وفي محله أقوال سبقت في (الغنيمة). قال: (ويكره لغاز قتل قريب)؛ لما فيه من قطع الرحم التي أمر الله تعالى بصلتها. وقيل: لا يكره. وقيل: إن كانت بينهما توارث .. كره؛ لقوة النسب, وإلا .. فلا, حكاهما في (الكفاية). هذا إذا لقي القريب المسلم, فإن تعين عليه دفعه .. وجب ولا كراهة. قال: (ومَحرمٍ أشدُّ)؛ لأن النبي ﷺ منع أبا بكر يوم أحد من قتل ولده عبد الرحمن, وأبا حذيفة عن قتل أبيه يوم بدر. ووقع في (البسيط) و (الوسيط) أنه ﷺ نهى حذيفة وأبا بكر عن قتل أبويهما, وهو تصحيف, إنما هو نهى أبا حذيفة بن عتبة عن قتل أبيه ب (الياء) , ونهى أبا بكر عن قتل ابنه ب (النون) , والحديث رواه البيهقي [٨/ ١٨٦] والشافعي [أم ٤/ ٢٢٢]. وكذلك يكره للجلاد أن يقتل أباه حدًا كما قدم. قال: (قلت: إلا أن يسمعه يسب الله تعالى أو رسوله ﷺ والله أعلم) , فحينئذ لا كراهة؛ تقديمًا لحق الله تعالى وحق رسوله ﷺ , ففي (الصحيحين) [خ ١٤ - م ٤٤]: (والذي نفسي بيده؛ لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده) زاد مسلم: (والناي أجمعين). وروى البيهقي [٩/ ٢٧] عن عبد الله بن شوذب قال: جعل أبو أبي عبيدة بن الجراح

стр. 4523

وَيَحرُمُ قَتلُ صَبِيِّ وَمَجنُونٍ وَامرَأَةٍ وخُنثَى مُشكِلٍ, ــ يوم بدر يتعرض لأبي عبيدة, وجعل أبو عبيدة, وجعل أبو عبيدة يحيد عنه, فلما أكثر الجراح قصده أبو عبيدة فقتله, فأنزل الله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ﴾ الآية. قال ابن مسعود: (نزلت في أبي عبيدة, قتل أباه يوم بدر, (أَوْ أَبْنَاءَهُمْ) والمراد: أبو بكر, دعا ابنه عبد الرحمن إلى البراز يوم بدر, (أَوْ إخْوَانَهُمْ) مصعب ابن عمير, قتل أخاه يوم أحد, (أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) عمر بن الخطاب, قتل خاله العاصي بن هشام بن المغيرة يوم بدر, وعلي وحمزة قتلا شيبة وعتبة والوليد يوم بدر). قال: (ويحرم قتل صبي ومجنون وامرأة وخنثى مشكل)؛ للنهي في (الصحيحين) [خ ٣٠١٤ - م١٧٤٤] عن قتل النساء والصبيان, وفي (السنن) (١) (نهى عن قتل الذرية). ونص الشافعي –كما أفاده الحازمي عنه- على أنه لا إثم في قتلهم ولا دية ولا كفارة, وإنما التحريم لحق الغانمين لا لحق الله تعالى, لكن تستثنى صور: إحداها: إذا قاتلوا؛ لما روى أبو داوود في (مراسليه) [٣٣٣] عن عكرمة: أن النبي ﷺ رأى امرأة مقتولة بالطائف فقال: (ألم أنه عن قتل النساء؟! من صاحب هذه المقتولة؟) فقال رجل من القوم: أنا يا رسول الله, أردفتها, فأرادت أن تصرعني لتقتلني, فأمر بها رسول الله ﷺ أن توارى. الثانية: إذا سبَّت الإسلام أو المسلمين لظهور الفساد. الثالثة: إذا كانت من قوم ليس لهم كتاب –كادهرية وعبدة الأوثان- وامتنعوا عن الإسلام, قال الماوردي: فعند الشافعي: يقتلن. الرابعة: حالة الضرورة عند تترس الكفار بهم كما سيأتي. الخامسة: إذا لم يجد المضطر سواهم فله قتلهم وأكلهم على الأصح في زوائد (الروضة).

стр. 4524

وَيَحِلُّ قَتلُ رَاهِبٍ وَأَجِيرٍ وَشَيخٍ وَأعمَى وَزَمِنِ لاَ قِتَالَ فِيهِم وَلاَ رَأيَ فِي الأظهَرِ, فَيستَرَقُّونَ وَتُسبَى نِسَاؤُهُم وَأَمَوالُهُم ...... ــ قال: (ويحل قتل الراهب وأجير وشبخ أعمى وزمن لا قتال فيهم ولا رأي في الأظهر)؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾. وفي (أبي داوود) [٢٦٦٣] و (الترمذي) [١٥٨٣] من حديث الحسن عن سمرة: أن النبي ﷺ قال: (اقتلوا المشركين, واستحيوا شؤخهم) أي: صغارهم. وروي: أن النبي ﷺ قتل اعمى من بني قرسظة بعد الإسار, وهو الزبير بن باطا القرظي (١). والثاني: لا يحل؛ لحديث زيد بن خالد: (لا تقلوا كبيرًا فانيًا ولا أصحاب الصوامع) (٢). وفي (أبي داوود) [٢٦٦٢] و (النسائي) [سك ٨٥٧١]: النهي عن قتل العسيف (٣) , ومثله مقطوع اليدين والرجلين. واحترز بقوله: (لا رأي فيهم) عما إذا كان فيهم رأي .. فيقتل قطعًا, كدريد بن الصمة, فإن المشركين أحضروه يوم حنين التماسًا لرأيه وهو ابن مئة وخمسين سنة, فقتله المسلمون, ولم ينكره النبي صلى الهه عليه وسلم, رواه الشافعي [أم ٤/ ٢٤٠] وغيره. وسجوز قتل أهل السوق على المذهب, وقيل: على قولين؛ لأنهم لا يمارسون الحرب, وفي عبارة الغزالي وغيره: السوقة, واعترض ذلك؛ بأن السوقة ما عدا الملك من الجند وغيرهم, وأما المحترف .. فهو مشغول بحرفته, وعبر في (الوسيط) عنه بالحارف, وهو معترض؛ بأن هذه الصيغة لم توجد. قال: (فيسترقون وتسبى نساؤهم وأموالهم) أي ك إذا جوزنا قتلهم, ولهذا أى ب (القاء).

стр. 4525

وَيَجُوزُ حِصَارُ الكُفَّارِ في البِلاَدِ وَالقِلاَعِ وَإرسَالُ المَاءِ عَلَيهِم وَرَميُهُم بِنَارٍ وَمَنجَنيقٍ ــ فإن قلنا بالمنع .. فالمذهب: أنهم يرقون بنفس الأسر كالنساء والصبيان. وقيل: يتخير الإمام بين الرق والمن عليه أو الفداء. وقيل: لا يجوز استرقاقهم, بل يتركون ولا يتعرض لهم. ويجوز سبي نسائهم وصبيانهم على الأصح. وقيل: لا يجوز. وقيل: يجوز سبي نسائهم دون صبيانهم؛ لأنهم أبعاضهم, وطرد بعضهم الخلاف في اغتنام الأموال. قال الإمام: ومن منع اغتنام أموالهم .. قرب من خرق الإجماع. واقتصار المصنف على سبي النساء يوهم أن لا تسبى صبيانهم, وهو وجه, والأصح: خلافه. ولو ترهبت امرأة .. ففي جواز استرقاقها وجهان؛ بناء على قتل الراهب, وصحح القاضي: الجواز؛ لأن الأصل في الترهب الرجال, دوهن. وجزم الغزالي في (الخلاصة) فيها وفي العبد إذا ترهب بإذن سيده بجواز القتل. وأما رسول الكفار .. فسيأي في أول (الجزية) أنه لا يقتل. قال: (ويجوز حصار الكفار في البلاد والقلاع)؛ لقوله تعالى: ﴿وخُذُوهُمْ واحْصُرُوهُمْ﴾. وفي (الصحيحين) [خ ٤٣٢٥ - م ١٧٧٨] من حديث عبد الله بن عمر: (أن النبي ﷺ حاصر أهل الطائف). وفي (مراسيل أبي داوود) [٣٣٦] من رواية يحيى بن أبي كثير: (حاصرهم شهرًا). قال: (وإرسال الماء عليهم ورمسهم بالنار ومنجنيق) , وكذا ما في معنى ذلك من الهدم للبيوت وإلقاء الحيات والأفاعي والعقارب ونحو ذلك مما يعم؛ لأن النبي ﷺ نصب المنجنيق على أهل الطائف, رواه الترمذي [٢٧٦٢] والبيهقي [٩/ ٨٤] , وقيس عليه ما عليه ما في معناه.

стр. 4526

وَتَبييتُهُم فِي غَفلَةٍ, فَإِن كَانَ فِيهِم مُسلِمٌ أَسِيرٌ أَو تَاجِرٌ .. جَازَ ذَلِكَ عَلَى المَذهَبِ, ــ ومقتضى كلام المصنف: جواز ذلك وإن كان فيهم النساء والصبيان واحتمل أن يصيبهم ذلك, وهو كذلك؛ لأن النهي عن قتلهم محمول على ما إذا كان صبرًا بعد السبي؛ لأنهم غنيمة. قال: (وتبيتهم في غفلة)؛ بأن يقاتلهم ليلًا وهم غافلون؛ لأنه ﵊ شن الإغارة على بني المصطلق وهم غارون- أي: غافلون- وأنعامهم تسقى على الماء, فقتل مقاتلهم, وسبى ذريتهم, رواه الشيخان [خ ٢٥٤١_ م ١٧٣٠]. وبعث محمد بن مسلمة وغيره فقتلوا كعب بن الأشرف غيلة (١). وفي (الصحيحين) [خ ٣٠١٣_ م ١٧٤٥] عن الصعب بن جثامة: سئل النبي ﷺ عن الذراري من المشركين يبيتون وتسبى نساؤهم وذراريهم؟ فقال: (هم منهم). وادعى الزهري وابن عيينة وابن حبان: نسخ حديث التبيي بخبر النهي عن قتل النساء والصبيان, وأنكر الشافعي وغيره ذلك, وحملوا النهي على قصد قتلهم متميزين, وحديث التبييت على ما بعد السبي؛ لأنهم غنيمة. ويستثنى من إطلاق المصنف: من لم تبلغه الدعوة من الكفار؛ فإنه لا يجوز قتالهم حتى يدعوا إلى الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿ومَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ , كذا نص عليه الشافعي والأصحاب. وإنما لم يستثنه المصنف؛ لأن هذا الشرط لأصل القتال, وتعبير المصنف بالجواز يقتضي: أنه لا يستحب, وهو كذلك؛ فالمستحب للإمام إذا كان عنده قوة أن لا يغير ليلًا. قال: (فإن كان فيهم مسلم أسير أو تاجر .. جاز ذلك على المذهب) أي: التبييت والتحريق والتغريق.

стр. 4527

وَلَوِ التَحَمَ حَربٌ فَتَتَرسٌوا بِنِسَاءٍ وَصِبيَانٍ .. جَازَ رَميُهُم, وَإن دَفَعُوا بِهِم عَن أَنفُسِهِم وَلَم تَدعُ ضَرورَةٌ إلَى رَميِهِم .. فَالأظهَر: تَركُهُم. وَإِن تَتَرَّسُوا بِالمُسلِمِينَ: فَإن لَم تَدعُ ضَرُورَةٌ إلَى رَميِهِم ــ المذهب: أنه إن لم يكن ضرورة .. كره, ولا يحرم على الأظهر؛ لئلا يتعطل الجهاد بحبس مسلم عندهم. والطريق الثانية: لا اعتبار بالضرورة, بل إن علم أن ذلك يهلك المسلم .. لم يجز, وإلا .. فقولان. والثالثة: إن كان المسلمون أقل .. جاز, أو متساوون .. فلا, والمذهب: الجواز وإن علم أنه يصيب مسلمًا, وهو نصه في (المختصر). قال: (ولو التحم حرب فتترسوا بنساء وصبيان) أي: منهم (.. جاز رميهم) إذا دعت الضرورة إليه؛ بأن قصدوتا ولو تركناهم غلبونا؛ لئلا يتخذوا ذلك ذريعة إلى منع الجهاد وإلى قتل المسلم, فالاحتيلط للمسلمسن أولى من الاحتياط لأولاد المشركين. قال: (وإن دفعوا بهم عن أنفسهم ولم تدع ضرورة إلى رميهم .. فالأظهر: تركهم) أي: وجوبًا؛ لنهيه صلى الله عليه وسسلم عن قتل النساء والصبيان, وهذا القول صححه القفال. وقال في (المحرر) إنه أولى القولين, ولم يرجع الرافعي في (الشرحين) شيئًا. وكذا الحكم لو تترسوا بهم في القلعة, وقيل: هذه أولى بالجواز من مسألة الكتاب (١) , فلو لم يدفعوا بهم عن أنفسهم, بل فعلوا بهم خديعة ومكرًا لعلمهم أن شرعنا يمنع من قتل الذرية .. لم يمتنع حصارهم ولا رميهم وإن أدى إلى قتل الأطفال قطعًا, قاله الماوردي وغبره, وخصوا القولين بما إذا دفعوا بذلك عن أنفسهم. قال: (وإن تترسوا بالمسلمين: فإن لم تدع ضرورة إلى رميهم)؛ بأن كانوا

стр. 4528

تَرَكنَاهُم, وَإلَّا .. جَازَ رَميُهُم فِي الأَصَحِّ ...... ــ يدفعون عن أنفسهم (.. تركناهم) أي: وجوبًا, فلا يجوز رميهم في هذه الحالة صيانة للمسلمين. والفرق بينهم وبين النساء والصبيان على طريقة المصنف في (الروضة) أن المسلم محقون الدم لحرمة الدين, فلم يجز قتله من غير ضرورة, والذرية حقنوا لحق الغانمين, فجاز قتلهم لغير ضرورة. قال: (.. جاز رميهم في الأصح) أي: بقصد قتال المشركين, ويتوقى المسلم بحسب الإمكان؛ لأن مفسدة الإعراض أكثر من مفسدة الإقدام, ولا يبعد احتمال قتل طائفة للدفع عن بيضة الإسلام, والجزئيات مغتفرة بالإضافة إلى الكليات. والثاني: لا يجوز الرمي إذا لم يمكن ضرب الكفار إلا بضرب المسلمين؛ لأن دم المسلم لا يباح بأمر موهوم بدليل صورة الإكراه. قال الرافعي: وأشعر إيراد الغزالي بخصيص الوجهين بما إذا تترس كافر بمسلم, وتبعه (الحاوي الصغير) قال: لا كافر بمسلم. ثم إذا جوزنا الرمي فرمى فقتل مسلمًا .. فلا قصاص؛ لأنه ينافي الجواز, وتجب الكفارة للعصمة, وكذا الضمان على لمذهب إذا علم إسلام المرمي إليه؛ لإمكان توقيه وتترسهم (١).

стр. 4529

وَيحرُمُ الِانصِرَافُ عَنِ الصَّفِّ إِذَا لَم يَزِد عَدَد الكُفَّارِ عَلَى مِثلَينَا ــ وإن لم نجوز الرمي فرمى وقتل .. ففي وجوب القصاص طريقان: أحدهما: قولان كالمكره. والثاني: يجب قطعًا, كالمضطر قتل رجلًا ليأكله, بخلاف المكره؛ فإنه ملجأ, ولأن هناك من يحال عليه, وهو المكره. وتترسم بالذمي والمستأمن والعبد كالمسلم, في الرمي والدية والكفارة, لكن حيث تجب دية ففي العبد القيمة. فرع: تترس كافر بمال مسلم أو فرسه فرمى إليه مسلم فأتلفه .. ضمن ن كان في غير التحام الحرب, وكذا أن كان فيه وأمكنه أن لا يصيب مال المسلم فأصابه, فإن لم يمكنه الدفع إلا بالإصابة, فإن جعل كالمكره .. فلا ضمان, وإن جعل مختارًا .. ضمن كما يلزمه القصاص. قال: (ويحرم الانصراف عن الصف) أي: على من لزمه الثبات ولو غلب على ظنه أنه إذا ثبت في الأصح؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾. وفي (الصحيحين) [خ ٢٧٦٧ - م ٨٩]: (اجتنبوا السبع الموبقات) وعد منها: الفرار من الزحف. وعلم من قوله: (عن الصف) أنه لا يحرم من غيره, كما لو لقي مسلم مشركين .. فله الانصراف إن طلباه, وكذا إن طلبهما ولم يطلباه .. له الفرار بعد في الأصح؛ لأن فرض الجهاد والثبات إنما هو في الجماعة. قال: (إذا لم يزد عدد الكفار على مثلينا)؛ لقوله تعالى: ﴿فَإن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ الآية, وهو أمر بلفظ الخبر؛ لأنه لو كان خبرًا .. لم يقع, بخلاف المخبر عنه.

стр. 4530

إلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَو مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ يَستَنجِدُ بِهَا, وَيَجُوزُ إلَى فِئَةٍ بَعِيدَةٍ فِي الأصَحِّ .... ــ والمعنى في وجوب المصابرة للضعف: أن المسلم يقاتل على إحدى الحسنيين: إما أن يقتل فيدخل الجنة, أو يسلم فيفوز بلأجر والغنيمة, والكافر يقاتل على الفوز بالدنيا. وأفهم من كلامه: أنهم إذا زادوا على الضعف .. جاز مطلقًا, وهو كذلك. وحكى القرطبي في (تفسيره) أنهم إذا بلغوا اثني عشر ألفًا .. حرم الانصراف وإن زاد الكفار على مثليهم عند جمهور العلماء, منهم: مالك وأبو حنيفة وداوود؛ لقوله ﷺ : (لن يغلب اثنا عشر ألفًا من قلة) , وأنهم جعلوا ذلك مخصصًا للآية. قال: (إلا منحرفًا لقتال أو متحيز لفئة يستنجد بها) أي: فإنه لا يجوز لهما الانصراف إلا بشرط قصد العود؛ لقوله تعالى: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ﴾. و (المتحرف للقتال) من ينصرف ليكمن في موضع ثم يبرز, أو من مضيق إلى متسع يمكن فيه القتال, أو يتحول عن مقابلة الشمس أو الريح الذي يسف التراب على وجهه إلى موضع واسع. و (المتحيز) اسم فاعل من تحيز, أصله: تحيوز, تفعيل, من الحوز, اجتمعت ياء وواو وسبقت إحداهما بالسكون, فقبلت الواو ياء؛ وأدغمت الياء في الياء, فصارت: تحيز. قال: (ويجوز) الانصراف للمتحيز (إلى فئة بعيدة في الأصح)؛ لإطلاق الآية, ولأن هذا أمر بينه وبين الله تعالى, ولا تمكن مخادعة الله في العزائم, فإذا ظهرت له تلك العزيمة .. جاز التوجه إليها. روى أبو داوود [٢٦٤٠] والترمذي [١٧١٦] عن ابن عمر قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية, فحاص الناس حيصة –أي: حادوا حيدة- فقدمنا المدينة, فاختفينا بها وقلنا: هلكنا, ثم أتينا رسول الله ﷺ فقلنا:

стр. 4531

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يا رسول الله؛ نحن الفرارون, فقال: (بل أنتم العكارون, وأنا فئتكم). و (العكارون) الكرارون إلى الحرب العاطفون نحوها. والوجه الثاني: يشترط أن يكون إلى فئة قريبة؛ ليتصور الاستنجاد بها في القتال وإتمامه. وعلى الأول: يشترط أن لا يحصل بسبب الانصراف كسر للمسلمين وقوة للكافرين, كما قاله الإمام والغزالي, وتبعهما (الحاوي الصغير). قال الرافعي: ولم يذكره المعظم, وكأنهم رأوا ترك القتال والانهزام في الحال مجبورًا بعزمه على الاتصال بفئة أخرى. تنبيهان: أحدهما: يستثنى من التحريم الانصراف مع ما ذكره المصنف: النساء إذا انصرفن؛ فلا يأثمن, وكذلك العبيد بغير إذن السادة, والصبيان, والمغلوب على عقله بلا سكر, والعاجز بمرض ونحوه, ومن لم يبق معه سلاح, فلهم الانصراف بكل حال, وكذا من مات فرسه ولا يقدر على القتال راجلًا ولو أمكنه الرمي بالحجارة؛ فلا يقوم مقام السلاح على الأصح, كذا قاله الرافعي في الباب الأول, ثم أرسل الخلاف هنا, وذهل في (الروضة) عن ذلك, فصحح في زوائده مقابله. الثاني: لم يبين ضابط القريبة, قال الإمام: ولا ينزل القرب هنا على ما دون مسافة القصر, بل المراد: أن يكون بالقرب من المعترك بحيث يقدر المتحيز إليهم على إدراك المسلمين عند الاستنجاد بهم. وصحح في (الروضة) الاكتفاء باجتماعهم في دار الحرب. فرع: إذا عصى بالفرار من اثنين .. هل يشترط في توبته أن يعود إلى القتال أو يكفيه أن ينوي أنه متى عاد لا ينهزم إلا كما أمر الله تعالى؟ فيه وجهان.

стр. 4532

وَلاَ يُشَارِكُ مُتَحَيِّزٌ إِلَى بَعِيدَةٍ الجَيشَ فِيمَا غَنِمُوا بَعدَ مُفَارَقَتِهِ, وَيُشَارِكُ مُتَحَيِّزٌ إِلَى قَرِيبَةٍ فِي الأَصَحِّ, فَإِن زَادُوا عَلَى مِثلَينِ .. جَازَ الِانصِرَافُ, .... ــ وأطلق في (البسيط) وغيره: أن الجهاد لا يلزم بالنذر، وأن المنهزم عاص ليس عليه إلا الإثم. قال: (ولا يشارك متحيز إلى بعيدة الجيشَ فيما غنموا بعد مفارقته) , سواء أجزناه أم منعناه؛ لأن النصرة تفوت ببعده, أما ما غنموه قبل مفارقته .. فيشارك فيه, كذا نص عليه. قال: (ويشارك متحيز إلى قريبة في الأصح) (١)؛ لبقاء نصرته ونجدته, فهو كسرية قريبة يشارك الجيش فيما غنموه. والثاني: لا؛ لمفارقته. قال الغزالي: ويصدَّق بيمينه: أنه قصد التحرف والتحيز. وقال البغوي: إن عاد بعد انقضاء القتال .. لم يصدق, أو قبله .. صدق بيمينه. فرع: الجاسوس إذا بعثه الإمام لينظر عدد المشركين وينقل أخبارهم فغنم الجيش في غيبته شيئًا .. شاركهم فيه الأصح؛ لأنه كان من مصلحتهم, وخاطر بنفسه أكثر من الثبات في الصف. قال: (فإن زادوا على مثلين .. جاز الانصراف)؛ لقوله تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ﴾ الآية.

стр. 4533

إَلاَّ أَنَّهُ يَحرُمُ انصِرَافُ مِئَةِ بَطَلٍ عَن مِئَتَينِ وَوَاحِدٍ فِي الأَصَحِّ. وَتَجُوزُ المُبَاَرَزَةُ, فَإِن طَلَبَهَا كَافِرٌ .. استُحِبَّ الخُرُوجُ إلَيهِ, ...... ــ قال: (إلا أنه يحرم انصراف مئة بطل عن مئتين وواحد ضعفاء في الأصح)؛ لأنهم يقاومونهم لو ثبتوا, والانهزام ذل, وإنما يراعى العدد عند تقارب الأوصاف. والثاني: يجوز الانصراف؛ لأن اعتبار الأوصاف يعسر فأنيط الحكم بالعدد. ومأخذ الخلاف: النظر إلى مجرد العدد أو المعنى , ويعبر عنه بأنه هل يجوز أن يستنبط من النص معنى يخصصه أو يقيده. وطردوا الوجهين فى عكسه , وهو فرار مئة من ضعفائنا عن مئتين إلا واحدًا من أبطالهم , فإن اعتبر المعنى .. جاز, أو العدد .. فلا. ولا فرق في وجوب مصابرة المسلمين لضعفهم بين أن يكونوا خيالة والمسلمون رجالة أو بالعكس, قال المصنف: وفيه نظر , ويمكن تخريجه على أن العبرة بالمعنى أو العدد. وحيث جاز الانصراف .. استحب الثبات إن غلب ظن الظفر به , وإن غلب الهلاك .. استحب أيضا , كما قاله فى زوائد (الروضة) وقيل: يحرم؛ لقوله تعالى ﴿ولا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: (وتجوز المباررزة) , وهي: ظهور اثنين من الطائفتين بين الصفين للقتال, وأصلها من البروز, وهو: الظهور. والمراد: يجوز ابتداؤها بشرط أن لا يتضرر المسلمون بقتل المبارز. واستدل لها بقوله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافًا﴾ وهو: الإسراع في المبارزة ﴿وثِقَالًا﴾ , وهو: الثبات والمصابرة. وقيل: تكره المبارزة؛ لقوله تعالى: ﴿وقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ وقيل: تستحب, وقيل: لا تجوز؛ لأنه لا يأمن أن يخرج إليه أقوى منه فيقتله فيوهن المسلمين. قال: (فغن طلبها كافر .. استحب الخروج إليه)؛ لما روى أبو داوود [٢٦٥٨ بنحوه]

стр. 4534

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بإسناد صحيح عن علي كرم الله وجهه قال: لمّا كان يوم بدر تقدم عتبة بن ربيعة وتبعه أخوه وابنه, فنادى: من يبارز؟ فانتدب له شباب من الأنصار, فقال: من أنتم؟ فأخبروهم, فقالوا: لا حاجة لنا فيكم إنما أردنا بني عمنا, فقال: رسول الله ﷺ : (قم يا حمزة, قم يا علي, قم يا عبيدة بن الحارث) , فأقبل حمزة إلى عتبة, وأقبلت إلى شيبة, واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان, فأثخن كل منهما صاحبه, ثم ملنا إلى الوليد فقتلناه, واحتملنا عبيدة إلى النبي ﷺ ومخ ساقه يسيل, فقال: أشهيد أنا يا رسول الله؟ قال: (نعم) قال: وددت أن أبا طالب كان حيًا؛ ليعلم أننا أحق منه بقوله [من الطويل]: ونسلمه حتى نصرع حوله .... ونذل عن أبنائنا والحلائل ثم أنشأ يقول [من الطويل]: فإن تقطعوا رجلي فإني مسلم .... أرجي به عيشًا من الله عاليًا (١) وألبسني الرحمن من فضل منه .... لباسًا من الإسلام غطى المساويا وروى الشيخان [خ ٣٩٦٩ _ م ٣٠٣٣] عن قيس بن عبادة –وهو آخر حديث في (صحيح مسلم) - قال: سمعت أبا ذر يقسم قسمًا: أن ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ نزلت في الذين بارزوا يوم بدر: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث, وعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة. ولما خرج مرحب يوم خيبر يطلب المبارزة .. خرج له علي –وقيل: محمد بن مسلمة- فقتله بإذن النبي ﷺ , وكان يرتجز ويقول: قد علمت خيبر أني مرحب .... شاكي السلاح بطل مجرب (٢)

стр. 4535

وَإِنَّمَا تَحسُنُ مِمَّن جَرَّبَ نَفسَهُ وَبِإذنِ الِإمَامِ ــ فقال له علي ﵁ [من الرجز]: أنا الذي سمتني أمي حيدرة .... أضرب بالسيف رؤوس الكفرة كليث غابات شديد القسورة .... أكيلهم بالسيف كيل السندرة (١) وإنما قال ذلك؛ لأن أمه فاطمة بنت أسد قد افترسه, فأراد علي أن يذكره بأنه هو الأسد الذي يقتله, فكاشفه بذلك, فلما سمعه .. أرعب بتذكر المنام, فقتله. قال: (وإنما تحسن) المبارزة, (ممن جرب نفسه) , فغيره يكره له ذلك. قال: (وبإذن الإمام)؛ لما تقدم من قوله ﷺ : (قم يا حمزة ...) إلخ. فإن بارز بغير إذنه جاز في الأصح؛ لأن التغرير بالنفس في الجهاد جائز. والثاني: يحرم؛ لأن للإمام نظرًا في تعيين الأبطال. والمراد ب (الإمام) صاحب الراية. فرع: قال الشافعي: لا أكره لمن يعلم من نفسه في الحرب بلاء أن يعلم ولا يركب الأبلق. والمراد ب (الإعلام) أن يجعل في صدره أو لحيته ريش النعام, أو يشد على عمامته عصابة ملونة, وركوب الأبلق من الخيل, فإن عرف من نفسه الفشل

стр. 4536

وَيَجُوزُ إِتلَافُ بِنَائِهِم وَشَجَرهِم لِحَاجَةِ القِتَالِ والظَّفَرِ بِهِم, وَكَذَا إِن لَم يُرجَ حُصُولُهَا لَنَا, ــ والضعف .. كره له ذلك؛ لأنه إذا انهزم وهو بهذه العلامة .. كان ذلك قوة للمشركين. وكره الحسن الإعلام في الحرب, واسدل الشافعي بأن حمزة يوم بدر غرز ريش النعام في صدره, وشد أبو دجانة على رأسه عصابة حمراء, وركب أبو محجن الأبلق, وكل هؤلاء كانوا أهل شجاعة وشدة بأس ﵃. قال: (ويجوز إتلاف بنائهم)؛ لقوله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾. قال: (وشجرهم لحاجة القتال والظفر بهم)؛ لقوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ , وسبب نزولها: أنه ﷺ أمر بقطع نخل بني النضير (١) , فقال واحد من الحصن: إن هذا فساد يا محمد, وإنك تنهى عن الفساد, فنزلت, رواه الشيخان [خ ١٠٣٢, م ١٧٤٦] من حديث ابن عمر, وقيل في ذلك (٢) [من الوافر]: وهان على سراة بني لؤي .... حريق بالبويرة مستطير و (قطع ﷺ كرومًا لأهل الطائف) رواه أبو داوود في (مراسليه) [٣١٧] , و (قطع النخيل) رواه البيهقي. وقوله: (لحاجة القتال والظفر بهم) قيد في جواز إتلاف البناء وقطع الشجر. وقال الماوردي: يجب إذا علمنا أنا لا نصل إليهم إلا به. قال: (وكذا إن لم يرج حصولها لنا) أي: حصول الأبنية والأشجار؛ مغايظة

стр. 4537

فَإِن رُجِيَ .. نُدِبَ التَّركُ. وَيحرُمُ إِتلَافُ الحَيَوَانِ, إِلاَّ مَا يُقَاتِلُونَ عَلَيهِ لِدَفعِهِم أَو ظَفَرٍ بِهِم, ــ لهم, قال تعالى: ﴿ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفَّارَ﴾. قال: (فإن رجي .. ندب الترك)؛ حفظا لها على المسلمين. وفي (الموطأ) أن أبا بكر بعث جيشًا إلى الشام فتهاهم عن قتل الشيوخ وأصحاب الصوامع وقطع الأشجار المثمرة. وعبارة (الروضة) كره الإتلاف, ولا يحرم على الأصح. هذا إذا دخلنا بلادهم مغيرين ولم يمكننا الاستقرار بها, فلو قهرناهم وفتحناها .. حرم القطع والتخريب؛ لأنها غنيمة, وكذا إذا فتحناها صلحًا على أنها لنا ولهم. قال: (ويحرم إتلاف الحيوان) أي: المحترم؛ لما روى النسائي [٧/ ٢٠٦] والحاكم [٤/ ٢٣٣] عن عبد الله بن عمرو: أن النبي ﷺ قال: (من قتل عصفورًا فما فوقها بغير حقها .. سأله الله عنها) قيل: وما حقها؟ قال: (يذبحها ويأكلها, ولا يقطع رأسها ويطرحها). (وفي سنن أبي داوود) (أن النبي ﷺ نهى عن ذبح الحيوان بغير مأكلة). وخالف الأشجار؛ لأن للحيوان حرمتين: حق مالكه, وحق الله, فإذا سقطت حرمة المالك لكفره .. بقيت حرمة الخالق في بقائه على حظره, ولذلك يمنع مالك الحيوان من إجاعته وعطشه, بخلاف الأشجار. قال: (إلا ما يقاتلون عليه لدفعهم أو الظفر بهم) فلا يحرم قتله؛ لأنها كأداة القتال, وإذا جاز قتل النساء والصبيان عند التترس بهم .. فالخيل أولى. وفي (الصحيحين) (أن رجلًا من المسلمين رأى في غزوة مؤتة رجلًا من الروم وعليه لأمة حسنة, فكمن له وراء حجر, فلما جاوزه خرج من ورائه فعقر فرسه, فسقط الأرض وجلس على صدره وذبحه وأخذ لأمته وسلاحه, فأخذه خالد بن الوليد, فأمره النبي ﷺ أن يرده, ولم ينكر عليه عقر الفرس).

стр. 4538

أَو غَنِمنَاهُ وَخِفنَا رُجُوعَهُ إلَيهِم وَضَرَرَهُ ..... ــ وروى الشافعي [أم ٤/ ٢٤٥]: (أن حنظلة بن الراهب عقر لأبي سفيان فرسه يوم أحد, فسقط عنه, فجلس حنظلة على صدره ليذبحه, فجاء شداد بن الأسود فقتل حنظلة واستنقذ أبا سفيان, ولم ينكر ﷺ فعل حنظلة). قال ابن عبد البر (١) وغيره: افتخرت الأوس فقالوا: منا غسيل الملائكة حنظلة بن الراهب, ومنا من حمته الدبر عاصم بن ثابت, ومنا من أجيزت شهادته بشهادتين خزيمة بن ثابت, ومنا من اهتز لموته عرش الرحمن سعد بن معاذ (٢) , فقال الخزرجيون: زيد بن ثابت وأبو زيد ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب. قال: (أو غنمناه وخفنا رجوعه إليهم وضرره) , فلا يحرم قتله أيضًا؛ دفعًا لهذه المفسدة ومغايظة, ولا يجوز للمسلم أن يعقر فرسه في الحرب حتى لا يفر. تتمة: نقل رؤوس الكفار إلى بلاد المسلمين اتفقوا على أنه لا يحرم, وفي كراهته أوجه: أحدها: لا يكره؛ لأن أبا جهل لما قتل حمل رأسه إلى رسول الله ﷺ , رواه ابن ماجه [١٣٩١] من رواية عبد الله بن أبي أوفى بإسناد جيد. وروى النسائي [سك ٨٦١٩] عن فيروز الديلمي أنه قال: (قدمت على رسول الله ﷺ برأس الأسزد الكذاب). والثاني –وهو الصحيح, وبه قطع العراقيون والروياني-: أنه يكره, لأن النبي ﷺ لم يحمل إليه رأس كافر قط.

стр. 4539

فَصلٌ: نِسَاءُ الكُفَّارِ وَصِبيَانُهُم إذَا أُسِرُوا .. رَقُّوا, ...... ــ وروى البيهقي [٩/ ١٣٢]: أن أبا بكر لما حملت إليه رأس يناق البطريق .. أنكر ذلك, وقال: ما فُعل هذا في عهد رسول الله ﷺ ولا له فائدة. وما روي من حمل رأس أبي جهل قد تكلموا في ثبوته, وبتقدير الثبوت؛ فإنه حمل في الوقعة من موضع إلى موضع ولم ينقل من بلد إلى بلد, ولأنهم أرادوا أن ينظر الناس إليه فيتحققوا موته. والثالث: إن كان نقلها منكيًا للعدو .. لم يكره. والرابع: إن كان فيه إنكاء للعدو وإظهار لقوة المسلمين .. استحب النقل, واختاره الماوردي. ولا تباع جيفة كافر؛ لما روى البيهقي [٩/ ١٣٣] عن ابن عباس: أن رجلًا من المشركين قتل يوم الأحزاب, فبعث المشركون إلى رسزل الله ﷺ : أن ابعث إلينا بجسده ونعطيك اثني عشر ألفًا, فقال ﷺ : (لا خير في جسده ولا ثمنه) , وقد تقدم نظير هذا (في ميراث المرتد). قال: فصل: نساء الكفار وصبيانهم إذا أسروا .. رقوا) بمجرد الأسر وكانوا كسائر الغنيمة, خمسهم لأهل الخمس والباقس للغانمين؛ لأن النبي ﷺ كان يقسم السبي كما يقسم المال, والمجانين كالصبيان. واستثنى الماوردي في (الأحكام) من لا كتاب لها, وقال: إذا امتنعت من الإسلام .. قتلت عند الشافعي, فلو قتل صبي أو امرأة .. وجبت قيمته؛ لأنه صار مالًا بنفس الأسر, فإن كان الصبي منفردًا عن أبويه .. ففيه قيمة عبد مسلم؛ لأنه محكوم بإسلامه تبعًا لسابيه, فإن قتله عبد .. لزمه القصاص. وقوله: (رقوا) بفتح الراء, أي: صاروا أرقاء بمجرد الأسر, ولا يجوز ضم رائه بالاتفاق.

стр. 4540

وَكَذَا العَبِيدُ, وَيجتَهِدُ الِإمَامُ فِي الأَحرَارِ الكَامِلِينَ, وَيَفعَلُ الأَحَظَّ لِلمُسلِمِينَ مِن قَتلٍ وَمَنِّ وَفِدَاءٍ بِأَسرَى أَو مَالٍ وَاستِرقَاقٍ , ــ قال: (وكذا العبيد) كسائر الأموال المغنومة لا يتخير الإمام فيها؛ لأن عبد الحربي ماله, ولا يجوز للإمام قتلهم ولا المن عليهم. وفي (المهذب) لو رأى الإمام قتل العبد لشره وقوته .. قتله وضمن قيمته للغانمين, وهذا محكي عن أبي يعقوب الأبيوردي. والصحيح: أنه لا يجوز, ونقله الرافعي عن جمهور الأصحاب. وسكت المصنف عن الخنثى, وصرح الرافعي في الباب الثاني بإلحاقه بالمرأة, وقال القاضي أبو الفتوح: يجوز المن عليه ومفاداته (١) وإن حكمنا بامتناع قتله وملك الغانمين له؛ لأن الحكم يذلك لأجل الاحتياط, فإذا رأى الإمام مخالفته بلاجتهاد .. جاز, بخلاف النساء والصبيان. قال: (ويجتهد الإمام في الأحرار الكاملين, ويفعل الأحظ للمسلمين من قتل ومن وفداء بأسرى أو مال واسترقاق). المراد ب (الكامل) البالغ العاقل الذكر, فيتخير الإمام فيه بين أربع خصال: أن يقتلهم صبرًا بضرب العنق لا بتحريق ولا تريق ولا مثله؛ للنهي عنها. وأن يمن عليهم بتخلية سبيلهم. وأن يفاديهم بالرجال أو بالمال. وأن يسترقهم ويكون مال الفداء ورقابهم إذا استرقوا كسائر أموال الغنيمة, وبهذا قال أحمد. وقال أبو حنيفة: يتخير الإمام بين القتل والاسترقاق. وقال مالك: يتخير بين القتل والاسترقاق والفداء, وإنما يجوز الفداء بالرجال دون المال. لنا في قول الله تعالى: ﴿فَإمَّا مَنًا بَعْدُ وإمَّا فِدَاءً﴾ وكل واحد من الأمور الأربعة نقل عن فعل

стр. 4541

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النبي ﷺ فقتل بدر بن أبي عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث وطعيمة بن عدي صبرًا, رواه الشافعي [أم ٤/ ٢٣٨] وغيره. ووقع في (المهذب) المطعم بن عدي, وهو وهم؛ لأن المطعم مات قبل بدر. وفي (الصحيحين) [خ ١٨٤٦, م ١٣٥٧]: (أن النبي ﷺ أمر يوم فتح مكة بقتل عبد العزى بن خطل). وفي (أبي داوود) [٢٦٧٧] و (النسائي) [٧/ ١٠٧ بنحوه]: (وأمر بقتل عكرمة بن أبي جهل ومقيس بن صبابة وعبد الله بن سعد بن أبي سرح وامرأتين كانتا قينتين لمقيس بن صبابة). ضبط الجوهري مقيس بن صبابة ب (الصاد) , فقال: مقيس بن صبابة بكير الميم, رجل من قريش قتله النبي ﷺ يوم الفتح. و (من ﷺ على جماعة؛ منهم: ثمامة بن أثال) رواه مسلم [١٧٦٤] , (وعلى أبي العاصي بن الربيع) رواه أبو داوود [٢٦٨٥]. و (من يوم بدر على أبي عزة الجمحي) (١) الشاعر, واسمه عمرو, وقع في الأسر ولم يكن معه مال, فقال: يا رسول الله؛ إني ذو عيلة, فأطلقه لبناته الخمس على أن لا يرجع إلى القتال, فرجع إلى مكة ومسح عارضيه, وقال: خدعت محمدًا مرتين, وجاء عام أحد, فقال النبي ﷺ : (اللهم لا تقتله) قلم يقع في الأسر غيره, فقال: يا محمد؛ إني ذو عيلة فأطلقني, فقال ﷺ : (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين) (٢) وأمر بقتله, رواه الشافعي [أم ٤/ ٢٣٨] وابن ماجه [٣٩٨٢ ممختصرًا].

стр. 4542

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وروى مسلم منه [٢٩٩٨] (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين). وأفاد أبو داوود الطيالسي في هذا الحديث [١٨١٣]: أن معناه: لا يعاقب العبد على ذنب في الدنيا ثم يعاقب عليه في الآخرة. ويدل للمفادة بالأسرى: ما روى مسلم [١٦٤١] وأبو داوود [٣٣٠٠] والنسائي [سك ٨٥٣٨] عن عمران بن حصين: (أن النبي ﷺ فادى رجلًا أسره أصحابه برجلين أسرتهما ثقيف من أصحابه) , وأخذ المال في فداء أسرى بدر مشهورٌ, رواه مسلم [١٧٦٣] وألو داوود [٢٦٨٣] والنسائي والحاكم [٢/ ٣٢٩]. ويدل الاسترقاق: قوله تعالى: ﴿حَتَّى إذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الوَثَاقَ﴾ أي: بالاسترقاق. وروى الشافعي [أم ٤/ ٢٣٨] وغيره: (أن النبي ﷺ استرق من بني قريظة وبني المصطلق وهوزان) , وادعى القاضي أبو الطيب في هذا الإجماع. وشمل إطلاق المصنف (الاسترقاق) كل الشخص, وفي جواز استرقاق بعضه وجهان: أصحهما: نعم. قال البغوي: فإن منعناه وضرل الرق على بعضه .. رق كله. قال الرافعي وكان يجوز أن يقال: لا يرق منه شيء.

стр. 4543

فَإِنْ خَفِيَ الْأَحَظُّ حَبَسَهُمْ حَتَّى يَظْهَرَ، وَقِيلَ: لَا يُسْتَرَقُّ وَثَنِيٌّ، عَرَبِيٌّ فِي قَوْلٍ ــ وعلى الأول يقال: لنا صورة يسري فيه الرق كما يسري فيها العتق، وسيأتي في (باب النذر) حكم ما إذا نذر الإمام قتل كافر بعد الظفر به، وما اتفق للسلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى في ذلك. قال: (فإن خفي الأحظ ... حبسهم حتى يظهر)؛ لأنه راجع إلى الاجتهاد لا إلى التشهي كما تقدم، وجعله القاضي حسين خصلة خامسة، ولم يتابع عليه. قال: (وقيل: لا يسترق وثي)، كما لا يجوز تقريره بالجزية، وإلى هذا ذهب الإصطخري. والأصح: نعم؛ لما روى البيهقي [٦/ ٣٢٣] عن ابن عباس: أنه قال في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾: (إن ذلك كان يوم بدر وفي المسلمين قلة، فلما كثروا واشتد سلطانهم .. أنزل الله تعالى في الأسرى: فَإمَّا مَنًا بَعْدُ وإمَّا فِدَاءً، فجعل النبي ﷺ المؤمنين بالخيار فيهم: إن شاؤوا .. قتلوهم، وإن شاؤوا .. استعبدوهم، وإن شاؤوا .. فادوهم، ولم يفرق بين كافر وكافر). قال: (وكذا عربي في قول) أي: قديم؛ لما روى الشافعي [أم٤/ ٢٧١] في القديم بإسناد واه عن معاذ بن جبل: أن النبي ﷺ قال يوم حنين: (لو كان الاسترقاق جائزًا على العرب .. لكان اليوم، إنما هو إسار وفداء). فعلى هذا: يكون الخيار بين ثلاثة أمور: القتل والمن والفداء، وكذلك على وجه الإصطخري في الوثني. فروع: للإمام قتل بعض، والمن على بعض، واسترقاق بعض، ومفاداة بعض على حسب ما يراه. وإذا قتل مسلم الأسير قبل أن يختار الإمام فيه شيئًا .. عزره، فإن قتله بعد

стр. 4544

وَلَوْ أَسْلَمَ أَسِيرٌ عَصَمَ دَمَهُ وَبَقِيَ الْخِيَارُ فِي الْبَاقِي، -وَفِي قَوْلٍ: يَتَعَيَّنُ الرِّقُّ وَإِسْلَامُ كَافِرٍ قَبْلَ ظَفَرٍ بِهِ، يَعْصِمُ دَمَهُ وَمَالَهُ ــ الاسترقاق .. ضمن قيمته للغانمين، وإن قتله بعد المن ووصوله إلى مأمنه .. ضمن ديته لأهله، وإن كان قبل وصوله إليهم .. فلا شيء عليه وإن قتله بعد المفاداة. قال: (ولو أسلم أسير .. عصم دمه)؛ لقوله ﷺ : (فإذا قالوها عصموا مني دماءهم). قال: (وبقي الخيار في الباقي)؛ لأن المخير بين أشياء إذا سقط بعضها لعذر .. لا يسقط الخيار في الباقي، كما إذا سقط العتق في الكفارة لتعذره، لكن إنما تجوز المفاداة به إذا كان له عز وعشيرة يسلم بها دينه ونفسه. قال: (وفي قول: يتعين الرق) أي: بنفس الإسلام؛ لأنه أسير محرم القتل، فيمتنع المن عليه والفداء كالنساء والصبيان، وهل يقوم بذل الأسير الجزية وطلب عقد الذمة مقام الإسلام في تحريم القتل؟ فيه قولان: أصحهما: نعم. فعلى هذا: يبقى على خيرته فيما عدا القتل وجهًا واحدًا، قاله الماوردي. وعلى هذا: في جواز استرقاقه وجهان: أصحهما: الجواز. والثاني: لا، ويتعين عقد الذمة له. فرع: لم قتل مسلم أو ذمي الأسير قبل أن يرى الأمام رأيه فيه .. عزز ولا قصاص ولا دية؛ لأنه لا أمان له وهو حر إلى أن يسترق. قال: (وإسلام كافر قبل ظفر به يعصم دمه وماله)؛ لقوله تعالى ﴿فَإن تَابُوا وأَقَامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ والمراد: التزامهم أحكامنا، بدليل قوله في الآية الأخرى: ﴿فَإخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾.

стр. 4545

وَصِغَارَ وَلَدِهِ لَا زَوْجَتَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، ــ وفي (الصحيحين) (فإذا قالوها ... عصموا مني دماءهم وأموالهم)، ولسنا مأمورين بالشق عن قلبه. ولا فرق بين أن يسلم وهو محصور وقد قرب الفتح وبين أن يسلم في حال أمنه. وعن أبي حنيفة: أن إسلامه بعد المحاصرة ودنو الفتح لا يعصم نفسه عن الاسترقاق، ولا ماله عن الاغتنام. ولا فرق بين مال ومال. وعن أبي حنيفة: يجوز فيما في يده الحسية من الأموال دون العقارات. ولا فرق بين أن يكون في دار الإسلام أو دار الحرب. وقال مالك: إن أسلم في دار الإسلام .. عصم ماله الذي معه في دار الإسلام دون ما معه في دار الحرب. لنا: إطلاق الخبر السابق. قال: (وصغار ولده)، فيحكم بإسلامهم تبعًا له؛ لما روى الشافعي [أم٧/ ٣٤٩] والبيهقي [٩/ ١١٤]: (أن النبي ﷺ حاصر بني قريظة فأسلم ثعلبة وأسيد ابنا سعية، فعصم إسلامهما أموالهما وأولادهما الصغار). والحمل كالمنفصل، فلا يسترق تبعًا لأمه، وهل يعصم إسلام الجد ولد ابنه الصغير؟ فيه أوجه: أصحها: نعم، والثاني: لا، والثالث: إن كان الأب ميتًا ... عصم، وإلا .. فلا. والمجنون من اولاده كالصغير، فلو كان بلغ عاقلًا ثم جن .. عصمه أيضًا على الصحيح. وفي المرأة قول شاذ: إن إسلامها لا يعصم أولادها الصغار، قال الرافعي: فإن صح .. فيشبه أنها لا تستتبع الولد في الإسلام. قال: (لا زوجته على المذهب)، فلا يصونها من الاسترقاق ولو كانت حاملًا. ولابد من تقيد صغار ولده بالأحرار، والذي قاله المصنف هو المنصوص هنا،

стр. 4546

فَإِنْ اسْتُرِقَّتْ .. انْقَطَعَ نِكَاحُهُ فِي الحَالِ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ أَسْرُهَا بَعْدَ الدُّخُولِ .. انْتَظَرَتْ الْعِدَّةَ، فَلَعَلَّهَا تَعْتِقُ فِيهَا ..... ــ ونص على أن المسلم إذا أعتق كافرًا فالتحق بدار الحرب .. لا يرق كما سيأتي، وقيل: فيهما قولان، والمذهب: تقريرهما. والفرق: أن الولاء ألزم من النكاح؛ لأن النكاح يقبل الرفع، بخلاف الولاء، ويجري الخلاف في زوجة المسلم الحربية كما سيأتي في كلام المصنف، وكذا زوجة الحربي إذا أسلم وتخلفت كما قاله في (الكفاية). قال: (فإن استرقت ... انقطع نكاحه في الحال)، سواء قبل الدخول أو بعده؛ لأنه زال ملكها عن نفسها، فلأن تزول العصمة بينها وبين الزوج أولى؛ لأنها صارت أمة كتابية، وهي لا تنكح هذا إذا قلنا: تسترق، ولذلك أتى بـ (الفاء)، ولأن النبي ﷺ سبى أو طاس وبني المصطلق الرجال والنساء، فقسم السبي وأمر أن لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض، ولم يسأل عن ذات زوج ولا غيرها، ومعلوم أنه كان فيهم من لها زوج قال: (وقيل: إن كان) أي: الاسترقاق (بعد الدخول .. انتظرت العدة فلعلها تعتق فيها) فيدوم النكاح، كما لو ارتدت بعد الدخول. وعلى هذا: إن عتقت وأسلمت قبل انقضاء العدة .. استمر النكاح، وكذا إن عتقت ولم تسلم؛ لأن إمساك الحرة الكتابية للنكاح جائز، فلو أسلمت حامل تحت حربي ... لم تسترق هي ولا ولدها؛ لأنهما مسلمان. فائدة: معنى (لعل) الترجي، ولا يترجى بها إلا ما هو مشكوك فيه، فلا تقول: لعل الميت يعود، ولكن: لعل المسافر يؤوب، وفيها عشر لغات: لعل، وعل

стр. 4547

وَيَجُوزُ إرْقَاقُ زَوْجَةِ ذِمِّيٍّ، وَكَذَا عَتِيقُهُ فِيالْأَصَحِّ، لَا عَتِيقٍ مُسْلِمٍ وَزَوْجَتِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَإِذَا سُبِيَ الزَوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا .. انْفَسَخَ النِّكَاحُ إنْ كَانَا حُرَّيْنِ، ــ ولعنَّ، ورعنَّ، ورغنَّ، وعنَّ، ولأن، وأنَّ، ولغنَّ - باللام والغين المعجمة والنون- ولعلت، بزيادة التاء في آخرها. قال: (ويجوز إرقاق زوجة ذمي) أي: إذا كانت حربية وينقطع به نكاحه؛ لأن محل الرق الرقبة وهي فارغة عن استحقاق الذمي؛ فإن حقه المنفعة. فإن قيل: كلام الأصحاب هنا مخالف لقولهم: إن الحربي إذا بذل الجزية عصم نفسه وزوجته من الاسترقاق .. قلنا: المراد هناك: الزوجة الموجودة حين العقد فيتناولها العقد على جهة التبعية، والمراد هنا: الزوجة المتجددة بعد العقد؛ فإن العقد لم يتناولها، أو يحمل الأول على ما إذا كانت زوجته داخلة تحت القدرة حين عقد الذمة، والثاني على ما إذا لم تكن كذلك. قال: (وكذا عتيقه في الأصح)؛ لأن الذمي لو نقض العهد والتحق بدار الحرب .. استرق، فعتيقه أولى. والثاني: لا يسترق؛ لأن مال الذمي معصوم عن الاغتنام، والوجهان مفرعان على المنع في عتيق المسلم، فإن جوزناه .. فهنا أولى. قال: (لا عتيق مسلم وزوجته على المذهب) المراد: إذا أعتق المسلم كافرًا فالتحق بدار الحرب؛ لأن الولاء بعد ثبوته لا يرتفع. وأشار بقوله: (وزوجته) إلى أن المسلم إذا تزوج حربية في دار الحرب فسبيت .. ففي جواز استرقاقها طريقان: أظهرهما: المنع. والفرق بينه وبين الذمي: أن المسلم يتحيل الأمان في نكاحه ولا أمان في الذمي، والذي رجحه المصنف في هذه الصورة تبع فيه (المحرر)، وكلام (الروضة) و (الشرحين) يقتضي: الجواز. قال: (وإذا سبي الزوجان أو أحدهما .. انفسخ النكاح إن كانا حرين)، سواء كانا صغيرين أو كبيرين، وسواء كان ذلك قبل الدخول أم بعده؛ لأن الرق إذا حدث يزيل ملكها عن نفسها، فلأن تزول العصمة بينها وبين الزوج من باب أولى، ولأن

стр. 4548

قِيلَ: أَوْ رَقِيقَيْنِ. وإِذَا أُرِقَّ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ... لَمْ يَسْقُطْ فَيُقْضَى مِنْ مَالِهِ إنْ غَنِمَ بَعْدَ إرْقَاقِهِ، ــ المسلمين امتنعوا يوم أوطاس من وطء المسبيات؛ لأن لهن أزواجًا، فأنزل الله تعالى: ﴿والْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء﴾ ِ أي: المتزوجات ﴿إلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ رواه مسلم، فحرم المتزوجات إلا المملوكات، فدل على ارتفاع النكاح، وإلا .. لما حللن؛ لأنه ﷺ قال: (ألا لا توطأ حامل حتى تضع) ولم يفصل بين متزوجة وغيرها. وقال أبو حنيفة: لا ينفسخ النكاح إذا سبي الزوج وحده. وقال: (قيل: أو رقيقين)؛ لحدوث السبي، ولإطلاق الحديث، وكما لو سبيت أم ولد؛ فإنها تصير قنة. والأصح: لا ينقطع؛ لأنه لم يحدث رق، بل انتقال من شخص إلى شخص كالمبيع وغيره. قال: (وإذا أرق) أي: الحربي (وعليه دين ... لم يسقط)؛ لأن شغل الذمة قد حصل ولم يوجد ما يقتضي الإسقاط. هذا إذا كان لمسلم وكذا لذمي على الأصح، وإن كان لحربي .. فالظاهر: سقوطه، وفيه احتمالان للإمام. فلو كان للمسلم الذي سباه .. ففي سقوطه الوجهان فيما إذا كان له على عبد غيره دين فملكه .. هل يسقط؟ وهذا ظاهر في قدر حصته، أما الخمس .. فلا يملكه، فينبغي أن لا يسقط مقابلة قطعًا. ولو كان الدين لبعض الغانمين .. فيظهر أن يقال: أن وقع في حصته ... فعلى الوجهين، وإن وقع في حصة غيره ... لم يسقط قطعًا. قال: (فيقضي من ماله إن غنم بعد إرقاقه)، ويكون الدين مقدمًا على الغنيمة كما يقدم على الوصية وإن زال ملكه بالرق، كما أن الدين الذي على المرتد يقضي من ماله وإن حكمنا بزوال ملكه، ولأن الرق مالموت والحجر وكلاهما يعلق الدين بالمال. فإن غنم المال قبل استرقاقه .. ملكه الغانمون ولا يقضي منه الدين، كما لو انتقل

стр. 4549

وَلَوْ اقْتَرَضَ حَرْبِيٌّ مِنْ حَرْبِيٍّ أَوْ اشْتَرَى مِنْهُ ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ قَبِلَا جِزْيَةً .. دَامَ الْحَقُّ، وَلَوْ أُتْلِفَ عَلَيْهِ فَأَسْلَمَا .. فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ ــ ملكه بوجه آخر، وإن غنم مع استرقاقه .. فوجهان: أحدهما: يقدم الدين كما في التركة. وأصحهما: تقدم الغنيمة؛ لتعلقها بالعين، كما يقدم حق المجني عليه على حق المرتهن، وليس من المعية أن يقع الاغتنام مع الأسر؛ لأن المال يملك بنفس الأخذ والرق لا يحصل بنفس الأسر في الرجال الكاملين، ولكن يظهر ذلك في النسوة وفيما إذا وقع الاغتنام مع إرقاق الإمام بعد الأسر، وإذا لم يوجد مال يقضي منه الدين .. فهو في ذمته إلى أن يعتق. وإن كان المسبي مستأجرًا لمسلم .. لم تنفسخ الإجازة على الأصح، وإن كان مستأجرًا لحربي اتفسخت. وإن كان مستأجرًا لذمي .. فوجهان. وفي حلول الدين المؤجل بالرق وجهان مرتبان على الخلاف في الحلول بالفلس، وأولى بالحلول؛ لأنه يشبه الموت من حيث إنه يزيل الملك ويقطع النكاح. قال: (ولو اقترض حربي من حربي أو اشترى منه ثم أسلما أ, قبلا جزية) أي: معًا أو مرتبًا، وكذا إن قبلا أمانًا على الصحيح. قال: (.. دام الحق)، كما إذا أسلم الزوجان قبل قبض المهر الصحيح دون الخمر والخنزير. ولو سبق المقترض إلى الإسلام أو الأمان .. فالنص: أن الدين مستمر، كما لو أسلما. قال: (ولو أتلف عليه) أي: ألف حربي على حربي شيئًا (فأسلما) وكذا لو غصب منه (.. فلا ضمان في الأصح)؛ لأنه لم يلتزم شيئًا، والإسلام يجب ما قبله، والإتلاف ليس عقدًا يستدام، ولأن الحربي إذا قهر حربيًا على مالع ملكه، والإتلاف نوع من القهر، ولأن إتلاف مال الحربي لا يزيد على إتلاف مال المسلم، وهو لا يوجب الضمان على الحربي. والثاني: يجب الضمان؛ لأنه لازم لديهم فكأنهم تراضوا عليه.

стр. 4550

وَالْمَالُ الْمَاخُوذُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ قَهْرًا غَنِيمَةً، وَكَذَا مَا أَخَذَهُ وَاحِدٌ أَوْ جَمْعٌ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ سَرِقَةً، أَوْ وُجِدَ كَهَيْئَةِ اللُّقَطَةِ فِي الأَصَحْ، ــ تنبيه: تخصيص المتلف بكونه لحربي وكذا إسلامهما ليس شرطًا في عدم الضمان، بل لو أتلف الحربي على مسلم مالًا أو غصبه منه أو أسلم المتلف فقط .. لا ضمان أيضًا. ولو قهر بعض أهل الحرب بعضًا ... ملك القاهر المقهور، حتى لو قهر العبد سيده ... عتق وصار السيد رقيقًا له، قاله القاضي أبو الطيب والإمام. قال: (والمال المأخوذ من أهل الحرب قهرًا غنيمة)؛ لما تقدم في بابه، وإنما أعاده لضرورة التقسيم. قال: (وكذا ما أخذه واحد أو جمع من دار الحرب سرقة، أو وجد كهيئة اللقطة في الأصح) اشتمل كلامه على مسألتين: الأولى: ما أخذ من دار الحرب سرقة، والأصح عند الأكثرين: أنه غنيمة؛ لأن دخوله دار الحرب والتغرير بالنفس يقوم مقام القتال. والثاني: أنه لمن أخذه خاصة؛ لأنه ليس مأخوذا بقوة الجند ولا بقوة الإسلام حتى يكون فيئًا ولا بالقتال حتى يكون غنيمة، وجزم به الرافعي في (باب زكاة المعدن)، والإمام هنا، وادعى الاتفاق عليه، والفوراني والغزالي. ويوافقه ما ذكره البغوي وغيره: أن الرجل إذا دخل دار الحرب وأخذ منهم شيئًا على وجه السوم ثم جحده أو هرب به .. فهو له خاصة. كل هذا إذا لم يؤمنوه، فإن أمنوه .. فالأصح: أنه لا يملكه، وعليه رده إلى صاحبه، ويجبر عليه إذا طلبه. والثالث: أنه فيء، والتقييد بدار الحرب جرى فيه على الغالب؛ فإنه لا فرق بين دار الحرب وغيرها، فإنهم لو دخلوا دارنا فسرق منهم شيء ... كان حكمه كما لو سرق في دار الحرب، وإليه أشار في (التهذيب)

стр. 4551

فَإِنْ أَمْكَنَ كَوْنُهُ لِمُسْلِمٍ ... وَجَبَ تَعْرِيفُهُ. وَلِلْغَانِمِينَ التَّبَسُّطُ فِي الْغَنِيمَةِ بِأَخْذِ الْقُوتِ وَمَا يَصْلُحُ بِهِ ــ المسألة الثانية: الذي يؤخذ على هيئة اللقطة .. الأصح- الذي أجاب به عامة الأصحاب-: انه غنيمة؛ لما تقدم. والثاني- وبه قال الإمام والغزالي-: أنه لآخذه، وهو منهما بناء على قولهما: إن المسروق والمختلس يكونان لأحدهما، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في (باب اللقطة). قال: (فإن أمكن كونه لمسلم)؛ بأن كان هناك مسلمون (.. وجب تعريفه)؛ لعموم أمره ﷺ بتعريف اللقطة واحتمال كونها لحربي لا يمنع من ذلك، وبعد التعريف يعود الخلاف المذكور في أنه غنيمة أو للآخذ، ولم يصحح الشيخان شيئًا في قدر مدة التعريف. وقال أبو حامد: يعرف يومًا أو يومين وعن بعضهم ثلاثة أيام. وقال الإمام: يكفي أن يبلغ الخبر إلى الأجناد الذين هناك. والذي نص عليه في (الأم) أنه يعرفه بين المسلمين الذين هناك، فإذا لم يعرفوه ... رد في المغنم، وهو موافق لمقالة الإمام، وفي (المهذب) و (التهذيب) يعرف سنة كغيره. قال: (وللغانمين التبسط في الغنيمة بأخذ القوت وما يصلح به) كالزيت والسمن؛ لما روى البخاري [٣١٥٤] عن ابن عمر قال: (كنا نصيب في المغازي العسل والعنب فنأكله ولا نرفعه). و (في أبي داوود) [٢٦٩٤] عنه: (أن جيشًا غنموا طعامًا وعسلًا على عهد رسول الله ﷺ ، فلم يؤخذ منهم الخمس) يعني: مما تناولوه. والمعنى فيه: الحاجة الداعية إليه، فإن الطعام يعز في دار الحرب؛ فإنهم لا يبيعون منهم ويخبؤون أطعمتهم عنهم، فجعلها الشارع على الإباحة،

стр. 4552

لَحْمٌ وَشَحْمٌ وَكُلُّ طَعَامٍ يُعْتَادُ أَكْلُهُ عُمُومًا، ــ ولأنه قد يفسد وقد يتعذر نقله، أو تتجاوز مؤنة النقل ثمنه، ومحل ذلك قبل القسمة كما ذكره في (المحرر). ونبه بذكر (القوت) على أنه لا يجوز أخذ ما فوق حاجته، فلو أخذ فوق حاجته ... فعن النص: أنه يؤدي إلى المغنم، ولو أضاف به غيره من الغانمين .. فلا بأس، أو غير الغانمين ... فكما لو أضافه لمغصوب، وقد تقدم. وأفهم: أنه لا يجوز أخذ شيء من الأموال للانتفاع بها كلبس وركوب، فإن فعل .. لزمته الأجرة كما تلزمه القيمة إذا أتلف عينًا؛ لما روى أحمد [٤/ ١٠٨] وأبو داوود [٢١٥٢] وابن حبان [٤٨٥٠] عن رويفع بن ثابت الأنصاري: أن النبي ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر .. فلا يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها .. ردها إليه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر .. فلا يلبس ثوبًا من فيء المسلمين إذا أخلقه ... رده إليه). أما إذا احتاج إليه لبرد وغيره ... فقال الماوردي: يستأذن الإمام ويحسب عليه من سهمه، ويجوز أن يأذن له في لبسه بالأجرة للحاجة ثم يرده، ولا يجوز أن يستعمل السلاح إلا أن يضطر إليه في القتال ثم يرده إلى المغنم. قال: (ولحم وشحم وكل طعام يعتاد أكله عمومًا)، سواء أذن الإمام في ذلك أم لا؛ لما روى أبو داوود [٢٦٩٧] والحاكم [٢/ ١٢٦] عن عبد الله بن أبي أوفى قال: (أصبنا مع النبي ﷺ بخيبر طعامًا، فكان كل واحد منا يأخذ منه قدر كفايته). قال الرافعي: وفي رواية عنه: (كنا نأخذ من طعام المغنم ما شئنا). والمراد بـ (الشحم) الذي يؤكل، فإن كان لدهن الدواب أو تصلب حوافرها .. فلا في الأصح المنصوص. قال الرافعي: وعلى الجواز ينبغي أن يجوز الادهان بها.

стр. 4553

وَعَلَفُ الدَّوَابِّ تِبْنًا وَشَعِيرًا وَنَحْوَهُمَا، وَذَبْحُ مَاكُولٍ لِلَحْمِهِ ــ وقوله: (عمومًا) احترز به عن نحو الفانيد والسكر والأدوية التي تندر الحاجة إليها، فالأصح فيها: المنع؛ لندرة الحاجة، فمن احتاج إليها .... أخذ بقدر حاجته بقيمته. قال الرافعي: وينبغي مراجعة الأمير فيه، واعتبره في (الشرح الصغير). فرع: باع غانم ما أخذه لغانم آخر ... فهو إبدال مباح بمباح كإبدال الضيفان لقمة بلقمة، وكل واحد منهما أولى بما صار إليه، ولو تبايعا صاعًا بصاعين .. لم يكن ذلك ربًا؛ لأنه ليس بمعاوضة محققة، واعترضه في (المهمات) بما فيه نظر. قال: (وعلف الدواب تبنًا وشعيرًا ونحوهما)؛ للحاجة إلى ذلك، فأشبها قوته. والمراد: الدواب التي لا يستغني عنها في الحرب، كفرسه والبهيمة التي تحمل سلاحه وماءه؛ لأن أمير جيس لعمر كتب إليه يستأذنه في طعام بلد دخلوه، فكتب إليه: أن يأكلوا ويعلفوا دوابهم ولا يبيعوا. وقيل: لا يأخذ إلا علف واحدة، ولو كان معه دابة أخرى يستظهر بها لركوبة أو لحمولته ... فله علفها في الأصح، وأما البزاة والفهود والنمور ... فلا يجوز إطعامها. و (العلف) هنا بفتح اللام. قال: (وذبح مأكول للحمه)؛ لأنه مأكول عادة فكان كتناول الأطعمة، وسواء في ذلك الغنم وغيرها، وأشار الإمام إلى تخصيصه بالغنم، وصرح به الغزالي؛ لأن الأغنام كالأطعمة، ولذلك قال ﷺ في ضالتها: (هي لك أو لأخيك أو للذئب). وقيل: لا يجوز الذبح؛ لندور الحاجة، فإن اضطر ... جاز قولًا واحدًا. ونبه بقوله: (للحمه) على أنه يجب رد جلد المذبوح إلى المغنم إلا ما يؤكل مع اللحم، ولا يجوز أن يتخذ من الجلد سقاء ولا حذاء ولا شراكًا، فإن فعل ... وجب

стр. 4554

والصحيح: جواز الفاكهة، وأنه لا تجب قيمة المذبوح، وأنه لا يختص الجواز بمحتاج إلى طعام وَعَلَفٍ، ــ رد المصنوع لذلك، زلا شيء له إن زادت قيمته بالصنعة، فإن نقص ... لزمه أرشه، وإن استعمله ..... لزمته أجرته. قال: (والصحيح: جواز الفاكهة) رطبًا ويابسًا؛ لحديث ابن عمر المتقدم الذي ذكر فيه العنب. والثاني: لا؛ لعدم الحاجة إليها. قال الإمام: ويمكن الفرق بين ما يتسارع إليه الفساد ويشق نقله وبين غيره، والجمهور لم يفرقوا. قال صاحب (المهذب) وتباح الحلوى كالفواكه. قال: (وأنه لا تجب قيمة المذبوح) كما لاتجب قيمة الطعام المأخوذ للأكل، وأشار الغزالي إلى القطع به إذا تعذر سوقه. والثاني: تجب القيمة لبقية الغانمين وأهل الخمس؛ لأن الأخبار التي وردت إنما هي في الطعام، والحيوان ليس بطعام، ولهذا يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلًا كما تقدم. وفائدة إباحة الذبح مع التضمين: نفي الإثم، وعدم ضمان ما نقص بالذبح، وأنه يضمن قيمة اللحم خاصة، وذلك دون قيمة الحيوان. قال: (وأنه لا يختص الجواز بمحتاج إلى طعام وعلف)؛ لإطلاق الأحاديث والآثار الواردة في الباب، فصار كالماء المباح يستوي فيه الغني والفقير. لكن نقل الإمام عن المحققين فيما إذا قل الطعام وازدحموا عليه: أن الإمام يضع يده عليه: ويقسمه على ذوي الحاجات، ويقول لمن معه ما يكفيه: اكتفي بما معك ولا تزاحم ذوي الحاجات. والثاني: يختص بالمحتاج؛ لاستغناء غيره عن أخذ حق الغير. قال البغوي: ولهم التزود لقطع مسافة بين أيديهم، والذي يأخذه لا يملكه

стр. 4555

وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِمَنْ لَحِقَ الْجَيْشَ بَعْدَ الْحَرْبِ وَالحِيَازَةِ، وَأَنَّ مَنْ رَجَعَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَمَعَهُ بَقِيَّةٌ .. لَزِمَهُ رَدُّهَا إلَى الْمَغْنَمِ ــ بالأخذ، لكنه كالضيف أبيح له الأخذ للأكل، وفي (الحاوي الصغير) أنه يملكه، ولا يعرف لغيره. قال: (وأنه لا يجوز ذلك لمن لحق الجيش بعد الحرب والحيازة)؛ لأنه أجنبي عنهم، كغير الضيف مع الضيف. والثاني: الجواز؛ للحاجة لحضور دار الحرب التي هي مظنة عزة الطعام. وعبارة (الكتاب) و (المحرر) و (الروضة) تفهم جواز التبسط قبل الحيازة، فيحتاج إلى الفرق بينه وبين الغنيمة. وعطف المسألة على التي قبلها يقتضي ضعف الخلاف، وهو خلاف ما في (الروضة). قال: (وأن من رجع إلى دار الإسلام ومعه بقية .. لزمه ردها إلى المغنم)؛ لزوال الحاجة، ولتعلق حق الجميع بها. والثاني: لا؛ لإباحة الأخذ. والثالث- وبه قالمالك وأحمد-: إن كان قليلًا لا يبالي به ككسر الخبز وبقية التبن في المخالي .. لا يرد، وإلا .. فيرد. وقال أبو حنيفة: إن قسمت الغنيمة .. باعه وتصدق بثمنه، وإلا .. رده إلى المغنم. والوصول إلى دار يسكنها أهل الذمة أو العهد وهي في قبضتنا كدار الإسلام كما قاله في (الكفاية)؛ لأن الرافعي جعلها كذلك في منع التبسط فيها. ومحل ما ذكره المصنف: ما إذا كان قبل القسمة، فإن كان بعدها وأمكن افرقته كما فرقت الغنيمة .. فرق، وإن لم يمكن لقلته أو لتفرق الغانمين ... فعن الصيدلاني: جعله في المصالح، وخطأه الإمام، وقال: إخراج الخمس منه ممكن، وإنما هذا في الأربعة الأخماس.
следующие страницы →