Полный текст (5 377 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
وَالَمُوَالاَةُ بِأَنْ لاَ يَطُولَ بَيْنَهُمَا فَصْلٌ، فَإِنْ طَالَ وَلَوْ بِعُذْرٍ .. وَجَبَ تَاخِيرُ اَلْثَّانِيَةِ إِلَى وَقْتِهَا، وَلاَ يَضُرُّ فَصْلٌ يَسِيرٌ، وَيُعْرَفُ طوُلُهُ بِاَلْعُرْفِ. وَلِلْمُتَيَمِّمِ اَلْجَمْعُ عَلَى اَلصَّحِيحِ،
ــ
فلو نوى الجمع ثم نوى تركه في أثناء الأولى، ثم نوى لجمع ثانيًا .. ففيه القولان.
و (الأثناء) جمع ثني وهو: ما بين الطرفين.
قال: (والموالاة بأن لا يطول بينهما فصل)؛ لأنه المأثور عن النبي صلي الله عليه وسلم، ولهذا: (ترك الرواتب بينهما).
وفي وجه: يجوز الجمع وإن طال الفصل ما لم يخرج وقت الأولى.
وفي (الكفاية) عن الاصطخري: جواز الفصل بالنافلة، والأحاديث الصحيحة ترد عليه.
قال: (فإن طال ولو بعذر) كالسهو والإغماء (.. وجب تأخير الثانية إلى وقتنها)؛ لفوات شرط الجمع.
قال: (ولا يضر فصل يسير)؛ ففي (الصحيحين) [خ ١٣٩ - م ١٢٨٠/ ٢٧٦] عن أسامة: (أن النبي صلي الله عليه وسلم لما جمع بنمرة .. أقام بينهما).
قال: (ويعرف طوله بالعرف)؛ لأنه لا ضابط له في الشرع، ولا في اللغة، فما عده العرف تفرقه .. ضر، وإلا .. فلا.
وضبطه القاضي حسين بقدر ماي تخلل بين الإيجاب والقبول، وبين الإقامة والصلاة، وبين الخطبتين.
وقيل: ما زاد على قدر الإقامة.
وقيل: لا تجب الموالاة أصلاً.
قال: (وللمجتمع الجمع على الصحيح) كالمتوضئ.
стр. 772
وَلاَ يَضُرُّ تَخَلُّلُ طَلَبٍ خَفِيفٍ. وَلَوْ جَمَعَ ثُمَّ عَلِمَ تَرْكَ رُكْنٍ مِنَ الأُولَى .. بَطَلَتَا وَيُعِيدُهُمَا جَامِعًا، أَوْ مِنَ الثَّانِيَةِ، فَإِنْ لَمْ يَطُلْ .. تَدَارَكَ، وَإِلاَّ .. فَبَاطِلَةٌ وَلاَ جَمْعَ، وَلَوْ جَهِلَ .. أَعَادَهُمَا لِوَقْتَيْهِمَا
ــ
وقال أبو إسحاق: لا يجوز؛ لأنه يحتاج إلى اطلب.
قال: (ولا يضر تخلل طلب خفيف) أشار به إلى خلاف أبي إسحاق، لأنه من مصلحة الصلاة فأشبه الإقامة، بل أولى؛ لأنه شرط دونها.
ولا يضر الفصل بالوضوء قطعًا.
قال: (ولو جمع ثم علم ترك ركن من الأولى. وبطلتا) أما الأولى .. فلترك الركن وتعذر التدارك؛ لطول الفصل بالصلاة التي أبطلناها، وأما الثانية .. فلأن شرط صحتها تقدم الأولى والأولى باطلة، وهذه تقدمت في قوله: (فلو صلاهما فبان فسادها .. فسدت الثانية).
ويعتذر عنه بأنه ذكرها أولاً، لبيان الترتيب، وثانيًا، لبيان الموالاة، وتوطئة لقوله عقبه: (أو من الثانية).
قال: (ويعديهما جامعًا)؛ لأنه لم يصل.
هذا إذا كان العلم بعد الفراغ كما أشار إليه بـ (ثم)، فأما إذا كان في أثناء الثانية .. فحكمه كذلك إن طال الفصل، وإن لم يطل .. لم يصح إحرامه بالثانية ويبني على الأولى.
قال: (أو من الثانية، فإن لم يطل .. تدارك) وحينئذ تمضي الصلاتان على الصحة.
قال: (وإلا .. فباطلة ولا جمع)؛ لحصول الفصل الطويل، فيعيد الصلاة الثانية في وقتها.
قال: (ولو جهل .. أعادهما لوقتيهما)؛ لاحتمال أن يكون المتروك من الأولى، ولا يجوز الجمع لاحتمال كونه من الثانية .. فتقضيان في وقتيهما.
وقيل: له الجمع كما لو أقيمت الجمعتان في بلد ولم تعرف السابقة منهما .. فإنه تجوز إعادة الجمعة في قول.
стр. 773
وَإِذَا أَخَّرَ اَلأُولَى .. لَمْ يَجِبِ اَلْتَرْتِيبُ وَاَلْمُوَالاَةُ ونِيَةٌ اَلْجَمْعِ عَلَى اَلْصَّحِيحِ، وَيَجِبُ كَوْنَ اَلْتَاخِيرِ بِنِيَّةِ اَلْجَمْعِ، وَإِلاَّ .. فَيَعْصِىِ وَتَكُوُن قَضَاءً
ــ
قال: (وإذا أخر وجوب الترتيب .. فلأن الوقت للثانية فلا تجعل تابعة.
وأما عدم وجوب الموالاة .. فلما روى الشيخان (خ ١٣٩ - م ١٢٨٠/ ٢٧٦] عن أسامة: (أن النبي صلي الله عليه وسلم لما دفع من عرفة إلى المزدلفة .. نزل فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم صلى العشاء).
وأما نية الجمع .. فالخلاف فيها مبني على الخلاف في اشتراط الموالاة.
وفي وجه: يجب ذلك في الجمع تأخيرًا كما لو جمع تقديمًا.
والمصنف صحح في المسائل الثلاث عدم الاشتراط كما صححه في (الروضة) وهو الصواب.
وجزم في (المحرر) باشتراط نية الجمع، وهو سهو تبعه علهي في (الحاوي الصغير).
ونبه عليه في (الدقائق) فقال لم يقل بما في (المحرر) أحد، بل في المسألة وجهان:
الصحيح: أن الثلاث سنة.
والثاني: أن الثلاث كلها واجبة.
قال: (ويجب كون التأخير بنية الجمع)، تمييزًا له عن التأخير تعديًا.
قال: (وإلا .. فيعصي وتكون قضاء)، لإخراجه الصلاة عن وقتها بغير نية. وتوقف الشيخ في عصيانه؛ لأن الوقتين للجامع كالوقت الواحد، ولم ينقل أن النبي صلي الله عليه وسلم أمرهم ليلة مزدلفة ينووا التأخير للجمع، وقد كان معه من يخفي عليه ذلك بلا شك وهو إشكال قوي.
واقتضت عبارة المصنف .. أنه يجوز أن يؤخر هذه النية إلى أن يبقى من الوقت
стр. 774
وَلَوْ جَمَعَ تَقْدِيمًا، فَصَارَ بَيْنَ اَلْصَّلاَتَيْنِ مُقِيمًا .. بَطَلَ اَلْجَمْعُ، وَفِي اَلثَّانِيَةِ وَبَعْدَهَا .. لاَ يَبْطُلُ فِي اَلأَصَحِّ،
ــ
مقدار يسع ركعة فينوي إذ ذاك، وبه صرح في (الروضة) تبعًا لـ (أصلها).
وجواز التأخير إلى هذا الحد ممنوع، فإنهما صرحا في (باب المواقيت) بأنه لا يجوز التأخير إلى هذا الوقت.
والصواب: أنه لا يجوز تأخيرها عن الوقت الذي يسعها، وبه جزم في شرحي (المهذب) و (مسلم)، والشيخ في (التنبيه) وأقره عليه في (تصحيحه).
وفي (الكفاية) وجه: أنه يجوز التأخير إلى مقدار تكبيره.
وقال في (الإحياء): لو نسى النية حتى خرج الوقت .. لم يبطل الجمع؛ لأنه معذور.
قال: (ولو جمع تقديمًا، فصار بين الصلاتين مقيمًا .. بطل الجمع)؛ لزوال سببه، فيتعين تأخير الثانية إلى وقتها، وأما الأولى ... فلا تأثير بذلك.
وعلم من كلامه أنه إذا صار مقيمًا في أثناء الليلة .. كان ببطلان الجمع أولى.
ولا يخفي أن الشك في صيرورته مقيمًا .. حكمه حكم نية الإقامة.
قال: (وفي الثانية وبعدها .. لا يبطل في الأصح) أشار إلى مسألتين:
الأول: إذا أقام في أثناء الصلاة الثانية .. فإن الجمع لا يبطل في الأصح؛ لأن أولهما قد اقترن بالعذر، فاكتفى بذلك صيانة لفرضه عن البطلان.
والثاني: يبطل قياسًا على القصر.
وعلى هذا: إن كان عالمًا .. بطلت، وإلا .. انقلبت نقلاً.
الثانية: إذا صار مقيمًا بعد الفراغ من الثانية .. فإن الجمع لا يبطل أيضًا على الأصح؛ لأن الرخصة قد تمت، فأشبه ما إذا قصر ثم طرأت الإقامة .. فإنه لا يلزمه الإتمام.
والوجه الثاني: يبطل؛ لأنها مقدمة على وقتها، فإذا زال المقتضى وأدرك وقتها .. وجبت الإعادة كما لو عجل الزكاة فخرج الفقير قبل الحول عن الشرط المعتبر.
стр. 775
أَوْ تَاخِيرًا، فَأَقَامَ بعَدْ فَرَاغِهِمَا .. لَمْ يُؤَثِّرْ، وَقَبْلَهُ .. يَجْعَلُ اَلُأولَى قَضَاءً .. وَيَجُوزُ اَلجَمْعُ بِاَلْمَطَرِ
ــ
وقيل: تقدح الإقامة فليها، ولا تقدح فيما بعدها.
قال: (أو تأخيرًا، فأقام بعد فراغهما .. لم يؤثر) بالإجماع.
قال: (وقبله) أي: قبل فراغهما، وحينئذ فيدخل فيه أثناء الثانية.
قال: (... يجعل الأولى قضاء)؛ لأنها تبع للثانية هنا، فاعتبر وجود السبب في جميعها كذا علله الرافعي.
قال الشيخ: (وهذا التعليل منطبق على تقديم الأولى، فلو عكس وأقام في أثناء الظهر .. فقد وجد السبب في جميع المتبوعة وأول التابعة، فقياس ما سبق في جمع التقديم: أنها أداء في الأصح، قال: وحينئذ ترد هذه الصورة على لفظ الكتاب وعلى الرافعي أ. هـ.
والذي في (شرح المهذب): إن أقام بعد فراغ الأولى .. صارت قضاء، أو في أثناء الثانية .. فينبغي أن تكون الأولى أداء بلا خلاف .. أهـ.
وهذا مخالف لما تقدم من ظاهر كلام (المنهاج) و (الروضة) و (أصليهما).
قال: (ويجوز الجمع بالمطر) أي: بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وكذا بين الجمعة والعصر، بالشروط السابقة؛ لما روى أبو داوود [١٢٠٣] عن ابن عباس أنه قال: (صلى رسول الله صلي الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا، من غير خوف ولا سفر)، قال مالك: أرى ذلك كان في المطر، رواه مسلم [٧٠٥] بدون كلام مالك.
ووقع في (الوسيط): أن الشافعي قال ذلك.
والمشهور: أن الشافعي نقله عن مالك واستأنس بقوله كما استأنس بقوله ابن جريج في تحديد القلتين.
ومنع أبو حنيفة الجمع بالمطر مطلقًا.
стр. 776
تَقْدِيمًا، وَاَلْجَدِيدُ: مَنْعُهُ تَاخِيرًا. وَشَرْطُ اَلْتَقْدِيمِ: وُجُودُهُ أَوَّلَهُمَا، وَاَلأَصَحٌ: اَشْتِرَاطُهُ عِنْدَ سَلاَمِ اَلأَولَى
ــ
وفي قول غري ضعيف: اختصاص الجمع بالمغرب مع العشاء؛ لأجل الظلمة وإليه ذهب أحمد.
والمذهب: جوزاه في الجمع.
والتعليل بـ (الظلمة) يبطل بجوازه في الليلة المقمرة.
والمراد بـ (المطر): ما يبل الثوب؛ لأن الشافعي قال: ويجمع من قليل المطر وكثيرة.
واشترط القاضي حسين والمتولي: أن يكون المطر وابلاً بحيث يبل الثوب من الأعلى والنعل من الأسفل، ويحصل به الوحل في الطريق.
قال: (تقديمًا) أي: مطلقًا؛ إتباعًا لما ورد، وفي (الإبانة) حكاية خلاف فيه، وغلطة الأصحاب.
قال: (والجديد: منعه تأخيرًا)؛ لأن المطر قد ينقطع فيؤدي إلى الجمع بغير وجود عذر.
والقديم - وهو منصوص في الجديد أيضًا -: الجواز قياسًا على الجمع بعذر السفر.
قال: (وشرط التقديم: وجوده أولهما) أي: أولى الصلاتين، ليتحقق الجمع مع العذر، ولا يضر انقطاعه فيما عدا ذلك.
قال: (والأصح: اشتراطه عند سلام الأولى)؛ ليتحقق اتصال آخر الأولى بأول الثانية في حال العذر.
والثاني: لا يشترط، ونقله في (النهاية) عن معظم الأصحاب، كما في الركوع والسجود.
وقيل: إن افتتح الأولى، ولا مطر، فطرَأ في أثنائها .. ففيه القولان في نية الجمع في أثناء الأولى.
стр. 777
وَاَلثَّلْجُ وَاَلْبَرَدُ كَمَطَرِ إِنْ ذَابَا، وَالأَظْهَرُ: تَخْصِيصُ اَلْرُّخْصَةِ بِمُصَلَّ جَمَاعَةّ بِمَسْجِدِ بَعِيِدٍ يَتَأَذَّىَ بِاَلْمَطَرِ فِي طَرِيِقِهِ
ــ
قال الشيخ: وهو قوي مع غرابته.
ولو قال لشخص بعد سلامة من الأولى: انظر هل انقطع المطر أو لا؟ .. بطل الجمع؛ لشكه في سببه.
قال: (والثلج والبرد كمطر إن ذابا)؛ لتضمنهما العذر المبيح وهو: ما يبل الثوب، فإن لم يذوبا .. فالأصح: أنهما لا يبيحان؛ لأن الرخصة متعلقة بالمطر دون الثلج والبرد، اللهم إلا أن يكون البرد قطعًا كبارًا .. فإنه يجوز الجمع بذلك كما قاله في (الشامل)، وانعكس النقل على الرافعي في ذلك.
وقيل: إن الثلج والبرد لا يرخصان؛ لأن السنة إنما وردت في المطر، وهو خارج عن القياس فلا يقاس عليه.
والشفان - بفتح الشين وتشديد الفاء: ريح باردة فيها نداوة، فإذا بل الثوب .. جاز الجمع به، وكان له حكم المطر؛ لتضمنه القدر المبيح.
وقول الرافعي: إن الشفان مطر وزيادة أنكره عليه المصنف وقال: إنه ليس بمطر فضلاً عن كونه وزيادة.
قال: (والأظهر: تخصيص الرخصة بمصل جماعة بمسجد بعيد يتأذى بالمطر في طريقه)؛ لأن الجمع إنما جوز للمشقة وهي موجودة، فإن صلى في بيته منفردًا أو في جماعة، أو صلى في مسجد منفردًا، أو كان المسجد على باب داره، أو بعد وكان يمشي في كن .. فلا جمع على الأصح لانتفاء المشقة.
والثاني: لا يختص بذلك بل يجمع مطلقًا؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم كان يجمع وبيوت زوجاته في المسجد.
стр. 778
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ورجح في (الروضة) كون الخلاف وجهين، وفي (شرح المهذب) كونهما قولين.
لكن يستثنى من إطلاقه من خرج إلى المسجد ولا مطر فحصل المطر وهو فيه .. قال الشيخ محب الدين الطبري: الظاهر القطع فيه بجواز الجمع؛ لأنه لم يجمع .. لاحتاج إلى صلاة العصر أيضًا في الجماعة وفيه مشقة؛ إما في رجوعه إلى بيته ثم عوده إلى المسجد، وإما في الإقامة في المسجد.
تتمة:
المذهب: امتناع الجمع بغير ما ذكر، فلا يجمع بمرض ووحل وخوف لا تقديمًا ولا تأخيرًا.
وأدعى الإمام الإجماع على امتناعه بالمرض، واختار القاضي والمتولي جوازه بالخوف والمرض، وجوزه الخطابي بالوحل المرض، واستحسنه الروياني، واختاره المصنف في المرض للحديث الصحيح: (أن النبي صلي الله عليه وسلم جمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر)، وسيأتي في (باب حد الخمر) شيء يتعلق به.
وروى أحمد [٦/ ٣٨١ - ٣٨٢] والبيهقي في (المعرفة) [٢١٩١]: (أن النبي صلي الله عليه وسلم أمر حمنة بنت جحش، وسهلة بنت سهيل بن عمرو بالجمع بين الصلاتين لأجل الاستحاضة)، وهو نوع مرض واختاره ابن المنذر.
وأجاز أحمد بعذر الوحل كما تسقط به الجمعة. والفرق: أن تارك الجمعة يصلي بدلها الظهر، وترك الوقت للجمع لا بدل له.
* * *
стр. 779
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خاتمة
إذا جمع الظهر والعصر .. قال الرافعي: صلى سنة الظهر ثم سنة العصر، ثم يأتي بالفريضتين، وفي المغرب والعشاء بالعكس.
وضعف المصنف ما قاله في الظهر والعصر وقال: الصواب: أنه يصلي سنة الظهر التي قبلها، ثم يجمع الفريضتين ثم يصلي سنة الظهر التي بعدها، ثم سنة العصر؛ لأن سنة الظهر المتأخرة لا تصلي قبل فعل الظهر، وكذا سنة العصر لعدم دخول وقتها.
* * *
стр. 780
بَابُ صَلاَةِ اَلْجُمُعَةِ
ــ
باب صلاة الجمعة
هي بضم الميم وإسكانها وفتحها، وجمعها: جمعات وجمع، سميت بذلك لاجتماع الناس لها، وقيل: لما جمع في يومها من الخير، وقيل: لأنه جمع فيه خلق أدم ﵊.
وكان يسمى في الجاهلية: يوم العروبة ومعناه: البين المعظم، وقيل: يوم الرحمة، قال الشاعر [من البسيط]:
نفس الفداء لأقوام هم خلطوا ... يوم العروبة أورادًا بأوراد
وأول من سماها الجمعة كعب بن لؤي، وهو أول من جمع الناس بمكة وخطبهم وبشر بمبعث النبي صلي الله عليه وسلم وحض على إتباعه.
والأصل فلي وجوبها قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ أي: في يوم الجمعة ﴿فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: امضوا وبذلك قرأ عمر، وعمل الإنسان يسمى سعيًا قال تعالى: ﴿وأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى﴾.
وفي (صحيح مسلم) [٦٥٢] من رواية ابن مسعود: (لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم).
стр. 781
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفيه أيضًا: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين).
وروى أحمد [٣/ ٤٢٤] والأربعة، وابن حبان [٢٧٨٦] والحاكم [٣/ ٢٨٠] عن أبي الجعد الضمري قال البخاري: ولا أعرف له إلا هذا الحديث: أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (من ترك ثلاث جمع تهاونًا .. طبع الله على قلبه) أي: ختم عليه وغشاه ومنعه من الألطاف.
وروى البيهقي في (الشعب) [٣٠٠٦] عن ابن عباس: أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (من ترك الجمعة ثلاثا من غير عذر .. فقد نبذ الإسلام وراء ظهره).
وفرضت الجمعة والنبي صلي الله عليه وسلم بمكة ولم يصلها حينئذ بها؛ إما لأنه لم يكمل عددها عنده، أو لأن من شعارها الإظهار وكان النبي صلي الله عليه وسلم مستخفيًا.
وأول جمعة صليت بالمدينة في الإسلام جمعة أقامها أسعد بن زرارة في بني بياضة بنقيع الخضمات، و (كان النبي صلي الله عليه وسلم أنفذ مصعب بن عمير أميرًا على المدينة وأمره أن يقيم الجمعة، فنزل على أسعد وكان من النقباء الاثنى عشر، فأخبره بأمر الجمعة وأمره أن يتولى الصلاة بنفسه).
وفي (البخاري) [٨٩٢] عن ابن عباس أن أول جمعة جمعت بعد جمعةٍ في مسجد النبي صلي الله عليه وسلم جمعة جواثني قرية من قرى البحرين.
والجديد: أنها صلاة على حيالها.
والقديم: أنها ظهر مقصورة بشرائط.
وهي أفضل الصلوات، ويومها أفضل أيام الأسبوع، وخير يوم طلعت فيه الشمس
стр. 782
إِنَّمَا تَتَعَيَّنُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ حُرٍّ ذَكَرٍ مُقِيمٍ بِلاَ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ
ــ
يعتق الله فيه ست مئة ألف عتيق من النار، من مات فيه .. كتب الله له أجر شهيد ووقي فتنة القبر.
قال: (إنما تتعين على كل مكلف حر ذكر مقيم بلا مرض ونحوه).
أما كونها فرض عين .. فبالإجماع، وشذ بعض الأصحاب فقال: إنها فرض كفاية. غير أنها لا تكون فرض عين إلا بشروط ذكرها المصنف.
والأصل في ذلك ما رواه طارق بن شهاب البجلي الكوفي أن النبي صلي الله ليه وسلم قال: (الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض) رواه أبو داود [١٠٦٠] والدارقطني [٢/ ٣] بإسناد صحيح.
وطارق بن شهاب رأى النبي صلي الله عليه وسلم، وقال أبو داوود وغيره: لم يسمع منه، فإن صح ذلك .. فهو مرسل صحابي وهو حجة.
وخرج بـ (المكلف) الصبي والمجنون، فلا تجب عليهما كسائر الصلوات، لكن يستحب للصبي أن يحضرها ليتعود إقامتها ويتمرن عليها كما يؤمر بالصلاة، نص عليه في (الأم).
والمغمى عليه كالمجنون، بخلاف السكر فإنه يلزمه قضاؤها ظهرًا كغيرها، لأنه مكلف.
وخرج بـ (الحر) الرقيق؛ لأنه ممنوع من التصرف لحق السيد، فأشبه المحبوس لحق الغريم، ولا فرق بين القن والمدبر المكاتب، وفي المبغض خلاف ذكره المصنف بعد هذا.
والأفضل للعبد إذا أذن له سيده الحضور؛ ليحصل الفضيلة، وفي (الجيلي) وجه: أنها تلزمه حينئذ، وتقدم أنه: لا يجوز للسيد منع العبد من الجماعة إذا لم يكن له شغل.
وأما المرأة .. فلأنها مأمورة بالستر والانعزال، وحضور الجمعة ينافي ذلك، ولأنها لما سقطت بالرق وهو نقص يزول .. فأولى أن تسقط بالأنوثة وهو نقص
стр. 783
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا يزول، لكن يستحب للعجوز التي لا تشتهي حضورها إذا أذن زوجها.
ويكره للمشتهاة حضورها وحضور سائر الصلوات مع الرجال إلا العيدين، ويكره لوليها الإذن فيه.
والخنثى كالمرأة، لكن تستحب له، وقيل: تجب عليه احتياطًا؛ لاحتمال الذكورة، وتعبيره في (التصحيح) بالصواب مستدرك.
وخرج بقيد (الإقامة) المسافر، سواء كان السفر طويلاً أم قصيرًا إذا كان حلالاً؛ لما روى تميم الداري أنه قال: سمعت النبي صلي الله عليه وسلم يقول: (الجمعة واجبة إلا على خمسة ...)، وعد منهم المسافر، رواه البيهقي [٣/ ١٨٣] وغيره، ولأن النبي صلي الله عليه وسلم كان يكثر الأسفار ولمي نقل عنه أنه صلى الجمعة فيها أبدًا، فلو كانت واجبة .. لفعلها ولو مرة، هذا مذهب أكثر العلماء.
وأما المريض .. فلا جمعة عليه، فإن تكلف وحضر .. فهو أفضل.
قال الإمام: والمرض المسقط للجمعة أخف من المرض المسقط للقيام في الفريضة، وفي معنى المرض .. الأعذار لمرخصة في ترك الجماعة، وهذا مراد المصنف بقوله: (ونحوه).
ومما يلتحق به: من به إسهال لا يقدر معه على ضبط نفسه ويخشى من تلويث المسجد .. فإن دخول المسجد عليه محرم كما صرح به الرافعي في (الشهادات).
والاشتغال بتجهيز الميت عذر صرح به ابن عبد السلام، وكان لما ولى خطابه الجامع العتيق بمصر يصلي على الموتى قبل الخطبة ويفتي أهلها حمالها بأن لا جمعة عليهم، وسيأتي في أخر (صلاة الكسوف) أيضًا.
ولفظه: (ونحوه) زادها على (المحرر)، وقد بينا مراده بها، وقد يقال: لا يظهر لها فائدة؛ لأنها مفسرة بالمرض والزمانة وغيرهما من الأعذار، وهي داخلة في قوله: (ولا جمعة على معذور بمرخص في ترك الجماعة).
وإنما أهمل المصنف قيد الإسلام؛ لأنه صرح في أول (كتاب الصلاة) بأنها
стр. 784
وَلاَ جُمُعَةَ عَلَى مَعْذُورٍ بِمُرَخِّصِ فِي تَرْكِ اَلْجَمَاعَةِ
ــ
لا تجب إلا على مسلم جمعة كانت أو غيرها، فلذلك لم يذكره هنا.
قال: (ولا جمعة على معذور بمرخص في ترك الجماعة)؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (من سمع النداء فلم يجب .. فلا جمعة له إلا من عذر) حديث صحيح.
وقد سبق بيان الأعذار في (صلاة الجماعة) وأن الخطابي قال: أكل الثوم والبصل ليس عذرًا في ترك الجماعة.
لكن الربح العاصفة لا تكون عذرًا في ترك الجماعة إلا ليلاً، فلا يمكن أ، تكون عذرًا في الجمعة.
وفي الوحل وجه: أنه عذر في الجماعة لتكررها في اليوم والليلة خمسًا دون الجمعة، وبه أفتى أثمة طبر ستان.
وقال القاضي حسين: إذا تقاطر الماء من سقف الأسواق .. جاز ترك الجمعة بسببه إذا الغالب نجاسة.
فرع:
المحبوس إذا قدر على الخلاص .. لزمته، وإلا .. فلا، وصرح البغوي بأنه لا يجب إطلاقه لفعلها، فلو أرسل المحبوس مع كفيل يصلي .. فلا بأس.
وفي (فتاوي الغزالي): إن رأي القاضي المصلحة في منعه .. منعه.
وحكى الصميري وجهًا: أنه يجب عليه استئذان غريمه فإن منعه .. سقط الوجوب.
فإن قيل: إذا اجتمع في الحبس أربعون، فالقياس: أنه لتزمهم الجمعة؛ لأن إقامتها في المسجد ليست بشرط، والتعدد يجوز عند عسر الاجتماع، فعند تعذره بالكلية أولى .. فأجاب الشيخ بأنه لا يجوز لهم ذلك، بل يصلون ظهرًا؛ لأنه لم يبلغنا أن أحدًا من السلف فعل ذلك، مع أنه كان في السجون أقوام من العلماء المتورعين
стр. 785
وَالْمُكَاتَبِ، وَكَذَاَ مَنْ بَعْضُهُ رَقِيقٌ عَلَى الصَّحِيحِ. وَمَنْ صَحَّتْ ظُهْرُهُ .. صَحَّتْ جُمُعَتُهُ وَلَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ مِنَ الْجَامِعِ، إِلاَّ الْمَرِيضَ وَنَحْوَهُ فَيَحْرُمُ انْصِرَافُهُ إِنْ دَخَلَ الْوَقْتُ إِلاَّ أَنْ يَزِيدَ ضَرَرُهُ بِانْتِظَارِهِ
ــ
مع كثرة العدد. ولأن المقصود من الجمعة إقامة الشعار، والسجن ليس محلاً لذلك، فهي غير جائزة سواء ضاق البلد الذي فيه السجن أو اتسع، لكنهم يصلون ظهرًا جماعة على الأصح.
وإنما يصلون ظهرهم بعد فراغ جمعة البلد، وستأتي المسألة في (باب القضاء).
قال: (والمكاتب)؛ لأنه عبد ما بقي عليه درهم.
قال: (وكذا من بعضه رقيق على الصحيح)؛ لأن رق البعض مانع من الاستقلال.
والثاني: إن كان بنيه وبين سيده مهايأة، وصادف يوم نوبته يوم الجمعة .. لزمته، هذا هو المقابل لقول المصنف، وليس لنا قول باللزوم مطلقًا.
قال: (ومن صحت ظهره .. صحت جمعته) بالإجماع.
قال: (وله أن ينصرف من الجامع) أي: قبل أن تقام الصلاة، فإذا أقيمت .. لا يجوز له الانصراف مطلقًا.
قال: (إلا المريض ونحوه)، وكذا الأعمى الذي لا يجد قائدًا.
قال: (فيحرم انصرافه إن دخل الوقت) بلا خلاف؛ لزوال المشقة بالحضور.
قال: (إلا أن يزيد ضرره بانتظاره) هناك الاستثناء نقله الرافعي عن الإمام واستحسنه وقال: لا يبعد أن ينزل إطلاق المطلقين عليه، وجزم به في (المحرر).
стр. 786
وَتَلْزَمُ الشَّيْخَ الْهَرِمَ وَالزَّمِنَ إِنْ وَجَدَا مَرْكَبًا وَلَمْ يَشُقَّ الرُّكُوبُ، وَالأَعْمَى يَجِدُ قَائِدًا. وَأَهْلُ الْقَرْيَةِ إِنْ كَانَ فِيهِمْ جَمْعٌ تَصِحُّ بِهِ الْجُمُعَةُ، أَوْ بَلَغَهُمْ صَوْتٌ عَالٍ فِي هُدُوٍّ مِنْ طَرَفٍ يَلِيهِمْ لِبَلَدِ الْجُمُعَةِ .. لَزِمَتْهُمْ، وَإِلاَّ .. فَلاَ
ــ
أما إذا وافق العيد يوم الجمعة .. فسيأتي في (تتمة صلاة العيدين).
قال: (وتلزم الشيخ الهرم والزمن إن وجدا مركبًا ولم يشق الركوب)؛ لانتفاء الضرر، وسواء كان المركب بملك، أو إجارة العوض، أو إعارة، أو آدميًا.
وعن القاضي حسين: من لا يستطيع المشي، إذا وجد أجرة من يحمله إلى المسجد .. لزمه.
و (الشيخ): من جاوز الأربعين- والمرأة شيخة- وتصغيره: شييخ وشييخ بضم الشين وكسرها، ولا يقال: شويخ وأجازه الكوفيون.
و (الهرم): أقصى الكبر.
و (الزمانة): الابتلاء والعاهة، وزمن فهو زمن.
قال: (والأعمى يجد قائدًا)؛ لأنه يتضرر معه عدمه، سواء كان القائد متبرعًا أو بأجرة يجدها كما يؤمر بالجماعة، وبهذا قال مالك وأحمد وأبو يوسف ومحمد والجمهور.
وقال أبو حنيفة: لا جمعة على الأعمى.
وقال القاضي والمتولي: إن كان يحسن المشي على العصا من غير قائد .. لزمته، وضعفه الشاشي والمصنف في (تعليقه) على (التنبيه).
قال: (وأهل القرية إن كان فيهم جمع تصح به الجمعة، أو بلغهم صوت عال في هدو من طرف يليهم لبلد الجمعة .. لزمتهم، وإلا .. فلا)، وكذلك أهل البساتين والخيام؛ لما روى أبو داوود [١٠٤٩] عن عمرو بن العاصي: أن النبي صلى الله عليه والخيام؛ لما روى أبو داوود [١٠٤٩] عن عمرو بن العاصي: أن النبي ﷺ قال: (الجمعة على من سمع النداء).
والمعتبر: سماع من أصغى إليه ولم يكن أصم، ولا جاوز سمعه حد العادة.
والمراد بـ (النداء): الأذان الذي يتعلق به وجوب حضور الجمعة.
стр. 787
وَيَحْرُمُ عَلَى مَنْ لَزِمَتْهُ السَّفَرُ بَعْدَ الْزَّوَالِ،
ــ
وإنما كان الاعتبار من الطرف الذي يلي السامع؛ لأن البلد قد يكون كبيرا لا يبلغ النداء، من وسط أطرافه، فاعتبر آخر موضع يصلح لإقامة الجمعة فيه؛ احتياطا للعبادة. وإذا سمع ذلك بعض أهل القرية .. وجب على جميع أهلها المكلفين بالجمعة.
وقيل: يعتبر السماع من وسطها.
وقيل: من المكان الذي تصلى فيه الجمعة.
وقيل: يشترط أن يكون المنادي في مكان عال كمنارة أو سور، والأكثرون على عدم اعتبار هذا إلا بطبرستان؛ فإنها بين أشجار وغياض تمنع بلوغ الأصوات.
ومقتضى كلام الكتاب و (المحرر) - وهو الأصح في (الشرح الصغير):- أن العبرة ببلوغ الصوت سواء ارتفعت القرية، أو موضع النداء، أو هما، أولا.
والمرجح في (الكبير) و (الروضة) و (شرح المهذب): أن العبرة بتقدير الاستواء، فلو سمعت العالية، ولو ساوت لم تسمع .. فلا جمعة عليها. ولو لم تسمع المنخفضة، ولو ساوت لسمعت النداء .. لزمها وهو الأصح، وإلا لزم أن تجب على البعيدة العالية دون القريبة المنخفضة وهو بعيد.
وحديث: (الجمعة على من سمع النداء) محمول على الغالب.
فرع:
إذا دخل أهل الفرية المصر فصلوها فيه .. سقط الفرض عنهم وكانوا آثمين؛ لتعطيلهم الجمعة في قريتهم، وفيه وجه: أنهم غير آثمين؛ للخروج من خلاف أبي حنيفة.
قال: (ويحرم على من لزمته السفر بعد الزوال)؛ لأن فرض الجمعة توجه عليه بدخول الوقت فلا يجوز تفويته بالسفر.
وروى الدارقطني أنه ﷺ قال: (من سافر من دار إقامته يوم الجمعة .. دعت عليه الملائكة أن لا يصحب في سفره، ولا يعان على حاجته).
стр. 788
إِلَاَّ أَنْ تُمْكِنَهُ الجُمُعَةُ فِي طَرِيقِهِ، أَوْ يَتَضَرَّرَ بِتَخَلُّفِهِ عَنِ الرُّفْقَةِ
ــ
وفي (الإحياء)] ١/ ٨٨ [: أن (من سافر ليلة الجمعة .. دعا عليه ملكاه).
وكذلك صرح ابن أبي الصيف اليمني بكراهة السفر ليلة الجمعة، وأقره عليه الشيخ محب الدين الطبري.
وحيث منعناه السفر فسافر .. لا يجوز له الترخص حتى يخرج وقت الجمعة.
فإن قيل: إذا زالت الشمس لا تتعين إقامة الجمعة؛ فإن الصلاة تجب وجوبا موسعا .. فالجواب: أن الناس تبع للإمام في هذه الفريضة، فلو عجلها .. تعينت متابعته وسقطت خبرة الناس في التأخير، وإذا خالف وسافر .. لم يجز له الترخص ما دام وقت الجمعة باقيا.
قال: (إلا أن تمكنه الجمعة في طريقه)؛ لحصول المقصود. وفي معنى الطريق .. إدراكها في مقصده.
مهمة:
التعبير ب (الإمكان) ذكره الرافعي في (الشرح الكبير) و (المحرر)، والمصنف في (الروضة)، والتعبير به غير مستقيم؛ فإنه إذا غلب على الظن عدم الإدراك .. يحرم السفر.
وإن تردد على السواء .. فالمتجه: التحريم أيضا؛ ولهذا قالوا: إذا خشي المريض الغضب .. تضيق عليه الحج على الصحيح، وقالوا: تستحب البداءة بالفائتة إلا أن يخشى فوات الحاضرة .. فتجب البداءة بها.
وعبر الرافعي في (الشرح الصغير) بالتمكن فقال: إن تمكن منها .. جاز، وإن لم يتمكن .. لم يجز، وهو تعبير صحيح.
قال: (أو يتضرر بتخلفه عن الرفقة)، فلا يحرم عليه السفر حينئذ؛ لقوله ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام).
стр. 789
وَقَبَلَ الزَّوَالِ كَبَعَدِهِ فِي الْجَدِيدِ إِنْ كَانَ سَفَراً مُبَاحاً، وَإِنْ كَانَ طَاعَةً .. جَازَ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: أَنَّ الطَّاعَةَ كَالمُبَاحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ــ
قال في (المهمات): اشتراط الضرر عند التخلف صرح به في (المحرر)، وفي (شرح المهذب)، وهو مقتضى كلام (الشرحين) و (الروضة).
والصواب: اعتبار مجرد الانقطاع لا وجود الضرر؛ لما في الانقطاع عن الرفقة من الوحشة، كما صرح به ابن الرفعة وغيره.
وصرحوا في (باب التيمم) بأن المسافر لا يجب عليه الذهاب إلى الماء في هذه الحالة، وعللوه بهذه العلة.
والظاهر: أنه لا عبرة بتخلفه عن الرفقة في سفر النزهة ونحوه من أسفار البطالين وإن شمله كلام الرافعي والمصنف.
وقيد شارح (التعجيز) المسألة بأن لا ينقص بسفره عدد البلد، وهو حسن.
قال: (وقبل الزوال كبعده في الجديد)؛ لأنه وقت لوجوب السعي على من كانت داره بعيدة، ولأن اليوم ينسب إليها.
والقديم ونص عليه في (حرملة): أنه لا يحرم؛ لقول عمر: (إن الجمعة لا تحبس مسافرا)، ولأن الوجوب بالزوال، فلا يحرم قبله كبيع النصاب قبل الحول من غير قصد الفرار.
وعلى هذا: قال القاضي حسين: يكره، وفيه نظر.
قال: (إن كان سفرا مباحا، وإن كان طاعة .. جاز) أي: القولان في المباح، أما الطاعة الواجبة أو المندوبة .. فلا تحرم قطعا.
وظاهر كلام الكتاب: التحريم بعد الزوال مطلقا طاعة كان أو مباحا، وهو كذلك بلا خلاف.
قال: (قلت: الأصح: أن الطاعة كالمباح والله أعلم) فيكون على القولين، والأصح عند المصنف: التحريم.
стр. 790
وَمَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ .. تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِي ظُهْرِهِم فِي الْأَصَحِّ، وَيُخْفُونَهَا إِنْ خَفِيَ عُذْرُهُمْ
ــ
وقيل: يجوز قطعا، وبه جزم في (المحرر)؛ لان عبد الله بن رواحة ﵁ تخلف عن جيش جهزه النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : (لو أنفقت ما في الأرض جميعا .. ما أدركت غدوتهم)، لكن ضعفه الترمذي] ٥٢٧ [.
قاعدة:
الناس في الجمعة ستة أقسام:
الأول: من تلزمه وتنعقد به، وهو: من اجتمعت فيه الصفات المعتبرة.
الثاني: تنعقد به ولا تلزمه، وهو: من له عذر على الأصح.
الثالث: لا تلزمه ولا تنعقد به ولا تصح منه، وهو: المجنون والمغمى عليه والكافر الأصلي.
الرابع: لا تلزمه ولا تنعقد به لكن تصح منه، وهو: الصبي المميز والعبد والمسافر والمرأة والخنثى.
الخامس: تلزمه ولا تصح منه، وهو: المرتد.
السادس: تلزمه وتصح منه وفي انعقادها به خلاف، وهو: المقيم غير المستوطن.
قال: (ومن لا جمعة عليهم .. تسن الجماعة في ظهرهم في الأصح)؛ لعموم الأدلة على طلب الجماعة.
والثاني: لا؛ لأن الجماعة في هذا اليوم شعار الجمعة.
والخلاف في المعذورين في البلد، أما لو كانوا في غيرها .. فالجماعة تستحب في ظهرهم إجماعا.
قال: (ويخفونها إن خفي عذرهم)؛ لئلا يتهموا في دينهم.
стр. 791
وَيُنْدَبُ لِمَنْ أَمْكَنَ زَوَالُ عُذْرهِ: تَاخِيرُ ظُهْرِهِ إِلَى الْيَاسِ مِنَ الْجُمُعَةِ، وَلِغَيْرِهِ كَالْمَرْأَةِ وَالزَّمِنِ: تَعْجِيلُهَا
ــ
وقيل: يخفونها مطلقا؛ لأنه قد لا يتفطن للعذر الظاهر، وقد يتهم صاحبه مع العلم بعذره.
قال: (ويندب لمن أمكن زوال عذره: تأخير ظهره إلى اليأس من الجمعة)، فقد يزول العذر ويتمكن من فرض الكاملين كالعبد والمريض يرجو العتق والشفاء، ويحصل اليأس برفع الإمام رأسه من ركوع الثانية على الصحيح.
وقال في (تعليقه) على (التنبيه): ليس هذا على إطلاقه؛ فإن الإمام لو أخر الجمعة إلى أن يبقى من وقتها أربع ركعات .. لا تؤخر بعد ذلك الظهر.
ويرد على إطلاق المصنف هنا: ما إذا كان منزله بعيدا وانتهى الوقت إلى حد لو أخذ في السعي لم يدرك الجمعة .. فإن اليأس قد حصل، ومع ذلك لا يستحب له فعل الظهر إلا بعد رفع الرأس على الصحيح.
قال: (ولغيره كالمرأة والزمن: تعجيلها)؛ محافظة على أول الوقت.
وقيل: هو كالمعذور نظرا إلى أن الجمعة صلاة الكاملين، فينبغي أن تكون المقدمة.
قال في (الروضة): الأول اختيار الخراسانيين، والثاني اختيار العراقيين.
و (الاختيار): التوسط.
فإن جزم بأنه لا يحضر الجمعة ولو تمكن منها .. ندب التقديم، وإلا .. فالتأخير.
والمذهب المنصوص في (الأم): ما قاله العراقيون.
فرع:
إذا صلى المعذور الظهر، ثم زال عذره وتمكن من حضورها .. لم تلزمه، إلا الخنثى إذا بان رجلا.
قال ابن الحداد: وإلا الصبي إذا بلغ بعد فعل الظهر وتمكن من الجمعة، وخالفه الجمهور.
стр. 792
وَلِصِحَّتِهَا- مَعَ شَرْطِ غَيْرِهَا- شُرُوطٌ: أَحَدُهَا: وَقْتُ الظُّهْرِ فَلَا تُفْضَى جُمُعَةً،
ــ
أما غيرهما من ذوي الأعذار .. فيستحب لهم حضورها بعد زوال عذرهم، فإن فعلوا .. ففرضهم الظهر على الأظهر.
وعلى الثاني: يحتسب الله أيتهما شاء.
وإن زال العذر في أثناء فعلهم .. قال القفال: هو كرؤية الماء في أثناء الصلاة، والمذهب: استمرار صحة ظهرهم. أ. هـ.
وإذا عتق العبد قبل فعله الظهر، ففعلها جاهلا بالعتق ثم علم به قبل فوات الجمعة وما أشبه هذا .. فالظاهر: أنه يلزمه حضور الجمعة.
وفي (فتاوى البغوي): أن المريض إذا شفي بعد صلاة الظهر وأمكنه حضور الجمعة .. لزمه.
قال: (ولصحتها – مع شرط غيرها- شروط) أي: زائدة على شروط باقي الصلوات.
وهي ستة كما ذكر، لكنه أدرج السادس وهو: العدد في الرابع وهو: الجماعة.
وبعضهم أضاف إليها سابعا وهي: نية الإمامة ونية الخطبة.
ويمكن أن يضاف ثامن وهو: إذن السلطان أو حضوره، فإن القديم اشتراطه.
قال: (أحدها: وقت الظهر)؛ لأن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس، رواه البخاري عن أنس] ٩٠٤ [، وجرى على ذلك الخلفاء الراشدون فمن بعدهم، ولأنهما صلاتا وقت واحد، فلم يختلف وقتهما كصلاة الحضر، وصلاة السفر، وبهذا قال جمهور العلماء.
وقال أحمد: يجوز أن تفعل قبل الزوال.
قال: (فلا تقضى جمعة) - بالإجماع- وهو ب (الواو) لا ب (الفاء)؛ لأن عدم القضاء لا يؤخذ من اشتراط وقت الظهر؛ لأن بينهما واسطة وهو القضاء في وقت الظهر من يوم آخر.
стр. 793
فَلَوْ ضَاقَ عَنْهَا .. صَلَّوْا ظُهْراً، وَلَوْ خَرَجَ وَهُمْ فِيهَا .. وَجَبَ الْظُّهْرُ بِنَاءٌ، وَفِي قَوْلٍ: اسْتِئْنَافاً. وَالمَسْبُوقُ كَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يُتِمُّهَا جُمُعَةٌ
ــ
و (جمعة) بالنصب.
قال: (فلو ضاق عنها) بأن لم يبق من الوقت ما يسع خطبتين وركعتين (.... صلوا ظهرا)، كما لو فات شرط القصر .. رجع إلى الإتمام.
قال: (ولو خرج وهم فيها .. وجب الظهر)؛ إلحاقا للدوام بالابتداء.
والمراد ب (خروج الوقت): أنهم علموا ذلك، فلو شكوا فيه .. أتموها جمعة على الصحيح.
فلو وقعت التسليمة الثانية بعد الوقت .. لم تبطل؛ لأنها غير معدودة من الصلاة كذا قال الرافعي هنا، وتقدم في (صفة الصلاة) خلاف ذلك.
قال: (بناء) أي: تنقلب الجمعة ظهرا ويبنون على ما مضى وجوبا؛ لأنهما صلاتا وقت فجاز- بناء أطولهما على أقصرهما، كصلاة الحضر مع السفر.
قال: (وفي قول: استئنافا) أي: يبطلون الجمعة ويستأنفون الظهر.
قال الرافعي: وهما مبنيان على أنهما ظهر مقصورة أم لا؟ فعلى الأول .. يبني، وعلى الثاني .. يستأنف.
وقضية هذا البناء: ترجيح الثاني؛ لأن الأصح كما تقدم في (أول الباب): أنها صلاة على حيالها، وأن الظهر بدل عنها.
قال: (والمسبوق كغيره)، فإذا خرج الوقت بعد أن قام إلى تدارك الثانية .. أتمها ظهرا في الأصح وجمعة في الثاني.
وعلى هذا: فالقياس: أنه يجب عليه أن يفارق الإمام في التشهد، ويقتصر على الفرائض إذا لم يمكنه إدراك الجمعة إلا بذلك.
قال: (وقيل: يتمها جمعة)؛ لأنه تابع للقوم وقد صحت جمعتهم.
стр. 794
الثَّانِي: أَنْ تُقَامَ فِي خِطَّةِ أَبْنِيِةِ أَوْطَانِ الْمُجَمِّعِينَ
ــ
قال: (الثاني: أن تقام في خطة أبنية أوطان المجمعين) - وهم: عدد تنعقد بهم الجمعة فصاعدا- أي: تشترط إقامتها في بقعة معدودة من بلد، وتلك البلد، وطن للذين يقيمون الجمعة، فلا تكفي إقامتها في الصحراء؛ لأنها لم تقم في زمن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين بعده إلا كذلك، ولو جازت في غيرها .. لفعلت ولو مرة، ولو فعلت .. لنقلت.
ولا فرق بين القرية والمصر، وهو في المصر إجماع، وفي القرية دليله ما تقدم من قول ابن عباس: (أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد النبي ﷺ جمعة بجوائى)، وذلك لا يفعل إلا بأمره ﷺ .
وأما قوله ﷺ : (لا جمعة إلا في مصر) .. فقال به الشافعي في القديم، لكنه لم يصح رفعه، بل هو موقوف على علي، وقد خالفه عثمان، فلذلك لم يقل به في الجديد.
و (الخطة) بكسر الخاء: محل الأبنية وما بينها، وهذا هو المراد بخطة الأبنية.
وقوله: (في خطة أبنية) أي: من الأبنية، فشمل المساجد والرحاب المسقفة والساحات. وسواء كانت الأبنية من خشب أو حجر أو لبن أو سعف أو جريد؛ لأنها للاستيطان، ولأن معظم قرى الحجاز من سعف وجريد وقصب.
وما ذكره المصنف مثال؛ لأن الأسراب المستوطنة والغيران كالأبنية.
ولو كانت الأبنية متفرقة لا تعد بلدا واحدا .. لم تجز إقامة الجمعة بها، إلا أن يبلغ أهل دار أربعين رجلا بالصفات .. فتلزمهم ويكونون بالنسبة إلى من قرب منهم كبلد الجمعة.
و (المجمعون) بتشديد الميم: مصلو الجمعة الذين تنعقد بهم.
стр. 795
وَلَوْ لَازَمَ أَهْلُ الخِيامِ الصَّحْراءَ أَبَداً .. فَلَا جُمُعَةَ فِي الأَظْهَرِ، الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَسْبِقَهَا وَلَا يُقَارِنَهَا جُمُعَةٌ فِي بَلْدَتِهَا
ــ
قال: (ولو لازم أهل الخيام الصحراء أبدا .. فلا جمعة في الأظهر)؛ لأن قبائل العرب كانوا مقيمين حول المدينة وكانوا لا يصلونها، ولا أمرهم بها الشارع؛ لأنهم على هيئة المستوفزين.
والثاني: تلزمهم الجمعة ويقيمونها في ذلك الموضع؛ لأنهم استوطنوه.
وموضوع القولين إذا لازموا ذلك المكان كما أشار إليه المصنف، فإن كانوا ينتقلون عنه في الشتاء أو غيره .. لم تصح فيه جزما.
وقوله: (فلا جمعة) أي: لازمة ولا صحيحة.
وتقدم في (صلاة المسافر) الكلام على لفظ الخيمة وجمعها.
فرع:
نص الشافعي على أنه: لو خربت البلد أو القرية وأقام أهلها على عمارتها .. لزمتهم الجمعة فيها، سواء كانوا في سقائف ومظال أم لا؛ لأنه محل الاستيطان. ولا تتصور جمعة عند الشافعي في غير بناء إلا هذه.
وهذا بخلاف ما لو نزلوا هناك ابتداء وأرادوا إحداث قرية .. فإنها لا تصح؛ استصحابا للحال فيهما، نص عليه الشافعي ﵁.
قال: (الثالث: أن لا يسبقها ولا يقارنها جمعة في بلدتها) ولو عظمت؛ ليظهر شعار الاجتماع واتفاق كلمة الإسلام، ولأنها لم تفعل في زمن النبي ﷺ ولا في زمن الخلفاء الراشدين إلا في موضع واحد.
قال الشافعي: ولأنها لو جاز فعلها في مسجدين .. لجاز في مسجد العشائر، وهو لا يجوز إجماعا. أهـ.
و (العشائر): القبائل، و (العشيرة): القبيلة وهم: أبناء أب واحد، والجمع: قبائل.
стр. 796
إِلَّا إِذَا كَبُرَتْ وَعَسُرَ اجْتِمَاعُهُم فِي مَكَانٍ، وَقِيلَ: لَا تُسْتَثْنَى هَذِهِ الصُّورَةُ، وَقِيلَ: إَنْ حَالَ نَهْرٌ عَظِيمٌ بَيْنَ شِقَّيْهَا، كَانَا كَبَلَدَيْنِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَت قُرَى فَاتَّصَلَتْ .. تَعَدَّدّتِ الجُمُعَةُ بِعَدَدِهَا
ــ
قال: (إلا إذا كبرت وعسر اجتماعهم في مكان) .. فتجوز الزيادة بحسب الحاجة لا مطلقا، فإذا اكتفى بجمعتين .. لم تجز ثالثة، وبه أفتى المزني بمصر لما ازدحم الناس في الجامع العتيق.
قال: (وقيل: لا تستثنى هذه الصورة) وهو ظاهر النص، وعليه اقتصر الشيخ أبو حامد وطبقته.
قال الشيخ: وهو الصحيح مذهبا ودليلا، وقول أكثر العلماء، وأنكر نسبة الاستثناء إلى الأكثرين، وتمسك بما درج عليه الصدر الأول، وأنه لا يحفظ عن صحابي ولا تابعي تجويز ذلك.
قال: وتحريم الإذن في اجتماع جمعتين في بلد مجمع عليه، معلوم من الدين بالضرورة.
قال: (وقيل: إن حال نهر عظيم بين شقيها .. كانا كبلدين، وقيل: إن كانت قرى فاتصلت .. تعددت الجمعة بعددها) وسبب هذا الاختلاف: أن الشافعي دخل بغداد وهم يقيمون الجمعة في موضعين فلم ينكر عليهم، فاختلف أصحابه في ذلك على أوجه:
أصحها: أن السبب مشقة الاجتماع في مكان واحد.
والثاني: أن سببه النهر الحائل بين جانبيها.
الثالث: أنها كانت قرى متفرقة فاتصلت الأبنية.
والرابع: أن الزيادة لا تجوز بحال؛ لأن المسألة اجتهادية والمجتهد لا ينكر على مجتهد آخر.
وقيل: لم يقدر على الإنكار.
وسئل أبو إسحاق المروزي عن إقامة أهل مرو جمعتين مع تمكنهم من الاقتصار
стр. 797
فَلَوْ سَبَقَهَا جُمُعَةٌ .. فالصَّحيحَةُ السَّابِقَةُ، وَفِي قَوْلٍ: إِنْ كَانَ السُّلْطَانُ مَعَ الثَّانِيَةِ .. فَهِيَ الصَّحِيحَةُ. وَالْمُعْتَبَرُ: سَبْقُ التَّحَرُّمِ، وَقِيلَ: الْتَّحَلُّلِ، وَقِيلَ: بِأَوَّلِ الْخُطْبَةِ. فَلَوْ وَقَعَتَا مَعاً أَوْ شَكَّ .. اسْتُؤنِفَتْ الجُمُعَةٌ. وَإِنْ سَبَقَتْ إِحْدَاهُمَا وَلَمْ تَتَعَيَّنْ، أَوْ تَعَيَّنَتْ وَنُسِيتْ .. صَلَّوْا ظُهْرا،
ــ
على واحدة، فقال: لأن أبا مسلم دخلها وغصب دورا جعلها جامعا، فتورع الزهاد والمحدثون عن الصلاة فيه فأقاموا جمعة في غيره.
قال: (فلو سبقها جمعة .. فالصحيحة السابقة) هذا تفريع على عدم جواز التعدد لاجتماع الشرائط فيها، واللاحقة باطلة.
قال: (وفي قول: إن كان السلطان مع الثانية .. فهي الصحيحة)؛ لأن في تصحيح غير جمعته افتتانا عليه وتفويتا لها على غالب الناس؛ لأن غالبهم يكونون مع الإمام.
قال الشيخ: ويظهر أن كل خطيب ولاه السلطان قائم مقام الإمام في ذلك، وأنه مراد الأصحاب.
وقد صرح المحاملي في (المقنع) بأن إحداهما إذا كانت بإذنه .. فهي الصحيحة.
قال: (والمعتبر: سبق التحرم)؛ لأن به الانعقاد. فالتي سبق تحرمها هي الصحيحة، والاعتبار بآخر التكبير لا بأوله على الصحيح.
قال: (وقيل: التحلل)، فالتي سبق تحللها هي الصحيحة؛ لأن به يؤمن من عروض الفساد، بخلاف ما قبل التحلل، فكان الاعتبار به أولى.
قال: (وقيل: بأول الخطبة)؛ بناء على: أن الخطبتين يدل على ركعتين.
قال: (فلو وقعتا معا أو شك .. استؤنفت الجمعة) أي: إن اتسع الوقت لتدافعهما في المعية، واحتمال ذلك عند الشك.
قال: (وإن سبقت إحداهما ولم تتعين، أو تعينت ونسيت .. صلوا ظهرا)؛ لأن الجمعة صحت، فلا يجوز عقد جمعة أخرى بعدها.
стр. 798
وَفِي قَوْلِ: جُمْعَةٌ. الْرَابِعُ: الْجَمَاعَةُ، وَشَرْطُهَا: كَغَيْرِهَا. وَأَنْ تُقَامَ بِأَرْبَعِينَ
ــ
قال: (وفي قول: جمعة)؛ لأن الأولى لم تحصل بها البراءة، فهي كجمعة فاسدة لفوات بعض شروطها أو أركانها، ورجحه في (الوسيط).
وقال المزني: برئت زمتهم ولا يلزمهم شيء.
قال: (الرابع: الجماعة)؛ لأن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين بعده لم ينقل عنهم ولا عن غيرهم أنهم فعلوها فرادى.
وفي (فتاوى القاضي حسين): أن من لا تنعقد به الجمعة .. لا يصح إحرامه بها إلا بعد إحرام أربعين من أهل الوجوب؛ فإنهم تبع لهم فلا يتقدمون. وينبغي لأهل الكمال المبادرة بالتحرم لحيازة الفضيلة، وتيسير عقد الجمعة لغيرهم.
قال: (وشرطها: كغيرها) أي: من الجماعات، لكن تستثنى نية الإمامة؛ فإنها تجب هنا لا هناك على الأصح فيهما.
ولا يشترط حضور السلطان ولا إذنه فيها، خلافا لأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين.
لنا: ما روى مالك والشافعي عن علي أنه أقام الجمعة وعثمان محصور، وبالقياس على سائر العبادات.
قال: (وأن تقام بأربعين)؛ لما روى أبو داوود] ١٠٦٢ [عن كعب بن مالك قال: (أول من صلى بنا الجمعة في نفيع الخضمات أسعد بن زرارة وكنا أربعين) صححه ابن حبان] ٧٠١٣ [والبيهقي] ٣/ ١٧٦ [والحاكم] ١/ ٢٨١ [وقال: على شرط مسلم، ولأن
стр. 799
مُكَلَّفاً حُرّاً ذَكَرَاً مُسْتَوْطِناً لَا يَظْعَنُ شِتَاءً وَلَا صَيْفَاً إِلَّا لِحَاجَةٍ
ــ
الغالب على الجمعة التعبد، والأربعون أقل ما ورد.
و (النقيع) بالنون، و (الخضمات) بالخاء والضاد المعجمتين.
وأما حديث: (انقضاضهم عن النبي ﷺ ولم يبق إلا اثنا عشر رجلا) وهو في (الصحيحين)] خ ٩٣٦ - م٨٦٣ [عن جابر، وفيهم نزلت:﴾ وإذا رأوا تجارة أو لهوا ﴿الآية، فلذلك كان في الخطبة، ولعلهم عادوا فحضروا الأركان والصلاة.
وحكى صاحب (التلخيص) - عن القديم- انعقادها بثلاثة، وغلطه الأصحاب.
وقد تقدم: أن هذا في الحقيقة شرط سادس، لكنه أدرجه في الرابع؛ لأنه صفة للجماعة.
قال: (مكلفا)، فلا تنعقد بالصبي، ولا يصح الاحتراز عن المجنون ونحوه؛ لأن الكلام في شرائط الجمعة بخصوصها، والعقل شرط في سائر الصلوات كما تقدم.
قال: (حرا ذكرا مستوطنا لا يظعن شتاء ولا صيفا إلا لحاجة)، فلا تنعقد بالأرقاء، ولا بمن بعضه رقيق، ولا بالنساء والخناثى؛ لنقصانهم، ولا بغير المستوطنين كالمسافرين، ومن يقيم شتاء لا صيفا أو بالعكس؛ لأنه ﷺ لم يقم الجمعة في حجة الوداع، وقد وافق يوم عرفة يوم الجمعة، مع عزمه على الإقامة أياما.
وقوله: (لا يظعن ...) إلى آخره بيان لقوله: (مستوطنا).
فإن قيل: لا حاجة لقوله: (مستوطنا)؛ لأن الاستيطان فهم من قوله: (أوطان المجمعين) .. قلنا: لا؛ فإن ذلك شرط في المكان، وهذا في الأشخاص، حتى لو أقامها في محل الاستيطان أربعون غير مستوطنين .. لم تنعقد بهم.
والمراد: مستوطنا في مكان الجمعة؛ ليخرج ما إذا تقاربت قريتان في كل منهما
стр. 800
وَالّصَّحِيحُ: انْعِقَادُهَا بِالْمَرْضَى، وَأَنَّ الإِمَامَ لَا يَشْتَرَطُ كَوْنُهُ فَوْقَ أَرْبَعِينَ. وَلَوِ انْفَضَّ الأَرْبَعُونَ أَوْ بَعْضُهُمْ فِي الْخُطْبَةِ .. لَمْ يُحْسَبِ الْمَفْعُولُ فِي غَيْبَتِهِمْ، وَيَجُوزُ البِنَاءُ عَلَى مَا مَضَى إِنْ عَادُوا قَبْلَ طُولِ الفَصْلِ،
ــ
دون الأربعين بصفة الكمال، ولو اجتمعوا لبلغوا أربعين؛ فإنها لا تنعقد بهم وإن سمعت كل منهما نداء الأخرى؛ لأن الأربعين غير مقيمين في موضع الجمعة.
وينبغي أن يزاد: مميزا: فإن السكران مكلف ولا تنعقد به الجمعة. وأن يزاد: سميعا؛ لما سيأتي.
وقال ابن القطان: لو كان في القرية أربعون أخرس .. ففي انعقاد جمعتهم وجهان.
قال: (والصحيح: انعقادها بالمرضى)؛ لكمالهم، وإنما لم تجل عليهم تخفيفا.
والثاني: لا تنعقد بهم كما لا تنعقد بالمسافرين. والخلاف قولان فكان الصواب: التعبير بالمشهور.
قال: (وأن الإمام لا يشترط كونه فوق أربعين)؛ لإطلاق الحديث المتقدم.
والثاني: ونقل عن القديم اشتراط ذلك؛ لأن الغالب على الجمعة .. التعبد، فلا ينتقل من الظهر إليها إلا بيقين.
قال: (ولو انفض الأربعون أو بعضهم في الخطبة .. لم يحسب المفعول في غيبتهم) بلا خلاف؛ لأن مقصود الخطبة إسماع أربعين، فإذا انفضوا .. بطل حكم الخطبة، ولأنه ذكر واجب، فاشترط حضور العدد فيه كتكبيرة الإحرام.
ولا بد أن يسمع الأربعون أركان الخطبة، والفرق بينها وبين الصلاة حيث جرى فيها: الخلاف في الانقضاض فيها أن كل واحد يصلي لنفسه ولا يخطب لنفسه.
والمراد بـ (الأربعين): العدد المعتبر في الانعقاد، وقد تقدم أن الإمام لا يشترط كونه زائدا على الأصح، وحينئذ يكون المعتبر: سماع تسعة وثلاثين، فلو كان مع الإمام أربعون وانفض واحد منهم .. لم يضر.
قال: (ويجوز البناء على ما مضى إن عادوا قبل طول الفصل)؛ لأنه ليس بأكثر من الصلاتين المجموعتين، والفصل اليسير لا يمنع الجمع، فكذلك لا يمنع الجمع
стр. 801
وَكَذَا بِنَاءُ الْصَلَاةِ عَلَى الْخُطْبَةِ إِنْ انْفَضُّوا بَيْنَهُمَا. فَإِنْ عَادُوا بَعْدَ طُولِهِ .. وَجَبَ الاِسْتِئْنَافُ فَي الأَظْهَرِ، وَإِنْ انْفَضُّوا فِي الصَّلَاةِ .. بَطَلَتْ، وَفِي قَوْلٍ: لَا، إِنْ بَقِيَ اثْنَانِ
ــ
بين الخطبة والصلاة، وكما يجوز البناء إذا سلم ثم تذكر قبل طول الفصل.
وقد ذكر المصنف هاهنا (طول الفصل) ولم يبين مقداره اكتفاء بالعرف.
قال: (وكذا بناء الصلاة على الخطبة إن انفضوا بينهما) أي: وعادوا قريبا.
قال: (فإن عادوا بعد طوله .. وجب الاستئناف في الأظهر) أي: في المسألتين وهما: بناء بعض أركان الخطبة على بعض، وبناء الصلاة على الخطبة، سواء كان بعذر أم لا؛ لأن النبي ﷺ لم ينقل عنه ذلك إلا متواليا، وكذلك الأئمة بعده، ولأن الموالاة لها موقع في استمالة النفس.
والثاني: لا يجب؛ لأن الغرض من التذكير والصلاة حاصل مع التفريق.
واحترز بقوله: (عادوا) عما إذا عاد بدلهم .. فلا بد من استئناف الخطبة طال الفصل أم لا.
قال: (وإن انفضوا في الصلاة .. بطلت) فيتمونها ظهرا؛ لأن العدد شرط في الابتداء، فيكون شرطا في الانتهاء كالوقت.
قال: (وفي قول: لا إن بقي اثنان) أي: مع الإمام؛ لما تقدم من حديث جابر: (أنه لم يبق مع النبي ﷺ إلا اثنا عشر رجلا)، فدل على أن الأربعين لا تشترط في دوام الصلاة؛ فإنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء. وغنما اشترطنا بقاء اثنين مع الإمام؛ ليبقى أقل الجمع.
ولنا قول قديم: إنه يكفي بقاء واحد معه؛ لوجود اسم الجمع.
وفي قول رابع مخرج: لا تبطل ولو بقي وحده.
وفي قول خامس مخرج أيضا: إن كان الانفضاض في الركعة الأولى .. بطلت، وإلا .. فلا.
стр. 802
وَتَصِحُّ خَلْفَ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ وَالْمُسَافِرِ فِي الأَظْهَرِ إِذَا تَمَّ الْعَدَدُ بِغَيْرِهِ. وَلَوْ بَانَ الإِمَامُ جُنُباً أَوْ مُحْدِثاً .. صَحَّتُ جُمُعَتُهُمْ فِي الْأَظْهَرِ إِنْ تَمَّ العَدَدُ بِغَيرِهِ، وَإِلَّا فَلَا
ــ
قال: (وتصح خلف العبد والصبي والمسافر في الأظهر إذا تم العدد بغيره)؛ لأن الجمعة تصح من الثلاثة، والعدد قد وجد بصفة الكمال، والاقتداء في صلاة من لا تجب عليه تلك الصلاة صحيح.
والثاني: لا تصح؛ لأن الإمام ركن في صحة هذه الصلاة، فيشترط فيه الكمال كالأربعين بل أولى.
ولو كان الإمام متنفلا .. ففيه القولان.
والخلاف في العبد وجهان لا قولان، وكان الصواب التعبير: بـ (غيرهم) بضمير الجمع لأجل العطف بـ (الواو).
قال: (ولو بان الإمام جنبا أو محدثا .. صحت جمعتهم في الأظهر إن تم العدد بغيره، وإلا .. فلا) تقدم في (صلاة الجماعة): أن المأموم إذا بان إمامه جنبا أو ذا نجاسة خفية .. لا إعادة عليه، وتقدم: أن الأصح: أن الصلاة خلف من تبين حدثه جماعة.
فعلى هذا: تصح هنا الجمعة إن تم العدد بغيره، فإن تم به .. لم تصح جزما.
وإن قلنا: إن الصلاة خلفه فرادى .. لم تصح الجمعة أيضا؛ لأن الجماعة شرط فيها.
والثاني: لا تصح؛ لأن الجماعة شرط في الجمعة، والجماعة تقوم بالإمام والمأموم، وإذا بان محدثا ... بان أن لا جمعة له ولا جماعة، بخلاف غيرها.
وإذا قلنا بالصحة فبان حدث المأمومين دون الإمام ... قال صاحب (البيان): صحت صلاة الإمام، وأقره عليه الشيخان.
واعترض ابن الرفعة بأن الخلاف مخصوص بما إذا كان الإمام زائدا على الأربعين،
стр. 803
وَمَنْ لَحِقَ الإِمَامَ الْمُحْدِثَ رَاكِعاً .. لَمْ تُحْسَبْ رَكْعَتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ. الخَامِسُ: خُطْبَتَانِ قَبْلَ الْصَّلَاة، وَأَرْكَانُهُمَا خَمْسَةٌ: حَمْدُ اللهِ تَعَالَى
ــ
وإلا: لزم انعقاد الجمعة بما دون ذلك، وعلى هذا: يستحيل القول بحصولها للإمام؛ لانتفاء العدد المشروط.
قال: (ومن لحق الإمام المحدث راكعا .. لم تحسب ركعته على الصحيح)؛ لأن المحدث ليس أهلا للتحمل وإن حكمنا بصحة الصلاة والجماعة خلفه.
والثاني- وصححه الرافعي في (صلاة المسافرين) -: أنه يكون مدركا للركعة، كما تصح الصلاة خلف المحدث وإن لم تكن تلك الصلاة محسوبة للإمام.
وتعبيره بـ (الصحيح) يقتضي: ضعف الخلاف، والصواب: التعبير بالأصح كما في (الروضة).
قال: (الخامس: خطبتان)؛ للاتباع، ففي (الصحيحين)] خ ٩٢٨ - م٨٦١ [عن ابن عمر: (أن النبي ﷺ لم يصل الجمعة إلا بخطبتين).
وقال أبو حنيفة: تجزئ واحدة.
قال: (قبل الصلاة) بالإجماع، ولا أثر لمخالفة الحسن البصري في ذلك؛ لأنه مسبوق بالإجماع. وهذا بخلاف صلاة العيد؛ لأن خطبة الجمعة شرط لصحة الصلاة، وشأن الشرط أن يتقدم على مشروطه.
قال: (وأركانهما خمسة: حمد الله تعالى)؛ لأن النبي ﷺ كان إذا خطب يوم الجمعة .. حمد الله تعالى وأثنى عليه، رواه مسلم] ٨٦٧ [وغيره.
стр. 804
وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَفْظُهُمَا مُتَعَيِّنٌ. وَالوَصِيَّةُ بِالتَّقْوَى،
ــ
قال: (والصلاة على رسول الله ﷺ ؛ لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله .. افتكرت إلى ذكر رسول الله ﷺ ، كالأذان والصلاة.
وقال ﷺ : (ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا اسم الله تعالى فيه، ولم يصلوا على نبيه .. إلا كان عليهم ترة، فإن شاء .. عذبهم، وإن شاء ... غفر لهم).
و (الترة): الحسرة، وقيل: التبعة، وقيل: المطالبة.
والحديث حسنه الترمذي] ٣٣٨٠ [، وقال الحاكم] ١/ ٥٥٠ [: صحيح على شرط البخاري، وترجم عليه البيهقي] ٣/ ٢١٠ [(باب: ما يستدل به على وجوب ذكر النبي ﷺ في الخطبة).
وفي (دلائل النبوة) للبيهقي عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: وجعلت أمتك لا تجوز عليهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي).
وقيل: إن الشافعي تفرد بذلك، وحبذا هذا التفرد.
قال: (ولفظهما متعين)؛ اقتداء بالسلف الصالح، فلو قال: لا إله إلا الله .. لم يكف خلافا لأبي حنيفة ومالك، وكذا: الحمد للرحمن، أو الشكر لله.
قال في (نكت التنبيه): لا خلاف في ذلك بين أصحابنا.
ولو قال: والصلاة على محمد أو على النبي أو الرسول .. كفى، ولو قال: اللهم؛ ارحم محمدا .. لم يكف.
والظاهر: أن كل ما كفى في التشهد .. كفى هنا.
فلو قال: ﷺ .. لم يكف؛ لأنه لم يصرح باسمه ﷺ . وكثيرا ما يسهو الخطباء في ذلك.
ولم يذكر الرافعي الصلاة على الآل هنا ولا شك في استحبابها.
قال: (والوصية بالتقوى) وهي: امتثال أمر الله واجتناب نهيه؛ لأن المقصود
стр. 805
وَلَا يَتَعَيَّن لَفْظُهَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ أَرْكَانٌ فِي الخُطْبَتَيْنِ
ــ
بالخطبة: الوعظ والتحذير، و (قد كان النبي ﷺ يواظب على الوصية بالتقوى في خطبه) رواه مسلم] ٨٨٥ [.
وفيه] ٨٦٧ [عن جابر بن سمرة أن النبي ﷺ كان إذا خطب يوم الجمعة .. احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش ويقول: (بعثت أنا والساعة كهاتين)، ويقرن بين أصابعه: السبابة والوسطى، ويقول: (أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة).
وروي أنه ﵊ قال في خطبته: (الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر، والآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قادر، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا).
وهذا الفرض هو مقصود الخطبة، ولا يكفي الاقتصار على التحذير من الاغترار بالدنيا وزخارفها، بل لا بد من الحض على الطاعة والمنع من المعاصي.
قال: (ولا يتعين لفظها على الصحيح) أي: لفظ الوصية؛ لانتفاء الدليل على تعينها، وحصول المقصود بدونها، فيكفي ما دل على الموعظة طويلا كان، أو قصيرا كقوله: أطيعوا الله.
وقال الإمام: لا يكفي اللفظ القصير، بل لا بد من فصل يهز السامع كما جرى عليه الأولون.
والثاني: أنها تتعين قياسا على الحمد والصلاة.
قال: (وهذه الثلاثة أركان في الخطبتين).
أما الحمد .. فلما تقدم عن (صحيح مسلم)] ٨٦٧ [: (أن النبي ﷺ كان يحمد في خطبته).
وأما الصلاة .. فلقوله تعالى:﴾ ورفعنا لك ذكرك ﴿ومعناه: لا أذكر إلا وتذكر معي كما ورد في (صحيح ابن حبان)] ٣٣٨٢ [.
وأما الوصية بالتقوى .. فلأنها المقصود الأعظم من الخطبة ..
стр. 806
وَالرَّابِعُ: قِرَاءَة آيَةٍ فِي إِحْدَاهُمَا، وَقِيلَ: فِي الأُولَى،
ــ
قال: (والرابع: قراءة آية) سواء تضمنت وعدا أو وعيدا أو حكما أو قصة أو وصية؛ لحديث جابر بن سمرة ﵁ قال: (كان لرسول الله ﷺ خطبتان، يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويذكر الناس) رواه مسلم] ٨٦٢ [.
وفيه] ٨٧١ [وفي (البخاري)] ٣٢٣٠ [عن يعلي بن أمية قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ على المنبر: (﴾ ونادوا يا مالك ﴿) وفي رواية: (يا مال) على الترخيم.
قال ابن مسعود والحسن البصري: ما كان أغناهم عن الترخيم!!.
قال ابن جنى والزمخشري: ضعفت قواهم عن تكميل الكلمة فرخموا.
فإن قلت: كيف ينادي المبلس الساكت؟! قيل: النداء قبل ذلك فإذا قيل لهم:﴾ إنكم ماكثون ﴿.. أبلسوا.
وأقل ما يجب قراءة آية، وقال الإمام: لا يبعد أن يكتفي ببعض آية طويلة.
قال: ولو قال:﴾ ثم نظر ﴿.. لم يكف بلا شك وإن عدت آية، بل يشترط أن تفهم.
وإطلاقهم يقتضي: الاكتفاء بمنسوخ الحكم، وعدم الاكتفاء بمنسوخ التلاوة، ويظهر تخريجه على الخلاف في تحريمه على المحدث والجنب.
قال: (في إحداهما) - نص عليه في (الأم)؛ لإطلاق الأدلة- وهذا صريح في أنه لا بد من اشتمال إحداهما على قراءتها، لكن في (الحاوي) عن النص: أنه لو قرأ في الأولى، أو الثانية، أو بين ظهراني ذلك .. أجزأه، قال: وكذا لو قرأ قبل الخطبة أو بعد فراغها .. أجزأه.
قال: (وقيل: في الأولى)؛ لأنها أحق بالطول، ولأنه في مقابلة الدعاء في الثانية، وهذا ظاهر نص (المختصر).
وعلى هذا: لا تجزئ في الثانية.
стр. 807
وَقِيلَ: فِيهِمَا، وَقِيلَ: لَا تَجِبُ. وَالْخَامِسُ: مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ دُعَاءٍ لِلْمُؤمِنِينَ
ــ
قال: (وقيل: فيهما) كالتحميد، ولأن الخطبتين قامتا مقام ركعتين فوجب فيهما القراءة كالركعتين.
والذي يظهر على هذا: أنه يجب في كل منهما آية، لا أنه يقسم الآية فيهما.
قال: (وقيل: لا تجب)؛ لأن مقصود الخطبة بعد ذكر الله تعالى ورسوله ﵊ الوعظ.
ويستحب أن يقرأ في الخطبة سورة (ق) - قال الدارمي: في الأولى- لما روي في (صحيح مسلم)] ٨٧٣ [: (أن النبي ﷺ كان يخطب بها في كل جمعة).
قال البندنيجي: فإن لم يفعل .. ندب:﴾ يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا ﴿.
ولو قرأ مكان كل ركن آية مشتملة على المعنى المطلوب .. لم يكف؛ فإنه لا يسمى خطبة، ولأن القراءة فرض والوصية فرض، والشيء الواحد لا يؤدى به فرضان.
ولو قرأ آية فيها سجدة .. نزل وسجد؛ لأن النبي ﷺ وعمر فعلاه.
فلو كان المنبر عاليا ولو نزل لطال الفصل .. لم ينزل، لكن يسجد عليه إن أمكنه، وإلا .. يترك السجود.
قال: (والخامس: ما يقع عليه اسم دعاء للمؤمنين)؛ لنقل الخلف عن السلف.\
قال الإمام: واجب أن يكون متعلقا بالآخرة.
وعبارته تفهم: أنه لا يجب للمؤمنات، ولفظ (المختصر) يفهم إيجابه، وبه قال القاضي والفوراني والإمام والروياني، وصرح به في (الانتصار).
стр. 808
فِي الْثَانِيَةِ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ
ــ
وقال ابن عطيه في تفسير (سورة القتال): واجب على كل مسلم أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات؛ فإنها صدقة.
قال الشيخ: إن أراد بالوجوب الاستحباب المؤكد .. فصحيح، وإن أراد الوجوب .. فغريب لم أر من صرح به ولا بخلافه، ويمكن الاستدلال له بأن ظاهر الأمر الوجوب، وأن ما ثبت في حقه .. ثبت في حق أمته إلا ما خصه الدليل.
قال: (في الثانية)؛ لأن ذلك لائق بحاله. وليس على ركنيته دليل، ولا على تخصيصه بالثانية، بل نقل الشيخ أبو حامد- شيخ العراقيين- الإجماع على عدم وجوبه، و: ليس في خطب النبي ﷺ المنقولة إلينا ذلك.
قال: (وقيل: لا يجب)، كما لا يجب في غير الخطبة.
فروع:
قال في (شرح المهذب): المختار أنه لا بأس بالدعاء لسلطان بعينه إذا لم يكن في وصفه مجازفة.
وقال ابن عبد السلام: لا يجوز وصفه بالصفات الكاذبة إلا لضرورة.
ويستحب الدعاء لأئمة المسلمين وولاة أمورهم بالصلاح، والإعانة على الحق، والقيام بالعدل، وللمحبوسين بالخلاص.
ومن عطش في حال الخطبة .. لا بأس أن يشرب، ويكره أن يشرب تلذذا.
وقال الأوزاعي: إذا شرب .. بطلت جمعته.
ويستحب إذا خطب الإمام .. أن يحول الناس وجوههم إليه، وذلك هو الاستماع المأمور به.
وإذا جاء والموضع ضيق .. يقول: تفسحوا وتوسعوا. ويكره أن يتكئ، وأن يمد رجليه، أو يلقي يديه من خلفه، إلا أن تكون به علة، وأن يجلس حبوا في حال الخطبة؛ لأن ذلك يجلب النعاس.
стр. 809
وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهَا عَرَبِيَّةً مُرَتَّبَةَ الأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ الأُوَلِ. وَبَعْدَ الزَّوَالِ. وَالْقِيَامُ فِيهِمَا إِنْ قَدَرَ
ــ
وإذا أحدث شخص .. (أخذ بأنفه كما أمر النبي ﷺ .
قال: (ويشترط كونها عربية)؛ لأنها ذكر مفروض فاشترط فيها ذلك كتكبيرة الإحرام.
وفي وجه ضعيف: لا يشترط؛ لأن المقصود الوعظ وهو حاصل بكل اللغات.
فعلى الصحيح: لو لم يكن فيهم من يحسن العربية .. خطب لغيرها، ويجب أن يتعلم كل واحد منهم الخطبة العربية كالعاجز عن التكبير بالعربية، فغن مضت مدة إمكان التعلم ولم يتعلموا .. عصوا كلهم ولا جمعة لهم.
قال: (مرتبة الأركان الثلاثة الأول)، فيبدأ بالحمد، ثم بالصلاة على النبي ﷺ ، ثم بالوصية بالتقوى؛ لان ذلك هو المعهود من فعلها.
ولا ترتيب بين القراءة والدعاء، ولا بينهما وبين غيرهما.
ونفى صاحب (العدة) وآخرون وجوب الترتيب في ألفاظها أصلا، وقالوا: الأفضل رعايته. وسيأتي تصحيح المصنف خلاله.
قال: (وبعد الزوال)؛ لأنها كذلك فعلت، و (كان النبي ﷺ يواظب على ذلك). قال الرافعي: ولو جاز التقديم .. لقدمها تخفيفا على المبكرين، وإيقاعا لها في أول الوقت.
وفي (البخاري)] ٩٠٤ [عن أنس: (أن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة بعد الزوال).
وخالف في ذلك مالك وأحمد فجوزا تقديمها معا على الزوال.
قال: (والقيام فيهما إن قدر)؛ لأنه ﷺ ومن بعده لم يخطبوا إلا من قيام، وقال تعالى:﴾ وتركوك قائما ﴿، وروى مسلم] ٨٦٣ [: (أن الترك كان وهو قائم يخطب). فإن عجز عن القيام .. فالأولى أن يستنيب.
стр. 810
وَالْجُلُوسُ بَيْنَهُمَا
ــ
ولو خطب قاعدا أو مضطجعا .. جاز كالصلاة، ويفصل بينهما بسكتة على الأصح.
وإن خطب قاعدا وجهل حاله .. حمل على أنه عاجز وجاز الاقتداء به، فغن تبين بعد ذلك أنه قادر .. فكالاقتداء بالمحدث.
فإن قيل: لم عددتم القيام والقعود هنا من الشروط، وفي الصلاة من الأركان؟ .. قال الإمام: الأمر فيه قريب ولا حجر في عدهما ركنين في الموضعين أو شرطين.
وفرق بعضهم بأن المطلوب بالصلاة: الخدمة بالقيام والقعود، فعدا ركنين، والخطبة المقصود منها: الوعظ، ولا مدخل للقيام والقعود فيه، فكانا بالشروط فيه أشبه.
قال: (والجلوس بينهما)؛ لمواظبة النبي ﷺ والخلفاء الراشدين من بعده على ذلك.
وروى جابر بن سمرة: (أنه ﷺ كان يخطب قائما، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب، قال: فمن نبأك أنه كان يخطب جالسا .. فقد كذب، والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة).
وفي رواية أبي داود] ١٠٨٨ [: (كان يخطب قائما، ثم يقعد قعدة فلا يتكلم ....) وساق الحديث.
والمخالف في ذلك الأئمة الثلاثة.
وقيل: لا يجب الجلوس بل يفصل بسكتة خفيفة، وقيل: يفصل بسكوت أو جلوس أو كلام غير ما هو فيه.
следующие страницы →