← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13783

النجم الوهاج في شرح المنهاج

الدميري

Полный текст (5 377 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

ذَكَرٌ، عَدْلٌ، سَمِيعٌ، ــ قال: (ذكر) فلا تصح ولاية المرأة ولو فيما تقبل شهادتها فيه ولو بين النساء؛ لقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾. وفي (البخاري) [٤٤٢٥] عن أبي بكرة نفيع بن الحارث: أن النبي ﷺ قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأه)، ولأنهن ناقصات عقل ودين، والمرأة مأمورة بالستر، والقاضي يحتاج إلى مخالطة الرجال. وأبعد ابن جرير فجوز تقليد المرأة القضاء مطلقًا. وجوزه أبو حنيفة فيما يجوز أن تكون شاهدة فيه. فلو ولى حنفي امرأة فيما تقبل شهادتها فيه على معتقده فحكمت .. قال الإصطخري: نقض قضاءها، وقال غيره: لا. والخنثى المشكل كالمرأة، فإن بانت ذكورته قبل التولية .. صحت توليته قطعًا، وإن بانت بعدها .. لم تبن صحتها على المذهب. قال: (عدل) فلا يولى الفاسق؛ لأن الله تعالى شرط العدالة في أقل الحكومات فقال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾، ولأنه ممنوع من النظر في مال الولد مع وفور شفقته فنظره في أمر الكافة أولى بالمنع، والعدالة معتبرة في سائر الولايات. والمراد: فاسق بما لا شبهة له فيه. قال المارودي: وهو أن يكون صادق اللهجة، ظاهر الأمانة، عفيفًا عن المحارم، متوقيًا للمآثم، بعيدًا عن الريب، مأمونًا في الرضا والغضب، مستعملًا لمروءة مثله في دينه ودنياه، فإن انخرم منها شيء .. منع الولاية كما يمنع قبول الشهادة. ومن لا تجوز شهادته من المبتدعة لا تجوز توليته القضاء، وقال الماوردي: لا تجوز تولية الشيعة. قال: (سميع)؛ لأن الأصم لا يفرق بين الإقرار والإنكار، فإن كان يسمع ولو بصياح في أذنه .. فهو سميع، فلو طرأ الصمم على السمع .. انعزل.

стр. 4937

بَصِيرٌ، نَاطِقٌ، كَافٍ، ــ قال: (بصير) فلا يولّى الأعمى؛ لأنه لا يعرف الطالب من المطلوب، فلو سمع البينة ثم عمي .. قضى على الأصح. وفي وجه ضعيف اختاره ابن أبي عصرون – وبه قال مالك –: تصح ولايته؛ لأن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم على المدينة. والجواب: أنه كان في إمامة الصلاة دون الحكم، لكن روى الطبراني في (معجمه الكبير) [١١/ ١٤٧]: أن النبي ﷺ استخلفه على الصلاة وغيرها من أمورها المدينة. وتستثنى صورتان: إحداهما: إذا نزل من في القلعة على حكم أعمى. والثانية: إذا سمع البينة قبل العمى. ويجوز أن يكون القاضي أعور بخلاف الإمام كما تقدم في (قتال البغاة). قال: (ناطق) فلا تصح تولية الأخرس؛ لأنه كالجماد، وفي من فهمت إشارته وجه ضعيف. قال: (كاف) الكفاية: كلمة جامعة، وهي شرط في صحة كل ولاية، وهي هنا: النهضة والقيام بعمل القضاء، فلا تجوز تولية المغفل ومختل النظر بكبر أو مرض ونحوهما.

стр. 4938

مُجْتَهِدٌ، ــ واحتجوا لاعتبار هذا الشرط بما روى مسلم [١٨٢٦]: أن النبي ﷺ قال لأبي ذر: (إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تتأمرن على اثنين، ولا تليَنَّ مال يتيم). قال الشيخ عز الدين: وذلك أن الولاية لها شرطان: العلم بأحكامها والقدرة على تحصيل مصالحها ودرء مفاسدها، وقد نبه عليهما يوسف ﵇ بقوله: ﴿إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾. فإذا فقد الشرطان .. حرمت الولاية. ومن لا تقبل شهادته من أهل البدع لا يصح تقليده القضاء، وكذا لا يجوز تقليد من لا يقول بالإجماع، أو لا يقول بأخبار الآحاد، وكذا حكم نفاة القياس الذين لا يقولون بالاجتهاد أصلًا، بل يتبعون النصوص فإن لم يجدوا .. أخذوا بقول سلفهم كالشيعة. فإن كانوا مجتهدين في مجرى الكلام ويثبتون الأحكام على عموم النصوص وإشاراتها .. جاز تقليدهم على الأصح. قال: (مجتهد) فلا تصح تولية الجاهل بالأحكام الشرعية وطرقها المحتاج إليها، ولأنه لا يصلح للفتوى فالقضاء أولى، قال الله تعالى: ﴿ولا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ والْبَصَرَ والْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾. والضمير في (عنه) يعود على ما ليس للإنسان به علم، ويكون المعنى: أن الله يسأل سمع الإنسان وبصره وفؤاده عما قال مما لا علم له به، فيقع تكذيبه من جوارحه، وذلك غاية الخزي. ويحتمل عوده على (كل) التي هي السمع والبصر والفؤاد؛ أي: أن الله يسأل الإنسان عما حواه سمعه وبصره وفؤاده فكأنه قال: كل هذا كان الإنسان عنه مسؤولًا، فهو على حذف مضاف. ولا يخفى أنه يستثنى من هذا المحكَّمُ في النكاح كما تقدم في بابه. وقال أبو حنيفة: تجوز تولية العامي، ثم هو يسأل أهل العلم.

стр. 4939

وَهُوَ: أَنْ يَعْرِفَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالأَحْكَامِ، وَخَاصَّةُ وَعَامَّهُ، وَمُجْمَلَهُ وَمُبَيَّنَهُ، وَنَاسِخَهُ وَمَنْسُوخَهُ، ــ قال: (وهو: أن يعرف من الكتاب والسنة ما يتعلق بالأحكام)؛ لأن أهلية الاجتهاد لا تحصل إلا بالعلم بالكتاب والسنة. وآيات الأحكام – كما قيل – خمس مئة آية، وفيه نظر؛ فإن الأحكام كما تستنبط من الأوامر والنواهي تستنبط من القصص والمواعظ ونحوهما، وكذلك قيل: أحاديث الأحكام خمس مئة حديث. وكان الحافظ عبد الغني جعل (العمدة) خمس مئة حديث كذلك. قال الغزالي: ولا حاجة إلى تتبع الأحاديث على تفرقها وانتشارها، بل يكفي أن يكون له أصل مصحح وقعت العناية فيه بجمع أحاديث الأحكام كـ (سنن أبي داوود)، وسبقه إلى ذلك البندنيجي، واعترض عليه المصنف في التمثيل بـ (سنن أبي داوود) بأنه لم يستوعب الصحيح من الأحكام ولا اشترطه، وكم في (الصحيحين) من حديث حكمي ليس فيه، ولا يرد؛ فإنه لم يدع استيعاب الجميع، بل الاعتناء بالجميع. ولا يشترط حفظ الآيات عن ظهر قلب، قال الروياني: وكذلك الأخبار، لكن نقل الفوراني عن النص: أنه يشترط حفظ جميع القرآن. قال: (وخاصه وعامه) فـ (الخاص): خلال العام، و (العام): لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر. ولا بد من معرفة العام المخصوص، والمراد به الخصوص والخاص الذي أريد به العموم. وأفرد المصنف الضمير حملًا على لفظ (ما). قال: (ومجمله ومبينه) فـ (المجمل): ما لم تتضح دلالته، و (المبين) ضده. قال: (وناسخة ومنسوخه) فيعلم ما نسخ لفظه وبقيت تلاوته وعكسه، وجميع أنواعه التي قررها العلماء فيه.

стр. 4940

وَمُتَوَاتِرَ السُّنَّةِ وَغَيْرَهُ، وَالْمُتَّصِلَ وَالْمُرْسِلَ، وَحَالَ الرُّوَاةِ قُوَّةً وَضَعْفًا، وَلِسَانَ الْعَرَبِ لُغَةً وَنَحْوًا، وَأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ إِجْمَاعًا وَاخْتِلاَفًا، وَالْقِيَاسَ بِأَنْوَاعِهِ، ــ قال ابن برهان: ولا بد من معرفة أسباب النزول، وكذلك لا بد من معرفة المطلق والمقيد، والمتشابه والمفصل، والنص والظاهر؛ لأن الجهل بهذه الأشياء يمنع من الاجتهاد. قال: (ومتواتر السنة وغيره) وهو الآحاد. وقيل: لا يوجد اليوم حديث متواتر إلا ثلاثة تواتر معناها: حديث إتيان الحوض، وحجة الوداع، (ومن كذب علي متعمدًا ...)، واقتصر بعضهم على الحديث الثالث. قال: (والمتصل والمرسل، وحال الرواة قوة وضعفًا)؛ لأنه بذلك يتوصل إلى تقرير الأحكام. قال: (ولسان العرب لغة ونحوًا) فيعرف صيغ الأمر والنهي، والخبر والاستفهام، والوعيد والوعد، والإطلاق والتقييد، والأسماء والأفعال والحروف، وما لا بد منه في فهم الكتاب والسنة. قال الزمخشري: علوم العربية ترتقي إلى اثني عشر علمًا، غير أن أصولها أربعة: اثنان يتعلقان بالمفردات هما اللغة والتصريف، ويليهما الثالث وهو علم النحو؛ فإن المركبات هي المقصود منه وهو كالنتيجة لها، ثم علم المعاني. قال: (وأقوال العلماء من الصحابة فمن بعدهم إجماعًا واختلافًا)؛ حتى لا يخالف الإجماع باختيار قول ثالث. قال: (والقياس بأنواعه) أي: جليه وخفيه، وصحيحه وفاسده.

стр. 4941

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا يشترط التبحر في هذه العلوم، بل تكفي معرفة جمل منها، فلا يكون في النحو كسيبويه، وفي اللغة كالخليل، بل المعتبر ما يوصله إلى معرفة الحكم، وتعلم ذلك سهل؛ لأنه جمع ودون. واقتصار المصنف على الأدلة الأربعة المتفق عليها يقتضي أنه لا تشترط معرفة المختلف فيها كالاستصحاب، والمصالح المرسلة، وقياس العكس، والأخذ بأقل ما قيل، ولا بد من معرفتها؛ لترتب بعض الأحكام عليها. وأفهم أنه لا تشترط معرفة أصول الاعتقاد، لكن حكى الرافعي عن الأصحاب اشتراطه، وهذا إنما حكاه الغزالي في (المستصفى) عن الأصوليين، ثم خالفهم وقال: يكفي اعتقاد جازم، ولا تشترط معرفتها على طريق المتكلمين؛ فإنها لم تكن في عهد الصحابة. واجتماع هذه العلوم إنما يعتبر في المجتهد المطلق الذي يفتي في جميع الأبواب، أما المقلد .. فليس عليه غير معرفة قواعد إمامه. قال شيخ الإسلام ابن دقيق العيد: لا يخلو العصر عن مجتهد إلا إذا تداعى الزمان وقربت الساعة. وأما قول الغزالي والقفال: إن العصر خلا عن المجتهد المستقل .. فالظاهر أن المراد: مجتهد قائم بالقضاء؛ فإن العلماء كانوا يرغبون عنه. قال ابن الرفعة: ولا يختلف اثنان أن ابن عبد السلام وابن دقيق العيد بلغا رتبة الاجتهاد. وقال ابن الصلاح: إمام الحرمين والغزالي والشيخ أبو إسحاق الشيرازي من الأئمة المجتهدين في المذهب. وقال مالك: خصال القضاء لا تجتمع الآن في أحد، فإذا اجتمعت في شخص خصلتان .. رأيت أن يولى العقل والورع، فبالعقل يسأل وبالورع يكف، فمن شأن ابن آدم أن لا يعلم كل شيء، ومن شأنه أن يعلم ثم ينسى، ومن شأنه أن يعلم ثم يزيده الله علمًا.

стр. 4942

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال عمر بن عبد العزيز: لا ينبغي أن يكون القاضي قاضيًا حتى تكون فيه خمس خصال: العفة والحلم والعلم واستشارة ذوي الرأي وأن لا يبالي بملامة الناس. وقال القاضي أبو الطيب: من جمع شرائط القضاء ولكن بلسانه لكنة تمنعه من تقويم (الفاتحة جاز أن يولى القضاء. ويستحب أن يكون القاضي كامل الأعضاء، قرشيًا، حسن الصفات والخط، ولا يشترط أن يحسن الكتابة على الأصح، وأن يكون زائد الورع، كثير التقوى، خاليًا عن الشبهة في الاعتقاد، متضلعًا بعلوم الشروط والأقضية، متصفًا بكل صفة جميلة تزيده هيبة في النفوس وعظمة. ورعاية العلم والتقوى أولى من رعاية النسب، وأن يكون حكيمًا ذا فطنة ويقظة لا يؤتى من غفلة ولا يخدع لغرة، صحيح الحواس، عالمًا بلغات أهل ولايته، جامعًا للعفاف نزهًا، بعيدًا من الطمع، بريئًا من الشحناء، صدوق اللهجة، ذا رأي ومشورة، إذا وعد وفى، لين الكلمة، ظاهر السكينة والهيبة والوقار. وروي: أن عليًا ولى أبا الأسود الدؤلي القضاء ساعة ثم عزله فقال: لمَ عزلتني؟ فو الله ما خنت ولا جنيت! فقال: (بلغني أن كلامك يعلو الخصوم). وقال الحليمي: ينبغي للإمام أن لا يولي الحكم بين الناس إلا من جمع إلى العلم السكينة والتثبت، وإلى الفهم الصبر والحلم، وكان عدلًا أمينًا، نزهًا عن المطاعم الدنيئة، ورعًا عن المطامع الرديئة، شديدًا قويًا في ذات الله، متيقظًا متحفظًا من سخط الله، ليس بالنكس الخوار فلا يهاب، ولا المتعظم الجبار فلا ينتاب، بل وسطًا خيارًا. ولا يدع الإمام مع ذلك أن يديم الفحص عن سيرته والتعرف بحاله وطريقته، فيقابل منه ما يجب تغييره بعاجل التغيير، وما يجب تقريره بأحسن التقرير، وأن يكف الأمراء والعمال عن معارضته ومزاحمته، ويأمرهم جميعًا بطاعته فيما يتصل بالانقياد للأحكام من نقض أو إبرام. ويتوقى أن يقال في ولايته: هذا حكم الله وهذا حكم الديوان؛ فإن هذا شرك

стр. 4943

فَإِنْ تَعَذَّرَ جَمْعُ هَذِهِ الشُّرُوطِ فَوَلَّى سُلْطَانٌ لَهُ شَوْكَةٌ فَاسِقًا أَوْ مُقَلِّدًا .. نَفَذَ قَضَاؤُهُ لِلضَّرُورَةِ، ــ من قائله، إذ لا حكم إلا الله، وإن سمع الوالي من قال ذلك وأقره عليه .. فهو مثله. قال: (فإن تعذر جمع هذه الشروط فولى سلطان له شوكة فاسقًا أو مقلدًا ... نفذ قضاؤه للضرورة)؛ لئلا تتعطل مصالح الناس. ويؤيده: أنا ننفذ قضاء البغاة لمثل هذه الضرورة؛ كذا نقله الرافعي عن الغزالي ثم قال: وهو حسن، لكن قال ابن شداد وابن أبي الدم وابن الصلاح: ما قاله الغزالي لا نعلم أحدًا قاله، بل قطع الأصحاب قاطبة بأن الفاسق لا ينفذ حكمه وإن ولاه الإمام، وحكاه القاضي عن النص، وجزم به الشيخان في (باب البغاة). وإذا كان قاضي البغاة تعتبر فيه مع العلم العدالة بلا خلاف فكيف تنفذ أحكام قاضي أهل العدل مع فسقه؟ وهذه المقالة لم ينفرد بها الغزالي، بل جزم بها الدرامي في (الاستذكار)، والجاجرمي في (الإيضاح). ويستدل له بإجماع الأمة على تنفيذ أحكام الحكام الظلمة وأحكام من ولوا. وأما القاضي العادل إذا استقضاه أمير باغ .. أجابه إليه، فقد سئلت عائشة ﵂ عن ذلك لمن استقضاه زياد فقالت: إن لم يقض لهم خياركم .. قضى لهم شراركم. والمنقول: أن قضاء الفاسق لا ينفذ، وقال ابن الرفعة: كلام صاحب الكافي دال على تردد فيه إذا كان ثَمَّ من يصلح، فإن لم يكن .. فلا وجه إلا تنفيذ حكمه، قال: ولو استولى الكفار على إقليم فولوا القضاء رجلًا مسلمًا .. يظهر نفاذ حكمه للضرورة، قال: وإذا ابتلينا بولاية امرأة أو صبي القضاء .. ففي نفوذه وقفة. قال الأذرعي: وخرج بـ (السلطان) ما إذا ولى قاضي القضاة في النواحي من ليس بأهل .. فالظاهر أن حكمه لا ينفذ، ويفارق السلطان لخوف سطوته وبأسه، بخلاف القاضي غالبًا.

стр. 4944

وَيُنْدَبُ لِلإِمَامِ إِذَا وَلَّى قَاضِيًا أَنْ يَاذَنَ لَهُ فِي الاِسْتِخْلاَفِ، ــ وقد أطلق الرافعي أنه إذا استخلف من لا يصلح للقضاء .. فأحكامه باطلة لا يجوز إنفاذها. فرع: إذا لم يكن في البلد إلا مفت واحد يصلح للفتوى .. تعين عليه أن يفتي، فإن كان هناك غيره .. فهو من فروض الكفايات، ومع هذا لا يحمد التسارع إليه؛ فقد كان الصحابة ﵃ – مع مشاهدتهم الوحي – يحيل بعضهم على بعض في الفتوى، ويحترز عن استعمال الرأي والقياس ما أمكن، وقد أطال المصنف هنا في الروضة في صفات المفتي والمستفتي. فرع: لا يشترط أن يكون للمجتهد مذهب مدون، وإذا دونت المذاهب .. فهل يجوز للمقلد أن ينتقل من مذهب إلى مذهب؟ الأصح: الجواز كما لو قلد في القبلة هذا أيامًا وهذا أيامًا. ولو قلد مجتهدًا في مسائل وآخر في مسائل أخرى واستوى المجتهدان عنده أو خيرناه .. فالذي يقتضيه فعل الأولين الجواز، كما أن الأعمى إذا قلنا: لا يجتهد في الأواني والثياب .. له أن يقلد في الثياب واحدًا وفي الأواني آخر؛ لكن الأصوليون منعوا منه للمصلحة. وقال أبو إسحاق: إذا اختار من كل مذهب ما هو أهون .. فسق به، وعن ابن أبي هريرة: لا يفسق. قال: (ويندب للإمام إذا ولى قاضيًا أن يأذن له في الاستخلاف)؛ ليكون أسهل له وأسرع إلى فصل الخصومات، ويتأكد ذلك عند اتساع الخطة وكثرة الرعية واتساع العمل. قال الماوردي: وإذا قلده بلدًا وسكت عن ذكر ضواحيها، فإن جرى العرف

стр. 4945

فَإِنْ نَهَاهُ .. لَمْ يَسْتَخْلِفْ، وَإِنْ أَطْلَقَ .. اسْتَخْلَفَ فِيمَا لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ لاَ فِي غَيْرِهِ فِي الأَصَحِّ. وَشَرْطُ الْمُسْتَخْلَفِ كَالْقَاضِي، ــ بإفرادها عنها .. لم تدخل في ولايته، وإن جرى بإضافتها .. دخلت، وإن اختلف العرف .. روعي أكثرهما عرفًا، فإن استوى .. روعي أقربهما عهدًا. قال: (فإن نهاه .. لم يستخلف)؛ لأنه لم يرض بنظر غيره. فإن كان ما فرضه إليه لا يمكنه القيام به .. قال القاضي أبو الطيب: كان النهي كالعدم. قال الرافعي: والأقرب أحد أمرين: إما بطلان التولية وبه قال ابن القطان، وإما اقتصاره على الممكن وترك والاستخلاف، قال المصنف: وهو أرجحهما. قال: (وإن طلق .. استخلف فيما لا يقدر عليه)؛ لأن العرف يقتضيه فحملت التولية عليه. قال: (لا في غيره في الأصح)؛ لأن العرف لا يقتضيه. والثاني: يستخلف في الجميع كالإمام، واختاره ابن أبي عصرون؛ لأن الإمام لما ولاه .. صار ناظرًا للمسلمين، فله الاستنابة فيما له التصرف فيه كالإمام. كل هذا في الاستخلاف العام، أما الأمور الخاصة كتحليف وسماع بينة .. فقطع القفال بجوازه للضرورة، ومقتضى كلام الأكثرين أنه على الخلاف. ومحل الخلاف عند الإطلاق في العجز المقارن، أما الطارئ كما لو مرض أو أراد أن يغيب عن البلد لشغل .. فيجوز له الاستخلاف قطعًا، قاله في (التهذيب)، ولا يأتي هذا في حالة النهي. قال ابن سريج: ولو جعل لرجل التزويج والنظر في أمر اليتامى .. لم يكن له أن يستنيب فيه، ونقله الرافعي عنه في (فصل العزل) وأقره، فليس للعاقد ولا لناظر الأيتام الاستنابة فيما فوض إليهما. قال: (وشرط المستخلف كالقاضي)؛ لأنه فرعه فاشترط فيه ما اشترط فيه. ويؤخذ من هذا: أنه له أن يستخلف أباه وابنه، وبه صرح الماوردي والبغوي

стр. 4946

إِلاَّ أَنْ يُسْتَخْلَفَ فِي أَمْرٍ خَاصٍّ – كَسَمَاعِ بَيِّنَةٍ – فَيَكْفِي عِلْمُهُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَيَحْكُمُ بِاجْتِهَادِهِ أَوِ اجْتِهَادِ مُقَلَّدِهِ إِنْ كَانَ مُقَلِّدًا، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَشْرِطَ عَلَيْهِ خِلاَفَهُ ــ وغيرهما، كما أن للإمام أن يستخلف في أعماله من يرى من أولاده، ومحل جواز استخلاف الولد أو الوالد إذا ثبتت عدالته عند عيره، لكن يستثنى من ذلك إذا فوض الإمام إليه اختيار قاض .. فإنه لا يختار ولده كما لا يختار نفسه. قال: (إلا أن يستخلف في أمر خاص – كسماع بينة – فيكفي علمه بما يتعلق به)، ولا تشترط فيه رتبة الاجتهاد، كذا نقله الرافعي هنا عن الجويني وغيره، وجزم في الكلام على التزكية بأنه إذا نصب حاكمًا في الجرح والتعديل .. تعتبر فيه صفات القضاء. وإذا جوزنا الاستخلاف فاستخلف حنفيًا أو مالكيًا أو بالعكس .. فالمشهور: الجواز. قال: (ويحكم باجتهاده أو اجتهاد مقلده) أي: بفتح اللام (إن كان مقلدًا)؛ لأنه إنما يحكم بما يعتقده. قال: (ولا يجوز أن يشرط عليه خلافه)؛ لأنه لا يعتقد ذلك. والمراد: إذا شرط على النائب المجتهد أن يخالف اجتهاده ويحكم باجتهاد المنيب .. لم يجز، وكذا إذا جاز تولية المقلد للضرورة .. فاعتقاد مقلده في حقه كاجتهاد المجتهد لا يجوز أن يشترط عليه الحكم بخلافه. فلو خالف وشرط القاضي الحنفي على نائبه الشافعي الحكم بمذهب أبي حنيفة.

стр. 4947

وَلَوْ حَكَّمَ خَصْمَانِ رَجُلًا فِي غَيْرِ اللهِ تَعَالَى .. جَازَ ــ قال في (الوسيط): له الحكم بالمسائل التي اتفق عليها المذهبان فقط. وسئل الدامغاني عن حنفي ولى شافعيًا على أن يحكم بمذهب أبي حنيفة هل يصح؟ قال: نعم؛ لأن القاضي أبا حازم ولى ابن سريج ببغداد على أن لا يقضي إلا بمذهب أبي حنيفة فالتزمه. وفي (فتاوي القاضي حسين): لو شرط عليه أن لا يقضي بشاهد ويمين ولا غائب .. لغا الشرط وقضى باجتهاده. قال: (ولو حكم خصمان رجلًا في غير حَقِّ الله تعالى .. جاز)؛ ففي (سنن البيهقي) [١٠/ ١٤٥]: أن عمر وأبي بن كعب تحاكما إلى زيد بن ثابت في نخل، وعثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم [٥/ ٢٦٨]، وعمر والعباس إلى أبي بن كعب في أرض بالقرب من المسجد، ولم ينكر ذلك أحد. واستدل الرافعي بقوله ﷺ : (من حكم بين اثنين تراضيا به فلم يعدل .. فعليه لعنة الله). ولو لم يكن لحكمه اعتبار ولزوم .. لما كان لهذا التهديد معنىً، والحديث غريب لا يعرف. نعم؛ روى أبو داوود [٤٩١٦] والنسائي [٨/ ٢٢٦] وابن حبان [٥٠٤] والحاكم [١/ ٢٤]: أن هانئًا الحارثي لما قدم على رسول الله ﷺ مع قومه .. سمعهم يكنونه بأبي الحكم، فدعاه ﷺ فقال: إن الله هو الحكم، وإليه الحكم، فلِمَ تكنى بذلك؟! قال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء .. أتوني فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين، فقال ﵊: (ما أحسن هذا؟! فما لك من الولد؟) قال: شريح وعبد الله ومسلم، قال: (من أكبرهم؟) قال: شريح، قال: (فأنت أبو شريح) ودعا له ولولده. وكان شريح بن هانئ من أعيان أصحاب علي، شهد معه حروبه كلها، وعاش مئة وعشرين سنة.

стр. 4948

مُطْلَقًا بِشَرْطِ أَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ، وَفِي قَوْلٍ: لاَ يَجُوزُ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ عَدَمُ قَاضٍ فِي الْبَلَدِ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِمَالٍ دُونَ قِصَاصٍ وَنِكَاحٍ وَنَحْوِهِمَا، وَلاَ يَنْفُذُ حُكْمُهُ إِلاَّ عَلَى رَاضٍ بِهِ، فَلاَ يَكْفِي رِضَا قَاتِلٍ فِي ضَرْبِ دِيَةٍ عَلَى عَاقِلَتِهِ، ــ أما حدود الله تعالى .. فلا يحكم فيها؛ إذ ليس لها طالب معين، ولأنها أمور خطرة فتناط بنظر الحكام، وهذا الاستثناء من زيادات (المنهاج) على (المحرر) ولا بد منه، لكن قوله: (خصمان) يوهم اعتبار الخصومة، وليس كذلك؛ فإن التحكيم يجري في النكاح، فلو قال: اثنان .. كان أحسن. وقوله: (رجلًا) يوهم عدم جواز اثنين. وقال في (المطلب): لو تحاكما إلى اثنين .. لم ينفذ حكم أحدهما حتى يجتمعا. قال: (مطلقًا) أي: سواء كان في الأموال أم غيرها، وسواء كان هناك قاض أم لم يكن، وسواء كان المحكم فيه قصاصًا أم نكاحًا أو غيرهما مما سيأتي. قال: (بشرط أهلية القضاء)؛ لأن ذلك منزل منزلة الحكم، فإذا لم يكن أهلًا .. لم ينفذ حكمه اتفاقًا. قال: (وفي قول: لا يجوز)؛ لأن تقليد القضاء من مناصب الإمام فلا يثبت للآحاد، ولأن في ذلك افتتانًا على الإمام والحكام، وإنما تحاكم عمر وعثمان مع خصميهما؛ لأنهما خصميهما؛ لأنهما إمامان فتحكيمهما تولية للحكم، واختاره الإمام والغزالي. قال: (وقيل: يشترط عدم قاض في البلد)؛ لأن في جواز ذلك مع وجود القاضي تفويت الحكومات عليه. قال: (وقيل: يختص بمال دون قصاص ونكاح ونحوهما) كاللعان واحد القذف؛ لأنها أمور خطرة فتناط بنظر القاضي ومنصبة. والصحيح: لا فرق؛ لأن من صح حكمه في المال .. صح في غيره كالمولَّى من جهة الإمام. قال: (ولا ينفذ حكمه إلا على راض به، فلا يكفي رضا قاتل في ضرب دية على عاقلته) إن لم يرضوا بحكمه، ولا يكفي رضا القاتل.

стр. 4949

فَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْحُكْمِ .. امْتَنَعَ الْحُكْمُ، وَلاَ يُشْتَرَطُ الرِّضَا بَعْدَ الْحُكْمِ فِي الأَظَهَرِ ــ وقيل: يكفي رضاه، والعاقلة تبع له. وخصه السرخسي بقولنا: تجب الدية على الجاني، ثم تتحملها العاقلة، فإن قلنا: تجب عليهم ابتداء .. اشترط رضاهم قطعًا، واستحسنه الرافعي. وما ذكره من اشتراط الرضا محله: إذا كان المحكم غير القاضي، فلو كان أحد المتحاكمين القاضي نفسه .. فالمذهب أنه لا يشترط رضا الآخر؛ لأن المحكم نائبه، وهذا حيث له أن يستنيب. فروع: ليس للمحكم الحبس على الأصح، بل غايته الإثبات والحكم. قال في (الوسيط): وإذا حكم بشيء من العقوبات كالقصاص وحد القذف .. لا يستوفيه؛ لأن ذلك خرم لأُبَّهة الولاية، وإذا رفع حكمه إلى القاضي .. لم ينقضه إلا حيث ينقض حكم قاضي الإمام. والراجح: أنه ليس له أن يحكم بعلمه؛ لانحطاط رتبته. وإذا ثبت الحق عند المحكم وحكم به أو لم يحكم .. فله أن يشهد على نفسه في المجلس خاصة؛ لأن قوله بعد الافتراق لا يقبل كالقاضي بعد العزل، قاله الماوردي. وإذا تحاكم رجل وبكر إلى فقيه ليزوجها منه وجوزنا التحكيم فيه فقال المحكم: حكمتني لأزوجك من هذا فسكتت .. كان سكوتها إذنًا كما لو استأذنها الولي فسكتت. قال: (فإن رجع أحدهما قبل الحكم .. امتنع الحكم)، حتى لو أقام المدعي شاهدين فقال المدعى عليه: عزلتك .. لم يكن له أن يحكم. قال: (ولا يشترط الرضا بعد الحكم في الأظهر) كحكم الحاكم. والثاني: يشترط؛ لأن رضاهما معتبر أولًا في ابتداء الحكم، فكذلك في انتهائه.

стр. 4950

وَلَوْ نَصَبَ قَاضِيَيْنِ بِبَلَدٍ وَخَصَّ كُلًا بِمَكَانٍ أَوْ زَمَنٍ أَوْ نَوْعٍ .. جَازَ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَخُصَّ فِي الأَصَحِّ، إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ اجْتِمَاعَهُمَا عَلَى الْحُكْمِ ــ قال: (ولو نصب قاضيين ببلد وخص كلًا بمكان أو زمن أو نوع) بأن جعل أحدهما يحكم في الأموال والآخر في الدماء والفروج. قال: (.. جاز)؛ لأن الضرورة قد تدعو إلى ذلك، ولأن النبي ﷺ بعث معاذًا وأبا موسى حاكمين إلى اليمن، وأردفهما بعلي بن أبي طالب ﵃. قال ابن كج: وكذا لو ولاهما على أن يحكم كل واحد منهما في الواقعة التي يرفعها المتخاصمان إليه. فإن شرط عليهما الاجتماع في الحكم .. لو يجز، قال ابن الرفعة: بالاتفاق؛ لأن اختلاف الاجتهاد غالب، والتقليد ممتنع، فيؤدي إلى بقاء الخصومات واستمرار المنازعات. قال: (وكذا إن لم يخص في الأصح) كما إذا عمم؛ لأنهما كالوكيلين والوصيين. والثاني: لا يجوز كالإمامة العظمى، وصححه الإمام والغزالي وابن أبي عصرون، ونقله مجلي عن الأصحاب، فعلى هذا: إن ولاهما معًا .. بطلت ولايتهما، أو متعاقبين .. صحت تولية الأول دون الثاني. قال: (إلا أن يشترط اجتماعهما على الحكم) فإنه لا يجوز؛ لأن بذلك يكثر الخلاف في مواقع الاجتهاد فتتعطل الحكومات. فرعان: أحدهما: تلوية القضاء تنعقد بما تنعقد به الوكالة، وهو المشافهة باللفظ، والمراسلة والمكاتبة عن الغيبة. وصريح اللفظ: وليتك القضاء، واستخلفتك واستنبتك، واقض بين الناس، أو احكم ببلد كذا.

стр. 4951

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والكنايات: اعتمدت عليك في القضاء، أو فوضته إليك، أو أسندت. وعند المشافهة يشترط القبول على الفور، وفي المراسلة والمكاتبة لا يشترط الفور. وسبق في (الوكالة) خلاف في اشتراط القبول، وفي الفور يأتي مثله هنا. والثاني: إذا خلا الزمان عن إمام وعن سلطان ذي كفاية .. فأطلق الإمام في (الغياثي) أن الأمور موكولة إلى العملاء، ويلزم الأمة الرجوع إليهم، ويصيرون ولاة العباد، فإن عسر جمعهم على واحد .. استقل أهل كل ناحية باتباع علمائهم، فإن كثر علماء ناحية .. فالمتبع أعلمهم، فإن استووا واتفقوا على أحدهم .. فذاك، وإن تنازعوا أقرع. تتمة: يجب على الإمام نصب قاض في كل بلدة وناحية خالية عن قاض، فإن عرف حال من يوليه عدالة وعلمًا .. فذاك، وإلا .. أحضره وجمع بينه وبين العلماء؛ ليعرف علمه، ويسأل عن سيرته جيرانه وخلطاءه. فلو ولى من لا يعرف حاله .. لم تنعقد توليته وإن عالم بعد ذلك كونه بصفة القضاء. وما ذكروه من عدم الصحة قد استشكل قديمًا؛ لأنه قد تبين اجتماع الشروط حالة الولاية، وليس هو مما تعتبر فيه النية حتى يقال: إنه أقدم عليه مترددًا فلا يصح كما لو اقتدى بمن بان رجلًا، بل هذا نظير البيع والنكاح والإجارة وغيرها من العقود المستجمعة للشروط في نفس الأمر لا في ظن العاقد. وقد أجابوا في جميعها بالصحة كما إذا باع مال أبيه على ظن حياته، بل هذه أولى بالصحة؛ لظنه هناك عدم وجود الشروط، لأن الفرض أنه ظنه لغيره، وهاهنا لم يظن شيئًا. والجواب: أن تولية الحاكم حكم بأهلية المولَّى، وليس للحاكم أن يحكم إلا بعد

стр. 4952

فَصْلٌ: جُنَّ قَاضٍ، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، أَوْ عَمِيَ، أَوْ ذَهَبَتْ أَهْلِيَّةُ اجْتِهَادِهِ وَضَبْطِهِ بِغَفْلَةٍ أَوْ نِسْيَانٍ، لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ، ــ قيام المستند، حتى لو حكم ثم قامت بينة بعد ذلك على وفق الحكم .. لم يكن ذلك الحكم نافذًا. ويجوز أن يجعل الإمام نصب القاضي إلى والي الإقليم وأمير البلد وإن لم يكن المعجول إليه صالحًا للقضاء؛ لأنه سفير محض. قال: (فصل: جن قاض، أو أغمي عليه، أو عمي، أو ذهبت أهلية اجتهاده وضبطه بغفلة أو نسيان .. لم ينفذ حكمه)؛ لأن القضاء عقد جائز، ولهذا له عزل نفسه، وللإمام عزله. وقيل: لا يبطل به وإن بطلت الوكالة به؛ لأنه أقوى منها، حكاه في (البحر) وضعفه، والذي جزم به الرافعي والمصنف في الإغماء حكاه الروياني وجهًا وضعفه واستبعده، والقول بعدم انعزاله وجه محكي في (الوكالة)، وفي الحكمين في الشقاق، وقد حكاه الرافعي فيه، ولم يحكه في (القضاء)، والقضاء أقوى من الوكالة وأولى بعدم الانعزال، كما قال في (البحر). واختار الشيخ عدم الانعزال بالإغماء، وأنه لا يسلب الولايات؛ لأنه مرض يطرأ ويزول، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في بابي (الوكالة) (والقراض). وينبغي أن يفصل بين أن يطول زمنه فينعزل به، أو لا فلا يوثر كالنوم. وأما العمى .. ففيه الوجه الشاذ الذي تقدم، وفي معناه الخرس والصمم، وذهاب أهلية الاجتهاد والضبط؛ فإنه ركن في القضاء. وهل العمى إذا عرض سالب للولاية أو مانع؟ فيه وجهان اختلف في تصحيح ما يترتب عليهما، فصححوا عود ولايته إذا شفي، وصححوا فيما إذا عمي بعد الدعوى عنده وسماع البينة نفوذَ قضائه على المتحاكمين المعروفين، فحينئذ تستثنى هذه من إطلاق المصنف.

стр. 4953

وَكَذَا لَوْ فَسَقَ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ زَالَتْ هَذِهِ الأَحْوَالُ .. لَمْ تَعُدْ وِلاَيَتُهُ فِي الأَصَحِّ. وَلِلإِمَامِ عَزْلُ قَاضٍ ظَهَرَ مِنْهُ خَلَلٌ، ــ ومراده بعدم نفوذ حكمه: انعزاله كما صرح به الأصحاب. قال: (وكذا لو فسق في الأصح)؛ لوجود المنافي. والثاني: ينفذ حكمه كالإمام الأعظم والمسألة تقدمت في (الوصايا). وقال الماوردي والروياني: إن أصر على الفسق .. انعزل، وإن أقلع بتوبة ومعصية حفية .. لم ينعزل. قال: (فإن زالت هذه الأحوال .. لم تعد ولايته في الأصح) كالوكالة، ولأن الشيء إذا .. بطل لم ينقلب إلى الصحة بنفسه وإن زال المانع كالبيع ونحوه. والثاني: تعود من غير استئناف؛ لأن التولية الأولى اقتضت دوام الولاية، فإذا وجد المانع ثم زال .. وجب العود؛ لمقتضى السبب الأول. وفي (أمالي السرخسي): القطع بأن الإغماء إذا زال .. تعود الولاية، بخلاف الجنون. ولو ارتد ثم أسلم .. لم تعد ولايته قطعًا. ويجري الخلاف في الوصي وقيم الحاكم، بخلاف الأب والجد؛ لقوة ولايتهما. ولو زالت أهلية الناظر المشروط في أصل الوقف ثم عادت .. عادت ولايته جزمًا كما أفتى به المصنف؛ لقوته، إذ ليس لأحد عزله ولا الاستبدال به. ولو أخبر الإمام بموت القاضي أو جنونه أو فسقه فولى غيره ثم بان خلافه .. لم يقدح ذلك في ولاية الثاني. وإذا أنكر كونه قاضيًا .. نقل في (البحر) عن جده أنه ينعزل، وأقره ابن الرفعة عليه، ويشبه أن يقال: إن كان له غرض في ذلك .. لم ينعزل، وإلا .. انعزل كالوكيل. ولو سافر القاضي سفرًا طويلًا بغير إذن الإمام .. لم ينعزل بذلك. قال: (وللإمام عزل قاض ظهر منه خلل)؛ لأنه يجب عليه أن ينظر للمسلمين بالمصلحة، وهذا عين المصلحة.

стр. 4954

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ففي (سنن أبي داوود): أن النبي ﷺ عزل إمامًا كان يصلي بقوم ويبصق في القبلة، وقال: (لا يصلي بهم بعدها أبدًا) وإذا ثبت هذا في إمامة الصلاة .. فالقاضي أوبى. قال في (الوسيط): وتكفي فيه غلبة الظن، وبه جزم في (الشرح الصغير). ومن غلبة الظن: كثرة شكوى رعيته، وكراهيتهم له، فقد عزل عمر سعدًا عن الكوفة لما شكوه إليه، واعتذر عن عزله، وأدخله عند موته في الستة الذي جعل الأمر شورى بينهم وقال: (إني لم أعزله لعجز ولا لخيانة) رواه البخاري في (باب مناقب عمر). قال الشيخ عز الدين: ومن دقيق النظر الذي لا يفهمه إلا مثل عمر ﵁ من إقامة حقوق الله وحقوق المسلمين: أن عمر عزل خالد بن الوليد عن قنسرين، وأشخصه إلى المدينة لما بلغ عمر إضافة الناس الفتوح إلى خالد، ونسوا إضافة ذلك إلى الله تعالى، فعزله خوفًا على المسلمين من ذلك. لكن في (مسند أحمد) [٣/ ٤٧٥] في عزله سبب آخر غير هذا، أخرجه عن ناشرة بن سمي اليزني قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول في خطبته: (إني أعتذر إليكم من خالد بن الوليد، إني أمرته أن يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين فأعطاه ذا البأس وذا الشرف وذا اللسان، فنزعته وأمرت أبا عبيدة، فقال أبو عمرو بن حفض: والله ما عدلت! نزعت عاملًا استعمله رسول الله ﷺ ، وغمدت سيفًا سله رسول الله ﷺ ، ووضعت لواء نصبه رسول الله ﷺ ، فقال له عمر: إنك حديث السن مغضب في ابن عمك). وفي (أمالي ابن عبد السلام): يجب العزل مع الريبة؛ دفعًا للمفسدة، لقوله ﷺ (من ولي من أمور المسلمين شيئًا ثم لم يجتهد لهم ولم

стр. 4955

أَوْ لَمْ يَظْهَرْ وَهُنَاكَ أَفْضَلُ مِنْهُ أَوْ مِثْلُهُ وَفي عَزْلِهِ بِهِ مَصْلَحَةٌ كَتَسْكِينِ فِتْنَةٍ، وَإِلاَّ .. فَلاَ، لَكِنْ يَنْفُذُ الْعزْلُ فِي الأَصَحِّ، ــ ينصح .. فالجنة عليه حرام). قال: (أو لم يظهر وهناك أفضل منه)؛ لما في ذلك من تحصيل مصلحة زائدة. قال: (أو مثله) وكذا دونه (وفي عزله به مصلحة كتسكين فتنة) هذا قيد في المثل لا في الأفضل، وقيده في (المحرر) بعدم الفتنة في عزله أيضًا فقال: أو مثله وفي عزله به للمسلمين مصلحة، وليس في عزله فتنة. قال: (وإلا .. فلا) أي: وإن لم تكن فيه مصلحة .. فليس له عزله. وشملت عبارة المصنف مسألتين: إحداهما: أن لا تكون في عزلة مصلحة. والثانية: أن يكون الموجود دون المتولي فلا يجوز العزل فيهما. هذا ظاهر كلامه، وسوى في (الروضة) و (الشرحين) بين المثل والدون فقال: وإن كان مثله أو دونه، فإن كان بالعزل به مصلحة من تسكين فتنة ونحوها ولو على سبيل الاحتمال .. فللإمام عزله، فإن لم تكن فيه مصلحة .. لم يجز. ونقل في (الشرح الكبير) هذا التفصيل عن الإمام، وجزم به في (الروضة) و (الشرح الصغير). كل هذا إذا وجد من يصلح للقضاء، وإلا .. لم يجز عزل الصالح، ولا ينعزل بالعزل. قال: (لكن ينفذ العزل في الأصح)؛ للمصلحة وطاعة السلطانة. والثاني: لا؛ لأنه لا خلل في الأولى، فلا خلل في عزله. ونقل ابن أبي الدم طريقة ثالثة: أنه ينعزل قولًا واحدًا.

стр. 4956

وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لاَ يَنْعَزِلُ قَبْلَ بُلُوغِهِ خَبَرَ عَزْلِهِ ــ تنبيه: سكوت المصنف عن العزل بعزل نفسه يوهم أنه لا ينعزل بذلك، والذي جزم به الشيخان: أن للقاضي أن يعزل نفسه كالوكيل. وقال الماوردي في (الإقناع): لا ينعزل إلا بإذن من ولاه؛ لأنه لم يول نفسه فلم يجز أن يعزلها. وفي (البحر) و (الحاوي): إن كان معذورًا .. جاز اعتزاله، وإلا .. فلا بد من إعلام الإمام واستعفائه. وقال القاضي شريح: إن لم يتعين عليه .. انعزل، وإن تعين .. لم ينعزل بعزل نفسه في أظهر الوجهين، وبهذا جزم ابن عبد السلام. هذا في الأمر العام، أما الوظائف الخاصة كالإمامة والأذان والتصوف والتدريس والطلب والنظر ونحوه .. فلا ينعزل أربابها بالعزل من غير سبب كما أفتى به كثير من المتأخرين، منهم قاضي القضاة تقي الدين بن رزين والشيخ؛ فقال: ولي تدريسًا .. لم يجز عزله بمثله ولا بدونه، ولا ينعزل بذلك، ولا شك في التحريم. وفي (الروضة) في آخر (باب الفيء): أنه إذا أراد ولي الأمر إسقاط بعض الجند المثبتين في الديوان بسبب .. جاز، وبغير سبب لا يجوز. وإذا ثبت هذا في الحقوق العامة .. ففي الخاصة أولى، وقد قالو: إن الفقيه لا يزعج من بيت المدرسة، لثبوت حقه بالسبق. قال: (والمذهب: أنه لا ينعزل قبل بلوغه خبر عزله)؛ لعظم الضرر بنقص الأحكام وفساد الأنكحة وإبطال التصرفات العامة، بخلاف الوكيل. وقيل: على قولين كالوكيل، لكن يستثنى من هذا ما إذا علم الخصم أنه

стр. 4957

وَإِذَا كَتَبَ الإِمَامُ إِلَيْهِ: إِذَا قَرَاتَ كِتَابِي فَأَنْتَ مَعْزُولٌ، فَقَرَأَهُ .. انْعَزَلَ، وَكَذَا إِنْ قُرِئَ عَلَيْهِ فِي الأَصَحَّ، وَيَنْعَزِلُ بِمَوْتِهِ وَانْعِزَالِهِ مَنْ أُذِنَ لَهُ فِي شُغْلٍ مُعَيَّنٍ كَبَيْعِ مَالِ مَيْتٍ، والأَصَحُّ: انْعِزَالُ نَائِبِهِ الْمُطْلَقِ إِنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الاِسْتِحْلاَفِ، ــ معزول .. فلا ينفذ حكمه عليه؛ لعلمه أن غير حاكم باطنًا، ذكره المارودي في (النكاح). فإن رضيا بحكمه .. كان كالتحكيم بشرطه، ولم يتعرضوا لما يحصل به بلوغ الخبر، وينبغي إلحاق ذلك بخبر التولية، بل أولى حتى يعتبر شاهدان، وتكفي الاستفاضة. قال: (وإذا كتب الإمام إليه: إذا قرأت كتابي فأنت معزول، فقرأه .. انعزل)؛ لوجود القراءة، ولا ينعزل قبل القراءة قطعًا. واحترز المصنف بقوله: (إذا قرأه) عما إذا كتب إليه: عزلتك أو أنت معزول من غير تعليق على القراءة .. فإنه كما لو عزله بلفظه، ففيه الطريقان. قال: (وكذا إن قرئ عليه في الأصح)؛ لأن الغرض إعلامه، سواء كان قارئًا أو أميًا وجوزناه. والثاني: لا ينعزل؛ لأنه علقه على أمر لم يوجد، والانعزال في الأمي أولى. والظاهر: أنه تكفي هاهنا قراءة موضع العزل فقط لا جميع الكتاب، ولا يأتي في الخلاف السابق في الطلاق فيما إذا ذهب بعضه أو انمحق. قال: (وينعزل بموته وانعزاله من أذن له في شغل معين كبيع مال ميت) كالوكيل؛ فإنه ينعزل بموت الموكل، وكذا بيع مال غائب أو سماع بينة في حادثة معينة. قال: (والأصح: انعزال نائبه المطلق إن لم يؤذن له في الاستخلاف)؛ لأن

стр. 4958

أَوْ قِيلَ لَهُ: اسْتَخْلِفْ عَنْ نَفْسِكَ، أَوْ أَطْلَقَ، فَإِنْ قَالَ: اسْتَخْلِفْ عَنِّي .. فَلاَ. وَلاَ يَنْعَزِلُ قَاضٍ بِمَوْتِ الإِمَامِ، ــ الاستخلاف هاهنا لحاجته إلى من يعاونه في العمل وقد زال بزوال ولايته. قال: (أو قيل له: استخلف عن نفسك، أو أطلق)؛ لظهور غرض المعاونة، وبطلانها ببطلان ولايته. قال: (فإن قال: استخلف عني .. فلا)؛ لأنه مأذون من جهة الإمام، وكان الأول سفيرًا محضًا في التولية. والثاني: ينعزل مطلقًا كما ينعزل الوكيل بموت الموكل. والثالث: لا مطلقًا؛ رعاية لمصلحة الناس. والرابع: إن استخلف بالإذن .. لم ينعزل، وإلا .. انعزل. والخامس: إن كان المولي قاضي القضاة .. لم ينعزل بموته وعزله من ولاَّه، قاله المارودي. فرع: تنازع خصمان في الحضور إلى الأصل والنائب، طلب أحدهما الرفع إلى الأصل والآخر إلى النائب .. قال في (الحاوي): إن كان القاضي يوم الترافع ناظرًا .. فالداعي إليه أولى بالإجابة من الداعي إلى نائبه؛ لأنه الأصل، وإن كان الناظر نائبه .. فالداعي إليه أولى؛ لأنه أعجل. وقال الإمام والغزالي: يجاب الداعي إلى الأصل مطلقًا. قال: (ولا ينعزل قاض بموت الإمام) أي: ولا بانعزاله؛ لأن الإمام يعقده للمسلمين، فإذا مات .. لم يبطل ما عقده لغيره، كولي المرأة إذا زوجها ثم مات .. لم يبطل النكاح.

стр. 4959

وَلاَ نَاظِرُ يَتِيمٍ وَوَقْفٍ بِمَوْتِ قَاضٍ، وَلاَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ بَعْدً عَزْلِهِ: حَكَمْتُ بِكَذَا، فَإِنْ شَهِدَ مَعَ آخَرَ بِحُكْمِهِ .. لَمْ يُقْبَلْ عَلَى الصَّحِيحِ، أَوْ بِحُكْمِ حَاكِمٍ جَائِزِ الْحُكْمِ .. قُبِلَتْ فِي الأَصَحِّ، ــ وحكم من ولاه الإمام حكمًا عامًا يختص بمصالح الولاية كالقاضي، وذلك كنظر الجيوش والحسبة ووكالة بيت المال، فلا ينعزل متولي ذلك بموت الإمام. وقد غلط بعض الفقهاء فأفتى بعزل وكيل بيت المال بعزل السلطان ظنًا منه أنه كالوكيل ينعزل بموت الموكل، والصواب: عدم انعزاله؛ لأنه ليس وكيلًا عنه، بل متوليًا كالحاكم. قال: (ولا ناظر يتيم ووقف بموت قاض)؛ لئلا تنسد أبواب المصالح، وجعلهما الغزالي كالخلفاء. قال: (ولا يقبل قوله بعد عزله: حكمت بكذا)؛ لأنه لا يملك الحكم حينئذ فلا يقبل إقراره به. قال: (فإن شهد مع آخر بحكمه .. لم يقبل على الصحيح)؛ لأنه يشهد بفعل نفسه. والثاني: يقبل؛ لأنه لم يجر لنفسه بذلك نفعًا ولم يدفع ضررًا. ومحل الخلاف في غير الإقرار، فإذا شهد أنه أقر في مجلس حكمه .. قبلت شهادته قطعًا؛ لأنه لم يشهد على فعل نفسه. قال الماوردي: ولا يحتاج في هذا الإقرار إلى استرعاء؛ لأن الإقرار في مجلس الحكم استرعاء، فإن أراد أنه يقبل مع شاهد آخر أو مع يمين المدعي .. فواضح، وإن أراد أن يقبل وحده معه إلزام الحكم .. ففيه نظر. قال: (أو بحكم حاكم جائز الحكم .. قبلت في الأصح) كما تقبل شهادة المرضعة كذلك. والثاني: المنع؛ لأنه قد يريد نفسه وكما لا يجوز لشاهد الفرع إبهام شاهد الأصل وإن وصفه بالعدالة وزكَّاه.

стр. 4960

وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ قَبْلَ عَزْلِهِ: حَكَمْتُ بِكَذَا، فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلاَيَتِهِ .. فَكَمَعْزُولٍ ــ وهل الوجهان في الكتاب فيما إذا لم يعلم القاضي أنه يعني نفسه فإن علم .. فكما لو أضاف إلى نفسه، أو هما إذا علم، وإلا .. قبل قطعًا؟ فيه احتمالان للرافعي، صحح المصنف الأول. قال: (ويقبل قوله قبل عزله: حكمت بكذا)؛ لقدرته على الإنشاء حينئذ، حتى لو قال على سبيل الحكم: نساء هذه القرية طوالق من أزواجهن .. قبل قوله من غير حجه. وعن مالك: لا يقبل قوله إلا بحجة بينة. ورد بولي البكر المجبر إذا قال: زوجتها من هذا .. فإنه يقبل بالإجماع، ففرق مالك بأن ولي البكر غير مهتم؛ لتمام شفقته، بخلاف الحاكم. قال الشيخ عزل الدين: وقول مالك متجه. قال: (فإن كان في غير محل ولايته .. فكمعزول)؛ لأنه ليس له إنشاء الحكم ثَمَّ، فلا يقبل إقراره. والمراد بـ (محل ولايته): بلد قضائه. وظن بعضهم أنه لا ينفذ حكمه في غير مجلسه المعد للحكم، وهو خطأ صريح نبه عليه ابن الصلاح والمصنف في (الطبقات). وقوله: (كمعزول) يفهم أن الولاية ليست ثابتة له في هذه الحالة، ويؤيده أن الواحد من العصبات لا يسمى وليًا في النكاح قبل الإذن حقيقة، لكن كلام الإمام مصرح بأن الولاية ثابتة، وإنما تعذر الشرط نفوذ الحكم، ولهذا إذا عاد .. لا يحتاج إلى تولية جديدة.

стр. 4961

وَإِذَا ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى مَعْزُولٍ أَنَّهُ أَخَذَ مَالَهُ بِرَشْوَةٍ أَوْ شَهَادَةِ عَبْدِيْنِ مَثَلًا .. أُحْضِرَ وَفُصِلَتْ خُصُومَتُهُما، وَإِنْ قَالَ: حَكَمَ بِعَبْدِيْنِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَالًا .. أُحْضِرَ. وَقِيلَ: لاَ حَتَّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِدَعْوَاهُ، ــ قال: (وإذا ادعى شخص على معزول أنه أخذ ماله برشوة أو شهادة عبدين مثلًا) أي: أو غيرهما ممن لا تقبل شهادته. قال: (.. أحضر وفصلت خصومتهما)؛ لأن هذا كالغصب، وله أن يوكل ولا يحضر، فإذا حضر أو وكيله .. استؤنفت الدعوى. وإنما يجب إحضاره إذا ذكر شيئًا يقتضي المطالبة شرعًا كما مثله المصنف، فلو طلب إحضاره إلى مجلس الحكم ولم يعين شيئًا .. لم يجب إليه؛ إذ قد لا يكون له حق، وإنما قصد ابتذاله بالخصومة. و (الرشوة) مثلثة الراء: عطية بشرط أن يحكم له بغير حق، أو يمتنع عن الحكم عليه بحق، بخلاف الهدية؛ فإنها عطية مطلقًا. وأول من ارتشى في الأحكام يرفأ حاجب عمر، فلما علم به .. عزله. قال: (وإن قال: حكم بعبدين، ولم يذكر مالًا .. أحضر)؛ ليجيب عن دعواه كما لو طلب إحضار غيره، كذل صححه في (الروضة)، ولم يطلقه في (أصلها)، بل نقله عن الروياني وغيره، وظاهر ما في (الصغير) و (المحرر) ترجيح الوجه الثاني؛ إذ قال في (المحرر): رجحه مرجحون، وفي (الشرح) الصغير رجعه البغوي، ولم يتعرض فيهما لتجيح الأول. قال في (الدقائق): وليس ما في (المنهاج) مخالفًا لما في (المحرر)؛ لأنه لا يمنع أن الأول رجحه آخرون أو الأكثرون، قال: وقد صحح هو الأول في (الشرح)، وصححه آخرون. اهـ وليس في (الشرحين) هاهنا إلا ما تقدم من الإغراء. قال: (وقيل: لا حتى تقوم بينة بدعواه)؛ لأن الظاهر جريان حكمه على الصواب، واختاره الشيخ.

стр. 4962

فَإِنْ حَضَرَ وَأَنْكَرَ .. صُدِّقَ بِلاَ يَمِينٍ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: بِيَمِينٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوِ ادُّعِيَ عَلَى قَاضٍ جَوْرٌ فِي حُكْمٍ .. لَمْ يُسْمَعْ، وَيُشْتَرَطُ بَيِّنَةٌ، ــ قال: (فإن حضر وأنكر .. صدق بلا يمين في الأصح) واستحسنه الرافعي في) الكبير)، ورجحه في (الصغير) أيضًا، وصححه الشيخ في (الحلبيات)؛ لأنه أمين الشرع فيصان منصبه عن التحليف والابتذال بالمنازعات الباطلة كالمودع. قال: (قلت: الأصح: بيمين والله أعلم)؛ لعموم قوله ﷺ : (واليمين على من انكر) واختاره العراقيون والروياني، ولا فرق في ذلك بين أن يدعي عليه الحكم في مال أو دم. ثم إن المصنف خالف هذا في (الروضة) في (الدعاوى)، فصحح في الباب الثالث: أن القاضي المعزول لا يحلف، وهو الصواب؛ فقد نص عليه الشافعي كما نقله شريح الوياني في (روضته)، والعموم مخصوص بالمعنى كما خصت الملامسة بالمحارم، فإن اليمين إنما توجهت على المنكر لاتهامه بدفع الضرر عن نفسه، وهو منتف عن القاضي؛ لأنه أمين الشرع فلا تتطرق إليه تهمة، وأحكامه الأصل فيها السداد حتى يقوم دليل على خلافه. هذا فيمن عزل مع بقاء أهليته أما من ظهر فسقه وجوره وعلمت خيانته .. فالظاهر أنه يحلف قطعًا، ولا يأتي فيه خلاف. والدعوى على نائب المعزول كالدعوى على المعزول؛ لانعزاله بعزله على الأصح، وأما امناؤه الذين يجوز لهم اخذ الجرة إذا حوسب بعضهم فبقي عليه شيء فقال: أخذت هذا المال أجرة على عملي، وصدقه المعزول .. لم ينفعه تصديقه، ويسترد منه ما يزيد على أجرة المثل. قال: (ولو ادعي على قاضٍ) أي: في حال ولايته (جور في حكم .. لم يسمع، ويشترط بينة)؛ لأنه لو فتح باب التحليف .. لتعطل القضاء، وعلله الشيخ بأن القاضي نائب الشرع، والدعوى على النائب دعوى على المستنيب، والدعوى على الشرع لا تسمع.

стр. 4963

وَإِنْ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِحُكْمِهِ .. حَكَمَ بَيْنَهُمَا خَلِفَتُهُ أَوْ غَيْرُهُ. فَصْلٌ: لِيَكْتُبِ الإِمَامُ لِمَنْ يُوَلِّيهِ، ــ فإن فرض إقامة بينة عادلة .. فقد خرج عن إنابة الشرع، فتسمع إذ ذاك كما أن المعزول ليس نائبًا للشرع الآن. وكذلك الشاهد إذا ادعي عليه أنه شهد بالزور وأريد تحليفه كما سيأتي في كلام المصنف في (الدعوى). وعن الشيخ أبي حامد: أن قياس المذهب التحليف في الجميع كسائر الأمناء إذا ادعيت خيانتهم. قال: (وإن لم تتعلق بحكمه .. حَكَمَ بينهما خليفتُه أو غيره)؛ لأجل فصل الخصومة. تتمة: إذا لم يتظلم متظلم على القاضي المعزول .. لم يجب على المولى تتبع أحكامه، وفي جوازه وجهان: أحدهما: نعم احتياطًا. والثاني – وهو الذي يظهر من جزم (الروضة) -: لا؛ لأنه قدح فيه، ولأن الظاهر منها السداد، فإن ظهر له فيها المخالفة، فإن تعلقت بحق الله كطلاق وعتق .. قال القاضي أبو الطيب: فسخها، وإلا .. لم يتعرض لها؛ لأن لها مستحقًا معينًا. هذا في أحكام الصالح للقضاء، اما من لا يصلح .. فتنتقض أحكامه كلها، أصاب فيها أم أخطأ؛ لأنه حكم من لا يجوز حكمه فأشبه احكام بعض الرعية من غير تحكيم، كذا صرح به طوائف من العراقيين. قال: (فصل: ليكتب الإمام لمن يوليه)؛ لأن النبي ﷺ كتب لعمرو بن حزم كتابًا حين بعثه إلى اليمن وهو ابن سبع عشرة سنة، رواه أصحاب السنن.

стр. 4964

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وكتب لحبان الصدائي، رواه أحمد مطولًا [٤/ ١٦٨]، وابن أبي شيبة مختصرًا وكتب لوائل بن حجر. وكتب أبو بكر لأنس حين بعثه إلى البحرين، وختمه بخاتم النبي ﷺ ، رواه البخاري في (الزكاة) [٣١٠٦]. وروى حارثة بن مضرب: أن عمر ﵁ كتب إلى أهل الكوفة: أما بعد: فإني بعثت إليكم عمارًا أميرًا وعبد الله بن مسعود قاضيًا ووزيرًا، فاسمعوا لهما وأطيعوا؛ فقد آثرتكم بهما. وقال القفال الشاشي: ينبغي أن يتخذ الإمام لنفسه نسخة منه؛ ليتذكر بها إن نسي أنه ولاه. ويستحب أن يعظه فيه، وأن يوصيه بتقوى الله، والعمل بما في العهد، ومشاورة أهل العلم، وتفقد الشهود والأطفال وغير ذلك. وفي معنى الإمام: القاضي الكبير إذا استخلف في أعماله البعيدة. وينبغي للقاضي أن يتصفح كل ما يكتب عنه؛ لاحتمال أن يصف عليه الكاتب شيئًا. وإتيان المصنف بـ (لام الأمر) يقتضي وجوب الكتابة، وليس كذلك بالاتفاق، بل هو مستحب، ولهذا لم يكتب النبي ﷺ لمعاذ بن جبل، بل اقتصر على وصيته. ويستحب أن يقرأ عليه عهد عمر الذي كتبه إلى أبي موسى، رواه أحمد والدراقطني [٤/ ٢٠٦] والبيهقي [١٠/ ١٣٥]. قال الشيخ أبو إسحاق في (الطبقات): وهو من أجل كتاب؛ فإنه بين فيه آداب القضاء وصفة الحكم وكيفية الاجتهاد واستنباط القياس، ولفظه:

стр. 4965

وَيُشْهِدْ بِالْكِتَابِ شَاهِدَيْنِ ــ أما بعد: فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فافهم إذا ولي إليك؛ فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له. آس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك؛ حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك. البينة على المدعي واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا احل حرامًا او حرم حلالًا. ولا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق؛ فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل. الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم اعرف الأشباه والأمثال، وقس الأمور عند ذلك، واعمد إلى أقربها إلى الله وأشبهها بالحق، واجعل للمدعي أمدًا ينتهي إليه، فإن أحضر بينة .. أخذت له بحقه، وإلا .. استحلت عليه القضية؛ فإنه أنفى للشك وأجلى للعمى. المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودًا في حد، أو مجربًا عليه شهادة زور، أو ظنينًا في ولاء أو نسب، فإن الله تعالى تولى منكم السرائر، ودرأ بالبينات والأيمان. وإياك والقلق والضجر والتأذي بالخصوم والتنكر عند الخصومات؛ فإن الحق في مواطن الحق يعظم الله به الأجر، ويجزل عليه الذخر، فمن صحت نيته وأقبل على نفسه .. كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تخلق للناس بما يعلم الله أنه ليس من نفسه .. شأنه الله، فما ظنك بثواب غير الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته، والسلام. قال: (ويشهد بالكتاب شاهدين) سواء قرب محل الولاية أم بعد؛ لقوله تعالى: ﴿وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾، فيقرآنه أو يقرأه الإمام عليهما. فإن قرأه غير الإمام .. فالأحوط أن ينظرا فيه، ولو أشهدهما ولم يكتب .. كفى؛ فإن الاعتماد على الشهود، وهذه الشهادة ليست على قواعد الشهادات؛ إذ ليس هناك

стр. 4966

يَخْرُجَانِ مَعَهُ إِلَى الْبَلَدِ يُخْبِرَانِ بِالْحَالِ، وَتَكْفِي الاِسْتِفَاضَةُ فِي الأَصَحِّ، لاَ مُجَرَّدُ كِتَابٍ عَلَى الْمَذْهَبِ ..... ــ قاض تؤدي عنده الشهادات، بل يكفي إخبار محل اهل الولاية بها. قال: (يخرجان معه إلى البلد يخبران بالحال) ولا يشترط لفظ الشهادة ولا تقدم دعوى. وقال الماوردي: يشهدان عند اهل العمل، فإذا شهدا .. لزمهم طاعته. قال: (وتكفي الاستفاضة في الأصح)؛ لأنها آكد من الشهادة، ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن الخلفاء الراشدين الإشهاد. والثاني – وبه قال أبو إسحاق -: لابد من الإشهاد؛ لأن العقود لا تثبت بالاستفاضة كالبيع والوكالة والإجارة. ومحل الخلاف في البلد القريب، ومنهم من أطلقه كما فعل المصنف. قال الرافعي: ويشبه أن لا يكون في هذا خلاف، ويكون التعويل على الاستفاضة. قال: (لا مجرد كتاب على المذهب)؛ لإمكان تحريفه، قال تعالى: ﴿ولَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾، ولأن الخط لا يعتمد في كثير من الأحكام. والطريقة الثانية حاكية لوجهين. وجه القبول: عدم الجرأة في مثل ذلك على الإمام، وصححه الهروي والجاجرمي. وخص الإمام والغزالي موضع الخلاف بظهور مخايل الصدق في الكتابة، فإن تجرد عن ذلك .. لم يكف قطعًا. وذكر المصنف في زوائد (الروضة) و (شرح المهذب) أنه يجوز الاعتماد في الفتوى على خط المفتي إذا اخبره من يقبل خبره أنه خطه، أو كان يعرف خطه ولم يشك فيه، وينبغي اعتباره هنا أيضًا.

стр. 4967

وَيَبْحَثُ الْقَاضِي عَنْ حَالِ عُلَمَاءِ الْبَلَدِ وَعُدُولِهِ، ــ وأفهم كلام المصنف انه لا يكفي مجرد إخبار القاضي لهم، ولا خلاف في ذلك إن لم يصدقوه، فإن صدقوه .. ففي لزوم طاعته عليهم وجهان في (الحاوي)، وقياس ما سبق في (الوكالة) انه تلزمهم طاعته؛ فإن الإمام لو أنكر توليته .. كان القول قوله. قال: (ويبحث القاضي عن حال علماء البلد وعدوله)؛ لأنه لا بد له منهم، فندب تقديم العلم بهم، وهذا قبل خروجه، فإن لم يتيسر .. سأل في الطريق، فإن لم يجد .. فحين يدخل، يسأل عنهم سرًا وعلانية ليعاملهم إذا دخل عليهم بما يليق بهم؛ ففي الناس بر وفاجر، وأمين وخائن، اللهم إلا أن يكون يعلم بحالهم. نصيحة: قال الشيخ: ينبغي للقاضي أن لا يغفل عن ثلاثة أمور: مراقبة الله تعالى في الإخلاص، والنبي ﷺ في أنه لا يدخل في شريعته ما ليس منها، وعباد الله اجمعين في أنه لا يحصل لأحد منهم أذى من جهته إلا إذا وجب عليه بالشرع شيء، فيكون فعله تنفيذًا لحكم الشرع لا من جهة نفسه. ولا يعجل بمدح ولا ذم، ولا قول ولا فعل، ولا يسمع من أحد في أحد حتى يتروى. وإذا قيل له في أحد شيء فطباع التأثر .. فيمسك نفسه ويصبر حتى ينظر في ذلك القول إذا خلي وحده، ويحاسب نفسه مع ربه، ويعرض ما هَمَّ به على الشرع المبين. ويجرد نفسه عن الغرض، ويفعل ذلك مرة بعد مرة، فإذا تبين له أمر .. أقدم عليه. وفي (كامل ابن عدي) وغيره عن الحسن: ان النبي ﷺ كان لا يأخذ احدًا بقرف أحد، ولا يسمع كلام أحد في أحد.

стр. 4968

وَيَدْخُلُ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ، ــ وقال الزبيلي في (أدب القضاء): يجب على من ولي القضاء أن يذكر مقامه بين يدي الله تعالى يوم يدعى للحساب. وقال محمد بن واسع: أول من يدعى للحساب يوم القيامة القضاة. وقال عبد الله بن وهب: العلماء يحشرون مع الأنبياء والقضاة مع السلاطين. ولذلك لما عرض عليه القضاء .. جنن نفسه ولزم بيته، وقرئ عليه كتاب (أهوال يوم القيامة) فخر مغشيًا عليه، ولم يتكلم حتى مات في اليوم الثالث في سنة تسع وتسعين ومئة. قال: (ويدخل يوم الإثنين)؛ ففي (البخاري) [٣٩٠٦]: ان النبي ﷺ دخل المدينة فيه حين تعالى النهار. فإن فاته .. فيوم الخميس؛ لما روى ابن ماجه [٢٢٣٧] عن أبي هريرة: ان النبي ﷺ قال: (اللهم؛ بارك لمتي في بكورها يوم الخميس). ويستحب ان يكون دخوله أول النهار؛ للحديث المذكور، وكذلك كل من له وظيفة كقراءة أو تسبيح أو اعتكاف ونحوها من العبادات، أو صنعة أو عمل من العمال، أو أراد سفرًا أو إنشاء أمر كعقدة نكاح؛ لما روى الأربعة واحمد [٣/ ٤١٧] عن صخر بن وداعة الغامدي – بالغين المعجمية والدال المهملة، ولا يعرف له غير هذا الحديث -: أن النبي ﷺ كان إذا بعث سرية أو جيشًا .. بعثهم أول النهار، وكان صخر رجلًا تاجرًا، وكان إذا بعث تجارة .. بعثها أول النهار، فأثرى وكثر ماله.

стр. 4969

وَيَنْزِلُ وَسَطَ الْبَلَدِ، وَيَنْظُرُ أَوَّلًا فِي أَهْلِ الْحَبْسِ – فَمَنْ قَالَ: حُبِسْتُ بِحَقٍّ .. أَدَامَهُ، ــ قال: (وينزل وسط البلد)؛ لئلا يطول الطريق على بعضهم، ويجمع الناس، ويقرأ عليهم العهد، ويتسلم المحاضر والسجلات من القاضي الذي كان قبله ليحفظها على أربابها، ويتسلم منه أموال الأيتام والضوال والوقوف وغيرها. قال: (وينظر أولًا في اهل الحبس)؛ لأنه عذاب، وإدامته بلا سبب لا سبيل إليها. قال الرافعي: وهذا مستحب، وقال الإمام: واجب، وليس هذا من تعقيب أحكام القاضي الأول حتى يجب فيه الاستعداد، بل لنه قد يكون فيه مظلوم لا يتمكن من التظلم. وكيفية النظر أن يبعث أمينين او أمينًا وشاهدين ليكتبا أسماء من فيه وأسماء من حبسهم وفي أي شيء حبسوا، ويقرع الأمين بينهم، فمن خرجت قرعته قدم اسمه ثم يقدمه في النظر في أمره، وإذا نظر في الأيتام .. قدم من شاء. والفرق أن المحابيس ينظر لهم، والأيتام ينظر عليهم، وموضع الباءة بهذا وما بعده إذا لم يزاحمه حق يعظم الضرر بتأخيره من خصوم حضروا، أو فصل معضلة أشكلت على من قبله، أو حفظ ما أشرف على الضياع ليتم لا قيم له ونحو ذلك، فالبداية به متعينة، وكلام الأصحاب محمول على الحالة الأولى. قال: (فمن قال: حسبت بحق .. أدامه)؛ لأنه يستحقه، وهذا ليس على إطلاقه، بل إن كان حدًا .. أقامه عليه وأطلقه. وإن كان تعزيرًا .. فقال الغزالي: يطلقه الثاني، ولم يتعرض الجمهور لهذا. فإن بانت خيانته عند الثاني ورأى إدامة حبسه .. فالقياس الجواز. قال ابن الصلاح: كلام الغزالي محمول على ما إذا كان فيما مضى من حبسه كفاية في تعزيره. وجزم الماوردي والروياني بانه يحسبه وإن لم يكمل مدة الحبس في نظر الأول؛ لأن القاضي الثاني لا يعزر لذنب غيره.

стр. 4970

أَوْ ظُلْمًا .. فَعَلَى خَصْمِهِ الْحُجَّةُ، فَإِنْ كَانَ غَائِبًا .. كَتَبَ إِلَيْهِ لِحْضُرَ – ثُمِّ الأَوْصِيَاءِ، فَمَنْ ادَّعَى وِصَايَةً .. سَأَلَ عَنْهَا وَعَنْ حَالِهِ ــ وإن كان حبس بمال .. أمر بأدائه، فإن ادعى الإعسار .. فعلى ما سبق في (التفليس)، فإن لم يؤد ولم يثبت إعساره .. رد إلى الحبس، وإن أدى أو ثبت إعساره .. نودي عليه؛ لاحتمال خصم آخر، فإن لم يحضر أحد .. أطلق. قال: (أو ظلمًا .. فعلى خصمه الحجة) ويكون القول قول المحبوس بيمينه. لم يخلق الله محبوسًا تسائله ما بال حبسك إلا قال مظلومًا فإن اعترف الخصم بالظلم أو كان القاضي يعلمه .. أطلقه. وحيث اطلق من ادعى أنه حبس ظلمًا .. لم يطالب بكفيل على الأصح. قال: (فإن كان غائبًا .. كتب إليه ليحضر) لفصل الخصومة بينهما، فإن قال: لا خصم لي أو لا أعلم كيف حبست .. نودي عليه لطلب الخصم، فإن لم يحضر أحد .. حلف وأطلق. قال: (ثم الأوصياء) وكذا اولياء المجانين والسفهاء؛ لأن الوصي يتصرف في حق من لا تمكنه المرافعة والمطالبة كالأطفال وأصحاب الجهات العامة، وإنما ينظر في الأوصياء بعد ثبوت الوصاية عنده بطريقه. هذا إذا كان الأيتام في عمله، فإن كانوا في غيره والأوصياء والمال في عمله .. فالأصح عن الشيخين في آخر (باب القضاء على الغائب): أن الاعتبار بمكان الطفل لا المال، ومال إليه الإمام، وصححه ابن أبي الدم، وهو أحد جوابي القاضي حسين. قال: (فمن ادعى وصاية .. سأل عنها) أي: حال الوصية، وهل لها حقيقة أو لا؟ قال: (وعن حاله) بالنسبة إلى الأمانة والكفاية.

стр. 4971

وَتَصَرُّفِهِ، فَمَنْ وَجَدَهُ فَاسِقًا .. أَخَذَ الْمَالَ مِنْهُ، أَوْ ضَعِيفًا .. عَضَدَةُ بِمُعِنٍ، وَيَتَّخِذُ مُزَكِّيًا وَكَاتِبًا، ــ قال: (وتصرفه) فإن قال: فرقت ما أوصى به، فإن كان لمعين .. لم يتعرض له، أو لجهة عامة وهو عدل .. أمضاه، أو فاسق .. ضمنه. قال: (فمن وجده فاسقًا .. أخذ المال منه)، وكذا لو شك في عدالته في احد الوجهين. قال: (أو ضعيفًا .. عضده بمعين)؛ لأن ذلك من المصالح العامة، وكذلك إذا كان المال كثيرًا لا يمكن الواحد حفظه والتصرف فيه، فإن أقام الوصي بينة أن القاضي قبله .. نفذ وصايته، وقبل تصرفه .. قرره. ثم بعد الأوصياء ينظر في أمناء القاضي المنصوبين على الأطفال وتفرقة الوصايا، فمن تغير بفسق أو غيره .. صرفه، وإلا .. أبقاه. ثم ينظر في الأوقاف العامة والمتولين عليها، وفي اللقط والضوال، ويقدم من ذلك الأهم فالأهم. قال: (ويتخذ مزكيًا) يعرفه حال من يجهل عدالته من الشهود؛ لأنه لا يمكنه البحث عنهم، وستاتي صفة المزكي في الفصل الآتي. وإفراده المزكي أراد به الجنس، وكان حقه أن يقول: مزكين، لكنه إنما لم يذكره لأنه يوجد من شرط التعديل كما سياتي. قال: (وكاتبًا)؛ لأن النبي ﷺ كان له كُتَّاب فوق الأربعين، ذكر السهيلي منهم ثلاثة وعشرين، منهم الخلفاء الأربعة، وذكر أبو نعيم وابن منده منهم السجل. وفي (سنن أبي داوود) [٢٩٢٨] في (كتاب الخراج): كان السجل كاتبًا لرسول الله ﷺ ، وقال ابن دحية: كان يكتب له ثم تنصر، فأظهر الله لنبيه ﷺ فيه معجزة، وهو أنه لما دفن .. لفظته الرض ولم تقبله. وفي (صحيح البخاري) في (باب علامات النبوة) [٣٦١٧] عن أنس: أن رجلًا كان نصرانيًا فأسلم، وقرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب للنبي صلى الله عليه

стр. 4972

وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُسْلِمًا، عَدْلًا، عَارِفًا بِكِتَابَةِ مَحَاضِرَ وَسِجِلَّاتٍ، ــ وسلم، فعاد نصرانيًا، فأماته الله فدفنوه، فأصبح وقد لفظته الأرض. وأفرد المصنف الكاتب؛ ليعلم أنه لا يشترط فيه العدد، بل يتخذ ما تقع الكفاية به واحدًا أو جماعة، والأولى أن يقتصر على واحد إن حصلت الكفاية به. قال الماوردي: وللكاتب أن يتخذ كاتبًا كما يجوز للقاسم أن يتخذ قاسمًا. قال: (ويشترط كونه مسلمًا)؛ لقوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ﴾ الآية، وقد تقدم في (قسم الفيء والغنيمة) حديث أبي موسى وغيره. وجزم في (التنبيه) والمحاملي في (التجريد) بالجوز؛ لأن ما يكتبه لابد أن يقف عليه القاضي ثم يمضيه، والمشهور الأول، ولا يأتي هذا الوجه إذا كان القاضي أميًا. قال الشافعي: ولا ينبغي لقاض ولا وال أن يتخذ كاتبًا ذميًا، ولا يضع الذمي في موضع يفضل به مسلمًا، فيعز بالمسلمين أن تكون لهم حاجة إلى غير أهل دينهم، والقاضي أقل الخلق في هذا عذرًا. قال: (عدلًا)؛ لأن القاضي قد يغفل عما يكتبه، فإذا كان فاسقًا .. لم تؤمن خيانته. والثاني – وبه جزم في (التنبيه) وأقره عليه في (التصحيح) -: الاستحباب. قال: (عارفًا بكتابة محاضر وسجلات)؛ ليعلم صحة ما يكتبه من فساد. و (المحاضر) جمع كحضر بفتح الميم، وهو: ما يكتب فيه ما جرى للمتحاكمين في المجلس وحجتهما، فإن كتب مع ذلك تنفيذ الحكم .. سمي سجلًا. ولا ينبغي التخصيص بهما، بل سائر الكتب الحكمية كذلك. وأهمل المصنف اشتراط الحرية؛ لدخولها في وصف العدالة، واعترض عليه بان العدالة لا تنافي الرق، وأيضًا فقد جمع بينهما في المترجم كما سيأتي فدل على عدم الدخول. كل هذا فيما يتعلق بالحكم، فإن اراد أن يستكتب في خاصة نفسه .. جاز له أن يستكتب من شاء.

стр. 4973

وَيُسْتَحَبُّ فِقْهٌ، وَوُفُورُ عَقْلٍ، وَجَودَةُ خَطٍّ، ــ قال: (ويستحب فقه)؛ لئلا يؤتي من قبل الجهل. والمراد به: الفقه في احكام الكتابة، ومعرفة شروط المحاضر والسجلات، واستعمال الألفاظ الموضوعة لها، والتحرز من الألفاظ المجملة. قال: (ووفور عقل)؛ لئلا يدلس عليه، وجزم الماوردي والقاضي أبو الطيب باشتراطه. ويستحب فيه أيضًا أن يكون ذا عفة عن الطمع، لا يستمال بهدية. قال: (وجود خط)؛ ليزين ما يكتبه، وذلك بأن يكون ضابطًا للحروف وما يحصل بسببه الاشتباه. قال علي ﵁: الخط الحسن يزيد الحق وضوحًا. قال الرافعي: والأولى أن يجلسه القاضي بين يديه، وقال الماوردي وغيره: عن جهة يساره؛ ليشاهد ما يكتبه. ويستحب أن يكون حاسبًا؛ لأنه يحتاج إلى الحساب في كتب المقاسمات والمواريث، وأن يكون فصيحًا عارفًا بلغات الخصوم، قوي الخط، قائم الحروف، عالمًا بمواضع التدليس، ضابطًا لا يلتبس في خطه تسعة بسبعة ولا خمسة عشر بخمسة وعشرين. فائدة: قوله تعالى: ﴿يَزِيدُ فِي الخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾: قيل: الخط الحسن، وقيل: ملاحة العين. وقال الجوهري: التواضع في الأشراف، والسخاء في الأغنياء، والتعفف في الفقراء. وقال الزمخشري: الوجه الحسن، والشعر الحسن، وطول القامة، والاعتدال والتمام في الأعضاء، والقوة في البطش، والحصافة في العقل، والجزالة في الرأي، وجرأة في القلب، وسماحة في النفس، وذلاقة في اللسان، وإبانة في التكلم،

стр. 4974

وَمُتَرْجِمًا، وَشَرْطُهُ: عَدَالَةٌ، وَحُرِّيَّةٌ، وَعَدَدٌ، ــ وحسن تأتِّ في مزاولة الأمر، وما أشبه ذلك مما لا يحيط به الوصف. قال: (ومترجمًا)؛ لأن القاضي قد لا يعرف لسان الخصوم والشهود، والمراد: يتخذه عارفًا باللغات التي يغلب وجودها في ذلك العمل. فإن كان القاضي يعرف لغة الخصوم .. لم يتخذه. واستدلوا لاتخاذ المترجم بأن النبي ﷺ قال لزيد بن ثابت: (تعلم لغة العبرانية؛ فإن اليهود يكتبون بها، وما أحب أن يقف على كتبي كل أحد) قال: فتعلمتها في نصف شهر، فكنت أقرأ كتبهم على رسول الله ﷺ ، وأكتب لهم، رواه أبو داوود [٣٦٤٠] والحاكم في (كتاب الأيمان) من (مستدركه) [١/ ٧٥] وقال: صحيح الإسناد، والبخاري تعليقًا بصيغة جزم. وهل اجرة المترجم على صاحب الحق او في بيت المال؟ فيه وجهان: أقربهما الثاني. وعلى الأول: اجرة من يترجم للمدعي .. عليه، ومن يترجم للمدعى عليه .. عليه. و (الترجمان) جمعه تراجم، كزعفران جمعه زعافر، وجعل الجوهري تاءه زائدة فذكره في رجم، والمعروف أنها أصلية، فكان حقه أن يذكرها في بابها. قال: (وشرطه: عدالة، وحرية، وعدد)؛ لأنه ينقل إلى القاضي قولًا لا يعرفه فأشبه المزكي والشاهد، بخلاف الكاتب؛ فإنه لا يثبت شيئًا. وحكى في (الذخائر) تبعًا للإمام وجهًا: انه يكفي واحد، واختاره ابن المنذر؛ لحديث زيد بن ثابت، وأشار افمام إلى تخصيص الخلاف بما إذا كان يحضره من يعرف لسانهما. فلو كان الخصمان اعجميين وليس هناك غيرهما .. فالوجه القطع باشتراط العدد. وزاد في (المحرر) اشتراط التكليف، وأسقطه المصنف؛ لدخوله في شرط العدالة، وشرط الماوردي انتفاء التهمة، فلا تقبل ترجمة الوالد والولد كما لا تقبل

стр. 4975

وَالأَصَحُّ: جَوَازُ أَعْمَىً، وَاشْتِراطُ عَدَدٍ فِي إِسْمَاعِ قَاضٍ بِهِ صَمَمٌ ــ شهادتهما، وهو ظاهر إن كانت الترجمة عن القاضي بالحكم لأبيه أو ابنه، أو عن الخصم بما يتضمن حقًا لبيه أو ابنه، فإن كانت بما يتضمن حقًا عليهما .. فلا يظهر؛ لامتناعه وجه. والمراد بـ (العدد): أقل العداد، فإن كان الحق مما يثبت برجل وامرأتين .. قبلت الترجمة من رجل وامرأتين، خلافًا للإمام. وفي الزنا هل يشترط أربعة أو يكفي رجلان؟ قولان كالشهادة على الإقرار، وهل يكفي للخصمين اثنان أو يجب لكل منهما اثنان؟ قولان كشهود الفرع. وعلم من اشتراط العدد اشتراط لفظ الشهادة، وهو كذلك. وأشار الرافعي تفقهًا إلى جريان الوجه الآتي في المسمع هنا حتى يكتفي بلفظ الخبر، وقد صرح بنقله الماوردي وضعفه. هذا في نقلهما من الخصوم إلى القاضي، أما نقلهما عن القاضي إلى الخصوم .. فقال الماوردي: ان المغلب عليه الخبر؛ لأن الشهادة لا تكون إلا عند قاض فيكفي فيها الواحد حرًا كان أو عبدًا، ولا يشترط العدد، وفي كلام القاضي ما يوافقه، وهو ظاهر. قال: (والأصح: جواز أعمىً)؛ لأن الترجمة تفسير للّفْظ فلا يحتاج إلى معاينة وإشارة، بخلاف الشهادة. والثاني: لا يجوز كالشاهد، فالذي صححوه هنا غلبوا فيه شائبة الرواية، وهو مخالف ما سبق من اشتراط العدالة والحرية من تغليب الشهادة. قال: (واشتراط عدد في إسماع قاض به صمم) كالمترجم. والثاني: لا؛ لأن المسمع لو غيَّر .. أنكر عليه الخصم والحاضرون، بخلاف المترجم. والثالث: إن كان الخصمان أصمين .. اشترط، وإن كانا سميعين .. فلا. والمراد هنا: صمم يسمع معه برفع الصوت، وإلا .. استحالت المسألة؛ إذ لا تصح ولايته.
следующие страницы →