← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13783

النجم الوهاج في شرح المنهاج

الدميري

Полный текст (5 377 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وَيُفَرِّقُ رُكْبَتَيْهِ، وَيَرْفَعُ بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ، وَمِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ، وَتَضُمُّ الْمَرْأَةُ وَالْخُنْثَى ــ قال: (ويفرق ركبتيه)، وكذا بين قدميه قدر شبر؛ لأن أبا حميد رواه، وكذا يفرج بين فخذيه نص عليه. قال: (ويرفع بطنه عن فخذيه)؛ لما روى أبو داوود [٨٩٤]: (أن النبي ﷺ كان إذا سجد لو مرت بهيمة .. لنفذت). وروى مسلم [٤٩٧]: (أنه ﷺ كان إذا سجد .. جخى) ويروى: (خوى) [سك ٧٣٧]، ومعناه: رفع عضديه وجافاهما عن جنبيه، ورفع بطنه عن الأرض. قال: (ومرفقيه عن جنبيه، في ركوعه وسجوده)، أما في ركوعه .. فلا خلاف فيه، وأما في سجوده .. ففي (الصحيحين) [خ٣٩٠ - م٤٩٥] عن أبي حميد: (أنه ﷺ كان إذا سجد .. فرج بين يديه حتى يرى بياض إبطيه). ويستحب: (أن يرفع مرفقيه ويعتمد على راحتيه) روى البخاري ذلك عنه ﷺ . وأن يرفع ظهره ولا يحدودب. ولا يرفع وسطه عن أعلاه وأسفله. قال: (وتضم المرأة)؛ لأنه أستر لها؛ لما روى البيهقي [٢/ ٢٢٣] مرسلًا أنه ﷺ مر على امرأتين تصليان فقال: (إذا صليتما .. فضما بعض اللحم إلى بعض). قال: (والخنثى)؛ احتياطًا. وقيل: هما في حقه سواء. وهذه المسألة من زياداته على (المحرر) و (الشرحين)، وكان أليق تقديم هذه الصفات على قوله: (ويقول: سبحان ربي الأعلى.

стр. 492

الثَّامِنُ: الْجُلُوسُ بَيْنَ سَجْدَتَيْهِ مُطْمَئِنّاً. وَيَجِبُ: أَنْ لاَ يَقْصِدَ بِرَفْعِهِ غَيْرَهُ. وَأَنْ لاَ يُطَوَّلَهُ وَلاَ الاِعْتِدَالَ. وَأَكْمَلُهُ: يُكَبِّرُ وَيَجْلِسُ مُفْتَرِشًا، ــ قال: (الثامن: الجلوس بين سجدتيه مطمئنًا)؛ لقوله ﷺ : (ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا). وفي (الصحيحين) [خ٧٩٣ - م٤٩٨]: (كان ﷺ إذا رفع رأسه .. لم يسجد حتى يستوي جالسًا). وقال أبو حنيفة: لا تجب الطمأنينة ولا الجلوس، بل يكفي أن يرفع رأسه .. عن الأرض أدنى رفع ولو كحد السيف. قال: (ويجب: أن لا يقصد برفعه غيره)، كما تقدم في الاعتدال. قال: (وأن لا يطوله ولا الاعتدال)؛ لأنهما ركنان قصيران ليسا مقصودين لذاتهما وإن كانا فرضين. وتجب الطمأنينة فيهما ليكون على سكينة وثبات، وإنما الغرض منهما الفصل بين الركوع والسجود وبين السجدتين. فلو أطال الاعتدال حيث ورد الشرع بتطويله بالقنوت، أو في صلاة التسبيح .. لم تبطل، وإن أطاله عمدًا بالسكوت أو بذكر آخر .. فالأصح: البطلان. واختار المصنف والشيخ جواز إطالته بالذكر لما تقدم عن (صحيح مسلم): (أن النبي ﷺ طوله جدًا). ولو قيل بمثل ذلك في الجلوس بين السجدتين .. لم يبعد، ففي (الصحيحين) [خ٨٢٠ - م٤٧١]: (كان ركوعه ﵊ وجلوسه بين السجدتين قريبًا من السواء). قال: (وأكمله: يكبر)؛ لما سبق. قال: (ويجلس مفترشًا)؛ لحديث أبي حميد. وروى البويطي عن الشافعي: أنه يجلس على عقبيه وتكون صدور قدميه على الأرض؛ لأن العبادلة كانوا يفعلون ذلك.

стр. 493

وَاضِعًا يَدَيْهِ قَرِيبًا مِنْ رُكْبَتَهِ، وَيَنْشُرُ أَصَابِعَهُ قَائِلاً: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْمِي وَاجْبُرْنِي وَارْفَعْنِي وَارْزُقْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي). ثُمَّ يَسْجُدُ الثَّانِيَةَ كَالأُولَى، ــ ووقع لابن الرفعة وغيره وهم في العبادلة سيأتي في (دية المرأة). قال: (واضعًا يديه قريبًا من ركبتيه)؛ بحيث تساوي رؤوس الأصابع الركبتين؛ لأنه أسهل. قال: (وينشر أصابعه) أي: إلى القبلة؛ قياسًا على السجود وغيره. قال: (قائلًا: (رب اغفر لي وارحمني واجبرني وارفعني وارزقني واهدني وعافني))، هذه الألفاظ السبعة رواها الحاكم [١/ ٢٤١ و٢٧١] بإسناد صحيح، وزاد في (الإحياء): (واعف عني). وروى مسلم [٢٦٩٧] عن طارق بن أشيم الأشجعي الصحابي أنه سمع النبي ﷺ وأتاه رجل فقال: يا رسول الله؛ كيف أقول حين أسأل ربي؟ قال: (قل: اللهم؛ اغفر لي وارحمني، وعافني وارزقني؛ فإن هؤلاء تجمع لك دنياك وآخرتك). وأي شيء قال من الذكر .. فحسن. وفي (تحرير الجرجاني) يقول: رب اغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم، إنك أنت الأعز الأكرم. وقال المتولي: يستحب للمنفرد أن يزيد على ذلك: رب هب لي قلبًا تقيًا نقيًا، من الشرك بريًا، لا كافرًا ولا شقيًا. و (الغفر): الستر. و (العافية) تقدم أنها: دفاع الله عن العبد. و (الأرزاق) نوعان: ظاهرة للأبدان كالأقوات، وباطنة للقلوب والنفوس كالمعارف والعلوم. قال: (ثم يسجد الثانية كالأولى) أي: في الأقل والأكمل. وإنما شرع تكرار السجود دون غيره؛ لأنه أبلغ في التواضع، ولأن الشارع أمر بالدعاء فيه وأخبر أنه حقيق بالإجابة، فيسجد ثانيًا شكرًا لله تعالى على إجابتها، كما هو المعهود فيمن سأل ملكًا فأنعم عليه. وروى: (أنه لما عرج برسول الله ﷺ إلى السماء فمن كان من

стр. 494

وَالْمَشْهُورُ: سَنُّ جَلْسَةٍ خَفِيفَةٍ بَعْدَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ يَقُومُ عَنْهَا ــ الملائكة قائمًا .. سلموا عليه قيامًا، ثم ركعوا شكرًا لله تعالى على رؤيته ﷺ ، ومن كان من الملائكة راكعًا .. رفعوا رؤوسهم من الركوع وسلموا عليه، ثم سجدوا لله تعالى شكرًا على رؤيته، ومن كان منهم ساجدًا .. رفعوا رؤوسهم وسلموا عليه، ثم سجدوا ثانية شكرًا لله تعالى على رؤيته)، فلذلك صار السجود مثنى مثنى، فلم يرد الله تعالى أن يكون للملائكة حال إلا وجعل لهذه الأمة حالًا مثل حالهم، كذا قاله أبو الحسن القرطبي في كتاب (الزاهر). وجعل المصنف السجدتين ركنًا واحدًا، والصحيح في (البسيط): أنهما ركنان. قال ابن الرفعة: وتظهر فائدة الخلاف في المأموم إذا تقدم على إمامه في الأفعال أو تأخر عنه. وجزم في (الروضة) بأن أفضل الأركان: القيام، ثم السجود، ثم الركوع. وقيل: كثرة الركوع والسجود أفضل من تطويل القيام. وقيل: الأفضل تطويلهما نهارًا، وتطويل القيام ليلًا؛ لأن الظلمة مانعة لرؤية ما يلهيه، حكاه الطبري شارح (التنبيه). وأفتى بعض المتأخرين بأن عشرين ركعة من قعود أفضل من عشر ركعات من قيام؛ لما في الأول من زيادة الركوع والسجود وغيره، وفي ذلك نظر؛ لأن الشرع شهد له بالمساواة. قال: (والمشهور: سن جلسة خفيفة بعد السجدة الثانية في كل ركعة يقوم عنها) سواء في ذلك الفرض والنفل، والشيخ والشاب؛ لما روى البخاري [٨٢٣] عن مالك بن الحويرث: (أنه رأى النبي ﷺ يصلي، فإن كان في وتر من صلاته .. لم ينهض حتى يستوي جالسًا). واحترز بـ (كل ركعة) عن سجود التلاوة، فلا تشرع له جلسة الاستراحة. ويقابل المشهور قول: أنه لا يجلس- وهو مذهب الأئمة الثلاثة- لقول وائل بن حجر: (أنه ﷺ كان إذا رفع رأسه من السجود .. استوى قائمًا)، ولأنها لو ندبت لكان لها ذكر مشروع، ولما أجمعنا على أنه لا ذكر فيها .. دل على أنها

стр. 495

التَّاسِعُ وَالْعَاشِرُ وَالْحَادِي عَشَرَ: التَّشَهُّدُ، وَقُعُودُهُ، وَالصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ . فَالتَّشَهُّدُ وَقُعُودُهُ إِنْ عَقَبَهُمَا سَلاَمٌ .. فَرُكْنَانِ، ــ غير مستحبة. والعمل بالخبر الأول أولى؛ لاشتماله على زيادة. فلو لم يجلس الإمام للاستراحة، فجلس المأموم .. جاز. وقال المتولي: قدرها قدر الجلوس بين السجدتين، ويكره أن يزيد عليها. قال الشيخان: ولا يكبر تكبيرتين بلا خلاف. وفيه وجه في (الإقليد): أنه يكبرهما. والصحيح في زوائد (الروضة): أنها فاصلة بين الركعتين، وقيل: من الثانية. والمسألة في (الرافعي) كذلك. وفي (شرح المهذب): فائدة الخلاف في تعليق الطلاق على الركعة. وقال الشيخ شرف الدين البارزي: فائدته في المسبوق إذا كبر والإمام فيها، فإن قلنا: إنها مستقلة .. جلس معه كما يجلس في التشهد، وإن قلنا: إنها من الثانية .. فله أن ينتظره إلى القيام. قال: (التاسع والعاشر والحادي عشر: التشهد، وقعوده، والصلاة على النبي ﷺ . (التشهد) تفعل من الشهادة؛ لما اشتمل هذا الذكر على الشهادة لله بالتوحيد، والشهادة للنبي ﷺ بالرسالة. سمي تشهدًا من باب تسمية الشيء بأشرف ما اشتمل عليه، ولذلك سمي اللسان شاهدًا. قال: (فالتشهد وقعوده إن عقبهما سلام .. فركنان)؛ لقول ابن مسعود: كان نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله قبل: عباده، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، فقال النبي ﷺ : (لا تقولوا: السلام على الله؛ فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله) رواه الدارقطني [١/ ٣٥٠] والبيهقي [٢/ ٣٧٨] بإسناد صحيح، فدل على وجوب التشهد.

стр. 496

وَإِلاَّ .. فَسُنَّتَانِ، ــ وإذا ثبت وجوبه .. وجب القعود؛ لأن كل من أوجبه .. أوجب فيه القعود. وأما الصلاة على النبي ﷺ .. فلما رواه الشيخان [خ٤٧٩٧ - م٤٠٦] عن كعب بن عجرة قال: خرج علينا النبي ﷺ فقلنا: قد عرفنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: (قولوا: اللهم؛ صلى على محمد، وعلى آل محمد ...) إلى آخره. وفي رواية صحيحة: (كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟). واستدل الشافعي بقول الله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا﴾، فاقتضت الآية الوجوب، وأولى الأحوال بذلك الصلاة. وفي (مسند أبي عوانة) [٢/ ٢٢٤] عن عائشة: (أن النبي ﷺ كان يوتر بتسع ركعات، لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيدعو ربه ويصلي على نبيه ﷺ ، ثم ينهض قائمًا ولا يسلم، ثم صلي التاسعة فيقعد ويحمد ربه ويصلي على نبيه ﷺ ويدعو، ثم يسلم تسليمًا يسمعناه)، وهذا مع قوله: ﵊: (صلوا كما رأيتموني أصلي) يدل على الوجوب، فخرج وجوبها في التشهد الأول بالإجماع، فبقي في الثاني على مقتضى الدليل. وفي (الشافعي) للجرجاني حكاية قول: أنها ليست ركنًا في الصلاة، واختاره ابن المنذر والخطابي، كذا نقله القاضي عياض في (الشفا) عنهما. قال: (وإلا .. فسنتان)؛ لأن النبي ﷺ جبرهما بسجود السهو، كما رواه الشيخان [خ٨٢٩ - م٥٧٠]، والواجب لا يجبر بالسجود. والجلسات المشروعات في الصلاة أربع: اثنتان واجبتان: الجلسة بين السجدتين وجلسة التشهد الأخير، واثنتان سنتان: جلسة الاستراحة وجلسة التشهد الأول.

стр. 497

وَكَيْفَ قَعَدَ .. جَازَ. وَيُسَنُّ فِي الأَوَّلِ: الاِفْتِرَاشُ، فَيَجْلِسُ عَلَى كَعْبِ يُسْرَاهُ وَيَنْصِبُ يُمْنَاهُ، وَيَضَعُ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ لِلْقِبْلَةِ، وَفِي الآخِرِ: التَّوَرُّكُ، وَهُوَ كَالاِفْتِرَاشِ، لَكِنْ يُخْرِجُ يُسْرَاهُ مِنْ جِهَةِ يَمِينِهِ وَيُلْصِقُ وَرِكَهُ بِالأَرْضِ. وَالأَصَحُّ: يَفْتَرِشُ الْمَسْبُوقُ وَالسَّاهِي. وَيَضَعُ فِيهِمَا يُسْرَاهُ عَلَى طَرَفِ رُكْبَتِهِ مَنْشُورَةَ الأَصَابعِ بِلاَ ضَمٍّ. ــ قال: (وكيف قعد .. جاز) أي: في الجلسات الأربع بالاتفاق، سواء تورك أو افتراش أو تربع أو مد رجليه أو نصب ركبتيه أو إحداهما أو غير ذلك، لكن يكره الإقعاء الذي ذكره المصنف. قال: (ويسن في الأول: الافتراش، فيجلس على كعب يسراه وينصب يمناه، ويضع أطراف أصابعه للقبلة، وفي الآخر: التورك، وهو كالافتراش، لكن يخرج يسراه من جهة يمينه ويلصق وركه بالأرض)؛ لأن جميع ذلك ثبت في (الصحيحين) [خ٨٢٨]. وإنما خولف في التشهدين؛ لأنه أقرب إلى نفي الغلط، وليعلم المسبوق حالة الإمام؛ لأن المصلي بعد الأول يبادر إلى قيام، وليس بعد الآخر قيام. قال: (والأصح: يفترش المسبوق والساهي)؛ لأنه ليس آخر صلاته. والثاني: يتورك تبعًا للإمام. والثالث: إن كان في محل تشهده الأول .. افترش، وإلا .. تورك؛ لأن جلوسه حينئذ لمجرد المتابعة. ولو ترك الأبعاض عمدًا .. فهو كالساهي؛ لأنه مأمور بالسجود، فلو قال: ومريد السجود .. لدخل فيه ذلك وكان أولى. قال: (ويضع فيهما) أي: في التشهدين (يسراه على طرف ركبتيه)، ويجعلها قريبًا من ركبته بحيث تسامت رؤوسها الركبة؛ لما روى مسلم [٥٨٠/ ١١٦] عن ابن عمر: (أن النبي ﷺ كان يفعله). قال: (منشورة الأصابع بلا ضم)؛ كذلك هو في حديث ابن عمر [م٥٨٠].

стр. 498

قُلْتُ: الأَصَحُّ: الضَّمُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَقْبِضُ مِنْ يُمْنَاهُ الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصَرَ، وَكَذَا الْوُسْطَى فِي الأَظْهَرِ، وَيُرْسِلُ الْمُسَبِّحَةَ ــ قال: (قلت: الأصح: الضم والله اعلم)؛ لتتوجه إلى القبلة. ونقل الشيخ أبو حامد الاتفاق عليه. ويجري الوجهان بما فيهما من اختلاف التصحيح في الجلوس بين السجدتين. قال: (ويقبض من يمناه الخنصر والبنصر، وكذا الوسطى في الأظهر) رواه كذلك مسلم [٥٨٠] عن ابن عمر من فعل النبي ﷺ . والثاني: لا يضم الإبهام، بل يبسطها. والثالث: لا يقبض الوسطى، بل يلحقها مع الإبهام؛ لحديث وائل بن حجر في (البيهقي) [٢/ ١٣١]. والخلاف في الأفضل، وكيف فعل ذلك كان آتيًا بالسنة، إلا أن يفعلها كعاقد ثلاثة وعشرين. و (الخنصر والنبصر) بكسر أولهما وفتح صاديهما. ومقتضى كلام الجوهري: أن نون الخنصر زائدة؛ لأنه ذكره في مادة (خصر)، فوزنه فنعل، لكن صاحب (المحكم) ذكره في الرباعي، فيكون وزنه فعلل. قال: (ويرسل المسبحة) أي: في كل التشهد؛ لما روى ابن عمر عن النبي ﷺ [م٥٨٠]. وسميت مسبحة؛ لأنه يشار بها في التوحيد. وتسمى السبابة؛ لأنه يشار بها في السب أيضًا. فائدة: كانت سبابة النبي ﷺ أطول من الوسطى، والوسطى أطول من البنصر، والبنصر أطول من الخنصر، كذا رواه يزيد بن هارون عن عبد الله بن مقسم عن سارة بنت مقسم أنها سمعت ميمونة بنت كردم تخبر: (أنها رأت أصابع

стр. 499

وَيَرْفَعُهَا عِنْدَ قَوْلِهِ: (إِلاَّ اللهُ)، وَلاَ يُحَرِّكُهَا، ــ رسول الله ﷺ كذلك). قال: (ويرفعها عند قوله: (إلا الله))؛ لما روى البيهقي [٢/ ١٣٣] من فعل النبي ﷺ . وقيل: (يرفعها في كل التشهد)؛ لما روى ابن عمر عن النبي ﷺ . وأما الرفع عند الهمزة .. فلأنه حالة إثبات الوحدانية. وخصت السباب بذلك؛ لأن لها اتصالًا بنياط القلب، فكأنها سبب لحضوره. وفي (اللباب) و (الرونق): يستحب: (أن يميلها قليلًا عند رفعها)، وكذلك رواه أبو داوود [٩٨٣] والنسائي [٣/ ٣٩] وابن ماجه [٩١١] من فعله ﷺ . فلو كانت اليمين مقطوعة .. سقطت هذه السنة ولا يشير بغيرها، وهو نظير من ترك الرمل في الأشواط الثلاثة .. لا يتداركه في الأربعة؛ لأن سنتها ترك الرمل. ويسن أن تكون الإشارة بها إلى جهة القبلة، وأن ينوي بها الإخلاص والتوحيد؛ ليكون جامعًا في التوحيد بين القول والفعل والاعتقاد. وعن مجاهد: أنها مقمعة للشيطان. ويكره أن يشير بالسبابتين، ويستحب أن لا يجاوز بصره إشارته. قال: (ولا يحركها) أي: عند رفعها؛ لأن النبي ﷺ لم يفعله، كذا رواه أبو داوود [٩٨١] عن عبد الله بن الزبير. وقيل: يستحب التحريك؛ لأن وائل بن حجر روى أن النبي ﷺ كان يحركها مرغمة للشيطان، قال البيهقي: والحديثان صحيحان.

стр. 500

وَالأَظْهَرُ: ضَمُّ الإِبْهَامِ إِلَيْهَا كَعَاقِدِ ثَلاَثَةٍ وَخَمْسِينَ. وَالصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرْضٌ فِي التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ، ــ وقيل: يحرم تحريكها وتبطل الصلاة. قال: (والأظهر: ضم الإبهام إليها كعاقد ثلاثة وخمسين)، كذا رواه مسلم [٥٨٠] عن عبد الله بن عمر. وشرط هذا عند أهل الحساب أن يضع طرف الخنصر على البنصر. والمستحب هنا إنما هو وضعهما معًا على الراحة، وهو الصورة التي سماها أهل الحساب تسعة وخمسين، وإنما عبر الفقهاء بالأول دون الثاني إتباعًا رواية ابن عمر. وأجاب في (الإقليد) بأن اشتراط وضع الخنصر على البنصر هي طريقة أقباط مصر، وأما غيرهم .. فلا يشترطون ذلك. والقول الثاني: يرسل الإبهام مع طول المسبحة. وقيل: (يقبضه ويجعله فوق الوسطى)، كما رواه مسلم [٥٧٩] عن ابن الزبير. والخلاف في الأفضل، وكأنه ﷺ كان يفعل ذلك تارة كذا، وتارة كذا. فائدة: الإبهام من الأصابع مؤنث، ولم يحك الجوهري غيره، وحكى في (شرح الجمل) فيها التذكير والتأنيث، وجمعها: أباهم على وزن أكابر، وقال الجوهري أباهيم بزيادة ياء. قال: (والصلاة على النبي ﷺ فرض في التشهد الأخير)؛ لما تقدم، ولأن النبي ﷺ سمع رجلًا يدعو في صلاته لم يحمد الله، ولم يصل على النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : (عجل هذا)، ثم دعاه فقال: (إذا صلى أحدكم .. فليبدأ بتحميد ربه، والثناء عليه، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يدعو بعد بما شاء) صححه الترمذي [٣٤٧٧] والحاكم [١/ ٢٣٠] وابن حبان [١٩٦٠]. وقد تقدم أنه ﷺ علمهم ذلك،

стр. 501

وَالأَظْهَرُ: سَنُّهَا فِي الأَوَّلِ. وَلاَ تُسَنُّ عَلَى الآلِ فِي الأَوَّلِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَتُسَنُّ فِي الأَخِيرِ، وَقِيلَ: تَجِبُ ــ ووافق الشافعي على ذلك جماعة من الصحابة والتابعين، ولم يخالف فيه من أصحابه سوى ابن المنذر كما تقدم. قال: (والأظهر: سنها في الأول)؛ لأنها ذكر يجب في الجلسة الأخيرة فتسن في الأول كالتشهد. والثاني- وهو قديم-: لا تسن، كما لا تسن فيه الصلاة على الآل. قال: (ولا تسن على الآل في الأول على الصحيح)؛ لطلب التخفيف، ففي (أبي داوود) [٩٨٧] وغيره عن ابن مسعود: (أن النبي ﷺ كان يجلس في الركعتين كأنه يجلس على الرضف حتى يقوم). و (الرضف): الحجارة المحماة. والثاني: تسن؛ لقوله ﷺ : (قولوا: اللهم؛ صل على محمد وعلى آل محمد) [خ٣٣٧٠ - م٤٠٦]. و (آله) ﷺ : بنو هاشم وبنو المطلب، بلا خلاف عندنا. وقيل: كل مسلم، واختاره في (شرح مسلم). وقيل: من انتسب إلى النضر بن كنانة، وقيل: أصحابه وعشيرته. وقيل: الأتقياء من المسلمين؛ لأنه ﷺ سئل عن آله فقال: (كل مؤمن تقي)، لكنه ضعيف. و (آل إبراهيم): إسماعيل وإسحاق عليهما الصلاة والسلام وأولادهما. قال: (وتسن في الأخير)؛ لحديث الأمر بها. قال: (وقيل: تجب)؛ لأن النبي ﷺ أمر به وظاهر الأمر الوجوب، وهو قول الزنجي من أصحابنا وأبي إسحاق المروزي، وهما مسبوقان بالإجماع.

стр. 502

وَأَكْمَلُ التَّشَهُّدِ مَشْهُورٌ. وَأَقَلُّهُ: (التَّحِيَّاتُ للهِ، سَلاَمٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، سَلاَمٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ)، ــ قال: (وأكمل التشهد مشهور) وردت فيه أحاديث أصحها حديث ابن مسعود لاتفاق البخاري [٨٣١] ومسلم [٤٠٢] عليه، ثم حديث ابن عباس وحديث أبي موسى رواهما مسلم [٤٠٣ و ٤٠٤]، ثم حديث ابن عمر وحدث عائشة رواهما مالك [١/ ٩١]. واختار الشافعي حديث ابن عباس وهو: (التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله)؛ لزيادة: المباركات؛ موافقة لقوله تعالى: ﴿تحية من عند الله مبركة طيبة﴾، ولأن ابن مسعود من متقدمي الصحابة، وابن عباس من متأخريهم، والمتأخر يقضي به على المتقدم. وتعريف السلام أفضل، وقيل: تنكيره، وقيل: هما سواء. قال: (وأقله: (التحيات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله))؛ لأن جميع الروايات اتفقت عليه. و (التحيات) جمع تحية وهي: الملك، وقيل: البقاء والدوام، وقيل: العظمة، وقيل: الدعاء، وقيل: الرحمة.

стр. 503

وَقِيلَ: يَحْذِفُ (وَبَرَكَاتُهُ) وَ (الصَّالِحِينَ)، وَيَقُولُ: (وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ). قُلْتُ: الأَصَحُّ: (وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ)، وَثَبَتَ فِي (صَحِيحِ مُسْلِمٍ)، وَاللهُ أَعْلَمُ. ــ و (الطيبات): الأعمال الصالحة، وقيل: الكلمات الصالحة، وقيل: الكلمات الطيبات لله وهي: التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد، وهي: الباقيات الصالحات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. و (الصالحون) جمع صالح وهو: القائم بحقوق الله ، وحقوق العباد. قال: (وقيل: يحذف (وبركاته) و (الصالحين)، ويقول: (وأن محمدًا رسوله)). أما حذف (وبركاته) .. فرواه ابن كج والصيدلاني عن الشافعي. وأما لفظ (الصالحين) .. فأسقطها الحليمي محتجًا بأن لفظ: العباد إذا أضيف إلى الله تعالى .. انصرف إلى الصالحين. وأما حذف (أشهد)، والإتيان بالضمير .. فلم يوافق المصنف عليها بل قال: (قلت: الأصح: و (أن محمدًا رسول الله)، وثبت في (صحيح مسلم) والله أعلم) أما إسقاط لفظة (أشهد) .. فرواها مسلم [٤٠٤] عن أبي موسى الأشعري، ولفظه: (إذا كان أحدكم عن القعدة .. فليكن من قوله: التحيات إلى أن قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله). وأما الإتيان بالضمير في: (وأن محمدًا رسوله) .. فلا يكفي، بل لابد من قوله: وأن محمدًا رسول الله، كما اقتضاه كلام الرافعي في (الشرحين)، ونقله في (شرح المهذب) عن النص، وصححه في (التحقيق) و (شرح الوسيط)، لكنه اختصر في (الروضة) كلام الرافعي على العكس فصحح: أن الضمير يجزئ. قال في (المهمات): والمفتى به: المنع، غير أنه ثبت الضمير مع زيادة (العبد) في التشهد الوارد في (الصحيح) من رواية ابن مسعود وأبي موسى، ولم يقع الظاهر إلا في رواية ابن عباس. وقد اتفق العلماء على جواز التشهد بالروايات الثلاثة كما قاله في (شرح مسلم)، فالخلاف مختص بما عدا هذه الصورة، ثم إن المصنف جزم في كتبه بأن الضمير كاف

стр. 504

وَأَقلُّ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَآلِهِ: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ)، ــ في الصلاة على الآل إذا أوجبناها، فيطلب منه الفرق بينهما. والمنقول أن النبي ﷺ كان يقول في تشهده: (وأني رسول الله)، كذا ذكره الرافعي في صلاة العيدين). فإن قيل: سلام عليك خطاب لآدمي، فلم لا تبطل؟ فالجواب: أن هذا كرامة للنبي ﷺ ، وخاصة من خواصه، لكن روى البخاري في (كتاب الاستئذان) [٦٢٦٥] وأبو عوانة في (مسنده) [٢٠٢٦] كلاهما عن ابن مسعود قال: (كنا نقول في حياة النبي ﷺ : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فلما قبض رسول الله ﷺ .. قلنا: السلام على النبي ﷺ ، فمقتضى ذلك: أن الخطاب اليوم غير واجب، وبه صرح أبو حفص عمر بن أبي العباس بن سريج في كتاب (تذكرة العالم)، وهو غريب. قال: (وأقل الصلاة على النبي ﷺ وآله: (اللهم؛ صل على محمد وآله)). أما الواجب .. فقوله: اللهم؛ صل على محمد. وأما الآل .. فمراده: إذا أوجبناها؛ لأن اسم الصلاة حاصل فيه. وفي (سنن النسائي) [٣/ ٤٩] أن النبي ﷺ قال: اجتهدوا في الدعاء وقولوا: (اللهم؛ صل على محمد وعلى آل محمد). وروى الدارقطني [١/ ٣٥٥]: أن النبي ﷺ قال: (من صلى صلاة لم يصل علي فيها، ولا على أهل بيتي .. لم تقبل منه)، لكن في رجاله جابر بن يزيد الجعفي. فإن قيل: فأين السلام؟ قيل: هو في قوله: السلام عليك أيها النبي. وأفهمت عبارة المصنف تعين ما ذكره، وقد قال القاضي حسين: تسمية محمد

стр. 505

ــ ﷺ واجبة، فلا يكفي على النبي ولا على أحمد. وقال في (التحقيق): يجزئ ﷺ وعلى النبي دون أحمد على الصحيح، وقياسه: أنه لو قال: وأن أحمد رسول الله .. لا يجزئ، وفيه نظر. ولو قال: ﷺ .. فوجهان أصحهما: لا يكفي. فإن قيل: تقرر أن نبينا ﷺ أفضل الأنبياء، فكيف يسأل أن يصلي عليه كإبراهيم عليهما الصلاة والسلام؟ فالجواب: أن الكلام تم عند قوله: (اللهم؛ صلى على محمد)، واستأنف: و (على آل محمد ... إلخ). وقيل: طلب له ولآله وليسوا بأنبياء منازل إبراهيم وآله الأنبياء؛ لأن (آل إبراهيم): إسماعيل وإسحاق عليهما الصلاة والسلام وذريتهما. وخص إبراهيم بالذكر؛ لأن الصلاة من الله رحمة ولم تجمع الرحمة والبركة لنبي غيره، قال الله تعالى: ﴿رحمت الله وبركته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد﴾. و (إبراهيم) معناه بالسريانية: أب رحيم. قال الشافعي: الأولى في الصلاة أن يقول: اللهم؛ صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. مهمة: نقل الرافعي عن الصيدلاني: أن من الناس من يزيد: وارحم محمدًا كما ترحمت على إبراهيم، وربما يقول: كما رحمت .. قال: وهذا لم يرد في الخبر، وهو غير فصيح؛ فإنه لا يقال: رحمت عليه، وهذه أسقطها من (الروضة).

стр. 506

وَالزِّيَادَةُ إِلَى (حَمِيدٌ مَجِيدٌ) .. سُنَّةٌ فِي الآخِرِ، وَكَذَا الدُّعَاءُ بَعْدَهُ، وَمَاثُورُهُ أَفْضَلْ، ... . ــ وقوله: (لا يقال: رحمت عليه) .. غير صحيح؛ فقد نقلها الطبري شارح (التنبيه) عن الصاغاني. وقال الغزالي: لا يجوز: ترحم بـ (تاء)، وقال المصنف: إنه بدعة. وبالغ ابن العربي في إنكاره وخطأ فيه ابن أبي زيد. قال: (والزيادة إلى (حميد مجيد) .. سنة في الآخر)؛ للأمر به في حديث كعب بن عجرة. ولا فرق بين أن يكون منفردًا أو مأمومًا، وكذا الإمام على الأصح. و (الحميد): الذي تحمد فعاله. و (المجيد): الكامل الشرف. قال: (وكذا الدعاء بعده)؛ لقوله ﷺ في حديث ابن مسعود: (ثن ليتخير من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو به) متفق عليه [خ٨٣٥ - م٤٠٢]. وفي رواية لمسلم [٤٠٢]: (ثم ليتخير من المسألة ما شاء). وكلام الشافعي يقتضي: أن ترك الدعاء مكروه، قال الشيخ: وكأنه يريد خلاف الأولى. وعن الشيخ أبي محمد تردد في مثل: اللهم؛ ارزقني جارية صفتها كذا وكذا؛ ومال إلى المنع وأن الصلاة تبطل وهو خلاف ما عليه الجمهور، وإن حكاه الروياني في (البحر)، والشاشي في (الحلية)، والعمراني في (البيان). والعجب أنه نقله في (الكفاية) عن ابن يونس، وذكر أن الرافعي نقله عن بعض الحنفية، وأنه لم يره في مشاهير الكتب. وقال في (الشامل): إذا دعا بدعاء محظور .. بطلت صلاته. قال: (ومأثوره أفضل) المراد بالمأثور: المنقول من الدعاء في هذا المحل عن النبي ﷺ ، فهو أفضل من غير المنقول؛ لتنصيص الشارع عليه.

стр. 507

وَمِنْهُ: (اللَّهُمَّ؛ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ ... إلخ) ــ وقال الماوردي: الدعاء إن كان بأمر الدنيا .. فمباح، أو بأمر الدين .. فمسنون، وهو حسن. قال: (ومنه) أي: المأثور هنا ((اللهم؛ اغفر لي ما قدمت وما أخرت ... إلخ)) أشار إلى ما رواه مسلم [٧٧١] عن علي: أن النبي ﷺ كان آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: (اللهم؛ اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت). والمراد بالتأخير: بالنسبة إلى ما وقع؛ لن الاستغفار قبل وقوع الذنب محال. ومن آكد الأدعية المأثورة: ما روى مسلم [٥٨٨] عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: (إذا تهد أحدكم .. فليستعذ بالله من أربع يقول: اللهم؛ إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال)، ولذلك أوجب هذا الدعاء بعض العلماء، وأمر طاووس من صلى ولم يقله أن يعيد الصلاة. و (المسيح) بالحاء المهملة: مسيح الضلالة. سمي مسيحًا؛ لأنه يمسح الأرض كلها إلا مكة والمدينة، أي: يطؤها. واختلفوا في معناه على ثلاثة وعشرين قولًا حكاها ابن دحية.

стр. 508

وَيُسَنُّ أَنْ لاَ يَزِيدَ عَلَى قَدْر التَّشَهُّدِ وَالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ . ــ سمي دجالاً؛ لتمويهه وكذبه، (يمكث في الأرض أربعين يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وباقي الأيام كأيامكم، مكتوب بين عينيه: ك ف ر) [م٢٩٣٧و ٢٩٣٣]. ومن أحسن الأدعية ما رواه البخاري [٨٣٤] عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: يا رسول الله؛ علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: (قل: اللهم؛ إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم، وكان النبي ﷺ يدعو به في صلاته. قال: (ويسن أن لا يزيد على قدر التشهد والصلاة على النبي ﷺ ؛ لأنه تبع لهما. فإن زاد. فإن زاد .. لم يكره إلا أن يكون إمامًا؛ رعاية للتخفيف- والظاهر: أن مراد المصنف: لا يزيد على قدر أقهلما- أما المنفرد .. فيطيل ما شاء ما لم يخرجه إلى خوف السهو.

стр. 509

وَمَنْ عَجَزَ عَنْهَمَا .. تَرْجَمَ، وَيُتَرْجِمُ لِلدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ الْمَنْدُوبِ الْعَاجِزُ لاَ الْقَادِرُ فِي الأَصَحِّ ــ قال: (ومن عجز عنهما) أي: عن التشهد والصلاة على النبي ﷺ . قال: (.. ترجم)؛ قياسًا على تكبيرة الإحرام. قال: (ويترجم للدعاء والذكر المندوب العاجز)؛ ليحوز فضلهما. قال: (لا القادر في الأصح)؛ قياسًا على ما تقدم، ولأنه لا ضرورة به إلى ذلك، فإن ترجم القادر .. بطلت صلاته. والثاني: يجوز مطلقًا؛ قياسًا على الدعاء خارج الصلاة، والجامع عدم الوجوب. والثالث: لا مطلقًا؛ لعدم الضرورة إليه. والخلاف محله: في المأثور، أما غيره .. فلا يجوز ترجمته قطعًا وتبطل الصلاة به. فرع: لا يجب التتابع في كلمات التشهد، فإن نكسه .. فالأصح المنصوص في (الأم): أنه إن لم يغير المعنى .. أجزأه، وإن غيره .. أبطل الصلاة إن تعمده. وسكوت المصنف عن اشتراط ترتيبه مؤذن بما ذكرناه، بخلاف (الفاتحة). ويسن للإمام أن يرتله، بحيث يعلم أن من في لسانه ثقل ممن خلفه قد أتى به، فإن حدره .. كره. ويستحب أن يسر به، وكذا سائر الأذكار في الجلوس إلا السلام. وروى أبو داوود [٩٧٨] عن ابن مسعود أنه قال: (من السنة إخفاء التشهد).

стр. 510

الثَّانِي عَشَرَ: السَّلاَمُ. وأَقَلُّهُ: (السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ)، وَالأَصَحُّ: جَوَازُ: (سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ). قُلْتُ: الأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: لاَ يُجْزِئُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَأَنَّهُ لاَ تَجِبُ نِيَّةُ الْخُرُوجِ ــ قال: (الثاني عشر: السلام)؛ لقوله ﷺ : (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم) رواه مسلم، ولأنه كان مشغولًا كان مشغولًا عن الناس وأقبل عليهم. قال: (وأقله: (السلام عليكم))، فلو أخل بحرف من ذلك .. لم يصح، فإن كان عمدًا .. بطلت صلاته، وإن كان سهوًا .. سجد للسهو، إلا في: السلام عليهم .. فإنهما لا تبطل؛ لأنه دعاء لغائب. قال: (والأصح: جواز: (سلام عليكم)) - بالتنوين- قياسًا على التشهد؛ لأن التنوين يقوم مقام الألف واللام. وفي هذا نظر؛ لأن مدلول المعرف غير مدلول المنكر. قال: (قلت: الأصح المنصوص: لا يجزئه والله أعلم) ووافقه الشيخ؛ لأنه لم يصح في حديث. ولو قال: عليكم السلام .. فالأصح: الإجزاء مع الكراهة؛ لأنه يسمى سلامًا، بخلاف التنكير كما تقدم. ولو قال: سلام عليكم بغير تنوين .. فالمذهب: أنه لا يجزئه قولًا واحدًا. ولو قال: سلامي عليكم، أو سلام الله عليكم، أو السلام عليه، أو عليهم .. لم يجزئه. قال: (وأنه لا تجب نية الخروج) كسائر العبادات؛ لأن النية تليق بالفعل دون الترك، ولأن النية السابقة منسحبة على جميع الصلاة. والثاني: تجب؛ لأنه نطق وجب في أحد طرفي الصلاة، فلم يصح بغير نية كالتكبير، وهذا عليه جمهور العراقيين، فيجب عندهم أن تمتزج النية بالتسليم، فإن قدمها عليه أو أخرها عنه .. بطلت صلاته. ولا يجب تعيين الصلاة في نية الخروج بلا خلاف، فإن عين وأخطأ .. فعلى

стр. 511

وَأَكْمَلُهُ: (السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ)، مَرَّتَيْنِ يَمِينًا وَشِمَالًا، مُلْتَفِتًا فِي الأُولَى حَتَّى يُرَى خَذُّهُ الأَيْمَنُ، وَفِي الثَّانِيَةِ الأَيْسَرُ، ــ الأول: لا يضر، وعلى الثاني: إن كان عمدًا .. بطلت صلاته، وإن كان سهوًا .. سجد وأعاد السلام مع النية إن لم يطل الفصل، وإن طال .. بطلت. قال: (وأكمله: (السلام عليكم ورحمة الله))؛ لأنه المأثور عن السلف، وزاد السرخسي والإمام، والروياني في (الحلية): وبركاته؛ لما رواه أبو داوود [٩٨٩] وابن ماجه [٩١٤] وابن حبان [١٩٩٣]- بإسناد صحيح- أن النبي ﷺ كان يسلم عن يمينه وشماله: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)، فليس يحسن حينئذ قوله في (شرح المهذب): أن الصحيح أو الصواب خلافه. قال: (مرتين)؛ لما روى مسلم [٥٨١] عن ابن مسعود: (أن النبي ﷺ كان يسلم عن يمينه وعن يساره). قال: (يمينًا وشمالًا، ملتفتًا في الأول حتى يرى خده الأيمن، وفي الثانية الأيسر)؛ لما روى مسلم [٥٨٢] عن سعد بن أبي وقاص قال: (كنت أرى النبي ﷺ يسلم عن يمينه وعن يساره حتى يرى بياض خده). قال الرافعي: وينبغي أن يبتدئ بها مستقبل القبلة، ثم يلتفت بحيث تنقضي مع تمام الالتفات. والقول الثاني: يسن تسليمة واحدة تلقاء وجهه. والثالث: إن كان منفردًا أو في جماعة قليلة .. فتسليمة، وإلا .. فثنتان.

стр. 512

نَاوِيًا السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ مِنْ مَلاَئِكَةٍ وَإِنْسٍ وَجِنٍّ، وَيَنْوِي الإِمَامُ السَّلاَمَ عَلَى الْمُقْتَدِينَ، وَهُمُ الرَّدَّ عَلَيْهِ ــ قال: (ناويًا السلام على من عن يمينه ويساره من ملائكة وإنس وجن) أي: مؤمنين؛ ليحوز بذلك فضيلة السلام. وروى الترمذي [٤٢٩]: (أنه ﷺ كان يصلي قبل العصر أربعًا يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين ومن معه من المؤمنين). قال: (وينوي الإمام السلام على المقتدين، وهم الرد عليه)؛ لما روى الحاكم [١/ ٢٧٠] وأبو داوود [٩٩٣] عن سمرة بن جندب قال: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نرد على الإمام، وأن نتحاب، وأن يسلم بعضنا على بعض)، وفي رواية: (وأن ينوي بعضنا بعضًا). فإن كان المأموم خلف الإمام .. تخير الإمام، فإن شاء نوى السلام عليه، بالأولى أو بالثانية. وأما المأموم، فإن كان عن يمين الإمام .. نوى بالثانية الرد عليه، وإن كان عن يساره .. نوى ذلك بالأول، وإن كان محاذيًا .. فإن شاء رد عليه بالأولى أو بالثانية، والأولى أفضل. فروع: التسليمة الثانية هل هي من الصلاة؟ اختلف في تصحيحها، فصحح الرافعي، والمصنف في (شرح المهذب) في (الجمعة): أنها ليست من الصلاة، وصححا في آخر (صلاة الجماعة): أنها منها.

стр. 513

الثَّالِثَ عَشَرَ: تَرْتِيبُ الأَرْكَانِ كَمَا ذَكَرْنَا ــ ويستحب أن ينوي بعض المأمومين الرد على بعض؛ لظاهر حديث سمرة بن جندب، وأن لا يمد لفظ السلام؛ لما روى الترمذي [٢٩٧]- وقال: حسن صحيح- أن النبي ﷺ قال: (حذف السلام سنة). وقال في (الإحياء): السنة أن يفصل بين التسليمتين؛ لأن النبي ﷺ نهى عن المواصلة في الصلاة، عزاه رزين إلى الترمذي وليس فيه. قال عبد الله بن أحمد ابن حنبل: ما كنا ندري ما المواصلة في الصلاة حتى قدم علينا الشافعي فمضى إليه أبي فسأله عنها، فقال: هي في مواضع من الصلاة: منها: أن يقول الإمام: ﴿ولا الضآلين﴾، فيقول من خلفه: (آمين) معًا. ومنها: أن يصل القراءة بالتكبير. ومنها: السلام عليكم ورحمة الله، فيصلها بالتسليمة الثانية، الأولى فرض والثانية سنة، فلا يجمع بينهما. ومنها: إذا كبر الإمام .. فلا يكبر معه حتى يسبقه ولو بحرف. قال: (والثالث عشر: ترتيب الأركان كما ذكرنا)؛ للإجماع، ولأنه ﷺ قال للأعرابي: إذا قمت إلى الصلاة .. فكبر، ثم اقرأ، ثم كذا، فذكرها بـ (الفاء) أولًا، ثم بـ (ثم)، وهما للترتيب. وأما السنن كالاستفتاح والتعوذ، والتشهد الأول والصلاة على النبي ﷺ فيه .. فليس الترتيب ركنًا فيها، لكنه شرط في الاعتداد بها. وتستثنى النية فإنها تقارن التكبير، لكن قوله: (كما ذكرنا) يخرجه. ويستثنى نية الخروج إن أوجبناها؛ فإنها تقارن السلام. ويستثنى القيام؛ فإنه يقارن التحرم والقراءة. والجلوس الآخر؛ فإنه يقارن التشهد والسلام. ومقتضى إطلاقه .. أن الصلاة على النبي ﷺ لابد من إيقاعها بعد

стр. 514

فَإِنْ تَرَكَهُ عَمْدًا بِأَنْ سَجَدَ قَبْلَ رُكُوعِهِ .. بَطَلَتْ صَلاَتُهُ، وَإِنْ سَهَا .. فَمَا بَعْدَ الْمَتْروكِ لَغْوٌ، فَإِنْ تَذَكَّرَ قَبْلَ بُلُوغِ مِثْلِهِ .. فَعَلَهُ، وَإِلاَّ .. تَمَّتْ بِهِ رَكْعَتُهُ وَتَدَارَكَ الْبَاقِيَ، فَلَوْ تَيَقَّنَ فِي آخِرِ صَلاَتِهِ تَرْكَ سَجْدَةٍ مِنَ الأَخِيرَةِ .. سَجَدَهَا وَأَعَادَ تَشَهُّدَهُ، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا .. لَزِمَهُ رَكْعَةٌ، وَكَذَا إِنْ شَكَّ فِيهِمَا ــ التشهد، وبه جزم في (شرح المهذب)، ونقل الرافعي في (شرح المسند) عن الحليمي: أنه كبعض أجزاء التشهد، حتى يجوز فيه التقديم والتأخير. قال: (فإن تركه عمدًا بأن سجد قبل ركوعه .. بطلت صلاته) بالإجماع. هذا في الأركان الفعلية، كما مثله بالسجود قبل الركوع، أما تقديم الصلاة على النبي ﷺ على التشهد .. فلا يبطل، لكنه لا يعتد بالمتقدم. قال: (وإن سها .. فما بعد المتروك لغو)؛ لوقوعه في غير محله. قال: (فإن تذكر قبل بلوغ مثله .. فعله) أي: على الفور. قال: (وإلا .. تمت به ركعته وتدارك الباقي)؛ لأن كل ما يفعل قبل وقته كالعدم. هذا إذا عرف عين المتروك، فإن لم يعرف .. أخذ بأدنى الممكن وأتى بالباقي، وفي الأحوال كلها يسجد للسهو، إلا إذا وجب الاستئناف بأن ترك ركنًا وأشكل عليه، وجوز أن يكون النية أو تكبيرة الإحرام، وإلا إذا كان المتروك هو السلام؛ فإنه إذا تذكر قبل طول الفصل .. سلم ولا حاجة إلى سجود السهو. قال: (فلو تيقن في آخر صلاته ترك سجدة من الأخيرة .. سجدها وأعاد تشهده)؛ لأنه وقع بعد متروك. قال: (أو من غيرها .. لزمه ركعة)؛ لأن الركعة الناقصة ملفقة بالركعة التي بعدها، وتصير الثالثة ثانية والرابعة ثالثة. قال: (وكذا إن شك فيهما) أي: هل تركه من الأخيرة أو من غيرها .. جعله من غيرها أخذًا بالأحوط ولزمه ركعة أخرى.

стр. 515

وَإِنْ عَلِمَ فِي قِيَامِ ثَانِيَةٍ تَرْكَ سَجْدَةٍ، فَإِنْ كَانَ جَلَسَ بَعْدَ سَجْدَتِهِ .. سَجَدَ- وَقِيلَ: إِنْ جَلَسَ بِنِيَّةِ الاِسْتِرَاحَةِ .. لَمْ يَكُفِهِ- وَإِلاَّ .. فَلْيَجْلِسْ مُطْمَئِنّاً ثُمَّ يَسْجُدُ، وَقِيلَ: يَسْجُدُ فَقَطْ. وَإِنْ عَلِمَ فِي آخِرِ رُبَاعِيَّةٍ تَرْكَ سَجْدَتَيْنِ أَوْ ثَلاَثٍ جَهِلَ مَوْضِعَهَا .. وَجَبَ رَكْعَتَانِ، ــ قال: (وإن علم في قيام ثانية ترك سجدة، فإن كان جلس بعد سجدته .. سجد) أي: مطلقًا في الحال من قيام؛ لأن ذلك الجلوس فاصل. وقيل: لابد من أن يجلس لينتقل منه إلى السجود، وهو ضعيف. قال: (وقيل: إن جلس بنية الاستراحة .. لم يكفه) وصححه البغوي؛ لأنه قصد بها النفل فلا ينوب عن الفرض. والأصح: الاكتفاء بها كما لو جلس للتشهد الأخير وهو يظنه الأول، بخلاف ما إذا قرأ هذا التارك في قيامه آية سجد لها .. فإنها لا تجزئه عن السجدة المنسية على الصحيح المنصوص؛ لأن سجدة التلاوة لم تشملها نية الصلاة بخلاف ما نحن فيه. قال: (وإلا .. فليجلس مطمئنًا ثم يسجد)؛ لأن الجلوس ركن لابد منه. قال: (وقيل: يسجد فقط)؛ لأن الفصل حصل بالقيام. وأجاب الأول بأن الفصل وإن كان هو المقصود لكنه على هيئة الجلوس، فلا يقوم القيام مقامه كما لا يقوم التشهد مقام القيام. قال: (وإن علم في آخر رباعية ترك سجدتين أو ثلاث جهل موضعها .. وجب ركعتان). أما الأولى .. فلأن الأسوأ تقدير سجدة من الركعة الأولى وسجدة من الثانية، فتنجبر الركعة الأولى بسجدة من الثانية ويلغو باقيها، وتنجبر الثالثة بسجدة من الرابعة ويلغو باقيها، وتصير الثالثة ثانية. وأما الثانية- وهي ترك الثلاث- فسيأتي ما قاله الأصحاب فيها، ولشيخنا اعتراض في (المهمات) و (التنقيح) على الأصحاب تبع فيه الشيخ نجم الدين الأصفوني، ورده النشائي في (نكته) بأنه خلاف الفرض؛ فإن فرض المسألة في ترك سجدتين فقط. و (الرباعية): نسبة إلى رباع المعدول عن أربع.

стр. 516

أَوْ أَرْبَعٍ .. فَسَجْدَةٌ ثُمَّ رَكْعَتَانِ، أَوْ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ .. فَثَلاَثٌ، أَوْ سَبْعٍ .. فَسَجْدَةٌ ثُمَّ ثَلاَثٌ. قُلْتُ: يُسَنُّ: إِدَامَهُ نَظَرِهِ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ ــ قال: (أو أربع .. فسجدة ثم ركعتان)؛ لاحتمال أن يكون قد ترك سجدتين من ركعتين غير متواليتين، كسجدتين من الأولى، وسجدة من الثانية، وسجدة من الرابعة. قال: (أو خمس أو ست .. فثلاث) أما في الخمس .. فلاحتمال ترك واحدة من الأولى، واثنتين من الثانية، وأخريين من الثالثة. وأما في الست .. فلأنه لم يأت إلا بسجدتين، فكمل له ركعة. قال: (أو سبع .. فسجدة ثم ثلاث)؛ لأن الحاصل له ركعة إلا سجدة. وفي ثمان سجدتان، ثم ثلاث ركعات، وفي جميع ذلك يسجد للسهو. وصوروا ذلك بأن يظهر على جبهته عصابة ونحوها. قال: (قلت: يسن إدامة نظره إلى موضع سجوده)؛ لأن جمع البصر في مكان واحد أقرب إلى الخشوع، وفي (المهذب) عن ابن عباس والبيهقي [٢/ ٢٨٤] عن أنس: (أن النبي ﷺ كان إذا استفتح الصلاة .. لم ينظر إلا إلى موضع

стр. 517

- وَقِيلَ: يُكْرَهُ تَغْمِيضُ عَيْنَيْهِ- وَعِنْدِي: لاَ يُكْرَهُ إِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا ــ سجوده). وروى محمد بن سيرين: (أن النبي ﷺ كان ينظر إلى السماء في صلاته، فأنزل الله تعالى: ﴿الذين هم في صلاتهم خشعون﴾، فجعل ينظر في صلاته حيث يسجد)، ولم يصح في شيء من ذلك حديث. والصحيح: أن هذا في جميع الصلاة، وإليه أشار المصنف بقوله: (إدامة نظره). وقيل: ينظر في القيام إلى موضع سجوده، وفي الركوع إلى ظهر قدميه، وفي السجود إلى أنفه، وفي القعود إلى حجره؛ لأن امتداد البصر يلهي فإذا قصره .. كان أولى، وبهذا جزم البغوي والمتولي. وحكى المحب الطبري وجهًا: أن الذي بالمسجد الحرام نظره إلى الكعبة أولى، لكنه صحح الأول. والسنة للمتشهد أن لا يجاوز بصره إشارته. قال: (وقيل: يكره تغميض عينيه) قاله العبدري من أصحابنا وبعض التابعين. لكن أسند الطبراني في (معجمه الصغير) [٢٤] عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: (إذا قام أحدكم إلى الصلاة .. فلا يغمض عينيه). قال: (وعندي: لا يكره إن لم يخف ضررًا)؛ لأنه يجمع الخشوع وحضور القلب. وعبر في (الروضة) بالمختار، وهذا قاله اختيارًا من عنده، وهو مذهب بعض العلماء. وقال الشيخ عز الدين: إذا خشي فوات الخشوع لرؤية ما يفرق خاطره .. فالأولى تغميض عينيه. وقال بعض الصوفية: الأولى للساجد أن يفتح عينيه؛ لأنهما تسجدان. وروى مالك [١/ ٩٨] عن أبي طلحة أنه صلى يومًا في حديقته فدخل طائر فأعجبه ذلك، فلم يدر كم صلى، فتصدق بها.

стр. 518

وَالْخُشُوعُ وَتَدَبُّرُ الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ ــ قال: (والخشوع) فيتصف به ظاهر وباطنه، ويستحضر أنه واقف بين يدي ملك الملوك يناجيه، وأن صلاته معروضة عليه، ومن الجائز أن يردها ولا يقبلها. والدليل على أنه مسنون في الصلاة قوله تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون (١) الذين هم في صلاتهم خشعون﴾. والأحاديث والآثار في ذلك كثيرة. ولذلك قيل: إنه شرط في جزء من الصلاة، وليس للإنسان من الصلاة إلا ما عقل منها. و (الخشوع): السكون. وروى الترمذي الحكيم [٣/ ٢١٠] عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ رأى رجلًا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: (لو خشع قلب هذا .. لخشعت جوارحه). وروى الترمذي [٢٦٥٣] عن عبادة بن الصامت وغيره: (أن الخشوع أول علم يرفع من الناس) وقال: حسن غريب، ورواه النسائي أيضًا. وقال الإمام فخر الدين: اختلفوا في الخشوع، فمنهم من جعله من أفعال القلوب كالخوف، فإذا خشع القلب .. خشعت الجوارح؛ لأنه ملكها. ومنهم من جعله من أفعال الجوارح كالسكون. ومنهم من قال: هو مجموع الأمرين وهو أولى. أما العبث في الصلاة .. فهو مكروه، وفي (الرافعي) في (الشهادات) عن صاحب (العدة): أنه حرام من الصغائر. واعترض عليه المصنف بأن المشهور في كتب الأصحاب: كراهته. حتى لو سقط رداؤه أو طرف عمامته .. كره له تسويته إلا لضرورة، قاله في (الإحياء). قال: (وتدبر القراءة والذكر)؛ لأن بذلك يحصل مقصود الخشوع والأدب، قال الله تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرءان أم على قلوب أقفالها﴾. وقال تعالى: ﴿ليدبروا ءايته﴾. فلو اشتغل بذكر الجنة والنار وغيرهما من الأحوال السنية التي لا تعلق لها بذلك المقام .. كان من حديث النفس. ويكره أن يفكر في صلاته في أمر دنيوي، أو في مسألة فقهية كما قاله القاضي حسين.

стр. 519

وَدُخُولُ الصَّلاَةِ بِنَشَاطٍ وَفَراغِ قَلْبٍ ــ قال: (ودخول الصلاة بنشاط)؛ لأن الله تعالى قد ذم تارك ذلك بقوله تعالى: ﴿وإذا قاموا إلى الصلوة قاموا كسالى﴾. و (الكسل): الفتور عن الشيء، والتواني فيه، وهو: ضد النشاط. وأنشد الشيخ أبو حيان لبعضهم في ذم من ينتمي إلى الفلاسفة [من الوافر]: وما انتسبوا إلى الإسلام إلا .... لصون دمائهم ألا تسالا فيأتون المناكر في نشاط .... ويأتون الصلاة وهم كسالى قال: (وفراغ قلب) أي: عن الشواغل الدنيوية؛ لن ذلك أدعى إلى تحصيل هذا الغرض. فإذا كانت صلاته كذلك .. انفتح له فيها من المعارف ما يقصر عنه فهم كل عارف؛ ولذلك قال ﷺ : (وجعلت قرة عيني في الصلاة). ومثل هذه الصلاة هي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر. فرع: لو خاف قاصد الجماعة فوت فضيلة التحرم .. لم يستحب له الإسراع عند الجمهور، خلافًا لأبي إسحاق المروزي. قال الفارقي: ويظهر أنه لو خشي فوات الجماعة بجملتها .. له أن يسرع؛ لأنه ﷺ إنما أمر بالمشي مع إمكان إدراك الصلاة. ولهذا قال ﷺ : (فما أدركتم .. فصلوا ...)، فدل على أنه خطاب لمن يعلم أنه يدرك بعض الصلاة. وقيل: إذا خاف فوت بعض الجماعة أو كلها .. أسرع. كل هذا ما لم يضق الوقت، فإن ضاق وخشي فواته .. أسرع لا محالة.

стр. 520

وَجَعْلُ يَدَيْهِ تَحْتَ صَدْرِهِ آخِذًا بِيَمِينِهِ يَسَارَهُ. وَالدُّعَاءُ فِي سُجُودِهِ ــ قال: (وجعل يديه تحت صدره)؛ لما روى ابن خزيمة [٤٧٩] عن وائل بن حجر قال: (صليت مع رسول الله ﷺ ، فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره). وعبارة الأصحاب: تحت صدره، فكأنهم جعلوا التفاوت بينهما يسيرًا. كل هذا في حالة القيام، ويلتحق به القعود والاضطجاع. وقال أبو إسحاق: يجعلهما تحت سرته؛ لقول عائشة: (وضعهما تحت السرة)، رواه أحمد [١/ ٤٢] وأبو داوود [تحفة ١٠٣١٤ عن علي]. وقال ابن المنذر: يتخير بينهما. قال: (آخذًا بيمينه يساره)؛ لما روى الترمذي [٢٥٢] وغيره ذلك من فعل النبي ﷺ . وروى ابن حبان [١٧٧٠] عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (ثلاث من سنن المرسلين: تعجيل الفطر، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة). وفي (سنن أبي داوود) [٧٢٧]: (ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى). قال بعض الأصحاب: يقبض بكفه اليمنى كوع اليسرى، ويقبض رسغها وساعدها. وقال القفال: يتخير بين بسط أصابع اليمنى على عرض المفصل، وبين نشرها في صوب الساعد. والأصح في (الروضة): أنه يحط يديه بعد التكبير تحت صدره، وقيل: يرسلهما ثم يستأنف نقلهما إلى تحت صدره. قال في (الأم): والقصد من وضع اليمين على اليسار تسكين اليدين. فإن أرسلهما ولم يعبث .. لا بأس. قال: (والدعاء في سجوده)؛ لما روى مسلم [٤٧٩] من حديث ابن عباس أن

стр. 521

وَأَنْ يَعْتَمِدَ فِي قِيَامِهِ مِنْ السُّجُودِ وَالْقُعُودِ عَلَى يَدَيْهِ ــ النبي ﷺ قال: (أما السجود .. فأكثروا فيه من الدعاء؛ فقمن أن يستجاب لكم) أي: حقيق. وفيه [٤٨٣] أيضًا أنه ﷺ كان يقول فيه: (اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله، وآخره وأوله، علانيته وسره). وروى الحاكم [١/ ٤٩٢] عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال (الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السماوات والأرض). وفيه [١/ ٤٩٣] عن ثوبان عن النبي ﷺ : (لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه). وفيه [١/ ٤٩٢] عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: (إن البلاء لينزل فيلقاه الدعاء، فيعتلجان إلى يوم القيامة). وروى ابن ماجه [٣٨١٧] عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من لم يسأل الله بغضب عليه). وظاهر لفظ الشافعي .. أنه لا فرق بين الإمام والمنفرد. والرافعي فرق بين الإمام وغيره. قال: (وأن يعتمد في قيامه من السجود والقعود على يديه)؛ لأنه أشبه بالتواضع وأعون للمصلي، و (كذلك كان يفعل النبي ﷺ رواه البخاري [٨٢٤]. وكيفية الاعتماد: أن يجعل بطن راحتيه وبطن أصابعه على الأرض. وسواء فيه القوي والضعيف. وأما الحديث الذي في (الوسيط) عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ كان إذا قام من الصلاة وضع يده بالأرض كما يضع العاجن) .. فباطل، وإن صح ..

стр. 522

وَتَطْوِيلُ قِرَاءَةِ الأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ فِي الأَصَحِّ. وَالذِّكْرُ بَعْدَهَا ــ حمل على ذلك، ويكون المراد بـ (العاجن): الشيخ الكبير، لا عاجن العجين كقول الشاعر [من الطويل]: فأصبحت كنتيًا وأصبحت عاجنًا .... وشر خصال المرء كنت وعاجن قال: (وتطويل قراءة الأولى على الثانية في الأصح)؛ لحديث أبي قتادة الثابت في (الصحيحين) [خ٧٥٩ - م٤٥١]. والثاني: لا، وصححه الجمهور، وحملوا حديث أبي قتادة على أنه أحسن بداخل، وهذا بعيد؛ لقوله: (كان ...). وكل هذا إذا لم تدع ضرورة أو مصلحة إلى خلافه كمسألة الزحام؛ فإنه يستحب للإمام فيها أن يطول الثانية على الأولى. وكذا إذا ورد نص من الشارع بتطويل غير الأولى، كصلاة الكسوف وصبح الجمعة. فلو أغفل قراءة السجدة في الأولى .. قرأها في الثانية، وكذلك (سبح) و (الغاشية) في العيد. وإذا صلى بهم الإمام في الخوف صلاة ذات الرقاع .. فالمستحب: أن يخفف القراءة في الأولى؛ لأنها حال شغل. ويستحب للطائفتين التخفيف في الثانية؛ لئلا يطول الانتظار. قال: (والذكر بعدها) ثبت ذلك في (الصحيحين) بأنواع من الأذكار والأدعية: فمن ذلك: حديث ثوبان قال: كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته .. استغفر الله تعالى ثلاثًا، وقال: (اللهم؛ أنت السلام ومنك السلام، تباركت ذات الجلال والإكرام) قيل للأوزاعي وهو أحد رواته: كيف الاستغفار؟ قال: يقول: أستغفر الله. رواه مسلم [٥٩١].

стр. 523

وَأَنْ يَنْتَقِلَ لِلنَّفْلِ مِنْ مَوْضِعِ فَرْضِهِ، وَأَفْضَلُهُ إِلَى بَيْتِهِ ــ ومنها: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم؛ لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد). ومنها: ما رواه مسلم [٥٩٦] عن كعب بن عجرة أن النبي ﷺ قال: (معقبات لا يخيب قائلهن دبر كل صلاة مكتوبة: ثلاثًا تسبيحة، وثلاثًا وثلاثين تحميد، وأربعًا وثلاثين تكبيرة). وروى أن من قال ذلك. (غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر). وقال النبي ﷺ : (من قال دبر صلاة الفجر وهو ثان رجله قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير عشر مرات .. كتب له عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان في يومه ذلك في حرز من كل مكروه، وحرس من الشيطان، ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم، إلا الشرك بالله تعالى) رواه الترمذي [٢٩٨] وقال: حديث حسن صحيح. قال بعض العلماء: خاطب الله تعالى هذه الأمة بقوله: ﴿فاذكروني أذكركم﴾، فأمرهم أن يذكروه بغير واسطة، وخاطب بني إسرائيل بقوله: ﴿اذكروا نعمتي﴾؛ لأنهم لم يعرفوا الله إلا بآلائه، فأمرهم أن يتصوروا النعم ليصلوا بها إلى ذكر المنعم. قال: (أن ينتقل للنفل من موضع فرضه)؛ لتكثر مواضع سجوده؛ فإنها تشهد له، فإن لم ينتقل .. فليفصل بكلام إنسان، ففي (صحيح مسلم) [٨٨٣]: (الأمر بأن لا يوصل صلاته حتى يتكلم). قال: (وأفضله إلى بيته)؛ لما روى الشيخان [خ٧٣١ - م٧٨١] أن النبي ﷺ قال: (صلوا أيها الناس في بيوتكم؛ فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة.

стр. 524

وَإِذَا صَلَّى وَرَاءَهُمْ نِسَاءٌ .. مَكَثُوا حَتَّى يَنْصَرِفْنَ ــ وقال ﷺ : (مثل البيت الذي يذكر فيه، والبيت الذي لا يذكر فيه مثل الحي والميت). وقال ﷺ : (اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورًا). وفي (صحيح مسلم) [٧٧٨]: إذا قضى أحدكم صلاته في مسجده .. فليجعل لبيته [نصيبًا] من صلاته؛ فإن الله جاعل [في بيته] من صلاته خيرًا). والمراد: صلاة النافلة. وإنما حيث عليه في البيت؛ لكونه أخفى وأبعد عن الرياء، ولتنزل الرحمة في ذلك المكان. وسواء في ذلك مسجد مكة والمدينة وغيرهما؛ لعموم الحديث، لكن تستثنى النافلة يوم الجمعة لفضيلة البكور، وركعتا الطواف، وركعتا الإحرام إذا كان في الميقات مسجد. وذهب مالك والثوري إلى الفرق بين الليل والنهار: ففي النهار .. في المسجد أفضل، والبيوت في الليل. وقال القاضي أبو الطيب: إذا أخفى نافلته في المسجد .. كانت أفضل من البيت. قال: (وإذا صلى وراءهم نساء)، وكذا الخناثى فيما يظهر (.. مكثوا حتى ينصرفن)؛ لقول أم سلمة ﵂: (كان رسول الله ﷺ إذا سلم .. قام النساء حين يقضي تسليمه، ويمكث يسيرًا كي ينصرفن قبل أن يدركهن أحد من القوم)، رواه البخاري [٨٣٧]. ولأن الاختلاط بهن مظنة الفساد. فإن لم يكن ثم نساء .. فالمستحب للإمام: أن يقوم من مصلاه عقب صلاته؛ لئلا يشك هو ومن خلفه هل سلم أو لا؟ ولئلا يدخل غريب فيظنه في الصلاة فيقتدي به.

стр. 525

وَأَنْ يَنْصَرِفَ فِي جِهَةِ حَاجَتِهِ، وَإِلاَّ .. فَيَمِينِهِ ــ وفي (الإحياء): (أن ذلك فعل النبي ﷺ وأبي بكر وعمر). وقال ابن الرفعة: إنما يستحب له القيام بعد الذكر والدعاء. قلت: ينبغي أن يستثنى من ذلك: (ما إذا قعد مكانه يذكر الله تعالى بعد صلاة الصبح إلى أن تطلع الشمس؛ لن ذلك كحجة وعمرة تامة تامة تامة) رواه الترمذي [٥٨٦] عن أنس. فرع: إذا أراد الإمام أن ينفتل من المحراب .. فلينفتل عن يمينه، والأصح في كيفيته: يدخل يساره في المحراب ويجعل يمينه إلى الناس؛ لما روى مسلم [٧٠٩] عن البراء قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه؛ يقبل علينا بوجهه، فسمعته يقول: (رب قني عذابك يوم تبعث عبادك). وقيل: يستدبر القبلة. وقيل: يلي المحراب يمينه، ويساره إلى الناس، وبه قال أبو حنيفة. قلت: ينبغي أن يرجح هذا في محراب النبي ﷺ ؛ لأنه إن فعل الصفة الأولى يصير مستديرًا للنبي ﷺ ، وهو قبلة آدم فمن بعده من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. قال: (وأن ينصرف في جهة حاجته، وإلا .. فيمينه)؛ لأن التيامن محبوب ففي (صحيح مسلم) [٧٠٨]: (أن النبي ﷺ كان ينصرف عن يمينه). وفي (أبي داوود) [١٠٣٤] عن هلب الطائي: (أن النبي ﷺ كان ينصرف عن شقيه). لكن ذكر المصنف في (الرياض) أنه: يستحب في الحج والصلاة وعيادة المريض وسائر العبادات أن يذهب من طريق، ويرجع من أخرى، كما سيأتي في صلاة العيد. ويؤخذ من عبارة المصنف .. أنه لا يكره أن يقال: انصرفنا من الصلاة، وقد أسند

стр. 526

وَيَنْقَضِي الْقُدْوَةُ بِسَلاَمِ الإِمَامِ، فَلِلْمَامُومِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِدُعَاءٍ وَنَحْوِهِ ثُمَّ يُسَلِّمُ، وَلَوِ اقْتَصَرَ إِمَامُهُ عَلَى تَسْلِيمَةٍ .. سَلَّمَ ثِنْتَيْنِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. ــ الطبري [١١/ ٥٥] عن ابن عباس: أنه يكره ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم﴾. وفي (الصحيحين) [خ٨٤١ - م٥٨٣]: (أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله ﷺ قال ابن عباس: (كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته). وفيهما [خ٤١٦٨ - م٨٦٠] عن سلمة بن الأكوع: (كنا ننصرف من الصلاة وليس للحيطان ظل نستظل به). وفي (مسلم) [١٧٧٩] في حديث غزوة بدر: (ورسول الله ﷺ قائم يصلي، فلما رأى ذلك .. انصرف). وفي (كامل ابن عدي) [٢/ ٥٣]- في ترجمة بحر بن كثير السقاء- عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان إذا انصرف من الصلاة قال: (اللهم؛ بحمدك انصرفت، وبذنبي اعترفت، وأعوذ بك من شر ما اقترفت). قال: (وتنقضي القدوة بسلام الإمام) أي: التسليمة الأولى؛ لخروجه من الصلاة بها. قال: (فللمأموم) أي: الموافق (أن يشتغل بدعاء ونحوه ثم يسلم)؛ لانقطاع القدوة. وهذا محله إذا كان غير مسبوق، أو مسبوق وجلوسه مع الإمام في موضع تشهده الأول، أما غيرهما .. فيلزمه القيام عقب التسليمتين. قال: (ولو اقتصر إمامه على تسليمة .. سلم ثنتين والله أعلم) لأنه خرج عن متابعة الإمام بالأولى، بخلاف التشهد الأول فإن الإمام لو تركه .. لزم المأموم تركه؛ لأن المتابعة واجبة عليه قبل السلام. تتمة: اتفقوا على أنه يجوز أن يسلم بعد فراغ الإمام من التسليمة الأولى بعد (الميم) من قوله: عليكم، إذا قدم الإمام لفظ السلام.

стр. 527

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والأصح المنصوص: أن الأفضل أن لا يسلم حتى يسلم الإمام الثانية. وقال المتولي: يستحب أن يسلم بعد سلام الإمام الأولى. ولو قارنه في التسليمة الأولى .. فالأصح: أن الصلاة لا تبطل كما لو قارنه في بقية الأركان، بخلاف تكبيرة الإحرام فإنه لا يصير في الصلاة حتى يفرغ منها. ولو سلم قبل شروع الإمام في السلام، فإن لم ينو المفارقة .. بطلت صلاته، وإن نواها .. ففيه الخلاف فيمن نوى المفارقة. * * * خاتمة يستحب الدعاء بعد الصلاة؛ لما روى الترمذي [٣٤٩٩] أن النبي ﷺ سئل: أي الدعاء أسمع؟ - أي: أقرب إلى الإجابة- قال: (جوف الليل، ودبر الصلوات المكتوبات). وروى أبو داوود [١٥١٧] والنسائي [٣/ ٥٣]- بإسناد صحيح- أن النبي ﷺ أخذ بيد معاذ وقال: (يا معاذ؛ والله إني أحبك، أوصيك يا معاذ: لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم؛ أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك). ويستحب الإسرار به وبالذكر، إلا أن يكون إمامًا يريد التعليم. وسئل الشيخ عز الدين: هل يكره أن يسأل الله تعالى بعظيم من خلقه كالملك والنبي والولي؟. أجاب بأنه جاء عن النبي ﷺ : أنه علم بعض الناس: (اللهم؛ إني أقسم عليك بنبيك محمد ﷺ ، نبي الرحمة ...) الخ [خز ١٢١٩]. فإن صح .. فينبغي أن يكون مقصوراً عليه ﷺ ؛ لأنه سيد ولد آدم، ولا يقسم على الله بغيره من الأنبياء والملائكة؛ لأنهم ليسوا في درجته. ويكون هذا من خواصه ﷺ . والحديث المذكور خرجه الترمذي [٣٥٧٨] وقال: صحيح غريب.

стр. 528

باب شُرُوطُ الصَّلاَةِ خَمْسَةٌ: مَعْرِفَةُ الْوَقْتِ. وَالاِسْتِقْبَالُ. وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ، ــ قال ﵀: (باب) أي: هذا باب معقود لشروط الصلاة. ثم إن المصنف لما فرغ من الشروط .. أفرد للمناهي فصلًا؛ لأن الأصح عنده: أنها ليست شروطًا. والرافعي جعلها تبعًا للغزالي شروطًا، فزاد الإمساك عن الكلام والأفعال والأكل. قال الشيخ: والصواب: أنها لا تسمى شروطًا إلا على سبيل المجاز. قال: (شروط الصلاة خمسة) تقدم أول الكتاب أن الشرط في اللغة: العلامة، ومنه: أشراط الساعة. وفي الإصطلاح: ما يلزم من عدمه عدم الصحة، ولا يلزم من وجوده وجودها. وتقدم في أول صفة الصلاة الفرق بين أركان الصلاة وشروطها. ومراد المصنف: أن للصلاة شروطًا خمسة غير الإسلام والتمييز؛ لأنهما شرطان لكل عبادة، لكنه أهمل شرطًا سادسًا جزم به في (التحقيق) وغيره وفاقًا للبغوي وهو: تمييز فرضها من سنتها، فلو اعتقد جميع أفعالها سنة، أو بعضها فرضًا وبعضها سنة ولم يميز .. لم يصح، أو كلها فرضًا .. صحت في الأصح، وفي (فتاوى الغزالي): إذا لم يميز العامي فرضًا من سنة .. صحت إن لم يقصد التنفل بفرض، قال في (الروضة): وهذا هو الظاهر الذي تقتضيه أحوال السلف. وقد تقدم بعض هذا في أول الباب قبله. قال: (معرفة الوقت) أي: علمًا، أو ظنًا بالاجتهاد. قال: (والاستقبال) كما سبق إلا ما استثنى، وقد أبعد ابن القاص والقفال فجعلاه ركنًا. قال: (وستر العورة) أي: عند القدرة ولو كان خاليًا في ظلمة؛ لقوله تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾. قال ابن عباس: (هي السترة في الصلاة)،

стр. 529

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فأفاد التقييد بـ (الصلاة) شرطيته فيها؛ إذ هو واجب في غيرها. وقال ﷺ : (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) حسنه الترمذي [٣٧٧] وصححه الحاكم [١/ ٢٥١]، والمراد: من بلغت سن الحيض. وكون ستر العورة شرطًا قال به جمهور العلماء، فمتى انكشف شيء من العورة قل أو كثر، في حضرة الناس أو في خلوة .. فات. وأما وجوبه .. فبالإجماع وبقوله تعالى: ﴿وإذا فعلوا فحشة قالوا وجدنا عليها ءاباءنا﴾. قال ابن عباس: (كانوا يطوفون بالبيت عراة وهي فاحشة). وكذلك يجب في غير الصلاة في حضرة الناس بالإجماع، وفي الخلوة على الأصح؛ لإطلاق الأمر بالستر، ولما روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله؛ عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال ﵊: (احفظ عورتك إلا عن زوجتك أو ما ملكت يمينك)، قال: قلت: يا رسول الله؛ إذا كان أحدنا خاليًا؟ قال ﵊: (الله أحق أن يستحيا منه من الناس) حديث حسن رواه أصحاب السنن. فإن قيل: الستر لا يحجب عن الله؛ لأنه تعالى يرى المستور كما يرى المكشوف .. فالجواب: أنه يرى المكشوف تاركًا للأدب، والمستور متأدبًا. وما ذكره من الشرطية محله: عند القدرة، فإن عجز .. وجب عليه أن يصلي عاريًا. والأصح: أنه يتم الركوع والسجود ولا يعيد. وقيل: يومئ بهما ويعيد.

стр. 530

وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ: مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ، ــ وقيل: يتخير بين الإتمام ولإيماء. ويستثنى من وجوب الستر في الخلوة: إذا دعت الحاجة إلى الكشف، كالاغتسال ونحوه. ولا يجب ستر العورة عن نفسه، لكن يكره نظره إليها. و (العورة): سوأة الإنسان وكل ما يستحيا منه، والجمع: عورات. سميت بذلك؛ لقبح ظهورها. والعورة: الكلمة القبيحة. وأصلها في اللغة: النقص والخلل. وفي الشرع: ما يجب ستره من البدن. قال: (وعورة الرجل: ما بين سرته وركبته)؛ لما روى الحارث بن أبي أسامة [١٤٣] عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: (عورة المؤمن ما بين سرته إلى ركبته). وروى الدارقطني [١/ ٢٣١] عن أبي الأنصاري أن النبي ﷺ قال: (ما فوق الركبتين من العورة، وما أسفل السرة من العورة)، لكن ضعفه البيهقي، وقال ﷺ لجرهد: (غط فخذك؛ فإن الفخذ عورة) رواه أحمد [٣/ ٤٧٩] وأبو داوود [٤٠١٠]، وحسنه الترمذي [٢٧٩٨]. فالسرة والركبة ليسا من العورة. وقيل: منها. وقيل: الركبة دون السرة. وقيل: عكسه. وقيل: السوأتان فقط- وبه قال مالك وجماعة- لما روى مسلم [٢٤٠١] عن عائشة أن النبي ﷺ كان مكشوف الفخذ، فدخل أبو بكر وعمر فلم يستره، ودخل عثمان فستره وقال: (ألا أستحي ممن استحت منه الملائكة). والجواب: أن المكشوف حصل الشك فيه في (مسلم) هل هو الساق أو الفخذ؟ فلا يلزم منه الجزم بجواز كشف الفخذ.
следующие страницы →