← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13783

النجم الوهاج في شرح المنهاج

الدميري

Полный текст (5 377 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

وَتَصَرُّفِهِ، فَمَنْ وَجَدَهُ فَاسِقًا .. أَخَذَ الْمَالَ مِنْهُ، أَوْ ضَعِيفًا .. عَضَدَةُ بِمُعِنٍ، وَيَتَّخِذُ مُزَكِّيًا وَكَاتِبًا، ــ قال: (وتصرفه) فإن قال: فرقت ما أوصى به، فإن كان لمعين .. لم يتعرض له، أو لجهة عامة وهو عدل .. أمضاه، أو فاسق .. ضمنه. قال: (فمن وجده فاسقًا .. أخذ المال منه)، وكذا لو شك في عدالته في احد الوجهين. قال: (أو ضعيفًا .. عضده بمعين)؛ لأن ذلك من المصالح العامة، وكذلك إذا كان المال كثيرًا لا يمكن الواحد حفظه والتصرف فيه، فإن أقام الوصي بينة أن القاضي قبله .. نفذ وصايته، وقبل تصرفه .. قرره. ثم بعد الأوصياء ينظر في أمناء القاضي المنصوبين على الأطفال وتفرقة الوصايا، فمن تغير بفسق أو غيره .. صرفه، وإلا .. أبقاه. ثم ينظر في الأوقاف العامة والمتولين عليها، وفي اللقط والضوال، ويقدم من ذلك الأهم فالأهم. قال: (ويتخذ مزكيًا) يعرفه حال من يجهل عدالته من الشهود؛ لأنه لا يمكنه البحث عنهم، وستاتي صفة المزكي في الفصل الآتي. وإفراده المزكي أراد به الجنس، وكان حقه أن يقول: مزكين، لكنه إنما لم يذكره لأنه يوجد من شرط التعديل كما سياتي. قال: (وكاتبًا)؛ لأن النبي ﷺ كان له كُتَّاب فوق الأربعين، ذكر السهيلي منهم ثلاثة وعشرين، منهم الخلفاء الأربعة، وذكر أبو نعيم وابن منده منهم السجل. وفي (سنن أبي داوود) [٢٩٢٨] في (كتاب الخراج): كان السجل كاتبًا لرسول الله ﷺ ، وقال ابن دحية: كان يكتب له ثم تنصر، فأظهر الله لنبيه ﷺ فيه معجزة، وهو أنه لما دفن .. لفظته الرض ولم تقبله. وفي (صحيح البخاري) في (باب علامات النبوة) [٣٦١٧] عن أنس: أن رجلًا كان نصرانيًا فأسلم، وقرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب للنبي صلى الله عليه

стр. 4972

وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُسْلِمًا، عَدْلًا، عَارِفًا بِكِتَابَةِ مَحَاضِرَ وَسِجِلَّاتٍ، ــ وسلم، فعاد نصرانيًا، فأماته الله فدفنوه، فأصبح وقد لفظته الأرض. وأفرد المصنف الكاتب؛ ليعلم أنه لا يشترط فيه العدد، بل يتخذ ما تقع الكفاية به واحدًا أو جماعة، والأولى أن يقتصر على واحد إن حصلت الكفاية به. قال الماوردي: وللكاتب أن يتخذ كاتبًا كما يجوز للقاسم أن يتخذ قاسمًا. قال: (ويشترط كونه مسلمًا)؛ لقوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ﴾ الآية، وقد تقدم في (قسم الفيء والغنيمة) حديث أبي موسى وغيره. وجزم في (التنبيه) والمحاملي في (التجريد) بالجوز؛ لأن ما يكتبه لابد أن يقف عليه القاضي ثم يمضيه، والمشهور الأول، ولا يأتي هذا الوجه إذا كان القاضي أميًا. قال الشافعي: ولا ينبغي لقاض ولا وال أن يتخذ كاتبًا ذميًا، ولا يضع الذمي في موضع يفضل به مسلمًا، فيعز بالمسلمين أن تكون لهم حاجة إلى غير أهل دينهم، والقاضي أقل الخلق في هذا عذرًا. قال: (عدلًا)؛ لأن القاضي قد يغفل عما يكتبه، فإذا كان فاسقًا .. لم تؤمن خيانته. والثاني – وبه جزم في (التنبيه) وأقره عليه في (التصحيح) -: الاستحباب. قال: (عارفًا بكتابة محاضر وسجلات)؛ ليعلم صحة ما يكتبه من فساد. و (المحاضر) جمع كحضر بفتح الميم، وهو: ما يكتب فيه ما جرى للمتحاكمين في المجلس وحجتهما، فإن كتب مع ذلك تنفيذ الحكم .. سمي سجلًا. ولا ينبغي التخصيص بهما، بل سائر الكتب الحكمية كذلك. وأهمل المصنف اشتراط الحرية؛ لدخولها في وصف العدالة، واعترض عليه بان العدالة لا تنافي الرق، وأيضًا فقد جمع بينهما في المترجم كما سيأتي فدل على عدم الدخول. كل هذا فيما يتعلق بالحكم، فإن اراد أن يستكتب في خاصة نفسه .. جاز له أن يستكتب من شاء.

стр. 4973

وَيُسْتَحَبُّ فِقْهٌ، وَوُفُورُ عَقْلٍ، وَجَودَةُ خَطٍّ، ــ قال: (ويستحب فقه)؛ لئلا يؤتي من قبل الجهل. والمراد به: الفقه في احكام الكتابة، ومعرفة شروط المحاضر والسجلات، واستعمال الألفاظ الموضوعة لها، والتحرز من الألفاظ المجملة. قال: (ووفور عقل)؛ لئلا يدلس عليه، وجزم الماوردي والقاضي أبو الطيب باشتراطه. ويستحب فيه أيضًا أن يكون ذا عفة عن الطمع، لا يستمال بهدية. قال: (وجود خط)؛ ليزين ما يكتبه، وذلك بأن يكون ضابطًا للحروف وما يحصل بسببه الاشتباه. قال علي ﵁: الخط الحسن يزيد الحق وضوحًا. قال الرافعي: والأولى أن يجلسه القاضي بين يديه، وقال الماوردي وغيره: عن جهة يساره؛ ليشاهد ما يكتبه. ويستحب أن يكون حاسبًا؛ لأنه يحتاج إلى الحساب في كتب المقاسمات والمواريث، وأن يكون فصيحًا عارفًا بلغات الخصوم، قوي الخط، قائم الحروف، عالمًا بمواضع التدليس، ضابطًا لا يلتبس في خطه تسعة بسبعة ولا خمسة عشر بخمسة وعشرين. فائدة: قوله تعالى: ﴿يَزِيدُ فِي الخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾: قيل: الخط الحسن، وقيل: ملاحة العين. وقال الجوهري: التواضع في الأشراف، والسخاء في الأغنياء، والتعفف في الفقراء. وقال الزمخشري: الوجه الحسن، والشعر الحسن، وطول القامة، والاعتدال والتمام في الأعضاء، والقوة في البطش، والحصافة في العقل، والجزالة في الرأي، وجرأة في القلب، وسماحة في النفس، وذلاقة في اللسان، وإبانة في التكلم،

стр. 4974

وَمُتَرْجِمًا، وَشَرْطُهُ: عَدَالَةٌ، وَحُرِّيَّةٌ، وَعَدَدٌ، ــ وحسن تأتِّ في مزاولة الأمر، وما أشبه ذلك مما لا يحيط به الوصف. قال: (ومترجمًا)؛ لأن القاضي قد لا يعرف لسان الخصوم والشهود، والمراد: يتخذه عارفًا باللغات التي يغلب وجودها في ذلك العمل. فإن كان القاضي يعرف لغة الخصوم .. لم يتخذه. واستدلوا لاتخاذ المترجم بأن النبي ﷺ قال لزيد بن ثابت: (تعلم لغة العبرانية؛ فإن اليهود يكتبون بها، وما أحب أن يقف على كتبي كل أحد) قال: فتعلمتها في نصف شهر، فكنت أقرأ كتبهم على رسول الله ﷺ ، وأكتب لهم، رواه أبو داوود [٣٦٤٠] والحاكم في (كتاب الأيمان) من (مستدركه) [١/ ٧٥] وقال: صحيح الإسناد، والبخاري تعليقًا بصيغة جزم. وهل اجرة المترجم على صاحب الحق او في بيت المال؟ فيه وجهان: أقربهما الثاني. وعلى الأول: اجرة من يترجم للمدعي .. عليه، ومن يترجم للمدعى عليه .. عليه. و (الترجمان) جمعه تراجم، كزعفران جمعه زعافر، وجعل الجوهري تاءه زائدة فذكره في رجم، والمعروف أنها أصلية، فكان حقه أن يذكرها في بابها. قال: (وشرطه: عدالة، وحرية، وعدد)؛ لأنه ينقل إلى القاضي قولًا لا يعرفه فأشبه المزكي والشاهد، بخلاف الكاتب؛ فإنه لا يثبت شيئًا. وحكى في (الذخائر) تبعًا للإمام وجهًا: انه يكفي واحد، واختاره ابن المنذر؛ لحديث زيد بن ثابت، وأشار افمام إلى تخصيص الخلاف بما إذا كان يحضره من يعرف لسانهما. فلو كان الخصمان اعجميين وليس هناك غيرهما .. فالوجه القطع باشتراط العدد. وزاد في (المحرر) اشتراط التكليف، وأسقطه المصنف؛ لدخوله في شرط العدالة، وشرط الماوردي انتفاء التهمة، فلا تقبل ترجمة الوالد والولد كما لا تقبل

стр. 4975

وَالأَصَحُّ: جَوَازُ أَعْمَىً، وَاشْتِراطُ عَدَدٍ فِي إِسْمَاعِ قَاضٍ بِهِ صَمَمٌ ــ شهادتهما، وهو ظاهر إن كانت الترجمة عن القاضي بالحكم لأبيه أو ابنه، أو عن الخصم بما يتضمن حقًا لبيه أو ابنه، فإن كانت بما يتضمن حقًا عليهما .. فلا يظهر؛ لامتناعه وجه. والمراد بـ (العدد): أقل العداد، فإن كان الحق مما يثبت برجل وامرأتين .. قبلت الترجمة من رجل وامرأتين، خلافًا للإمام. وفي الزنا هل يشترط أربعة أو يكفي رجلان؟ قولان كالشهادة على الإقرار، وهل يكفي للخصمين اثنان أو يجب لكل منهما اثنان؟ قولان كشهود الفرع. وعلم من اشتراط العدد اشتراط لفظ الشهادة، وهو كذلك. وأشار الرافعي تفقهًا إلى جريان الوجه الآتي في المسمع هنا حتى يكتفي بلفظ الخبر، وقد صرح بنقله الماوردي وضعفه. هذا في نقلهما من الخصوم إلى القاضي، أما نقلهما عن القاضي إلى الخصوم .. فقال الماوردي: ان المغلب عليه الخبر؛ لأن الشهادة لا تكون إلا عند قاض فيكفي فيها الواحد حرًا كان أو عبدًا، ولا يشترط العدد، وفي كلام القاضي ما يوافقه، وهو ظاهر. قال: (والأصح: جواز أعمىً)؛ لأن الترجمة تفسير للّفْظ فلا يحتاج إلى معاينة وإشارة، بخلاف الشهادة. والثاني: لا يجوز كالشاهد، فالذي صححوه هنا غلبوا فيه شائبة الرواية، وهو مخالف ما سبق من اشتراط العدالة والحرية من تغليب الشهادة. قال: (واشتراط عدد في إسماع قاض به صمم) كالمترجم. والثاني: لا؛ لأن المسمع لو غيَّر .. أنكر عليه الخصم والحاضرون، بخلاف المترجم. والثالث: إن كان الخصمان أصمين .. اشترط، وإن كانا سميعين .. فلا. والمراد هنا: صمم يسمع معه برفع الصوت، وإلا .. استحالت المسألة؛ إذ لا تصح ولايته.

стр. 4976

وَيَتَّخِذُ دِرَّةً لِلتَّاديِبِ، ــ هذا كله في إسماع الخصم القاضي، أما إسماع ما يقوله القاضي وما يقوله الخصم .. فلا يشترط فيه العدد، قاله القفال؛ لأنه إخبار محض. ثم إذا اشترطنا العدد في المسمع .. اشترطنا لفظ الشهادة في الأصح، وإذا لم نشترط العدد .. اشترطنا الحرية على الأصح كهلال رمضان. وسكت المصنف عن اعوان القاضي ووكلائه، واشترط الزبيلي فيهم العدالة والصدق. وقال ابن أبي الدم: ينبغي أن يكونوا من ذوي الدين والعفة والأمانة والقنع والبعد عن الطمع. واشترط شريح الروياني في الوكلاء مع ذلك أن يعرفوا طرفًا من الفقه. وأجرة العون على الطالب إن لم يمتنع المدعي عليه من الحضور، فإن امتنع .. فالأجرة عليه؛ لأنه متعد بالامتناع عن الحضور، فكانت كأجرة الحد تجب على المحدود. قال: (ويتخذ درة للتأديب)، قال ابن المنذر: روينا عن عمر أنه كانت له درة. قال الشعبي: وهي اهيب من سيف الحجاج. وفي (مرج البحرين) لابن دحية: أنه أول من اتخذها، وأول من حملها، وأول من ضرب بها، لكن روى البيهقي في (دلائله) [١/ ٢٤٦] عن ميمونة بنت كردم ما يخالف ذلك. و (الدِّرَّة) يكسر الدال المهملة وتشديد الراء معروفة، ويقال لها: المخفقة، وفي حفظي من شيخنا ﵀: أن درة عمر كانت من نعل رسول ﷺ ، وأنه ما ضرب بها احدًا على ذنب وعاد إليه. وعبارة المصنف تفهم أنه لا يؤدب بالسوط، وبه أجاب في (تتمة التتمة)؛ لأن الضرب بالسياط من شأن الحدود، والذي ادعاه غير مقبول؛ فالمنصوص جواز الضرب بالسياط في غير الحدود.

стр. 4977

وَسِجْنًا لأَدَاءِ حَقٍّ وَتَعْزِيرِ، ــ ويؤخذ من عبارة المصنف: أنة يؤدب من أساء الأدب في مجلسه بما يقتضيه اجتهاده، وله أن يعزر اللدد في الخصومة ومن اجترأ عليه كقوله أنت: تجور أو تميل أو تظلم، والأولى أن يعفو عنه إن لم يحمل على ضعفه، والتعزيز أولى إن حمل عليه. وأما حكم شاهد الزور .. فتقدم في (فصل التعزير). فائدة: لما ولي قاضي القضاة تقي الدين القشيري .. منع نوابه من ضرب المستترين بالدرة وقال: لايجوز في هذا الزمان؛ لأنه صغار يعير به من يأتي من ذرية المضروب وأقاربه، بخلاف أراذل الناس الذين لا يتأثرون بذلك. قال: (وسجنا لأداء حق وتعزيز)؛ لأن عمر اشترى دارًا بأربعة آلاف وجعلها سجنًا، رواه عبد الرزاق [٩٢١٣]. وفي (البخاري (: بأربع مئة، وحبس الحطيئة الشاعر لما هجا الزبرقان بن بدر بقوله [من البسيط]: دع المكارم لا ترحل لبغيتها .... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي فسأل عمر حسانًا ولبيدًا فقالا: إنه هجاه، فأمر به عمر فحبس في قعر بئر، فمكث أيامًا، وكتب أبياته التي في (المهذب (وغيره، ثم كلمه فيه عبد الرحمن بن عوف وعمرو بن العاصي حتى أخرجه، وهدده بقطع لسانه إن عاد يهجو أحدًا، ثم إنه اشترى منه أعراض المسلمين بأربعة آلاف درهم. وحبس عمر آخر، فكتب إليه وهو في الحبس [من الرجز]: يا عمر الفاروق طال حبسي .... وول مني إخوتى وعرسي في حدث لم تقترفه نفسي .... والأمر أضوى من شعاع الشمس

стр. 4978

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وحبس صبيغًا اليمني حين سأله عن الذرايات والمرسلات والنازعات، وضربه ونفاه إلى العراق، وقيل: إلى البصرة. وروي: أن عليا بنى سجنا بالكوفة. وقال بعض العلماء: إن النبي ﷺ وأبا بكر ما سجنا أحدًا، ولم يكن لهما سجن، وجوابه: أن النبي ﷺ سجن بالمدينة في تهمة دم، رواه أبو داوود والترمذى والنسائي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده معاوية بن حيدة، وقد تقدم فى (باب كيفية القصاص) عند قول المصنف: (ويحبس القاتل). وروى أبو داوود ايضا: (ان النبى ﷺ سجن رجلا أعتق شركًا فى عبد فوجب عليه استتمام عتقه حتى باع غنيمة له). وروى ابن شعبان في كتابه: أنه ﷺ حكم به. وروى ابن القاص: أن النبي ﷺ قال: (من بات في سجن ليلة مظلوما .. خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه). واستدل القرطبي بقوله تعالى: (تحسبونهما من بعد الصلوة)، وبقوله ﷺ : (لي الواجد يحل عرضه وعقوبته) قال ابن المبارك: العقوبة: الحبس. وتقدم في أول (باب الجنايات) عند قول المصنف: (ولو أمسكه فقتله آخر): أن النبي ﷺ قال: (إذا أمسك الرجل الرجل حتى قتله آخر .. يقتل القاتل، ويصبر الممسك) وروي: (وحبس الممسك) وهو بمعناه. ولما حبس الإمام أحمد .. قال له السجان: يا أبا عبد الله؛ الحديث الذى يروى في الظلمة وأعوانهم صحيح؟ قال: نعم، قال: فأنا منهم، قال أحمد: أعوانهم من

стр. 4979

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يأخد شعرك ويغسل ثوبك ويصلح طعامك، ويبيع ويشتري منك، أما انت .. فمن أنفسهم. فروع: قال الشافعي: إذا حبس القاضي المديون .. لا يغفل عنه، بل يستكشف حاله، فإن كان غريبا .. وكل به من يبحث عنه حتى يظهر له أنه مفلس فيخليه، ومن حبس فى حق رجل ثم جاء آخر يدعي عليه .. أخرجه وسمع الدعوى ثم رده، ولا يتوقف ذلك على إذن غريمه. وقال مالك: لايجوز إخراجه لسماع الدعوى عليه؛ لما فيه من إسقاط حق الأول. لنا: أنه توصل إلى الحقين. وقال شريح: لو أراد الزوج السفر بها فأقرت بدين لإنسان .. حبسها ومنعها من الخروج، ولا يقبل قول الزوج: إن قصدها بذلك منع السفر. والمخدرة تحبس كغيرها، صرح به الزبيلي. وقال العبادى: لا تحبس، بل يوكل بها، والأجرة عليها كأجرة السجان على المحبوس حيث لا مال في بيت المال. وقال الزبيلي: لايجوز أن يقفل على المحبوس باب الحبس نهارًا، ولا أن يحبس فى بيت مظلم، وأن القاضي إذا خاف أن المحبوس يهرب من حبسه .. نقله إلى حبس اللصوص، ولو جن في الحبس أو مرض فيه ولم يجد من يخدمه .. أخرج. وفي (فتاوى الشاشي): يمنع من شم الريحان ونحوه إلا لمرض؛ لأنه ترفه، فإذا مات .. إخرج ودفع لاهله ليتولوه، وليس لغرمائه منع دفنه، فإن منعوه .. عزروا. وقال الماوردي: لايمنع من محادثة من يزروه إلا أن يرى القاضي ذلك.

стр. 4980

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وفي (تفليس "الروضة"): أنه يمكن من عمل الصنعة على الأصح. وتحبس المرأة عند نساء ثقاة، أو ذى رحم محرم، ولا تمنع من إرضاع ولدها في الحبس، ويمنع الزوج منها، قاله الماوردي والروياني وابن الرفعة. قال الشيخ: وفيه نظر، بل ينبغيأن لايمنع؛ لأنه حق واجب عليها، أما المحبوس إذا دعا زوجته أو أمته .. لم يمنع إن كان في الحبس موضع خال، فإن امتنعت .. أجبرت الأمة ولم تجبر الزوجة. وإن اقتضى رأى الحاكم أن يمنع زوجته وأمته .. كان له ذلك، هذا هو المفتى به في المسألة، قاله الشيخ وغيره، والمصنف ذكرها في أول (باب التفليس)، ونقل فيها عن (فتاوى الغزالي (أن الأمر راجع إلأى رأى الحاكم، وعن (فتاوى ابن الصلاح): أن ذلك ممنوع. وفى تقييد المحبوس إذا كان لجوجا وجهان، وفي (البحر) لايمنع المحبوس من التطلع إلى الطريق من كوة، وقد تقدم في (الجمعة): أن المحبوس على حق لا يأثم بترك الجمعة إن كان معسرا، ولا يلزمه الاستئذان للخروج. وقال بعض الفقهاء: يلزمه أن يستأذن كل جمعة، فإذا منع .. امتنع؛ لأن أبا يعقوب البويطي كان إذا سمع النداء يوم الجمعة .. اغتسل ولبس ثيابه ومشى إلى باب السجن فيقول له السجان: أين تريد؟ فيقول له: أجيت داعي الله، فيقول له: ارجع عافاك الله، فيقول: اللهم؛ إنى قد أجبت داعيك فمنعوني، وكذلك كان يفعل محمد بن سيرين لما حبس. قال الخطيب: وكان سبب حبسه أنه اشترى زيتا بأربعين ألفا، فوجد فى زق منه فأرة فقال: الفأرة كانت فى المعصرة، فصب الزيت كله، وكان يقول: عيرت رجلًا بالفقر منذ ثلاثين سنه .. فعوقبت به بعد ذلك. وإذا هرب المحبوس .. لا يلزم القاضي طلبه، وللخصم طلبه، فإذا أحضره سأله عن سبب هربه، فإن تعلل بإعسار .. لم يعزره، وإلا .. عزره. ولو أراد مستحق الدين أن يلازمه بدلا عن الحبس .. مكن، إلا أن يقول: إنه تشق

стр. 4981

وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُ مَجْلِسِهِ فَسِيحًا، بَارِزًا، مَصُونًا مِنْ أذَى حَرًّ وَبَرْدِ، لاَئِقًا بِالْوَقْتِ وَالْقَضَاءِ، .... ــ عليه الطهارة والصلاة مع ملازمته ويختار الحبس .. فيجيبه. وأجرة السجن على المحبوس؛ لأنها أجرة المكان وهو الذى شغله، وأجرة السجان على صاحب الحق إذا لم يتهيأ صرف ذلك من بيت المال. قال: (ويستحب كون مجلسه فسيحًا، بارزًا، مصونًا من أذى حر وبرد)؛ لأن المجلس الضيق يتأذى به الخصوم والمراد بـ (البارز): أن يصل أليه كل أحد من قوي وضعيف، و (صيانته من الحر والبرد) بأن يكون في الصيف في مهاب الرياح وفي الشتاء في كن. قيل: خير المجالس ما سافر فيه النظر، ولم يتأذ به الجليس إذا حضر. قال: (لائقًا بالوقت والقضاء) هذه من زياداته على (المحرر (، وكان المراد به: أنه يستحب جلوسه بمرتفع كدكة ونحوها، ويوضع له فراش ووسادة؛ ليعرفه كل داخل. قال الماوردي: ويفعله وإن كان موصوفًا بالزهد والتواضع؛ للحاجة إلى قوة الرهبة والهيبة. قال الشافعي: وحسن أن توطًا له الفرش والوسائد؛ لأنه أرفق به وأهيب له. قال الماوردي: ويجلس في صدر المجلس، فلو خالف وجلس في بيته .. كره، قاله في (المرشد (وغيره. فإن جلس فيه لا للحكم فحضرت خصومة .. فلا بأس ويستحب أن يستقبل القبلة؛ لأنها أشرف المجالس كما رواه الحاكم وصححه [٤/ ٢٧٠]، وقيل: يستدبرها كالخطيب، حكاه ابن أبى الدم. ويكره له مد رجله والاتكاء، ويستحب أن يدعو عقب جلوسه بالتوفيق والعصمة والتسديد. والأولى: ماروته أم سلمة: أن النبى ﷺ كان إذا خرج من بيته

стр. 4982

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يقول: (اللهم؛ إنى أعوذ بك أن أزل او أضل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أوجل يجهل علي، أو أعتدي أو يعتدى علي (اللهم؛ أغنني بالعلم، وزيني بالحلم، وأكرمني بالتقوى حتى لا أنظق إلا بالحق ولا أقضى إلا بالعدل (رواه الحاكم. واستحب الماوردي والروياني أن يصلي قبل جلوسه ركعتين إن كان مسجدًا تحية المسجد، وإلا .. لم يصلهما في وقت الكراهة، ويندب أن يأتى المجلس راكبًا ويسلم على الناس يمينًا وشمالًا، قالا: وإذا كان القاضي زاهدًا في الدنيا .. فذلك أعظم لهيبته، وليستكمل ما جرت العادة به من العمامة والطيلسان، وأن يضع بين يديه القمطر مختومًا؛ ليجعل فيه المحاضر والسجلات، وأن يكون مطرق الرأس عند دخول الخصوم، مراعيا للوقار، ولا يبدأ أحدًا بكلام ولا سلام. حكى أن المهدى أمير المؤمنين تقدم مع خصم له إلى مجلس عبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة، فلما رئه القاضي مقبلًا أطرق إلى الأرض حتى جلس مع خصمه مجلس المتحاكمين، فلما انقضى الحكم .. قام القاضي فوقف بين يديه، فقال المهدي: (والله لو قمت حين دخلت إليك لعزلتك) وذلك لأن قيامه له قبل الحكم ميل، وترك قيامه له بعد الحكم ترك حق الامام قال الشافعي: وأحب أن لا يكون القاضي جبارًا عنيفًا، ولا مهينًا ضعيفًا وقال عمر: لا يصلح لأمور الآمة إلا رجل قوي من غير ضعف، لا تأخذه في الله لومة لائم. فرع: إذا جلس للقضاء ولا زحمة .. كره له أن يتخذ حاجبًا في الأصح؛ لما روى الترمذى [١٣٣٢] عن عمرو بن مرة الجهني: أن النبي ﷺ قال: (أيما

стр. 4983

لاَ مَسْجِدًا، ــ وال أو قاض أغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة .. أغلق الله أبواب السماء دون حاجته وخلته ومسكنته (. وال أو قاض أغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة .. أغلق الله أبواب السماء دون حاجته وخلته ومسكنته (. وروى أبو داوود [٢٩٤١] والحاكم [٤/ ٩٤]: أن النبي ﷺ قال: (من ولي من أمور الناس شيئًا فاحتجب .. احتجب الله عنه يوم القيامة (. ولا كراهة له في أوقات خلوته في المسألتين. وقال الماوردي: إنما يركه اتخاذ الحاجب إذا كان وصول الخصم إليه موقوفًا على إذنه، فأما من وظيفته ترتيب الخصوم والإعلام بمنازل الناس- أي: وهو المسمى في زماننا بالنقيب- فهذا لا بأس باتخاذه، بل صرح القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ باستحبابه. قال ابن أبى الدم: ولو قيل: إنه متعين .. لم يبعد. ويشترط في النقيب المذكور أن يكون عدلًا أمينًا عفيفًا، واستحب الماوردي أن يكون حسن المنظر، جميل المخبر، عارفًا بمقادير الناس، بعيدًا عن الهوى والعصبية. وفي (اللطيف (لابن خيران: يستحب كونه كهلًا، كثير الستر على الناس. واستحب ابن المنذر كونه خصيًا، وقال الصيمري: هذا لا أصل له. قال: (لا مسجدًا) أى: لا يتخذه مجلسًا للحكم؛ ففي (الصحيحين ([م ٥٦٩]: أن النبي ﷺ سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد فقال: (إنما بنيت المساجد لذكر الله والصلاة (ولأن مجلس القضاء لا يخلو عن اللغط والتخاصم، ويغشاه الحيض والجنب والصبيان والكفار والدواب وما تجب صيانة المسجد عنه. وظاهر عبارته: أنه لا يستحب، وهو وجه جرم به المحاملي والجرجاني. والجمهور على الكراهة؛ لحديث: (جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم، وشراءكم وبيعكم وخصوماتكم، ورفع أصواتكم، وإقامة حدودكم (رواه ابن ماجه [٧٥٠]، وله طرق يعتضد بها. وموضع الكراهة إذا اتخذه لذلك، فلو اتفق حضوره فيه ففصل قضية أو قضايا ..

стр. 4984

وَيُكْرَهُ أَنْ يَقْضِيَ فِي حَالِ غَضَبِهِ ــ فلا بأس؛ ﷺ قضى فيه بين المتلاعنين، وبين الزبير وصاحب شراج الحرة وغيرهما، فهذه تستثنى من الكراهة، وكذلك إذا احتاج إليه لعذر من مطر ونحوه، وإقامة الحدود فيه أشد كراهة، كذا نص عليه. وقال الخفاف: تحرم إقامتها فيه، وهو مقتضى كلام الماوردي في (الإقناع)، وبه جزم ابن الصباغ والبنذنيجى، والرافعي في آخر (باب الشرب)؛ فإنه قال: لاتقام الحدود فيه، ويسقط الفرض لو أقيمت كما لو صلى في مكان مغصوب. قال: (ويكره أن يقضي في حال غضبه)؛ لما روى الشيخان [خ ٧١٥٨ - م ١٧١٧] عن أبي بكرة: أن النبي ﷺ قال: (لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان). وفي (شعب البيهقي) [٨٠٣٦]: أن النبي ﷺ قال: (الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل). وروى البخاي [٦١١٦] عن أبى هريرة: أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: أوصني فقال: (لا تغضب (فكرر السؤال مرارًا وهو يقول: (لا تغضب) زاد البيهقي [١٠/ ١٠٥]: قال الرجل ففكرت حين قال ﷺ ما قال؛ فإذا الغضب يجمع الشر كله. وروى أبو داوود [٤٧٤٤] والترمذي [٢٠٢١] عن معاذ: أن النبي ﷺ قال: (من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه .. دعاه الله سبحانه على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور ما شاء ( وفي (الصحيحين) [خ ٦١١٤ - ٢٦٠٨] عن أبى هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) وما جزم به المصنف من الكراهة هو المشهور. وشذ الماوردي فقال: إنه خلاف الأولى، وخص الإمام والبغوي وغيرهما

стр. 4985

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الكراهة بما إذا كان الغضب لغير الله؛ لأن النبي ﷺ قضى للزبير وهو غضبان وطاهر كلام الأكثرين: أنه لا فرق. وفرق الفارقي بأن الغضب لله يؤمن معه من التعدي، بخلاف الغضب لحظ النفس. فائدة: سبب الغضب: هجوم ما تكرهه النفس ممن دونها، وسبب الحزن هجوم ما تكرهه ممن فوقها، والغضب يتحرك من داخل الجسد إلى خارجه، والحزن يتحرك من خارجه إلى داخله، ولذلك يقتل الحزن ولا يقتل الغضب؛ لبروز الغضب وكمون الحزن، فصار الحادث عن الغضب السطوة والانتقام والحادث عن الحزن المرض والأسقام؛ لكمونه، فمن ذلك أفضى الحزن إلى الموت ولم يفض الغضب إليه، كذا قاله الماوردي. وقال الراغب: الغضب: ثوران دم القلب لإرادة الانتقام، ولذلك قال ﵊: (اتقو الغضب؛ فإنه جمرة توقد في قلب ابن آدم). وإذا وصف الله تعالى به. فالمراد به: الانتقام دون غيره. والغضب نقيض الرضا، يقال: رجل غضبان وامرأة غضبى، وفي لغة لبني أسد غضبانة، والغضوب: الكثير الغضب، والغضبة: سريع الغضب، وحكي أنه يقال: غضبت لفلان إذا كان حيًا، وغضبت به إن كان ميتًا. وفي (الصحيحين) [ح ٣٢٨٢ - م٢٦١٠]: أن الغضبان إذا قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. ذهب عنه ما يجد. وفي (سنن أبى داوود) [٤٧٥١]: أن النبي ﷺ قال: (الغضب:

стр. 4986

وَجُوعِ وَعَطَشِ مُفْرِطَيْنِ، وَكُلَّ حَالِ يَسُوءُ خُلُقُهُ، وَيُنْدَبُ أَنْ يُشَاوِرَ الْفُقَهَاء ــ شعلة من الشيطان، خلق من النار، وإنما تطفا النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ (. قال: (وجوع وعطش مفرطين)؛ لما روى الدارقطني [٤/ ٢٠٦] والبيهقي [١٠/ ١٠٥] بسند تفرد به القاسم العمري- وهو ضعيف- عن أبي سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: (لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريان (ويغنى عنه قول عمر لأبي موسى: (وإياك والقلق والضجر ... إلخ). قال: (وكل حال يسو خلقه) كما إذا كان مهموما هما شديدا، أو مريضا مرضا مؤلما، أو في حر مزعج، أو برد مؤلم، أو غلبة النعاس أو الفرح، أو كان حاقنا أو حاقبًا أو حازقًا، أو تاقت نفسه إلى الطعام؛ لأن هذه الأحوال لا يتمكن معها من الاجتهاد. وأصل ذلك: قوله ﵊: (لا يقضي القاضي وهو غضبان (. ومعلوم أنه لم يرد الغضب نفسه، بل الاضطراب الحاصل به المغير للعقل والخلق، وهو في هذه الأحوال متغير العقل. والموجود في غالب نسخ الكتاب: (وكل حال يسيء خلقه)، والذي بخط المصنف: (وفي كل حال يسوء خلقه). قال: (ويندب أن يشاور الفقهاء)؛ لقوله تعالى لنبيه ﷺ : (وشاورهم في الأمر). وفي (سنن البيهقي) [٧/ ٤٦] عن الحسن أنه قال: كان غنيا عن المشاورة، ولكن أراد أن يستن به الحكام بعده. وقد شاور ﷺ في أساري بدر، وفي حفر الخندق، وفي

стр. 4987

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المصالحة على ثلث ثمار المدينة وشاور أبو بكر في ميراث الجدة أم الأم، وعمر في أم الأب وفي دية الجنين وفي ميراث الجد مع الإخوة وشاور عثمان في أحكام. وقال أبو هريرة: ما رأيت أحدًا أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله ﷺ وفي (سنن البيهقي) [١٠/ ١١٢] وغيره: المستشير معان، والمستشار مؤتمن قال الشافعي: يشاور من جمع العلم والأمانة، وقال القاضي والبندنيجي: إنما يشاور الذين تجوز توليتهم القضاء، وقال الروياني وآخرون: الذين يجوز لهم الإفتاء، وهو الظاهر، فيشاور الأعمى والعبد والمرأة، لا الجاهل والفاسق، وإنما يشاور من هو فوقه أو مثله في العلم، لا من دونه على الأصح. ويستحب أن يجمع أصحاب المذاهب المختلفة؛ ليذكر كل واحد دليله، فيتأمله القاضي ويأخذ بأرجحها. ثم المشاورة تكون عند اختلاف وجوه النظر وتعارض الآراء فأما الحكم المعلوم بنصأو إجماع أو قياس جلي .. فلا مشاورة فيه، وتعبيره بـ (الفقهاء) يقتضي أنه لا يكفي الواحد، وبه صرح في (البحر (

стр. 4988

وَأَنْ لاَ يَشْتَرِيَ وَيَبِيعَ بِنَفْسِهِ، وَلاَ يَكُونَ لَهُ وَكِيلٌ مَعْرُوفٌ، ــ ومن المستحبات للحاكم أن يحضر أصدقاءه الأمناء ويلتمس منهم أن يخبروه بعيوبه؛ ليسعى في إزالتها. قال: (وأن لا يشتري ويبيع بنفسه)؛ لئلا يحابى، أو يمنعه ذلك عما هو بصدده؛ فقد روى النقاش: أن النبي ﷺ قال: (ما عدل وال اتجر في رعيته) وفي (الرافعي) عن شريح أنه قال: اشترط علي عمر حين ولأني القضاء أن لا أبيع ولا أبتاع ولا أقضي وأنا غضبان وكتب عمر إلى عماله: أن تجارة الأمير في إمارته خسارة. وسواء في ذلك مجلس الحكم وغيره، وهو في المجلس أشد كراهة. وعن أبي حنيفة: لا تكره له مباشرة البيع والشراء، فظاهر عطف المصنف المسألة على ما قبلها أنه خلاف الأولى، والمشهور كراهته، ومع ذلك .. فالبيع صحيح، كما يكره للإنسان أن يشتري صدقته خسية أن يحابى فيها. وينبغي أن يستثنى بيعه من أصوله أو فروعه؛ لانتفاء المعنى، إذ لا ينفذ حكمه لهم، وفي معنى البيع والشراء: السلم والإجارة والتجارة وسائر المعاملات. ونص في (الأم (على أنه لا ينظر في نفقة عياله ولا أمر صنعته، بل يكل ذلك إلى غيره؛ ليتفرغ قلبه. قال: (ولا يكون له وكيل معروف) خشية أن يحابى أيضًا، فإن عرف وكيله .. استبدل به، فإن لم يجد وكيلًا .. عقد بنفسه للضرورة؛ فإذا وقعت خصومة لعامله .. أناب في فصلها.

стр. 4989

فَإِنْ أَهْدَى إِلَيْهِ مَنْ لَهُ خُصُومَهٌ أَوْ لَمْ يُهْدِ قَبْلَ وِلاَيَتِهِ .. حَرُمَ قَبُولُهَا، وَإِنْ كَانَ يُهْدِي وَلاَ خُصُومَةَ لَهُ .. جَازَ بِقَدْرِ الْعَادَةِ، وَالأَوْلى أَنْ يُثِيبَ عَلَيْهَا ــ قال: (فإن أهدى إليه من له خصومة أو لم يهد قبل ولايته .. حرم قبولها، وإن كان يهدي ولا خصومة له .. جاز بقدر العادة، والأولى أن يثيب عليها). الذي يأخذه الحكام من الرعية من غير عوض ينقسم إلى هدية ورشوة وقد تقدما، والأولى للحاكم أن يسد باب الهدية؛ لأنه أبعد عن التهمة، ثم ينظر فإن كان للمهدي خصومة في الحال .. حرم قبول هديته؛ أنه يدعو إلى الميل إليه، وانكسار قلب خصمه، وإن لم تكن له خصومة فإن لم تعهد منه الهدية قبل توليه القضاء .. حرم قبولها منه في محل ولايته؛ لأن هذه هدية سببها العمل ظاهرًا. وقال ﷺ : (هدايا العمال غلول) ويروى: (سحت) الأول رواه أحمد [٥/ ٤٢٤] والبيهقي [١٠/ ١٣٨] بإسناد حسن. وأيضًا القاضي نائب الشرع فيجب أن يصون منصبه عن التهمة؛ كي ينقاد الناس إلى أحكامه، ولا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضى به عليهم. والنبي ﷺ كان يقبل الهدية؛ لأنه معصوم، وغيره ليس كذلك. روى البيهقي [١٠/ ١٣٨]: أن رجلًا كان يهدي إلى عمر كل سنة فخذ جزور، فجاء يخاصم إليه فقال: يا أمير المؤمنين؛ اقض بيننا قضاء فصلا كما تفصل الفخذ من الجزور، فكتب عمر إلى عماله: لا تقبلوا هدية؛ فإنها رشوة. وقال عمر بن عبد العزيز: كانت الهدية في زمن النبي ﷺ هدية، واليوم رشوة فإن زاد المهدي على القدر المعهود منه .. صارت كهدية من لم تعهد منه الهدية. وقال الماوردي والروياني: إن كانت الزيادة من جنس الهدية .. جاز قبولها؛

стр. 4990

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لدخولها في المألوف، وإن كانت من غير جنسها .. منع من قبولها؛ لخروجها عن ذلك. وحيث قلنا بالتحريم .. لا يملكها المهدي له على الأصح، فيردها على مالكها، فإن لم يعرفه .. وضعها في بيت المال. وقول المصنف: (بقدر العادة) ليست في (المحرر)، ولو قال: كالعادة .. كان أشمل؛ ليعم القدر والصفة، ولم أر أحدًا ضبط العادة في ذلك، والظاهر: أنها تثبت بمرة؛ لما تقدم من التعليل، وتقدم في (الوليمة) الخلاف في أن الإجابة إليها واجبة أو مستحبة، وذلك في غير القاضي؛ فإنه لا يحضر وليمة أحد الخصمين في حال خصومتهما ولا وليمتها. ونزول القاضي على أهل ولايته ضيفًا وأكله طعامهم كقبول هديتهم. وأما الرشوة .. فأجمعوا على أنها على الأمراء والحكام والعمال حرام، وأما بذلها، فإن كلن على أن يعمل غير الحق أو على أن لا يعمل به .. فحرام أيضًا بالاتفاق، وإن كان على الحكم بالحق .. لم يحرم، والمتوسط بينهما له حكم موكله منهما، فإن وكلاه .. حرم عليه؛ لأنه وكيل بالأخذ، فهو آثم بذلك، فإن لم يقدر على وصوله إلى حقه إلا بذلك .. جاز كفك الأسير، وإن قدر بدونها .. لم يجز وهكذا حكم ما يعطى على الولايات والمناصب يحرم على الآخذ مطلقًا، ويفصل في الدافع. فروع: إذا لم يكن للقاضي رزق في بيت المال .. كان محتاجًا، قال الهروي: له أن يأخذ من الخصوم أجرة عمله. وقال الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والجرجاني: له أن يقول: لا أقضي بينكما حتى تجعلا لي جعلًا قال الشيخ: والمقالتان خطأ نستغفر الله لقائلهما، أما إذا تعين عليه وهو

стр. 4991

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مستغن .. فلا يجوز أن يأخذ عليه رزقًا من بيت المال على الصحيح كما إذا أعتق عبدًا عن الكفارة على عوض. وقيل: يجوز كصاحب الطعام في المخمصة، فإن كان محتاجًا .. جاز؛ لأنه لا يلزمه تضييع نفسه لغيره، وإن كان له كسب ويعطله الحكم عنه .. فيأخذ ما يكفيه لنفسه وخادمه بلا إسراف ولا تقتير، وإن لم يتعين عليه ولم يوجد متبرع .. جاز أن يأخذ من بيت المال ما يحتاج إليه لنفسه وخادمه وعياله على ما يليق بحالهم؛ لأن عمر استقضى شريحا وجعل له كل شهر مئة درهم، وبالقياس على عامل الزكاة، بل أولى؛ لأنه أهم. وكذلك الإمام يأخذ ما يليق به من الخيل والغلمان والدار الواسعة، ولا يلزمه الاقتصار على ما اقتصر عليه النبي ﷺ والخلفاء الراشدون ﵃؛ لأنه قد بعد العهد بزمن النبوة التي كانت سبب الظفر وإلقاء الرعب والهيبة في القلوب، فلو اقتصر الإمام على ذلك اليوم .. لم يطع وتعطلت الأمور. وقال الماوردي: لا يستحق القاضي الرزق إلا حين وصوله إلى عمله وتصديه للنظر فيه، فلو لم يتصد للنظر .. لم يستحقه. ولا يجوز عقد الإجازة على القضاء على الصحيح، وينبغي للإمام ان يجعل شيئا من بيت المال مع رزق القاضي لثمن ورق المحاضر والسجلات وأجرة الكاتب ونحوه. ولا يضيف القاضي احد الخصمين، وله أن يضيفهما معا على الصحيح، وله أن يشفع لأحدهما، وأن يؤدي المال عمن عليه؛ لأنه ينفعهما، ويعود المرضى ويشهد الجنائز ويزور القادمين. قال الشيخ: ولا يلتحق بالقضاة: المفتي والواعظ ومعلم القرآن والعلم؛ لأنه ليس لهم أهلية الإلزام، والأولى في حقهم إن كانت الهدية لأجل ما يحصل منهم من الفتوى والوعظ والتعليم عدم القبول؛ ليكون عملهم خالصا لله تعالى، وإن أهدي

стр. 4992

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إليهم تحببا وتوددا لعلمهم وصلاحهم .. فالأولى القبول، وهذه هدية السلف. وأما إذا أخذ المفتي الهدية ليرخص في الفتيا، فإن كان بوجه باطل .. فهذا رجل فاجر، يبدل أحكام الله تعالى ويشتري بها ثمنًا قليلًا وإن كان بوجه صحيح .. فهو مكروه كراهة شديدة، ويحتمل تحريمه. وفي حديث (القوس) ما يقتضي أن أخذ الأجرة على تعليم القرآن حرام، والحديق المذكور رواه أبو داوود [٣٤٠٩] وابن أبي شيبة [٥/ ٩٨] عن عبادة بن الصامت: أنه علم رجلا من أهل الصفة القرآن، فأهدى له قوسا فأخذها وقال: أرمي عليها في سبيل الله، ثم سأل النبي ﷺ عنها فقال: (إن كنت تحب أن يطوقك الله طوقا من نار .. فاقبلها (وحمله الجمهور على أنه كان عمله محتسبا، فحذره النبي ﷺ إبطال أجره وتوعده عليه، ولأن أهل الصفة كانوا يعيشون بصدقة الناس، وأخذ المال منهم مكروه، ودفعه إليهم مستحب. أما إذا قصد المهذي بالهدية استمالة قلب المهدى إليه ليوليه شيئًا مما بيده من الأحكام .. فذلك حرام عليهما، ومن فعل ذلك .. فقد خان الله ورسوله والمؤمنين. فوائد: الأولى: قال الشيخ ﵀: إذا ابتلي إنسان بالقضاء .. لا يحل له أن يأخذ عليه شيئًا إلا أن يرزقه الإمام، أو يكتب مكتوبا يستحق عليه أجرة مثله إذا لم تكن كتابة ذلك واجبة عليه، ولا يجوز له أن يأخذ على الحكم ولا على تولية نيابة القضاء ولا مباشرة وقف أو مال يتيم شيئًا، وكذلك حاجب القاضي وكل من يلي أمور المسلمين، ومن فعل خلاف ذلك .. فقد غير فريضة الله، وباع عدله الذي بذله لعباده بثمن قليل، ولهذا تجد بعض الفجرة الذين يفعلون ذلك يأخذونه خفية، وهذه علامة الحرام، فإن الحلال يأخذه صاحبه ولا يستحيي من أخذه، والله يعلم المفسد من المصلح. الثانية: هل يجوز للقاضي الاستعارة من رعيته ممن لم تجر له عادة بها منه قبل

стр. 4993

وَلاَ يَنْفُذُ حُكْمُهُ لِنَفْسِهِ وَرَقِيقِهِ وَشَرِيكِهِ فِي الْمُشْتَرَكِ، وَكَذَا أَصْلُهُ وَفَرْعُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، ــ الحكم كالملبوس والمركوب والمساكن ونحوها؟ لا نقل فيها، والظاهر: التحريم؛ لأن المنافع كالأعيان، إلا أنه لا بأس باستعارة كتب العلم، ويتأكد التجنب مطلقًا حالة المحاكمة. الثالثة: إذا كان القاضي فقيرًا هل يحرم عليه قبول الصدقة من أهل ولايته؟ قال الشيخ في تفسيره: ينبغي أن يقال: إن لم يكن المتصدق عارفًا بأنه القاضي ولا القاضي عارفًا به .. فلا شك في الجواز، وإلا .. فيحتمل أن يكون كالهدية، ويحتمل الفرق؛ لأن المتصدق إنما يبتغي ثواب الآخرة. وأفتى في (الحلبيات) بجواز قبول القاضي الصدقة ممن لم تكن له بها عادة؛ لأنها تقع في يد الرحمن، وخصوص القضاء غير مقصود بها، وإذا وقف عليه أحد من أهل عمله فإن شرطنا القبول في الوقف فكالهدية. الرابعة: ما بنعم به الملوك على القضاة من الخلع وغيرها .. الذي يظهر أنه حلال؛ لأنه لا يفعل لاستمالة قلب القاضي في محاكمة، ولذلك لا يشترط القبول في ذلك كما تقدم في (باب الهبة). قال: (ولا ينفذ حكمه لنفسه ورقيقه وشريكه في المشترك)؛ للتهمة في ذلك، وكذلك شريك مكاتبه. والمراد بـ (الحكم للعبد): فيما ليس بمال كالقصاص في الطرف والتعزير، وكذلك الحكم في المبعض، أما حكمه على نفسه .. فيقبل، وهل هو حكم أو إقرار؟ وجهان. قال: (وكذا أصله وفرعه على الصحيح)؛ لأنهم أبعاضه، فيشبه قضاؤه لهم قضاءه لنفسه، ولأن التهمة هنا أكثر من التهمة في الشهادة، وكذا إن علا الأصل أو سفل الفرع، ومثله رقيق أصله وفرعه، وشريك أحدهما المشترك. والوجه الثاني- وهو مذهب أبي ثور-: ينقذ، واختاره ابن المنذر؛ لعموم الأمر بالقضاء بين الناس، ولأن القاضي أسير البينة فلا تظهر فيه تهمة، بخلاف الشهادة،

стр. 4994

وَيَحْكُمُ لَهُ وَلِهَؤُلاَءِ الإِمَامُ أَوْ قَاضٍ آخَرُ، وَكَذَا نَائِبُهُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَإِذَا أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ نَكَلَ، فَحَلَفَ الْمُدَّعِي وَسَأَلَ الْقَاضِيَ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى إِقْرَارِهِ. عِنْدَهُ أَوْ يَمِينِهِ أَوِ الْحُكْمَ بِمَا ثَبَتَ وَالإِشْهَادَ بِهِ .. لَزِمَهُ، ــ ولهذا لو أراد أن يقضي لهم بعلمه .. لم يجز قطعًا، بخلاف الأجانب، فلو حكم لولده على ولده .. فالأصح كذلك. واختار فى (المرشد) الجواز؛ لاستوائهما فى القرب، كما يجوز أن يبيع مال أحدهما للآخر. وفهم من اقتصاره على (الأصل والفرع) جوازه لمن سواهما من الأقارب والزوجة والمعتق، واحتج له ابن المنذر بأن النبي ﷺ حكم لعائشة على الذين تكلموا فى الإفك، وأقام عليهم الحد، وحكم لابن عمته على الأعرابي وقال: (أول ربا أضعه ربا العباس). قال: (ويحكم له ولهؤلاء الإمام أو قاض آخر)؛ دفعًا للتهمة. قال: (وكذا نائبه على الصحيح)؛ لأنه حاكم وإن كان نائبًا، فأشبه سائر الحكام. والثانى: لايجوز من نائبه؛ للتهمة، ورجحه الشاشي، وقد تقدم هذا الحكم فى (النكاح). والصحيح: أنه لايقضي على عدوه، كما لايشهد عليه، وجوز فى (الأحكام السلطانية) ذلك؛ لأن أسباب الحكم ظاهرة، بخلاف الشهادة. وإذا ولي وصي اليتيم القضاء .. قال ابن الحداد: لم يكن له أن يسمع البينة، ولا أن يحكم له، والصحيح: الجواز؛ لأن كل قاض ولي لليتيم. قال: (وإذا أقر المدعى عليه أو نكل، فحلف المدعي وسأل القاضي أن يشهد على إقراره عنده أو يمينه أو الحكم بما ثبت والإشهاد به .. لزمه)؛ لأنه قد ينكر بعد ذلك فلا يتمكن القاضي من الحكم عليه إن قلنا: لا يقضي بعلمه، وإن قلنا: يقضي

стр. 4995

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ به .. فربما نسي أو يعزل فلا يقبل قوله، وهذا لا خلاف فيه. ولو أقام المدعي بينة بما ادعاه وسأله الإشهاد عليه .. فالأصح: أنه يلزمه أيضًا. وقيل: لايلزمه الإشهاد؛ لأن له بينة فلا يحتاج إلى بينة أخرى. ولو حلف المدعى عليه وسأله الإشهاد ليكون حجة له فلا يطالبه مرة أخرى .. لزمه إجابته. وعبارة المصنف تقتضي أنه لا يجب مالم يسأله المدعي، وهو كذلك، بل قال في (الروضة) فى (باب القضاء على الغائب): لايجوز الحكم على المدعى عليه إلا بعد سؤال المدعي على الأصح، لكن لم يبين المصنف صيغة الحكم اللازم. ونقل الشيخان عن صاحب (الشامل) أنه يقول: حكمت له به، أو نفذت الحكم به، أو ألزمت صاحب الحق، وقول القاضي: حكمت بكذا حكمٌ، وكذا: قضيت على المذهب. ولو قال: ثبت عندى بالبينة العادلة كذا، أو صح .. فمقتضى تعبير المصنف: أنه ليس بحكم، وهو الذى صححه (فى باب القضاء على الغائب)، ونقله فى (البحر) عن نص (الأم) وأكثر الأصحاب؛ لأن الحكم هو الإلزام، والثبوت ليس بإلزام. قال الرافعى: (ويقرب منه ما اعتاد القضاة إثباته على ظهر الكتب الحكمية، وهو صح عنده، وقبله قبول مثله، وألزم العمل بموجبه) اهـ وفيه نظر؛ لأن الإلزام تصريح بالحكم. وفائدة الخلاف فى أن الثبوت حكم أو لا يظهر فى صور: منها: رجوع الحاكم والشهود بعده، هل يغرمون؟ إن قلنا: نعم .. فنعم، وإلا .. فلا. ومنها: وجوب التحليف قبل التلفظ به فى الميت ونحوه.

стр. 4996

أَوْ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا بِمَا جَرَى مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ، أَوْ سِجِلًا بِمَا حَكَمَ .. اسْتُحِبَّ إِجَابَتُهُ، وَقِيلَ: يَجِبُ، ــ ومنها: حضور شاهد الأصل، أو برؤه من المرض بعد الثبوت بشهود الفرع. ومنها: إذا حدث فسق الشهود بعده ونحوه. قال: (أو أن يكتب له محضرًا بما جرى من غير حكم، أو سجلًا بما حكم) به (.. استحب إجابته)؛ لأن فى ذلك تقوية لحجته، والحق يثبت بالشهود لا بالكتابة. قال: (وقيل: يجب)؛ توثيقًا لحقه كما يجب الإشهاد، والأصح: الأول؛ لأن النبي ﷺ ومن بعده من الأئمة كانوا يحكمون ولا يكتبون المحاضر والسجلات. ومحل الخلاف: إذا كان عنده قرطاس من بيت المال، أو أتى به الطالب، فإن لم يكن ذلك .. لم تجب إجابته جزمًا، ومحله أيضًا فى البالغ العاقل، فلو تعلقت الحكومة بصبي أو مجنون له أو عليه .. وجب التسجيل جزمًا كما قطع به الزبيلي وشريح الروياني، وهو ظاهر، ويشبه أن يلتحق به الغائب؛ حفظًا لحقه. وكذا ما تعلق بوقف ونحوه مما يحتاط له، ثم إذا حكم بشيء فطلب منه الإشهاد على حكمه .. لزمه الإشهاد، وإن طلب منه أن يكتب سجلًا .. فعلى التفصيل، والخلاف المذكور فى كتابة المحضر. ونقل ابن كج وجهًا ثالثًا: أنه يجب التسجيل فى الدين المؤجل، وفى الوقوف وأموال المصالح، ولايجب فى الديون الحالة والحقوق الخاصة. وقدذكر الشيخان وغيرهما صفة المحضر والسجل، وهى غير خفية على الحكام. قال فى (الكفاية): ولا خلاف أن الدافع لو طلب الكتاب الذى وصل بوجوب الحق عليه بعد وفاء الحق .. لايسلم إليه؛ لأن الورقة قد تكون ملك الخصم، وكذا لو باع واحد شيئًا .. لايلزمه تسليم كتاب الأصل ولا تمزيقه؛ لأنه ملكه وحجة له عند

стр. 4997

وَيُسْتَحَبُّ نُسْخَتَانِ: إِحْدَاهُمَا لَهُ، وَالأُخْرَى تُحْفَظُ فِي دِيوَانِ الْحُكْمِ. وَإِذَا حَكَمَ بِاجْتِهَادٍ ثُمَّ بَانَ خِلَاف نَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْماعٍ أَوْ قِيَاسٍ جَلِيٍّ .. نَقَضَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ، ــ الدرك، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في (باب بيع الأصول والثمار)، وسيأتي في المسألة التي بعدها عن مالك وأحمد: أن قضاء القاضي إضا نقض وكان به مكتوب .. يقطع. قال: (ويستجب نسختان: إحداهما له، والأخرى تحفظ في ديوان الحكم) وإن لم يطلب ذلك الخصم، بل يستحب للقاضي مهما وقعت قضية أن يكتبها؛ لأنه كفيل بحفظ الحقوق على أهلها، ولأنه إذا كانت نسخة واحدة ودفعها للمحكوم له .. لم يؤمن ضياعها. قالوا: والتي يدفعها للخصم تكون غير مختومة لينظر فيها ويعرضها على الشهود؛ لئلا ينسوا، والتي بديوان القضاء تختم ويكتب على رأسها اسم الخصمين، ويضعها في حرز له. قال: (وإذا حكم باجتهاد ثم بان خلاف نص كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس جلي .. نقضه هو وغيره)؛ لأن الحق أحق أن يتبع، وقال ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه .. فهو رد). فأما النقض لمخالفة الإجماع .. فبالإجماع، والباقي في معناه؛ لأنه غير معذور في هذا الخطأ لمخالفة القاطع، وقد تقدم ما قاله عمر لأبي موسى في ذلك، وأنه كان يفاضل بين دية الأصابع؛ لتفاوت منافعها، حتى روي له الخبر في التسوية فنقض حكمه، رواه الخطابي في (معالمه). ونقض علي قضاء شريح بأن شهادة المولى لا تقبل بالقياس الجلي، وهو أن ابن العم تقبل شهادته وهو أقرب من المولى، ونقض قضاءه أيضًا في ابني عم أحدهما

стр. 4998

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أخ لأم بأن المال للأخ متمسكًا بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾، ال له على: قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾. وقضى عمر بن عبد العزيز فيمن رد عبدًا بعيب أنه يرد معه خراجه، فأخبره عروة عن عائشة: (أن النبي ﷺ قضى أن الخراج بالضمان) فرجع وقضى بأخذ الخراج من الذي أخذه، رواه الشافعي في (مسنده) [١/ ٢٤٣]. وقوله: (نقضه) معناه: أنه يلزمه ذلك وإن لم يرفع إليه، خلافًا لابن سريج؛ فإنه قال: لا يلزمه إعلام الخصمين إن علما بالخطأ، بل إذا ترافعا إليه نقضه، والصحيح اللزوم وإن علما. أما حقوق الله تعالى .. فعليه المبادرة لفصلها. وقوله: (وغيره) أي: من الحكام لا المفتين؛ لأن من لا يملك العد .. لا يملك الحل. وفي معنى قوله: (باجتهاده) ما إذا كان مقلدًا وحكم بخلاف نص إمامه كوجه ضعيف .. فإنهم جعلوا نص إمامه بالنسبة إليه كنص الشارع بالنسبة إلى المجتهد. وليس المراد بالنص: ما لا يحتمل إلا معنى واحدًا، بل المراد به ما هو أعم، حتى يشمل، كذا نقله في (المطلب) عن النص، وإطلاقه (السنة) يشمل متواترها وآحادها. وفي النقض بخبر الواحد وجه حكاه شريح الروياني. والمراد بـ (القياس الجلي): ما تعرف به موافقة الفرع الأصل بحيث ينتفي احتمال افتراقهما أو يبعد كالتحاق الضرب بالتأفيف، وبعضهم لا يسميه قياسًا، بل فحوى خطاب. وزاد بعضهم على ما ذكره المصنف رابعًا وهو: مخالفة القواعد الكلية. وصيغة النقض أن يقول: نقضته أو أبطلته أو فسخته، فلو قال: هذا باطل أو ليس بصحيح .. فوجهان.

стр. 4999

لاَ خَفِيٍّ، ــ وعند مالك وأحمد: أنه إذا نقض وكان به مكتوب .. يقطع، ولم يذكره أصحابنا، والظاهر: أنه إذا خصمعلى ظاهره بالنقض .. كفى. قال: (لاخفي)؛ لأن الظنون المتعادلة لو نقض بعضها ببعض .. لما استمر حكم، ولشق الأمر على الناس. و (الخفي): ما لا يزيل احتمال الموافقة ولا يبعده، فمنه ما علته مستنبطة كقياس الأرز على البر بعلة الطعم، وجعله ابن القاص من الجلي، والصحيح الأول. ومنه: قياس الشبه، وهو أن تشبه الحادثة أصلين فتلحق بأشبههما، هذا إذا جعلنا قياس الشبه حجة، وفيه خلاف لأصحابنا. فإذا بان له الخطأ بقياس خفي لكنه أرجح مما حكم به وأنه الصواب .. فليحكم فيما يحدث بعد ذلك به، ولا ينقض ما حكم به أولًا، بل يمضيه. وقد تقدم عن عمر أنه حكم بحرمان الأخ من الأبوين في المشركة، ثم شرك بعد ذلك ولم ينقض قضاءه الأول، وقال: (ذاك على ما قضينا، وهذا على ما نقضي)، وقضى في الجد يمئة قضية مختلفة كما تقدم. فائدة: الصحيح: أن المصيب في المسائل الفرعية الاجتهادية واحد، والذاهب إلى غيره مخطئ لا إثم عليه. والثاني: أن كل مجتهد مصيب؛ لأن كلًا منهم مأمور بالعمل بما غلب على ظنه، وغير الحق لا يؤمر بالعمل به. واستدل الفريقان بالحديث المتقدم أول الباب: (إذا حكم الحاكم فاجتهد .. فله أجران، وإن أخطأ .. فله أجر) فالقائلون: كل مجتهد مصيب قالوا: قد جعل للمخطئ أجرًا فلولا إصابته .. لم يكن له أجر.

стр. 5000

وَالْقَضَاءُ يَنْفُذُ ظَاهِرًا لاَ بَاطِنًا، ــ واحتج الأولون بأنه سماه مخطئًا، وأما الأجر .. فإنه يحصل على تعبه في الاجتهاد. أما أصول التوحيد .. فالمصيب فيها واحد بإجماع من يعتد به، والمخطئ فيها آثم، ولا يجوز التقليد فيها إلا عبيد الله بن الحسن العنبري وداوود. تذنيب: إذا حكم قاض بنفي خيار المجلس، أو بنفي العرايا، أو بتحريم الجنين بذكاة أمه، أو بشهادة فاسقين، أو بصحة النكاح بحضورهما بلا إعلان أو بلا ولي، أو ببيع أم الولد، أو بالتفرقة بلعان ثلاث مرات، أو بتحريم الرضاع بعد الحولين، أو بقتل مسلم بكافر أو بإرثه منه وعكسه، أو بإبطال قتل المرأة بالرجل حتى يغرم وليها نصف الدية .. ففي نقض ذلك خلاف، رجح ابن الرفعة النقض في الجميع، ونقل الرافعي عن الروياني عدم النقض في الجميع؛ لأنها اجتهادية، والأدلة فيها متعارضة. وكذلك ينقض قضاء من حكم بملك العغاصب الثوب المغصوب إذا قطعه، والشاة المغصوبة إذا ذبحها، والأرض المغصوبة إذا بنى فيها، ويظهر أن يأتي فيه الخلاف. قال: (والقضاء ينقذ ظاهرًا لا باطنًا)؛ لأنا مأمورون باتباع الظاهر والله يتولى السرائر، والرافعي وغيره أوردوا ذلك حديثًا، قال الحافظ جمال الدين المزي: لا نعرفه. فإذا حكم بشهادة شاهدين ظاهرهما العدالة وكانا كاذبين .. لا يفيد الحل باطنًا، سواء كان الحكم بمال أو نكاح أو غيرهما؛ لقوله ﷺ : (إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو ما أسمع منه، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء .. فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من النار) متفق عليه] خ ٢٦٨٠ - م ١٧١٣ [.

стр. 5001

وَلاَ يَقْضِي بِخِلافِ عِلْمِهِ بِالإِجْمَاعِ، ــ فإذا كان المحكوم به نكاحًا .. لم يحل للمحكوم له الوطء ولا الاستمتاع، وعليها الامتناع والهرب ما أمكنها، فإن أكرهت .. فلا إثم عليها، فإن وطئ .. فهو عند الشيخ أبي حامد زان، وعند ابن الصباغ والروياني ليس بزان؛ لأن أبا حنيفة يجعلها منكوحة بالحكم، وذلك شبهة. فرع: الأصح: أن الشاهد تقبل شهادته فيما لا يعتقده كشافعي يشهد بشفعة الجوار؛ لأنه مجتهد فيه، والاجتهاد إلى القاضي لا إلى الشاهد، فيؤديه عند منيرى جوازه. والثاني: لا، كما لا يقضي القاضي بخلاف ما يعتقده، وعلى القول بالجواز هل له الامتناع من الأداء؟ فيه وجهان: أصحهما: لا يمتنع. قال: (ولا يقضي بخلاف علمه بالإجماع)؛ لأنه لو حكم به .. لكان قاطعًا ببطلان حكمه، والحكم بالباطل محرم، كما إذا شهد شاهدان بزوجية وهو يعلم أن بينهما محرمية أو طلاقًا بائنًا، أو شهدا بموت إنسان يوم كذا وهو يعلم حياته حينئذ، أو برق عبد وهو يعلم أنه أعتقه. وعن الإصطخري: أنه يتعين القضاء بالعلم في مواضع: منها: أن يقر عنده بالطلاق الثلاث ثم يدعي زوجيتها، أو يدعي أن فلانًا قتل أباه وهو يعلم أنه قتله غيره، أو أن هذه أمتي تصدقه وهو يعلم أنها ابنته. وعبارة (المحرر) و (الشرحين) و (الروضة): لا يقضي بخلاف علمه بلا خلاف، وفيه نظر؛ فإن الماوردي والروياني والشاشي وابن يونس وابن الرفعة حكوا وجهًا: أنه يقضي بالبنية، وصواب العبارة: لا يقضي بما علم خلافه؛ فإن من يقضي بشهادة شاهدين لا يعلم كذبهما ولا صدقهما قاض، بخلاف علمه، وقضاؤه حق بالإجماع ما لم تكن ريبة، وكذا إن كانت على المذهب. والمراد بـ (العلم) هنا: اليقين لا الظن المؤكد، بخلاف ما سيأتي في (الشهادة) بالعلم؛ فإن المراد به: الظن الغالب، وكذلك قولهم: إنَّ شرط تحمل الشهادة

стр. 5002

وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَقْضِي بِعِلْمِهِ إِلاَّ فِي حُدُودِ اللهِ تَعَالَى ــ العلمُ، المراد به: الظن الغالب. قال: (والأظهر: أنه يقضي بعلمه إلا في حدود الله تعالى) في القضاء بالعلم ثلاثة أقوال: أحدهما: يحكم به؛ لقوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾، وهو يعلم أن أحدهما محق فيلزمه الحكم للمحق، ولأنه إذا حكم بما يفيد الظن وهو شاهدان أو شاهد ويمين .. فبالعلم أولى، ولذلك قضى رسول الله ﷺ لهند على أبي سفيان بنفقة ولدها من غير بينة؛ لعلمه بأمرهم. وقال الربيع: كان الشافعي يرى القضاء بالعلم، ولا يبوح به مخافة قضاة السوء، فعلى هذا: قال الماوردي والروياني: يشترط لنفوذه أن يقول: قد علمت أن له عليك ما ادعاه، وقد حكمت عليك بعلمي، فإن أغفل شيئًا من ذلك .. لم ينفذ. والثاني: لا يحكم به؛ لقوله ﷺ : (شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك). وتداعى رجلان عند عمر فقال أحدهما: إنه شاهدي، فقال: (إن شئتما شهدت ولو أحكم، أو أحدكم ولا أشهد). ولأن علمه لو أقيم مقام شاهدين .. لا يعقد النكاح بحضوره وحده. فعلى هذا: لو شهد عند شاهد بما علمه فهل يقوم علمه مقام شاهد آخر؟ فيه وجهان: أصحهما: المنع. وأجاب القائل بالأول عن الحديث بأنه ﷺ لم يعلم المحق منهما، وأثر عمر لم يثبت. والمغلب على حضور شاهدي النكاح التعبدُ، وبهذا القول قال مالك وأحمد. وحيث قلنا بالجواز .. فهو مكروه كما أشار إليه في (الأم). والقول الثالث: يحكم في غير حدود الله تعالى، وهي حد الزنا والسرقة

стр. 5003

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والمحاربة والشرب؛ لأنها تدرأ بالشبهات، ويندب سترها. وروى أحمد بسند صحيح عن أبي بكر الصديق أنه قال: لو رأيت رجلًا على حد من حدود الله تعالى .. ما أخذته به، ولا دعوت له أحدًا حتى تقوم البينة عندي. ويجوز في المال قطعًا، وكذا في القصاص وحد القذف على الأصح، وهذا هو الأظهر. كل هذا فيما علمه بالمشاهدة، أما ما علمه بالتواتر، فإن قلنا: يقضي إذا علمه بالمشاهدة .. فهنا أولى، وإلا .. فوجهان. والفرق أن المحذور ثَمَّ التهمةُ، فإذا شاع الأمر .. زالت. ومحل الخلاف فيمن يجوز الحكم له بالبينة، فأما أصله وفرعه وشريكه .. فلا يقضي لهم بعلمه بلا خلاف كما تقدم. وعبارة المصنف تقتضي طرد الخلاف، سواء حصل له العلم قبل الولاية أو بعدها، في محل الولاية أو في غيره. نعم؛ لو أقر عنده شخص في مجلس حكمه .. فالذي جزم به الرافعي: أنه يقضي عليه وإن منعنا القضاء بالعلم. والخلاف الذي ذكره المصنف جار في الجرح والتعديل أيضًا، وهي الطريقة الصحيحة، وقال العراقيون: يقضي بعلمه في الجرح والتعديل وجهًا واحدًا. وعبارة الرافعي: لو عرف عدالتهما .. فله أن يقضي، ويغنيه علمه بها عن مراجعة المزكين، وفيه وجه؛ لقيام التهمة، وسيأتي في آخر الباب. واللوث إذا عاينه الحاكم .. له اعتماده قطعًا، وأشار إلى أنه لا يقضي بعلمه في الإعسار وإن جاز له أن يشهد به كما تقدم في بابه. وقوله: (حدود الله) ليس على إطلاقه، بل لو علم ردة شخص .. جاز له القضاء فيه بعلمه فيما يظهر، وكذلك حكم التعزير.

стр. 5004

وَلَوْ رَأَى وَرَقَةً فِيهَا حُكْمُهُ أَوْ شَهَادَتُهُ أَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّكَ حَكَمْتَ أَوْ شَهِدْتَ بِهَذَا .. لَمْ يَعْمَلْ بِهِ وَلَمْ يَشْهَدْ حَتَّى يَتَذَكَّرَ، وَفِيهِمَا وَجْهٌ فِي وَرَقَةٍ مَصُونَةٍ عِنْدَهُمَا، وَلَهُ الْحَلِفُ عَلَى اسْتِحْقَاقِ حَقٍّ أَوْ أَدَائِهِ اعْتِمَادًا عَلَى خَطِّ مُوَرِّثِهِ إِذَا وَثِقَ بِخَطِّهِ وَأَمَانَتِهِ، ــ قال: (ولو رأى ورقة فيها حكمه أو شهادته أو شهد شاهدان أنك حكمت أو شهدت بهذا .. لم يعمل به ولم يشهد)؛ لإمكان التزوير ومشابهة الخط. قال: (حتى يتذكر)؛ لأنه ما لم يتذكر شهد بما لم يعلم، وقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، دلت الآية على أن الشهادة بالحق غير نافعة إلا مع العلم. وقيل: ولو تذكر بناء على منع القضاء بالعلم. قال: (وفيهما وجه في ورة مصونة عندهما): أنه يجوز الاعتماد عليه إذا وثق به ولم تداخله ريبة السجل والمحضر؛ لبعد التحريف في مثل ذلك، وهو رواية عن مالك وأحمد. وقال أبو يوسف: يجوز له الحكم بخطه إذا عرف صحته ولم يتذكر، قال: وهو عرف القضاة في عصرنا. ومقتضى إطلاق الأصحاب: أن المراد: تذكر الحكم والتحمل على التفصيل، وأنه لا يكفي تذكر أصل القضية فقط. قال: (وله الحلف على استحقاق حق أو أدائه اعتمادًا على خط مورثه إذا وثق بخطه وأمانته)؛ لاعتضاده بالقرينة، واستدل بقوله ﷺ لحويصة ومحيصة: (أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم). والفرق بينه وبين القضاء والشهادة على الخط- حيث لا يجوز ما لم يتذكر-: أن اليمين تتعلق بنفسه والشهادة والحكم بغيره. واحتج ابن دقيق العيد لجواز اليمين على غلية الظن بحلف عمر بحضرة النبي

стр. 5005

والصَّحِيحُ: جَوَازُ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِخَطٍّ مَحْفُوظٍ عِنْدَهُ ــ ﷺ أنَّ ابن صياد هو الدجال، ولم ينكره عليه. وضابط وثوقه: أن يكون بحيث لو وجد في تلك التذكرة لفلان علي هذا .. لم يجد في نفسه أن يحلف على نفي العلم به، بل يؤديه من التركة. واحترز بقوله: (إذا وثق) عما إذا غلب على ظنه كذبه .. فلا يحلف قطعًا، واقتصاره على خط مورثه يوهم منع الحلف على خط نفسه، وهو الذي نقله الشيخان هنا عن (الشامل)، وجرى عليه في (البيان)؛ لإمكان التذكر في خط نفسه، بخلاف مورثه، لكن المصنف سوى بينهما في (باب الدعاوي) حيث قال: (يجوز البت بظن مؤكد يعتمد خطه أو خط أبيه) وكذا ذكراه في (الشرح) و (الروضة) هناك. والظاهر: أن ذكر المورث ليس بقيد، حتى لو رأى شيئا بخط مكاتبه الذي مات قبل العتق، أو خط مأذونه القن بعد الموت، أو عامله في القراض، أو شريكه في التجارة .. جاز له أن يحلف عليه بالشرط السابق؛ لوجود العلة وهو الظن المذكور. قال: (والصحيح: جواز رواية الحديث بخط محفوظ عنده)؛ لعمل العلماء به سلفًا وخلفًا، ولأن باب الرواية أوسع من الشهادة؛ لأن الفرع يروي مع حضور الأصل ولا يشهد. والثاني: المنع إلى أن يتذكر كالشهادة. تتمة: تجوز الرواية بالإجازة، خلافًا للماوردي والقاضي حسين، وهو أحد قولي الشافعي، وهي سبعة أنواع بينها المصنف وغيره. والأصح: صحة الإجازة العامة كأجزت للمسلمين، أو كل أحد، أو من أدرك زماني، لا لزيد ولمن يولد له في الأصح. والإجازة للطفل الذي لا يميز صحيحة على الأصح.

стр. 5006

فَصْلٌ: لِيُسَوِّ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي دُخُولٍ عَلَيْهِ، وَقِيامٍ لَهُمَا، وَاسْتِمِاعٍ، وَطَلَاقَةِ وَجْهٍ، ــ وإذا كتب الإجازة .. استحب أن يتلفظ بها، فإن اقتصر على الكتابة مع قصد الإجازة .. صحت كالقراءة عليه مع سكوته. قال: (فصل: ليسوِّ بين الخصمين في دخول عليه) وإن اختلفا في الشرف، فلا يدخل أحدهما قبل الآخر، وإذنه لأحدهما وحجب الآخر جور يأثم به القاضي، فلو أذن لهما فتقدم أحدهما من تلقاء نفسه أو تقدم في الممر .. فذلك قريب. ولفظ الخصم يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث؛ لأنه في الأصل مصدر، قال الله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾. ومن العرب من يثنيه ويجمعه فيقول: خصمان وخصوم. و (الخصم) بفتح الخاء وكسر الصاد: الشديد الخصومة. قال: (وقيام لهما) فيقوم لهما أو يترك، ولا يخص أحدهما بقيام. وكره ابن أبي الدم القيام لهما جميعًا؛ لأن أحدهما قد يكون شريفًا والآخر وضيعًا، فإذا قام لهما .. علم الوضيع أن القيام لأجل خصمه، فيزداد الشريف تيهًا والوضيع كسرًا، فترك القيام لهما أقرب إلى العدل. قال: (واستماع، وطلاقة وجه) ونحو ذلك من وجوه الإكرام، ويقبل عليهما معًا بمجامع لبه ويسمع لهما، ولا يمازح أحدهما ولا يضاحكه، ولا يشير إليه إشارة إكرام؛ لقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ الآية. قيل: نزلت في الخصمين يجلسان بين يدي القاضي. وفي (سنن البيقهي) [١٠/ ١٣٥]: أن النبي ﷺ : (من ابتلي بالقضاء بين المسلمين .. فليعدل بينهم في لفظه وإشارته ومعقده ومعقده، ولا يرفع صوته على أحدهما).

стр. 5007

وَجَوَابِ سَلاَمٍ، وَمَجْلِسٍ، ــ قال: (وجواب سلام) فإن سلما أجابهما معًا، وإن سلم أحدهما دون الآخر .. قال للآخر: سلم، أو يصبر حتى يسلم صاحبه فيجيبهما معًا. قال الرافعي: وقد يتوقف في هذا إذا طال الفصل، وكأنهم احتملوا طوله للتسوية. وقيل: يجوز ترك السلام مطلقًا، واستبعده الإمام، واعترضه في (المهمات). وقال الماوردي: إذا حضر الخصمان إلى الحاكم .. سقط عنهما سنة السلام. والواجب أن يسوي بينهما في الأفعال دون القلب، فإن كان يميل إلى أحدهما بقلبه ويحب أن يلهج بحجته على الآخر .. لم يأثم؛ لأنه لا تمكنه التسوية بينهما في ذلك، ولا يستطيع التحرز من الميل والمحبة كما قال ﷺ في الميل إلى بعض نسائه: (اللهم؛ هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك). قال: (ومجلس) فيجلسهما بين يديه. ويجوز إجلاس الشريفين عن يمينه وشماله؛ ففي (سنن أبي داوود) [٣٥٨٣] عن عبد الله بن الزبير قال: (قضى رسول الله ﷺ أن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم). ولأن النظر إليهما والاستماع لكل منهما حينئذ يكون أسهل، وإذا جلسا .. تقاربًا، إلا أن يكونا رجلًا وامرأة غير محرم فيتباعدان. ويستحب أن يجلسا بين يدي القاضي على الركب؛ ليتميزا عن غيرهما، ولأنه أهيب، وهي عادة العرب في المخاصمات، والمرأة متربعة كيف كانت؛ لأنه أستر لها. ولا يجوز أن يرتفع الموكل في المجلس عن الوكيل والخصم؛ لأن الدعوى متعلقة به أيضًا بدليل تحليفه إذا وجب اليمين، كذا حكاه ابن الرفعة عن الزبيلي وأقره،

стр. 5008

وَالأَصَحُّ: رَفْعُ مُسْلِمٍ عَلَى ذِمِّيٍّ فِيهِ ــ وينبغي أن يكون مفرعًا على وجوب التسوية، فإن قلنا باستحبابها .. لم يتجه فيما ذكره غير الاستحباب. وبالجملة هو فقه حسن، والبلوى به عامة، وقد رأينا من يوكل فرارًا من التسوية بينه وبين خصمه. وملخص ما في التسوية في المجلس وجهان: المذهب استحبابها، والأكثرون على وجوبها. قال: (والأصح: رفع مسلم على ذمي فيه) أي: في المجلس، لقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. قال الشيخ: وهذا من عطف الخاص على العام؛ لأن العلماء أخص من المؤمنين ويكون المعنى: أنه يرفع المؤمنين على غير المؤمنين، ويرفع العلماء من المؤمنين على بقية المؤمنين. وروى البيقهي [١٠/ ١٣٦] عن الشعبي قال: خرج علي إلى السوق، فإذا هو بنصراني يبيع درعًا فعرفها علي فقال: هذه ردعي، بيني وبينك قاضي المسلمين، فأتيا شريحًا فلما رأى القاضي أمير المؤمنين .. قام من مجلسه وأجلسه فيه، وجلس شريح أمامه إلى جنب النصراني، فقال له علي: لو كان خصمي مسلمًا .. لقعدت معه مجلس الخصم، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تساووهم في المجالس) اقض بيني وبينه يا شريح. فقال شريح: ما تقول يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذه درعي، ذهبت مني منذ زمان، فقال شريح: ما تقول يا نصراني؟ فقال: ما أكذب أمير المؤمنين! الدرع درعي، فقال شريح لأمير المؤمنين: هل من بينة؟ فقال علي: صدق شريح، فقال النصراني: أشهد أن هضه أحكام الأنبياء، ثم أسلم النصراني، فأعطاه علي الدرع وحمله على فرس عتيق. قال الشعبي: فلقد رأيته يقاتل المشركين عليه.

стр. 5009

وَإِذَا جَلَسَا .. فَلَهُ أَنْ يَسْكُتَ، وَلَهُ أَنْ يَقُولَ: لِيَتَكَلَّمِ الْمُدَّعِي، فَإِذَا ادَّعَى .. طَالَبَ خَصْمَهُ بِالْجَوَابِ، .... ــ والوجه الثاني: يسوي بينهما كما أنه يسوي بينهما في الإقبال عليهما والاستماع منهما. قال الرافعي: ويمكن أن يكون الوجهان في رفع المجلس جاريين في سائر وجوه الإكرام، وقد صرح بذلك الفوراني قبله، وجزم في (التنبيه) بتقدمه عليه في الدخول. قال: (وإذا جلسا) بين يديه وكذلك إذا انتصبا كما هو الواقع غالبًا، وهو خلاف الأولى والأدب، قال الماوردي: لا تسمع الدعوى منهما وهما قائمان حتى يجلسا بين يديه تجاه وجهه. قال: (.. فله أن يسكت)؛ لأنهما حضرا ليتكلما. قال: (وله أن يقول: ليتكلم المدعي)؛ لما فيه من إزالة هيبة القدوم، وكذا إذا عرف المدعي يقول له: تكلم. ولو خاطبهما بذلك الأمين الواقف عنده .. كان أولى، والأولى أن يستأذنه الخصم في الكلام. فإن طال سكوتهما لغير سبب .. قال: ما خطبكما، وهو أكمل ألفاظ الاستدعاء، وفيه وجه: أنه يسكت ولا يقول لهما شيئًا، فإن لم يدَّعِ واحد منهما .. أقيمها من مكانهما. قال: (فإذا ادعى) أي: دعوى صحيحة (.. طالب خصمه بالجواب)؛ لأن به تنفصل الخصومة فيقول: ما تقول؟ أو اخرج من دعواه ونحو ذلك. وقيل: لا يطالبه بالجواب حتى يسأل المدعي؛ لأنه حقه، فيقول: وأنا أسأل جوابه أو أطالبه بالجواب؛ لأنه حقه، فلا يطالب به خصمه إلا بسؤاله كاليمين؛ فإنه لا يحلفه إلا بمسألته، وصحح هذا الهروي، وقال في (الدعاوى) من (الشرح الصغير): إذا أشبه. فلو كتب المدعي دعواه في رقعة وقال: أدعي بما في هذه .. ففيه وجهان:

стр. 5010

فَإِنْ أَقَرَّ .. فَذَاكّ، وِإِنْ أَنْكَرَ .. فَلَهُ أَنْ يَقُولَ للْمُدَّعي: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ وَأَنْ يَسْكُتَ، فَإِنْ قَالَ: لِيْ بَيِّنَةٌ وَأُرِيدُ تَحْلِيفَهُ .. فَلَهُ ذَلِكَ، أَوْ لاَ بَيِّنَةَ لِي، ثُمَّ أَحْضَرَهَا .. قُبِلَتْ فِي الأَصَحِّ ــ أحدهما: لا يقبل القاضي هذا منه حتى ينطق بذلك بلسانه. والثاني: يقبله منه، ويقرؤها على المدعى عليه، ويطالبه بالجواب، فإن كتب الآخر الجواب في رقعة .. استويا، ولا ترجيح في الوجهين. قال: (فإن أقر .. فذاك) أي: فقد لزمه ما أقر به، فحينئذ للمدعي أن يطلب من القاضي الحكم عليه فيقول: اخرج من حقه، أو كلفتك الخروج منه، أو ألزمتك به. والأصح: أن الحق يثبت بمجرد الإقرار دون حكم، بخلاف البينة، واستبعد الرافعي مقابله؛ فإنه لا خلاف أن للمدعي الطلب بعد الإقرار، وللقاضي الإلزام. قال: (وإن أنكر) أي: والدعوى فيما لا قسامة فيه. قال: (.. فله أن يقول للمدعي: ألك بينة؟)؛ لما روى مسلم] ١٣٩ [عن وائل بن حجر: أن رجلًا من حضر موت وآخر من كندة أتيا رسول الله ﷺ ، فال الحضرمي: يا رسول الله؛ إن هذا غلبني على أرض كانت لأبي، فقال الكندي: هي أرضي في يدي أزرعها ليس له فيها حق، فقال ﷺ للحضرمي: (ألك بينة؟) قال: لا، قال: (فلك يمينه). وفي وجه: لا يقول له ذلك؛ لأنه كالتلقين. قال: (وأن يسكت)؛ تحرزًا من اعتقاد ميله إلى المدعي. وقيل: له أن يقول: قد أنكرك فهل لك بينة، أو ما تقول؟ قال: (فإن قال: لي بينة وأريد تحليفه .. فله ذلك)؛ لأنه إن تورع عن اليمين وأقر .. سهل الأمر على المدعي، واستغنى عن إقامة البينة، وإن حلف .. أقام البينة، وإن كذبه .. فله في التحليف غرض صحيح. قال: (أو لا بينة لي، ثم أحضرها .. قبلت في الأصح)؛ لأنه ربما لا يعرف، أونسي ثم عرف وتذكر.
следующие страницы →