← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13783

النجم الوهاج في شرح المنهاج

الدميري

Полный текст (5 377 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.

стр. 4551

فَإِنْ أَمْكَنَ كَوْنُهُ لِمُسْلِمٍ ... وَجَبَ تَعْرِيفُهُ. وَلِلْغَانِمِينَ التَّبَسُّطُ فِي الْغَنِيمَةِ بِأَخْذِ الْقُوتِ وَمَا يَصْلُحُ بِهِ ــ المسألة الثانية: الذي يؤخذ على هيئة اللقطة .. الأصح- الذي أجاب به عامة الأصحاب-: انه غنيمة؛ لما تقدم. والثاني- وبه قال الإمام والغزالي-: أنه لآخذه، وهو منهما بناء على قولهما: إن المسروق والمختلس يكونان لأحدهما، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في (باب اللقطة). قال: (فإن أمكن كونه لمسلم)؛ بأن كان هناك مسلمون (.. وجب تعريفه)؛ لعموم أمره ﷺ بتعريف اللقطة واحتمال كونها لحربي لا يمنع من ذلك، وبعد التعريف يعود الخلاف المذكور في أنه غنيمة أو للآخذ، ولم يصحح الشيخان شيئًا في قدر مدة التعريف. وقال أبو حامد: يعرف يومًا أو يومين وعن بعضهم ثلاثة أيام. وقال الإمام: يكفي أن يبلغ الخبر إلى الأجناد الذين هناك. والذي نص عليه في (الأم) أنه يعرفه بين المسلمين الذين هناك، فإذا لم يعرفوه ... رد في المغنم، وهو موافق لمقالة الإمام، وفي (المهذب) و (التهذيب) يعرف سنة كغيره. قال: (وللغانمين التبسط في الغنيمة بأخذ القوت وما يصلح به) كالزيت والسمن؛ لما روى البخاري [٣١٥٤] عن ابن عمر قال: (كنا نصيب في المغازي العسل والعنب فنأكله ولا نرفعه). و (في أبي داوود) [٢٦٩٤] عنه: (أن جيشًا غنموا طعامًا وعسلًا على عهد رسول الله ﷺ ، فلم يؤخذ منهم الخمس) يعني: مما تناولوه. والمعنى فيه: الحاجة الداعية إليه، فإن الطعام يعز في دار الحرب؛ فإنهم لا يبيعون منهم ويخبؤون أطعمتهم عنهم، فجعلها الشارع على الإباحة،

стр. 4552

لَحْمٌ وَشَحْمٌ وَكُلُّ طَعَامٍ يُعْتَادُ أَكْلُهُ عُمُومًا، ــ ولأنه قد يفسد وقد يتعذر نقله، أو تتجاوز مؤنة النقل ثمنه، ومحل ذلك قبل القسمة كما ذكره في (المحرر). ونبه بذكر (القوت) على أنه لا يجوز أخذ ما فوق حاجته، فلو أخذ فوق حاجته ... فعن النص: أنه يؤدي إلى المغنم، ولو أضاف به غيره من الغانمين .. فلا بأس، أو غير الغانمين ... فكما لو أضافه لمغصوب، وقد تقدم. وأفهم: أنه لا يجوز أخذ شيء من الأموال للانتفاع بها كلبس وركوب، فإن فعل .. لزمته الأجرة كما تلزمه القيمة إذا أتلف عينًا؛ لما روى أحمد [٤/ ١٠٨] وأبو داوود [٢١٥٢] وابن حبان [٤٨٥٠] عن رويفع بن ثابت الأنصاري: أن النبي ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر .. فلا يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها .. ردها إليه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر .. فلا يلبس ثوبًا من فيء المسلمين إذا أخلقه ... رده إليه). أما إذا احتاج إليه لبرد وغيره ... فقال الماوردي: يستأذن الإمام ويحسب عليه من سهمه، ويجوز أن يأذن له في لبسه بالأجرة للحاجة ثم يرده، ولا يجوز أن يستعمل السلاح إلا أن يضطر إليه في القتال ثم يرده إلى المغنم. قال: (ولحم وشحم وكل طعام يعتاد أكله عمومًا)، سواء أذن الإمام في ذلك أم لا؛ لما روى أبو داوود [٢٦٩٧] والحاكم [٢/ ١٢٦] عن عبد الله بن أبي أوفى قال: (أصبنا مع النبي ﷺ بخيبر طعامًا، فكان كل واحد منا يأخذ منه قدر كفايته). قال الرافعي: وفي رواية عنه: (كنا نأخذ من طعام المغنم ما شئنا). والمراد بـ (الشحم) الذي يؤكل، فإن كان لدهن الدواب أو تصلب حوافرها .. فلا في الأصح المنصوص. قال الرافعي: وعلى الجواز ينبغي أن يجوز الادهان بها.

стр. 4553

وَعَلَفُ الدَّوَابِّ تِبْنًا وَشَعِيرًا وَنَحْوَهُمَا، وَذَبْحُ مَاكُولٍ لِلَحْمِهِ ــ وقوله: (عمومًا) احترز به عن نحو الفانيد والسكر والأدوية التي تندر الحاجة إليها، فالأصح فيها: المنع؛ لندرة الحاجة، فمن احتاج إليها .... أخذ بقدر حاجته بقيمته. قال الرافعي: وينبغي مراجعة الأمير فيه، واعتبره في (الشرح الصغير). فرع: باع غانم ما أخذه لغانم آخر ... فهو إبدال مباح بمباح كإبدال الضيفان لقمة بلقمة، وكل واحد منهما أولى بما صار إليه، ولو تبايعا صاعًا بصاعين .. لم يكن ذلك ربًا؛ لأنه ليس بمعاوضة محققة، واعترضه في (المهمات) بما فيه نظر. قال: (وعلف الدواب تبنًا وشعيرًا ونحوهما)؛ للحاجة إلى ذلك، فأشبها قوته. والمراد: الدواب التي لا يستغني عنها في الحرب، كفرسه والبهيمة التي تحمل سلاحه وماءه؛ لأن أمير جيس لعمر كتب إليه يستأذنه في طعام بلد دخلوه، فكتب إليه: أن يأكلوا ويعلفوا دوابهم ولا يبيعوا. وقيل: لا يأخذ إلا علف واحدة، ولو كان معه دابة أخرى يستظهر بها لركوبة أو لحمولته ... فله علفها في الأصح، وأما البزاة والفهود والنمور ... فلا يجوز إطعامها. و (العلف) هنا بفتح اللام. قال: (وذبح مأكول للحمه)؛ لأنه مأكول عادة فكان كتناول الأطعمة، وسواء في ذلك الغنم وغيرها، وأشار الإمام إلى تخصيصه بالغنم، وصرح به الغزالي؛ لأن الأغنام كالأطعمة، ولذلك قال ﷺ في ضالتها: (هي لك أو لأخيك أو للذئب). وقيل: لا يجوز الذبح؛ لندور الحاجة، فإن اضطر ... جاز قولًا واحدًا. ونبه بقوله: (للحمه) على أنه يجب رد جلد المذبوح إلى المغنم إلا ما يؤكل مع اللحم، ولا يجوز أن يتخذ من الجلد سقاء ولا حذاء ولا شراكًا، فإن فعل ... وجب

стр. 4554

والصحيح: جواز الفاكهة، وأنه لا تجب قيمة المذبوح، وأنه لا يختص الجواز بمحتاج إلى طعام وَعَلَفٍ، ــ رد المصنوع لذلك، زلا شيء له إن زادت قيمته بالصنعة، فإن نقص ... لزمه أرشه، وإن استعمله ..... لزمته أجرته. قال: (والصحيح: جواز الفاكهة) رطبًا ويابسًا؛ لحديث ابن عمر المتقدم الذي ذكر فيه العنب. والثاني: لا؛ لعدم الحاجة إليها. قال الإمام: ويمكن الفرق بين ما يتسارع إليه الفساد ويشق نقله وبين غيره، والجمهور لم يفرقوا. قال صاحب (المهذب) وتباح الحلوى كالفواكه. قال: (وأنه لا تجب قيمة المذبوح) كما لاتجب قيمة الطعام المأخوذ للأكل، وأشار الغزالي إلى القطع به إذا تعذر سوقه. والثاني: تجب القيمة لبقية الغانمين وأهل الخمس؛ لأن الأخبار التي وردت إنما هي في الطعام، والحيوان ليس بطعام، ولهذا يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلًا كما تقدم. وفائدة إباحة الذبح مع التضمين: نفي الإثم، وعدم ضمان ما نقص بالذبح، وأنه يضمن قيمة اللحم خاصة، وذلك دون قيمة الحيوان. قال: (وأنه لا يختص الجواز بمحتاج إلى طعام وعلف)؛ لإطلاق الأحاديث والآثار الواردة في الباب، فصار كالماء المباح يستوي فيه الغني والفقير. لكن نقل الإمام عن المحققين فيما إذا قل الطعام وازدحموا عليه: أن الإمام يضع يده عليه: ويقسمه على ذوي الحاجات، ويقول لمن معه ما يكفيه: اكتفي بما معك ولا تزاحم ذوي الحاجات. والثاني: يختص بالمحتاج؛ لاستغناء غيره عن أخذ حق الغير. قال البغوي: ولهم التزود لقطع مسافة بين أيديهم، والذي يأخذه لا يملكه

стр. 4555

وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِمَنْ لَحِقَ الْجَيْشَ بَعْدَ الْحَرْبِ وَالحِيَازَةِ، وَأَنَّ مَنْ رَجَعَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَمَعَهُ بَقِيَّةٌ .. لَزِمَهُ رَدُّهَا إلَى الْمَغْنَمِ ــ بالأخذ، لكنه كالضيف أبيح له الأخذ للأكل، وفي (الحاوي الصغير) أنه يملكه، ولا يعرف لغيره. قال: (وأنه لا يجوز ذلك لمن لحق الجيش بعد الحرب والحيازة)؛ لأنه أجنبي عنهم، كغير الضيف مع الضيف. والثاني: الجواز؛ للحاجة لحضور دار الحرب التي هي مظنة عزة الطعام. وعبارة (الكتاب) و (المحرر) و (الروضة) تفهم جواز التبسط قبل الحيازة، فيحتاج إلى الفرق بينه وبين الغنيمة. وعطف المسألة على التي قبلها يقتضي ضعف الخلاف، وهو خلاف ما في (الروضة). قال: (وأن من رجع إلى دار الإسلام ومعه بقية .. لزمه ردها إلى المغنم)؛ لزوال الحاجة، ولتعلق حق الجميع بها. والثاني: لا؛ لإباحة الأخذ. والثالث- وبه قالمالك وأحمد-: إن كان قليلًا لا يبالي به ككسر الخبز وبقية التبن في المخالي .. لا يرد، وإلا .. فيرد. وقال أبو حنيفة: إن قسمت الغنيمة .. باعه وتصدق بثمنه، وإلا .. رده إلى المغنم. والوصول إلى دار يسكنها أهل الذمة أو العهد وهي في قبضتنا كدار الإسلام كما قاله في (الكفاية)؛ لأن الرافعي جعلها كذلك في منع التبسط فيها. ومحل ما ذكره المصنف: ما إذا كان قبل القسمة، فإن كان بعدها وأمكن افرقته كما فرقت الغنيمة .. فرق، وإن لم يمكن لقلته أو لتفرق الغانمين ... فعن الصيدلاني: جعله في المصالح، وخطأه الإمام، وقال: إخراج الخمس منه ممكن، وإنما هذا في الأربعة الأخماس.

стр. 4556

وَمَوْضِعُ التَّبَسُّطِ دَارُهُمْ، وَكَذَا مَا لَمْ يَصِلْ عُمْرَانُ الْإِسْلَامِ فِي الْأَصَحِّ. وَلِغَانِمٍ رَشِيدٍ وَلَوْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِفَلَسِ الْإِعْرَاضِ عَنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ القِسْمَةٍ، ــ ثم عطف المسألة على ما قبلها يقتضي: أن الخلاف أوجه، وهو في (الروضة) أقوال. و (المغنم) الموضع الذي تجتمع فيه أموال الغنيمة. قال: (وموضع التبسط دارهم)؛ لأنها موضع العزة، فإن انتهوا إلى عمران دار الإسلام وتمكنوا من الشراء ... فإنه لا يجوز التبسط قطعًا. قال: (وكذا ما لم يصل عمران الإسلام في الأصح)؛ لبقاء الحاجة إليه. وروى ابن أبي شيبة [٧/ ٦٨٤] عن ابن عباس: أنه لم ير بأسًا أن يأكل الرجل الطعام في دار الشرك حتى يرحل منه. والثاني: المنع؛ لأن مظنة الحاجة دار الحرب فيناط الحكم بها. فعلى الأصح: لو وجدوا في دار الحرب سوقًا وتمكنوا من الشراء .. ففي جواز التبسط وجهان؛ لانعكاس التوجيهين، وقطع الإمام بالجواز فيها، وقال: لم أر أحدًا منعه بهذا السبب، وجعل دار الحرب مظنة الحاجة كما أن السفر مظنة المشقة، فيجوز الترخص وإن عدمت في وقت. قال ابن الرفعة: وينبغي أن يكون الخلاف هنا مرتبًا على الخلاف فيمن ملك قدر كفايته، وأولى بالجواز. والمراد بـ (عمران الإسلام) ما يجدون فيه حاجتهم من الطعام والعلف كما هو الغالب، فلو لم يجدوا فيها ذلك .. فلا أثر له في منع التبسط في الأصح. قال: (ولغانم رشيد ولو محجور عليه بفلس اإعراض عن الغنيمة قبل القسمة)؛ لأن الغرض الأعظم من الجهاد إعلاء كلمة الله تعالى والذب عن الملة، والغنائم تابعة، فمن أعرض عنها .. فقد جرد قصده للغرض الأعظم. وصورة الإعراض: أن يقول: أسقطت حقي من الغنيمة. فإن قال: رهبت نصيبي منها للغانمين وأراد التمليك .. فأقوى الوجهين في

стр. 4557

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (الشرح) و (الروضة) المنع؛ لأنه مجهول. وجعلوا المحجور عليه بالفلس كغيره؛ لمعنى الإخلاص، ولأن اختيار التملك كابتداء الاكتساب وهو لا يجب عليه، وأيضًا الغنيمة لا تملك قبل القسمة كما سيأتي، وإنما ملك أن يتملك كالشفعة فيسقط نصيبه بالإعراض. وتقييد (الغانم) بكونه رشيدًا ليس في (المحرر)، ولابد منه؛ فلا يصح إعراض الصبي والمجنون. وقوله: (بفلس) خرج به المحجور عليه بسفه كما أظهر احتمالي الإمام، ورجح في (المهمات) جواز إعراضه، لكن لو رشد الصبي أو المحجور عليه بسفه قبل القسمة .. صح إعراضه. وبقي من الشروط: أن يكون حرًا، فلا يصح إعراض العبد ويصح إعراض سيده؛ لأن الحق له، وكذا وارث من مات من غير إعراض، بخلاف ولي الصبي والمجنون، وإن قلنا: لا ملك للصبي وإنما له حق التملك بخلاف حق الشفعة ... فإن للولي إسقاطه إذا رأي المصلحة فيه. وكان ينبغي للمصنف أن يقول: (قبل القسمة وقبل قوله: اخترت القسمة)؛ فإن ذلم يمنع من الإعراض كما هو أشبه الوجهين. وأما إذا قسم الإمام قسمة بحكم؛ بأن خص بعضهم ببعض الأنواع والأعيان أو أفرز لكل طائفة شيئًا أو لكل واحد نصيبًا ... فالأصح: جواز الإعراض قبل الاختيار أيضًا؛ بناء على عدم الملك بذلك؛ إذ لابد مناختيار التملك كما صححه الرافعي، لكن نص الشافعي وجماعة على أنهم يملكون بإفراز الإمام مع قبضهم له، وكذا مع حضورهم. وسكت الأصحاب عما لو رجع بعد إعراضه، ويشبه أن له ذلك قبل القسمة لا بعدها، ويصير إعراضه كالهبة والقسمة كالقبض، وهذا كما لو أعرض عن كسر الخبز والسنابل ونحوها؛ فإن له تملكها قبل أن يأخذها غيره.

стр. 4558

وَالْأَصَحُّ جَوَازُهُ بَعْدَ فَرْزِ الْخُمُسِ وَجَوَازِهِ لِجَمِيعِهِمْ، وَبُطْلَانُهُ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى وَسَالِب، ــ قال: (والأصح: جوازه) أي: الإعراض (بعد فرز الخمس) أي: وبعد إفراز ما يخرج من رأس مال الغنيمة؛ لأن إفراز الخمس لا يتعين به حق كل واحد من الغانمين، بل كل واحد على ما كان عليه وإن تميز به حقهم عن الجهات العامة. والثاني: لا يجوز؛ لأن بالإفراز يصير الباقي لهم كسائر الأموال المشتركة. ولا فرق في جريان الخلاف بين أن يطلب الغانمون القسمة من الإمام أو يقسم بنفسه، وخصه الإمام بحالة طلب القسمة. قال: (وجوازه لجميعهم)؛ لأن المعنى الذي لأجله صح إعراض الواحد موجود في الجميع، وحينئذ تصرف الأخماس الأربعة إلى مصارف الخمس. والثاني: لا يجوز؛ لأنه يلزم منه صرف حقوقهم إلى مصارف الخمس، وليس لتلك المصارف إلا الخمس للآية فلا يبقى مصرف. قال: (وبطلانه من ذوي القربى)؛ لأنهم يستحقون سهمهم بلا عمل، وهو منحة من الله من غير تعب وشهود وقعة، فأشبه الإرث. والثاني: يصح كإعراض الغانمين، ومال إليه ابن الرفعة. والوجهان فيما إذا أعرضوا كلهم، فإن أعرض بعضهم ... فينبغي أن يكون الحكم كذلك، بخلاف إعراض بعض الغانمين؛ فإنه يصح قطعًا. ومقتضى كلام (الحاوي الصغير) أنه يصح إعراض بعض ذوي القربى، وليس كذلك. وإنما خص ذوي القربى بالذكر دون بقية أهل الخمس كاليتامى؛ لأنها جهات عامة لا يفرض فيها إعراض كالفقراء والصدقات. قال: (وسالب)؛ لأن السلب متعين له كالإرث. وقيل: يصح كإعراض بقية الغانمين، ولأن علي بن أبي طالب ﵁ قتل عمرو بن عبد ود فقال له عمر: (هلا استلبته درعه؛ فإنه ليس للعرب درع خير

стр. 4559

وَالْمُعْرِضُ كَمَنْ لَمْ يَحْضُرْ، وَمَنْ مَاتَ ... فَحَقُّهُ لِوَارِثِهِ، وَلَا تُمْلَكُ إلَّا بِقِسْمَةٍ، وَلَهُمْ التَّمَلُّكْ، وَقِيلَ: يَمْلِكُونَ، وَقِيلَ إنْ سَلِمَتْ إلَى الْقِسْمَةِ .. بَانَ مِلْكُهُمْ، وَإِلَّا ... فَلَا، وَيُمْلَكُ الْعَقَارُ بِالِاسْتِيلَاءِ كَالْمَنْقُولِ ... ، ــ منها؟)، فقال: (إني لما ضربته .. اتقاني بسوءته؛ فلم أسلبه). قال: (والمعرض كمن لم يحضر)، فيضم نصيبه إلى المغنم ويقسم أخماسًا. وقيل: يرجع إلى أهل الخمس خاصة؛ لأن الغنائم في الأصل لله تعالى، قال تعالى: قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ، فمن أعرض .... رجعت حصته إلى أصلها. قال: (ومن مات ... فحقه لوارثه)؛ لأنه حق ثبت للمورث فينتقل للوارث كغيره من الحقوق، ولا يخفي أن المراد: إذا لم يعرض؛ لأن المعرض لا حق له. قال: (ولا تملك) أي: الغنيمة (إلا بقسمة)؛ لأنهم لو ملكوا بالاستيلاء ..... لم يصح إعراضهم كالمحتطب ونحوه، ولأنها لو تأخرت حولًا .... لم تجب الزكاة. قال: (ولهم التملك) أي: بين الحيازة والقسمة. وليس المراد: تجويز التملك قبل القسمة باختيارهم، بل المراد: أن لهم حق التملك شرعًا وإن لم يتمكلوا. قال: (وقيل: يملكون) أي: بانقضاء الحرب وحيازة المال؛ لأنه قبل الحيازة معرض للاسترداد فلم يكمل الاستيلاء والحيازة. و (الحوز) الجمع والضم. قال: (وقيل: إن سلمت إلى القسمة ... بان ملكهم، وإلا .... فلا)، فعلى هذا: الملك موقوف؛ لأن قصد الاستيلاء على المال لا يتحقق إلا بالقسمة، فإذا اقتسموا ... تبينا قصد التملك بالاستيلاء فتبين حصول الملك. قال: (ويملك العقار بالاستيلاء كالمنقول)، فيختص الغانمون به كاختصاصهم بالمنقول المملوك بجامع المالية. وعن أبي حنيفة: يتخير الإمام فيها بين أن يقسمها بين الغانمين وبين أن يقفها على المسلمين كما فعل عمر. وحجتنا عليه: القياس على المنقول بجامع المالية، ولعموم قوله تعالى:

стр. 4560

وَلَوْ كَانَ فِيهَا كَلْبٌ أَوْ كِلَابٌ تَنْفَعُ وَأَرَادَهُ بَعْضُهُمْ وَلَمْ يُنَازَعْ .... أُعْطِيَهُ، وَإِلَّا .... أُعْطِيَهُ، وَإِلَّا إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا ... أُقْرِعَ ــ ﴿واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ﴾؛ ولأنه ﷺ قسم خيبر بين الغانمين، وهذا مراد المصنف بالتشبيه، وإلا ... فقد سبق أن المنقول لا يملك إلا بالقسمة. ولم يذكر في (الروضة) هذا التشبيه. ومراده بـ (العقار) العامر، أما الموات ... فلا يملك بالاستيلاء كما صرحوا به في باب (إحياء الموات)؛ لأن الكفار لم يملكوه، فكيف يتملك عنهم؟! وبه صرح الجرجاني في (التحرير) في (باب الغنيمة). ومراد المصنف: أنه يختص به الغانمون كاختصاصهم بالمنقول بجامع المالية، وليس المراد: أنه يملك بمجرد الاستيلاء؛ فإن في ملكهم العقار الأوجه الثلاثة السابقة. قال: (ولو كان فيها كلب أو كلاب تنفع وأراده بعضهم) أي: بعض الغانمين أو بعض أهل الخمس (ولم ينازع .. أعطيه)؛ إذ لا ضرر في ذلك على غيره. قال: (وإلا) أي: وإن نوزع (.. قسمت إن أمكن)؛ وذلك بأن توجد عدة كلاب وأمكن قسمتها عددًا. وذكروا في (الوصية) اعتبار قيمتها عند من يراها واعتبار منافعها، فيمكن القول به هنا. قال: (وإلا .. أقرع)؛ لأن القرعة تقطع المنازعة. وصرح الجرجاني بأن الكلب لا يدخل في القسمة، غير أنه لا مناسبة لذكر هذه المسألة هنا، وهي في (المحرر) قبل (فصل نساء الكفار وصبيانهم) عقب ذكر إتلاف الحيوان، وهو مناسب. والمراد بـ (النفع) الاصطياد وحراسة الزرع أو الماشية، وكذا حراسة الدور على الأصح.

стр. 4561

وَالصَّحِيحُ أَنْ سَوَادَ الْعِرَاقِ فُتِحَ عَنْوَةً وَقُسِّمَ ثُمَّ بَذَلُوهُ وَوُقِفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، ــ قال: (والصحيح: أن سواد العراق فتح عنوة وقسم) روى أبو عبيد في كتاب (الأموال) بإسناد صحيح: أن سواد العراق فتحه عمر، وحكى الشيخ أبو حامد فيه الإجماع. وإنما اختلفوا في كيفية فتحه: فقال الجمهور: فتح عنوة؛ إذ لو كان صلحًا لم يقسم. وقيل: فتح صلحًا، وأنه رده عليهم بخراج يؤدونه كل سنة. وقيل: بعضه كذا، وبعضه كذا. وقيل: بالوقف، وهو رأي أبي الطيب بن سلمة؛ فإنه قال: لا أدري كيف كان. وتعبير المصنف بـ (الأصح) يقتضي: أن يكون الخلاف وجهين، وحكاهما الماوردي قولين منصوصين. وإضافة (السواد) إلى (العراق) من باب إضافة الجنس إلى بعضه؛ فإن السواد أزيد من العراق بخمسة وثلاثين فرسخًا كما قاله الماوردي. سمي سوادًا؛ لأنهم خرجوا من البادية فرأوا خضرة الزرع بين الأشجار الملتفة فقالوا: ما هذا السواد؟ وقيل: سمي بذلك؛ لكثرة ما حكي من سواد القوم. وقيل: لعدم طلوع الشمس فيه على الأرض. والصحيح: أن عمر فتحه عنوة وقسمه بين الغانمين، ثم خاف أن يتعلقوا بأذناب البقر ويتركوا الجهاد، فاستمال قلوبهم عنها بعوض، ووقفها على المسلمين، ثم آجرها من سكان العراق يؤدونه كل سنة بإجازة مؤبدة، واحتمل ذلك للمصلحة العامة. قال: (ثم بذلوه ووقف على المسلمين) أي: ثم القسمة بذلة الغانمون ووقفه

стр. 4562

وَخَرَاجُهُ أُجْرَةٌ تُؤَدَّى كُلَّ سَنَةٍ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، ــ عمر؛ لما روى البيهقي [٩/ ١٤١]: أن عتبة بن فرقد اشترى أرضًا من أرض السواد، فأتى عمر فأخبره، فقال: (ممن اشتريتها؟) قال: (من أهلها)، فلما حضر المهاجرون والأنصار .... قال له عمر: (هؤلاء أربابها، أبعتموه شيئًا؟) قالوا: (لا)، قال: (ارجع فرد الأرض على من باعك، وخذ الثمن منه) فدل على أنها وقف، وإلا ... لم يرد الشراء. وعن سفيان الثوري قال: أرض العراق لا يجوز بيعها. قال: (وخراجه أجرة تؤدى كل سنة لمصالح المسلمين)، فيقدم الأهم فالأهم. وعلى هذا: لا يجوز رهنه ولا هبته ولا بيعه، ويجوز لأربابها إجارتها إجارة مؤقتة، وفي إجارتها لهم مؤبدة وجهان: الأصح: المنع. وليس لأحد من المسلمين أن يأخذ قطعة منها ممن اتصلت إليه من آبائه وأجداده، ويقول: أنا أعطي غلته؛ لأن عمر ﵁ آجرها منهم على التأبيد، ولا تنفسخ الإجارة بموت العاقدين. وقال أبو حنيفة: لم يتملكه عمر، بل ضرب عليهم خراجًا مع تقرير ملكهم، وزعم أن ذلك خراج لا يسقط بالإسلام. وفي وجه- اختاره ابن سريج-: أنه يصح بيع أرض العراق؛ لأن عمر باعها من سكانها ليؤدوا الثمن على ممر الأيام، إلا أن هذا ثمن غير مقدر ولا آخر له. وعلى الجملة: لا يخلو مذهب من إشكال، وهو: أن لا يتقدر الثمن أو تتأبد الإجازة أو لا يسقط الخراج بالإسلام، لكن الاعتماد على النقل، والشافعي أعلم القوم بالأخبار والتواريخ. والذي يؤخذ من خراج هذه الأرض يصرفه الإمام في مصالح المسلمين كما ذكره المصنف، ويجوز صرفه إلى الفقراء والأغنياء من أهل الفيء. وقدره في كل سنة على كل جريب شعير درهمان، وعلى جريب الحنطة أربعة دراهم، وجريب الشجر وقصب السكر سبعة، والنخل ثمانية، والكرم عشرة، وقيل: النخل عشرة، والزيتون اثنا عشر.

стр. 4563

وَهُوَ مِنْ عَبَّادَانَ إِلَى حَدِيثَةِ الْمَوْصِلِ طُولًا، وَمِنَ الْقَادِسِيَّةِ إِلَى حُلْوَانَ عَرْضًا. قُلْتُ: الصَّحِيحُ: أَنَّ الْبَصْرَةَ وَإِنْ كَانَتْ دَاخِلَةً فِي حَدِّ السَّوَادِ .. فَلَيْسَ لَهَا حُكْمُهُ إِلَّا فِي مَوْضِعِ غَرْبِيِّ دِجْلَتِهَا وَمَوْضِعِ شَرْقِيِّهَا، ــ و (الجريب): عشر قصبات في مثلها، و (القصبة): ستة أذرع، فالجريب مساحة مربعة من الأرض بين كل جانبين منها ستون ذراعًا. فائدة: أطراف السواد فتح في أيام أبي بكر، وهو أزيد من العراق؛ لأن مساحة العراق مئة وخمسة وعشرون فرسخًا في عرض ثمانين، والسواد مئة وستون فرسخًا وعرضه ثمانون. وسمي عراقًا؛ لاستواء أرضه وخلوها من الجبال والأودية، والعراق في كلام العرب: الاستواء. قال: (وهو من عبّادان إلى حديثة الموصل طولًا، ومن القادسية إلى حُلوان عرضًا) بإجماع أهل التاريخ ومصنفي الفتوح ومن عرف أسماء البلدان. والذي قاله المصنف تبع فيه (المحرر). وقال في (الشرح): إن فيه تساهلًا؛ لأن البصرة كانت سبخة أحياها عثمان بن أبي العاصي وعتبة بن غزوان بعد فتح العراق، وهي داخلة في هذا الحد، فلذلك استدركه المصنف على إطلاق (المحرر)، فقال: (قلت: الصحيح: أن البصرة وإن كانت داخلة في حد السواد .. فليس لها حكمه إلا في موضع غربيِّ دِجلتها وموضع شرقيها)، وأشار بذلك إلى موضعين في البصرة، أدخلهما في الحد صاحب (المهذب) وغيره. فالموضع شرقي دجلة يسمى: الفرات، والموضع الغربي يسمى: نهر المراة. قال الماوردي ﵀: حضرت الشيخ أبا حامد وهو يدرس في تحديد السواد، وأدخل فيه البصرة، ثم أقبل علي وقال: هكذا تقول؟ قلت: لا، قال: ولم؟ قلت: لأنها كانت مواتًا وأحياها المسلمون، فأقبل على أصحابه وقال: علقوا ما يقول؛ فإن أهل البصرة أعرف بها.

стр. 4564

وَأَنَّ مَا فِي السَّوَادِ مِنَ الدُّورِ وَالْمَسَاكِنِ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ ــ قال الرافعي: وكان مبلغ ارتفاع العراق في زمن عمر ﵁ مئة ألف ألف وسبعة وثلاثين ألف ألف درهم، ثم تناقص إلى أن بلغ في أيام الحجاج ثمانية عشر ألف ألف درهم؛ لظلمه وغشمه، فلما ولي عمر بن عبد العزيز .. ارتفع بعدله وعمارته في السنة الأولى إلى ثلاثين ألف ألف درهم، وفي الثانية إلى ستين ألف ألف درهم، وقال: إن عشت .. لأردنه إلى ما كان في أيام عمر ﵁، فمات في تلك السنة. فائدة: (عبّادان): بقرب البصرة. و (حديثة الموصل) قيدت بذلك؛ لإخراج حديثة أخرى عند بغداد، سميت الموصل؛ لأن نوحًا ومن معه في السفينة لما نزلوا على الجودي .. أرادوا أن يعرفوا قدر الماء المتبقي على الأرض، فأخذوا حبلًا وجعلوا فيها حجرًا ثم دلوه في الماء، فلم يزالوا كذلك حتى بلغوا مدينة الموصل، فلما وصل الحجر .. سميت: الموصل. و (القادسية): بينها وبين الكوفة نحو مرحلتين، وبين بغداد نحو خمس مراحل، سميت بذلك؛ لأن قومًا من قادس نزلوها. ويقال: إن إبراهيم ﷺ دعا لها بالقدس، وأن تكون محلة للحاج، حكاه الجوهري. و (حلوان) بضم الحاء: بلد معروف. و (البصرة) مثلثة الباء، حكاه الأزهري وغيره، أفصحها: الفتح، بناها عتبة بن غزوان في خلافة عمر سنة سبع عشرة، ويقال لها: قبة الإسلام وخزانة العرب، لم يعبد صنم قط بأرضها، وهي أقوام البلاد قبلة. قال: (وأن ما في السواد من الدور والمساكن يجوز بيعه والله أعلم)؛ لأن أحدًا لم يمنع من شرائها، ولأن وقفها يؤدي إلى خرابها.

стр. 4565

وَفُتِحَتْ مَكَّةُ صُلْحًا، فَدُورُهَا وَأَرْضُهَا الْمُحْيَاةُ مِلْكٌ يُبَاعٌ ــ والثاني: يمنع كالمزارع، كذا أطلقه الرافعي والمصنف. والظاهر: أن موضع الخلاف في الأبنية التي كانت موجودة يوم ردها عمر إلى أهلها، فأما ما حدث بعد ذلك .. فيجوز بيعه بالاتفاق. واستثنى أبو الفرج الزاز في (تعليقه) الخانات ونحوها، فلا يجوز بيعها؛ لأن عمر وقفها كالأراضي، ويستثنى أيضًا: أبنية البصرة؛ فإنها وإن دخلت في حد السواد .. فيجوز بيعها بالاتفاق كما تباع أراضيها إلا الموضعان المستثنيان. وإذا أراد الإمام اليوم أن يقف أرض الغنيمة كما فعل عمر ﵁ .. جاز إذا استطاب قلوب الغانمين في النزول عنها بعوض أو دونه، فإن أبَوا أو بعضهم .. فلا، وهو أحق بها، ولا يجوز له رد شيء من النساء والصبيان إلى الكفار إلى باستطابة قلوبهم. قال: (وفتحت مكة صلحًا)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ يعنى: أهل مكة، فدل على أنهم لم يقاتلوا، وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾، وصح: أنه ﷺ قال: (من دخل المسجد .. فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان .. فهو آمن، ومن ألقى سلاحه .. فهو آمن، ومن أغلق بابه .. فهو آمن) رواه مسلم [١٧٨٠]، واستثنى أناسًا أمر بقتلهم كما تقدم، فدل على عموم الأمان للباقي. وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ﴾ فأضاف الدور إليهم وحقيقتها الملك. وقال أكثر أهل المغازي: إنها فتحت عَنوة، وبه قال أبو حنيفة ومالك. وقال الماوردي: أسفلها دخله خالد عَنوة، وأعلاها دخله الزبير صلحًا، ودخل النبي ﷺ من جهته، فصار حكم جهته الأغلب. قال: (فدُورها وأرضها المُحياة مِلك يباع)؛ لحديث أسامة بن زيد قال: قلت: يا رسول الله؛ أتنزل غدًا بدارك بمكة؟ فقال: (وهل ترك لنا عقيل من رباع) وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب، ولم يرثه جعفر ولا علي؛ لأنهما كانا مسلمين،

стр. 4566

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وترجم عليه البخاري (باب توريث دور مكة وبيعها وشرائها). وروى البيهقي [٦/ ٣٤]: أن عمر اشترى دار السجن بمكة من صفوان بن أمية بأربع مئة، وفي رواية: بأربعة آلاف. وباع حكيم بن حزام دار الندوة بمكة من معاوية بمئة ألف، رواه الزبير بن بكار. وحديث: (مكة لا تباع رباعها، ولا تؤجر دورها) ضعيف وإن رواه الحاكم [٢/ ٥٣]. تنبيهان: أحدهما: محل الخلاف بين العلماء في بيع نفس الأرض، أما البناء .. فهو مملوك يجوز بيعه بلا خلاف. الثاني: قال الروياني: يكره بيع دور مكة وإجارة رباعها، ونازعه المصنف في (شرح المهذب) في دعوى الكراهة، وقال: الأحسن أن يقال: إن ذلك خلاف الأولى؛ لأن المكروه ما ثبت فيه نهي مقصود، ولم يثبت في هذا شيء. واعترض على المصنف بأنه صرح بكراهة بيع المصحف والشطرنج، ولم يثبت فيها نهي. تتمة: الصحيح: أن مصر فتحت عَنوة، وممن نص عليه مالك في (المدونة) وأبو عبيد والطحاوي وغيرهم، وأن عمر وضع على أراضيهم الخراج. وقيل: فتحت صلحًا ثم نكثوا، ففتحها عمر ثانيًا عَنوة. وفي (وصية الشافعي) في (الأم) ما يقتضي: أنها فتحت صلحًا؛ فإنه أوصى على أرض له بمصر، على أنه يحتمل أن تكون من الموات الذي أحيي، ولا منع فيه، أو من أرض اتصلت بالشافعي من غير بيت المال.

стр. 4567

فَصْلٌ: يَصِحُّ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ أَمَانُ حَرْبِيٍّ وَعَدَدٍ مَحْصُورٍ فَقَطْ، ــ وفي (تاريخ بغداد) للخطيب: كان الليث بن سعد اشترى شيئًا من أرض مصر، قال: وإنما استجاز ذلك؛ لأنه كان يحدِّث عن يزيد بن أبي حبيب: أنها فتحت صلحًا. والأكثرون على خلاف قولهما. وكان مالك وجماعة من أهل عصره ينكرون على الليث ذلك الفعل؛ لأنها عندها عَنوة. والليث ويزيد بن أبي حبيب مصريان، وهما أعرف بحال مصر من غيرهما. وأما الشام .. فنقل الرافعي عن الروياني: أن مدنها فتحت صلحًا وأرضها عَنوة، وقد أشكل حالها على من حضرها وعلى عمر بن الخطاب، فتورعوا وأعطوها حكم الصلح. وقال الجرجاني: لا خلاف أنه يجوز بيع أراضي الخراج بالشام؛ لأنها غير موقوفة، وإنما صالح الإمام أهلها على أن تكون الأرض لهم بخراج معلوم يؤدونه كل سنة. ورجح الشيخ: أن دمشق فتحت عَنوة. قال: (فصل: يصح من كل مسلم مكلف مختار أمان حربي وعدد محصور فقط). (الأمان) ضد الخوف والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ الآية، أي: استأمنك فأمنه، أو استعانك فأعنه. و (كَلامَ اللَّهِ) قيل: جميع القرآن، وقيل: سورة براءة. ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ﴾ أي: بعد انقضاء مدة الأمان. وفي (الصحيحين) [خ ٣١٨٠ - م ١٣٧١] عن علي: أن النبي ﷺ قال: (ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم –أي: عبيدهم- فمن أخفر مسلمًا –أي: نقض عهده- فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين).

стр. 4568

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ و (الذمة) العهد والأمان والحرمة والحق، وسمي أهل الذمة بذلك؛ لدخولهم في عهد المسلمين وأمانهم. ومعنى: (يسعى بها أدناهم) إذا أعطى العبد الأمان .. جاز ذلك على جميع المسلمين؛ لأن عمر أجاز أمان عبد على جميع الجيش. وأمَّنت به أم هانئ بنت أبي طالب يوم الفتح رجلين من أحمائها؛ وهما: الحارث بن هشام وزهير بن أبي أمية، فقال ﷺ : (قد أجرنا مَن أجرت، وأمَّنا مَن أمَّنت) رواه الترمذي [١٥٧٩]. فيصح أمان الحر والعبد –وإن كان سيده كافرًا- والمرأة والخنثى والفقير والمحجور عليه لسفه والمريض والشيخ والهرم والفاسق. وفي وجه: لا؛ لأنه نوع ولاية، وليس هو من أهلها. وفي وجه ثالث: إن كان فسقه بسبب إعانته على المسلمين .. لم يصح أمانه، وإلا .. فيصح. وقال أبو حنيفة: لا يصح أمان العبد إلا إذا كان مأذونًا له في القتال. واحترز عن أضداد ما ذكر فلا يصح أمان كافر؛ لأنه متَّهم، ولا أمان الصبي وإن راهق، ولا المجنون؛ لأنه عقد فأشبه سائر العقود، لكن لا يقتل مَن أمَّناه إن جهل فساد أمانهما، بل يعرَّف أنه لا أمان له ليرجع، وكذا حكم أمان المكره. وأطلق (الحربي) ومراده: غير الطليعة والجاسوس ونحوه ممن لا يصح أمانه كما سيأتي. وشمل إطلاقه: مَن عيّن الإمام قتلّه وعدمَ المَنِّ عليه، فظفر به بعض الرعية وأمَّنه، والظاهر: النفوذ كما أفتى به الطوسي وغيره. ثم إنما يجوز من الآحاد لكافر أو كفار محصورين كعشرة ومئة، ولا يجوز لهم أمان ناحية وبلدة؛ لئلا يتعطل الجهاد. قال الإمام: ولو أمن مئة ألف منا مئة ألف .. فكل واحد لم يؤمن إلا واحدًا، لكن إذا ظهر الانسداد .. رد الجميع.

стр. 4569

وَلَا يَصِحُّ أَمَانُ أَسِيرٍ لِمَنْ هُوَ مَعَهُمْ فِي الأَصَحِّ، وَيَصِحُّ بِكُلِّ لَفْظٍ يُفِيدُ مَقْصُودَهُ، ــ قال الرافعي: وهو ظاهر إن أمنوهم دَفعة، فإن وقع مترتبًا .. فينبغي صحة الأول فالأول إلى ظهور الخلل، واختاره المصنع، وقال: إنه مراد الإمام، وسواء كان الكافر المؤمن في دار الحرب أو في حال القتال أو الهزيمة. قال: (ولا يصح أمان أسير لمن هو معهم في الأصح)؛ لأنه مقهور معهم، ولا يعرف وجه النظر والمصلحة، وهو غير آمن على نفسه، ولأن الأمان يقتضي أن يكون آمنًا، والأسير في أيديهم ليس بآمن. والثاني: يصح؛ لأنه مسلم مكلف مختار أمن أمانًا ليس فيه إضرار. والذي صححه الشيخان تبعا فيه صاحب (المهذب)، ونقله في (البيان) عن القفال. والمنصوص في (الأم) صحة أمان الأسير الموثق والمخلى، وجرى عليه الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهم. ثم محل الوجهين: إذا كان مختارًا، فإن أكره على عقده .. لم يصح قطعًا، وخصهما الإمام بما إذا أمن غير من أسره، فإن أمن من أسره .. فلا خلاف في عدم الصحة، وإطلاق المصنف شامل للأمرين. ومراده بقوله: (معهم) الذي هو في أيديهم بالحبس والقيد كما قال ابن الرفعة؛ ليخرج أسير الدار، وهو الذي أطلق من القيد والحبس وأمنوه على أن لا يخرج من دارهم وبقي عاجزًا عن الخروج؛ فيصح أمانه قطعًا، كما جزم به في (التنبية) وغيره ثم على القول بصحة الأمان مقتضى عبارته: أن يعتبر مطلقًا، وليس كذلك؛ فقد قال الماوردي: حيث قلنا بصحة أمانه، فإن أطلقه .. لم يكن آمنًا من المسلمين إلا في دار الحرب؛ لأن إطلاق العقد يتوجه إلى دار العقد لاختلاف الدارين. قال: (ويصح بكل لفظ يفيد مقصوده)، سواء كان صريحًا كأجرتك، أو أمنتك، أو أنت آمن، أوفي أماني، أولا بأس عليك، أو لا خوف عليك، وكذا

стр. 4570

وَبِكِتَابَةٍ وَرِسَالَةٍ ــ لا تخف؛ لما روى الشافعي والبيهقي: أن الهرمزان لما حمله أبو موسى الأشعري إلى عمر .. قال له عمر: (تكلم لا بأس عليك) فتركه. واعترض بأن الهرمزان كان أسيرًا، والأسير لا يجوز أمانه. وأجيب بأن الآحاد هم الذين لا يؤمنون الأسير، أما الإمام .. فله الأمان كما له المن. ويصح بالكناية مع النية، كأنت على ما تحب، وكن كيف شئت. وكذا لو قال بالعجمية: مَتَرْس، كما قال في (المحرر)، وهي بفتح الميم والتاء وسكون الراء، ومعناه: لا تخف؛ لما روى ابن مسعود قال: (إن الله يعلم كل لسان، فمن أتى منكم أعجميًا فقال: مَتَرْس .. فقد أمنه) رواه البيهقي عن عمر بمعناه [٩/ ٩٦]. قال: (وبكتابة)؛ لما روى البيهقي [٩/ ٩٤] عن فضل بن زيد الرقاشي قال: جهز عمر جيشًا كنت فيهم فحصرنا قرية رام هرمز، فكتب عبد أمانًا في صحيفة وشدها في سهم رمى به إلى المشركين، فجاؤوا وقالوا: قد أمنتمونا، قالوا: لم نؤمنكم، إنما أمنكم عبد، فكتبوا بذلك إلى عمر، فكتب إليهم عمر: إن العبد من المسلمين، وذمته ذمتهم. وتصح بالإشارة، سواء كان قادرًا على العبارة أم لم يكن؛ لما روي عن عمر أنه قال: (والذي نفسي بيده؛ لو أن أحدكم أشار بيده إلى مشرك فنزل على ذلك ثم قتله .. لقتلته) كذا استدل به الرافعي، وهو غريب. وإهمال المصنف الإشارة في الإيجاب مع ذكره لهما في القبول يقتضي عدم الاكتفاء بها، وهو خلاف المذهب، وكأنه تبع (المحرر) في ذلك. قال: (ورسالة)؛ لأنها أقوى من الكتابة، سواء كان الرسول كافرًا أو مسلمًا؛ لأن بناء الباب على التوسعة في حقن الدم، ومقتضى هذا: جواز كون الرسول صبيًا، وينبغي تقييده بالموثوق بخبره.

стр. 4571

وَيُشْتَرَطُ عِلْمُ الْكَافِرِ بِالأَمَانِ، فَإِنْ رَدَّهُ .. بَطَلَ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَقْبَلْ فِي الأَصَحِّ، ــ قال: (ويشترط علم الكافر بالأمان) كسائر العقود، فلو قتله مسلم قبل علمه .. جاز وإن كان القاتل هو الذي أمنه، كذا صرح به الإمام وبعض المراوزة وتبعهم الشيخان، ولم يذكر الشافعي والعراقيون هذا الشرط وهو الصواب، بل إذا علم المسلم بالأمان حَرُم عليه قتله وإن لم يعلم الكافر، ويدل لذلك ما روى الشيخان عن أم هانئ أنها قالت: يا رسول الله؛ زعم علي أنه قاتلٌ رجلًا أَجرْته، فقال ﷺ : (قد أجرنا مَن أجرت يا أم هانئ). قال: (فإن ردَّه .. بطل)؛ لأن ثابت بن قيس بن شماس أمَّن الزبير بن باطا يوم قريظة فلم يقبل فقتله، رواه ابن إسحاق كذلك، وهذا بخلاف ما تقدم عند قول المصنف: (ويحل قتل راهب وأجير وشيخ وأعمى)، فلينظر في ذلك. والزبير بفتح الزاي وكسر الباء كما تقدم، وباطا بموحدة بلا مد ولا همز، وهو والد عبد الرحمن بن الزبير، قتل الزبير بن باطا يوم بني قريظة، قتله الزبير بن العوام. قال: (وكذا إن لم يقبل) أي: ولم يرد (في الأصح) الأمانُ لا يصح من أحد الطرفين دون الآخر كغيره من العقود. والثاني: يكفي السكون؛ لأن مبنى الباب على التوسعة. وليست المسألة ذات وجهين كما اقتضته عبارة المصنف، إنما هو تردد للإمام، والترجيح بحث له. والمنقول عن (التهذيب) و (تعليق الشيخ إبراهيم والمَروروذي) وغيرهما: الاكتفاء بالسكون، وهو ظاهر نص (الأم)، ومقتضى كلام العراقيين وغيرهم. نعم؛ يشترط مع السكون ما يشعر بالرضا، وهو الكف عن القتال، كما صرح به الماوردي. ومحل الخلاف: إذا كان سكوته لا لغباوة ودهشة، فإن كان عن ذلك .. لم يبطل قطعًا، بل يعرَّف بذلك. فلو قال الكافر: قبلت أمانك فخذ حذرك مني .. فهو رد للأمان.

стр. 4572

وَتَكْفِي إِشَارَةٌ مُفْهِمَةٌ لِلْقَبُولِ، وَيَجِبُ أَنْ لَا تَزِيدَ مُدَّتُهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَفِي قَوْلٍ: يَجُوزُ مَا لَمْ تَبْلُغْ سَنَةً، وَلَا يَجُوزُ أَمَانٌ يَضُرُّ الْمُسْلِمِينَ كَجَاسُوسٍ. وَلَيْسَ لِلإِمَامِ نَبْذُ الأَمَانِ إِنْ لَمْ يَخَفْ خِيَانَةً، ــ قال: (وتكفي إشارة مفهمة للقبول)، سواء أشار بها ناطق أو أخرس؛ لما تقدم عن عمر، والفرق بينها وبين الإشارة بالطلاق والرجعة وسائر العقود: أن المقصود حقن الدم، فكانت الإشارة شبهة. واحترز بـ (المفهمة) عن المجردة عن الإفهام؛ فلا يصح بها الأمان، ثم محل اعتبار القبول: إذا لم يسبق منه استيجاب، فإن تقدم .. كفى، ولا يحتاج بعده إلى قبول قطعًا. قال: (ويجب أن لا تزيد مدته على أربعة أشهر، وفي قول: يجوز ما لم تبلغ سنة)؛ لما سيأتي في الهدنة، ويؤخذ منه أنه لا يجوز التأييد من طريق أولى. ويجوز دون أربعة أشهر قطعًا، فلو زاد الجائز .. بطل الزائد، ولا يبطل في الباقي على الأصح تخريجًا على تفريق الصفقة. هذا فر الرجال، أما النساء .. فلا يحتاج فيهن لتقييد بمدة كما نص عليه في (الأم)؛ فإذا أقامت ببلاد الإسلام .. لم تمنع؛ لأن الأربعة أشهُر إنما هي للرجال، ومنعوا من السنة؛ لئلا تترك الحرب، والمرأة ليست من أهله. قال: (ولا يجوز أمان يضر المسلمين كجاسوس)؛ لقوله ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام). فلو أمنه .. لم ينفذ، قال الإمام: وينبغي أن لا يستحق تبليغ المأمن؛ لأن دخول مثله خيانة فينبغي أن يغتال، والطليعة كالجاسوس. و (الجاسوس) صاحب سر الشر، بخلاف الناموس؛ فإنه صاحب سر الخير، كما يقال: تجسس في الشر، وتحسس في الخير بالمهملة. قال: (وليس للإمام نبذ الأمان إن لم يخف خيانة)؛ لأنه لازم من جهة المسلمين، فإن خافها .. نبذه كالهدنة، وأولى، وهذا بخلاف عقد الجزية؛ فإنه لا يرفعه إلا إذا تحققنا الخيانة.

стр. 4573

وَلَا يَدْخُلُ فِي الأَمَانِ مَالُهُ وَأَهْلُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَكَذَا مَا مَعَهُ مِنْهُمَا فِي الأَصَحِّ إِلَّا بِشَرْطٍ ــ وعبارة المصنف تفهم اختصاص النبذ بالإمام، وليس كذلك، بل للمؤمن نبذه إذا ظهرت خيانته، كما قاله البغوي. قال: (ولا يدخل في الأمان ماله وأهله بدار الحرب)؛ لأن فائدة الأمان تحريم قتله واسترقاقه ومفاداته، لا أهله وماله، فيجوز اغتنام أمواله هناك وسبي أولاده المخلفين، وزعم في (البسيط) أنه لا خلاف فيه. قال: (وكذا ما معه منهما في الأصح إلا بشرط)؛ لقصور اللفظ عن العموم. والثاني: يدخل ما معه منهما؛ لاحتياجه إلى ذلك. نعم؛ يدخل ثيابه التي لا يستغني عنها، وما يستعمله من الآلة التي لابد له منها، وما ينفقه في مدة أمانه؛ لضرورته إلى ذلك. فلو أمنه على نفسه وماله، فإن كان ماله حاضرًا .. صح، وإن كان غائبًا .. لم يصح إلا من الإمام أو من قام مقامه. وإفصاح المصنف بـ (التصحيح) لم يتبع فيه (المحرر)، فإنه قال: رجح منهما المنع، وكذلك عبر في (الشرح الصغير)، ولم ينقل الترجيح في (الكبير) إلا عن الإمام. ووقع في المسألة اختلاف ترجيح للرافعي والمصنف، والمنصوص في (الأم) في (سير الواقدي) الدخول من غير شرط، وعليه جرى العراقيون. والمراد بـ (ما معه) في دار الإسلام وإن لم يكن في حوزته. والمراد بـ (الأولاد) صغار ولده، وأما زوجته .. فلا تدخل إلا إذا صرح بها. وكلام المصنف وغيره يقتضي: أن الذي معه لغيره لا يدخل قطعًا، وليس كذلك؛ فقد نص في (الأم) على التسوية بين ما معه من ماله ومال غيره. وإذا صح الأمان .. عصم من القتل والسبي، فلو قتل .. قال الإمام: الوجه عندنا: أنه يضمن بما يضمن به الذمي.

стр. 4574

وَالْمُسْلِمُ بِدَارِ الْكُفْرِ إِنْ أَمْكَنَهُ إِظْهَارُ دِينِهِ .. اسْتُحِبَّ لَهُ الْهِجْرَةُ، وَإِلَّا .. وَجَبَتْ إِنْ أَطَاقَهَا ــ قال: (والمسلم بدار الكفر إن أمكنه إظهار دينه)؛ لكونه ذا عشيرة يحمونه ولم يخف فتنة في دينه) .. استحب له الهجرة)؛ لئلا يكثر سوادهم أو يميل إليهم أو يكيدوا له، وإنما لم تجب؛ لقدرته على إظهار دينه، ولهذا بعث النبي ﷺ عثمان يوم الحديبية إلى مكة؛ لقوة عشيرته، ولأن الله تعالى لما أوجبها على المستضعفين .. دل على أنها لا تجب على غيرهم. وفي وجه: تحرم الإقامة؛ لعموم ما سيأتي من الأحاديث، ولأنه بينهم ذليل وإن كفوا عنه، ولا يأمن أذاهم. وقال الماوردي: إن رجا ظهور الإسلام هناك بمُقامه .. فهو أفضل، وإن قدر على الامتناع والاعتزال .. وجب أن يقيم؛ لأن موضعه دار إسلام، فيحرم أن يصيرها باعتزاله عنها دار حرب. فإن تساوى حاله في المُقام والهجرة .. تخيَّر بينهما. ولا فرق في وجوب الهجرة بين الرجل والمرأة وإن لم تجد محرمًا، ولم يقيدوه بحالة الأمن، والظاهر: أنه مقيد بها. قال: (وإلا .. وجبت إن أطاقها)، وتحرم عليه الإقامة؛، مع قوله ﷺ : (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها) روا أبو داوود [٢٤٧١] والنسائي [سك ٨٦٥٨]. وفي (سنن أبي داوود) [٢٦٣٨] و (الترمذي [١٦٠٤]: أن النبي ﷺ قال: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين). وأما حديث ابن عباس في (الصحيحين) [خ ١٨٣٤ - م ١٣٥٣]: (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية) ففي معناه قولان: أحدهما: لا هجرة كاملةُ الفضلِ كالتي قبل الفتح. والثاني: لا هجرة من مكة؛ لأنها صارت دار إسلام.

стр. 4575

وَلَوْ قَدَرَ أَسِيرٌ عَلَى هَرَبٍ .. لَزِمَهُ، ــ وسميت هجرة؛ لأنهم هجروا ديارهم فرارًا بدينهم، وقيل في حقهم: ﴿لَقَد تَّابَ اللَّه عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ تنبيهان: أحدهما: يستثنى من الوجوب: من في إقامته مصلحة للمسلمين؛ فقد حكى ابن عبد البر وغيره: أن إسلام العباس كان قبل بدر وكان يكتمه ويكتب إلى النبي ﷺ بأخبار المشركين، وكان المسلمون يتقوون به، وكان يحب القدوم على رسول الله ﷺ ، فكتب النبي ﷺ إليه: أن مُقامك بمكة خير، ثم أظهر إسلامه يوم فتح مكة. الثاني: لا تختص الهجرة بدار الكفر، بل كل من أظهر حقًّا ببلد من بلاد الإسلام ولم يقبل منه ولم يقدر على إظهاره .. لزمته الهجرة منه، قال صاحب (المعتمد) والبغوي في (تفسير سورة العنكبوت)، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. وقال الزمخشري: إن كان الرجل ببلد لا يتمكن فيه من إقامة أمر دينه لبعض الأسباب والعوائق، أو علم انه في غير بلده أقوم بحق الله وأدوم على العبادة .. حقت عليه المهاجرة؛ لقوله ﷺ : (من فر بدينه من أرض إلى أرض ولو كان شبرًا من الأرض .. استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام). قال: (ولو قدر أسير على هرب .. لزمه)؛ إقامة لدينه، سواء كان في حبس أو قيد. وحكى الإمام وجهًا: أنه لا يجب إذا أمكنه إقامة شعار دينه، قال: والأصح: المنع؛ فإن المسلم بين الكفار مقهور مهان.

стр. 4576

وَلَوْ أَطْلَقُوهُ بِلَا شَرْطٍ .. فَلَهُ اغْتِيَالُهُمْ، أَوْ عَلَى أَنَّهُمْ فِي أَمَانِهِ .. حَرُمَ، فَإِنْ تَبِعَهُ قَوْمٌ .. فَلْيَدْفَعْهُمْ وَلَوْ بِقَتْلِهِمْ، وَلَوْ شَرَطُوا أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ دَارِهِمْ .. لَمْ يَجُزِ الْوَفَاءُ ــ قال: (ولو أطلقوه بلا شرط .. فله اغتيالهم) أي: قتلًا وسبيًا وأخذ مال؛ لأنهم لم يستأمنوه. وقتل الغيلة: أن يخدعه فيذهب به إلى موضع، فإذا صار إليه .. قتله. قال: (أو على أنهم في أمانه .. حرم)؛ عملًا بما التزمه، وكذا لو أطلقوه على أنه في أمان منهم على الًاصح المنصوص؛ لأنهم إذا أمنوه .. وجب أن يكونوا في أمان منه. وقيل: له اغتيالهم. قال: (فإن تبعه قوم .. فليدفعهم ولو بقتلهم) كالصائل، ويكون الدفع واجبًا. قال: (ولو شرطوا أن لا يخرج من دارهم .. لم يجز الوفاء)، بل يجب عليه الخروج ويحرم الوفاء بالشرط؛ لأن في ذلك ترك إقامة الدين. هذا إذا لم يمكنه إظهار دينه، فإن أمكنه .. لم يحرم الوفاء؛ لأن الهجرة حينئذ مستحبة لا واجبة، فتستثنى هذه الصورة من إطلاق المصنف. فإن حلفوه: أن لا يخرج، فحلف مكرهًا .. خرج ولا كفارة عليه؛ لأنه لم تنعقد يمينه، ولا طلاق عليه إن حلفوه بالطلاق. وإن حلف بغير إكراه ابتداء بلا تحليف ليثقوا به ولا يتهموه بالخروج .. نظر: إن حلف بعد ما أطلقوه .. لزمته الكفارة بالخروج، وإن حلف وهو محبوس: أن لا يخرج إذا أطلق .. فالأصح: أنه ليس بيمين إكراه. قال البغوي: ولو قالوا: لا نطلقك حتى تحلف: أنك لا تخرج، فحلف، فأطلقوه .. لم تلزمه كفارة بالخروج، ولو حلف بالطلاق .. لم يقع، كما لو أخذ اللصوص رجلًا وقالوا: لا نتركك حتى تحلف بالطلاق: أنك لا تخبر بمكاننا، فحلف، ثم أخبر بمكانهم .. لا تلزمه الكفارة؛ لأنه يمين إكراه.

стр. 4577

وَلَوْ عَاقَدَ الإِمَامُ عِلْجًا يَدُلُّ عَلَى قَلْعَةٍ وَلَهُ مِنْهَا جَارِيَةٌ .. جَازَ، ــ قال الرافعي: وليكن هذا تفريعًا على أن التخويف بالحبس إكراه. قال المصنف: قلت: ليس هو كالتخويف بالحبس؛ فإنه هناك تلزمه الهجرة والتوصل إليها بما أمكنه، ثم على الأحوال لا يغتالهم؛ لأنهم أمنوه. قال: (ولو عاقد الإمام عِلْجًا) وهو الكافر الغليظ الشديد، يقال: استعلج خلقه، أي: غلظ، سمي بذلك؛ لدفعه عن نفسه، ومنه العلاج؛ لدفعه الداء، وجمعه: عُلوج وأَعلاج ومَعْلوجاء، وفي الحديث: (الدعاء والبلاء يتعالجان إلى يوم القيامة) أي: يتصارعان، رواه البزار والحاكم [١/ ٤٩٢] من حديث عائشة. قال: (يدل على قلعة) أي مسماة معينة خفي طريقها، أو ليدلهم على طريق إليها خال من الكفار أو سهل أو كثير الماء والكلأ. و (القلعة) –في (الصحاح) بسكون اللام، وفي (المحكم) بفتحها-: الحصن المنيع في جبل، وجمعها: قِلاع وقِلَع. قال: (وله منها جارية .. جاز) وهي جعالة بجُعل مجهول غير مملوك، احتملت؛ للحاجة، كالعقد على المنافع قبل أن تخلق يجوز وإن كان في غرر؛ للحاجة، وسواء كانت الجارية معينة أو مبهمة، وفي المبهمة وجه. وسواء كانت المعينة حرة أو أمة؛ لأن الحرة ترق بالأسر، ويجب كون الجُعل منها، فلو قال: أعطيك جارية مما عندي أو من مالي .. لم يصح؛ لكون مجهولًا كسائر الجُعالات. وفي (سنن البيهقي) –بإسناد على شرط الصحيح- عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : (مثلت لي الحيرة كأنياب الكلاب، وإنكم ستفتحونها) فقام رجل فقال: يا رسول الله؛ هب لي ابنة بقيلة، قال: (هي لك)، فأعطوه إياها لمّا فتحت، فجاء أبوها فقال: أتبيعنيها؟ قال: نعم، قال: بكم؟ قال: احكم بما شئت، قال: ألف درهم، قال: قد أخذتها، قالوا له: لو قلت: ثلاثين ألفًا .. لأخذتها، قال: وهل عدد أكثر من الألف؟! وبقيلة المذكور جاهلي قديم من المعمَّرين، عاش ثلاث مئة وخمسين سنة، أدرك

стр. 4578

فَإِنْ فُتِحَتْ بِدِلَالَتِهِ .. أُعْطِيَهَا، ــ الإسلام ولم يسلم، وعاش إلى أن غزا خالد الحيرة في خلافة الصديق ﵁، واسمه: عبد المسيح. والرجل الذي قال: (وهل عدد أكثر من الألف) خريم بن أوس الطائي. وابنة بقيلة اسمها: الشيماء. فرع: لا تجوز هذه المعاقدة مع مسلم في الأصح عند الإمام، وتبعه (الحاوي الصغير). والذي أورده العراقيون الجواز، وقال في (البحر) إنه المشهور، وهو مقتضى كلام الرافعي في (الغنائم). قال في (الروضة) (ولأن المسلم قد يكون أعرف وهو أنصح) اهـ، أراد: أنصح من النصح، فالتبس على شيخنا في (التنقيح) (أنصح) بـ (أصح)، فعزا الصحة إلى الرافعي، وهو وهم. قال: (فإن فتحت بدلالته .. أعطيها)، ولا يكون لغيره فيها حق، سواء فتحت عَنوة أو صلحًا؛ لأنه استحقها بالشرط, وشملت عبارته: ما إذا لم يوجد فيها إلا تلك الجارية، وهو الأصح؛ وفاء بالشرط. وقيل: لا تعطى له؛ لأنه تنفيل، ولا يجوز للإمام أن ينفل جميع الغنيمة. هذا إذا فتحها من شارطه، فإن فتحها طائفة أخرى بالطريق التي دلنا عليها .. فلا شيء له [عليهم]؛ لأنه لم يجر معهم شرط، وهذا يرد على إطلاق المصنف. وكلامه يفهم: أنه يعطى متى فتحت بدلالته في تلك المرة أو غيرها، وفي الثانية وجهان.

стр. 4579

أَوْ بِغَيْرِهَا .. فَلَا فِي الأَصَحِّ، وَإِنْ لَمْ تُفْتَحْ .. فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يُعَلِّقِ الْجُعْلَ بِالْفَتْحِ .. فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهَا جَارِيَةٌ أَوْ مَاتَتْ قَبْلَ الْعَقْدِ .. فَلَا شَيْءَ لَهُ، أَوْ بَعْدَ الظَّفَرِ قَبْلَ التَسْلِيمِ .. وَجَبَ بَدَلٌ، ــ وقال في (الروضة) إن تركناها ثم عدنا ففتحناها بدلالته .. فله الجارية على الصحيح، فإن فتحناها بطريق آخر .. فلا شيء له على الصحيح. قال: (أو بغيرها .. فلا في الأصح) صورة المسألة: أن يدل العلج على قلعة فيتجاوزها الإمام ثم يعود إليها بعد الانصراف عنها ويفتحها عَنوة .. ففي استحقاق الدليل الجاريةَ وجهان: أصحهما: لا يستحق؛ لأنها لم تفتح بدلالته. والثاني: يستحق؛ لأن الوصول إلى فتحها بدلالته. فلو فتحها طائفة أخرى بدلالته .. فلا شيء عليهم؛ لعدم الشرط معهم. ثم إذا فتحت بدلالته ولم يوجد في القلعة سواها .. سلمت إليه، ولا حق فيها لغيره إن كانت مبهمة، وكذا إن كانت معينة على الصحيح؛ وفاء بالشرط، وفي وجه: لا تسلم إليه؛ لأن تنفيل كل الغنيمة ممتنع كما تقدم. قال: (وإن لم تفتح .. فلا شيء له)؛ لأن تسليمها لا يمكن إلا بالفتح. أما إذا أمكننا الفتح فلم نقاتل .. ففي استحقاقه شيئًا تردد للإمام. قال: (وقيل: إن لم يعلِّقِ الجُعلَ بالفتحِ .. فله أجره المثل)؛ لوجود الدلالة. وفي (الحاوي) يستحب أن يضرخ له. قال: (فإن لم تكن فيها جارية أو ماتت قبل العقد .. فلا شيء له)؛ لفقد المشروط فيها. قال: (أو بعد الظَّفَر قبل التسليم .. وجب بدل)؛ لأنها حصلت في يد الإمام وحوزه، فكان التلف من ضمانه. وقيل: لا يجب؛ لأن الجارية ليست من حقائق الأعراض، وإنما جرى وعد يفي به عند الإمكان.

стр. 4580

أَوْ قَبْلَ ظَفَرٍ .. فَلَا فِي الأَظْهَرِ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ .. فَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُ بَدَلٍ، وَهُوَ أُجْرَةُ مِثْلٍ، وَقِيلَ: قِيمَتُهَا ــ قال في (الروضة) وبدل الجارية حيث حكمنا به، هو أجرة المثل إن قلنا بضمان العقد، وقيمتها إن قلنا بضمان اليد، هكذا قال الإمام، ولكن الأظهر من قولي الصداق: وجوب مهر المثل، والموجود لجمهور الأصحاب هنا: قيمة الجارية. قال: (أو قبل ظفر .. فلا في الأظهر)؛ لعدم القدرة عليها، فأشبه ما إذا لم تكن. والثاني: نعم؛ لأن العقد تعلق بها وهي حاصلة، ثم تعذر التسليم وصار كما إذا قال: من رد عبدي فله هذه الجارية، فرده وقد ماتت الجارية .. يلزمه بدلها. قال: (وإن أسلمت .. فالمذهب: وجوب بدل)؛ لأن إسلامها يمنع استرقاقها، فيعطى قيمتها من بيت المال، كما لو فسخ البائع بعيب في الثمن وقد أعتق المشتري المبيع، ولأن النبي ﷺ عاقد أهل مكة على أن يرد إليهم من جاء من المسلمات، فنسخ الله تعالى ذلك وأمر برد مهورهن. والطريقة الثانية: القطع بالوجوب، وهو فيمن أسلمت بعد الظفر أظهر منه فيمن أسلمت قبله. قال: (وهو أجره مثل، وقيل: قيمتها) هذا الخلاف حكاه في (المحرر) فيما إذا ماتت كما سبق، ولم يتعرض له في صورة الإسلام، وكذا فعل في (الشرحين) و (الروضة). والموجود لعامة الصحاب: وجوب القيمة لا جَرَم، جزم به صاحب (الحاوي الصغير)، وصححه في (التنجيز)، ونقله في (المهمات) عن النص، فهو المفتى به، عكس ما في (المنهاج). ومحل الخلاف: إذا كانت معينة، فإن كانت مبهمة ومات كل من فيها وأوجبنا

стр. 4581

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ البدل .. فتجب أجرة المثل قطعًا؛ لتعذر تقويم المجهول، كذا قاله الرافعي، وهو حسن. تتمة: قال: من دلني على القلعة .. فله كذا، وهي بقربه، فقال شخص: ها هي ذه .. ففي استحقاقه الجُعل وجهان: قال ابن كَج: المذهب: الاستحقاق، كما لو رد عبده من البلد التي هو فيها. ولو شرط الإمام: أن من قتل فرسه في المعركة كان له مثلها أو ثمنها .. جاز، ويلزم الوفاء من خمس الخمس، ويجوز المثل وإن لم يكن للدابة مثل؛ للمصلحة، قاله الروياني. ... خاتمة حاصرنا قلعة فصالح زعيمها على أمان مئة شخص منهم .. صح؛ للحاجة، ويعيّن الزعيم مئة، فإن عدد مئة وأغفل نفسه .. جاز قتله. واستدل له الرافعي وغيره بأن أبا موسى الأشعري ﵁ حاصر مدينة السوس وهو في الأهواز، فصالحه دهقانها على أن يفتح له المدينة ويؤمن مئة رجل من أهلها، فقال أبو موسى: (اللهم؛ أنسه نفسه)، فلما عزلهم قال له أبو موسى: (أفرغت؟) قال: نعم، فأمنهم وأمر بقتل الدهقان، فقال: أتغدرني وقد أمنتني؟! قال: (أمنت العدة التي سميت، ولم تسم نفسك)، فنادى بالويل وبذل مالًا فلم يقبله منه وقتله. ***

стр. 4582

كِتَابُ الجِزْيَةِ

стр. 4583

كِتَابُ الْجِزْيَةِ ــ كتاب الجزية لما فرغ من قتال المشركين عقبه بالجزية؛ لأن الله تعالى غيَّا القتال بها. وسميت جزية؛ لأنها جزت عن القتل، أي: كفَّت عنه، ولفظها مأجوذ من المجازاة؛ لكفنا عنهم، وجمعها: جِزى، كقربه وقرب. وهي المال المأخوذ من الكفار في كل سنة بالتراضي؛ لإسكاننا إياهم في دارنا، أو لحقن دمائهم وذراريهم وأموالهم، أو لكفنا عن قتالهم على اختلاف في ذلك، وليست مأخوذة في مقابلة الكفر ولا التقرير عليه، بل هي نوع إذلال لهم، ولعل الله تعالى أن يخرج منهم من يؤمن بالله واليوم الآخر. والذي يفيد الكافر الأمن ثلاثة: الأمان الذي يصح من آحاد الناس، وقد تقدم. وعقد الجزية، وهو أمان بمال لا إلى غاية معينة. وعقد الهدنة، وهو أمان بلا مال إلى غاية معينة، وهذان مخصوصان بالإمام. والأصل في الباب قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، دلت على ثلاثة أحكام: وجوب جهادهم، وجواز قتلهم، وحقن دمائهم بأخذ الجزية. وفي (صحيح البخاري) [٣١٥٧]: (أن النبي ﷺ أخذ الجزية من محبوس هَجَر)، وهذه هجر البحرين من اليمن، وهو مذكر مصروف. وأما هجر التي تنسب إليها القلال الهجرية .. فهي قرية من قرى المدينة.

стр. 4584

صُورَةُ عَقْدِهَا: أُقِرُّكُمْ بِدَارِ الإِسْلَامِ أَوْ أَذِنْتُ فِي إِقَامَتِكُمْ بِهَا عَلَى أَنْ تَبْذُلُوا جِزْيَةً وَتَنْقَادُوا لِحُكْمِ الإِسْلَامِ، ــ وروى أبو داوود [٣٠٣٦] والبيهقي [٩/ ٢٠٢]: (أن النبي ﷺ أخذها من أهل نجرن، ومن أهل أيلة). وانعقد الإجماع على أخذها منهم. والمعنى فيه: أن الصغار والذل يحملهم على الإسلام مع مخالطة المسلمين الداعية لهم إلى معرفة محاسن الإسلام، ولأن في أخذها معزة لنا وإهانة لهم، وربما يحملهم ذلك على الإسلام. قال: صورة عقدها: أقركم بدار الإسلام أو أذنت في إقامتكم بها على أن تبذلوا جزية وتنقادوا لحكم الإسلام) أي: فيما سوى العبادات، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أي: بالتزام أحْكام الإسلام كما فسره الشافعي في (الأم)؛ لأن الحكم على الشخص بما لا يعتقده ويضطر إلى احتماله عد صغارًا، قال ابن سيده: الصاغر: الراضي بالذل. وأطبق الأصحاب على اعتبار هذين الشرطين، واستشكل القاضي حسين اشتراط الانقياد إلى جريان الأحكام وهي من مقتضيات العقد، والتصريح بمقتضى العقد لا يشترط في صحته، وأقيم هذا وجهًا، وهو شاذ مذهبًا، متَّجه تعليلًا. واشترط الماوردي ثالثًا: وهو أن لا يجتمعوا على قتال المسلمين ليكونوا آمنين منهم كما أمنوهم، ونقله الإمام عن الأئمة، ويأتي فيه إشكال القاضي حسين. ولا يخفى أن المراد بـ (دار الإسلام) غير الحجاز كما سيأتي. والمراد بـ (أحكام الإسلام) حقوق الآدميين في المعاملات وغرامة المتلفات؛ لتخرج بذلك العبادات. ونقل الإمام عن العراقيين: أن المراد: أنهم إذا فعلوا ما يعتقدون تحريمه يجري عليهم حكم الله فيه، ولا يعتبر فيه رضاهم كالزنا والسرقة، وأما ما يستحلونه كحد الخمر .. فلا يقام عليهم في الأصح وإن رضوا بحكمنا. وإذا نكح مجوسي محرمًا .. لم نتعرض له.

стр. 4585

وَالأَصَحُّ: اشْتِرَاطُ ذِكْرِ قَدْرِهَا، لَا كَفُّ اللِّسَانِ عَنِ اللهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﷺ وَدِينِهِ، وَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ مُؤَقَّتًا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَيُشْتَرَطُ لَفْظُ قَبُولٍ ــ قال: (والأصح: اشتراط ذكر قدرها) كالثمن والأجرة. والثاني: لا ويحمل على الأقل عند الإطلاق، والخلاف ضعيف، فكان ينبغي أن يعبر بالصحيح. قال: (لا كف اللسان عن الله تعالى ورسوله ﷺ ودينه)؛ لأنه داخل في شرط الانقياد. والثاني –وهو قول أبي إسحاق-: يشترط إذ به تحصل المسالمة وترك التعرض من الجانبين. وقيل: يشترط عدم الزنا بمسلمة وإصابتهم باسم النكاح وإفتان المسلمين عن دينهم وقطع الطريق عليهم والدلالة على عوراتهم. قال: (ولا يصح العقد مؤقتًا على المذهب)، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه بدل عن الإسلام والإسلام لا يؤقت. وقيل: قولان: أحدهما: يصح كالأمان. وشرط المؤقت أن يكون معلومًا، فلو قال الإمام: أقركم ما شئت أنا .. فقولان مرتبان، وأولى بالجواز؛ لما روى مالك [٢/ ٧٠٣] مرسلًا، والبخاري [٢٧٣٠] متصلًا: أن النبي ﷺ قال لهم: (أقركم ما أقركم الله) إلا أن ذلك كان في انتظار الوحي ولا يتصور الآن. فلو قال: أقركم ما شئتم .. جاز؛ لأن لهم نبذ العهد متى شاؤوا فليس فيه إلا التصريح بمقتضاه، لكن قالوا في نظيره من الهدنة: لا يصح؛ لأنه يجعل الكفار محكمين في المسلمين. قال: (ويشترط لفظ قبول)، كقبلت أو رضيت بذلك كغيره من العقود، فلو قال: قررني بكذا، فأجابه .. تم العقد. واشتراط المصنف القبول اللفظي محله في الناطق، أما الأخرس .. فتكفي فيه

стр. 4586

وَلَوْ وُجِدَ كَافِرٌ فَقَالَ: دَخَلْتُ لِسَمَاعِ كَلَامِ اللهِ تَعَالَى، أَوْ رَسُولًا، أَوْ بِأَمَانِ مُسْلِمٍ .. صُدِّقَ، ــ الإشارة؛ لأنها بمنزلة نطقه، وسكتوا عن شرط اتصاله بالإيجاب، وقياس كونه عقدًا: اشتراط الفورية. قال: (ولو وُجد كافر بدارنا فقال: دخلت لسماع كلام الله تعالى، أو رسولًا، أو بأمان مسلم .. صُدق)؛ لأن قصد ذلك يؤمنه. والغالب: أن الحربي لا يدخل بلاد المسلمين إلا بأمان، ثم الداخل لسماع كلام الله تعالى لا نمكنه من المُقام فوق أربعة أشهر، وفيما دون ذلك إلى المدة التي يتبين لمثله فيها حجج الإسلام ومحاسنه وجهان: أحدهما: لا يترك أكثر منها. والثاني: يترك أربعة أشهر, وقوله: (أو رسولًا) أي: أنه دخل رسولًا وإن لم يكن معه كتاب، وفيه احتمال للإمام، والمنصوص: أنه إن اتهم حلف. وقال الماوردي والروياني: ما اشتهر من أن الرسول لا يقتل محله في رسالة فيها مصلحة للمسلمين من هدنة وغيرها، فإن كان في وعيد وتهديد .. فلا، ويتخير فيه بين الخصال الأربع كالأسير. ورد المصنف ذلك وصوب أمانة مطلقًا؛ لما روى أحمد [١/ ٣٩٠] والحاكم [٣/ ٥٢] –وقال: صحيح الإسناد- عن ابن مسعود: أن رجلين أتيا النبي ﷺ رسولين لمسيلمة، فقال لهما: (أتشهدوا أني رسول الله؟) قالا: أتشهد أن مسيلمة رسول الله؟ فقال: (لو كنت قاتلًا رسولًا .. لضربت أعناقكما) فجرت السنة بأن لا تقتل الرسل. والرجلان: ابن النواحة، وابن أثال. ولم يقتل للنبي ﷺ سوى رسولين: حبيب بن زيد بن عاصم الأنصاري المازني بعثه إلى مسيلمة فقتله، والحارث بن عمير الأزدي أحد بني لهب

стр. 4587

وَفِي دَعْوَى الأَمَانِ وَجْهٌ، وَيُشْتَرَطْ لِعَقْدِهَا الإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، ــ أرسله بكتابه إلى ملك بصرى فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فضرب عنقه صبرًا. فعند ذلك أرسل النبي ﷺ ثلاثة آلاف مقاتل إلى مؤتة في جمادى سنة ثمان من الهجرة. قال: (وفي دعوى الأمان وجه) أنه لا يصدق؛ لإمكان إقامة البينة عليه؛ لأنه يدعي خلاف الظاهر. فرع: دخل حربي دار الإسلام وأقام مدة ثم عرفنا به .. لا نأخذ منه شيئًا؛ لما مضى من الزمان على الأصح، وأفتى البغوي بأنه تؤخذ منه جزية ما مضى، كمن سكن دارًا غصبًا عليه الأجرة. وعلى الوجهين: لنا قتله واسترقاقه وغنم ماله ويكون فيئًا، فإن بذل الجزية وهو من أهلها .. وجب قبولها منه، إلا أن يكون جاسوسًا، ولا يمتنع ببذلها رقة على الصحيح، وسيأتي هذا في الخنثى إذا بانت ذكورته. قال: (ويشترط لعقدها الإمام أو نائبه)؛ لأنها من المصالح العظام فاختصت بمن له النظر العام. وقيل: يصح من الآحاد كالأمان، وهو شاذ متروك، فلو عقدها أحدهم بغير إذن الإمام .. فلا يغتال المعقود له، بل يلحق بمأمنه. فلو أقام سنة أو أكثر .. فقيل: يؤخذ منه لكل سنة دينار، والأصح: لا؛ لأن القبول ممن لا يملك الإيجاب لغوٌ. فرع: يكتب الإمام بعد عقد الذمة أسماءهم وأديانهم وحلاهم، فيتعرض لسنه أهو شيخ أم شاب، وللونه من شقرة أو سمرة وغيرها، ويصف وجهه ولحيته وجبهته وحاجبيه

стр. 4588

وَعَلَيْهِ الإِجَابَةُ إِذَا طَلَبُوا، إِلَّا جَاسُوسًا يَخَافُهُ ــ وعينيه وشفتيه وأسنانه وآثار وجهه إن كانت، ويجعل على كل طائفة عريفًا يضبطهم، ويشترط إسلامه ليعتمد خبره بمن مات منهم أو أسلم، ومن قدم عليهم ومن بلغ، وليحضرهم لأداء الجزية وللشكوى لمن يستعدي عليهم من المسلمين ومن يتعدى منهم، قال الرافعي: ويجوز في هذا أن يكون ذميًا. قال: (وعليه الإجابة إذا طلبوا)؛ لما روى مسلم [١٧٣١] عن بريدة قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سرية .. أوصاه إلى أن قال: (فإن هم أبوا .. فسلهم الجزية، فإن هم أجابوا .. فاقبل منهم وكف عنهم). وفي قول شاذ: إنها لا تجب إلا إذا رأى فيه مصلحة كالهدنة. والضمير في (وعليه) عائد على العاقد الإمام أو نائبه، وإنما أفرده؛ لأن العطف بـ (أو) يجب بعده ذلك. ومحل الوجوب: قبل الأسر؛ فإن الأسير إذا طلب عقد الجزية لا يجب تقريره على الأصح كلما اقتضاه كلام (الروضة). قال: (إلا جاسوسًا يخافه)؛ فإنه لا يجب عليه إجابته للضرر الذي يخشى منه، بل لا يقبل الجزية منه، وكذا لو كان يخاف غائلتهم ويرى أن ذلك مكيدة منهم .. فلا يجيبهم. والجاسوس تقدم في الفصل الذي قبل هذا الباب. وإذا عقد الذمة مع اختلال شرط .. لم يلزم الوفاء، ولا يجب المسمى، ويبلغوا المأمن. قاعدة: كل عقد فسد يسقط فيه المسمى إلا مسألة واحدة، وهي ما إذا عقد الذمة معهم على السكنى في أرض الحجاز؛ فإنهم إذا سكنوه ومضت المدة .. وجب المسمى؛ لأنه استوفى العوض، وليس لمثله أجرة فيرجع إلى المسمى.

стр. 4589

وَلَا تُعْقَدُ إِلَّا لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ وَأَوْلَادِ مَنْ تَهَوَّدَ أَوْ تَنَصَّرَ قَبْلَ النَّسْخِ أَوْ شَكَكْنَا فِي وَقْتِهِ، ــ قال: (ولا تعقد إلا لليهود والنصارى) من العرب والعجم؛ لقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. وأخذها النبي ﷺ من أكيدر دومة وكان من غسان أو من كندة، وأخذها من أهل اليمن وأكثرهم عرب. قال: (والمجوس)؛ لأنه ﷺ أخذها من مجوس هَجَر كما تقدم، وقال: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) رواه البخاري [٣١٥٧]. وأخذها منهم أبو بكر وعمر وعثمان. قال: (وأولاد من تهود أو تنصر قبل النسخ) ولو بعد التبديل مطلقًا من غير خلاف ولا تفصيل؛ تغليبًا لحقن الدم، ولا تحل مناكحتهم ولا ذبائحهم كما تقدم؛ لأن الأصل في الميتات والأبعاض التحريم. وخرج بقوله: (قبل النسخ) ما إذا كان ذلك بعد بعثة نبينا وعيسى صلى الله عليهما وسلم؛ فإنها لا تعقد لهم؛ لأنهم تمسكوا بدين سقطت حرمته. وقال المزني: يقرون، وقد تقدم في (النكاح) أن نسخ النصرانية ببعثة نبينا محمد ﷺ واليهودية ببعثة عيسى ﵇، وقيل: ببعثة نبينا صلى الله وسلم. قال: (أو شككنا في وقته) فلم نعرف أدخلوا فيه قبل النسخ أم بعده، أو دخلوا فيه قبل التبديل أو بعده، فيجوز تقريرهم بالجزية؛ تغليبًا للحقن كالمجوس، وبذلك حكمت الصحابة ﵃ في نصارى العرب، وهم: بهراء، وتنوخ، وبنو تغلب، وفي (النكاح) و (الذبيحة) غلبوا التحريم في مثلهم؛ أخذًا بالأحوط في البابين.

стр. 4590

وَكَذَا زَاعِمُ التَّمَسُّكِ بِصُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَزَبُورِ دَاوُودَ ﵉، ــ قال الشافعي: والذي يروى من حديث ابن عباس من إحلال ذبائحهم، إنما هو من حديث عكرمة. أشار إلى أنه يتوقف في الاحتجاج به، والأكثرون وثقوه، ويكفي إخراج البخاري له، وهو عكرمة مولى ابن عباس، وليس هو عكرمة بن خالد الثقة، ولا عكرمة بن خالد الضعيف. وفهم من إطلاق المصنف: أن يهود خيبر كغيرهم، وهو كذلك. وانفراد ابن أبي هريرة بإسقاط الجزية عنهم؛ لأن النبي ﷺ ساقاهم وجعلهم بذلك خولًا، أي: عبيدًا. وسئل ابن سريج عما يدعونه من أن علي بن أبي طالب كتب لهم كتابًا بإسقاطهم؟ فقل: لم ينقل أحد من المسلمين ذلك. قال ابن الصباغ: وقد أظهروا في زماننا كتابًا ذكروا أنه بخط علي بن أبي طالب، وبان كذبهم فيه؛ فإن شهادة سعد بن معاذ ومعاوية، وتاريخه بعد موت سعد وقبل إسلام معاوية؛ لأن سعدًا توفي يوم الخندق، ومعاوية أسلم يوم الفتح. وأما الصابئة والسامرة .. فحكمهم كما سبق في (النكاح) إن خالفا الأصول .. لم يصح، وإلا .. صح. وقطع الإصطخري بأن الصابئة لا يقرون ولا تحل ذبائحهم ولا نساؤهم؛ فإنهم يقولون: إن الفلك حي ناطق، وإن الكواكب السبعة آلهة. وأما من ليس له كتاب ولا شبهة كتاب كعبدة الأوثان والشمس والملائكة ومن في معناهم .. فلا يقرون بالجزية، سواء فيهم العربي والعجمي. وعند أبي حنيفة: تؤخذ الجزية من العجم منهم. وعند مالك: تؤخذ من جميع المشركين إلا مشركي قريش. قال: (وكذا زاعم التمسك بصحف إبراهيم وزبور داوود ﵉، وكذا صحف شيث، وهو ابن آدم لصلبه؛ لأن الله تعالى أنزل عليهم صحفًا، فقال: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾، وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِالْأَوَّلِينَ﴾.
следующие страницы →