← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13783

النجم الوهاج في شرح المنهاج

الدميري

Полный текст (5 377 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وَلِلْمَامُومِ الْعَوْدُ لِمُتَابَعَةِ إِمَامِهِ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: وُجُوبُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ تَذَكَّرَ قَبْلَ انْتِصَابِهِ .. عَادَ لِلتَّشَهُّدِ، وَيَسْجُدُ إِنْ كَانَ صَارَ إِلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ ــ وهل له انتظاره قائمًا حملًا على أنه عاد ساهيًا؟ وجهان كنظيرهما في التنحنح. ولو قعد المأموم، فانتصب الإمام ثم عاد .. لزم المأموم القيام؛ لأنه توجه عليه بانتصاب الإمام. قال: (وللمأموم العود لمتابعة إمامه في الأصح)؛ لأن متابعته فرض عليه، فيرجع من فرض إلى فرض لا إلى سنة، بخلاف الإمام والمنفرد إذا رجعا. وقيل: لا يجوز له العود كالمنفرد، بل يصبر قائمًا إلى أن يلحقه الإمام. قال: (قلت: الأصح: وجوبه والله أعلم)؛ لتأكيد المتابعة، ولهذا يسقط بها القيام والقراءة عن المسبوق، فإن لم يعد .. بطلت صلاته. ومحل الوجوب: إذا قام ساهيًا، فإن قام عامدًا .. فالعود مستحب لا واجب. وقد صرح المصنف والرافعي في (صلاة الجماعة) بأن المأموم إذا تقدم بركن عمدًا أو سهوًا .. يندب له العود، وأنه منصوص (الأم)، وقطع به الجمهور. ونقل- فيما إذا وقع ذلك سهوًا- تصحيح البغوي: أنه يتخير، فيكف يستقيم منه بعد ذلك أن يصحح وجوب العود إلى التشهد؟! فالموافق للنص والترجيح المذكور .. أن العود مستحب سواء كان القيام سهوًا أم عمدًا إلا أن يفرق بفحش التقدم هنا. قال: (ولو تذكر قبل انتصابه .. عاد للتشهد)؛ لحديث المغيرة السابق، ولأنه لم يتلبس بفرض والمراد بـ (الانتصاب): الاعتدال والاستواء. وقيل: المراد: أن يصير إلى حالة أرفع من حد أقل الركوع. والأول أصح. قال: (ويسجد إن كان صار إلى القيام أقرب) أي: أقرب منه إلى القعود؛ لأنه أتى بفعل يغير نظم الصلاة ولو أتى به عمدًا في غير موضعه .. لبطلت صلاته. وإن كان إلى القعود أقرب، أو كانت نسبته إليهما على السواء .. لم يسجد، لكن المصنف

стр. 597

وَلَوْ نَهَضَ عَمْدًا فَعَادَ .. بَطَلَتْ إِنْ كَانَ إِلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ. وَلَوْ نَسِيَ قُنُوتًا فَذَكَرَهُ فِي سُجُودِهِ .. لَمْ يَعُدْ لَهُ، أَوْ قَبْلَهُ .. عَادَ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ إِنْ بَلَغَ حَدَّ الرَّاكِعِ. وَلَوْ شَكَّ فِي تَرْكِ بَعْضٍ .. سَجَدَ، ــ صحح في (التحقيق) و (تصحيح التنبيه): أنه لا يسجد مطلقًا، ونقله في (شرح المهذب) عن الجمهور. وقال في (المهمات): الفتوى على عدم السجود خلافًا لما في (المنهاج). قال: (ولو نهض عمدًا فعاد .. بطلت إن كان إلى القيام أقرب)، فلا تبطل إن عاد قبله؛ لأنه زاد في الصلاة على وجه العمد ما لو وقع منه سهوًا جبره بالسجود فكان مبطلًا، والبطلان في هذا الموضع ليس للنهوض؛ لأنه جائز، وإنما حكم العود هنا كحكم النهوض في غيره؛ لما يحصل به من الخلل. فرع: صلى قاعدًا فافتتح القراءة بعد الركعتين، فإن كان قد سبق لسانه إلى القراءة وهو عالم أنه لم يتشهد .. فله العود إلى التشهد، وإن كان على ظن أنه فرغ من التشهد وأنه جاء وقت الثالثة .. لم يعد إلى قراءة التشهد على الأصح. وقيل: يعود. والوجهان مبنيان على أن العبرة بصورة الصلاة أم بمعناها؟ فإن قلنا: بالصورة .. عاد، وإن قلنا: بالمعنى وهو الأصح .. لم يعد. قال: (ولو نسي قنوتًا فذكره في سجوده .. لم يعد له)؛ لتلبسه بفرض. قال: (أو قبله .. عاد)؛ لعدم التلبس به. قال: (ويسجد للسهو إن بلغ حد الراكع)؛ لأنه زاد ركوعه وتعمده مبطل. والتقييد بـ (بلوغ حد الراكع) عائد إلى السجود لا إلى العود. قال: (ولو شك في ترك بعض) أي: معين (.. سجد)؛ لأن الأصل أنه لم يفعله. فإن شك هل ترك مأمورًا في الجملة أو لا؟ فلا يسجد كما لو شك هل سها أو لا؟

стр. 598

أَوِ ارْتِكَابِ نَهْيٍ .. فَلاَ. وَلَوْ سَهَا وَشَكَّ: هَلْ سَجَدَ .. فَلْيَسْجُدْ. وَلَوْ شَكَّ: أَصَلَّى ثَلاَثًا أَمْ أَرْبَعًا .. أَتَى بِرَكْعَةٍ وَسَجَدَ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَسْجُدُ وَإِنْ زَالَ شَكُّهُ قَبْلَ سَلاَمِهِ، ــ قال: (أو ارتكاب نهي .. فلا)؛ لأن الأصل أنه لم يفعله. قال: (ولو سها وشك: هل سجد .. فليسجد) تمسكًا بالأصل أيضًا؛ لأن الأصل عدم السجود. ولو شك: هل سجد للسهو سجدة أو سجدتين .. أخذ بالأقل وسجد أخرى؛ لأن الأصل في الثانية العدم. ولو تيقن السهو، وشك: هل هو ترك مأمور أو ارتكاب منهي .. سجد. قال: (ولو شك: أصلى ثلاثًا أم أربعًا .. أتى بركعة)؛ لحديث أبي سعيد الخدري المتقدم في أول الباب. والمراد بـ (الشك): مطلق التردد، سواء ترجح أحد الاحتمالين أم لا، حتى يرجع إلى ما غلب على ظنه، ولا يرجع إلى قول غيره. وقيل: يجوز الرجوع إلى قول جمع كثير كانوا يرقبون صلاته؛ لظاهر حديث ذي اليدين. والجواب: أنه يحتمل أن النبي ﷺ تذكر فرجع إلى علمه، أو أن قولهم أفاد شكًا فأخذ بالأصل، وليس ذلك عملًا بقولهم. قال: (وسجد)؛ للحديث المتقدم. وهذا السجود مخالف للقاعدة؛ لأنه لم يترك مأمورًا به، ولا تحقق ارتكاب منهي عنه، ولهذا اختلفوا في سببه: فقيل: المعتمد فيه الخبر، ولا يظهر معناه. والأصح: أن سببه التردد في زيادة الركعة التي يأتي بها. وفائدتهما تظهر- فيما ذكره المصنف بعد ذلك- فيما إذا زال تردده قبل السلام وعرف أن التي أتى بها رابعة .. فإن لا يسجد على الأول، ويسجد على الثاني؛ لأن الركعة تأدت على التردد، وزواله بعد ذلك لا يرفع ما وقع. قال: (والأصح: أنه يسجد وإن زال شكه قبل سلامه) أي: وتبين أنها غير زائدة؛ لأن الأصح: أن سبب السجود التردد وقد حصل.

стр. 599

وَكَذَا حُكْمُ مَا يُصَلِّيهِ مُتَرَدِّدًا وَاحْتَمَلَ كَوْنُهُ زَائِدًا. وَلاَ يَسْجُدُ لِمًا يَجِبُ بِكُلِّ حَالٍ إِذَا زَالَ شَكُّهُ، مِثَالُهُ: شَكَّ فِي الثَّالِثَةِ: أَثَالِثَةٌ هِيَ أَمْ رَابِعَةٌ؟ فَتَذَكَّرَ فِيهَا .. لَمْ يَسْجُدْ، أَوْ فِي الرَّابِعَةِ .. سَجَدَ ــ والثاني: لا يسجد؛ لأن الحديث ظاهر إنما ورد في دوام الشك إلى السلام وقد زال ذلك. قال: (وكذا حكم يصليه مترددًا واحتمل كونه زائدًا)؛ لما تقرر. قال: (ولا يسجد لما يجب بكل حال إذا زال شكه، مثاله: شك في الثالثة: أثالثة هي أم رابعة؟ فتذكر فيها) أي: في الثالثة قبل أن يقوم إلى الرابعة، أو في الرابعة واقتصر عليها (.. لم يسجد)؛ لأن ما فعله على الشك لابد منه على التقديرين، إذ المسألة مفروضة في الرباعية. وكان ينبغي أن يقول: ولو شك في ركعة: أثالثة هي، وإلا فبعد فرضها ثالثة كيف يشك: أثالثة هي أم رابعة؟ قال: (أو في الرابعة .. سجد) أي: وإن تذكر في الرابعة أنها رابعة .. سجد؛ لأن احتمال الزيادة كان موجودًا حين قام إليها. فهذا ضابط عروض الشك المقتضي للسجود عند من علل به. فلو بان له بعد القيام إلى الركعة أنها خامسة .. فلا شك في السجود. ثم إن كان قيامه لها قبل التشهد .. تشهد وسجد، وإن كان قيامه لها بعد التشهد .. فالمشهور: أنه لا يحتاج إلى إعادة التشهد. وقال ابن سريج: يعيد؛ لأن ما أتى به في حالة التشهد ليس من الصلاة. فإعادته لمعنيين: أحدهما: أن ينتقل من ركن إلى ركن.

стр. 600

وَلَوْ شَكَّ بَعْدَ السَّلاَمِ في تَرْكِ فَرْضٍ .. لَمْ يُؤَثِّرْ عَلَى الْمَشْهُورِ ــ والثاني: تحقيق الموالاة؛ فإن السلام ركن فلابد أن يتصل بالتشهد. وينبني على المعنيين: إذا تذكر بعد القيام إلى ثانية أنه ترك سجدة من الأولى، فإن قلنا بالمعنى الأول .. سجد سجدتين؛ لينتقل إلى الركن عن الركن الذي يتصل به. وإن قلنا بالثاني .. اقتصر على السجدة المتروكة؛ لأن آخرها يتصل بجزء من الصلاة وهو القيام. قال: (ولو شك بعد السلام في ترك فرض .. لم يؤثر على المشهور)؛ لأن الظاهر أداؤها على التمام، ولأنه لو أثر .. لعسر الأمر على الناس خصوصًا على ذوي الوسواس. والثاني: يؤثر كما لو شك في الصلاة؛ لأن الأصل عدم الفعل. وموضع الخلاف: إذا لم يطل الزمان، فإن طال .. لم يؤثر قطعًا؛ لكثرة الشكوك عند الطول. وقيل: على القولين، وهو مقتضى إطلاق الكتاب. واحترز بقوله: (بعد السلام) عن الشك في النية؛ لأن شكه فيها يخرج سلامه عن كونه سلاما. وتعبيره بـ (الفرض) يشمل الشرط والركن، لكن يرد عليه ما لو خرج من الصلاة ثم شك: هل كان متطهرًا أو لا؟ والأصح في (باب مسح الخف) من (شرح المهذب): أنه يؤثر، فتجب الإعادة. والفرق: أن الشاك في الطهر شاك في الانعقاد والأصل عدمه، والشاك في الركن قد تيقن الانعقاد وشك في المبطل والأصل عدمه. اهـ. وقد نص الشافعي على خلاف ما قاله. ولو شك أن ما فعله ظهر أو عصر وكانا فاتاه .. أعادهما. ولو شك المقتدي بعد السلام في نية الاقتداء .. لم يؤثر، وقيل: على الخلاف في مسألة الكتاب.

стр. 601

وَسَهْوُهُ حَالَ قُدْوَتِهِ يَحْمِلُهُ إِمَامُهُ، فَلَو ظَنَّ سَلاَمَةُ فَسَلَّمَ، فَبَانَ خِلاَفُهُ .. سَلَّمَ مَعَهُ وَلاَ سُجُودَ. وَلَوْ ذَكَرَ فِي تَشَهُّدِهِ تَرْكَ رُكْنٍ غَيْرِ النِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرَةِ .. صَلَّى بَعْدَ سَلاَمِ إِمَامِهِ رَكْعَةً ــ ولو شك: هل سلم أو لا؟ يسلم ولا يسجد للسهو، بخلاف ما إذا شك في ركن آخر- كذا أفتى به القفال- والفرق: فوت محل السجود بالإتيان بالسلام المشكوك فيه. قال: (وسهوه حال قدوته يحمله إمامه)؛ لقوله ﷺ : (الإمام ضامن) رواه أبو داوود [٥١٨] والترمذي [٢٠٧]، وصححه ابن حبان [١٦٧٢]. وروى الدارقطني [١/ ٣٧٧] أن النبي ﷺ قال: (ليس على من خلف الإمام سهو، فإذا سها الإمام .. فعليه وعلى من خلفه). و (تكلم معاوية بن الحكم خلف النبي ﷺ ولم يأمره بالسجود). وكما يحمل عن المأموم: الجهر، والسورة، وسجود السهو والتلاوة، ودعاء القنوت، والقراءة عن المسبوق والقيام عنه، والتشهد الأول عن الذي أدركه في الركعة الثانية، والقنوت في الصبح إذا لحقه في الثانية، وقراءة الفاتحة في الجهرية على القديم فهذه عشرة أشياء. وقوله: (حال القدوة) احتراز مما قبل القدوة وبعدها. وسيأتي ذكرهما في كلامه، ولا فرق بين القدوة الحسية والحكمية كما سيأتي في (المزحوم) و (صلاة الخوف). قال: (فلو ظن سلامه فسلم، فبان خلافه .. سلم معه)؛ لأنه لا يجوز تقديمه على سلام الإمام. قال: (ولا سجود)؛ لأن القدوة باقية. قال: (ولو ذكر) أي: المأموم (في تشهده ترك ركن غير النية والتكبيرة) كالفاتحة (.. صلى بعد سلام إمامه ركعة) ولا يجوز أن يعود إلى تداركه؛ لما فيه من ترك المتابعة الواجبة.

стр. 602

وَلاَ يَسْجُدُ. وَسَهْوُهُ بَعْدَ سَلاَمِهِ لاَ يَحْمِلُهُ، فَلَوْ سَلَّمَ الْمَسْبُوقُ بِسَلاَمِ إِمَامِهِ .. بَنَى وَسَجَدَ وَيَلْحَقُهُ سَهْوُ إِمَامِهِ، ــ قال: (ولا يسجد)؛ لما تقدم. وإنما استثنى النية وتكبيرة الإحرام؛ لأن تركهما يوجب الاستئناف. ولم يستثنهما في (المحرر) لوضوحهما. قال: (وسهوه بعد سلامه لا يحمله)؛ لانتهاء القدوة. ولا فرق في ذلك بين المأموم الموافق إذا تكلم ساهيًا عقب سلام الإمام، والمسبوق إذا سها فيما يأتي بعد السلام. وكذا المنفرد إذا سها في صلاته، ثم دخل في جماعة وجوزنا ذلك .. لا يتحمل الإمام سهوه، بل يسجد هو بعد سلام الإمام. قال: (فلو سلم المسبوق بسلام إمامه .. بنى) أي: إذا لم يطل الفصل. قال: (وسجد)؛ لأن سهوه بعد انقطاع القدوة، ولأن عمده مبطل. ولو نطق بالسلام ولم يقل: عليكم .. لم يسجد؛ لأن السلام من أسماء الله تعالى ولم يوجد خطاب، قاله البغوي في (الفتاوى). لكن لو نوى معه الخروج من الصلاة .. فالقياس: أنه يسجد. قال: (ويلحقه سهو إمامه) كما يتحمل الإمام سهوه؛ لحديث الدارقطني [١/ ٣٧٧] المتقدم، ولأن الخلل يتطرق بذلك إلى صلاة المأموم، واستثنى الشيخان صورتين: إحداهما: إذا بان الإمام محدثًا .. فلا يسجد المأموم لسهوه، ولا يتحمل هو عن المأموم أيضًا. والثانية: إذا علم سبب سجوده وتيقن غلطه في ظنه، كما إذا ظن الإمام أنه ترك بعضًا والمأموم تيقن عدم تركه .. فلا يوافقه إذا سجد. قال في (الكفاية): في الاستثناء نظر؛ لأن الأصح: أن الصلاة خلف المحدث جماعة، حتى لا يجب عند ظهوره في الجمعة إعادتها، وأما الثانية .. فإن ذلك

стр. 603

فَإِنْ سَجَدَ .. لَزِمَهُ مُتَابَعَتُهُ، وَإِلاَّ .. فَيَسْجُدُ عَلَى النَّصِّ. وَلَوِ اقْتَدَى مَسْبُوقٌ بِمَنْ سَهَا بَعْدَ اقْتِدَائِهِ، وَكَذَا قَبْلَهُ فِي الأَصَحِّ .. فَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَسْجُدُ مَعَهُ، ثُمَّ فِي آخِرِ صَلاَتِهِ ــ يقتضي: سجود السهو على الإمام على الأصح كزيادة سجدتين سهوًا، فلم يخرج سهو الإمام عن اقتضائه: سجود السهو في حق المأموم وعلى الوجه الآخر .. لا استثناء؛ لأنه لم يحصل من الإمام سهو يقتضي السجود. قال: (فإن سجد) أي: في غير الصورتين (.. لزمه متابعته)، فإن تركها عمدًا .. بطلت صلاته؛ لمخالفته حال القدوة، سواء عرف سهو إمامه أم لا. قال: (وإلا) أي: وإن لم يسجد الإمام إما عمدًا أو سهوًا، وسلم. قال: (.. فيسجد على النص) أي: المأموم؛ جبرًا لخلل صلاته لسهو إمامه. وفيه قول مخرج: أنه لا يسجد؛ لأنه لم يسه. فلو سلم الإمام لاعتقاده أن السجود بعده .. فالأصح: أنه يسجد المأموم قبل السالم ولا ينتظره. والثاني: يتبعه في السلام ثم في السجود. والثالث: ينتظره حتى يسجد فيسجد معه ثم يسلم؛ ليكون قد تابعه وسجد قبل السلام. قال: (ولو اقتدى مسبوق بمن سها بعد اقتدائه، وكذا قبله في الأصح .. فالصحيح: أنه يسجد) للسهو (معه)؛ رعاية للمتابعة. قال: (ثم في آخر صلاته) أي: صلاة نفسه؛ لأنه محل الجبر بالسجود. والثاني: يسجد معه ولا يسجد في آخر صلاته، قاله في القديم، واختاره المزني. والثالث: لا يسجد معه؛ لأن محل السجود آخر الصلاة. والوجه الثاني المقابل لقول المصنف: (وكذا قبله في الأصح): أن سهو الإمام

стр. 604

فَإِنْ لَمْ يَسْجُدِ الإِمَامُ .. سَجَدَ آخِرَ صَلاَةِ نَفْسِهِ عَلَى النَّصَّ. وَسُجُودُ السَّهْوِ وَإِنْ كَثُرَ سَجْدَتَانِ كَسُجُودِ الصَّلاَةِ، ــ لا يلحق المقتدي بعد ذلك حكمه؛ لأنه لم يكن بينهما رابطة الاقتداء، فأشبه السهو الواقع من المأموم بعد سلام إمامه. فعلى هذا: لا يسجد المأموم لا مع الإمام، ولا في آخر صلاة نفسه. قال: (فإن لم يسجد الإمام .. سجد آخر صلاة نفسه على النص) وهو النص المتقدم أي: في الحالين، وهما: حالة الاقتداء وقبله. قال: (وسجود السهو وإن كثر سجدتان)؛ لأن النبي ﷺ سلم من اثنتين، وكلم ذا اليدين، واقتصر على سجدتين، ولذلك جعل آخر الصلاة حتى يجمع كل سهو. ولا فرق بين أن يكون من نوع أو أنواع بزيادة أو نقصان أو بهما. وقال ابن أبي ليلى: لكل سهو سجدتان؛ لما رواه أبو داوود [١٠٣٠] من حديث ثوبان أن النبي ﷺ قال: (لكل سهو سجدتان). والجواب: أنه من رواية زهير بن سالم وهو مجهول. وفي وجه حكاه ابن عبدان في (شرائط الأحكام): إن سها بالزيادة والنقصان .. سجد أربعًا. وقيل: يتعدد إذا تعدد سببه، حكاه صاحب (الوسائل) وهو ابن جماعة المقدسي. قال: (كسجود الصلاة) في الكيفية والجلوس بينهما والطمأنينة والتسبيح فيهما قاله المتولي، ولم يره الرافعي بل قال: إن الكتب ساكتة عن الذكر فيهما، وذلك يشعر بأن المشروع فيهما هو المشروع في سجدات صلب الصلاة كسائر ما سكتوا عنه من واجبات هذا السجود ومحبوباته، قال: وسمعت بعض الأئمة يحكي: أنه يستحب أن يقول فيهما: سبحان من لا ينام ولا يسهو، وهو لائق بالحال. اهـ نعم؛ سكتوا عن الذكر بينهما، والظاهر: أنه كالذكر بين سجدتي صلب الصلاة.

стр. 605

وَالْجَدِيدُ: أَنَّ مَحَلَّهُ بَيْنَ تَشَهُّدِهِ وَسَلاَمِهِ. فَإِنْ سَلَّمَ عَمْدًا .. فَاتَ فِي الأَصَحِّ، أَوْ سَهْوًا وَطَالَ الْفَصْلُ .. فَاتَ فِي الْجَدِيدِ، ــ قال: (والجديد: أن محله بين تشهده وسلامه)؛ لما تقدم عن عبد الله بن بحينة: (أن النبي ﷺ سجد قبل السلام). وفي حديث أبي سعيد: (وليسجد سجدتين قبل السلام)، وكذلك في (سنن أبي داوود) [١٠٠٦] من رواية أبي هريرة، وفي (الترمذي) [٣٩٨] من حديث عبد الرحمن بن عوف، وقال الزهري: إنه آخر الأمرين من فعل رسول الله ﷺ ، ولأنه يفعل لإصلاح الصلاة، فكان قبل السلام كما لو نسي سجدة من الصلاة. وأما حديث ذي اليدين وما في طرقه من السجود بعد السلام .. فمحمول على أن تأخيره كان سهوًا لا مقصودًا، مع أن هذا الحديث لم يرد لبيان حكم سجود السهو، فوجب تأويله وحمله على رواية أبي سعيد وأبي هريرة وابن عوف. والقول الثاني: إن سها بزيادة .. سجد بعد السلام، وإن سها بنقص .. فقبله. والقول الثالث: يتخير إن شاء قبله، وإن شاء بعده. وهما قديمان. والخلاف في الإجزاء في الأصح، وقيل: في الأفضل. قال: (فإن سلم عمدًا .. فات في الأصح)؛ لفوات محله. وأشار بالفاء إلى أنه تفريع على الجديد. والثاني: أنه كما لو سلم ناسيًا، إن طال الفصل .. لم يسجد، وإلا .. سجد. ونص عليه في (باب صلاة الخوف) من (البويطي). وعلى هذا، إذا سجد .. لا يكون عائدًا إلى الصلاة بلا خلاف. قال: (أو سهوًا وطال الفصل .. فات في الجديد)؛ لأنه يفعل لتكميل الصلاة، فلا يفعل عند طول الفصل.

стр. 606

وَإِلاَّ .. فَلاَ عَلَى النَّصِّ. وَإِذَا سَجَدَ .. صاَرَ عَائِدًا إِلىَ الصَّلاَةِ فِي الأَصَحِّ ــ والثاني- وهو القديم-: يسجد؛ لأنه جبران عبادة، فلا يسقط بالتطاول كجبران الحج. واختلفوا في حد الطول: فقال الشيخ أبو إسحاق: هو أن يمضي قدر ركعة، وعليه نص في (البويطي). وقال غيره: يرجع فيه إلى العرف. وقال ابن أبي هريرة: إن مضى مقدار الصلاة التي نسي فيها .. استأنف، وإن كان دون ذلك .. بنى؛ لأن آخر الصلاة يبنى على أولها، وما زاد على ذلك لا يبنى، فجعل ذلك حدًا. قال: (وإلا .. فلا على النص) أي: إذا لم يطل .. لم يفت؛ لأن النبي ﷺ صلى الظهر خمسًا، وقيل له في ذلك، فسجد للسهو، متفق عليه [خ١٢٢٦ - م٥٧٢]. والثاني: يفوت؛ لأن السلام ركن جري في محله، والسجود يجوز تركه قصدًا. قال: (وإذا سجد .. صار عائدًا إلى الصلاة في الأصح)؛ لأن محل السجود قبل السلام. والثاني: لا؛ لأن التحلل حصل بالسلام. وينبني على الخلاف مسائل، كبطلان الصلاة بالحدث وغيره من المفسدات إذا وقع في السجود، ولزوم الإتمام على القاصر إذا نواه فيه، وفوات الجمعة بخروج وقت الظهر فيه، نعم السجود في هذه الحالة حرام عند العلم بالحال؛ لأنه يفوت الجمعة مع إمكانها. إذا قلنا بالعود .. لا يكبر للافتتاح ولا يتشهد على الأصح، وعلى مقابله يكبر ولا يتشهد في الأصح.

стр. 607

وَلَوْ سَهَا إِمَامُ الْجُمُعَةِ وَسَجَدُوا فَبَانَ فَوْتُهَا .. أَتَمُّوا ظُهْرًا وَسَجَدُوا. وَلَوْ ظَنَّ سَهْوًا فَسَجَدَ فَبَانَ عَدَمُهُ .. سَجَدَ فِي الأَصَحِّ ــ قال: (ولو سها إمام الجمعة وسجدوا فبان فوتها .. أتموا ظهرًا)؛ لما سيأتي في بابها. قال: (وسجدوا)؛ لأن محله آخر الصلاة. قال: (ولو ظن سهوًا فسجد فبان عدمه .. سجد في الأصح)؛ لأنه زاد سجدتين سهوًا. والثاني: لا؛ لأن سجود السهو يجبر كل خلل في الصلاة، فيجبر نفسه كما يجبر غيره، وصار كإخراج شاة من الأربعين تزكي نفسها وغيرها. تتمة: أشار المصنف بهاتين المسألتين إلى أن سجود السهو وإن كان لا يتعدد حكمًا .. فإنه قد يتعدد صورة فيما ذكرناه، وفي صور أخرى: منها: المسبوق كما تقدم. ومنها: إذا سجد في آخر الصلاة المقصورة، ثم لزمه الإتمام فأتم .. فإنه يسجد أيضًا. * * * خاتمة ختم الله لنا بالحسنى سجد للسهو ثم سها قبل السلام بكلام أو غيره .. قال ابن القاص: يسجد؛ لأن السجود لا يجبر ما بعده. والأصح عند المتولي وغيره: لا يعيد؛ لأنه لا يأمن وقوع مثله فيتسلسل- وهو قول أبي عبد الله الختن- ولأن السجود يجبر خلل الصلاة مطلقًا.

стр. 608

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهذه المسألة التي سأل عنها أبو يوسف الكسائي لما ادعى: أن من تبحر في علم اهتدى به إلى سائر العلوم، فقال له: أنت إمام في النحو والأدب فهل تهتدي به إلى الفقه؟ فقال: سل ما شئت، فقال: لو سجد سجود السهو ثلاثًا، هل يلزمه أن يسجد؟ قال: لا؛ لأن المصغر لا يصغر. وذكر الخطيب في (تاريخ بغداد) [١٤/ ١٥٦]: أن هذه القضية جرت بين محمد بن الحسن والفراء، وهما ابنا خالة. * * *

стр. 609

بَابٌ تُسَنُّ سَجَدَاتُ التِّلاَوَةِ، ــ باب قال: (تسن سجدات التلاوة): (التلاوة): القراءة. والسجود عند قراءة آيات السجدات مطلوب بالإجماع، وفي (الصحيحين) [خ١٠٧٥ - م٥٧٥] عن عبد الله بن عمر أنه قال: (كان النبي ﷺ يقرأ القرآن، فيقرأ سورة فيها سجدة فيسجد ونسجد معه حتى لا يجد بعضنا موضعًا لمكان جبهته). وفي رواية لمسلم [٥٧٥]: (في غير صلاة)، وفيه [٨١/ ١٣٣] عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد .. اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويلتاه أمر ابن بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار). واستدل بعضهم لعدم الوجوب بأن عمر قرأن يوم الجمعة على المنبر (سورة النحل) حتى إذا جاء إلى السجدة .. نزل فسجد وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها حتى إذا جاء السجدة .. قال: (إنما نمر بالسجود فمن سجد .. فقد أصاب، ومن لم يسجد .. فلا إثم عليه)، ولم يسجد عمر. وروي أنه قال: (إن الله لم يفرض السجود إلا لمن شاء)، روى البخاري الروايتين في (صحيحه) [١٠٧٧].

стр. 610

وَهُنَّ فِي الْجَدِيدِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ: ــ وهذا من عمر في هذا الموطن العظيم دليل على إجماعهم على أنه: ليس بواجب. فإن قيل: ذم الله تعالى من لم يسجد بقوله: ﴿وإذا قرئ عليهم القرءان لا يسجدون﴾ فدل على وجوبه .. فالجواب: أن الآية في الكافرين بدليل ما قبلها وما بعدها. قال: (وهن في الجديد)، لو قال: (وهي) كما في (التنبيه) .. كان أفصح. قال: (أربع عشرة)؛ لما روى أبو داوود [١٣٩٦] والحاكم [١/ ٢٢٣]- بإسناد حسن- عن عمرو بن العاص قال: (أقرأني رسول الله ﷺ خمس عشر سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصل، وفي (الحج) سجدتان). وعدها خمس عشرة لأجل (ص)، فإن السجود فيها مشروع بالشرط الآتي. والأربعة عشر: واحدة: في آخر (الأعراف). وثانية: في (الرعد) عند قوله تعالى: ﴿والأصال﴾. وثالثة: في (النحل) عند قوله تعالى: ﴿يؤمرون﴾، وقيل عند: ﴿وهم لا يستكبرون﴾، وهو بعيد. ورابعة: في (سبحان) عند قوله تعالى: ﴿ويزيدهم خشوعًا﴾. وخامسة: في (مريم) عند قوله تعالى: ﴿وبكيا﴾. وسادسة: في (الحج) عند قوله تعالى: ﴿ما يشاء﴾. وسابعة: فيها عند قوله تعالى: ﴿لعلكم تفلحون﴾. وثامنة: في (الفرقان) عند قوله تعالى: ﴿وزادهم نفورًا﴾. وتاسعة: في (النمل) عند قوله تعالى: ﴿رب العرش العظيم﴾، وقيل: عند قوله تعالى: ﴿وما تعلنون﴾، نقله العبدري وهو شاذ.

стр. 611

مِنْهَا سَجْدَتا (الحَجِّ)، ــ وعاشرة: في (الم السجدة) عند قوله تعالى: ﴿وهم لا يستكبرون﴾. وحادية عشرة: في (حم السجدة) عند قوله تعالى: ﴿وهم لا يسئمون﴾، وقيل: عند قوله تعالى: ﴿إن كنتم إياه تعبدون﴾ وجزم به الماوردي، وصححه القاضي. وثلاث في المفصل: إحداها: سجدة (النجم). والثانية: في (إذا السماء انشقت) عند قوله تعالى: ﴿لا يسجدون﴾. والثالثة: آخر (اقرأ). وقال في القديم: السجدات: إحدى عشرة، وأسقط سجدات المفصل؛ لما روى أبو داوود [١٣٩٨] عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحويله إلى المدينة). وجوابه: ما رواه الشيخان [خ٧٦٦ - م٥٧٨] عن أبي هريرة: (أن النبي ﷺ سجد في: (إذا السماء انشقت)) وفي رواية لمسلم [٥٧٨]: (و (اقرأ باسم ربك)). وإسلام أبي هريرة سنة سبع، ووقع في (الوسيط) و (الرافعي): أنه في السنة الثانية وهو وهم. وفي (الصحيحين) [خ٤٨٦٣ - م٥٧٦] عن ابن مسعود أنه ﷺ قرأ: ﴿والنجم﴾ وسجد فيها، لكن ذلك كان بمكة حين سجد النبي ﷺ وسجد معه الجن والإنس، إلا أمية بن خلف فقتل يوم بدر مشركًا، وعند ذلك قال عتيبة بن أبي لهب: هو كافر بالنجم إذا هوى، وبالذي دنى فتدلى، فدعا عليه النبي ﷺ ، فأكله السبع بأرض الشام، وكان هو وأخوه عتبة متزوجين بابنتي النبي ﷺ زينب وأم كلثوم فطلقاهما، ثم أسلم عتبة- المكبر- وأخوه معتب يوم الفتح وشهدا حنينًا ولم يهزما، وشهد الطائف وماتا بمكة مسلمين ﵄. قال: (منها: سجدتا (الحج))؛ لحديث عمرو بن العاصي السابق.

стр. 612

لاَ (ص~)؛ بَلْ هِيَ سَجْدَةُ شُكْرٍ تُسْتَحَبُّ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ، ــ وروى أبو داوود [١٣٩٧] والترمذي [٥٧٨] عن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله في (الحج) سجدتان؟ قال: (نعم، ومن لم يسجدهما .. فلا يقرأهما)، لكن في سنده ابن لهيعة إلا أن له شاهدًا يقويه. قال أبو إسحاق السبيعي التابعي: أدركت الناس منذ سبعين سنة يسجدون في (الحج) سجدتين. وأسقط أبو حنيفة الثانية منهما، وأثبت سجدة (ص). والمجمع عليه في المذهب: الأربعة عشر، والمختلف فيه خمس، لكن حكي عن النقاش: السجود في (الحجر) عند قوله تعالى: ﴿وكن من الساجدين﴾. قال: (لا (ص)) وهي عند قوله تعالى: ﴿وخر راكعًا وأناب﴾؛ لقول ابن عباس: (ص) ليست من عزائم السجود)، رواه البخاري [١٠٦٩]. وأثبتها ابن سريج فجعلها خمسة عشر لحديث عمرو المتقدم. والمشهور في ﴿ص﴾ وما أشبهها من الحروف التي في أوائل السور: أنها أسماء لها، وتقرأ بالإسكان على المشهور، وتكتب حرفًا واحدًا. قال: (بل هي سجدة شكر تستحب في غير الصلاة)، فإن تليت .. يسجد شكرًا لله تعالى على قبول توبة داوود ﵊. روى أبو داوود [١٤٠٥]- بإسناد صحيح- عن أبي سعيد الخدري قال: خطبنا

стр. 613

وَتَحْرُمُ فِيهَا فِي الأَصَحِّ. وَتُسَنُّ لِلْقَارِئِ وَالْمُسْتَمِعِ، ــ رسول الله ﷺ يومًا فقرأ: (ص)، فلما مر بالسجود .. تشزنًا للسجود- أي: تهيأنا له- فلما رآنا .. قال: (إنما هي توبة نبي، ولكن قد استعددتم للسجود) فنزل السجود. وليس مراد المصنف بـ (سجدة الشكر): أنها مثل سجدة الشكر الآتية في الوقت، بل نسجدها نحن شكرًا على قبول توبة داوود ﵊. قال: (وتحرم فيها في الأصح) كسائر سجود الشكر. فعلى هذا، إن سجدها وكان عامدًا .. بطلت، وإن كان ساهيًا أو جاهلًا .. فلا ويسجد للسهو. والثاني: لا تحرم؛ لأنها وإن كانت سجدة شكر فسببها التلاوة، بخلاف غيرها من سجود الشكر. مهمة: قال الرافعي: لو سجد إمامه في (ص) لكونه يرى السجود فيها كالحنفي .. لم يتابعه بل يفارقه أو ينتظره قائمًا. وإذا انتظره هل يسجد للسهو؟ فيها وجهان. قال في (الروضة): قلت: الأصح لا يسجد. وهذا التصحيح مشكل لا يمشي على القواعد، والصواب: أنه يسجد؛ لأنه يعتقد أن إمامه زاد في صلاته شيئًا جاهلاً، والاعتبار بنية المقتدي. ثم إن تخصيص السجود بحالة الانتظار لا وجه له، بل يجري مع نية المفارقة أيضًا. قال: (وتسن للقارئ والمستمع) أي: حيث يندب للقارئ القراءة وللمستمع الاستماع؛ لما روى الشيخان عن ابن عمر قال: (كان النبي ﷺ يقرأ علينا القرآن، فيقرأ سورة فيها سجدة فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد بعضنا موضعًا

стр. 614

وَتَتَأَكَّدُ لَهُ بِسُجُودِ الْقَارِئِ. قُلْتُ: وَتُسَنُّ لِلسَّامِعِ، وَاللهُ أَعْلَمُ ــ لمكان جبهته)، وفي رواية لمسلم: (في غير صلاة) كما تقدم. ولا فرق بين أن يكون القارئ في صلاة أم لا، وفي وجه ضعيف: لا يسجد المستمع لقراءة من في الصلاة. ولا فرق بين أن يكون القارئ رجلًا أو امرأة خلافًا لمالك، ولا بين أن يكون صبيًا أو محدثًا أو كافرًا على الأصح، لكن لا سجود لقراءة الجنب والسكران. وإذا سجد المستمع مع القارئ .. لا يرتبط به ولا ينوي الاقتداء، وله الرفع من السجود قبله. قال: (وتتأكد له بسجود القارئ)؛ للاتفاق على استحبابه في هذه الحالة للمستمع، بخلاف ما إذا لم يسجد القارئ .. ففي وجه: لا يستحب السجود لمستمعه، ويدل له أن زيد بن ثابت قال: (قرأت على النبي ﷺ (النجم) فلم يسجد)، قال أبو داوود [١٤٠٠]: وكان زيد الإمام فلم يسجد. وهذا الجواب فيه نظر، والصواب: أن النبي ﷺ ترك ذلك بيانًا للجواز. وأفاد الشيخ: أن القراءة اتفقوا على أن الطالب إذا قرأ على الشيخ .. لا يسجد. قال: فإن صح ما قالوه .. فحديث زيد حجة لهم. قال: (قلت: وتسن للسامع والله أعلم) وهو: الذي لم يقصد السماع؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وإذا قرئ عليهم القرءان لا يسجدون﴾، فدخل فيه السامع والمستمع. لكن لا يتأكد في حق السامع كالمستمع؛ لقول ابن عباس: (السجدة لمن استمع

стр. 615

وَإِنْ قَرَأَ فِي الصَّلاَةِ .. سَجَدَ الإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ لِقِرءَتِهِ فَقَطْ، وَالْمَامُومُ لِسَجْدَةِ إِمَامِهِ، فَإِنْ سَجَدَ إِمَامُهُ فَتَخَلَّفَ، أَوِ انْعَكَسَ .. بَطَلَتْ صَلاَتُهُ ــ لها)، رواه البيهقي [٢/ ٣٢٤]، وعلقه البخاري عن عثمان وغيره، وقيل: السامع كالمستمع في التأكد، وقيل: لا يسن له السجود أصلاً. أما إذا لم يسمع .. فلا يسجد بالاتفاق وإن علم بذلك برؤية الساجدين ونحوه. قال: (وإن قرأ في الصلاة .. سجد الإمام والمنفرد لقراءته) أي: سجد كل واحد منهما لقراءته (فقط)، ولا يسجدان لقراءة غيرهما؛ لأنه يكره لهما الإصغاء لها. والمراد: إذا قرأ في محل القراءة وهو القيام، سواء قرأها قبل الفاتحة أم بعدها، فلو قرأها في الركوع أو السجود فسجد .. بطلت. وقال في (البحر): لو قرأ في صلاة الجنازة سجدة .. لا يسجد فيها ولا بعد فراغها على الأصح. قال: (والمأموم لسجدة إمامه) أي: فقط، فلو سجد لقراءة نفسه أو غيره .. بطلت صلاته للمخالفة. قال: (فإن سجد إمامه فتخلف، أو انعكس) أي: بأن سجد هو دون إمامه (.. بطلت صلاته)؛ لما فيه من المخالفة. وإذا لم يسجد الإمام .. فيحسن من المأموم إذا فرغ قضاء السجود، ولا يتأكد ولا يفعل ذلك في قراءة غير إمامه؛ لأنه لا يشرع له السجود. ولو سجد إمامه ولم يعلم المأموم بذلك حتى رفع الإمام رأسه من السجود .. لا يجوز له أن يسجد كما لو جلس إمامه للتشهد الأول وقام ولم يعلم أو قنت ولم يعلم. فلو أراد هذا أن ينوي مفارقته ليسجد .. لم يكن له ذلك، بخلاف ما لو نوى مفارقته ليأتي بالتشهد أو القنوت، والفرق: أنهما من الأبعاض وتركهما يوجب نقصانًا في الصلاة، ولا كذلك سجود التلاوة.

стр. 616

وَمَنْ سَجَدَ خَارِجَ الصَّلاَةِ .. نَوَى وَكَبَّرَ لِلإِحْرَامِ رَافِعًا يَدَيْهِ، ثُمَّ لِلْهَوِيِّ بِلاَ رَفْعٍ، ــ مهمة: قال في زوائد (الروضة): (لم أر نقلًا في جمع السجدات لغرض السجود فقط- قال- وفي كراهة ذلك خلاف للسلف، ومقتضى مذهبنا .. أنه إن كان في غير الصلاة، أو فيها في غير وقت الكراهة .. لم يكره، أو فيها .. فمكروه) اهـ والمسألة ذكرها القاضي حسين والشيخ عز الدين، فأما القاضي حسين .. فمقتضى كلامه جواز ذلك، وعدم استحبابه. وأما الشيخ عز الدين .. فإنه منع ذلك، وأفتى ببطلان الصلاة مطلقًا وقت الكراهة وغيرها. قال: (ومن سجد خارج الصلاة .. نوى)؛ لحديث: (الأعمال بالنيات). قال: (وكبر للإحرام)؛ قياسًا على الصلاة. وفي (أبي داوود) [١٤٠٨] عن ابن عمر قال: (كان النبي ﷺ يقرأ علينا القرآن، فإذا مر بالسجدة .. كبر وسجد وسجدنا). قال: (رافعًا يديه) كتحريم الصلاة، ولا يستحب أن يقوم ثم يكبر على الصواب، خلافًا للقاضي والمتولي والبغوي، وكان الجويني يفعله. وقال أبو حامد النيسابوري- واسمه محمد بن أحمد-: السنة أن يقوم إذا أراد أن يسجد للتلاوة؛ لأن النافلة قائمًا أفضل. والمذكور عده العبادي في طبقة أبي سهل الصعلوكي. قال: (ثم للهوي بلا رفع) كما في الصلاة. وعند ابن أبي هريرة: لا يكبر لا للسجود ولا للرفع. وعن أبي جعفر الترمذي: أنه يكبر عند السجود لا غير، ويقرن به النية.

стр. 617

وَسَجَدَ كَسَجْدَةِ الصَّلاَةِ وَرَفَعَ مُكَبِّرًا وَسَلَّمَ. وَتَكْبِيرَةُ الإِحْرَامِ شَرْطٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَذَا السَّلاَمُ فِي الأَظْهَرِ. وَتُشْتَرَطُ شُرُوطُ الصَّلاَةِ، وَمَنْ سَجَدَ فِيهَا .. كَبَّرَ لِلْهَوِيِّ وَلِلرَّفْعِ، ــ وقيل: لا يشترط فيها تكبير ولا تسليم، بل تكفي صورة السجود بالطهارة وباقي الشروط، وصحح الغزالي، ونص عليه في (البويطي) فقال: وأقله أن يضع جبهته بلا شروع ولا سلام. والأصح: ما ذكر المصنف. قال: (وسجد كسجدة الصلاة) أي: في جميع ما سبق من الشروط والسنن. قال: (ورفع مكبرًا وسلم)؛ لأنها في الحقيقة صلاة. قال: (وتكبيرة الإحرام شرط على الصحيح) مراده: أنه لابد منها. وتسمح في تسميتها شرطًا. ومقابل الصحيح: مقالة ابن أبي هريرة والترمذي. أما التشهد .. فالأصح: أنه لا يشرع، وقيل: يندب. قال: (وكذا السلام في الأظهر)؛ قياسًا على التحريم. والثاني: لا يشترط كما لا يشترط ذلك إذا سجد في الصلاة. قال: (وتشترط شروط الصلاة) كالطهارة والستر والاستقبال وطهارة الحدث والخبث ودخول الوقت وهو: الانتهاء إلى آخر أية السجدة، فلو سبق بحرف .. لم يجز. ويشترط أيضًا الكف عن المفسدات كالأكل والكلام والفعل، لكن المصنف لم يعدها في بابها من الشروط. قال: (ومن سجد فيها) أي: في الصلاة (.. كبر للهوي وللرفع) أي: منه؛ لأن النبي ﷺ كان يكبر في كل خفض ورفع في الصلاة. ولا إشكال

стр. 618

وَلاَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ. قُلْتُ: وَلاَ يَجْلِسُ لِلاسْتِرَاحَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَقُولُ: (سَجَدَ وَجْهِيَ لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ) ــ أنه لا يكبر للافتتاح؛ لأنه في الصلاة. قال: (ولا يرفع يديه)؛ لأن ذلك ليس محل رفع اليدين. قال: (قلت: ولا يجلس للاستراحة والله أعلم)؛ لأنه زيادة في الصلاة لم يرد فعلها. قال: (ويقول: (سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره بحوله وقوته)، كذا رواه أبو داوود [١٤٠٩] والترمذي [٥٨٠] والنسائي [٢/ ٢٢٢] من رواية عائشة، إلا أنهم لم يذكروا فيه لفظة (وصوره). زاد الحاكم [١/ ٢٢٠]: (فتبارك الله أحسن الخالقين). وسواء كان السجود في الصلاة أو غيرها. ويستحب أن يقول أيضًا: (اللهم؛ اكتب لي بها عندك أجرًا، وضع عني بها وزرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داوود ﵇؛ لما روى ابن عباس أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! رأين هذه الليلة فيما يرى النائم كأني أصلي خلف شجرة، وكأني قرأت سجدة فسجدت، فرأيت الشجرة كأنها كسجودي فسمعتها تقول وهي ساجدة: الله؛ اكتب لي بها عندك أجرًا ... إلى آخره. قال ابن عباس: فقرأن النبي ﷺ سجدة، فسمعته وهو ساجد يقول مثل ما قال الرجل عن الشجرة)، رواه الترمذي [٥٧٩] وغيره بإسناد حسن. ونقل إسماعيل الضرير في (تفسيره) عن الشافعي: أنه اختار أن يقول: ﴿سبحن ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا﴾. وقال الغزالي والروياني: يستحب أن يقول في سجوده ما يليق بالآية التي قرأ بها، فيقول في سجدة (الفرقان): سجدت للرحمن، وآمنت بالرحمن، فاغفر يا رحمن. وينبغي أن لا يزيد الإمام على مقدار ثلاث تسبيحات سجود الصلاة إلا برضا المحصورين.

стр. 619

وَلَوْ كَرَّرَ آيَةً فِي مَجْلِسَيْنِ .. سَجَدَ لِكُلٍّ، وَكَذَا الْمَجْلِسُ فِي الأَصَحِّ، وَرَكْعَةٌ كَمَجْلِسٍ، وَرَكْعَتَانِ كَمَجْلِسَيْنِ. فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ وَطَالَ الْفَصْلُ .. لَمْ يَسْجُدْ ــ قال: (ولو كرر آية) أي: خارج الصلاة (في مجلسين .. سجد لكل)، كما تتكرر التحية بتكرر دخول المسجد. قال: (وكذا المجلس في الأصح)؛ لتجدد السبب. والثاني: تكفيه الأولى كما لو كررها قبل أن سجد. والثالث: إن طال الفصل .. سجد مرة أخرى، وإلا .. كفت الأولى. قال في (العدة): وعليه الفتوى، وأقره عليه الرافعي. وقال المصنف في (التبيان): إن الفتوى على الثاني، وذكره نحوه في (شرح المهذب)، وهو سهو. قال: (وركعة كمجلس، وركعتان كمجلسين)؛ نظرًا إلى الاسم. قال: (فإن لم يسجد وطال الفصل .. لم يسجد) اتفقوا على أنها تفوت بطول الفصل، واختلفوا في أنها: هل تقضي أو لا؟ والأصح: أنها لا تقضي؛ لأنها تعلقت بسبب عارض، فإذا فاتت .. لم تقض كصلاة الاستسقاء. والثاني: تقضى كما إذا سمع المؤذن وهو يصلي، فإن الشافعي نص على أنه: يجيبه إذا سلم. فروع: لا يقوم الركوع مقام سجدة التلاوة عندنا خلافًا لأبي حنيفة والخطابي. ونقل في زيادات (الروضة) هنا عن (البحر) وأقره: أن الخطيب إذا قرأ آية سجدة .. يترك السجود؛ لما فيه من الكلفة. وقال في (صلاة الجمعة): إن أمكنه السجود على المنبر .. سجد، وإلا .. نزل وسجد. والشافعي له في المسألة نصان. فالذي قاله هنا موافق لأحدهما، وفي (الجمعة) موافق للآخر.

стр. 620

وَسَجْدَةُ الشُّكْرِ لاَ تَدْخُلُ الصَّلاَةَ. وَتُسَنُّ: لِهُجُومِ نِعْمَةٍ، ــ ويكره للمأموم قراءة السجدة، والإصغاء إلى قراءة غير إمامه. ولا يكره للإمام قراءة السجدة في جهرية ولا سرية خلافًا لمالك. ولو سمع مع دخوله المسجد قراءة سجدة، فهل يسجد أو يصلي التحية؟ فيه احتمال. وقال البندنيجي وغيره: إذ قرأ أو سمع آية سجدة وهو محدث .. توضأ وسجد وهذا قريب إذا تيسر الوضوء على قرب. وإذا سجد المصلي ثم اعتدل .. استحب له أن يقرأ شيئًا ثم يركع، وحكى في (المعتمد) في ذلك وجهين. قال: (وسجدة الشكر لا تدخل الصلاة)، فلو فعلها فيها .. بطلت صلاته ولو كانت نافلة؛ لأن سببها لا تعلق له في الصلاة، وهذا في العالم، أما الجاهل .. فلا تبطل صلاته. قال: (وتسن: لهجوم نعمة) كحدوث ولد أو جاه أو مال أو نصر على الأعداء أو قدم الغائب وشفاء المريض وحدوث المطر عند القحط وزواله عند خوف التأذي، سواء كان ذلك خاصًا به أم عامًا؛ لما روى أبو داوود [٢٧٦٨] وابن ماجه [١٣٩٤] والحاكم [١/ ٢٧٦] وصححه: (أن النبي ﷺ كان إذا جاءه أمر يسر به .. خر ساجدًا لله تعالى). وروى عبد الرحمن بن عوف قال: خرجت مع رسول الله ﷺ إلى بقيع الغرقد، فسجد وأطال السجود، فسألته فقال: (إن جبريل ﵇ أتاني فبشرني: أن من صلى علي مرة .. صلى الله عليه بها عشرًا، فسجدت شكرًا لله) رواه العقيلي في (تاريخه) [٣/ ٤٦٧] وأحمد [١/ ١٩١] والحاكم [١/ ٥٥٠] بنحوه وقال: على شرط الشيخين. وفي (أبي داوود) [٢٧٦٩] بإسناد حسن: أن النبي ﷺ قال:

стр. 621

أَوِ انْدِفَاعِ نِقْمَةٍ، ــ (سألت ربي وشفعت لأمتي فأعطاني ثلث أمتي .. فخررت ساجدًا شكرًا لربي، ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي فأعطاني ثلث أمتي .. فخررت ساجدًا شكرًا لربي، ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي فأعطاني الثلث الآخر .. فخررت ساجدًا شكرًا لربي). وروى البيهقي بإسناد صحيح [٢/ ٣٦٣]: (أن النبي ﷺ خر ساجدًا لما جاءه كتاب علي من اليمن بإسلام همدان). وسجد أبو بكر عند فتح اليمامة وقتل مسيلمة، وسجد عمر عند فتح اليرموك، وعلي عند رؤية ذي الثدية قتيلًا بالنهروان. واحترز بـ (هجوم النعمة) عن استمرارها، فإنها لا يسجد لها؛ لأن ذلك يؤدي إلى استغراق العمر. قال: (أو اندفاع نقمة) كنجاة من غرق ونحوه، زاد في (المحرر): من حيث لا يحتسب، وكذا ذكره في (الشرح)، وقيده في (المهذب) و (التنبيه) بالنعمة والنقمة الظاهرتين. وقال القاضي حسين: إنما يسجد لنعمة طالما كان يتوقعها، أو انكشاف بلية طالما كان يترقب انكشافها؛ لما روى الشيخان [خ٣٩٥١ - م٢٧٦٩] عن كعب بن مالك: أنه لما جاءته البشارة بتوبته .. خر ساجدًا. وروى الحافظ ابن عبد البر وغيره: أن فرات بن حيان وأبا هريرة والرجال بن عنفوه- واسمه نهار- قاموا من عند رسول الله ﷺ فقال: (لضرس أحدهم في النار أعظم من أحد، وإن معه قفا غادر)، فلم يأمن فرات وأبو هريرة حتى بلغهما ردة الرجال وإتباعه مسيلمة .. فخرًا ساجدين لله شكرًا. أما الثلاثة الذين قال لهم النبي ﷺ : (آخرهم موتًا في النار) ..

стр. 622

أَوْ رُؤْيَةِ مُبْتَلَىً أَوْ عَاصٍ ــ فأبو هريرة وسمرة بن جندب وحذيفة بن اليمان، والذي سقط منهم في القدر هو سمرة، مات بالبصرة سنة ثمان وخمسين. قال: (أو رؤية مبتلى) - أي: في بدنه أو غيره- فيشكر الله تعالى على السلامة في البدن والدين؛ فقد روى الحاكم: (أن النبي ﷺ سجد مرة لرؤية زمن، ومر به أبو بكر فنزل وسجد شكرًا لله، ومر به عمر فنزل وسجد شكرًا لله)، و (كان النبي ﷺ إذا رأى القرد .. سجد لله تعالى شكرًا)، ورأى النبي ﷺ رجلًا نغاشيًا، فخر ساجدًا ثم قال: (أسال الله العافية) رواه البيهقي [٢/ ٣٧١] مرسلًا، وله شاهد يؤكده. و (النغاشي) بضم النون، وبالغين والشين المعجمتين، قيل: الناقص الخلق الضعيف الحركة، وقيل: المبتلى، وقيل: المختلط العقل. ويسن عند رؤية المبتلى أن يقال ما رواه الترمذي [٣٤٣١] عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (من رأى صاحب بلاء فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلًا .. [إلا] عوفي من ذلك البلاء كائنًا ما كان ما عاش). قال: (أو عاص)؛ لأن مصيبة الدين أعظم من مصيبة الدنيا. ولهذا كان من دعاء النبي ﷺ : (اللهم؛ لا تجعل مصيبتنا في ديننا). وفي (الكفاية) تقييد العاصي بكونه يتظاهر بمعصيته. واستحباب السجود لرؤية العاصي يؤخذ منها استحبابه لرؤية الكافر من باب أولى،

стр. 623

وَيُظْهِرُهَا لِلْعَاصِي لاَ لِلْمُبْتَلَى. وَهِيَ كَسَجْدَةِ التِّلاَوَةِ. وَالأَصَحُّ: جَوَازُهُمَا عَلَى الرَّاحِلَةِ لِلْمُسَافِرِ، فَإِنْ سَجَدَ لِتَلاَوَةِ صَلاَةٍ .. جَازَ عَلَيْهَا قَطْعًا ــ وقد صرح به في (البحر)، ولو سمع صوت مبتلى أو عاص .. فيظهر أنه كرؤيته. قال: (ويظهرها للعاصي) لعله يتوب، وكذا يندب إظهارها في تجدد النعم واندفاع النقم التي لا تتعلق بغيره. قال: (لا للمبتلى)؛ لأنه معذور. فإن كان غير معذور كالمقطوع في السرقة .. أظهرها. فلو رأى فاسقًا متجاهرًا ومبتلى في بدنه، فهل يبديها أو يخفيها؟ فيه احتمالان، والثاني: أقرب. قال: (وهي كسجدة التلاوة) أي: المفعولة خارج الصلاة في كيفيتها وشرائطها، فيؤخذ منه: أنه لابد من النية وهو الأصح، وفيه وجه في (الوسيط). ويؤخذ منه: أن يكون في حال استقراره- قبل هويه إلى السجود- إما قائمًا أو جالسًا. قال: (والأصح: جوازهما) أي: سجدة التلاوة والشكر. قال: (على الراحلة للمسافر) أي: بالإيماء؛ لأنهما مما يكثر بخلاف صلاة الجنازة لا تجوز على الراحلة على الأصح؛ لأنها تندر، ويبطل ركنها الأعظم وهو القيام. والماشي يسجد على الأرض على الصحيح. والوجه الثاني: لا يجوز؛ لأن أظهر أركانها إلصاق الجبهة بالأرض. قال: (فإن سجد لتلاوة صلاة .. جاز عليها قطعًا)؛ تبعًا للصلاة كما في سجود الصلاة. وهذا لا يأتي في سجدة الشكر؛ لأنها لا تفعل في الصلاة. تتمة: لو خضع فتقرب لله بسجدة واحدة من غير سبب .. فالأصح: أنه حرام. قال المصنف [في (المجموع) ٤/ ٧٨]: وليس من هذا أن يفعله كثير من الجهلة الضالين

стр. 624

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ من السجود بين يدين المشايخ؛ فإن ذلك حرام قطعًا بكل حال، سواء كان إلى القبلة أو لغيرها، وسواء قصد السجود لله تعالى أو غفل، وفي بعض صوره ما يقتضي الكفر. * * * خاتمة ختم الله لنا بالحسنى قال البغوي: لو تصدق من تجددت له نعمة أو اندفعت عنه نقمة، أو صلى شكرًا لله تعالى .. كان حسنًا، أي: مع فعله سجدة الشكر، كذا قاله المصنف والظاهر: أن مراد البغوي خلافه. ولو قرأ من حصل له سرور وهو في الصلاة آية سجدة ليسجد بها للشكر .. ففي جواز السجود وجهان أصحهما: يحرم وتبطل صلاته. وهما كالوجهين فيمن قصد المسجد في وقت النهي ليصلي التحية لا لغرض آخر. * * *

стр. 625

بَابٌ صَلاَةُ النَّفْلِ قِسْمَانِ: ــ باب قال: (صلاة النفل قسمان). النفل في اللغة: الزيادة، وفي الاصطلاح: ما عدا الفرائض سمي. بذلك؛ لأنه زائد على ما فرضه الله تعالى. والنفل والسنة والتطوع والمندوب والمستحب ألفاظ مترادفة. وقيل: غير الفرض ثلاثة أقسام. سنة: وهو ما واظب عليه النبي ﷺ . ومستحب: وهو ما فعله أحيانًا. وتطوع: وهو ما لم يرد فيه بخصوصه نقل، وينشئه الإنسان باختياره. فلما كان لفظ النفل متفقًا على عمومه .. اختار المصنف التعبير به، ولم يعبر بالتطوع كـ (التنبيه) و (الوجيز) وغيرهما. وقال الحسن وغيره: ليس لأحد نافلة إلا النبي ﷺ ؛ لأن فرائضه كاملة، وأما غيره .. فنوافله تكمل فرائضه.

стр. 626

قِسْمٌ لاَ يُسَنُّ جَمَاعَةً، فَمِنْهُ: الرَّوَاتِبُ مَعَ الْفَرَائِضِ وَهِيَ: رَكْعَتَانِ قَبْلَ الصُّبْحِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَكَذَا بَعْدَهَا وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، ــ قال: (قسم لا يسن جماعة)؛ لمواظبة النبي ﷺ على فعله كذلك. و (جماعة): تمييز لا حال؛ لأن مدلوله حينئذ نفي السنية عنه حال كونه في جماعة وليس مرادًا. ولو قال: يسن فرادى .. لكان أحسن؛ فإن السنة أن لا تكون في جماعة، وإن جاز بالجماعة بلا كراهة. قال: (فمنه: الرواتب مع الفرائض). المراد بـ (الرواتب): السنن التابعة للفرائض. وفيها اصطلاح آخر: أنها النوافل المؤقتة بوقت مخصوص. فالترويح والعيد والضحى راتبة على الثاني لا الأول. وملخص ما في أكمل الروايات وأقلها ثمانية أوجه، من ست ركعات إلى عشرين. وممن جعلها ستًا أبو الحسن علي بن خيران في (اللطيف) فقال: ركعتان قبل الفجر، وركعتان قبل الظهر، وركعتان بعد المغرب، وهو غريب. قال: (وهي: ركعتان قبل الصبح، وركعتان قبل الظهر، وكذا بعدها وبعد المغرب والعشاء)؛ لما روى الشيخان [خ١١٧٢ - م٧٢٩] عن ابن عمر ﵄ قال: (صليت مع النبي ﷺ ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعد الظهر، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء)، وحدثتني حفصة بنت عمر ﵄: (أن النبي ﷺ كان يصلي سجدتين خفيفتين بعد ما يطلع الفجر). والسنة التخفيف في ركعتي الفجر؛ لما في (الصحيحين) [خ١١٧١ - م٧٢٤] عن عائشة ﵂ وعن أبويها: (أن النبي ﷺ كان يخفف فيهما

стр. 627

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حتى أقول: هل قرأ فيهما بـ (أم القرآن)؟) ولذلك قال مالك وأكثر أصحابه: لا يقرأ فيهما غير (الفاتحة). ونص الشافعي ﵁ على أنه: يقرأ فيهما بعد (الفاتحة): (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد)؛ لما روى مسلم [٧٢٦]: (أن النبي ﷺ كان يقرأ فيهما بذلك)، وفيه [٧٢٧] عن ابن عباس أنه كان يقرأ في الأولى: ﴿قولوا ءامنا بالله وما أنزل إلينا﴾ الآية التي في البقرة، وفي الثانية: ﴿ءامنا بالله واشهد بأنا مسلمون﴾. وفي كتاب (وسائل الحاجات) للغزالي: يحسن أن يقرأ في الأولى: (أم نشرح)، وفي الثانية: (ألم تر كيف)، فإن ذلك يرد شر ذلك اليوم. ويستحب أن يتكئ بعدهما وقبل صلاة الصبح، أو يتكلم، ففي (الصحيحين) [خ٦٢٦ - م٧٣٦]: (أنه ﷺ كان يفعل ذلك). وجزم المتولي بكراهة التنفل بين سنة الفجر وفرضه. وقال الخفاف: السنة أن لا يتكلم بينهما. قال ابن الصلاح: ولا أدري من أين قال هذا؟! وقال الترمذي: كره بعض الصحابة وغيرهم الكلام حينئذ، وإلا ما كان من ذكر الله تعالى، أو ما لا بد منه، وهو قول أحمد وإسحاق. وفي (تاريخ أصفهان) [١/ ٤٦١] عن أم سلمة: أن النبي ﷺ كان يقول بعد صلاة الفجر: (اللهم؛ إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا طيبًا، وعملًا متقبلًا)، وبه قال الخضري من أصحابنا، ونص عليه الشافعي. وفي (كتاب ابن السني) [١٠٣] عن أبي المليح: أن النبي ﷺ كان

стр. 628

وَقِيلَ: لاَ رَاتِبَةَ لِلْعِشَاءِ، وَقِيلَ: أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَقِيلَ: وَأَرْبَعٌ بَعْدَهَا، ــ يقول بعدها: (اللهم؛ رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ومحمد ﷺ أعوذ بك من النار) ثلاث مرات. والسنة في سنة المغرب تطويل القراءة؛ لرواية أبي داوود [١٢٩٥]: (أن النبي ﷺ كان يطيل القراءة حتى يتفرق أهل المسجد). ويسن أن يقول بعدها ما رواه ابن السني [٦٥٨] عن أم سلمة: أن النبي ﷺ كان يقول بعد سنة المغرب: (يا مقلب القلوب؛ ثبت قلبي على دينك)، وكأن هذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿يقلب الله اليل والنهار﴾. قال: (وقيل: لا راتبة للعشاء)؛ لأن الركعتين بعدها يجوز أن يكون من صلاة الليل، وبهذا قال الخضري والقفال، وحكي عن نصه في (البويطي). قال: (وقيل: أربع قبل الظهر)؛ لما روى البخاري [١١٨٢] عن عائشة: (أن النبي ﷺ كان لا يدع أربعًا قبل الظهر). وفي (مسلم) [٧٣٠] عنها: (أنه كان يصلي قبل الظهر في بيته أربعًا، وبعدها ركعتين). وفي (الترمذي) [٤٧٨]: أنه ﵊ كان يصلي أربعًا بعد أن تزول الشمس قبل الظهر، وقال: (إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء، فأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح). وفيه [٤١٥] عن أم حبيبة: أن النبي ﷺ قال: (ما من عبد مسلم يصلي لله اثنتي عشرة ركعة من غير الفريضة .. إلا بني الله له بيتًا في الجنة، أربعًا قبل الظهر ...)، والباقي كحديث ابن عمر. قال: (وقيل: وأربع بعدها)؛ لقوله ﷺ : (من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها .. حرمه الله على النار) صححه الترمذي [٤٢٨] وأبو داوود [١٢٦٣] والحاكم [١/ ٣١٢]. حرمه الله على النار) صححه الترمذي [٤٢٨] وأبو داوود [١٢٦٣] والحاكم [١/ ٣١٢].

стр. 629

وَقِيلَ: وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ. وَالْجَمِيعُ سُنَّةٌ، وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ فِي الرَّاتِبِ الْمُؤَكَّدِ. وَقِيلَ: رَكْعَتَانِ خَفِيفَتَانِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ ــ قال: (وقيل: وأربع قبل العصر)؛ لما روى أبو داوود [١٢٦٥] والحاكم والترمذي [٤٣٠] عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: (رحم الله امرءًا صلى قبل العصر أربعًا) وصححه ابن حبان [٢٤٥٣]. وفي (التبصرة) للبيضاوي استحباب أربع بعد المغرب. قال المصنف في (فتاويه): إن الأربع التي قبل الظهر، والتي بعدها، والتي قبل العصر تجوز .. بتشهدين وبتشهد واحد. وهذا يرد على ما ذكره في (التراويح) من أنه: لا يجمع بين أربع ركعات بتسليمة، وسيأتي جوابه. قال: (والجميع سنة، وإنما الخلاف في الراتب المؤكد) فمنهم من يقول الجميع مؤكد، ومنهم من يقول: المؤكد العشرة المذكورة أولاً. لكن يستثنى من ذلك الجامع بجمع؛ فإن الشافعي نص على أن السنة له ترك التنفل بعد المغرب وبعد العشاء؛ لقول ابن عمر: (إن النبي ﷺ لم يسبح بينهما، ولا على إثر واحدة منهما). وجزم الدارمي بأنه يأتي بالوتر دون سنة العشاء. وقال الرافعي: لا يأتي بالسنة المطلقة ويأتي بالراتبة. قال: (وقيل: ركعتان خفيفتان قبل المغرب)، ففي (صحيح البخاري) [٥٠٣] من حديث أنس: أن كبار الصحابة كانوا يبتدرون السواري عند المغرب. وفي رواية لمسلم [٨٣٧]: حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد، فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليهما.

стр. 630

قُلْتُ: هُمَا سُنَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ؛ فَفِي (صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ) الأَمْرُ بِهِمَا، ــ والثاني: لا تستحبان؛ لما روى أبو داوود [١٢٧٨] عن ابن عمر بإسناد حسن قال: (ما رأيت أحد يصلي الركعتين قبل المغرب على عهد رسول الله ﷺ ، ولم يستحبها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وآخرون من الصحابة، ومالك وأكثر الفقهاء. وقال النخعي: هي بدعة. قال: (قلت: هما سنة على الصحيح؛ ففي (صحيح البخاري) [١١٨٣] الأمر بما) أشار إلى حديث عبد الله بن مغفل أن النبي ﷺ قال: (صلوا قبل صلاة المغرب، صلوا قبل صلاة المغرب) وقال في الثالثة: (لمن شاء) كراهة أن يتخذها الناس سنة. والمراد بالسنة: الطريقة اللازمة لا المعنى الاصطلاحي. والجواب عن قول ابن عمر .. أنه نفى وغيره أثبت، لاسيما والمثبت أكثر عددًا. وإذا قلنا باستحبابهما فهما .. من غير المؤكد، قاله الرافعي وابن الصلاح. ومحلهما قبل الشروع في الإقامة، أما إذا شرع المؤذن فيها .. فتكره كغيرها كذا في (شرح المهذب). لكن في (صحيح مسلم) [٨٣٦]: أنهم كانوا يصلونها عند أذان المغرب، وفي (ابن حبان) [٢٤٨٩]: (ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء)، فظاهر هذا: تقديمهما على إجابة المؤذن وفيه نظر. فلو أدى الاشتغال بهما إلى فوات فضيلة التحرم .. فالذي يظهر تأخيرهما إلى ما بعد المغرب. وزاد في (شرح المهذب) و (واللباب) استحباب ركعتين قبل العشاء؛ لقوله ﷺ : (بين كل أذانين صلاة)، رواه الشيخان [خ٦٢٤ - م٨٣٨]. والمراد: الأذان والإقامة باتفاق العلماء.

стр. 631

وَبَعْدَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعٌ، وَقَبْلَهَا مَا قَبْلَ الظُّهْرَ، وَاللهُ أَعْلَمُ ــ قال: (وبعد الجمعة أربع) نص عليه الشافعي في اختلاف علي وابن مسعود. وفي (صحيح مسلم) [٨٨١] من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: (إذا صلى أحدكم الجمعة .. فليصل بعدها أربعًا). وقال ابن رزين: إذا صلى بعدها في المسجد .. صلى أربعًا، وإن صلى في بيته .. صلى ركعتين، إشارة إلى ترك الاقتصاد في المسجد على ركعتين؛ لئلا تلتبس الجمعة بالظهر، ولئلا يتطرق أهل البدع إلى صلاتها ظهرًا أربعًا. وفي (الإحياء) و (بداية الهداية): يستحب بعدها ست. وعده ابن الصلاح من شذوذ مصنفها. قال: (وقبلها ما قبل الظهر والله أعلم)؛ لعموم: (بين كل أذانين صلاة)، وفي (سنن ابن ماجه) [١١١٤] عن جابر وأبي هريرة قالا: جاء سليك الغطفاني ورسول الله ﷺ يخطب، فقال له النبي ﷺ : (أصليت قبل أن تجيء؟) قال: لا، قال: (فصل ركعتين وتجوز فيهما) وإسناده على شرط الشيخين. وروى الدارقطني [١/ ٢٦٧] وابن حبان [٢٤٥٥] وابن السكن في (سننه الصحاح) عن عبد الله بن الزبير أن النبي ﷺ قال: (ما من صلاة مفروضة إلا وبين يديها ركعتان). قال شيخنا: ومقتضى كلام المصنف .. مخالفة الجمعة للظهر في سنتها المتأخرة دون المتقدمة، وأن يتأكد بعدها أربع وقبلها ركعتان وهو بعيد. ومقتضى ما في (الروضة) و (شرح المهذب) .. إلحاقها بها مطلقًا، وصرح به في (التحقيق) فقال: (والجمعة كالظهر، وقال ابن الرفعة: إنه الصحيح. وحينئذ فيكون الأكمل قبلها وبعدها أربعًا وأربعًا، والأدنى ركعتين وركعتين. تنبيهان: أحدهما: ينوي بما قبل الجمعة وما بعدها سنة الجمعة.

стр. 632

وَمِنْهُ: الْوِتْرُ، ــ وعن صاحب (البيان): أنه ينوي بالتي قبلها سنة الظهر والتي بعدها سنة الجمعة؛ لأنه منها على غير ثقة من استكمال شروطها، وسيأتي عنه في نية الإمامة نظير هذه المقالة الشاذة. وقيل: ينوي بها سنة فرض الوقت. الثاني: يستحب عندنا وعند أكثر العلماء فعل السنن الراتبة في السفر سواء قصر أم أتم، لكنها في الحضر آكد؛ لما روى الشيخان [خ١٠٠٠ - م ٧٠٠] عن ابن عمر: (أن النبي ﷺ كان يسبح قبل الظهر على ظهر راحلته حيث كان وجهه، يومئ برأسه)، وكان ابن عمر يفعله لكن في (الموطأ) [١/ ١٥٠]: أن ابن عمر لم يكن يصلي مع الفريضة في السفر شيئًا قبلها ولا بعدها، إلا أن في جوف الليل فإنه كان يصلي على الأرض، وسيأتي في (الشهادات): أن من واظب على ترك الراتبة أو تسبيحات الركوع والسجود .. ردت شهادته. قال: (ومنه: الوتر) أي: من السنن، وليس بواجب كما يقول أبو حنيفة، وهو بكسر الواو وفتحها. فأما كونه مطلوبًا .. فبالإجماع، ولقوله ﷺ : (يا أهل القرآن أوتروا؛ فإن الله وتر يحب الوتر) رواه أبو داوود [١٤١١] وصححه الترمذي [٤٥٣]. فإن قيل: هذا أمر وظاهر الوجوب، ويؤيده قوله ﷺ : (الوتر حق، فمن لم يوتر .. فليس منا) رواه أحمد [٥/ ٣٥٧] وأبو داوود [١٤١٤]، وفي (مسند البزار) [١٦٣٧]: (الوتر واجب على كل مسلم). قلنا: هذا محمول على تأكيد الاستحباب؛ لقوله تعالى: ﴿والصلوة الوسطى﴾، فلو وجب الوتر .. لم يكن لها وسطى، وفي حديث الأعرابي: هل علي غيرها؟ قال ﵊: (لا، إلا أن تطوع)، وفي (الصحيحين) [١٣٩٥ - م١٩] في حديث معاذ: (إن الله افترض عليكم خمس صلوات في اليوم والليلة)، وقال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا يوافق أبا حنيفة على وجه، حتى صاحبيه.

стр. 633

وَأَقَلُّهُ: رَكْعَةٌ، وَأَكْثَرُهُ: إِحْدَى عَشْرَةَ، ــ ويدل لنا أيضًا قوله ﷺ : (ثلاث كتبن علي ولم تكتب عليكم: الضحى والأضحى والوتر)، و (أنه ﷺ كان يوتر على الراحلة)، كما ثبت في (الصحيحين) [خ١٠٠٠ - م٧٠٠/ ٣٨]. فإن قيل: لا دلالة في ذلك؛ لأن الوتر كان واجبًا عليه .. فالجواب: أن الحليمي والشيخ عز الدين والقرافي قالوا: كان الوتر واجبًا عليه في الحضر دون السفر. والضمير في قول المصنف: (ومنه) يعود إلى القسم الذي لا تسن فيه الجماعة لا إلى الرواتب، ولهذا قال: (ومنه) ولم يقل: ومنها. فعلى هذا: الوتر قسيم للرواتب لا قسم منها، لكن المجزوم به في (الشرحين) و (الروضة): أنه قسم منها. قال: (وأقله: ركعة)؛ لقوله ﷺ : (الوتر ركعة من آخر الليل) رواه مسلم من حديث عمر [٧٥٢] وابن عباس [٧٥٣]، وفي (الصحيحين) [خ١١٣٧ - م٧٤٩]: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح .. فأوتر بواحدة)، وفي (السنن الأربعة) عن أبي أيوب الأنصاري: أن النبي ﷺ قال: (من أحب أن يوتر بثلاث .. فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة .. فليفعل)، لكن قال القاضي أبو الطيب: يكره الإيتار بها. وفي (الوسيط): (أن النبي ﷺ أوتر بركعة)، وهو لا يعرف، وظن المزني أن أقله: ثلاث من قول الشافعي في موضع: يوتر بثلاث. وليس كما ظنه بل أقله: ركعة بلا خلاف. قال: (وأكثره: إحدى عشرة)؛ لقول عائشة: (ما زاد رسول الله ﷺ في رمضان ولا في غيره على إحدى عشر ركعة) متفق عليه [خ١١٤٧ - م٧٣٨].

стр. 634

وَقِيلَ: ثَلاَثَ عَشْرَةَ. وَلِمَنْ زَادَ عَلَى رَكْعَةٍ الْفَصْلُ وَهُوَ أَفْضَلُ، ــ قال: (وقيل: ثلاث عشرة)؛ لما روى الترمذي [٤٥٧] عن أم سلمة: (أن النبي ﷺ كان يوتر بثلاث عشرة، فلما كبر وضعف .. أوتر بسبع)، قال: حديث حسن، وقال الحاكم [١/ ٣٠٦]: على شرط الشيخين. وأول هذا بأن الركعتين سنة العشاء. وهذا الوجه رجحه الرافعي في (شرح المسند). ولم يتعرض في الكتاب لأدنى كماله وهو: ثلاث؛ لما روى النسائي [٣/ ٢٣٥] عن أبي بن كعب: (أن النبي ﷺ كان يوتر بثلاث، يقرأ في الأولى .. (سبح اسم ربك الأعلى)، وفي الثانية: (قل يا أيها الكافرون)، وفي الثالثة: (الإخلاص) و (المعوذتين)) رواه أبو داوود [١٤١٩] والترمذي [٤٦٣] وابن حبان [٢٤٣٢]، وقال الحاكم [١/ ٣٠٥]: على شرط الشيخين. وأصح الوجهين: أنه لا تجوز الزيادة على المنقول، كما تمتنع الزيادة في سنة الفجر وسائر الرواتب. قال: (ولمن زاد على ركعة الفصل)؛ لما روى أحمد [٢/ ٧٦] وابن حبان [٢٤٣٥] عن ابن عمر: (أن النبي ﷺ كان يفصل بين الشفع والوتر بتسليم يسمعناه). قال: (وهو أفضل)؛ لأن أحاديثه أكثر، وهو أكثر عملًا؛ إذ يزيد بالسلام والتكبير والنية وغيرها. وقيل: الأفضل الوصل خروجًا من خلاف أبي حنيفة؛ فإنه لا يصحح المفصول. وقيل: الفصل أفضل للمنفرد بخلاف الإمام؛ لأنه يقتدي به الحنفي وغيره. وعكس الروياني فكان يصل منفردًا ويفصل إمامًا. وجزم ابن خيران في (اللطيف) بكراهة الوصل. وفي (صحيح ابن حبان) [٢٤٢٩]: (لا تشبهوا الوتر بصلاة المغرب). وهذا كله في الثلاث، فإن زاد .. فالفصل أفضل بلا خلاف.

стр. 635

وَالْوَصْلُ بِتَشَهُّدٍ، أَوْ تَشَهُّدَيْنِ فِي الآخِرَتَيْنِ. وَوَقْتُهُ بَيْنَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ ــ وذكر الأصحاب أربعة أوجه في كيفية النية: أصحها: أنه ينوي بكل شفع ركعتين من الوتر، والثاني: قيام الليل، والثالث: سنة الوتر، والرابع: مقدمة الوتر. قال: (والوصل بتشهد)؛ لحديث عائشة قال: (كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء إلى آخرها) رواه مسلم [٧٣٧]. قال: (أو تشهدين في الآخرتين)؛ لما روى مسلم [٧٤٦] عن عائشة: أنها لما سئلت عن وتر رسول الله ﷺ قالت: (كنا نعد له سواكه وطهوره، فيبعثه الله تعالى ما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ويتوضأ ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله تعالى ويحمده ويدعو، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله تعالى ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا). وقد تقدم في (باب صفة الصلاة) في هذا الحديث زيادة في (مسند أبي عوانة) تدل على وجوب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير. والأصح: أنه لا يجوز أكثر من تشهدين، ولا يكونان إلا في الأخيرتين، حتى لو أوتر بتسع وتشهد في السابعة والتاسعة .. لم يجز. والثاني: يصح كالنوافل الملطقة. والفرق: أن النفل المطلق لا حصر لعدد ركعاته وتشهداته بخلاف الوتر. وإذا تعارض زيادة العدد والفصل، كخمسة موصولة مع ثلاثة مفصولة .. فالأفضل النظر إلى عدد الركعات دون الفصل. قال: (ووقته بين صلاة العشاء وطلوع الفجر) أما جوازه في هذا الوقت ..
следующие страницы →