← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13783

النجم الوهاج في شرح المنهاج

الدميري

Полный текст (5 377 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

لاَ كَثِيرِهِ فِي الأَصَحِّ ــ يعلم تحريم التنحنح ولا كونه مبطلًا وهو طويل العهد بالإسلام .. فالأصح: أنه يعذر؛ لأنه يخفى على العوام. وأما الناسي للصلاة .. فلقصة ذي اليدين، فإنها متأخرة عن النهي عن الكلام في الصلاة؛ لأن نسخ الكلام في الصلاة كان بمكة؛ وقصة ذي اليدين حضرها أبو هريرة وغيره ممن لم يصحب النبي ﷺ إلا بالمدينة، فمن ادعى أنها منسوخة بـ (النهي عن الكلام) .. فهو غالط جاهل بالتاريخ. وذو اليدين تأخرت وفاته إلى بعد وفاة رسول الله ﷺ ، وذو الشمالين الذي مات ببدر غيره. فإذا ثبت تأخر قصة ذي اليدين .. فالنهي محمول على العمد. قال: (لا كثيره في الأصح) أي: لا يعذر في الكثير وإن سبق لسانه، أو نسي الصلاة، أو جهل التحريم وكان قريب العهد بالإسلام؛ لأنه يمكن الاحتراز منه؛ ولأنه يقطع نظم الصلاة والقليل يحتمل. والثاني: يعذر فيه؛ لأنه لو أبطلها .. لأبطلها القليل كما في حالة العمد. والفرق بين هذا وبين الصوم حيث لا يبطل بالأكل الكثير ناسًا- على ما صححه المصنف-: أن المصلي متلبس بهيئة مذكرة بالصلاة يبعد معها النسيان بخلاف الصائم. وصحح الشيخ تبعًا للمتولي: أن الكلام الكثير نسيانًا لا يبطل؛ لقصة ذي اليدين. ويرجع في القليل والكثير إلى العرف على الأصح. وقيل: القليل: مثل ما تكلم به النبي ﷺ في حديث ذي اليدين، وقيل: الكلمة والكلمتان ونحوهما، وفي قول: ما يسع زمانه ركعة، وفي وجه: ما لا تسعه تلك الصلاة.

стр. 562

وَفِي التَّنَحْنُحِ وَنَحْوِهِ لِلْغَلَبَةِ وَتَعَذُّرِ الْقِرَاءَةِ، لاَ الْجَهْرِ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْكَلاَمِ .. بَطَلَتْ فِي الأَظْهَرِ ــ قال: (وفي التنحنح ونحوه) أي: مما سبق في الضحك والبكاء والنفخ والعطاس. و (التنحنح): صوت يردده الرجل في صدره. قال: (للغلبة وتعذر القراءة)؛ لأنه معذور. والمراد: القراءة الواجبة وهي: (الفاتحة)، أو بدلها عند العجز عنها، وفي معنى ذلك التشهد الواجب، والصلاة على النبي ﷺ ، وسكت المصنف عن حكم المستحب. والقياس: تخريجها على الخلاف في الجهر، والأصح فيه: أنه ليس بعذر. وقيل: لا يعذر للقراءة، حكاه المحب الطبري. أما السعال والعطاس .. فالصواب: عدم الإبطال بكثرتهما؛ لأنه لا يمكن الاحتراز من ذلك، ولا ينقطع به نظم الصلاة. وما وقع للرافعي والمصنف في ذلك من الفرق بين القليل والكثير رده الشيخ وغيره. فرع: لو تنحنح إمامه .. لم تجب مفارقته على الأصح؛ لاحتمال الغلبة وغيرها من الأعذار، والأصل بقاء العبادة. قال: (لا الجهر في الأصح)؛ لأنه سنة فلا حاجة لاحتمال التنحنح لأجله. والثاني: أنه يعذر؛ إقامة لشعائر الصلاة. وأما الجهر بأذكار الانتقالات عند الحاجة إلى سماع المأمومين .. فلا يبعد أن يكون عذرًا. قال: (ولو أكره على الكلام .. بطلت في الأظهر)؛ لأنه أمر نادر، وقياسًا على ما لو أكره على الصلاة قاعدًا أو بلا وضوء .. فإن ذلك لا يكون عذرًا.

стр. 563

وَلَوْ نَطَقَ بِنِظْمِ الْقُرْآنِ بِقَصْدِ التَّفْهِيمِ كَـ ﴿يَيَحيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ إِنْ قَصَدَ مَعَهُ قِرَاءَةً .. لَمْ تَبْطُلْ، وَإِلاَّ .. بَطَلَتْ ــ والثاني: لا كالناسي. قال: (ولو نطق بنظم القرآن بقصد التفهيم كـ ﴿ييحيى خذ الكتاب﴾)، ومثله: ﴿ادخلوها بسلام ءامنين﴾، ولم يمشي في نعليه: ﴿فاخلع نعليك﴾. واحترز (بنظم القرآن) عما لو أتى بكلمات مفرداتها في القرآن دون نظمها كقوله: يا قومنا، قوموا لله قانتين، فإن أتى به موصولًا .. بطلت صلاته، وإن فرق الكلام .. لم تبطل؛ لأن الجميع قرآن. قال: (إن قصد مع قراءة .. لم تبطل)؛ لأن عليًا كان يصلي، فدخل رجل من الخوارج فقال: لا حكم إلا لله ورسوله، فتلا علي: ﴿فاصبر إن وعد الله حق﴾، وسيأتي الخبر بتمامه في (باب البغاة). وفي وجه: تبطل في هذه الحالة؛ تغليبًا للإفهام. قال: (وإلا .. بطلت) أي: إذا قصد التفهيم وحده. وهذا لا خلاف فيه؛ لأنه كلام، ولهذا قال المصنف: (بنظم القرآن) ولم يقل: بالقرآن. وقال في (الدقائق): يفهم من عبارته أربع مسائل: إحداها: إذا قصد القراءة. والثانية: إذا قصد القراءة والإعلام. والثالثة: إذا قصد الإعلام فقط. والرابعة: أن لا يقصد شيئًا. ففي الأولى والثانية لا تبطل الصلاة فيهما، وفي الثالثة والرابعة تبطل فيهما. قال: وتفهم الرابعة من قوله: (وإلا بطلت) كما تفهم منه الثالثة وهذه الرابعة لم يذكرها في (المحرر)، وهي نفيسة لا يستغنى عن بيانها، وسبق مثلها في قول (المنهاج): (وتحل أذكاره لا بقصد قرآن) اهـ والصورة الرابعة لم يذكرها الرافعي ولا الماوردي ولا المتولي، وجزم الشيخ فيها بالبطلان، كما يحل للجنب ذكره؛ لأن مثل ذلك لا يصير قرآنًا إلا بالقصد، لكن ظاهر كلام (الحاوي الصغير) فيها عدم البطلان، وبه صرح القاضي شرف الدين البارزي، وجزم به الحموي شارح (الوسيط).

стр. 564

وَلاَ تَبْطُلُ بِالذَكْرِ وَالدُّعَاءِ، ــ وإطلاق البطلان فيما تقدم محمول على ما إذا أتى به وحده، أما إذا كان قد انتهى في قراءته إليه .. فقال المصنف والشيخ: لا تبطل. والاسترسال في القراءة قائم مقام القصد. والأقسام الأربعة تأتي في الجنب كما أشار إليه، وفيمن حلف أن لا يكلمه، فأتى بآية فهم المحلوف عليه منها ما قصده الحالف. تحقيق: إذا أرتج على الإمام القراءة، ففتح عليه المأموم بقصد الرد .. لم تبطل صلاته بلا خلاف؛ لأن الفتح مندوب للإمام في هذه الحالة- كما سيأتي- ففي (الدارقطني) [١/ ٤٠٠]، و (البيهقي) [٣/ ٢١٢]، و (الحاكم) [١/ ٢٧٦]- وقال: صحيح- عن أنس قال: (كان أصحاب النبي ﷺ يلقن بعضهم بعضًا في الصلاة). ولا يتخرج ذلك على هذه المسألة، كما صرح به الماوردي، والشيخ أبو إسحاق في (التذكرة) في الخلاف- وهو المنصوص- وكثيرًا ما يغلط في ذلك. وهو في (الشرح) و (الروضة) في (كتاب الأيمان) حيث قالا: لو صلى الحالف: لا يكلم زيدًا خلف المحلوف عليه، ففتح عليه القراءة .. لم يحنث، ولو قرأ آية فهم منها مقصوده .. لا يحنث إن قصد القراءة، وإلا .. فيحنث. قال: (ولا تبطل بالذكر والدعاء)؛ لقوله ﷺ : (ثم ليتخير

стр. 565

إِلاَّ أَنْ يُخَاطِبَ كَقَوْلِهِ لِعَاطِسٍ: (يَرْحَمُكَ اللهُ) ــ من الدعاء ما شاء)، ولأن النبي ﷺ دعا في مواضع من الصلاة بأدعية مختلفة، فدل على أنه لا حجر فيه. كل هذا بشرط النطق بالعربية إن كان يحسنها، وبشرط أن لا يقصد به شيئًا آخر، فإن كان قصد كسبحان الله بقصد التنبيه، وتكبيرات الانتقالات من المبلغ بقصد التبليغ .. ففيه التفصيل السابق. قال: (إلا أن يخاطب كقوله لعاطس: (يرحمك الله)) فتبطل بذلك؛ لحديث معاوية بن الحكم، وبالقياس على رد السلام. على أن يونس بن عبد الأعلى روى عن الشافعي قولًا غريبًا: أن الصلاة لا تبطل بذلك؛ لأنه دعاء، واختاره الروياني. وقيد الرافعي المسألة بغير خطاب الله تعالى، وخطاب النبي ﷺ . وأهمله المصنف؛ لأنه يؤخذ من التشهد. ويؤخذ من كلامه أيضًا: أنها تبطل بخطاب ما عدا النبي ﷺ من الملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام. فروع: إذا سلم على المصلي .. لا يجب عليه الرد لا في الحال ولا بعد السلام؛ لأن

стр. 566

وَلَوْ سَكَتَ طَوِيلاً بِلاَ غَرَضٍ .. لَمْ تَبْطُلْ فِي الأَصَحِّ ــ وجوبه منوط باستحباب السلام، والسلام عليه لا يستحب، بل نص الشافعي على كراهته على الخطيب، فعلى المصلي أولى، ليكن الأصح أنه يستحب له الرد بالإشارة ناطقًا كان المصلي أو أخرس؛ لأن النبي ﷺ رد على الأنصار بيده حين سلموا وهو في الصلاة، ورد على صهيب فيها بإصبعه، رواه أبو داوود [٩٢٢]. ولو عطس في صلاته .. حمد الله في نفسه ولا يحرك لسانه، قاله في (الإحياء)، لكن في (الروضة) في آخر (كتاب السير): أنه يسمع به نفسه. ولو نطق بقوله: قال رسول الله ﷺ كذا وكذا، أو قال الله كذا .. بطلت صلاته. ولو قرأ الإمام: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾، فقال المأموم مثل ذلك غير قاصد التلاوة، أو قال: استعنا بالله أو نستعين بالله .. بطلت. قال في (التحقيق): وقال الشيخ محب الدين الطبري: تصح؛ لأنه ثناء على الله. وقال الشيخ جمال الدين: إنه الحق، ويدل له قولهم في قنوت شهر رمضان: اللهم؛ إياك نعبد. قال: (ولو سكت طويلًا بلا غرض) أي: عمدًا في ركن طويل (.. لم تبطل في الأصح)؛ لأن السكوت لا يخل بهيئة الصلاة. والثاني: تبطل؛ لإشعاره بالإعراض عنها.

стр. 567

وَيُسَنُّ لِمَنْ نَابَهُ شَيْءٌ كَتَنْبِيهِ إِمَامِهِ، وَإِذْنِهِ لِدَاخِلٍ، وَإِنْذَارِهِ أَعْمَىً: أَنْ يُسَبِّحَ، وَتُصَفِّقَ الْمَرْأَةُ ــ واحترز بـ (الطويل) عن القصير، فإنه لا يضر قطعًا؛ لأنه مضرور إليه غالبًا. وبقوله: (بلا غرض) عما لو سكت لغرض، بأن نسي شيئًا فوقف ليتذكره .. فإنها لا تبطل على المذهب. قال: (ويسن لمن نابه شيء كتنبيه إمامه) أي: إذا سها (وإذنه لداخل، وإنذاره أعمى) أي: يخشى وقوعه في هلكة (أن يسبح، وتصفق المرأة)؛ لقوله ﷺ : (من نابه شيء في صلاته .. فليسبح؛ فإنه سبح .. التفت إليه، وإنما التصفيق للنساء) متفق عليه [خ٦٨٤ - م٤٢١]. وفي رواية [خ١٢١٨]: (من نابه شيء في صلاته .. فليقل: سبحان الله). وإذا سبح .. ينبغي له أن يقصد الذكر والإعلام، فإن قصد الإعلام فقط .. لم تبطل؛ لأنه مأمور به. فلو سبحت المرأة أو صفق الرجل .. لم تبطل في الأصح. والخنثى كالمرأة كذا في (شرح المهذب)، وعبارة (الروضة) تقتضي: أنه يسبح. وإنذار الأعمى لا شك في وجوبه، ولكن السنة في كيفيته: ما ذكره في التفرقة بين الرجال والنساء، فإن كان التنبيه سنة .. كان التصفيق سنة، وإن كان مباحًا .. فمباح. وإذا لم يحصل الإنذار بالتسبيح ونحوه بل بالكلام .. وجب، والأصح: بطلان الصلاة به. وصحح في (التحقيق) عكسه كما تقدم قريبًا.

стр. 568

بِضَرْبِ الْيَمِينِ عَلَى ظَهْرِ الْيَسَارِ. وَلَوْ فَعَلَ فِي صَلاَتِهِ غَيْرَهَا، إِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهَا .. بَطَلَتْ ــ وإذا لم يحصل إلا بالفعل الكثير .. فيتخرج على الخلاف في القول، فإذا لم نحكم ببطلان الصلاة .. فيتم صلاته في الموضع الذي انتهى إليه، قاله المحب الطبري. قال الشيخ: وإطلاق المصنف الاستحباب .. لك أن تجعله راجعًا إلى الكيفية، فيكون على إطلاقه من الفرق بين الرجال والنساء، وإن جعلته عائدًا إلى التسبيح والتصفيق .. فإنما يكونان سنتين إذا كان التنبيه قربة، فإن كان مباحًا .. كانا مباحين، قاله الشيخ أبو حامد وغيره. وقياس ذلك إذا كان التنبيه واجبًا، كإنذار الأعمى من الوقوع في بئر .. أن يكونا واجبين إذا تعين طريقًا في حصول المقصود. قال: (بضرب اليمين) أي: بطنها (على ظهر اليسار)، ولا ينبغي أن تضرب بطنًا على بطن؛ فإن ذلك لعب. ولو فعلته على وجه اللعب عالمة بالتحريم .. بطلت صلاتها وإن قل كما قاله الرافعي. وفي معنى الكيفية التي ذكرها المصنف .. أن تعكس فتضرب بطن الشمال على ظهر اليمين. وقيل: تضرب إصبعين على ظهر الكف. وقيل: تصفق كيف شاءت ولو بالباطن على الباطن. قال: (ولو فعل في صلاته غيرها) أي: فعلًا غير أفعالها (إن كان من جنسها) كزيادة ركوع أو سجود أو قيام أو قعود لا على وجه المتابعة (.. بطلت) إذا كان عالمًا بالتحريم؛ لأنه متلاعب. قال الإمام: ولا يشترط فيه أن يطمئن؛ لأنه يغير نظمها وإن لم يطمئن بخلاف الركن المعتد به؛ فإن مقصوده الخضوع ولا يحصل إلا بالمكث. نعم؛ يشترط في القعود أن يكون طويلاً، لكن يستثنى من إطلاق المصنف ما إذا كان قائمًا فانتهى إلى حد الركوع لقتل حية أو عقرب .. فإن ذلك لا يضر كما صرح به في (الكافي)، وما إذا جلس قبل سجوده جلسة خفيفة .. فإنها لا تضر.

стр. 569

إِلاَّ أَنْ يَنْسَى، وَإِلاَّ .. فَتَبْطُلُ بِكَثِيرِهِ لاَ قَلِيلِهِ، ــ واحترز بقوله: (فعل) عما إذا كرر الفاتحة أو التشهد .. فإن ذلك لا يضر على النص كما سيأتي. قال: (إلا أن ينسى) .. فلا تبطل؛ لأنه ﷺ صلى الظهر خمسًا ولم يعد صلاته، بل سجد للسهو، متفق عليه [خ١٢٢٦ - م٥٧٢]. وسكت المصنف عن الجاهل، ولا شك في عذر من قرب عهده بالإسلام ونحوه. وأطلق المصنف أن الجاهل بالتحريم في قليل الأكل كالناسي لا تبطل صلاته بلا خلاف، وفيه نظر؛ لأن الجهل ممن نشأ بين المسلمين تقصير؛ إذا التحرز منه ممكن بالتعلم بخلاف النسيان. ويخرج من كلامه مسألة حسنة وهي: مسبوق أدرك الإمام في السجدة الأولى من صلب صلاته فسجدها معه، ثم رفع الإمام رأسه فأحدث وانصرف .. قال ابن أبي هريرة وابن كج: على المسبوق أن يأتي بالسجدة الثانية؛ لأنه صار في حكم من لزمه السجدتان. ونقل القاضي أبو الطيب عن عامة الأصحاب: أنه لا يسجد؛ لأنه بحدث الإمام انفرد، فهي زيادة محضة بغير متابعة فكانت مبطلة. قال: (وإلا) أي: وإن لم يكن من جنس أفعالها (.. فتبطل بكثيره) بالاتفاق؛ لأن الحاجة لا تدعو إليه. قال: (لا قليله) بالاتفاق أيضًا؛ لأنه ﷺ خلع نعليه وضعهما على يساره، و (صلى وهو حامل أمامة بنت زينب) رواه الشيخان [خ٥١٦ - م٥٤٣]، زاد مسلم: (وهو يؤم الناس في المسجد). وروى ابن جريج: (أنها كانت صلاة الصبح). وروى ابن إسحاق: (أنها كانت صلاة الظهر أو العصر).

стр. 570

وَالْكَثْرَةُ بِالْعُرْفِ، فَالْخَطْوَتَانِ أَوِ الضَّرْبَتَانِ .. قَلِيلٌ، وَالثَّلاَثُ كَثِيرٌ إِنْ تَوَالَتْ. ــ و (أمر بقتل الأسودين: الحية والعقرب في الصلاة)، صححه الترمذي [٣٩٠]. و (أمر بدفع المار)، كما سيأتي. و (أدار ابن عباس من يساره إلى يمينه). قال: (والكثرة بالعرف)، فلا يضر ما يعد قليلًا، كخلع النعل ولبس الثوب الخفيف، والإشارة برد السلام. وقيل: القليل ما لا يحتاج إلى كلتا اليدين، كرفع العمامة وحل شوطة السراويل. والكثير: ما يحتاج إليهما، كالتعميم وعقد الإزار وتزرير الأزرار. وقيل: ما لا يسع ركعة. وقيل: ما يظن الناظر إليه أن فاعله ليس مصليًا، وضعف هذا بحمل الصبي وقتل الحية والعقرب وهو لا يضر قطعًا. قال: (فالخطوتان) أي: المتوسطتان (أو الضربتان .. قليل)؛ لحديث خلع النعلين. وقيل: هما كثير؛ لأن الفعل قد تكرر بخلاف لواحدة. و (الخطوة) بفتح الخاء المرة الواحدة، وبالضم: اسم لما بين القدمين، وقيل: لغتان. قال: (والثلاث كثير إن توالت) .. فتبطل. وادعى ابن الرفعة الاتفاق على ذلك، والخلاف ثابت في (الرافعي) كما تقدمت الإشارة إليه. فلو تفرقت .. لم يضر وإن كثرت. وحده: أن يعد الثاني منقطعًا عن الأول. فإن تردد في فعل هل انتهى إلى حد الكثرة أو لا .. فأظهر الأوجه: لا يؤثر.

стр. 571

وَتَبْطُلُ بِالْوَثْبَةِ الْفَاحِشَةِ، لاَ الْحَرَكَاتِ الْخَفِيفَةِ الُمْتَوَالِيَةِ، كَتَحْرِيكِ أَصَابِعِهِ فِي سُبْحَةٍ أَوْ حَكٍّ فِي الأَصَحِّ. وَسَهْوُ الْفِعْلِ كَعَمْدِهِ فِي الأَصَحِّ ــ فرع: إذا شرع في الفعل ناويًا فعلًا كثيرًا، فاقتصر على القليل .. فإن الصلاة تبطل، قاله صاحب (البيان) و (الشامل) في آخر (صلاة الخوف)، وجزم به المحب الطبري في (ألغازه)، وكأنه أخذه من كلامه في نية قطع الفاتحة؛ فإنهم قالوا: إذا سكت سكوتًا يسيرًا ناويًا به قطعها .. بطلت صلاته في الأصح. قال: (وتبطل بالوثبة الفاحشة)؛ لمنافاتها الصلاة. و (الوثبة): الطفرة. قال: (لا الحركات الخفيفة المتوالية، كتحريك أصابعه في سبحة أو حك في الأصح)، لأنها لا تخل بهيئة الخشوع، فهي مع الكثرة كالفعل القليل، ولهذا قال الشافعي: لا يضر عد الآيات عقدًا باليد، وإن كان الأولى تركه، كذا في (شرح المهذب) و (الروضة)، وجزم في (التحقيق) بكراهته. وكذلك المداومة على تحريك الأجفان. والثاني: تبطل؛ لأنها أفعال متعددة متوالية فأشبهت الخطوات. وأشار المصنف (بالأصابع) إلى أن صورة المسألة: أن يضع يده في محل واحد ويحرك أصابعه ويمر ذاهبًا وآيبًا. فإن حرك كفه ثلاثًا .. أبطل، إلا أن يكون به جرب لا يقدر معه على عدم الحك قاله في (الكافي)، وهو مأخوذ من قول القاضي حسين في (الفتاوى): إنه لو أكثر من حك جسده مرارًا متوالية مختارًا .. بطلت صلاته، فإن كان لجرب لا يمكنه الصبر عنه .. لم تبطل انتهى. وعلى هذا يحمل إطلاق البغوي: أن الحك ثلاثًا مبطل. ومر اليد وجذبها حكة واحدة. وكذا رفع اليد عن الصدر ووضعها في محل الحك. قال: (وسهو الفعل كعمده في الأصح)، فيبطل كثيره وإن كان سهوًا؛ لأنه يقطع نظم الصلاة- بخلاف الكلام حيث فرقنا في قليله بين العمد والسهو- ولأن الفعل

стр. 572

وَتَبْطُلُ بِقَلِيلِ الأَكْلِ. قُلْتُ: إِلاَّ أَنْ يَكُونَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلاً تَحْرِيمَهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. فَلَوْ كَانَ بِفَمِهِ سُكَّرَةٌ فَبَلَعَ ذَوْبَهَا .. بَطَلَتْ فِي الأَصَحِّ ــ أقوى من القول، ولذلك ينفذ إحبال المجنون دون إعتاقه، ويجب القصاص على المكره على القتل على الصحيح ولا يقع عليه طلاق. وإنما احتمل الفعل القليل؛ لأنه لا يمكن التحرز عنه. والثاني: لا يبطل كثيره وصححه المتولي؛ لقصة ذي اليدين، فإن سرعان الناس لم يؤمروا بالإعادة. واختار هذا في (التحقيق)، ووافقه الشيخ وإن كان مخالفًا للجمهور. وفي الجواب عن قصة ذي اليدين تكلف. قال: (وتبطل بقليل الأكل)؛ لشدة منافاته هيئة الخشوع، ولأنه يبطل الصوم الذي لا يبطل بالأفعال، فالصلاة أولى. ويرجع في القلة والكثرة إلى العرف، وهل الإبطال به لما فيه من العمل أو لوصول المفطر جوفه؟ وجهان ينبني عليهما بلغ ذوب السكرة، لكن صرح الرافعي والبغوي وغيرهما بأن مجرد المضغ إذا كثر .. يبطل وإن لم يصل بسببه شيء إلى الجوف بالكلية، فبطريق الأولى مع حصول شيء. وتعبير المصنف يقتضي: أن النظر إلى الفعل لا إلى المأكول، وهو كذلك. قال: (قلت: إلا أن يكون ناسيًا أو جاهلًا تحريمه والله أعلم)، فلا تبطل بقليله قطعًا كالصوم، أما الكثير .. فيبطل عمده وسهوه على الأصح كالكلام الكثير، وليس كسائر الأفعال التي يشق الاحتراز عنها. قال: (فلو كان بفمه سكرة فبلغ ذوبها .. بطلت في الأصح)؛ لأن الإمساك عن المفطرات شرط فيها. فعلى هذا: تبطل بكل ما يبطل به الصوم. والثاني: لا؛ لأنه لم يوجد منه مضغ وازدراد، وهذا ذهاب إلى أن الإبطال بالأكل لما فيه من العمل.

стр. 573

وَيُسَنُّ لِلْمُصَلِّي إِلَى جِدَارٍ، أَوْ سَارِيَةٍ، أَوْ عَصَاً مَغْرُوزَةٍ، أَوْ بَسَطَ مُصَلَّىً، أَوْ خَطَّ قُبَالَتَهُ: دَفْعُ الْمَارِّ، ــ وقال الدارمي: إن بلع شيئًا يسيرًا يجري به ريقه .. لم تبطل، وإن مضغه وازدرده .. بطلت. قال في (الدقائق): بلع بكسر اللام، وحكى الفتح أيضًا في (تهذيبه)، وهما لغتان شهيرتان. وإثبات الميم في فيه: لغة فاشية نثرًا ونظمًا، ففي الحديث: (لخلوف فم الصائم)، وزعم أبو علي وابن عصفور: أنها لا تثبت إلا في الشعر نحو قول الشاعر [من الرجز]: كالحوت لا يلهيه شيء يلهمه .... يصبح ظمآن وفي البحر فمه و (السكر): فارسي معرب، الواحدة: سكرة. قال: (ويسن للمصلي إلى جدار، أو سارية، أو عصا مغروزة، أو بسط مصلي، أو خط قبالته: دفع المار) اتفقوا على أنه: يستحب أن يكون بين يدي المصلي سترة كحائط ونحوه. وحكمتها: كف البصر عما وراءها، ومنع من يجتاز بين يديه. ويسن أن لا يزيد ما بينه وبينها على ثلاثة أذرع، فإن لم يكن حائط ونحوه .. غرز عصًا أو نحوها، أو جمع متاعه أو رحله. ويكون ارتفاع العصا ونحوها ثلثي ذراع، وهي: قدر مؤخرة الرحل؛ لقوله ﷺ : (إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل .. فليصل ولا يبال بما مر وراء ذلك) رواه مسلم [٤٩٩]. وقيل: قدر ذراع اليد. ولا ضابط لعرضها؛ لقوله ﷺ : (استتروا في صلاتكم ولو بسهم)

стр. 574

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رواه الحاكم [١/ ٣٨٢] وقال: على شرط مسلم. وفي (الصحيحين) [خ٣٧٦ - م٥٠١]: (أنه ﷺ كان يصلي إلى عنزته)، و (العنزة): الحربة. قال في (البويطي): ولا يستتر بامرأة ولا دابة. وفي (الصحيحين) [خ٥٠٧ - م٥٠٢]: (أن النبي ﷺ كان يصلي إلى راحلته)، وكان ابن عمر يفعله. وقد أوصى الشافعي بالعمل بالحديث الصحيح وهذا منه، فهو مذهبه. فإن لم يجد ساترًا .. استحب أن يخط بين يديه خطًا؛ لقوله ﷺ : (إذا صلى أحدكم .. فليجعل أمام وجهه شيئًا، فإن لم يجد .. فلينصب عصًا .. فإن لم يكن معه عصًا .. فليخط خطًا، ثم لا يضره ما مر أمامه) رواه أبو داوود [٦٨٩] بسند يعمل به في فضائل الأعمال، وهذا منها. واختلف في صورة الخط: فقيل: مقوس كالهلال، وقيل: بالطول من قدميه إلى القبلة وهو الأصح، وقيل: من اليمين إلى الشمال. والاكتفاء بالخط هو الأصح، وحكمه حكم الشاخص في منع المرور وجواز الدفع، وقيل: إن الشافعي خط عليه في الجديد. وعبارة المصنف تقتضي: التخيير فيما ذكره وليس كذلك؛ فقد قال في (التحقيق): فإن عجز عن سترة .. بسط مصلًى، فإن عجز .. خط خطًا على المذهب. وذكر في (شرح مسلم) مثله، وزاد فقال نقلًا عن الأصحاب: فإن لم يجد عصًا ونحوها .. جمع أحجارًا أو ترابًا، وإلا .. فليبسط مصلًى، وإلا .. فليخط خطًا طولًا من قدميه إلى القبلة.

стр. 575

وَالصَّحِيحُ: تَحْرِيمُ الْمُرُورِ حِينَئِذٍ ــ ويستحب أن يجعل السترة عن يمينه أو شماله، ولا يصمد إليها أي: يجعلها تلقاء وجهه. ومحل الدفع: إذا أراد المرور بينه وبين سترته. وهل يسن الدفع لغير المصلي أو يباح أو يحرم؟ فيه نظر: فإن لم تكن سترة، أو كانت ولكن تباعد عنها أكثر من ثلاثة أذرع .. لم يكن له الدفع في الأصح لتقصيره، لكن المرور في هذه الحالة خلاف الأولى. وقال في (شرح مسلم) و (التحقيق): إنه مكروه. وقال ابن المنذر ﵀: كان مالك ﵀ يصلي متباعدًا عن السترة، فمر به رجلًا لا يعرفه فقال له: أيها المصلي؛ ادن من سترتك! فجعل يتقدم ويقول: ﴿وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيمًا﴾. و (الجدار) والجدر: الحائط، وجمعه: جدر، وجمع الجدر: جدران. و (السارية): الأسطوانة. و (العصا) مؤنثة وجمعها: عصي وعصي. وفي المثل: العصا من العصية، أي: بعض الأمر من بعض. قال الفراء: وأول لحن سمع بالعراق: هذه عصاتي، وإنما الصواب كما قال الله تعالى: ﴿هي عصاي﴾. قال: (والصحيح: تحريم المرور حينئذ)؛ لقوله ﷺ : (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه .. لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه) متفق عليه [خ٥١٠ - م٥٠٧]. وفي رواية للبخاري: (ماذا عليه من الإثم). وفي (مسند البزار) [٣٧٨٢]: (أربعين خريفًا). وفي (مصنف ابن أبي شيبة): (مئة عام). والثاني: يكره؛ لما روى ابن ماجه [٩٤٨] أن النبي ﷺ كان

стр. 576

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يصلي، فمرت زينب بنت أم سلمة فقال بيده هكذا .. مشيرًا للرجوع فمضت، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته .. قال: (هن أغلب). وزينب هذه دخلت على النبي ﷺ وهو يغتسل فنضح في وجهها، فلم يزل ماء الشباب في وجهها حتى كبرت وعجزت. وعلى الوجهين .. للمصلي دفعه ومنعه من المرور وإن أدى إلى قتله؛ لقوله ﷺ : (إذا كان أحدكم يصلي إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه .. فليدفعه، فإن أبى .. فليقاتله؛ فإنما هو شيطان) رواه مسلم [٥٠٥]. والمراد: معه شيطان، وقيل: هو من شياطين الإنس. وعن صاحب (المحيط): أن دفع المار بالأسهل مستحب، وجزم به في (التحقيق). وقال في (شرح المهذب): ظاهر الحديث يقتضي: وجوبه، لكن لا أعلم أحدًا من العلماء قال به، ثم دفعه بالأسهل فالأسهل كالصائل، فإن انتهى إلى قتله .. كان هدرًا. لكن يستثنى من تحريم المرور إذا كان في الصف المتقدم فرجة .. فله أن يمر بين يدي من خلفه ليسدها. ثم جميع ما تقدم إذا وجد المار سبيلًا سوى الذي بين يدي المصلي، فإن لم يجد وازدحم الناس .. فلا نهي عن المرور ولا يشرع الدفع، كذا قاله الإمام والغزالي، وأكثر الكتب ساكتة عن هذا القيد. وفي (صحيح البخاري) ما يدفعه. قال في (الروضة): والصواب أنه لا فرق.

стр. 577

قُلْتُ: يُكْرَهُ الاِلْتِفَاتُ ــ وقال في (الكفاية): هذا إذا لم يكن المصلي منسوبًا إلى تقصير بالصلاة في المكان، فإن كان مقصرًا كما إذا وقف في قارعة الطريق .. فلا كراهة جزمًا، وحينئذ فلا دفع بطريق الأولى. قلت: لم يفصل أصحابنا بين المصلي في المطاف وغيره، وفي (مسند أحمد) أحاديث صحيحة مصرحة بجواز المرور بين يديه. ولا تبطل الصلاة بمرور كلب ولا غيره، خلافًا لأحمد في الكلب الأسود. وفي (مسلم) [٥١٠] عن أبي ذر: (تقطع الصلاة المرأة، والحمار، والكلب الأسود). وأجاب الشافعي وغيره بأن المراد القطع عن الخشوع. وادعى بعض أصحابنا نسخه بحديث ابن عباس في مرور الأتان (ترتع بين يدي الصف)، وكان ذلك في حجة الوداع. وادعى في (الكفاية) نسخه بحديث أبي سعيد الخدري المرفوع: (لا يقطع الصلاة شيء، وادرؤوا ما استطعتم) رواه أبو داوود [٧١٩]. قال: (قلت: يكره الالتفات) أي: يمينًا وشمالاً إذا لم يحول صدره؛ لما روى البخاري [٧٥١] عن عائشة أنها سألت عنه النبي ﷺ فقال: (هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد). وفي (التتمة): أنه حرام. وفي (أبي داوود) [٩٠٦] و (النسائي) [٣/ ٨] من حديث أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يزال الله مقبلًا على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا التفت .. انصرف عنه).

стр. 578

لاَ لِحَاجَةٍ. وَرَفْعُ بَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ. وَكَفُّ شَعْرِهِ أَوْ ثَوْبِهِ ــ وأن النبي ﷺ قال: (لو يعلم المصلي من يناجي .. ما التفت يمينًا ولا شمالًا). والمراد: الالتفات بالوجه، فلو حول صدره عن القبلة .. بطلت صلاته كما تقدم في استقبال القبلة. قال: (لا لحاجة)؛ لما روى مسلم [٣/ ٤] عن جابر قال: (اشتكى رسول الله ﷺ فصلينا وراءه وهو قاعد، فالتفت إلينا فرآنا قيامًا، فأشار إلينا فقعدنا) وفي (أبي داوود) و (الترمذي) [٥٨٧]: (أن النبي ﷺ كان يلحظ في الصلاة). قال: ورفع بصره إلى السماء)؛ لقوله ﷺ : (لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، أو لا ترجع إليهم) متفق عليه [خ٧٥٠ - م٤٢٨]. وهذا مجمع عليه في الصلاة، وأما رفع البصر إلى السماء في غير الصلاة في الدعاء .. فاختلفوا في كراهته: فكرهه شريح وآخرون، وجوزه الأكثرون، قالوا: لأن السماء قبلة الدعاء كما أن الكعبة قبلة الصلاة، فلا ينكر رفع البصر إليها كما لا ينكر رفع اليد، قال الله تعالى: ﴿وفي السماء رزقكم وما توعدون﴾. وقد تقدم في (الوضوء): أن الغزالي قال في (الإحياء): يستحب أن يرمق ببصره إلى السماء في الدعاء بعد الوضوء. قال: (وكف شعره أو ثوبه)؛ لقوله ﷺ : (أمرت أن لا أكفت الشعر، ولا الثياب) رواه الشيخان [خ٨٠٩ - م٤٩٠]. و (الكفت) بالتاء المثناة في آخره: الجمع، قال الله تعالى: ﴿ألم نجعل الأرض كفاتا (٢٥) أحياءً وأمواتا﴾ أي: جامعة لهم.

стр. 579

وَوَضْعُ يَدِهِ عَلَى فَمِهِ بِلاَ حَاجَةٍ. وَالْقِيَامُ عَلَى رِجْلٍ. وَالصَّلاَةُ حَاقِنًا أَوْ حَاقِبًا، ــ وعبر المصنف عنه بـ (الكف) الذي هو: نقيض الإرسال وهو صحيح. والحكمة في النهي عنه: أن ذلك يسجد معه، فمن ذلك كره أن يعقص شعره، أو يرده تحت عمامته، أو يشمر ثوبه أو كمه، أو يشد وسطه، أو يغرز عذبته. ونص الشافعي على كراهة الصلاة وفي إبهامه الجلدة التي يجر بها وتر القوس، قال: لأني آمره أن يفضي ببطون كفيه إلى الأرض. قال: (ووضع يده على فمه)؛ لما روى أبو داوود [٦٤٣] وابن حبان [٢٣٥٣] والحاكم [١/ ٢٥٣] عن أبي هريرة قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يغطي الرجل فاه في الصلاة). قال: (بلا حاجة)، فإن كان لحاجة .. لم يكره، كما إذا تثاءب .. فإنه يستحب وضعها؛ لقوله ﷺ : (إذا تثاءب أحدكم في الصلاة .. فليكظم ما استطاع) وفي رواية: (وليمسك على فيه؛ فإن الشيطان يدخل) رواه مسلم [٢٩٩٥]. قال: (والقيام على رجل) أي: لغير حاجة؛ لأنه ينافي الخشوع، ويسمى ذلك: الصفن، ومنه: ﴿الصفنت الجياد﴾. قال في (الإحياء): (وقد نهى النبي ﷺ عن الصفن والصفد في الصلاة)، وعزاه رزين إلى الترمذي وليس فيه، وإنما ذكره أصحاب الغريب كابن الأثير. وروى سعيد بن منصور أن ابن مسعود رأى رجلًا صافنًا فقال: (أخطأ هذا السنة). و (الصفد): أن يقرن بين قدميه معًا كأنهما في قيد، فإن كان معذورًا .. لم يكره. قال: (والصلاة حاقنًا أو حاقبًا) الأول .. للبول، والثاني .. للغائط؛ لقوله ﷺ : (لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان) رواه مسلم

стр. 580

أَوْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ يَتُوقُ إِلَيْهِ ــ و (الأخبثان): البول والغائط. وتكره أيضًا مع مدافعة الريح، وهو: الحازق. وقال الشيخ أبو حامد والمحاملي والغزالي: (الحازق): صاحب الخف. وعن أبي زيد المروزي والقاضي حسين: إذا انتهى به مدافعة الأخبثين إلى أن ذهب خشوعه .. لم تصح صلاته، والصحيح: خلافه. قال: (أو بحضرة طعام يتوق إليه)؛ للحديث المتقدم، ولأن تناول ذلك قبل الصلاة أجمع للبه وأخشع لقلبه، وفي (صحيح مسلم) [٥٥٨]: (إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة .. فابدؤوا بالعشاء قبل أن تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم). وفي التقييد بالمغرب فائدتان: إحداهما: أن وقتها ضيق، فإذا أمر به فيها .. ففي غيرها أولى. الثانية: أنه ربما يكون صائمًا. وهو الذي تتوق نفسه إليه غالبًا، وكذلك الشراب أيضًا قاله الرافعي في (صلاة الجماعة)، وكذا لو تاقت نفسه إليه وهو غائب عنه قاله في (الكفاية)، وسواء أكان جائعًا أم لا، فيتناول ما يزول به التوقان فقط كذا في (الشرح) و (الروضة) وغيرهما، والصواب في (شرح مسلم) [٥/ ٤٦]: أنه يأكل حاجته بكمالها. و (الحضرة) مثلثة الحاء. و (التوقان) بالمثناة: الاشتياق إلى الشيء. فإن قيل: المصنف كرر هذه المسألة والتي قبلها في (صلاة الجماعة) فقال: (وجوع وعطش ظاهرين ومدافعة حدث) .. فالجواب: أنه هنا نصر على الكارهة، وهناك على أنه مسقط لطلب الجماعة، والمسقط للطلب لا يلزم منه الكراهة. فرع: لو خاف من زوال هذه العوارض الثلاثة فوت الوقت .. فالأصح: أنه يصلي مع العارض؛ لحرمة الوقت.

стр. 581

وَأَنْ يَبْصُقَ قِبَلَ وَجْهِهِ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ ــ وقيل: الأولى أن يزيل العارض فيتوضأ ويأكل وإن خرج الوقت، ثم يقضيها. قال: (وأن يبصق قبل وجهه أو عن يمينه)؛ فإن عن يمينه ملكًا، بل يبصق عن يساره. فإن كان في المسجد .. بصق في ثوبه وحك بعضه ببعض. وإن كان في غيره .. فعن يساره أو تحت قدمه؛ لما روى الشيخان [خ٤٠٥ - م٥٥١] عن أنس أن النبي ﷺ قال: (إذا كان أحدكم في صلاته .. فإنه يناجي ربه، فلا يبزق بين يديه ولا عن يمينه، ولكن عن يساره أو تحت قدمه) وفي رواية لهما [خ٤٠٨ - م٥٤٨]: (عن شماله تحت قدمه) وفي أخرى لهما [خ١٢١٤ - م٥٥١] أيضًا من حديث أبي سعيد: (ولكن عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى. قال الخطابي: في الحديث دليل على طهارة البصاق، ولا أعلم خلافًا في ذلك إلا عن إبراهيم بن يزيد النخعي الفقيه الإمام، فإنه قال بنجاسته. وروى ابن عساكر [٥٨/ ٤٤٠] عن عبادة بن الصامت عن معاذ بن جبل قال: (ما بزقت عن يميني منذ أسلمت). قلت: ينبغي أن يستثنى من كراهة البصاق عن اليمين إذا كان في مسجد النبي ﷺ مستقبل القبلة، فإن بصاقه عن يمينه أولى؛ لأن قبر النبي ﷺ عن يساره. و (البصاق) بالسين والصاد والزاي. والمشهور في كتب المذهب: أنه يكره في المسجد، وممن صرح بذلك المحاملي وسليم والجرجاني والروياني والعمراني وآخرون. وحزم في (شرح المهذب) و (التحقيق) بتحريمه ووجوب الإنكار على فاعله.

стр. 582

وَوَضْعُ يَدِهِ عَلَى خَاصِرَتِهِ. وَالْمُبَالَغَةُ فِي خَفْضِ الرَّاسِ فِي رُكُوعِهِ ــ فإن خالف .. فكفارته دفنه في ترابه. وقيل: إخراجه من المسجد، فإن أهمله .. فليدفنه غيره. ويندب تطييب محله، أما البصاق في غير المسجد وغير الصلاة عن اليمين وقبالة الوجه .. فلا يكره مطلقًا؛ حملًا لمطلق الروايات على مقيدها. ويحتمل أن يقال: إنما يحمل المطلق على المقيد في الأمر لا في النهي. قال: (ووضع يده على خاصرته)؛ لأنه فعل اليهود، وقيل: فعل الشيطان؛ لأن إبليس نزل من الجنة كذلك حكاه في (شرح مسلم)، وقيل: لأنه فعل المتكبرين. وفي (صحيح ابن حبان) [٢٢٨٦]: (الاختصار في الصلاة راحة أهل النار)، قال ابن حبان: يعني فعل اليهود والنصارى وهم أهل النار. وروى الشيخان [خ١٢٢٠ - م٥٤٥] عن أبي هريرة: (أن النبي ﷺ نهى أن يصلي الرجل مختصرًا). وفي رواية: (نهى عن الاختصار في الصلاة). والصحيح: أن هذا معناه، وقيل: أن يختصر السورة فيقرأ بعضها، وقيل: أن يختصر من الصلاة فلا يمد قيامها وركوعها وسجودها. وقال المحب الطبري: هو أن يقتصر على الآيات التي فيها السجدات ليسجدها، وأن يختصر السجدة التي انتهى في قراءته إليها فلا يسجدها. قال: (والمبالغة في خفض الرأس في ركوعه)؛ لأن النبي ﷺ نهى عن التدبيح في الصلاة، وهو بالدال المهملة، لكن الحديث ضعيف. قال الشيخ: وتقييده بالمبالغة يقتضي: عدم الكراهة عند عدمها، وهو خلاف ما دل عليه كلام الشافعي والأصحاب.

стр. 583

وَالصَّلاَةُ فِي الْحَمَّامِ وَالطَّرِيقِ ــ قال: (والصلاة في الحمام)؛ لقوله ﷺ : (الأرض كلها مسجد إلى المقبرة والحمام) رواه الشافعي [١/ ٢٠] وأبو داوود [٤٩٣] والترمذي [٣١٧] وابن ماجه [٧٤٥] من حديث أبي سعيد الخدري، وصححه ابن حبان [٢٣٢١] والحاكم [١/ ٢٥١]. والصحيح في سبب النهي: أنه مأوى الشيطان؛ لما يكشف فيه من العورات. وقيل: لغلبة النجاسة فيه. فلو صلى في موضع تحقق طهارته أو في المسلخ .. فإنه يكره على الأول دون الثاني. و (الحمام) مذكر اللفظ بلا خلاف، يقال: حمام مبارك، وجمعه: حمامات، مشتق من الحميم وهو: الماء الحار. قال: (والطريق)؛ لما روى الترمذي [٣٤٦] عن ابن عمر: (أن النبي ﷺ نهى أن يصلي في سبعة مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله العتيق). و (قارعة الطريق): وسطه، وقيل: أعلاه. والمراد هنا، نفس الطريق، ولذلك عبر بها المصنف. والمعنى فيه: تأذي المارة، وتأذي المصلي بمرورهم وقلة خشوعه.

стр. 584

وَالْمَزْبَلَةِ وَالْكَنِيسَةِ وَعَطَنِ الإِبِلِ ــ وقيل: لأن الغالب عليها النجاسة. فعلى الأول .. لا يكره في الطريق في البرية، وعلى الثاني .. يكره مطلقًا. وخص الكراهة في (التحقيق) بالبنيان دون البرية في الأصح. قال: (والمزبلة)؛ للحديث المتقدم. وعلة الكراهة: النجاسة. وصورة المسألة: إذا بسط طاهرًا وصلى عليه، فإن لم يفعل .. لم تصح صلاته. و (المزبلة) بفتح الباء وضمها: موضع الزبل. وقال القاضي أبو الطيب وغيره: وتكره الصلاة وبين يديه نجاسة كما تكره عليها. قال: (والكنيسة)؛ لأنها مأوى الشياطين. ونقله ابن المنذر عن ابن عمر وابن عباس ومالك. وكذلك حكم البيعة وجميع أمكنة الكفر والمكس والخمر والحانة. واختار ابن المنذر عدم الكراهة في ذلك؛ إذ لم يثبت فيه نهي مخصوص. و (الكنيسة) بفتح الكاف: متعبد النصارى، و (البيعة) بكسر الباء: لليهود. قال: (وعطن الإبل)؛ لما روى مسلم [٣٦٠] عن جابر بن سمرة أن رجلًا سأل النبي ﷺ : أنصلي في مرابض الغنم؟ قال: (نعم)، قال: أنصلي في مبارك الإبل؟ قال: (لا). وروى ابن ماجه [٧٦٩] وابن حبان [١٧٠٢] عن عبد الله بن مغفل أن النبي ﷺ قال: (صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل). و (المرابض) بالضاد المعجمة: المراقد. و (العطن): الموضع الذي تنحى إليه الإبل الشاربة ليشرب غيرها، فإذا اجتمعت .. سيقت إلى المرعى. وقيل: الموضع الذي تنحى إليه إذا شربت الشربة الأولى، ثم تعاد من عطنها إلى

стр. 585

وَالْمَقْبَرَةِ الطَّاهِرَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ ــ الحوض لتشرب الشربة الثانية وهي: العلل. وقيل: العطن ما حول الحوض. قال المصنف: والكراهة في مأواها ليلًا أخف من العطن. واتفقوا على أن العلة فيه: ما يخشى من نفارها وتشويشها على المصلي، وإلى ذلك وقعت الإشارة بقوله ﵊: (إنها خلقت من الجن)، ولو كانت العلة النجاسة .. لكانت هي ومرابض الغنم سواء. وقد روى البيهقي [٢/ ٤٥٠] أن النبي ﷺ قال: (أكرموا المعزى وامسحوا عنها الأذى؛ فإنها من دواب الجنة. وصلوا في مراحها). وعلل ببركتها وكون كل من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام رعاها. ولا يخفى أن الكلام إذا كان خاليين عن البول، وإلا .. لم تصح فيهما مع عدم الحائل الطاهر، ومعه تصح مع الكراهة. أما موضع البقر .. ففي (مسند أحمد): إلحاقها بعطن الإبل، وهو ظاهر. وقال ابن المنذر: إنه كمراح الغنم، ونقله عن مالك وعطاء، ويدل له ما روى عبد الله بن وهب في (مسنده): (أن النبي ﷺ نهى أن يصلى في معاطن الإبل، وأمر أن يصلى في مراح الغنم والبقر)، لكن في إسناده رجل مجهول. قال: (والمقبرة الطاهرة والله أعلم)؛ للحديث السابق، ولقوله ﷺ : (لعن الله اليهود؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يحذر ما صنعوا، وقال ﷺ : (صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا) فدل على أن المقابر لا يصلى فيها.

стр. 586

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وسبب الكراهة عند العراقيين: ما تحت مصلاه من النجاسة، وبذلك عللها الشافعي. وكلام القاضي يدل على أن سببها: حرمة الموتى. وكذلك يكره في المقبرة النجسة- وهي المحققة النبش- إذا بسط شيئًا وصلى عليه، فإن لم يبسط شيئًا .. لم تصح. وأما المشكوك في نبشها .. فالأصح: صحة الصلاة فيها بغير حائل والتيمم بترابها؛ لأن الأصل عدم النبش. و (المقبرة) بثليث الباء حكاه ابن مالك، ولم يحك الجوهري الكسر. قال ابن الرفعة: ولا فرق في الكراهة بين أن يصلي على القبر أو بجانبه- قال- ومنه تؤخذ كراهة الصلاة إلى جانب النجاسة وخلفها، وفيما قاله نظر. أما الصلاة على القبر .. فكالجلوس عليه، وهو حرام على الأصح. تتمة: يكره استقبال القبر إلا قبر رسول الله ﷺ ، فإنه يحرم التوجه إلى رأسه كما جزم به المصنف في (التحقيق)، ونقله في (شرح المهذب) عن المتولي. ويستثنى من المقبرة مقابر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فلا كراهة في الصلاة فيها؛ لأنهم في قبورهم أحياء يصلون صلوات الله عليهم. * * * خاتمة اختلف في نبش قبور الكفار لطالب المال المدفون معهم: فكرهه مالك؛ لأنها مواضع العذاب. وقال ﷺ : (لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا باكين؛ خشية أن

стр. 587

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يصيبكم ما أصابهم). وأجازه أصحابه؛ لأن الصحابة نبشت قبر أبي رغال لذلك. ومقتضى مذهبنا .. جواز النبش إن كان القبر دارسًا، أو كان جديدًا وعلمنا أن فيه مالًا لحربي. وأجمع المسلمون إلا الشيعة: على جواز الصلاة على الصوف وفيه، ولا كراهة في الصلاة على شيء من ذلك إلا عند مالك، فإنه كره الصلاة عليه تنزيهًا. وقالت الشيعة: لا يجوز ذلك؛ لأنه ليس من نبات الأرض. وقال في (الإحياء): تكره الصلاة في الأسواق والرحاب الخارجة عن المسجد- قال- وكان بعض الصحابة يضرب الناس، ويقيمهم في الرحاب. وتكره الصلاة في (الوادي الذي نام فيه النبي ﷺ ، وأطلق الرافعي تبعًا للإمام والغزالي الكراهة في بطون الأودية مطلقًا، وعللوه باحتمال السيل المذهب للخشوع، فإن أمن فهل تكره؟ نظرًا لظاهر اللفظ فيه احتمالان للرافعي. وفي (سنن أبي داوود) [٤٩١] عن علي قال: (نهاني حبيبي ﷺ أن أصلي في أرض بابل؛ فإنها ملعونة). قال الخطابي: في إسناد هذا الحديث مقال، ولا أعلم أحدًا من العلماء حرم الصلاة فيها، ويحتمل إن ثبت .. أن يكون نهاه عن اتخاذها وطنًا ومقامًا؛ فإنه إذا أقام بها .. كانت صلاته فيها. ولعل النهي له خاصة؛ إنذارًا منه بما لقي من المحنة بالكوفة وهي من أرض بابل، فإنها الصقع المعروف بالعراق. * * *

стр. 588

بَابٌ سُجُودُ السَّهْوِ سُنَّةٌ عِنْدَ تَرْكِ مَامُورٍ بِهِ، أَوْ فِعْلِ مَنْهِيٍّ عَنْهُ ــ باب قال: (سجود السهو سنة): (السهو) في اللغة: نسيان الشيء والغفلة عنه، وفي الصلاة: الغفلة عن شيء منها. وفائدة السجود: جبر خللها لزيادة أو نقص مخصوص. فأما كون السجود مطلوبًا لذلك .. فبالإجماع، وإنما لم يجب لحديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: (إذا شك أحدكم فلم يدر كم صلى: ثلاثًا أم أربعًا .. فليلق الشك وليبن على اليقين، وليسجد سجدتين قبل السلام؛ فإن كانت صلاته تامة .. كانت الركعة والسجدتان نافلة له، وإن كانت ناقصة .. كانت الركعة تمامًا للصلاة، والسجدتان ترغيمًا لأنف الشيطان) رواه أبو داوود [١٠١٦] بإسناد صحيح، ومسلم [٥٧١] بقريب من معناه. ولأنه يفعل جبرًا لما لا يجب فلا يجب، والبدل إما كمبدلة أو أخف. فإن قيل: قوله ﵊: (وليسجد سجدتين) ظاهره الوجوب، ويعتضد بجبران الحج، أي: فإنه واجب .. قيل: إنما وجب جبران الحج؛ لكونه بدلًا عن واجب بخلاف هذا. وسواء في ذلك صلاة الفرض والنفل على المذهب. وعن القديم قول: أنه لا يشرع في صلاة النفل؛ لأنها أخف من الفرض. قيل: ولا يعرف هذا للشافعي، بل نص في القديم على أنه يسجد لها. قال: (عند ترك مأمور به، أو فعل منهي عنه) على ما فصله، لا كل مأمور ومنهي؛ لأن الخلل يحصل في الصلاة بذلك فيجبر بالسجود. وأهمل ﵀ سببًا ثالثًا وهو: إذا فعل فرضًا مترددًا في تأديته.

стр. 589

فَالأَوَّلُ: إِنْ كَانَ رُكْنًا .. وَجَبَ تَدَارُكُهُ، وَقَدْ يُشْرَعُ السُّجُودُ كَزِيَادَةٍ حَصَلَتْ بِتَدَارُكِ رُكْنٍ كَمَا سَبَقَ فِي التَّرْتِيبِ، أَوْ بَعْضًا- وَهُوَ: الْقُنُوتُ، أَوْ قِيَامُهُ، أَوْ التَّشَهُّدُ الأَوَّلُ، أَو قُعُودُهُ، وَكَذَا الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ فِي الأَظْهَرِ- .. سَجَدَ، ــ قال: (فالأول: إن كان ركنًا .. وجب تداركه)؛ لأن حقيقة الصلاة لا توجد إلا به، ولا يكفي السجود عنه. قال: (وقد يشرع السجود كزيادة حصلت بتدارك ركن كما سبق في الترتيب) ومراده بـ (ما سبق): بيان الزيادة لا السجود؛ فإنه لم يسق، وذلك من قوله: (وإن سها .. فما بعد المتروك لغو) إلى قوله: (قلت) ففي تلك الصورة كلها إذا تدارك .. يسجد للسهو. قال: (أو بعضًا) جمعه: أبعاض. سميت بذلك؛ لأنها لما تأكدت بحيث صارت تجبر بالسجود .. أشبهت الأركان التي هي أبعاض وأجزاء. وقيل: لأن الفقهاء قالوا: يتعلق سجود السهو ببعض السنن دون بعض، والتي يتعلق بها السجود أقل. ثم شرع في بيانها فقال: (وهو: القنوت، أو قيامه، أو التشهد الأول، أو قعوده، وكذا الصلاة على النبي ﷺ فيه في الأظهر .. سجد)؛ لما روى الشيخان [خ٨٢٩ - م٥٧٠] عن عبد الله ابن بحينة: (أن النبي ﷺ ترك التشهد الأول ناسيًا، وسجد قبل أن يسلم). وإذا شرع السجود له .. شرع أيضًا لقعوده؛ لأنه مقصود له. ثم قسنا عليهما القنوت وقيامه. وأما الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول: فلأنه ذكر يجب الإتيان به في الجلوس الأخير، فسجد لتركه في الأول قياسًا على التشهد. والمراد بالتشهد: المقدار الواجب في الأخير. وما كان سنة فيه .. فلا يسجد لتركه.

стр. 590

وَقِيلَ: إِنْ تَرَكَهُ عَمْدًا .. فَلاَ. قُلْتُ: وَكَذَا الصَّلاةُ عَلَى الآلِ حَيْثُ سَنَنَّاهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ ــ والمراد بالقنوت: جميعه. وقال الشيخ محب الدين الطبري: ترك كلمة منه كترك كله، وحكى عن (فتاوى الإمام) احتمالا: أنه إذا أتى بالأكثر .. لا سجود، وهذا لا يأتي إلا على القول بتعين لفظه، والأصح خلافه. والمراد: قنوت الصبح، ووتر نصف شهر رمضان. أما قنوت النازلة .. فلا يسجد لتركه على الأصح. فرع: ترك الإمام القنوت لكونه لا يراه، فإن تمكن منه المأموم من غير مخالفة .. فعله قطعًا. وأطلق الرافعي والغزالي: أنه لا بأس بانفراده بالقنوت إذا لحقه عن قرب. وأطلق القاضي حسين: أن من صلي الصبح خلف الظهر فقنت .. بطلت صلاته، ولعله مصور بحالة المخالفة وهو الظاهر، قال: فإن فارقه وقنت .. جاز. قال: (وقيل: إن تركه عمدًا .. فلا)؛ لأن السجود مضاف إليه السهو، فلا يثبت بدونه كسجود التلاوة، ولأنه فوت السنة على نفسه، والناسي معذور فناسب أن يشرع له الجبر. والصحيح: أن العامد كالناسي؛ لأن الخلل عند العمد أكثر فيكون الجبر أهم، كفدية الأذى فإنها تجب بحلق الشعر من غير أذى. قال: (قلت: وكذا الصلاة على الآل حيث سنناها والله أعلم) وذلك في التشهد الأول في وجه، وفي الأخير على الأصح، فإنها تكون بعضًا وتجبر بالسجود. فإن قيل: السجود لترك الصلاة على الآل مأمور به؛ لأن محله قبل السلام

стр. 591

وَلاَ تُجْبَرُ سَائِرُ السُّنَنِ. وَالثَّانِي: إِنْ لَمْ يُبْطِلْ عَمْدُهُ كَالاِلْتِفَاتِ وَالْخَطْوَتَيْنِ .. لَمْ يَسْجُدْ لِسَهْوِهِ، ــ فيفعل .. فالجواب: أنه يتصور بما إذا كان مأمومً وتحقق ترك إمامه لذلك. وينبغي عد الصلاة على الآل في القنوت من الأبعاض إذا قلنا باستحبابها، وهو الصحيح كما تقدم. قال: (ولا تجبر سائر السنن) أي: باقيها؛ لأن ذلك لم ينقل، والباب باب توقيف. وفي قول قديم: يستحب لترك كل مسنون. وفي قول: يسجد لترك تسبيح الركوع والسجود. واختار القاضي حسين: أنه يسجد لترك السورة؛ فإنها آكد في القنوت والتشهد؛ لقوله ﷺ : (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وشيء معها). وقال أبو حنيفة: يسجد لترك الجهر والإسرار. قال: (والثاني) أي: فعل المنهي عنه (إن لم يبطل عمده كالالتفات والخطوتين .. لم يسجد لسهوه)؛ لأن النبي ﷺ فعل الفعل اليسير في الصلاة كـ (حمله أمامة)، و (خلع نعليه)، ونظر إلى أعلام الخميصة وقال: (ألهتني آنفًا عن صلاتي) [خ٣٧٣]، ولم يسجد لشيء من ذلك. وسيأتي أنه يستنثى من هذه القاعدة: ما إذا نقل ركنًا قوليًا .. فإنه يسجد، وكذا إذا قرأ في غير محل القراءة غير الفاتحة كـ (سورة الإخلاص) .. فإنه يسجد كما ذكره في (شرح المهذب). ويستثنى القنوت قبل الركوع؛ فإن عمده لا يبطل الصلاة ويسجد للسهو مع أن سهوه يقتضي السجود على الأصح المنصوص كما ذكره المصنف في (باب صفة الصلاة) من زيادات (الروضة). وصورة المسألة: أن يقرأه بنية القنوت، فإن لم ينوه به .. فلا سجود قاله الخوارزمي في (الكافي).

стр. 592

وَإِلاَّ .. سَجَدَ إِنْ لَمْ تَبْطُلْ بِسَهْوِهِ كَكَلاَمٍ كَثِيرٍ فِي الأَصَحِّ ــ وإذا صلى في الخوف بفرقة ركعة وبأخرى ثلاثًا .. فإنه يصح ويسجد للسهو. وإذا ترك التشهد الأول ناسيًا، وتذكره بعدما صار إلى القيام أقرب .. فله أن يعود إليه، فإذا عاد .. سجد، وسيأتي. والقاصر إذا زاد ركعتين سهوًا .. فإنه يسجد مع أنه تجوز له زيادتهما، قاله ابن الصباغ وابن أبي الصيف. وإذا طول ركنًا قصيرًا ساهيًا وقلنا لو تعمده لا يضر .. فإنه يسجد على الصحيح. قال: (وإلا .. سجد إن لم تبطل بسهوه ككلام كثير في الأصح)؛ لأن النبي ﷺ صلى الظهر خمسًا، فسجد للسهو سجدتين بعد السلام، متفق عليه [خ١٢٢٦ - م٥٧٢]. فإن أبطل سهوه كالحدث والردة، وكذلك الكثير من الكلام والفعل والأكل على الأصح .. فلا سجود؛ لأنه ليس في صلاة. فقوله: (على الأصح) عائد على التمثيل بما يبطل سهوه وهو: الكلام الكثير، لا إلى قوله: (سجد). ونبه بـ (الكلام الكثير) على ما ليس في معناه، كالركوع والسجود الزائدين فيسجد لسهوه. قال الشيخ: ومتابعة الصحابة النبي ﷺ في السلام من الركعة في قصة ذي اليدين، وفي زيادة خامسة في الحديث المذكور غير مبطلة؛ لأنه ﵊ يجوز أن يوحى إليه بالزيادة والنقصان. أما بعده ﷺ فمتى تابع المأموم الإمام في ذلك عامدًا .. بطلت صلاته. لكن يستثنى المتنفل راكبًا إذا تحول عن قصده ناسيًا وعاد سريعًا .. فالأصح في (التحقيق) و (شرح المهذب): أنه لا يسجد- مع أن عمده مبطل- وصحح في (الشرح الصغير): أنه يسجد.

стр. 593

وَتَطْوِيلُ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ يُبْطِلُ عَمْدُهُ فِي الأَصَحِّ فَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ، فَالاِعْتِدَالُ قَصِيرٌ، وَكَذَا الْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فِي الأَصَحِّ ــ قال: (وتطويل الركن القصير يبطل عمده في الأصح) سواء طوله بقنوت أو سكوت أو ذكر؛ لأن تطويله يخل بالموالاة. أما إذا ورد الشرع بالتطويل .. فلا يضر بلا إشكال، كالقنوت في موضعه وصلاة التسبيح. والوجه الثاني: لا يبطل واختاره المصنف؛ لما روى مسلم [٤٧٣] عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا قال: (سمع الله لمن حمده) .. قام حتى يقول القائل: قد نسي، ويقعد بين السجدتين حتى يقول القائل: قد نسي. والثالث: إن قنت عمدًا في اعتداله في غير موضعه .. بطلت، وإن كان طول بذكر آخر لا بقصد القنوت .. لم تبطل. والرابع: إن طول بنقل ركن كالفاتحة أو التشهد .. بطلت؛ لانضمام النفل إلى التطويل، وإلا .. فلا. هذا في الاعتدال، وأما في الجلوس بين السجدتين .. فسيأتي. قال: (فيسجد لسهوه) بالاتفاق؛ لإخلاله بصورة الصلاة. هذا إذا قلنا بالأصح وهو: البطلان بعمده، وإن قلنا بمقابله .. فمفهوم الكتاب المنع، لكن الأصح أيضًا: أنه يسجد لسهوه كما تقدم. قال: (فالاعتدال قصير) أي: بالنسبة إلى غير القنوت وصلاة التسبيح. ومعنى كونه قصيرًا: أن المصلي مأمور بتخفيفه، ولهذا لا يسن فيه تكرير الذكر المشروع، بخلاف التسبيح في الركوع والسجود، وكأنه ليس مقصودًا لنفسه بل للفصل بين الركوع والسجود وإنما وجبت فيه الطمأنينة ليكون المصلي على سكينة. قال: (وكذا الجلوس بين السجدتين في الأصح)؛ لأن المقصود منه الفصل، فأشبه الاعتدال بل أولى؛ لأن الذكر المشروع فيه أقصر من المشروع في الاعتدال. والثاني: أنه طويل؛ للحديث السابق. ونقله الإمام عن الجمهور.

стр. 594

وَلَوْ نَقَلَ رُكْنًا قَوْلِيًّا كَـ (فَاتِحَةٍ) فِي رُكُوعٍ أَوْ تَشَهُّدٍ .. لَمْ تَبْطُلْ بِعَمْدِهِ فِي الأَصَحِّ، وَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ فِي الأَصَحِّ، ــ والذي صححه المصنف هنا صحح مثله في (الروضة) و (شرح المهذب) و (التحقيق) في (صلاة الجمعة)، لكن صحح فيهما هنا أنه طويل. قال: (ولو نقل ركنًا قوليًا كـ (فاتحة) في ركوع أو تشهد .. لم تبطل بعمده في الأصح)؛ لأنه لا يخل بصورتها، بل ادعى في (الكفاية) نفي الخلاف في ذلك، وهو ثابت بل قوي كما ترى. والثاني: تبطل كنقل الركن الفعلي. وحكم بعض الفاتحة وبعض التشهد حكم جميعها، وحكم نقله إلى السجود كهو إلى الركوع. ويدخل في كلام المصنف: السلام ونقله مبطل، والتكبير وفي عدم البطلان بنقله نظر. ولو نقل إلى ركن قصير ولم يحصل به تطويله، كقراءة بعض (الفاتحة) أو التشهد في الاعتدال .. جرى فيه الخلاف. ولو نقل ذكرًا مقصودًا غير ركن .. فقيل هو: كالركن، وقيل: لا. قال: (ويسجد لسهوه في الأصح)؛ لأن المصلي مأمور بالتحفظ وإحضار الذهن حتى لا يتكلم ولا يزيد في الصلاة ما ليس منها، وهذا الأمر مؤكد عليه تأكد التشهد الأول، فإن غفل وطول الركن القصير أو نقل الركن .. فقد ترك الأمر المؤكد وغير شعار الصلاة، فيجبر بالسجود كترك التشهد الأول والقنوت. والثاني: لا يسجد كغيره مما لا يبطل عمده. وعبارته تقتضي .. أنه لا يسجد لعمه، والأصح في (شرح المهذب): أنه يسجد، وصرح فيه أيضًا بضعف الخلاف، وهو مخالف لتعبيره هنا بالأصح.

стр. 595

وَعَلَى هَذاَ: تُسْتَثْنَى هَذِهِ الصُّورَةُ مِنْ قَوْلِنَا: (مَا لاَ يُبْطِلُ عَمْدُهُ لاَ سُجُودَ لِسَهْوِهِ). وَلَوْ نَسِيَ التَّشَهُّدَ الأَوَّلَ فَذَكَرَهُ بَعْدَ انْتِصَابِهِ .. لَمْ يَعُدْ لَهُ، فَإِنْ عَادَ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ .. بَطَلَتْ، أَوْ نَاسِيًا .. فَلاَ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، أَوْ جَاهِلاً .. فَكَذَا فِي الأَصَحِّ ــ قال: (وعلى هذا: تستثنى هذه الصورة من قولنا: (ما لا يبطل عمده لا سجود لسهوه)، وسبب الاستثناء التعليل بأن المصلي مأمور بالتحفظ إلى آخره، وقد تقدمت هذه مع نظائرها. قال: (ولو نسي التشهد الأول فذكره بعد انتصابه .. لم يعد له)؛ لما روى أبو داوود [١٠٢٨] وابن ماجه [١٢٠٨] عن المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ قال: (إذا قام أحدكم من الركعتين، فلم يستتم قائمًا .. فليجلس، فإن استتم قائمًا .. فلا يجلس ويسجد سجدتي السهو)، ولأن القيام فرض والتشهد الأول سنة، والفرض لا يقطع للسنة. وقيل: يجوز له القعود ما لم يشرع في القراءة، وهو مذهب أحمد. قال: (فإن عاد عالمًا بتحريمه .. بطلت)؛ لأنه زاد قعودًا عمدًا. قال: (أو ناسيًا .. فلا)؛ لرفع القلم عنه. قال: (ويسجد للسهو)؛ لأنه زاد جلوسًا في غير موضعه، وعليه القيام إذا تذكر. قال: (أو جاهلًا .. فكذا في الأصح) أي: لا تبطل ويسجد للسهو؛ لأنه مما يخفى على العوام. والثاني: تبطل صلاته لتقصيره بترك التعلم. وهذا جار في المنفرد والإمام، ولا يجوز للمأموم أن يتخلف عنه للتشهد، فإن فعل .. بطلت صلاته، إلا أن ينوي فارقته .. فيجوز، ويكون مفارقًا بعذر. ولو انتصب مع الإمام فعاد الإمام للتشهد .. لم يعد المأموم بل ينوي مفارقته،

стр. 596

وَلِلْمَامُومِ الْعَوْدُ لِمُتَابَعَةِ إِمَامِهِ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: وُجُوبُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ تَذَكَّرَ قَبْلَ انْتِصَابِهِ .. عَادَ لِلتَّشَهُّدِ، وَيَسْجُدُ إِنْ كَانَ صَارَ إِلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ ــ وهل له انتظاره قائمًا حملًا على أنه عاد ساهيًا؟ وجهان كنظيرهما في التنحنح. ولو قعد المأموم، فانتصب الإمام ثم عاد .. لزم المأموم القيام؛ لأنه توجه عليه بانتصاب الإمام. قال: (وللمأموم العود لمتابعة إمامه في الأصح)؛ لأن متابعته فرض عليه، فيرجع من فرض إلى فرض لا إلى سنة، بخلاف الإمام والمنفرد إذا رجعا. وقيل: لا يجوز له العود كالمنفرد، بل يصبر قائمًا إلى أن يلحقه الإمام. قال: (قلت: الأصح: وجوبه والله أعلم)؛ لتأكيد المتابعة، ولهذا يسقط بها القيام والقراءة عن المسبوق، فإن لم يعد .. بطلت صلاته. ومحل الوجوب: إذا قام ساهيًا، فإن قام عامدًا .. فالعود مستحب لا واجب. وقد صرح المصنف والرافعي في (صلاة الجماعة) بأن المأموم إذا تقدم بركن عمدًا أو سهوًا .. يندب له العود، وأنه منصوص (الأم)، وقطع به الجمهور. ونقل- فيما إذا وقع ذلك سهوًا- تصحيح البغوي: أنه يتخير، فيكف يستقيم منه بعد ذلك أن يصحح وجوب العود إلى التشهد؟! فالموافق للنص والترجيح المذكور .. أن العود مستحب سواء كان القيام سهوًا أم عمدًا إلا أن يفرق بفحش التقدم هنا. قال: (ولو تذكر قبل انتصابه .. عاد للتشهد)؛ لحديث المغيرة السابق، ولأنه لم يتلبس بفرض والمراد بـ (الانتصاب): الاعتدال والاستواء. وقيل: المراد: أن يصير إلى حالة أرفع من حد أقل الركوع. والأول أصح. قال: (ويسجد إن كان صار إلى القيام أقرب) أي: أقرب منه إلى القعود؛ لأنه أتى بفعل يغير نظم الصلاة ولو أتى به عمدًا في غير موضعه .. لبطلت صلاته. وإن كان إلى القعود أقرب، أو كانت نسبته إليهما على السواء .. لم يسجد، لكن المصنف

стр. 597

وَلَوْ نَهَضَ عَمْدًا فَعَادَ .. بَطَلَتْ إِنْ كَانَ إِلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ. وَلَوْ نَسِيَ قُنُوتًا فَذَكَرَهُ فِي سُجُودِهِ .. لَمْ يَعُدْ لَهُ، أَوْ قَبْلَهُ .. عَادَ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ إِنْ بَلَغَ حَدَّ الرَّاكِعِ. وَلَوْ شَكَّ فِي تَرْكِ بَعْضٍ .. سَجَدَ، ــ صحح في (التحقيق) و (تصحيح التنبيه): أنه لا يسجد مطلقًا، ونقله في (شرح المهذب) عن الجمهور. وقال في (المهمات): الفتوى على عدم السجود خلافًا لما في (المنهاج). قال: (ولو نهض عمدًا فعاد .. بطلت إن كان إلى القيام أقرب)، فلا تبطل إن عاد قبله؛ لأنه زاد في الصلاة على وجه العمد ما لو وقع منه سهوًا جبره بالسجود فكان مبطلًا، والبطلان في هذا الموضع ليس للنهوض؛ لأنه جائز، وإنما حكم العود هنا كحكم النهوض في غيره؛ لما يحصل به من الخلل. فرع: صلى قاعدًا فافتتح القراءة بعد الركعتين، فإن كان قد سبق لسانه إلى القراءة وهو عالم أنه لم يتشهد .. فله العود إلى التشهد، وإن كان على ظن أنه فرغ من التشهد وأنه جاء وقت الثالثة .. لم يعد إلى قراءة التشهد على الأصح. وقيل: يعود. والوجهان مبنيان على أن العبرة بصورة الصلاة أم بمعناها؟ فإن قلنا: بالصورة .. عاد، وإن قلنا: بالمعنى وهو الأصح .. لم يعد. قال: (ولو نسي قنوتًا فذكره في سجوده .. لم يعد له)؛ لتلبسه بفرض. قال: (أو قبله .. عاد)؛ لعدم التلبس به. قال: (ويسجد للسهو إن بلغ حد الراكع)؛ لأنه زاد ركوعه وتعمده مبطل. والتقييد بـ (بلوغ حد الراكع) عائد إلى السجود لا إلى العود. قال: (ولو شك في ترك بعض) أي: معين (.. سجد)؛ لأن الأصل أنه لم يفعله. فإن شك هل ترك مأمورًا في الجملة أو لا؟ فلا يسجد كما لو شك هل سها أو لا؟

стр. 598

أَوِ ارْتِكَابِ نَهْيٍ .. فَلاَ. وَلَوْ سَهَا وَشَكَّ: هَلْ سَجَدَ .. فَلْيَسْجُدْ. وَلَوْ شَكَّ: أَصَلَّى ثَلاَثًا أَمْ أَرْبَعًا .. أَتَى بِرَكْعَةٍ وَسَجَدَ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَسْجُدُ وَإِنْ زَالَ شَكُّهُ قَبْلَ سَلاَمِهِ، ــ قال: (أو ارتكاب نهي .. فلا)؛ لأن الأصل أنه لم يفعله. قال: (ولو سها وشك: هل سجد .. فليسجد) تمسكًا بالأصل أيضًا؛ لأن الأصل عدم السجود. ولو شك: هل سجد للسهو سجدة أو سجدتين .. أخذ بالأقل وسجد أخرى؛ لأن الأصل في الثانية العدم. ولو تيقن السهو، وشك: هل هو ترك مأمور أو ارتكاب منهي .. سجد. قال: (ولو شك: أصلى ثلاثًا أم أربعًا .. أتى بركعة)؛ لحديث أبي سعيد الخدري المتقدم في أول الباب. والمراد بـ (الشك): مطلق التردد، سواء ترجح أحد الاحتمالين أم لا، حتى يرجع إلى ما غلب على ظنه، ولا يرجع إلى قول غيره. وقيل: يجوز الرجوع إلى قول جمع كثير كانوا يرقبون صلاته؛ لظاهر حديث ذي اليدين. والجواب: أنه يحتمل أن النبي ﷺ تذكر فرجع إلى علمه، أو أن قولهم أفاد شكًا فأخذ بالأصل، وليس ذلك عملًا بقولهم. قال: (وسجد)؛ للحديث المتقدم. وهذا السجود مخالف للقاعدة؛ لأنه لم يترك مأمورًا به، ولا تحقق ارتكاب منهي عنه، ولهذا اختلفوا في سببه: فقيل: المعتمد فيه الخبر، ولا يظهر معناه. والأصح: أن سببه التردد في زيادة الركعة التي يأتي بها. وفائدتهما تظهر- فيما ذكره المصنف بعد ذلك- فيما إذا زال تردده قبل السلام وعرف أن التي أتى بها رابعة .. فإن لا يسجد على الأول، ويسجد على الثاني؛ لأن الركعة تأدت على التردد، وزواله بعد ذلك لا يرفع ما وقع. قال: (والأصح: أنه يسجد وإن زال شكه قبل سلامه) أي: وتبين أنها غير زائدة؛ لأن الأصح: أن سبب السجود التردد وقد حصل.

стр. 599

وَكَذَا حُكْمُ مَا يُصَلِّيهِ مُتَرَدِّدًا وَاحْتَمَلَ كَوْنُهُ زَائِدًا. وَلاَ يَسْجُدُ لِمًا يَجِبُ بِكُلِّ حَالٍ إِذَا زَالَ شَكُّهُ، مِثَالُهُ: شَكَّ فِي الثَّالِثَةِ: أَثَالِثَةٌ هِيَ أَمْ رَابِعَةٌ؟ فَتَذَكَّرَ فِيهَا .. لَمْ يَسْجُدْ، أَوْ فِي الرَّابِعَةِ .. سَجَدَ ــ والثاني: لا يسجد؛ لأن الحديث ظاهر إنما ورد في دوام الشك إلى السلام وقد زال ذلك. قال: (وكذا حكم يصليه مترددًا واحتمل كونه زائدًا)؛ لما تقرر. قال: (ولا يسجد لما يجب بكل حال إذا زال شكه، مثاله: شك في الثالثة: أثالثة هي أم رابعة؟ فتذكر فيها) أي: في الثالثة قبل أن يقوم إلى الرابعة، أو في الرابعة واقتصر عليها (.. لم يسجد)؛ لأن ما فعله على الشك لابد منه على التقديرين، إذ المسألة مفروضة في الرباعية. وكان ينبغي أن يقول: ولو شك في ركعة: أثالثة هي، وإلا فبعد فرضها ثالثة كيف يشك: أثالثة هي أم رابعة؟ قال: (أو في الرابعة .. سجد) أي: وإن تذكر في الرابعة أنها رابعة .. سجد؛ لأن احتمال الزيادة كان موجودًا حين قام إليها. فهذا ضابط عروض الشك المقتضي للسجود عند من علل به. فلو بان له بعد القيام إلى الركعة أنها خامسة .. فلا شك في السجود. ثم إن كان قيامه لها قبل التشهد .. تشهد وسجد، وإن كان قيامه لها بعد التشهد .. فالمشهور: أنه لا يحتاج إلى إعادة التشهد. وقال ابن سريج: يعيد؛ لأن ما أتى به في حالة التشهد ليس من الصلاة. فإعادته لمعنيين: أحدهما: أن ينتقل من ركن إلى ركن.

стр. 600

وَلَوْ شَكَّ بَعْدَ السَّلاَمِ في تَرْكِ فَرْضٍ .. لَمْ يُؤَثِّرْ عَلَى الْمَشْهُورِ ــ والثاني: تحقيق الموالاة؛ فإن السلام ركن فلابد أن يتصل بالتشهد. وينبني على المعنيين: إذا تذكر بعد القيام إلى ثانية أنه ترك سجدة من الأولى، فإن قلنا بالمعنى الأول .. سجد سجدتين؛ لينتقل إلى الركن عن الركن الذي يتصل به. وإن قلنا بالثاني .. اقتصر على السجدة المتروكة؛ لأن آخرها يتصل بجزء من الصلاة وهو القيام. قال: (ولو شك بعد السلام في ترك فرض .. لم يؤثر على المشهور)؛ لأن الظاهر أداؤها على التمام، ولأنه لو أثر .. لعسر الأمر على الناس خصوصًا على ذوي الوسواس. والثاني: يؤثر كما لو شك في الصلاة؛ لأن الأصل عدم الفعل. وموضع الخلاف: إذا لم يطل الزمان، فإن طال .. لم يؤثر قطعًا؛ لكثرة الشكوك عند الطول. وقيل: على القولين، وهو مقتضى إطلاق الكتاب. واحترز بقوله: (بعد السلام) عن الشك في النية؛ لأن شكه فيها يخرج سلامه عن كونه سلاما. وتعبيره بـ (الفرض) يشمل الشرط والركن، لكن يرد عليه ما لو خرج من الصلاة ثم شك: هل كان متطهرًا أو لا؟ والأصح في (باب مسح الخف) من (شرح المهذب): أنه يؤثر، فتجب الإعادة. والفرق: أن الشاك في الطهر شاك في الانعقاد والأصل عدمه، والشاك في الركن قد تيقن الانعقاد وشك في المبطل والأصل عدمه. اهـ. وقد نص الشافعي على خلاف ما قاله. ولو شك أن ما فعله ظهر أو عصر وكانا فاتاه .. أعادهما. ولو شك المقتدي بعد السلام في نية الاقتداء .. لم يؤثر، وقيل: على الخلاف في مسألة الكتاب.
следующие страницы →