Полный текст (5 377 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.
стр. 4796
بَطَلَ العَقْدُ فِيهِ، وَسَقَطَ مِنَ الْحِزْبِ الآخَرِ وَاحِدٌ، وَفِي بُطْلاَنِ الْبَاقِي قَوْلاَ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، فَإِنْ صَحَّحْنَا. فَلَهُمُ جَمِيعًا الخِيَارُ، فَإِنْ أَجَازُوا وَتَنَازعُوا فِيَمْن يَسْقُطُ بَدَلُهُ .. فَسخَ الْعَقْدُ. وَإِذَا نَضَلَ حِزْبٌ .. قُسِمَ الْمَالُ بِحَسَبِ الإِصَابَةِ، وَقِيلَ: بِالسَّويَّةِ،
ــ
قال: (.. بطل العقد فيه، وسقط من الحزب الآخر واحد)، ليحصل التساوي كما إذا خرج أحد العبدين المبيعين مستحقًا، فإنه يسقط من الثمن ما يقابله.
تنبهان:
أحدهما: عبارة المصنف تقتضي أن الذي يسقط من الحزب الآخر لا يتعين، وقال ابن الصباغ وصاحب (المهذب): يسقط من الحزب الآخر من اختاره الزعيم في مقابلة الذي لا يحسن الرمي.
الثاني: من عبارته يؤخذ اشتراط كونه يحسن الرمي، فلو بان ضعيف الرمي أو قليل الإصابة .. فلا فسخ لأصحابه، ولو بان فوق ما ظنوه .. في فسخ للحزب الآخر، كذا أطلقوه.
قال الرافعي: وينبغي أن يكون فيه الخلاف في اشتراط تداني المتناضلين، وقد يستدل بإطلاقهم على أن ذلك لا يعتبر.
قال: (وفي بطلان الباقي قولا تفريق الصفقة) كغيره من العقود، وقطع فيه بعضهم بالبطلان.
قال: (فإن صححنا .. فلهم جميعًا الخيار) أي: بنفس الفسخ والإجازة لهذا الحزب والحزب الآخر، فإن شاؤوا .. فسخوا العقد، وإن شاؤوا أجازوه.
قال: (فإن أجازوا وتنازعوا فيمن يسقط بدله .. فسخ العقد)؛ لتعذر إمضائه.
قال: (وإذا نضل حزب .. قسم المال بحسب الإصابة)؛ لأنهم استحقوا بها، فمن لا إصابة له لا شيء له، وهذا الذي جعله في (المحرر) أشبه فتبعه المصنف، وكأنه سبق قلم؛ فإن الأشبه في (الشرح) و (الروضة): الثاني، وقطع به بعضهم.
قال: (وقيل: بالسوية) كما يجب على المنضولين بالسوية، وهذا هو المفتى به.
стр. 4797
وَيُشْتَرَطُ فِي الإِصَابَةِ الْمَشْرُوطَةِ أَنْ تَحْصُلَ بِالنَّصْلِ، فَإِنْ تَلِفَ وَتَرٌ أَوْ قَوْسٌ، أَوْ عَرَضَ شَيْءٌ انْصَدَمَ بِهِ السَّهْمُ وَأَصَابَ .. حُسِبَ لَهُ عَلَى الأَصّحِّ، وَإِلاَّ .. لَمْ يُحْسَبْ عَلَيْهِ، وَلَوْ نَقَلَتِ الرِّيحُ الغَرَضَ فَأَصَابَ مَوْضِعَهُ .. حُسِبَ لَهُ، وَإِلاَّ فَلاَ يُحْسَبُ عَلَيْهِ،
ــ
قال: (ويشترط في الإصابة المشروطة أن تحصل بالنصل)؛ لأنه المفهوم من الإصابة عند الإطلاق، فإن أصاب بالفوق وهو موضع الوتر من السهم أو العرض .. لم يحسب له وحسب عليه.
وفي وجه: إذا أصاب بالفوق .. لا يحسب عليه، وهو ضعيف.
قال: (فإن تلف وتر أو قوس، أو عرض شيء انصدم به السهم وأصاب .. حسب له على الأصح)، لأن الإصابة مع ذلك تدل على جودة الرمي.
ومحل ما ذكره المصنف إذا كان انقطاع الوتر أو انكسار القوس قبل خروج السهم من القوس، أما بعده .. فلا أثر له.
قال: (وإلا) أي: وإن لم يصب (.. لم يحسب عليه) إحالة على السبب العارض.
قال: (ولو نقلت الريح الغرض فأصاب موضعه .. حسب له) هذا إذا كان الشرط الإصابة، وعن ابن القاص خلافه؛ لأنه زال المرمي إليه.
قال: (وإلا .. فلا يحسب عليه) أي: إن لم يصب موضعه .. لم يحسب عليه؛ إحالة على السبب العارض.
وعبارة (المحرر): وإلا .. فلا؛ أي: لم يحسب له، والذي في (الروضة) و (أصلها): فلو أصاب الغرض في الموضع المنتقل إليه .. حسب عليه لا له، فإن
стр. 4798
وَلَوْ شُرِطَ خَسْقٌ فَثَقَبَ وَثَبَتَ ثُمَّ سَقَطَ، أَوْ لَقِيَ صَلاَبَةً فَسَقَطَ .. حُسِبَ لَهُ
ــ
أراد في (المنهاج) هذه .. فهي مخالفة لما فيه مخالفة لما فيه، وإن أراد غيرها .. ففيه نظر.
قال: (ولو شرط خسق فثقب وثبت ثم سقط، أو لقي صلابة فسقط .. حسب له).
أما في الأولى .. فكما لو نزعه غيره، وأما في الثانية .. فلظهور سبب الرجوع عن الخسق وهو الصلابة، فلو خدشه ولم يثقبه .. فليس بخاسق، وكذا إن ثقبه ولم يثبت في الأظهر.
وفي الصورة الثانية قول: إنه لا يحسب لا له ولا عليه.
تتمة:
قال ابن كَجّ: لو تراهن رجلان على قوة يختبران بها أنفسهما كالقدرة على رقي جبل أو إقلال صخرة أو أكل كذا أو الظهور من أحد جانبي النهر إلى الآخر .. فهذا كله من أكل الأموال بالباطل، وكله حرام.
ومن هذا النمط ما يفعله العوام في الرهان على حمل كذا من موضع كذا إلى مكان كذا، وإجراء الساعي من طلوع الشمس إلى الغروب، كل ذلك ضلالة وجهالة مع ما يشتمل عليه من ترك الصلوات وفعل المنكرات.
* * *
خاتمة
يستحب أن يكون عند الغرض شاهدان؛ ليشهدا على ما وقع من إصابة وخطأ، وليس لهما أن يمدحا المصيب ولا أن يذما المخطاء؛ لأن ذلك يخل بالنشاط.
* * *
стр. 4799
فهرس الكتاب
كتاب دعوى الدم والقسامة
٧
فصل: فيما يثبت موجب القصاص وموجب المال
٢٩
كتاب البغاة
٤٣
فصل: في شروط الإمام الأعظم وما معه
٥٩
كتاب الردة
٧٧
كتاب الزنا
١٠١
كتاب حد القذف
١٣٧
كتاب قطع السرقة
١٤٩
فصل: فيما لا يمنع القطع وما يمنع وفيما يكون حرزًا لشخص دون آخر
١٧٤
فصل: في شروط السارق وفيما تثبت به السرقة
١٨٤
باب قاطع الطريق
٢٠٢
فصل: في اجتماع عقوبات
٢١٤
كتاب الأشربة
٢٢١
فصل: في التعزير
٢٣٦
كتاب الصيال وضمان الولاة
٢٤٩
فصل: في ضمان ما تتلفه البهائم
٢٧٤
كتاب السير
٢٨٥
فصل: فيما يكره من الغزو ومن يحرم قتله من الكفار وما يجوز قتالهم به
٣١٦
فصل: في حكم ما يؤخذ من أهل الحرب
٢٣٩
فصل: في الأمان
٣٦٧
كتاب الجزية
٣٨٥
فصل: في مقدار مال الجزية
٤٠٣
стр. 4800
فصل: في أحكام الجزية الزائدة على ما مر
٤١٥
كتاب الهدنة
٤٣٧
كتاب الصيد والذبائح
٤٥٣
فصل: في آلة الذبح
٤٧٢
فصل: فيما يملك به الصيد
٤٨٧
كتاب الأضحية
٤٩٩
فصل: في العقيقة
٥٢٣
كتاب الأطعمة
٥٣٩
كتاب المسابقة والمناضلة
٥٨٣
فهرس الكتاب
٦٠٧
* * *
стр. 4801
كِتَابُ الأيْمَانِ
ــ
كتاب الأيمان
هي جمع يمين, وهو والحلف والإيلاء والقسم ألفاظ مترادفة.
وأصلها في اللغة: اليد اليمنى, وأطلقت على الحلف؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل بيمين صاحبه, وقيل: لأنها تحفظ الشيء على الحالف كما تحفظ اليد.
وهي في الشرع: تحقيق ما يحتمل المخالفة أو تأكيده بذكر اسم الله تعالى أو صفة من صفاته.
والأصل في الباب: قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية, وقوله تعالى: (ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ).
و (العُرضة) في الأيمان: أن يحلف به في كل حق وباطل.
وفي (البخاري) [٦٦١٧] عن ابن عمر: أكثر ما كان النبي ﷺ يحلف: (لا ومقلب القلوب
стр. 4802
لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِذَاتِ اللهِ تَعَالَى أَوْ صِفَةٍ لَهُ,
ــ
وأجمعت الأمة على انعقاد اليمين وتعلق الكفارة بها.
قال: (لا تنعقد إلا بذات الله تعالى أو صفة له) هذا الذي اقتصر عليه في (الشرح الصغير): أنها ذات وصفات, وهو في (الروضة) ثلاثة: ذات وأسماء وصفات.
والمراد بـ (الذات) هنا: الحقيقة, وهو اصطلاح المتكلمين, وقد أنكر عليهم بعض الأدباء وقال: لا تعرف (ذات) في لغة العرب بمعنى الحقيقة, وإنما (ذات) بمعنى صاحبة.
وهذا الإنكار منكر, بل الذي قاله الفقهاء والمتكلمون صحيح, كما نبه عليه المصنف في (تهذيبه) قال: ومنه قوله تعالى: ﴿وأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أي: الحالة التي بينكم, وهو قول الكوفيين, وعن الزجاج: معناه: حقيقة وصلكم.
قال الواحدي: فذات عندي بمعنى النفس, كما يقال: ذات الشيء ونفسه.
والتقييد بـ (ذات الله أو صفته) تخرج به صورتان:
إحداهما: الحلف بالمخلوق كالنبي والكعبة وجبريل والصحابة والآل, وذلك مكروه؛ لقوله ﷺ : (لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا تحلفوا إلا بالله) رواه النسائي [٧/ ٥] وابن حبان [٤٣٥٧].
وفي (الصحيحين) [خ٦١٠٨ - م١٦٤٦/ ٣]: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم, فمن كان حالفا .. فلا يحلف إلا بالله).
وان النبي ﷺ أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب, فسمعه يحلف بأبيه فقال: (إن الله ينهاكم ان تحلفوا بآبائكم, فمن كان حالفا .. فليحلف بالله أو ليصمت) , قال عمر ﵁: فما حلفت بها بعد ذلك ذاكرا ولا آثرا, أي: حاكيا عن غيره أن حلف بها.
وقد جاء عن ابن عباس: (لأن أحلف بالله تعالى مئة مرة فآثم .. خير من أن أحلف
стр. 4803
كَقَوْلِهِ: وَاللهِ,
ــ
بغيره فأبر) ذكره المصنف في (شرح مسلم) [١١/ ١٠٥] , ورواه الطبراني في (معجمه الكبير) [٩/ ١٨٣].
وروى الحاكم [١/ ١٨] عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: (من حلف بغير الله .. فقد كفر) وروي: (فقد أشرك) [٤/ ٣٣٠] , وحمل هذا على من اعتقد فيما حلف به من التعظيم ما يعتقده في الله تعالى.
قال الرافعي: وأخشى أن يكون الحلف بغير الله معصية, قال الأصحاب: أي: محرما مأثوما عليه.
فمن حلف بغير الله .. لا ينعقد يمينه ولم تتعلق الكفارة بالحنث فيه, خلافا لأحمد في الحلف بالنبي ﷺ خاصة؛ فإنه قال: ينعقد به؛ لأنه أحد ركني الشهادة كاسم الله تعالى.
لنا: القياس على ما سلمه, وإذا سبق اللسان إليه لم يوصف بالكراهة ويكون بمثابة لغو اليمين, وعلى هذا يحمل ما في (الصحيحين) [م١١/ ٩] من قوله ﷺ – للأعرابي الذي قال: لا أزيد على هذا ولا أنقص-: (أفلح – وأبيه – إن صدق).
والجواب: أن هذه الكلمة تجري على اللسان لا يقصد بها اليمين.
وقيل: اختلف في تصحيح هذه الزيادة, ولذلك لم يذكرها مالك في (الموطأ) , بل قال [١/ ١٧٥]: (أفلح إن صدق).
وقيل: الحديث منسوخ بالنهي عن الحلف بالآباء.
الثانية: إذا قال: إن فعل كذا فهو يهودي أو نصراني: وستأتي.
قال: (كقوله: والله) , سواء جر أو نصب أو رفع, وسواء تعمد أم لا؛ لأن اللحن لا يمنع انعقاد اليمين.
стр. 4804
وَرَبِّ العَالَمِينَ, وَالْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ, ومَنْ نَفْسِي بِيَدِهِ,
ــ
وقال القفال: إذ رفع لا ينعقد إلا أن ينوي اليمين.
قال: (ورب العالمين) (الرب): يطلق في اللغة على المالك والسيد والمدبر والمربي والمنعم, وهذه صفات الله تعالى.
ومما جاء بمعنى المالك: قول صفوان لأبي سفيان بن حرب: لأن يربني رجل من قريش .. أحب إلي من أن يربني رجل من هوزان.
ولم يطلقوا الرب إلا على الله وحده, وهو في غيره على التقييد والإضافة.
و (العالمون) جمع عالم, وهو: كل موجود سوى الله تعالى, ولا واحد له من لفظه, واختلفوا في اشتقاقه:
فقيل: من العلامة؛ لأن كل مخلوق علامة تدل على وجود خالقه.
وقيل: من العلم, وهو مذهب من يخصه بمن يعقل.
قال: (والحي الذي لا يموت) , قال الله تعالى: ﴿وتَوَكَّلْ عَلَى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾؛ فهو الحقيق بذلك, ولا يتوكل على من يموت, فلا يصح لذي عقل أن يثق بعد هذه الآية بمخلوق.
قال: (ومن نفسي بيده)؛ لما روى أبو داوود [٣٢٥٩] بإسناد حسن عن أبي سعيد الخدري: أن النبي ﷺ كان إذا اجتهد في اليمين قال لا والذي نفس أبي القاسم بيده.
стр. 4805
وَكُلِّ أسْمِ مُخْتَصِّ بِهِ , وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: لَمْ أُرِدْ بِهِ اليَمِينَ. وَمَا انْصَرَفَ إلَيْهِ عِنْدَ الإطْلَاقِ كَالرَّحِيمِ, وَالخَالِقِ, وَالرَّازِقِ, وَالرَّبِّ .. تَنْعَقِدُ بِهِ اليَمِينُ,
ــ
قال: (وكل اسم مختص به ؛ لأن الأيمان منوطة بمن عظمت حرمته ولزمت طاعته, وإطلاق هذا مختص به , والحلف بالأسماء:
منها: ما يختص الباري به ولا يطلق في حق غيره.
ومنها: ما أطلق على غيره لكن الغالب استعماله في حق الله مطلقا ومقيدا في غيره.
ومنها: ما يطلق في حق الله تعالى وغيره ولا غالب, فهذه ثلاثة أقسام, وهي في كلام المصنف على هذا الترتيب.
فمثل الأول: بالله, وبرب العالمين, والحي الذي لا يموت, ومن نفسي بيده, ومثله: مالك يوم الدين, والقدوس, والرحمن, وخالق الخلق, والواحد الذي ليس كمثله شيء.
وقال البندنيجي: أكثر العلماء على أن الأسم الأعظم (الله) , واختاره السهيلي, ولهذا قال ابن كج: لا صريح في اليمين سواه.
قال: (ولا يقبل قوله: لم أرد به اليمين)؛ لأنها لا تحتمل غير اليمين, وهذا لا خلاف فيه في الظاهر, وكذا فيما بينه وبين الله تعالى في الأصح.
قال: (وما انصرف إليه عند الإطلاق) أي: وينصرف إلى غيره بالتقييد (كالرحيم, والخالق, والرازق, والرب .. تنعقد به اليمين) , سواء قصد
стр. 4806
إلَّا أَنْ يُرِيدَ غَيْرَهُ, وَمَا اسْتُعْمِلَ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ سَوَاءٌ كَالشَّيْءِ وَالْمَوْجُودِ وَالْعَالِمِ وَالحَيِّ .. لَيْسَ بِيَمِينٍ إلَّا بِنِيَّةٍ. وَالصِّفَةُ: كَوَعِزَّةِ اللهِ وَعَظَمَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَكَلَامِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ .. يَمِينٌ,
ــ
أو أطلق, ومثله في (الروضة): بالجبار والحق والرب والتكبر والقادر والقاهر, قال: وكذا الخالق والرازق والرحيم على الصحيح, وقيل: من القسم الأول المختص بالله.
فائدة:
الألف واللام في أسماء الله تعالى للكمال, قال سيبويه: تكون لام التعريف للكمال, تقول: زيد الرجل, تريد الكامل في الرجولية, وكذلك هي في أسماء الله تعالى, فإذا قلت: الرحمن, أي: الكامل في معنى الرحمة, والعليم, أي: الكامل في معنى العلم, وكذلك تتمة الأسماء, فهي لا للعموم ولا للعهد, ولكن للكمال.
قال: (إلا أن يريد غيره)؛ لأنه قد يستعمل في غيره, كرحيم القلب ورب الدار وخالق الكذب وقاهر العدو ورازق الجيش, قال تعالى: ﴿وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ , وقال: ﴿فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ﴾.
وقيل: الحلف بكل اسم من التسعة والتسعين صريح.
قال: (وما استعمل فيه وفي غيره سواء كالشيء والموجود والعالم والحي .. ليس بيمين إلا بنية)؛ لأنها لما استعملت فيهما .. أشبهن كنايات الطلاق, وهذا الذي صححه في زوائد (الروضة).
وصحح الرافعي تبعا لأبي حامد والإمام وغيرهما: أنه وإن نوى لا يكون يمينا, ومن هذا النوع السميع والبصير والعليم والحليم.
واستثنى الماوردي من ذلك: ما يكثر استعماله في الله سبحانه ويقل في غيره؛ فيكون يمينا ظاهرا لا باطنا.
قال: (والصفة: كوعزة الله وعظمته وكبريائه وكلامه وعلمه وقدرته ومشيئته .. يمين)؛ لأنها صفات لم يزل سبحانه موصوفا بها فكانت كاليمين بأسمائه المختصة, فينعقد اليمين بها وإن أطلق.
стр. 4807
إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِالعِلْمِ المَعْلُومَ, وَبِالقُدْرَةِ الْمقْدُورَ
ــ
والصفات المعنوية الزائدة على الذات عند الأشاعرة ثمانية, وهي المشار إليها بقول الأول [من الطويل]:
حياة وعلم قدرة وإرادة ... كلام وإبصار وسمع مع البقا
صفات لذات الله جل قديمة .... لدى الأشعري الحبر ذي العلم والتقى
ولم يلتزم منها بشيء شيوخه .... وكل بمشتقاتها قال مطلقا
وروي عن مالك كراهة الحلف بالصفات, ويعارضه ما في (البخاري) [٢٧٩] في (أبواب الغسل) عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: (بينا أيوب ﵇ يغتسل عريانا فخر عليه جراد من ذهب, فجعل أيوب يحثي في ثوبه, فناداه ربه: يا أيوب؛ ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى وعزتك, ولكن لا غنى بي عن بركتك).
قال: (إلا أن ينوي بالعلم المعلوم) , كما يقال: اللهم اغفر لنا علمك فينا, أي: معلومك.
قال: (وبالقدرة المقدور) ولا يكون يمينا لاحتماله, كما يقال: انظر إلى قدرة الله, أي: مقدور الله.
وظاهر تخصيص الاستثناء بصفتي العلم والقدرة يقتضي: تعلق الحكم بهما فقط, وهو وجه جزم بع كثيرون: أنه إذا نوى بما عداهما .. لا يقبل, والأصح في زوائد
стр. 4808
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(الروضة) و (الشرحين): القبول أيضا كخلق الله.
ورزق الله ورحمة الله لا ينعقد بها اليمين إذا نوى بذلك المرزوق والمرحوم, وبه جزم الرافعي, وقال في (البسيط): لا خلاف فيه؛ لأنه ذكر مخلوقا.
ولو قال: والقرآن, أو ما مثبت في المصحف .. كان يمينا, كما لو حلف بكلام الله, وصرح الجمهور بأن قوله: والقرآن .. صريح, خلافا للقفال, ولو قال: والمصحف وأطلق .. فهو يمين, صرح به بعض الأصحاب, وبه أفتى الدولعي خطيب دمشق.
تنبيه:
ما جزم به من أن عظمة الله تعالى صفة .. هو المعروف, وبنى عليه بعضهم منع قولهم: سبحان من تواضع كل شيء لعظمته, قال: لأن التواضع للصفة عبادة لها, ولا نعبد إلا الذات.
стр. 4809
وَلَوْ قَالَ: وَحَقِّ اللهِ .. فَيَمِينٌ, إلَّا أَنْ يُرِيدَ العِبَادَاتِ
ــ
ومنع القرافي ذلك وقال: الصحيح: أن عظمة الله المجموع من الذات والصفات, وهذا المجموع هو المعبود, وعلى هذا يصح إطلاق التسبيح.
قال: (ولو قال: وحق الله. فيمين, إلا أن يريد العبادات) المراد: أنه ينعقد إن نواه قطعا, وكذا إذا أطلق في الأصح؛ لأنه الغالب في الاستعمال فنزل الإطلاق عليه, ومعناه: وحقيقة الإلهية.
وقيل: لأن حق الله القرآن, قال تعالى: ﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾.
وقيل: إنه كناية, وعزاه الإمام للأئمة؛ لأنه يطلق على العبادات التي أمر الله بها, وعند التردد لا يخلص لأحدهما إلا بالنية, فإذا أراد به غير اليمين .. انصرف عن اليمين؛ لاحتمال اللفظ وقوته بالنية.
قال المتولي: إذا قال: وحق الله –بالرفع- ونوى اليمين .. فيمين, وإن أطلق .. فلا, وإن نصب وأطلق .. فوجهان, جزم البغوي بالمنع.
ولو قال: وحرمة الله. فكقوله: وحق الله, وقيل: كعظمة الله, قال الرافعي: وفي كتب الحنفية: أنه قال: وسلطان الله .. كان يمينا إن أراد به القدرة, وإن أراد به المقدور .. فلا, قال: وبه نقول, وأنه لو قال: بأسم الله لأفعلن .. فهو يمين, وأنه لو قال: ورحمة الله وغضبه .. فلا.
وفي (فتاوى ابن الصلاح): ولو قال: وقدر الله كان يمينا؛ لقوله تعالى: (ومَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) أي: ما عظموه حق عظمته.
فائدة:
قال ابن الرفعة: (كلام المحاملي وابن الصباغ والماوردي والروياني يقتضي: أن الحلف بالطالب الغالب يمين صريحة؛ لأن فيها تنبيها على استجلاب منافعه واستدفاع مضاره –قال-: وسماعي من أقضى القضاة جمال الدين بن الحسن يحيى خليفة
стр. 4810
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ــ
الحكم العزيز بمصر ﵀: أن الحلف بذلك لا يشرع, وكان يذكر: أنه نقله عن أئمة المذهب, ويوجهه بأن الله تعالى وإن كان طالبا غالبا .. فأسماؤه توقيفية, ولم يرد تسميته بذلك) اهـ
وسيأتي جواز التحليف بذلك في (كتاب الدعوى والبينات).
وكان الجمال يحيى من صدور الشافعية, ناب عن قاضي القضاة ابن رزين, وكان يعرف فقهاء كثيرا, قال له يوما قاضي القضاء: لو أردت .. عزلتك, قال: لا تطيق ذلك, قال: ولم؟ قال: كنا عند الفقيه أبي طاهر فحصلت له حالة, فقال: من له حاجة يذكرها, فقلت: أنا أريد أن أكون نائب حكم ولا يعزلني أحد, فقال: لك ذلك.
توفي في شهر رجب سنة ثمانين وست مئة, والذي قال الجمال يحيى ذهب إليه الخطابي فقال: وما جرت به عادة الحكام في تغليظ الأيمان وتوكيدها إذا حلفوا الرجل أن يقولوا: بالله الطالب الغالب المدرك المهلك .. لا يجوز أن يطلق في حقه تعالى ذلك.
وإنما استحسنوا ذكرها في الأيمان؛ ليقع الردع بها للحالف؛ لأنه إذا توعد بالطالب والغالب .. استشعر الخوف وارتدع عن الظلم إذا كان يعلم أن الله سبحانه طالبه بحق أخيه, وأنه سيغلبه على انتزاعه منه. وإذا قال: المدرك المهلك .. علم أنه يدركه إذا طلبه, ويهلكه إذا عاقبه.
وإنما أضيفت هذه الأفعال إليه على معنى المجازاة منه لهذا الظالم على ما يستبيحه من حق أخيه المسلم, فلو جاز أن يعد ذلك في أسمائه وصفاته .. لجاز في أسمائه الخزي والمضل؛ لأنه قال: ﴿وأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكَافِرِينَ﴾ , و ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُؤ﴾.
وأجاب في (مشكل الوسيط) في (باب اليمين في الدعاوى) عنه, وجوز إطلاق
стр. 4811
وَحُرُوفُ القَسَم: (بَاءٌ) وَ (وَاوٌ) وَ (تَاءٌ) , كَـ (بِاللهِ) وَ (واللهِ) و (تَاللهِ) , وَتَخْتَصُ التَّاءُ بِاللهِ تَعَالَى
ــ
ذلك على الله تعالى في التسبيح والتحميد والتمجيد.
قال: (وحروف القسم: (باء) و (واو) و (تاء) كـ (بالله) و (والله) و (تالله).) كذا قاله الأكثرون, وفي (لباب المحاملي) أربعة: الألف والباء والتاء والواو.
وإنما بدأ المصنف بـ (الباء)؛ لأنها الأصل, وهي أعم من أختيها, والواو تليها؛ لأنها لا تدخل إلا على مضمر, بخلاف الباء, وأما التاء .. فمتأخرة عنهما.
وقال الماوردي: الأصل الواو ثم الباء ثم التاء.
قال: (وتختص التاء بالله تعالى) , قال الله تعالى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ , والمنصوص هنا وفي (الإيلاء): أن تالله يمين, وفي (القسامة): أنه ليس بيمين, وللأصحاب في ذلك طرق:
أحدها: العمل بظاهرها.
والثاني: قولان, أظهرهما: القطع بأنه يمين؛ لاشتهاره عرفا.
وحمل ما نقل في (القسامة) على التصحيف بالياء المثناة من تحت.
وسمع دخولها شذوذا على غيره فقالوا: تربي وترب الكعبة.
فرع:
إذ قال: (بله) بتشديد اللام ونوى بذلك اليمين .. قال الشيخ أبو حامد والإمام والغزالي: انعقدت ولا يضره اللحن.
وقال المصنف: ينبغي أن لا يكون يمينا؛ لأن هذه كلمة أخرى, وقال ابن الصلاح: إنها لغة لبعض العرب, وممن حكاها الزجاج, وأنشد على ذلك [من الرجز]:
أقبل سيل جاء من عند الله .... يحرد حرد الجنة المغلة
قال: فينبغي أن يجعل ذلك يمينا عند الإطلاق.
стр. 4812
وَلَوْ قَالَ: اللهُ, وَرَفَعَ أَوْ نَصَبَ أَوْ جَرَّ .. فَلَيْسَ بِيَمِينِ إِلَّا بِنِيَّةٍ. وَلَوْ قَالَ: أَقْسَمْتُ أَوْ أُقْسِمُ, أَوْ حَلَفْتُ, أَوْ أَحْلِفُ بِاللهِ لأَفْعَلَنَّ .. فَيِمَيِنٌ إنْ نَوَاهَا أَوْ أَطْلَقَ,
ــ
قال: (ولو قال: الله, ورفع أو نصب أو جر .. فليس بيمين إلا بنية) , لأجل حذف حرف القسم.
وفي حديث ركانة: ان النبي ﷺ قال: (الله ما أردت إلا واحدة) رواه صاحب (البيان) بالرفع, والروياني بالجر.
وروي: أن النبي ﷺ قال لابن مسعود: (الله قتلت أبا جهل) بالنصب.
وأصح الوجهين عند الإطلاق: أنه لا يكون يمينا, وقال ابن الصلاح: الأقوى من حيث العربية في الرفع والنصب: أن كلا منهما يمين عند الإطلاق, ولا يبعد مجيء وجه مفصل بين العارف بالعربية وغيره.
قال سيبويه: ولا يجوز حذف حرف الجر وإبقاء عمله إلا في القسم.
ولو سكن الهاء فقال: والله لأفعلن .. فظاهر كلام الروياني في (البحر): أنه يكون يمينا.
فائدة:
قال في (الروضة): لو قال: آليت أ, أولي .. فهو كحلفت أو أحلف, ذكره الدرامي, وهو ظاهر.
قال: (ولو قال: أقسمت, أ, أقسم, أو حلفت, أو أحلف بالله لأفعلن .. فيمين إن نواها)؛ لاطراد العرف باستعمال ذلك في اليمين لاسيما وقد نواه, قال تعالى: ﴿وأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ , وقال: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾.
قال: (أو أطلق)؛ لكثرة الاستعمال, هذا الذي قطع به الأكثرون.
стр. 4813
وَلَوْ قَالَ: قَصَدْتُ خَبَرًا مَاضِيًا أَوْ مُسْتَقْبَلًا .. صُدِّقَ بَاطِنًا, وَكَذَا ظَاهِرًا عَلَى المَذْهَبِ
ــ
وقيل: لا يكون ذلك يمينا؛ لأن صلاحية (أقسمت) للماضي و (أقسم) للمستقبل, وكذا حلفت وأحلف.
واحترز بقوله: (بالله) عما لو قال: أقسمت أو أقسم من غير ذكر الله؛ فليس بيمين وإن نواه.
وأما حديث ابن عباس في (الصحيح) [خ٧٠٤٦ - م٢٢٦٩] في الرؤيا التي فسرها الصديق بحضرة النبي ﷺ , فقال له: (أصبت بعضا وأخطأت بعضا) , فقال أبو بكر: أقسمت عليك لتخبرني بالخطأ, فقال: (لا تقسم) .. فقال صاحب (البيان): المراد به: المعنى اللغوي لا الشرعي, أي: لا تقسم قسما شرعيا يوجب الكفارة, وكذا قاله القاضي عياض في (شرح مسلم).
قال المصنف: والذي قاله عجيب؛ فإن الذي جميع نسخ (مسلم): (فوالله يا رسول الله لتحدثني) , وهذا صريح يمين وليس فيها أقسم , قال: وهذا الحديث دليل على أن إبرار القسم المأمور به في الأحاديث الصحيحة إنما هو إذا لم يكن في الإبرار مفسدة ولا مشقة ظاهرة, فإن كان لم يؤمر بالإبرار؛ لأن النبي ﷺ لم يبر قسم أبي بكر لما رأى في إبراره من المفسدة, ولعلها ما علم من انقطاع السبب مع عثمان والحروب المترتبة عليها .. فكره ذكرها مخافة شيوعها, أو أنه أخطأ في تعيين بعض الرجال الذين يأخذون بالسب بعده ﷺ وكان في بيان ذلك مفسدة فلم يبر ﷺ قسمه.
قال: (ولو قال: قصدت خبرا ماضيا أو مستقبلا .. صدق باطنا)؛ لاحتمال ما يدعيه, فلا تلزمه كفارة فيما بينه وبين الله تعالى.
قال: (وكذا ظاهرا على المذهب)؛ لظهور الاحتمال, والذي صححه المصنف هو المنصوص هنا, ونص في (الإيلاء) على أنه إذا قال: أقسمت بالله لا وطئتك, ثم قال: أردت يمينا ماضية .. لا يقبل, وللأصحاب في ذلك طرق:
أصحها: قولان فيهما, أظهرهما: القبول.
стр. 4814
وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أُقْسِمُ عَلَيْكَ بِاللهِ, أَوْ أَسْأَلُكَ بِاللهِ لَتَفْعَلَنَّ, وَأَرَادَ يَمِينَ نَفْسِهِ فَيَمينٌ, وَإلَّا .. فَلَا
ــ
والثاني: لا يقبل مطلقا.
والثالث: تقرير النصين.
والفرق: أن حق الله مبني على المسامحة, بخلاف حق الآدمي.
ومحل الطرق: إذا لم تعلم له يمين ماضية, فإن علمت .. قبل قوله في إرادتها بأقسمت أو حلفت قطعا, ولو قال: شهدت بالله أو أشهد بالله .. فيمين إن نواها, وإن نوى غيرها .. فلا.
ولو قال: عزمت بالله أو أعزم بالله لأفعلن .. لم يكن يمينا إلا أن ينوي بها اليمين.
قال: (ولو قال لغيره: أقسم عليك بالله, أو أسألك بالله لتفعلن, وأراد يمين نفسه .. فيمين)؛ لاشتهاره في ألسنة حملة الشرع, وفيه وجه ضعيف, وعلى المذهب: يندب للمخاطب إبراره إن لم تكن مفسدة كما تقدم.
قال: (وإلا .. فلا) هذا يشمل ثلاث صور:
قصد يمين المخاطب.
وإذا لم يقصد يمينا بل التشفع إليه بالله.
أو يطلق.
ومسألة الإطلاق تؤخذ من تعبير المصنف دون (المحرر) كما قاله في (الدقائق).
وفي الثلاثة لا ينعقد اليمين؛ لأنه لم يحلف لا هو ولا المخاطب.
ولو قال: لعمرو الله لأفعلن .. فهو يمين إن نوى, وإن أطلق .. فلا في الأصح, وكذلك: على عهد الله وميثاقه وذمته وأمانته وكفالته.
وإن قال: وايم الله أو أيمن الله لأفعلن كذا, فإن نوى .. فيمين, وإن
стр. 4815
وَلَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَأَنَا يَهُودِيٌّ أَوْ بَرِيءٌ مِنَ الإسْلَامِ .. فَلَيْسَ بِيَمِينٍ,
ــ
أطلق .. فلا على الأصح.
قال: (ولو قال: إن فعلت كذا فأنا يهودي أو بريء من الإسلام .. فليس بيمين)؛ لانتفاء الاسم والصفة, ولا كفارة عليه في الحنث, ثم بهذا قال مالك.
وكذا لو قال: فهو بريء من الله أو من رسوله ﷺ أو من الإسلام أو من الكعبة, أو مستحل للخمر أو الميتة, خلافا لأبي حنيفة وأحمد.
لنا: أن قوله ذلك يتضمن تعظيم الإسلام وإبعاد النفس عن اليهود وذلك ليس بقسم.
هذا إذا قصد القائل تبعيد النفس عن ذلك, فأما من قال ذلك على قصد الرضا بالتهود وما في معناه إذا فعل ذلك الفعل .. فهو كافر في الحال.
قال الأصحاب: وإذا لم يكفر في الصورة الأولى فليقل: لا إله إلا الله محمد رسول الله, وليستغفر الله, ويستدل له بما ثبت في (الصحيحين) [خ٤٨٦٠ - م١٦٤٧]: أن النبي ﷺ قال: (ومن حلف فقال في حلفه: باللات والعزى .. فليقل: لا إله إلا الله).
وجزم في (الأذكار) بأن هذا الحلف حرام تجب التوبة منه, وبه جزم الماوردي وابن الرفعة في (المطلب).
ويستحب أيضا لكل من تكلم بقبيح أن يستغفر الله, وتجب التوبة من كل كلام محرم, وجزم صاحب (الإستقصاء) بوبجوب التشهد, وهو ظاهر الحديث.
فرع:
لو قال: أيمان البيعة لازمة لي .. قال أصحابنا: كانت البيعة في زمن رسول الله
стр. 4816
وَمَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ إِلَى لَفْظِهَا بِلَا قَصْدٍ .. لَمْ تَنْعَقِدْ
ــ
ﷺ بالمصافحة, فلما ولي الحجاج .. رتبها أيمانا تشتمل على ذكر الله تعالى وعلى الطلاق والإعتاق والحج وصدقة المال.
فإن لم يرد القائل الأيمان التي رتبها الحجاج .. لم يلزمه شيء, وإن أرادها .. نظر: إن قال: بطلاقها وعتاقها لازم لي .. انعقدت يمينه بهما ولا حاجة إلى النية, وإن لم يصرح بذكرهما لكن نواهما .. فكذلك؛ لأنهما تنعقدان بالكناية مع النية.
وإن نوى اليمين بالله أو لم ينو شيئا .. لم تنعقد يمينه ولا شيء عليه.
قال: (ومن سبق لسانه إلى لفظها بلا قصد .. لم تنعقد) كحالة اللجاج والغضب, وذلك كقوله: لا والله, وبلى والله؛ لقوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ولَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ أي: قصدتم, بدليل الآية الأخرى: ﴿ولَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾.
قالت عائشة ﵂: (لغو اليمين هو قول الرجل: لا والله, وبلى والله) رواه البخاري [٤٦١٣] كذلك, وصحح ابن جبان [٤٣٣٣] رفعه إلى رسول الله ﷺ , وكذلك رفعه أبو داوود [٣٢٤٩] من رواية إبراهيم بن ميمون الصائغ الذي قتله أبو مسلم الخراساني بفرندس ظلما في سنة إحدى وثلاثين ومئة.
قال أبو داوود: كان إبراهيم الصائغ إذا رفع المطرقة فسمع النداء سيبها.
وكلام المصنف يفهم: أن الحالف لابد وأن يكون له قصد؛ فلا تنعقد يمين الصبي والمجنون والمكره, وفي السكران الخلاف في طلاقه
стр. 4817
وَتَصِحُّ عَلَى الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ,
ــ
تنبيهان:
أحدهما: قال ابن الصلاح: المراد من تفسير اللغو ببلى والله ولا والله: أن يقول أحدهما مرة والآخر أخرى, أما إذا جمعهما في كلام واحد .. فقال الماوردي: الأولى لغو؛ لأنها غير مقصودة, والثانية منعقدة؛ لأنها استدراك مقصود منه, وكلام الإمام والغزالي يقاضي: أن لغو اليمين أن يقصد اللفظ دون الحكم.
الثاني: من حلف وقال: لم أقصد اليمين .. ففي الطلاق والعتاق والإيلاء لا يصدق في الظاهر؛ لتعلق حق الغير.
قال الإمام: وفي اليمين أيضا لو اقترن بها ما يدل على القصد .. لم يصدق ظاهرا.
قال: (وتصح على الماضي والمستقبل)؛ لأن لفظ اليمين يقع عليها, قال تعالى: ﴿ولَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ , فعم الماضي والمستقبل, وقال: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ , وقال: ﴿ويَحْلِفُونَ عَلَى الكَذِبِ وهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
وقال ﷺ : (لأغزون قريشا ثلاث مرات) رواه أبو داوود [٣٢٧٨] وابن حيان [٤٣٤٣].
فمن حلف على الماضي كاذبا عالما .. فهي اليمين الغموس, سميت بذلك؛ لأنها تغمس صاحبها في الإثم أو في النار, وهي من الكبائر.
ففي (البخاري) [٢٦٥٣] عن عبد الله بن عمرو بن العاصي: أن النبي ﷺ قال: (الكبائر: الإشراك بالله, وعقوق الوالدين, وقتل النفس, واليمين الغموس).
وتجب الكفارة بها, وتعلق الإثم لا يمنع وجوبها, كما أن الظهار منكر من القول وزور وتتعلق به الكفارة, وإن كان جاهلا .. ففي وجوب الكفارة قولا, كما لو فعل المحلوف عليه ناسيا.
وقال الأئمة الثلاثة: لا تجب الكفارة باليمين الغموس.
والذي أطلقه المصنف من انعقاد الغموس صرح به جماعة منهم القاضي حسين.
стр. 4818
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأنكره ابن الصلاح وقال: إنها غير منعقدة عندنا كقول الحنفية, لكنا نعتبر في الكفارة مجرد العقد والخنث وقد وجدا, ولا نعتبر الانعقاد.
وكذا صرح به الماوردي فقال: إنها يمين محلولة غير معقودة؛ لأن الحنث اقترن بها, ويوافقهما قول الإمام قبل (باب من حلف على غريمه لا يفارقه): إنه يستحيل فرض الانعقاد فيها.
وعلى هذا: يصح قول المصنف: (تصح) ومعناه: تترتب عليها آثارها, وهي الكفارة لا الانعقاد.
وكما تجب الكفارة في الغموس .. يجب التعزيز أيضا كما تقدم في بابه.
والمراد بـ (المستقبل): إذا كان ممكنا, أما غير الممكن كما إذا حلف ليصعدن السماء أو ليقلبن الحجر ذهبا .. ففيه وجهان: الأصح: انعقاد اليمين به أيضا.
وهل تجب الكفارة في الحال أو قبل الموت؟ وجهان: أصحهما الأول.
ولو حلف لا يصعد السماء ولا يقتل ميتا .. فالأصح: عدم انعقادها؛ لامتناع الحنث.
فائدة:
التورية في الأيمان نافعة, والعبرة فيها بنية الحالف إلا إذا استحلفه القاضي بغير الطلاق والعتاق كما سيأتي في (الدعاوى) , وهي وإن كان لا يحنث بها لا يجوز فعلها حيث يبطل بها حق المستحق بالإجماع.
فمن التورية: أن ينوي باللباس الليل, وبالفراش والبساط الأرض, وبالأوتاد الجبال, وبالسقف والبناء السماء, وبالإخوة إخوة الإسلام, وما ذكرت فلانا, أي: ما قطعت ذكره, وما رأيته, أي: ما ضربت رئته, وبما عرفته: ما جعلته عريفا, وبما سألته حاجة, أي: شجرة صغيرة, وبما أكلت له دجاجة: كبة من الغزل, ولا فروجة, أي: دراعة, ولا في بيتي فرش, يعني: صغار الإبل, ولا حصير, أي: الملك, وما ضربت له رجلا, أي: قطعة من جراد, ومال له عندي جارية,
стр. 4819
وَهِيَ مَكْرُوهَةٌ إلَّا فِي طَاعَةٍ,
ــ
... أي: سفينة, وما عندي فهد ولا كلب, الكلب: المسمار في قائم السيف, والفهد: المسمار في وسط الرحل, وما كتبت اليوم شيئا, أي: ما خرزت الجلود, وما ظلمته, أي: ما أخذت له ظليما.
وقد تقدمت جملة من هذا في (الطلاق) , وكل هذا يجمعه قول النبي ﷺ : (إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب).
وقال عمر ﵁: (أما في المعاريض ما يغني المسلم عن الكذب).
وقال ابن عباس: (ما أحب بمعاريض الكلام حمر الوحش).
قال: (وهي مكروهة) أي: في الجملة؛ لأن الله تعالى نهى عنها, ويكره الاستكثار منها أيضا؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ أي: لا تكثروا الحلف بالله, ولأنه ربما يعجز عن الوفاء بموجبها.
وفي (سنن ابن ماجه) [٢١٠٣] و (ابن حبان) [٤٣٥٦]: أن النبي ﷺ قال: (إنما الحلف حنث أو ندم).
قال حرملة: سمعت الشافعي يقول: ما حلفت بالله صادقا ولا كاذبا قط.
قال: (إلا في طاعة) كالجهاد وكالأيمان الواقعة في الدعاوى إذا كانت صادقة, فإنها لا تكره, لكن الأفضل أن لا يحلف؛ لأن عثمان ﵁ امتنع منها بين يدي عمر ﵁ وقال: (أخشى من موافقة قدر).
وكذلك لا تكره إذا دعت إليها ضرورة كتأكيد وتعظيم أمر, ومنه قوله ﷺ في الحديث الصحيح لعمر في صلاة العصر: (والله ما صليتها) تطييبا لقلبه, وكقوله: (والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليل ولبكيتم كثيرا).
стр. 4820
فإِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ حَرَامٍ .. عَصَى وَلَزِمَهُ الحِنْثُ وَكَفَّارَةٌ,
ــ
وفي (الصحيح): (والله لا يمل الله حتى تملوا) قيل: حتى بمعنى الواو.
وقيل: معناه: أن الله لا يمل أبدا, مللتم أو لم تملوا, فجرى مجرى قولهم: حتى يشيب الغراب ويبيض القار.
وقيل: معناه: أن الله لا يقطع عنكم فضله حتى تملوا سؤاله, فسمى فعل الله تعالى مللا على طريق الازدواج في الكلام كقوله: ﴿وجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾.
وقد حفظ عن النبي ﷺ الحلف في أكثر من ثمانين موضعا, وأمره الله تعالى بالحلف على تصديق ما أخبر به في ثلاث مواضع من القرآن؛ في (سورة سبأ) و (يونس) و (التغابن).
ولا تجب اليمين أصلا, وقال ابن عبد السلام: إن كان المدعى عليه كاذبا في يمينه .. لم تحل, فضلا عن أن تجب عليه, وإن كان صادقا في يمينه والمدعى به مما لا يباح بالإباحة كالدماء والأبضاع, فإن علم الدعى عليه أن خصمه لا يحلف .. وجب عليه الحلف, وإن كان يباح بالإباحة وعلم أو ظن أنه يحلف .. وجب عليه الحلف؛ دفعا لمفسدة كذب الخصم.
قال: (فإن حلف على ترك واجب أو فعل حرام .. عصى ولزمه الحنث وكفارة)؛ لأن الإقامة على هذه الحالة معصية, وقال ﷺ : (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها .. فليأت الذي هو خير, وليكفر عن يمينه).
لكن إنما يلزمه الحنث إذا لم يكن له طريق سواه, وإلا .. فلا, كما لو حلفت لا ينفق على زوجته .. فإن له طريقا, بأن يعطيها من صداقها أو يقرضها ثم يبرئها؛ لأن الغرض حاصل مع بقاء التعظيم.
وعكس مسألة المصنف: أن يحلف على فعل واجب أو ترك حرام, فيعصي بالحنث ويطيع باليمين وعليه الكفارة.
стр. 4821
أَوْ تَرْكِ مَنْدُوبٍ, أَوْ فِعْلِ مَكْرُوهٍ .. سُنَّ حِنْثُهُ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ, أَوْ تَرْكِ مُبَاحِ أَوْ فِعْلِهِ .. فَالأَفْضَلُ: تَرْكُ الحِنْثِ, وَقِيلَ: الْحِنْثُ
ــ
قال: (أو ترك مندوب, أو فعل مكروه .. سن حنثه وعليه كفارة)؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يَاتَلِ أُوْلُوا الفَضْلِ مِنكُمْ والسَّعَةِ﴾ الآية.
وفي (الصحيحين) [خ٣١٣٣ - م١٦٤٩/ ٧] عن أبي موسى الأشعري: أن النبي ﷺ قال: (إني والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها .. إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها).
فإن قيل: لم ينكر النبي ﷺ على الأعرابي الذي قال: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه؟ .. قلنا: يحتمل أنه لما حلف .. تضمنت يمينه ما هو طاعة وهو امتثال الأمر, ويحتمل أنه سبق لسانه إليه فكان من لغو اليمين.
قال: (أو ترك مباح أو فعله .. فالأفضل ترك الحنث)؛ لقوله تعالى: (ولا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا) , ولما فيه من تعظيم اسم الله.
قال: (وقيل: الحنث)؛ لينتفع المساكين بالكفارة.
وفي وجه ثالث: يتخير بين الوفاء والحنث.
وعلم مما ذكرناه أن اليمين تغير حال المحلوف عليه عما كان وجوبا وتحريما وندبا وكراهة وإباحة, وعن أبي حنيفة خلافه.
стр. 4822
وَلَهُ تَقْدِيمُ كَفَّارَةٍ بِغَيْرِ صَوْمٍ عَلَى حِنْثٍ جَائِزِ,
ــ
فإن قيل: الزوج لا يلزمه الوطء, فإذا آلى وانقضت المدة لزمه .. قلنا: المراد: أن اليمين لا تصير المباح حراما ولا الحرام واجبا, كما صار إليه أبو حنيفة فيها, ويمين المولي كذلك.
قال: (وله تقديم كفارة بغير صوم على حنث جائز)؛ لقوله ﷺ : (إني لا أحلف على يمين ثم أرى غيرها خيرا منها .. إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير) رواه الشيخان.
وقال ﷺ : (يا عبد الرحمن بن سمرة؛ إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها .. فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير) رواه أبو داوود [٣٢٧١] والنسائي [٧/ ١١].
وأيضا: فإن الكفارة حق مالي يتعلق بسببين, فجاز تقديمها على أحدهما لا عليهما كزكاة الفطر, وبهذا قال مالك والأوزاعي والثوري وأربعة عشر صحابيا لكن قالوا: يستحب كونها بعد الحنث خروجا من خلاف أبي حنيفة؛ فإنه لا يجوز تقديمها على الحنث بكل حال.
والخلاف بيننا وبينه ينبني على أن اليمين عندنا سبب الكفارة, والحق المالي يجوز إخراجه بعد وجوب سببه أو أحد سببيه, كما تعجل الزكاة على الحول بعد كمال النصاب.
وعنده السبب الحنث, والتقديم على السبب لا يجوز كما لا يجوز تقديم الزكاة على ملك النصاب وكفارة الوقاع عليه.
وأما الصوم .. فلا يقدم؛ لأنه عبادة بدنية لا يجوز تقديمها على وقت وجوبها بغير حاجة كصوم رمضان, واحترزنا بغير الحاجة عن الجمع بين الصلاتين.
وفي وجه أو قول قديم: يجوز تقديم الصوم أيضا؛ لعموم الحديث, أما التقديم قبل انعقاد اليمين .. فلا يجوز بالإجماع.
стр. 4823
قِيلَ: وَحَرَامٍ. قُلْتُ: هَذَا أَصَحُّ, وَاللهُ أَعْلَمُ. وَكَفَارَةِ ظِهَارٍ عَلَى العَوْدِ,
ــ
قال: (قيل: وحرام) أي: إذا كان الحنث بارتكاب حرام, كان إذا حلف لا يزني أو لا يشرب الخمر .. فهل يجوز التكفير قبل أن يشرب؟ فيه وجهان:
أحدهما –وبه قال ابن القاص-: المنع؛ لأنه يتطرق به إلى ارتكاب محظور.
والثاني: يجوز؛ لوجود أحد السببين, والتكفير لا تتعلق به استباحة ولا تحريم, بل المحلوف عليه محظور قبل اليمين وبعدها.
قال: (قلت: هذا أصح والله أعلم) , وقال في (الشرح الصغير): إنه أظهر, وفي (الكبير): إنه أقيس عند جماعة, ونقل تصحيحه في (الروضة) عن الأكثرين.
تنبيهان:
أحدهما: إذا كفر بالإعتاق يشترط في إجزائه بقاء العبد حيا مسلما إلى الحنث, فلو مات أو تعيب أو ارتد قبل الحنث .. لم يجزئه, كما لو مات المدفوع إليه الزكاة قبل الحول أو صار غنيا, قاله القاضي حسين.
وأبدى صاحب (التهذيب) احتمالا فيما إذا مات العبد أو ارتد في أنه يجزئ, كما لو ماتت الشاة المعجلة.
الثاني: قال الدرامي: لو قدم ثم لم يحنث .. استرجع, أي: حيث يقتضي الحال الاسترجاع.
وقال الإمام: لا فرق بين البابين.
وقال القاضي حسين في (باب تعجيل الزكاة) في ضمن بحث مع الخصوم: إن تقديم الكفارة على الحنث عندنا مراعى, فإن حنث .. وقع عن الواجب, وإن أيس من الحنث وكان قد شرط الرجوع .. فله الاسترجاع.
قال: (وكفارة ظهار على العود) أي: له تقديمها على العود إذا كفر بالمال؛ لأن الظهار أحد السببين, والكفارة منسوبة إليه كما أنها منسوبة إلى اليمين.
ومنهم من جعله على الخلاف في الحنث المحرم, وليس بشيء.
стр. 4824
وَقَتْلٍ عَلَى المَوْتِ, وَمَنْذورٍ مَالِيِّ
ــ
ويتصور بين الظهارة والعود بما إذا ظاهر من رجعية ثم كفر ثم راجع, أو ظاهر وطلق رجعيا فكفر ثم راجع, أو بائنا وكفر ثم نكحها وقلنا: يعود الحنث, أو ظاهر مؤقتا وصححناه وكفر وصار عائدا بالوطء.
وأما إذا ظاهر وأعتق على الاتصال عن ظهاره .. فهذا ليس بتكفير قبل العود, بل هو مع العود, ولأن الاشتغال بالإعتاق عود.
واحترز بقوله: (على العود) عن تقديمها على الظهار؛ فلا يجوز على المشهور, وفي (البحر) في (باب تعجيل الزكاة) وجه: أنه يجوز.
قال: (وقتل على الموت) فيجوز تقديم كفارته على الموت بع حصول الجرح؛ لأنه بعد وجود السبب, وكذا تقديم جزاء الصيد قبل الموت بعد الجرح.
هذا في التكفير بالإعتاق, أما بالصوم .. فلا يتقدم على الصحيح كما سبق.
ولا يجوز تقديك كفارة القتل على الجرح بكل اعتبار, لا في الآدمي ولا في الصيد.
قال: (ومنذور مالي) , فيجوز تقديمه كما إذا قال: إن شفى الله تعالى مريضي أو رد غائبي .. فلله علي أن أعتق أو أتصدق بكذا؛ فيجوز تقديم العتق والصدقة قبل الشفاء ورجوع الغائب.
قال الرافعي: وفي (فتاوى القفال) ما ينازع فيه, واعترضه في (المهمات) بأنه قدم في (باب تعجيل الزكاة): أن الأصح في هذا المنع, وتبعه في (الروضة) فيهما.
واحترز بـ (المالي) عند البدني؛ فإنه لا يجوز تقديمه على المشروط قطعا.
стр. 4825
فَصْلٌ:
يَتَخَيَّرُ فِي كَفَّارَةِ اليَمِينِ بَيْنَ عِتْقٍ كَالظِّهَارِ, وَإِطْعَامِ عَشَرةِ مَسَاكِينَ؛ كُلُّ مِسْكِينٍ مُدُّ حَبٍّ مِنْ غَالِبِ قُوتِ بَلَدِهِ, وَكِسْوَتِهِمْ بِمَا يُسَمَّى كِسْوَةً كَقَمِيصٍ أَوْ عِمَامَةٍ أَوْ إزَارٍ,
ــ
تتمة:
الحامل والمرضع إذا شرعتا في الصوم ثم أرادتا الإفطار .. فلهما إخراج الفدية على الأصح.
وعلى هذا: ففي جواز تعجيلها لسائر الأيام وجهان بناء على الخلاف في تعجيل زكاة عامين.
قال: (فصل:
يتخير في كفارة اليمين بين عتق كالظهار, وإطعام عشرة مساكين؛ كل مسكين مد حب من غالب قوت بلده, وكسوتهم بما يسمى كسوة كقميص أو عمامة أو إزاز)؛ لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ الآية, وهي تشمل على تخبير في الابتداء وترتيب في الانتهاء, وليس لنا كفارة فيها ذلك إلا هي وما ألحق بها من نذر اللجاج والغضب, وانعقد الإجماع على التخبير فيها.
وأشار بقوله: (عتق كالظهار) إلى ما يجزئ من الرقاب وما يشترط فيها.
ويجب لكل مسكين مد من الحب من أي نوع كان من غالب قوت بلد الحالف.
وقيل: العبرة بغالب قوت نفسه لا بلده؛ لظاهر الآية.
وإنما اعتبر المد بحديث المجامع في نهار رمضان؛ فإنه ﵊ دفع إليه ستين مدا وقال: (تصدق به) ولأنه سداد الرغيب وكفاية المقتصد ونهاية الزهيد.
وروى نافع عن ابن عمر: أنه كان يكفر عن يمينه بإطعام عشرة مساكين, لكل
стр. 4826
لَا خُفٍّ وَقُفَّازَيْنِ وَمِنْطَقَةٍ,
ــ
مسكين مد من حنطة, وكان يعتق رقبة إذا أكد اليمين.
وجوز الصيمري والماوردي والروياني أن يطعم كل مسكين من الخبز اللين رطلين, قالوا: فإن كان يابسا أو دقيقا أو عصيدة .. لم يجزئ.
ويكفي ما ينطلق عليه الاسم من الكسوة؛ لأن الشارع أطلقها ولا عرف له فيها, وهي تمليك كالطعام.
ويكفي فيها السراويل والقباء والمقنعة, لا التبان في الأصح, وهو سراويل قصير لا يبلغ الركبة, ولا يشترط المخيط.
وفي قول قديم – وإليه ذهب مالك وأحمد -: يشترط أن يستر العورة بحيث تصح الصلاة فيه, فيجزئ الإزار للرجل دون المرأة.
وقال أبو حنيفة: لا تجزئ العمامة ولا السراويل, ولا يكفي منها ما لا يعتاد لبسه كالجلود, فإن اعتيدت: أجزأت.
ولو عين إحدى الخصال الثلاثة بالنذر .. لم تتعين؛ لما فيه من تغيير إيجاب الله تعالى, قاله القاضي حسين.
تنبيه:
تقدم أنها سميت كفارة لأنها تستر الذنب, فإن كان عقد اليمين طاعة وحلها معصية مثل: لا زنيت, فإذا زنى .. كفرت إثم الحنث, وإن كان عكسه مثل: لا صليت, فإذا صلى .. كفرت إثم اليمين, وإن كان العقد والحل مباحين مثل: لا ألبس هذا .. تعلقت الكفارة بهما, وهي بالحنث أحق؛ لاستقرار وجوبها به.
قال: (لا خف وقفازين ومنطقة)؛ لخروج ذلك عن الكسوة الملبوسة, أما
стр. 4827
وَلَا تُشْتَرَطُ صَلَاحِيَتُهُ لِلْمَدْفُوعِ إلَيْهِ, فَيَجُوزُ سَرَاوِيلُ صَغِيرٍ لِكَبِيرٍ لَا يَصْلُحُ لَهُ, وَقُطْنٌ وَكَتَّانٌ وَحَرِيرٌ لِامْرَأَةٍ وَرَجُلٍ
ــ
المنطقة .. فبلا خلاف, ولهذا لا يمنع المحرم من لبسها, وأما الخف .. فعلى الأصح.
وقيل: يجزئ؛ لإطلاق اسم اللبس عليه.
ولم يذكر في (الشرح) و (الروضة) القفازين, ولا يبعد طرد الخلاف فيهما؛ لأنهما كالخف, وبه صرح القاضي حسين.
وزاد في (المحرر) التكة, وحكى الروياني فيها خلافا, وهي: رباط السراويل بفتح التاء لا غير, وكسرها من لحن العوام, ومثل الخف أيضا المداس والنعل والجورب.
قال: (ولا تشترط صلاحيته للمدفوع إليه, فيجوز سراويل صغير لكبير لا يصلح له, وقطن وكتان وحرير لامرأة ورجل)؛ لوقوع اسم الكسوة على ذلك.
وفي وجه: يشترط أن يتمكن الآخذ من لبسه؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ , فلو أخذ الولي ما يكفي الصبي .. جاز بلا خلاف, وسواء الجنس الجيد والرديء.
ويجزئ المنديل الذي يحمل باليد, والعمامة أيضا, وكثير من المشارقة يطلقون المنديل عليها, وفي الاكتفاء بالمنديل نظر؛ لأن الصحيح: عدم إجزاء الدرع, وهو: ثوب لا أكمام له, وهو ساتر لغالب البدن, والمنديل لا يسمى كسوة عادة ولا لغة.
وأما القلنسوة .. فقيل: تجزئ؛ لما في (البهيقي) [١٠/ ٥٦] عن عمران بن
стр. 4828
وَلَبِيسٍ لَمْ تَذْهَبْ قُوَّتُهُ, فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الثَّلَاثَةِ .. لَزِمَهُ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ,
ــ
حصين: أنه سئل: هل تجزئ في الكفارة؟ فقال: إذا قدم وفد على الأمير فأعطاهم قلنسوة قلنسوة .. قيل: قد كساهم.
والأصح: لا تجزئ؛ لأنه لا يقع عليها اسم كسوة.
وقيل: تجزئ القلنسوة الكبيرة التي تغطي الرأس والأذنين والقفا, دون الصغيرة التي تغطي قحف الرأس, والطاقية والقبع أولى بعدم الإجزاء منها.
قال: (ولبيس لم تذهب قوته) كالطعام القديم, أما الذي ذهبت قوته –وهو الخلق بفتح الخاء واللام- فلا يجزئ؛ لأنه يشبه الطعام المسوس والعبد الزمن, ويجزئ المرقع للزينة لا للبلى, ويجوز اللبد إذا اعتيد لبسه, ويجزئ المتنجس وعليه أن يعرفهم بذلك حتى لا يصلوا فيه, ولا يجزئ ما نسج من صوف ميتة.
وفي وجه: لا يجوز دفع الحرير للرجل, قال القاضي: ولو قيل باعتبار عرف البلد .. لم يبعد.
ولا يجوز إعطاء الزلالي والبسط والأنطاع والهميان؛ لخروجها عن اسم الكسوة.
قال الماوردي: ولو أعطى عشرة مساكين ثوبا طويلا, فإن دفعه إليهم بعد قطعة .. أجزأ, وإلا .. فلا؛ لأنه ثوب واحد.
قلت: قد تقدم في (كفارة الظهار) أنه لو وضع لهم ستين صاعا وقال: قد ملكتم هذا بالسوية, أو أطلق فقلبوه .. جاز خلافا للإصطخري, وهي كمسألة الثوب, إلا أن يفرق بأن هذا ثوب واحد وتلك أمداد مجتمعة.
قال: (فإن عجز عن الثلاثة .. لزمه صوم ثلاثة أيام) للآية.
والمراد بـ (العجز): أن لا يقدر على المال الذي يصرفه في الكفارة كمن يجد كفايته فقط, وقال الرافعي: من يحل له أخذ الزكاة بالفقر والمسكنة وقد يملك نصابا وهو لا يفي دخله بخرجة فيزكيه؛ لئلا يخلو نصاب عنها, ويأخذ الزكاة.
стр. 4829
وَلَا يَجِبُ تَتابُعُهَا فِي الأَظْهَرِ, فِإِنْ غَابَ مَالُهُ .. انْتظَرَهُ وِلَمْ يَصُمْ. وَلَا يُكَفِّرُ عَبْدٌ بِمَالٍ إِلَّا إذَا مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ طَعَامًا أَوْ كِسْوَةً وَقُلْنَا: يَمْلِكُ,
ــ
واعترض على تعبيره بـ (العجز) عن الثلاثة بأن الثلاثة ليست بواجبة, بل الواجب أحدهما مبهما, ولأن من قدر على خصلة أو ثنتين غير قادر على الثلاثة, ولا يجزئه الصوم.
فرع:
تقدم في (باب الحجر): أن السفيه حكمه حكم المعسر, حتى إذا حلف وحنث .. كفر بالصوم على الأصح, وقيل: يكفر بالمال.
قال: (ولا يجب تتابعها في الأظهر)؛ لإطلاق الآية.
والثاني: تجب؛ لقراءة أبي بن كعب وابن مسعود: (ثلاثة أيام متتابعات) والقراءة الشاذة كخبر الواحد في وجوب العمل, وقياسا على الظهار والقتل حملا للمطلق على المقيد.
والجواب: أن هذه القراءة لم تثبت, والصوم هنا خفف بقلة العدد, فكذا بالتفرقة, بخلاف الظهار والقتل.
قال: (فإن غاب .. انتظره ولم يصم) وإن كانت الزكاة تحل له؛ لقدرته على التكفير بالمال من غير ضرورة, وأخذه الزكاة لحاجة يختص بمكانه, والكفارة منوطة بمكانه, كما أنه إذا فقد الرقبة وماله حاضر ينتظر أيضا, بخلاف فاقد الماء؛ فإنه يتيمم لضيق وقت الصلاة.
فإن قيل: المتمتع في الحج إذا كان معسرا بمكة موسرا ببلده .. يكفر بالصوم, فهلا كان هذا مثله؟! فالجواب: أن مكان الدم مكة فاعتبر يساره وإعساره بها, ومكان الكفارة مطلق فاعتبر يساره مطلقا.
قال: (يكفر عبد بمال)؛ لعدم ملكه.
قال: (إلا إذا ملكه سيده طعاما أو كسوة وقلنا: يملك) .. فإنه يكفر بذلك, وشرط المسألة: أن يملكه ذلك ليكفر به, أو يملكه مطلقا ثم يأذن له في التكفير.
стр. 4830
بَلْ يُكَفِّرُ بِصَوْمٍ, فَإِنْ ضَرَّهُ وَكَانَ حَلَفَ وَحَنِثَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ .. صِامَ بِلَا إِذْنٍ, أَوْ وُجِدَا بِلَا إذْنٍ .. لَمْ يَصُمْ إلَّا بِإِذْنٍ,
ــ
... واحترز بقوله: (طعاما أو كسوة) عما إذا ملكه عبدا ليعتقه عن الكفارة .. فإنه ممتنع؛ لأن العتق يستعقب الولاء, وهو لا يكون لرقيق.
وقيل: يصح والولاء له.
وقيل: موقوف, إن عتق قبله .. كان له, وإلا .. فللسيد.
قال: (بل يكفر بصوم)؛ لعجزه عن غيره, ولا فرق بين كفارة اليمين والظهار في ذلك.
قال: (فإن ضره) بأن كان في شدة حر, أو برد شديد, أو نهار طويل وكان يضعفه عن العمل.
قال: (وكان حلف وحنث بإذن سيده .. صام بلا إذن)؛ لوجود الرضا.
قال: (أو وجدا) أي: الحلف والحنث (بلا إذن .. لم يصم إلا بإذن)؛ لأن حق السيد على الفور, والكفارة على التراخي, بخلاف صوم رمضان, فإن شرع فيه بغير إذنه .. كان له تحليله؛ لأنه لم يأذن في السبب, وعليه فيه ضرر, فكان له منعه كالحج.
وحيث احتاج إلى إذن فصام بدونه .. أجزأه كما لو صلى الجمعة بلا إذن.
стр. 4831
وَإنْ أَذِنَ فِي أَحَدِهِمَا .. فَالأَصَحُّ: اعْتِبَارُ الحَلِفِ,
ــ
ولو مات العبد وعليه كفارة .. فللسيد أن يكفر عنه بالإطعام وإن قلنا: لا يملك بالتمليك؛ لأن التكفير عنه في الحياة يتضمن دخلوه في ملكه, والتكفير بعد الموت لا يستدعي ذلك, ولأن الميت ليس له ملك محقق, والرق يزول بالموت فهو والحر سواء, أما لو أعتق عنه .. فلا يجوز؛ لأجل ثبوت الولاء.
قال: (وإن أذن في أحدهما .. فالأصح: اعتبار الحلف) , فإذا حلف بإذنه وحنث بغير إذنه .. صام بغير إذنه, وعكسه عكسه؛ لأن إذنه في الحلف إذن فيهما يترتب عليه, كما أن إذنه في النكاح إذن في اكتساب المهر والنفقة.
والثاني: المعبر الحنث؛ لأن اليمين مانعة منه, فليس إذنه فيها إذنا في التزام الكفارة, وهذا هو الأصح في (الشرحين) و (الروضة) , ولعل الذي في الكتاب و (المحرر) سبق قلم من الحنث إلى الحلف, وهذه المسألة نظير رجوع الضامن في أقسامها الأربعة كما سبق في بابه.
ولو حلف وهو في ملك زيد, ثم انتقل إلى ملك عمرو .. فهل للثاني المنع إن كان الأول قد أذن فيهما, أو في أحدهما ثم انتقل عنه قبل التكفير, أو كان الحلف في ملك شخص والحنث في ملك آخر؟ في جميع ذلك نظر.
стр. 4832
وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ وَلَهُ مَالٌ .. يُكَفِّرُ بِطَعَامٍ أَوْ كِسْوَةٍ لَا عِتْقٍ
ــ
وإذا عتق العبد ثم حنث .. كفر كالأحرار, وإن عتق بعد الحنث .. صام إن كان معسرا, وإن كان موسرا واعتبرنا حال الأداء أو أعلاهما .. كفر بالمال, أو حال الوجوب .. كفر بالصوم.
تنبيه:
التعبير بالعبد يخرج الأمة, فللسيد منعها من الصوم للاستمتاع الناجز والصوم على التراخي, وكذلك قال أصحابنا: حيث أطلق العبد .. شمل الأمة إلا هنا, فالتفصيل المذكور خاص بالعبد.
قال: (ومن بعضه حر وله مال .. يكفر بطعام أو كسوة)؛ لقدرته على ما تقدم على الصوم, فلا يصوم على الأصح, كما لو وجد ثمن الماء .. لا يباح له التيمم.
قال: (لا عتق)؛ لنقصه عن أهلية الولاء والإرث.
وقيل: في عتقه قولان كالمكاتب بالإذن.
وقال المزني وابن سريج: فرضه الصوم كالعبد, واستدل المزني بأن نفقته عند الشافعي نفقة المعسرين فكذلك كفارته, وأجيب بأن المزني في النفقات جعله كالحر.
تتمة:
أصح الأوجه: أن سبب وجوب الكفارة: الحنث واليمين معا.
والثاني: اليمين فقط, والحنث شرط, كالزكاة تجب بملك النصاب بشرط الحول.
стр. 4833
فصل:
حَلَفَ لَا يَسْكُنُهَا أَوْ لَا يُقِيمُ فِيهَا .. فَلْيَخْرُجْ فِي الحَالِ,
ــ
والثالث: الحنث فقط؛ لأنه قبله لم يكن مخاطبا بها, ومتى أتى بكفارة اليمين أو القتل أو جزاء الصيد .. كانت أداء, وكذلك كفارة الظهار بعد العود وقبل الجماع, فإن فعلت بعد الجماع .. كانت قضاء كما صرح به البندنيجي.
وإذا مات الحالف قبل التكفير .. أخرجت من تركته وإن لم يوص بها كالدين, وإذا أعتق الوارث عنه .. كان الولاء للميت؛ لوقوع العتق عنه.
قال: (فصل:
حلف لا يسكنها أو لا يقيم فيها .. فليخرج في الحال).
(السكنى) مشتقة من السكون وهو ضد الحركة, سكن بالمكان يسكن: أقام, والمسكن: المنزل.
والمراد بـ (الخروج): أن يخرج ببدنه دون أهله ومتاعه؛ فإنه المحلوف عليه.
واستدل الماوردي لذلك بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ فأطلق إسكانهم مع خلوهم عن مالهم فدل على أن المعتبر البدن.
وقال تعالى: ﴿يُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ﴾ , لكن الجمهور فسروا المتاع بالاستمتاع.
ولا يكلف الخروج عن العادة من العدو والهرولة, ولا فرق بين أن يخرج من باب قريب منه أو بعيد عنه, لغرض أو لغيره.
وظاهر عبارة المصنف: أنه يكفي مطلق الخروج, سواء قصد التحول أم لا, وظاهر نص (الأم) و (المختصر): أنه لابد من الخروج بنية التحول؛ ليقع الفرق بينه وبين الساكن, وبهذا صرح المتولي وصاحب (المستظهري) والشيخ نصر والشاشي وصاحب (الإستقصاء) , وفي (التنبيه) و (الشامل): والشيخان أطلقا
стр. 4834
فَإِنْ مَكَثَ بِلَا عُذْرٍ .. حَنِثَ وَإنْ بَعَثَ مَتَاعَهُ, وَإِنِ اشْتَغَلَ بِأَسْبَابِ الخُرُوجِ كَجَمْعِ مَتَاعٍ وَإخْرَاجِ أَهْلٍ وَلُبْسِ ثَوْبٍ .. لَمْ يَخْنَثْ
ــ
ذلك؛ لأن من كان ساكنا في دار فخرج منها إلى السوق مثلا .. يعده أهل العرف ساكنا نظرا إلى عادة الساكنين من الدخول والخروج.
قال: (فإن مكث بلا عذر .. حنث وإن بعث متاعه)؛ لأن المحلوف عليه سكناه, وهو موجود, والسكنى تطلق على الدوام كالابتداء, يقال: سكن شهرا, فإن مكث بعذر كما إذا أغلق عليه الباب, أو منع من الخروج, او خاف على نفسه أو ماله لو خرج, أو كان مريضا أو زمنا لا يقدر على الخروج .. لم يحنث.
وجعل الماوردي من الأعذار: أن يضيق وقت الصلاة ويعلم أنه لو اشتغل بالخروج .. لفاتته, فإن طرأ العجز بعد الحلف .. ففي حنثه الخلاف في المكره.
قال: (وإن اشتغل بأسباب الخروج كجمع متاع وإخراج أهل ولبس ثوب .. لم يحنث)؛ لأنه لا يعد ساكنا.
وقيل: يحنث؛ لأنه أقام مع التمكن من الخروج, ونسب الإمام الأول للمراوزة والثاني للعراقيين.
وقيد الشاشي الخلاف بما إذا لم يقدر على الاستنابة, فإن قدر ولم يفعل .. حنث, وأجرى القاضي وغيره الخلاف من غير تقييد.
стр. 4835
وَلَوْ حَلَفَ لَا يُسَاكِنُهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ فَخَرَجَ أَحَدُهُمَا فِي الحَالِ .. لَمْ يَحْنَثْ, وَكَذَا لَوْ بُنِيَ بَيْنَهُمَا جِدَارٌ وَلِكُلِّ جَانِبٍ مَدْخَلٌ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُهَا وَهُوَ فِيهَا أَوْ لَا يَخْرُجُ وَهُوَ خَارِجٌ .. فَلَا حِنْثَ بِهَذَا, ....
ــ
ولو احتاج إلى مبيت ليلة لحفظ متاع .. فأصح احتمالي ابن كج: لا يحنث.
قال: (ولو حلف لا يساكنه في هذه الدار فخرج أحدهما في الحال .. لم يحنث)؛ لعدم المساكنة, فإن المفاعلة لا تتحقق إلا من اثنين, فلو مكث ساعة .. حنث؛ لصدق الاسم, فلو اشتغل بأسباب الخروج .. فهو كما سبق.
قال: (وكذا لو بني بينهما جدار) أي: من طين أو غيره (ولكل جانب مدخل في الأصح) , سواء كان موجودا أو أحدثاه؛ لاشتغاله برفع المساكنة.
والثاني: يحنث؛ لأنهما قبل كماله يقطع بأنهما متساكنان.
ونظيره: ما لو تبايعا وبني بينهما جدار .. فإن ذلك لا يقطع الخيار على الأصح؛ للبقاء في مجلس العقد, وهذا هو الأصح في (الشرح الصغير) , ونقل في (الكبير) و (الروضة) تصحيحه عن الجمهور, ولم ينقلا ترجيح الأول إلا عن البغوي فقط, والمصنف تبع فيه (المحرر).
هذا كله إذا قيد المساكنة ببعض المواضع لفظا, وإليه أشار بقوله: (هذه الدار) , فإن لم يقيدها, فإن نوى موضعا معينا من بيت أو دار أو محلة أو بلد .. فالأصح: أن اليمين محمولة على ما نوى, وإلا .. فيحنث بالمساكنة في أي موضع كان, فلو حلف لا يساكنه وأطلق وكانا في موضعين بحيث لا يعدان متساكنين .. لم يحنث.
وفي وجه ضعيف: لابد من مفارقة أحدهما مكانه في الدار أو المحلة, ولا يحنث بالبلد قطعا.
ولو حلف لا يساكن زيدا وعمرا .. بر بخروج أحدهما, ولو قال: لا ساكنت زيدا ولا عمرا .. لم يبر بخروج أحدهما.
قال: (ولو حلف لا يدخلها وهو فيها أو لا يخرج وهو خارج .. فلا حنث بهذا)؛
следующие страницы →