Полный текст (5 377 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
وَالرَّابِعُ: قِرَاءَة آيَةٍ فِي إِحْدَاهُمَا، وَقِيلَ: فِي الأُولَى،
ــ
قال: (والرابع: قراءة آية) سواء تضمنت وعدا أو وعيدا أو حكما أو قصة أو وصية؛ لحديث جابر بن سمرة ﵁ قال: (كان لرسول الله ﷺ خطبتان، يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويذكر الناس) رواه مسلم] ٨٦٢ [.
وفيه] ٨٧١ [وفي (البخاري)] ٣٢٣٠ [عن يعلي بن أمية قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ على المنبر: (﴾ ونادوا يا مالك ﴿) وفي رواية: (يا مال) على الترخيم.
قال ابن مسعود والحسن البصري: ما كان أغناهم عن الترخيم!!.
قال ابن جنى والزمخشري: ضعفت قواهم عن تكميل الكلمة فرخموا.
فإن قلت: كيف ينادي المبلس الساكت؟! قيل: النداء قبل ذلك فإذا قيل لهم:﴾ إنكم ماكثون ﴿.. أبلسوا.
وأقل ما يجب قراءة آية، وقال الإمام: لا يبعد أن يكتفي ببعض آية طويلة.
قال: ولو قال:﴾ ثم نظر ﴿.. لم يكف بلا شك وإن عدت آية، بل يشترط أن تفهم.
وإطلاقهم يقتضي: الاكتفاء بمنسوخ الحكم، وعدم الاكتفاء بمنسوخ التلاوة، ويظهر تخريجه على الخلاف في تحريمه على المحدث والجنب.
قال: (في إحداهما) - نص عليه في (الأم)؛ لإطلاق الأدلة- وهذا صريح في أنه لا بد من اشتمال إحداهما على قراءتها، لكن في (الحاوي) عن النص: أنه لو قرأ في الأولى، أو الثانية، أو بين ظهراني ذلك .. أجزأه، قال: وكذا لو قرأ قبل الخطبة أو بعد فراغها .. أجزأه.
قال: (وقيل: في الأولى)؛ لأنها أحق بالطول، ولأنه في مقابلة الدعاء في الثانية، وهذا ظاهر نص (المختصر).
وعلى هذا: لا تجزئ في الثانية.
стр. 807
وَقِيلَ: فِيهِمَا، وَقِيلَ: لَا تَجِبُ. وَالْخَامِسُ: مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ دُعَاءٍ لِلْمُؤمِنِينَ
ــ
قال: (وقيل: فيهما) كالتحميد، ولأن الخطبتين قامتا مقام ركعتين فوجب فيهما القراءة كالركعتين.
والذي يظهر على هذا: أنه يجب في كل منهما آية، لا أنه يقسم الآية فيهما.
قال: (وقيل: لا تجب)؛ لأن مقصود الخطبة بعد ذكر الله تعالى ورسوله ﵊ الوعظ.
ويستحب أن يقرأ في الخطبة سورة (ق) - قال الدارمي: في الأولى- لما روي في (صحيح مسلم)] ٨٧٣ [: (أن النبي ﷺ كان يخطب بها في كل جمعة).
قال البندنيجي: فإن لم يفعل .. ندب:﴾ يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا ﴿.
ولو قرأ مكان كل ركن آية مشتملة على المعنى المطلوب .. لم يكف؛ فإنه لا يسمى خطبة، ولأن القراءة فرض والوصية فرض، والشيء الواحد لا يؤدى به فرضان.
ولو قرأ آية فيها سجدة .. نزل وسجد؛ لأن النبي ﷺ وعمر فعلاه.
فلو كان المنبر عاليا ولو نزل لطال الفصل .. لم ينزل، لكن يسجد عليه إن أمكنه، وإلا .. يترك السجود.
قال: (والخامس: ما يقع عليه اسم دعاء للمؤمنين)؛ لنقل الخلف عن السلف.\
قال الإمام: واجب أن يكون متعلقا بالآخرة.
وعبارته تفهم: أنه لا يجب للمؤمنات، ولفظ (المختصر) يفهم إيجابه، وبه قال القاضي والفوراني والإمام والروياني، وصرح به في (الانتصار).
стр. 808
فِي الْثَانِيَةِ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ
ــ
وقال ابن عطيه في تفسير (سورة القتال): واجب على كل مسلم أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات؛ فإنها صدقة.
قال الشيخ: إن أراد بالوجوب الاستحباب المؤكد .. فصحيح، وإن أراد الوجوب .. فغريب لم أر من صرح به ولا بخلافه، ويمكن الاستدلال له بأن ظاهر الأمر الوجوب، وأن ما ثبت في حقه .. ثبت في حق أمته إلا ما خصه الدليل.
قال: (في الثانية)؛ لأن ذلك لائق بحاله. وليس على ركنيته دليل، ولا على تخصيصه بالثانية، بل نقل الشيخ أبو حامد- شيخ العراقيين- الإجماع على عدم وجوبه، و: ليس في خطب النبي ﷺ المنقولة إلينا ذلك.
قال: (وقيل: لا يجب)، كما لا يجب في غير الخطبة.
فروع:
قال في (شرح المهذب): المختار أنه لا بأس بالدعاء لسلطان بعينه إذا لم يكن في وصفه مجازفة.
وقال ابن عبد السلام: لا يجوز وصفه بالصفات الكاذبة إلا لضرورة.
ويستحب الدعاء لأئمة المسلمين وولاة أمورهم بالصلاح، والإعانة على الحق، والقيام بالعدل، وللمحبوسين بالخلاص.
ومن عطش في حال الخطبة .. لا بأس أن يشرب، ويكره أن يشرب تلذذا.
وقال الأوزاعي: إذا شرب .. بطلت جمعته.
ويستحب إذا خطب الإمام .. أن يحول الناس وجوههم إليه، وذلك هو الاستماع المأمور به.
وإذا جاء والموضع ضيق .. يقول: تفسحوا وتوسعوا. ويكره أن يتكئ، وأن يمد رجليه، أو يلقي يديه من خلفه، إلا أن تكون به علة، وأن يجلس حبوا في حال الخطبة؛ لأن ذلك يجلب النعاس.
стр. 809
وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهَا عَرَبِيَّةً مُرَتَّبَةَ الأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ الأُوَلِ. وَبَعْدَ الزَّوَالِ. وَالْقِيَامُ فِيهِمَا إِنْ قَدَرَ
ــ
وإذا أحدث شخص .. (أخذ بأنفه كما أمر النبي ﷺ .
قال: (ويشترط كونها عربية)؛ لأنها ذكر مفروض فاشترط فيها ذلك كتكبيرة الإحرام.
وفي وجه ضعيف: لا يشترط؛ لأن المقصود الوعظ وهو حاصل بكل اللغات.
فعلى الصحيح: لو لم يكن فيهم من يحسن العربية .. خطب لغيرها، ويجب أن يتعلم كل واحد منهم الخطبة العربية كالعاجز عن التكبير بالعربية، فغن مضت مدة إمكان التعلم ولم يتعلموا .. عصوا كلهم ولا جمعة لهم.
قال: (مرتبة الأركان الثلاثة الأول)، فيبدأ بالحمد، ثم بالصلاة على النبي ﷺ ، ثم بالوصية بالتقوى؛ لان ذلك هو المعهود من فعلها.
ولا ترتيب بين القراءة والدعاء، ولا بينهما وبين غيرهما.
ونفى صاحب (العدة) وآخرون وجوب الترتيب في ألفاظها أصلا، وقالوا: الأفضل رعايته. وسيأتي تصحيح المصنف خلاله.
قال: (وبعد الزوال)؛ لأنها كذلك فعلت، و (كان النبي ﷺ يواظب على ذلك). قال الرافعي: ولو جاز التقديم .. لقدمها تخفيفا على المبكرين، وإيقاعا لها في أول الوقت.
وفي (البخاري)] ٩٠٤ [عن أنس: (أن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة بعد الزوال).
وخالف في ذلك مالك وأحمد فجوزا تقديمها معا على الزوال.
قال: (والقيام فيهما إن قدر)؛ لأنه ﷺ ومن بعده لم يخطبوا إلا من قيام، وقال تعالى:﴾ وتركوك قائما ﴿، وروى مسلم] ٨٦٣ [: (أن الترك كان وهو قائم يخطب). فإن عجز عن القيام .. فالأولى أن يستنيب.
стр. 810
وَالْجُلُوسُ بَيْنَهُمَا
ــ
ولو خطب قاعدا أو مضطجعا .. جاز كالصلاة، ويفصل بينهما بسكتة على الأصح.
وإن خطب قاعدا وجهل حاله .. حمل على أنه عاجز وجاز الاقتداء به، فغن تبين بعد ذلك أنه قادر .. فكالاقتداء بالمحدث.
فإن قيل: لم عددتم القيام والقعود هنا من الشروط، وفي الصلاة من الأركان؟ .. قال الإمام: الأمر فيه قريب ولا حجر في عدهما ركنين في الموضعين أو شرطين.
وفرق بعضهم بأن المطلوب بالصلاة: الخدمة بالقيام والقعود، فعدا ركنين، والخطبة المقصود منها: الوعظ، ولا مدخل للقيام والقعود فيه، فكانا بالشروط فيه أشبه.
قال: (والجلوس بينهما)؛ لمواظبة النبي ﷺ والخلفاء الراشدين من بعده على ذلك.
وروى جابر بن سمرة: (أنه ﷺ كان يخطب قائما، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب، قال: فمن نبأك أنه كان يخطب جالسا .. فقد كذب، والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة).
وفي رواية أبي داود] ١٠٨٨ [: (كان يخطب قائما، ثم يقعد قعدة فلا يتكلم ....) وساق الحديث.
والمخالف في ذلك الأئمة الثلاثة.
وقيل: لا يجب الجلوس بل يفصل بسكتة خفيفة، وقيل: يفصل بسكوت أو جلوس أو كلام غير ما هو فيه.
стр. 811
وَإِسْمَاعُ أَرْبَعِينَ كَامِلِينَ. وَالْجَدِيدُ: أَنَّهُ لَا يَحْرُمٌ عَلَيْهِمُ الْكَلَامُ، وَيُسَنُّ الإِنْصَاتُ
ــ
قال: (وإسماع أربعين كاملين)؛ لأنه لا فائدة في حضور من غير سماع.
والمراد: إسماعهم الأركان فقط لا الخطبة، فإن الزائد لا يشترط ذكره فضلا عن إسماعه.
فلو خطب سرا بحيث لم يسمع غيره .. لم تحسب كالأذان.
وعن أبي حنيفة: أنها تجزئ، وهو وجه عندنا.
فلو رفع الصوت قدر ما يبلغهم، لكن كانوا أو بعضهم صما .. ففيه وجهان: أصحهما: لا تجزئ كما لو لم يسمع شهود النكاح.
والثاني: تجزئ كما لو حلف لا يكلم فلانا، وكلمه بحيث يسمع لكنه كان أصم، وكما لو سمعوا الخطبة ولم يفهموا معناها .. لا يضر.
والمراد بـ (الكاملين): من اجتمعت فيهم شرائط الوجوب.
واعتبار الأربعين وقع كذلك في (المحرر) و (الشرح) وفيه تساهل؛ لأن الأصح: أن الإمام من الأربعين فإن أراد أن يسمع نفسه أيضا فلا يجوز أن يكون أصم، ولكن المراد: إسماع عدد تنعقد به الجمعة.
قال: (والجديد: أنه لا يحرم عليهم الكلام، ويسن الإنصات)؛ لأن رجلا دخل والنبي ﷺ على المنبر فقال: متى الساعة؟ فأشار إليه الناس أن أسكت، فقال له النبي ﷺ عند الثالثة: (ما أعددت لها؟) قال: حب الله ورسوله، قال: (أنت مع من أحببت) رواه النسائي] سك ٥٨٤٣ [والبيهقي] ٣/ ٢٢١ [بإسناد صحيح.
والقديم- وهو منصوص (الإملاء) أيضا وقال به الأئمة الثلاثة-: يحرم الكلام، ويجب الإنصات؛ لقوله تعالى:﴾ فاستمعوا له وأنصتوا ﴿.
стр. 812
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال الإمام: من أنكر وجوب الاستماع .. فليس معه من حقيقة هذه المسألة شيء، فيجب القطع بالوجوب على مذهب الشافعي؛ لأنه بنى مذهبه في الخطبة على الاتباع، ولو جاز الكلام .. لما كان في حضور أربعين كاملين فائدة.
تنبيهات:
أحدها: في تحريم الكلام على الخطيب طريقان أصحهما: القطع بأنه لا يحرم؛ لما روى الشيخان] خ ٩٣٠ - م ٨٧٥ [: (أن النبي ﷺ كلم سليكا الغطفاني وهو يخطب). وفي رواية لمسلم] ٨٧٥/ ٥٩ [: جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، فجلس فقال له: (يا سليك قم فاركع ركعتين، وتجوز فيهما)، ثم قال: (إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب .. فليركع ركعتين وليتجوز فيهما).
وروى البيهقي] ٣/ ٢٢١ [وأصحاب المغازي: (أن النبي ﷺ كلم قتلة ابن أبي الحقيق، وسألهم عن كيفية قتله في الخطبة).
والمذكور هو: أبو رافع اليهودي كان يؤذي النبي ﷺ ، فأرسل إليه جماعة من أصحابه ليقتلوه بخيبر، فقتلوه ورجعوا والنبي ﷺ على المنبر فسألهم عنه فأخبروه بقتله.
وذكره الغزالي في (الوسيط) و (الوجيز) على غير وجهه.
الثاني: كلام المصنف مخصوص بكلام لا يتعلق به غرض مهم ناجز، فأما إذا رأى أعمى يقع في بئر أو عقربا يدب على إنسان فأنذره، أو علم شيئا من الخير أو نهى عن منكر .. فهذا لا يحرم قولا واحدا، والأولى أن يقتصر على الإشارة ما أمكن الاستغناء عنه.
الثالث: لا خلاف أنه لا يحرم الكلام قبل الخطبة، ولا بعدها قبل الصلاة.
стр. 813
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا على من دخل ما لم يأخذ لنفسه مكانا، فكلام المصنف محمول على الحاضرين، والضمير راجع إلى الأربعين.
وعلى القديم .. يحرم رد السلام باللفظ، وكذا تشميت العاطس في الأصح؛ لأن المسلم سلم في غير موضعه فلم يرد عليه، وتشميت العاطس سنة فلا يترك له الإنصات الواجب.
ومن أصحابنا من قال: لا يرد السلام ويشمت العاطس؛ لأن المسلم مفرط بخلاف العاطس.
وصرح في (شرح المهذب) بكراهة السلام للداخل.
أما البعيد .. فهو بالخيار بين الذكر والتلاوة والإنصات.
ويستحب إذا قال الخطيب:﴾ إن الله وملائكته يصلون على النبي ﴿ ﷺ أن يصلي عليه المستمع ويرفع بها صوته.
الرابع: قال الرافعي- وتبعه صاحب (الحاوي الصغير) -: يكره للحاضر في المسجد إذا صعد الخطيب المنبر أن يتنفل. والمعروف التحريك كما صرح به في (شرح المهذب)؛ لأنه إعراض عن الإمام بالكلية، بل نقل الماوردي فيه الإجماع.
وتطويله كإنشائه يحرم أيضا، ولا يستثنى من ذلك إلا التحية للقادم؛ لقوله ﵊: (إذا دخل أحدكم المسجد .. فلا يجلس حتى يصلي ركعتين).
стр. 814
قُلْتُ: الأَصَحُّ: أَنَّ تَرْتِيبَ الأَرْكَانِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَاللهُ أَعَلَمُ. وَالْأَظْهَرُ: اشْتِرَاطُ المُوَالَاةِ. وَطَهَارَةِ الْحَدَثِ والْخَبَثِ. وَالسَّتْرِ
ــ
وله أن يصلي السنة وتحصل بها التحية ولا يزيد على ذلك.
قال: (قلت: الأصح أن ترتيب الأركان ليس بشرط والله أعلم)؛ لأن المقصود الوعظ وهو حاصل، ولم يرد نص في اشتراط الترتيب.
قال: (والأظهر: اشتراط الموالاة)؛ للاتباع.
والفرق بين هذا وبين الوضوء: أن للموالاة أثرا ظاهرا في استمالة القلوب الذي هو المقصود من الخطبة، والوضوء لا يفوت مقصوده بترك الموالاة.
والثاني: لا تشترط الموالاة كالوضوء، ولأن غرض الوعظ والتذكير يحصل مع تفريق الكلمات، وهذه المسألة مكررة تقدمت عند ذكر الانفضاض.
قال: (وطهارة الحدث والخبث، والستر)؛ لأن النبي ﷺ كذلك فعل، وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي).
والثاني: لا يشترط كما لا يشترط استقبال القبلة.
ولا فرق على الصحيح بين الحدث الأكبر والأصغر، وقيل: الخلاف في الحدث الأصغر، فأما الأكبر .. فلا تحسب معه الخطبة قولا واحدا.
واشتراط (الستر) من زياداته على (المحرر)، وبقي من شروط الخطبة: اشتراط نيتها- على رأي- وفرضيتها؛ اشترطه القاضي حسين.
فرع:
لو شك بعد الفراغ من الخطبتين في ترك شيء من فرائضها .. قال الروياني: ليس له الشروع في الصلاة، وعليه إعادة خطبة واحدة إذا كان المشكوك فيه فرضا واحدا ولم يعلم عينه.
стр. 815
وَتُسَنُّ عَلَى مِنْبَرٍ
ــ
قال: (وتسن على منبر) بالإجماع، وفي (الصحيحين)] خ ٩١٧ - م ٥٤٤ [: (أن النبي ﷺ كان يخطب عليه)، ولفظ البخاري: (أنه كان يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحن الجذع فأتاه النبي ﷺ فالتزمه)، وفي رواية له: (فمسحه)] ٣٥٨٣ [، وفي أخرى] ٩١٨: [(فسمعنا له مثل أصوات العشار).
وفي (صحيح مسلم)] ٥٤٤ [وغيره: أنه ﷺ أرسل إلى امرأة أن: (مري غلامك النجار يعمل لي أعوادا أكلم الناس عليها)، فعملت هذه الثلاث درجات فكان يخطب عليها.
و (كان منبره ﷺ ثلاث درج غير الدرجة التي تسمى المستراح).
ويستحب أن يقف على التي تليها كما فعل النبي ﷺ .
فإن قيل: روي أن أبا بكر نزل عن موقف النبي ﷺ درجة، وعمر درجة أخرى، وعثمان أخرى، ثم وقف علي على موقف رسول الله ﷺ .. قلنا: كل منهم له قصد صحيح، وليس فعل بعضهم حجة على بعض.
والمختار موافقة النبي ﷺ ؛ لعموم الأمر بالاقتداء به.
ويستحب أن يكون المنبر على يمين المحراب- وهي جهة يمين المصلي- لأن منبره ﷺ كان كذلك، فإن خطب على الأرض .. فليقف هناك.
ويكره المنبر الكبير الذي يضيق على المصلين كمنبر مكة الآن. وكان الشيخ رحمه الله تعالى يقول: الخطابة بمكة على منبر بدعة، وإنما السنة: (أن يخطب على الباب كما فعل النبي ﷺ يوم الفتح)، ولا يقال: إن تلك قضية خاصة فعلت للضرورة.
стр. 816
أَوْ مُرْتَفِعٍ. وَيُسَلِّمُ عَلَى مَنْ عِنْدَ الْمِنْبَرِ. وَأَنْ يُقْبِلَ عَلَيْهِمْ إِذَا صَعِدَ،
ــ
جوابه: أن الخلفاء الراشدين أقروا الأمر على ذلك وهم الذين يقتدى بهم، وإنما أحدث ذلك بمكة معاوية بن أبي سفيان.
و (المنبر) بكسر الميم مشتق من النبر وهو: الارتفاع.
قال: (أو مرتفع)؛ لأنه أبلغ في الإعلام. وظاهر عبارة المصنف التسوية، والذي في (الشرحين) و (الروضة): أن المستحب المنبر، فإن لم يكن .. فالموضع العالي، فإن تعذر ... استند إلى خشبة ونحوها.
مهمة:
أنكر في زيادات (الروضة) الدق على المنبر، وأفتى الغزالي باستحبابه، والشيخ عماد الدين بن يونس بأنه لا بأس به، وقال: فيه تفخيم للخطبة وتحريك لهمم السامعين وإن كان بدعة، وأنكر الدعاء إذا انتهى صعود الخطيب المنبر قبل أن يجلس، وصرح أبو بكر الفارسي في كتاب (التبصرة) باستحبابه، بل قال: يستحب أن يقف على كل مرقاة وقفة خفيفة يسأل الله تعالى فيها المعونة والتسديد، كذا نقله عنه ابن الصلاح، وصحح أن الخطيب لا يصلي تحية المسجد، بل تسقط بالاشتغال بالخطبة، كما تسقط تحية المسجد الحرام بالطواف، والمعروف نقلا وبحثا استحبابها، كما صرح به البندنيجي والجرجاني وصاحبا (العدة) و (البيان)، ولذلك كان الشيخ عز الدين يصليها قبل صعود المنبر لما خطب بجامع مصر.
قال: (ويسلم على من عند المنبر)؛ لما روى البيهقي] ٣/ ٢٠٥ [عن ابن عمر قال: (كان النبي ﷺ إذا دنا من منبره يوم الجمعة .. سلم على من عنده من الجلوس).
وعبارة (شرح المهذب): إذا دخل المسجد .. سلم على الحاضرين فيه على عادة الداخلين، فإن انتهى إلى المنبر .. سلم على الذي عنده سلام المفارقة.
قال: (وأن يقبل عليهم إذا صعد)، ففي (سنن ابن ماجة)] ١١٣٦ [و (الترمذي)] ٥٠٩ [: (أنه ﷺ كان إذا خطب .. استقبل الناس واستقبلوه).
стр. 817
وَيُسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَيَجْلِسَ ثُمَّ يُؤَذَّنُ
ــ
قال: (ويسلم عليهم)؛ لما روى الضياء المقدسي في (أحكامه) وابن عدي في (كامله)] ٥/ ٢٥٣ [عن جابر بن عبد الله: (أن النبي ﷺ كان إذا صعد المنبر .. استقبل الناس بوجهه، ثم سلم)، لكن في رجاله ابن لهيعة ولا يضره ذلك.
والحكمة فيه: أن يسمعه من لم يسمع الأول، ولأنه في صعوده كالمفارق لهم وكان الصحابة يسلم بعضهم على بعض إذا حال بينهم شجرة.
وقال الأئمة الثلاثة: هذا السلام الثاني مكروه.
قال: (ويجلس ثم يؤذن)؛ لما روى أبو داوود] ١٠٨٥ [: (أنه ﷺ كان إذا صعد المنبر .. جلس حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب).
وفي (البخاري)] ٩١٢ [عن السائب بن يزيد قال: كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر حين يجلس الإمام على المنبر، فلما كثر الناس في خلافة عثمان .. أمر الناس بأذان آخر على الزوراء.
وقال عطاء: إن الذي أحدثه هو معاوية.
قال الشافعي ﵁: وفعله ﷺ أحب إلي.
وإذا جلس .. يستقبل الناس ويستدبر القبلة.
وقوله: (ثم يؤذن) ينبغي أن يقرأ بكسر الذال ليوافق ما في (المحرر) من كون الأذان المذكور يستحب أن يكون من واحد، لا من جماعة كما استحبه أبو علي الطبري وغيره.
ولفظ الشافعي في ذلك: وأحب أن يؤذن مؤذن واحد إذا كان على المنبر، لا جماعة المؤذنين، لأنه لم يكن لرسول الله ﷺ إلا مؤذن واحد، فإن أذنوا جماعة .. كرهت ذلك، ولا يفسد شيء منه الصلاة؛ لأن الأذان ليس من الصلاة، وإنما هو دعاء إليها.
وقول (الوسيط): ويؤذن المؤذنون بين يديه، أنكره عليه ابن الصلاح وغيره.
стр. 818
وَأَنْ تَكُونَ بَلِيغَةً مَفْهُومَةٌ قَصِيرَةً
ــ
قال: (وان تكون بليغة) أي: فصيحة جزلة؛ لتقع موقعا من القلب.
وتكره الألفاظ المشتركة والبعيدة عن الأفهام، وما تنكره عقول الحاضرين.
وقال الشافعي: يكون كلامه مسترسلا مبينا معربا، من غير تغن ولا تمطيط.
قال: (مفهومة)؛ لقول علي ﵁: (حدثوا الناس بما يعرفون؛ أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟!) رواه البخاري آخر (كتاب العلم)] ١٢٧ [.
ورواه في (البحر) عن النبي ﷺ ، ومعناه: لا تقولوا ما تقصر عنه الأفهام؛ فيكذبوا الله ورسوله لذلك.
قال: (قصيرة)؛ لأن خطب النبي ﷺ كانت قصدا، رواه مسلم] ٨٦٦ [.
و (كان النبي ﷺ قد أوتي جوامع الكلم).
وقال عمار بن ياسر: (أمرنا رسول الله ﷺ بإقصار الخطب)، وقال ﷺ : (قصر الخطبة وطول الصلاة مئنة من فقه الرجل) رواه مسلم] ٨٦٩ [.
و (المئنة): العلامة.
هذا في خطبة الجمعة، أما في غيرها ... فلا؛ ففي (صحيح مسلم)] ٢٨٩٢ [عن أبي زيد عمرو بن أخطب قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ الفجر، وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر فنزل وصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس، فاخبرنا بما كان وبما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا).
وفي استحباب التقصير مع قولهم: يقرأ في الأولى (ق) إشكال ظاهر.
стр. 819
وَلَا يَلْتَفِتُ يَمِيناً وَشِمَالاً فِي شَيْء مِنْهَا. وَيَعْتَمِدُ عَلَى سَيْفٍ أَوْ عَصَا وَنَحْوِهِ وَيَكُونُ جُلُوسُهُ بَيْنَهُمَا قَدْرَ (سُورَةِ الإِخْلَاصِ)
ــ
وقال ابن عبد السلام: من أقبح البدع أن يذكر في الخطبة شعرا.
لكن روى البيهقي في (شرح الأسماء والصفات)] ٤١٩ [عن ابن مسعود: أن عمر كان يكثر أن يقول في خطبه على المنبر] من المتقارب [:
فخفض عليك فإن الأمور .... بكف الإله مقاديرها.
فليس بآتيك منهيها .... ولا قاصر عنك مأمورها.
قال: (ولا يلتفت يمينا وشمالا في شيء منها)؛ لقول البراء بن عازب: (كان النبي ﷺ إذا خطبنا .. استقبلنا بوجهه ونستقبله بوجوهنا).
ولو عبر بقوله: يمينا ولا شمالا بزيادة (لا) كما عبر في (الروضة) تبعا ل (الشرح) .. كان أولى، ولو حذفهما .. كان أعم وأصوب.
قال: (ويعتمد على سيف أو عصا ونحوه) كالعنزة؛ ففي (سنن أبي داوود)] ١٠٨٩ [بإسناد حسن: (أن النبي ﷺ قام متوكئا على قوس أو عصا)، ويقبض ذلك بيده اليسرى كما هو عادة من يريد الضرب بالسيف والرمي بالقوس، ويشغل يده اليمنى بحرف المنبر، فإن لم يجد شيئا .. سكن يديه بجعل اليمنى على اليسرى، أو يرسلهما.
و (السيف) جمعه: أسياف وسيوف، وله خمس مئة اسم.
قال: (ويكون جلوسه بينهما قدر (سورة الإخلاص))؛ لأنه المأثور من فعل النبي ﷺ ، وهذا أكملها.
وفي (البحر): أنه أقلها، والمشهور: أن أقلها أن يطمئن كما بين السجدتين.
وهل يكون فيها ساكتا أو يقرأ؟ .. لم يصرحوا به، لكن في (كتاب ابن حبان)
стр. 820
وَإِذَا فَرَغَ .. شَرَعَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْإقَامَةِ، وَبَادَرَ الْإِمَامُ لَيَبْلُغَ الْمِحْرَابَ مَعَ فَرَاغِهِ. وَيَقْرَأُ فِي الْأُولَى (الْجُمُعَةَ)، وَفِي الْثَّانِيِةِ (الْمُنَافِقِينَ)
ــ
] ٢٨٠٣ [: (أن النبي ﷺ كان يقرأ في جلوسه من كتاب الله)، وقال القاضي حسين: الدعاء فيه مستجاب.
قال: (وإذا فرغ ... شرع المؤذن في الإقامة، وبادر الإمام ليبلغ المحراب مع فراغه) تحقيقا للموالاة، وتخفيفا على الحاضرين، ويستحب أن يختم الخطبة بالاستغفار.
قال: (ويقرأ في الأولى (الجمعة)، وفي الثانية (المنافقين)) رواه مسلم] ٨٧٧ [من حديث ابن عباس وأبي هريرة وفيه: أن عليا وأبا هريرة فعلا ذلك، وفي بعض طرفه: (أن النبي ﷺ كان يواظب على ذلك).
وفيه] ٨٧٨ [أيضا عن النعمان بن بشير: (أن النبي ﷺ كان يقرأ في العيدين والجمعة بـ (سبح اسم ربك الأعلى) و (هل أتاك حديث الغاشية).
قال الشافعي: فلو قرأ بذلك .. كان حسنا. وجعل ذلك بعضهم قولا قديما وجعل المسألة على قولين، وليس كذلك بل كل منهما سنة، فلو قرأ سورة (المنافقون) في الأولى .. قرأ (الجمعة) في الثانية.
قال الشيخ عز الدين: وقراءة سورة كاملة أفضل من بعض (الجمعة) و (المنافقون)، وقراءة بعضهما أفضل من قراءة مثلهما من غيرهما، إلا أن يكون غيرهما مشتملا على الثناء كآية الكرسي وأول سورة (الحديد) وآخر سورة (الحشر).
стр. 821
جَهْراً.
فَصْل:
يُسَنُّ الْغُسْلُ لِحَاضرِهَا،
ــ
قال: (جهرا) بالإجماع، وهذا من زياداته على (المحرر).
تتمة:
روى الحافظ المنذري في جزء جمعه في (غفران ما تقدم من الذنوب وما تأخر) من حديث أنس أن النبي ﷺ قال: (من قرأ إذا سلم الإمام يوم الجمعة قبل أن يثني رجله (فاتحة الكتاب)، (قل هو الله أحد)، و (المعوذتين) سبعا سبعا .. غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأعطى من الأجر بعدد كل من آمن بالله ورسوله).
وروى ابن السني] ٣٧٥ [من حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: (من قرأ بعد صلاة الجمعة (قل هو الله أحد) و (قل أعوذ برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس) سبع مرات .. أعاذه الله من السوء إلى الجمعة الأخرى).
قال أبو طالب المكي: ويستحب له بعد الجمعة أن يقول: يا غني يا حميد، يا مبدئ يا معيد، يا رحيم يا ودود؛ أغنني بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك، يقال: من واظب على هذا الدعاء .. أغناه الله تعالى عن خلفه، ورزقه من حيث لا يحتسب.
قال: (فصل:
يسن الغسل لحاضرها)؛ لقوله ﷺ : (إذا جاء أحدكم الجمعة .. فليغتسل) متفق عليه] خ ٨٧٧ - م ٨٤٤ [من رواية ابن عمر.
стр. 822
وَقِيلَ: لِكُلِّ أَحَدٍ،
ــ
ولا فرق في الحاضر بين الرجل والمرأة والصبي والعبد والمسافر، وقيل: لمن حضرها من أهلها؛ لأن الخطاب كان لهم.
قال: (وقيل: لكل أحد) حضر أو لم يحضر؛ لقوله ﷺ : (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) - أي: بالغ- رواه الشيخان] خ٨٥٨ - م ٨٤٦ [.
وفيهما] خ ٨٩٨ - م ٨٤٩ [أيضا: (حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما) زاد النسائي] ٣/ ٩٣ [بإسناد صحيح: (هو يوم الجمعة).
وإنما صرفه عن الوجوب ما رواه أحمد] ٥/ ١٥ [وأبو داوود] ٣٥٨ [والترمذي] ٤٩٧ [والنسائي] ٣/ ٩٤ [من رواية الحسن بن سمرة أن النبي ﷺ قال: (من توضأ يوم الجمعة .. فيها ونعمت، ومن اغتسل .. فالغسل أفضل) قيل: معناه فبالسنة، وقيل: بالرخصة أخذ ونعمت الفعلة.
وهو وإن كان مرسلا كما قال الترمذي، لكن يقوى بما روى مسلم] ٨٤٥ [عن أبي هريرة قال: بينما عمر يخطب يوم الجمعة إذ دخل عثمان بن عفان فعرض به عمر فقال: ما بال رجال يتأخرون عن النداء؟! فقال: يا أمير المؤمنين ما زدت حين سمعت النداء أن توضأت ثم أقبلت، فقال عمر: والوضوء أيضا! ألم تسمعوا رسول الله ﷺ يقول: (إذا جاء أحدكم الجمعة .. فليغتسل).
وذكر الطبراني] طس ٧٩٩٧ [ذلك مرفوعا من رواية عكرمة عن ابن عباس ﵃ أن النبي ﷺ كان يخطب فدخل رجل، فقال له النبي ﷺ : (يبطئ أحدكم ثم يتخطى رقاب الناس ويؤذيهم)، فقال: ما زدت على أن سمعت النداء فتوضأت، فقال: (أو يوم وضوء هو؟!).
وهذه القصة تدل على أن الأمر به ندب، وعليه حمل الشافعي قول ﵊: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) أراد: وجوب الاختيار.
لكن في (شرح غنية ابن سريج) لبعض أصحاب القفال عن القديم: أنه واجب.
وفي (الرسالة) للشافعي في وجوبه احتمالان، واحتمالات الشافعي أقوال.
وفي كراهة ترك الغسل وجهان: أصحهما: نعم.
стр. 823
وَوَقْتُهُ: مِنّ الْفَجْرِ، وَتَقْرِيبُهُ مِنْ ذَهَابِهِ أَفْضَلُ، فَإِنْ عَجَزَ ... تَيَمَّمَ فِي الأَصَحِّ
ــ
قال الإمام: وهذا عندي جار في كل مسنون صح الأمر به مقصودا.
ولا يبطل الغسل للجمعة بالحدث ولو كان أكبر.
قال: (ووقته: من الفجر)؛ لأنه ﷺ علقه باليوم في الحديث المتقدم وفي قوله: (من اغتسل يوم الجمعة، ثم راح في الساعة الأولى .. فكأنما قرب بدنة ..) الحديث.
وقيل: من نصف الليل كغسل العيد، وهو ضعيف جدا.
قال: (وتقريبه من ذهابه أفضل)؛ لأنه أقرب إلى تحصيل المقصود منه، وهو: دفع الروائح الكريهة.
فلو كان لا يقدر على الغسل إلا بأن يتأخر عن التبكير، فأي الشيئين أولى بالمراعاة؟ .. فيه نظر، والظاهر: أن مراعاة الغسل أولى؛ للاختلاف في وجوبه.
قال: (فإن عجز ... تيمم في الأصح) كما في سائر الأغسال؛ لأن الشرع أقامه مقامه.
والثاني: لا؛ لأن المقصود منه التنظيف، والتيمم ينافيه، وهذا احتمال للإمام أثبته الغزالي وجها.
وسلم الغزالي: أن الحاج يتيمم إذا لم يجد ماء يغتسل به؛ لان التيمم يلائم الحاج فإنه أشعث أغبر.
وفي (فتاوى ابن الصلاح): أن الإمام والغزالي من أصحاب الوجوه وقد رقم الغزالي بـ (الواو) بخلاف الإمام كثيرا.
وقول ابن الرفعة في (المطلب) في (صفة الصلاة): إنهما ليسا من أصحاب الوجوه، لا يوافق عليه بل ابن الرفعة نفسه ينبغي أن يكون منهم.
стр. 824
وَمِنْ الْمَسْنُونِ: غُسْلُ الْعِيدِ وَالْكُسُوفِ وَالاِسْتِسْقَاءِ، وَلِغَاسِلِ الْمَيِّتِ، وَالْمَجْنُونِ والْمُغْمَى عَلَيْهِ إَذَا أَفَاقَا
ــ
وقد وقع في (المنهاج) مواضع كثيرة عد فيها خلاف الإمام وجها، منها هذا.
ومنها قوله في (اللقيط): (وغن أخذ ليعرف ويتملك .. فأمانة مدة التعريف، وكذا بعدها ما لم يختر التملك في الأصح).
وفي (اللعان) في قوله: (ولو وطئ وعزل .. حرم على الصحيح).
وفي (العدد) في الإحداد: (وكذا اللؤلؤ في الأصح).
وفي (كيفية القصاص): (والصحيح: قطع ذاهبة الأظفار بسليمتها دون عكسه)، ليس في عكسه إلا احتمال للإمام.
وفي (الزنا) في قوله: (ويحد الرقيق سيده أو الإمام، فإن تنازعا .. فالأصح: الإمام)، فالأوجه الثلاثة احتمالات للإمام.
قال: (ومن المسنون: غسل العيد والكسوف والاستسقاء)؛ لأن الناس تجتمع لها.
قال: (ولغاسل الميت) سواء كان كبيرا أو صغيرا، ذكرا أم أنثى، مسلما أم كافرا؛ لعموم قوله: (من غسل ميتا .. فليغتسل) حسنه الترمذي] ٩٩٣ [، وصححه ابن حبان] ١١٦١ [، لكن قال أحمد والبخاري: إنه موقوف على أبي هريرة.
وصرفنا عن الوجوب قوله ﷺ : (ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه) قال الحاكم] ١/ ٣٨٦ [: إنه على شرط البخاري، وبهذا قال المزني، لكنه يستحب أيضا وقواه في (شرح المهذب).
وقال في القديم: إنه واجب؛ لظاهر الأمر به.
ثم اختلفوا فيه فقيل: إنه تعبد، وقيل: لنجاسة الميت عند القائل به.
قال: (والمجنون والمغمى عليه إذا أفاقا)؛ لأنه قل من جن إلا وينزل، وإنما لم نوجبه؛ لأن أثر الإنزال يظهر بوجود المني.
وأما المغمى عليه .. فدليل استحباب الغسل له حديث مرض النبي صلى الله عليه
стр. 825
وَالْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ، وَأَغْسَالُ الْحَجِّ
ــ
وسلم وفيه: فأغمى عليه ثم أفاق فقال: (أصلى الناس؟) قلنا: لا، وهم ينتظرونك يا رسول الله؛ فقال: (ضعوا لي ماء في المخضب)، ففعلنا فاغتسل منه، متفق عليه] خ ٦٨٧ - م٤١٨ [.
و (المخضب) بالكسر: شبه المركن، وهو: إجانة تغسل فيها الثياب.
قال: (والكافر إذا أسلم)؛ تعظيما للإسلام، ولأن النبي ﷺ أمر به قيس بن عاصم، كما رواه أبو داوود] ٣٥٩ [والترمذي] ٦٠٥ [، وصححه ابن خزيمة] ٢٥٤ [وابن حبان] ١٢٤٠ [، وصححا أيضا] خز ٢٥٣ - حب ١٢٣٨ [: (أنه ﷺ أمر به ثمامة بن أثال الحنفي)، وأصله في (الصحيحين)] خ ٤٣٧٢ - م ١٧٦٤ [وإن قلنا: لا يجب؛ لأنه توبة من معصية فأشبه غيره، ولأن جماعة أسلموا فلم يأمرهم النبي ﷺ به.
ثم الأصح: أنه بعد الإسلام إذ لا سبيل إلى تأخير الإسلام الواجب.
وقيل: قبيله، وهو غلط.
كل هذا إذا لم يعرض له في حال الكفر ما يوجب الغسل من حيض أو جنابة، فإن عرض له ذلك .. لزمه الغسل بعد الإسلام.
وقال الإصطخري: يسقط بالإسلام؛ لأنه يهدم ما قبله.
وقيل: إن اغتسل في الكفر .. كفاه، وإلا ... لزمه، وعلى المذهب ... تلزمه الإعادة.
ويستحب له أيضا حلق رأسه بعد الغسل؛ لأن النبي ﷺ أمر به رواه أبو داوود] ٣٦٠ [ولم يضعفه.
قال: (وأغسال الحج)؛ لما سيأتي فيه.
стр. 826
وَآَكَدُهَا: غُسْلُ غَاسِلِ الْمَيِّتِ ثُمَّ الْجُمْعَةِ، وَعَكَسَهُ: الْقَدِيمُ. قُلْتُ: الْقَدِيمُ هُنَا أَظْهَرُ، وَرَجَّحَهُ الأَكْثَرُونَ، وَأَحَادِيثُهُ صَحِيحَةٌ كَثِيرةُ وَلَيْسَ لِلجَدِيدِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ
ــ
قال: (وآكدها: غسل غاسل الميت ثم الجمعة) استدل له الرافعي والمصنف وابن الرفعة بأن غسل الغاسل اختلفوا في وجوبه بخلاف غسل الجمعة، وما ذكروه من نفس الخلاف في الجمعة مردود بما تقدم.
وقيل: هما سواء؛ لتعارض الأدلة.
قال: (وعكسه: القديم) فقال: إن غسل الجمعة آكد؛ لأن الأخبار فيه أصح وأثبت.
قال: (قلت: القديم هنا أظهر، ورجحه الأكثرون، وأحاديثه صحيحة كثيرة، وليس للجديد حديث صحيح والله أعلم).
قال الشيخ: هو كما قال، لكن اعترض عليه بما تقدم من تحسين الترمذي] ٩٩٣ [وتصحيح ابن حبان] ١١٦١ [حديث الأمر به، وروى من عدة طرق صحيحة.
قال الماوردي: خرج بعض أصحاب الحديث لصحته مئة وعشرين طريقا.
وتظهر فائدة القولين فيما إذا أوصى بماء لأحق الناس به، فحضر مريد الجمعة ومن غسل ميتا.
تنبيهان:
أحدهما: بقي من الأغسال المسنونة الغسل للاعتكاف نقله ابن خيران عن الشافعي، ولكل ليلة من شهر رمضان قاله الحليمي، ولحلق العانة ولبلوغ الصبي بالسن قالهما في (الرونق)، ولدخول حرم مكة قاله الخفاف، ولدخول مدينة النبي ﷺ كما سيأتي في بابه- ونقل الإمام وابن الرفعة عن صاحب (التلخيص): أنه يستحب لدخول الكعبة أيضا، وبين شيخنا في (أوهام الكفاية) وهمهما في ذلك- وللحجامة والخروج من الحمام نص عليهما في (جمع الجوامع)، وفي (سنن أبي داوود)] ٣٥٢ [و (البيهقي)] ١/ ٣٠٠ [دليل ذلك.
стр. 827
وَالتَّبْكِيرُ إِلَيْهَا
ــ
قال ابن الصلاح: والمراد الغسل عند إرادة الخروج منه، وهو الذي اعتاده الخارجون من صب الماء على أجسادهم عند الخروج.
وفي (سنن البيهقي)] ١/ ٣٠٠ [: أن ابن عمر كان يغتسل منهما، ومن نتف الإبط أيضا.
ويستحب لكل اجتماع، وفي كل حال تتغير فيه رائحة البدن كما سيأتي.
الثاني: سئل الشيخ عن الأغسال المسنونة: هل تقضى؟ فقال: لم أر فيها نقلا، والظاهر: لا؛ لأنها إن كانت للوقت .. فقد فات، أو للسبب .. فقد زال.
قال: (والتبكير إليها) أي: من المأموم؛ لقوله تعالى:﴾ أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون ﴿وقال ﷺ : (على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول) رواه الشيخان] خ ٣٢١١ - م ٨٥٠/ ٢٤ [.
وفيهما] خ ٨٨١ - م ٨٥٠ [: (من راح إلى الجمعة في الساعة الأولى .. فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية .. فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة .. فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة .. فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة .. فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام .. حضرت الملائكة يستمعون الذكر) زاد النسائي] ٣/ ٩٨ [في الخامسة: (كالذي يهدي عصفورا)، وفي
стр. 828
مَاشِياّ
ــ
(مسند أحمد)] ٢/ ٢٥٩ [: (بطة أو إوزة).
والساعة معتبرة: من طلوع الفجر، وقيل: من طلوع الشمس، وقيل: من الزوال ويكون أطلقها على اللحظات، ويبعده قوله ﷺ : (يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة، فيه ساعة لا يوجد مسلم يسأل الله شيئا إلا آتاه الله ، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر) رواه أبو داوود] ١٠٤١ [، وقال الحاكم] ١/ ٢٧٩ [: صحيح على شرط مسلم.
ويستحب الدنو من الإمام لما روى أبو داوود] ١١٠١ [أن النبي ﷺ قال: (احضروا الذكر وادنوا من الإمام؛ فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخر في الجنة وإن دخلها).
وينبغي أن ينوي- في سعيه- الاعتكاف في المسجد إلى انقضاء الصلاة.
قال: (ماشيا)، ففي الصحيح: (ما ركب النبي ﷺ في عيد ولا جنازة)، ولم يذكر الجمعة؛ لأن باب حجرته كان في المسجد.
وقال ﷺ : (من غسل يوم الجمعة واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغ .. كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها) حسنه الترمذي] ٤٩٦ [، وصححه الحاكم] ١/ ٢٨٢ [وابن حبان] ٢٧٨١ [.
يروى: (غسل) بالتخفيف؛ أي: غسل أعضاء الوضوء، واغتسل في جميع بدنه، واختاره ابن الصلاح.
ويروى بالتشديد؛ أي: جامع فأوجب الغسل على غيره.
ويروى بعين مهملة وبالتشديد، ومعناه كالذي قبله.
ومعنى (بكر وابتكر): جاء في أول الوقت وأدرك أول الخطبة، وقيل: بكر في الزمان وابتكر في المكان.
ومعنى (مشى ولم يركب): أمكنه الركوب فتركه ابتغاء الثواب.
стр. 829
بِسَكِينَةٍ
ــ
وقيل: أول بدعة ظهرت: ترك التبكير إلى الجامع يوم الجمعة.
غير أنه يستثنى من ذلك الإمام، فلا يستحب له التبكير بل: (يأتي حين يصعد المنبر كما كان يفعله النبي ﷺ .
ويستثنى من له عذر من مرض ونحوه، فلا يكره له الركوب إليها.
هذا في الذهاب إليها، أما العود منها .. فصرح الرافعي وغيره بأن المشي فيه لا يستحب، بل يكون مخيرا فيه إذا لم يحصل من الركوب ضرر، مستدلين بأن العبادة قد انقضت.
والصواب: أن الذهاب كالعود، وهو وجه حكاه شارح (التعجيز)؛ لما روى مسلم] ٦٦٣ [عن أبي بن كعب ﵁ أن رجلا من الأنصار كان بيته في أقصى المدينة، ومات لا تخطئه الصلاة مع رسول الله ﷺ ، قال: فتوجعنا له فقلت له: يا فلان، لو أنك اشتريت حمارا تركبه في الظلماء ويقيك من الرمضاء ويقيك هوام الأرض؟ فقال: إني أحب أن يكتب لي ممشاي في ذهابي وعودي، فقال ﷺ : (قد فعل الله لك ذلك).
لكن روى أحمد في (مسنده) عن حذيفة أن النبي ﷺ قال: (فضل البيت القريب من المسجد على البعيد منه كفضل المجاهد على القاعد عن الجهاد).
قال: (بسكينة) هذا مستحب في الجمعة وغيرها؛ لقوله ﷺ : (إذا أتيتم الصلاة .. فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة) رواه الشيخان] خ ٩٠٨ - م ٦٠٢ [.
هذا إذا لم يضق الوقت، فإن ضاق .. ففي (الشرح) و (الروضة): لا يبعد القول بوجوب السعي، وقالا في (باب الصيد والذبائح): إنه لا يكلف في هذه الحالة زيادة على طبعه.
стр. 830
وَأَنْ يَشْتَغِلَ فِي طَرِيقِهِ وَحُضُورِهِ بِقرَاءةٍ أَوْ ذِكْرٍ. وَلَا يَتَخَطَّى
ــ
وقال الماوردي في (الإقناع): يمشي بالسكينة وإن ضاق الوقت.
قال: (وأن يشتغل في طريقه وحضوره) أي: قبل الخطبة (بقراءة أو ذكر)، وكذلك الصلاة على النبي ﷺ ؛ لقوله ﷺ : (إن الملائكة تصلى على أحدكم ما دام في مجلسه تقول: اللهم؛ اغفر له، اللهم؛ ارحمه ما لم يحدث، وإن أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه).
ولفظ (الطريق) من زيادة الكتاب وهي حسنة، لكن في كراهة القراءة في الطريق خلاف والمختار: أنه لا كراهة فيها ما لم يلته صاحبها، فإن التهى .. كرهت.
قال: (ولا يتخطى)؛ لأن النبي ﷺ رأى رجلا يتخطى رقاب الناس فقال له: (اجلس؛ فقد آذيت) رواه الحاكم] ١/ ٢٨٨ [وابن حبان] ٢٧٩٠ [.
وقال ﷺ : (من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة .. اتخذ جسرا إلى جهنم) رواه الترمذي] ٥١٣ [.
وقال القفال: إذا كان له موضع يألفه وهو معظم عند الناس .. لم يكره؛ لأن عثمان تخطى الرقاب إلى موضعه وعمر يخطب فلم ينكر عليه.
واستثنى في (الشرح) و (الروضة) و (الكفاية) ما إذا كان إماما، أو بين يديه فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي، وقد تقدم أنه مقيد بما بعد صف أو صفين، فإن زاد على ذلك .. كره.
وقال ابن المنذر: التخطي حرام، وعده صاحب (العدة) من الصغائر.
فروع:
لا يجوز لأحد أن يقيم أحدا من مجلسه ويقعد فيه إلا الذي قعد في موضع الإمام، أو في الطريق بحيث يمنع الناس من الاجتياز، أو بين الصفين مستدبر القبلة والمكان ضيق.
стр. 831
وَأَنْ يَتَزَيَّنَ بِأَحْسَنِ ثِيَابِهِ
ــ
ولو بعث إنسانا يجلس في مكان حتى إذا جاء يقوم له ويجلس هو فيه .. لم يكره؛ لأن محمد بن سيرين كان يرسل غلامه يوم الجمعة يشغل له موضعا، فإذا جاء .. قام وجلس هو فيه.
ولو بعث شيئا يفرش له حتى إذا جاء جلس فيه .. قال في (الأم): ليس لغيره أن يصلي عليه؛ لأن ملك غيره.
وقال الشيخ أبو محمد: له أن ينحيه ويجلس في المكان؛ لأن الحرمة للإنسان دون فرشه.
قال: (وأن يتزين بأحسن ثيابه)؛ لقوله ﷺ : (من اغتسل يوم الجمعة، ولبس من أحسن ثيابه، ومس من طيب إن كان عنده، ثم أتى الجمعة فلم يتخط أعناق الناس، ثم صلى ما كتب الله له، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته .. كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها) رواه ابن حبان] ٢٧٧٨ [، والحاكم] ١/ ٢٣٨ [وقال: على شرط الشيخين.
وقال ﷺ : (أيعجز أحدكم أن يكون له ثوبان سوى ثوبي مهنته لجمعته) رواه النسائي وأبو داوود] ١٠٧١ [.
ويستحب للإمام أن يزيد على سائر الناس في الزينة؛ لأنه المنظور إليه والمقتدى له، وينبغي: (أن يعتم ويرتدي كما كان النبي ﷺ يفعل).
وأفضل الثياب: البياض لقوله ﷺ : (البسوا من ثيابكم البياض؛ فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم) رواه الترمذي] ٩٩٤ [.
فإن لبس مصبوغا .. فلا بأس.
стр. 832
وَطِيبٌ. وَإِزَالَةُ الْظُّفْرِ] والْرِّيحِ [
ــ
وفي (الإحياء): يكره له لبس السواد، وفي (باب الأمر بالمعروف): لا يكره ولا يستحب.
وقال في (الأحكام السلطانية): ينبغي له لبس السواد، والظاهر: أنه أراد في زمنه وهي الدولة العباسية؛ فإنه كان شعارهم.
قال المصنف: والصحيح أنه لا يلبسه إلا أن يظن ترتب مفسده على تركه.
وقال الشيخ عز الدين: المواظبة على لبس السواد بدعة، فإن منع أن يخطب إلا به .. فليفعل.
قال: (وطيب)؛ لما تقدم، وروى مسلم] ٨٤٦/ ٧ [عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: (غسل الجمعة على كل محتلم، وسواك ويمس من الطيب ما قدر عليه)، وفي رواية] ٨٤٦ [: (ولو من طيب المرأة).
ويستوي في استحباب الطيب كل من أراد حضور الجمعة من الرجال والصبيان والعبيد إلا النساء، فيكره لمن أرادت منهن الحضور الطيب والزينة وفاخر الثياب، ويستحب لها قطع الرائحة الكريهة.
قال: (وإزالة الظفر] والريح [) وكذا الشعر إن طال؛ لما روى البزار] كشف ١/ ٢٩٩ [: (أن النبي ﷺ كان يقلم أظفاره، ويقص شاربه يوم الجمعة قبل أن يخرج إلى الصلاة).
يقال: قلمت ظفري، وقلمت أظفاري شدد للكثرة، و (القلامة): ما سقط منه.
فروع:
يستحب حلق العانة. قال المصنف: والمستحب للمرأة النتف، ويجب عليها إذا أمرها به زوجها على الأصح، فإن تفاحش ... وجب قطعا.
стр. 833
قُلْتُ: وَأَنْ يَقْرَأَ (الْكَهْفَ) يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا،
ــ
ويقوم مقام الحلق القص والنتف، ويكره أن يوليه غيره إلا زوجته وجاريته التي يباح لها النظر إلى عورته فيجوز مع الكراهة.
و (العانة): الشعر النابت حوالي ذكر الرجل وقبل المرأة.
وفي (ودائع ابن سريج): أنها الشعر المستدير حول الدبر.
قال المصنف: والأولى حلق الجميع.
ويستحب دفن ما يزيله من شعر وظفر ودم؛ لما روى الدارقطني والبيهقي في (الشعب)] ٦٤٨٧ [عن ميل بنت مشرح الأشعري: أن أباها مشرحا- وكان من أصحاب النبي ﷺ قص أظفاره فجمعها ثم دفنها ثم قال: (هكذا رأيت النبي ﷺ يفعل)، وفي رواية] هب ٦٤٨٨ [: (أنه ﷺ كان يأمر بدفن الشعر والأظفار)، لكن إسناده ضعيف.
والتوقيت في إزالة الشعور والظفر: بالطول ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأحوال، وقد صح عن أنس أنه قال: (أقت لنا في ذلك أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة)، وذلك مرفوع على الصحيح.
وقد نص الشافعي على استحباب ذلك في أيام الجمع، لكن يستثنى منه ما سيأتي في (باب الأضحية): أن من أراد أن يضحي .. يكره له فعل ذلك في عشر ذي الحجة.
ثم استحباب الغسل والتطيب، وإزالة الشعر والظفر والروائح الكريهة، ولبس أحسن الثياب ليس مختصا بالجمعة، بل هو مستحب لكل من أراد حضور مجمع من مجامع الناس، نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب وغيرهم، ولكنها في الجمعة أشد استحبابا.
قال: (قلت: وأن يقرأ (الكهف) يومها وليلتها)؛ لقوله ﷺ : (من قرأ الكهف في يوم الجمعة .. أضاء له من النور ما بين الجمعتين) رواه الحاكم] ٢/ ٣٦٨ [وقال: صحيح الإسناد.
стр. 834
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وروى الدارمي] ٣٤٥٠ [والبيهقي] ٣/ ٢٤٩ [: (لأن من قرأها ليلة الجمعة .. أضاء له نور ما بينه وبين البيت العتيق).
وفي بعض طرقه: (وغفر له إلى الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام، وصلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وعوفي من الداء والدبيلة، وذات الجنب والبرص، والجذام وفتنة الدجال).
وفي (شعب البيهقي)] ٢٤٤٨ [عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((سورة الكهف) تدعى في التوراة: الحائلة؛ تحول بين قارئها وبين النار).
وفي (الذخائر): أن وقت قراءة (الكهف) قبل طلوع الشمس، وقيل: بعد العصر، وقال بعض المتأخرين: عند الخروج من المسجد. وعبارة المصنف تقتضي: أن يقرأها مرة في الليل ومرة في النهار وفيه نظر؛ فقد نص الإمام الشافعي ﵁ على استحباب الإكثار من قراءتها ليلا ونهارا من غير ضبط بعدد. أما إذا اقتصر على قراءتها مرة .. فالنهار أولى من الليل.
والحكمة في قراءتها يوم الجمعة: أن الله تعالى ذكر فيها أهوال يوم القيامة، والجمعة تشبهها لما فيها من اجتماع الخلق وقيام الخطيب، ولأن القيامة تقوم يوم الجمعة فإذا قرئت في النهار .. تذكر بها ذلك، وإذا قرئت في ليلتها .. ذكر بها ليلة ليس بعدها إلا يوم القيامة.
وفي (الدارمي)] ٣٤٤٦ [أن النبي ﷺ قال: (اقرؤوا (سورة هود) يوم الجمعة).
وفي (الترمذي)] ٢٨٨٩ [: (من قرأ (سورة الدخان) ليلة الجمعة .. غفر له).
وفي (تفسير الثعلبي)] ٣/ ٥ [عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (من قرأ (سورة آل عمران) يوم جمعة .. صلى الله عليه وملائكته حتى تغيب الشمس). وفي (الطبراني): (من قرأها يوم جمعة .. غربت الشمس بذنوبه).
والظاهر أن الحكمة في ذلك: أن الله تعالى ذكر فيها خلق آدم عليه الصلاة والسلام
стр. 835
وَيُكْثِرُ مِنَ الدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ
ــ
في قوله تعالى:﴾ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ﴿، وآدم خلق يوم الجمعة.
قال: (ويكثر من الدعاء) رجاء أن يصادف ساعة الإجابة، وصوب المصنف: أنها ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن تنقضي الصلاة، وقيل: من الفجر إلى طلوع الشمس، وقيل: ما بين الزوال إلى دخول الإمام في الصلاة، وقيل: بعد العصر إلى الغروب.
والأصل في ساعة الإجابة: ما رواه البخاري] ٩٣٥ [ومسلم] ٧٥٧ [وغيرهما عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم قائم يصلي يسأل الله شيئا .. إلا أعطاه إياه)، وقال بيده يقللها.
والمراد بكونه قائما يصلي أي: ينتظر الصلاة.
وأراد بالقيام: الملازمة كقوله تعالى:﴾ إلا ما دمت عليه قائما ﴿.
ويستحب كثرة الصدقة وفعل الخير في ليلتها ويومها.
قال (والصلاة على رسول الله ﷺ ؛ لقوله ﷺ : (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا علي من الصلاة فيه) رواه أحمد] ٤/ ٨ [وأبو داوود] ١٠٤٠ [والحاكم] ١/ ٢٧٨ [وابن حبان] ٩١٠ [عن أوس بن أوس.
وفي (سنن البيهقي)] ٣/ ٢٤٩ [- بإسناد جيد- عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أكثروا علي من الصلاة ليلة الجمعة؛ ويوم الجمعة فمن صلى علي صلاة .. صلى الله عليه بها عشرا) ﷺ .
وقال ﷺ : (أقربكم مني في الجنة أكثركم علي صلاة، فأكثروا الصلاة علي في الليلة الغراء واليوم الأزهر).
قال الإمام الشافعي ﵁: (الليلة الغراء): ليلة الجمعة، و (اليوم الأزهر): يومها.
قال أبو طالب المكي: وأقل ذلك ثلاث مئة مرة.
стр. 836
وَيَحْزُمُ عَلَى ذِي الْجُمْعَة التَّشَاغُلُ بِالبَيْعِ وَغَيْرِهِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الأَذَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْخَطِيبِ،
ــ
وروى الدارقطني عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من صلى علي يوم الجمعة ثمانين مرة .. غفر الله له ذنوب ثمانين سنة، قيل: يا رسول الله؛ كيف الصلاة عليك؟ قال: (تقول: اللهم؛ صل على محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي، وتعقد واحدة)).
قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن النعمان: إنه حديث حسن.
قال: (ويحرم على ذي الجمعة التشاغل بالبيع وغيره) أي: من العقود والصنائع (بعد الشروع في الأذان بين يدي الخطيب)؛ لقوله تعالى:﴾ إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ﴿.
والمراد بـ (ذي الجمعة): من يلزمه السعي إليها.
تنبيه:
احترز بقوله: (ذي الجمعة) عمن لا تلزمه، فإذا تبايع اثنان لا تلزمهما .. لا إثم عليهما، فلو لزمت أحدهما فقط .. اختص التحريم بالمخاطب بها دون الآخر على المنصوص وقول الأكثرين.
وفي (الرافعي): أنهما يأثمان؛ لأن الذي ليس من أهلها أعان على معصية.
وأشار بـ (التشاغل) إلى جوازه في الطريق وفي المسجد، وهو كذلك؛ لعدم منافاته السعي.
وقوله: (بين يدي الخطيب) أشار به إلى أنه الأذان الذي كان في زمن رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر كما تقدم.
стр. 837
فَإِنْ بَاعَ .. صَحَّ، وَيُكْرَهُ قَبْلَ الأَذَانِ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَاللهُ أَعْلَمُ،
ــ
قال: (فإن باع .. صح)؛ لأن النهي لمعنى خارج عن العقد، ولم يمنع الصحة كالصلاة في الدار المغصوبة.
قال: (ويكره قبل الأذان بعد الزوال والله أعلم)؛ لأن وقتها قد دخل، فلا يليق الاشتغال بغيرها.
قال الشيخ جمال الدين: ينبغي أن لا يكره في بلد يؤخرون فيها الصلاة تأخيرا كثيرا كمكة لما فيه من الضرر.
أما قبل الزوال .. فلا يكره بحال.
فرع:
يستحب إذا أتى المسجد أن يقدم رجله اليمنى في الدخول قائلا: (بسم الله، اللهم؛ اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك).
قال المزني: ويصلي على النبي ﷺ ويقول: (اللهم؛ اجعلني من أوجه من توجه إليك، وأقرب من تقرب إليك، وأنجح من دعاك وتضرع إليك، وأربح من سألك وطلب إليك).
تتمة:
اتفق الأصحاب وغيرهم على كراهة تشبيك الأصابع في طريقه إلى المسجد وفي المسجد يوم الجمعة وغيره، وسائر أنواع العبث ما دام قاعدا في الصلاة أو منتظرها؛ لأنه في صلاة، واحتجوا بحديث كعب بن عجرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدا إلى المسجد .. فلا يشبكن بين أصابعه؛ فإنه في صلاة) رواه أبو داوود] ٥٦٣ [والترمذي] ٣٨٦ [بإسناد ضعيف.
стр. 838
فَصْلٌ:
مَنْ أَدْرَكَ رُكُوعَ الثَّانِيَةِ ... أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ فَيُصَلِّي بَعْدَ سَلَامِ الإِمَامِ رَكْعَةً، وَإِنْ أَدْرَكَهُ بَعْدَهُ .. فَاتَتْهُ
ــ
والاعتماد على ما رواه مسلم] ٦٠٢ [عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن أحدكم في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة)، ولا يخالف هذا ما رواه البخاري] ٤٨٢ [وغيره: (أن النبي ﷺ شبك أصابعه في المسجد بعد ما سلم من الصلاة عن ركعتين في قصة ذي اليدين)، و (شبك في غيره)؛ لأن الكراهة إنما هي في حق المصلي وقاصد الصلاة، وهذا كان منه ﷺ بعدها.
قال: (فصل:
من أدرك ركوع الثانية .. أدرك الجمعة، فيصلي بعد سلام الإمام ركعة)؛ لقوله ﷺ : (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها) متفق عليه] خ ٥٨٠ - م ٦٠٧ [.
وفي (المستدرك)] ١/ ٢٩١ [: (من أدرك من الجمعة ركعة .. فليصل إليها أخرى).
هذا إذا أكملها الإمام، أما لو خرج منها قبل السلام .. فلا، ويرشد إليه قوله: (فيصلي بعد سلام الإمام ركعة) والمراد: الركوع المحسوب للإمام.
وعبارته توهم: أن الركوع المحسوب للإمام وحده كاف، فيجوز لمن أدركه إخراج نفسه وإتمامها منفردا وليس كذلك، وعبارة (المحرر): من أدرك مع الإمام ركعة وهي أصوب.
ويجهر المسبوق في هذه الركعة بالقراءة، ذكره في (الشامل) في (صلاة الخوف) ناقلا له عن النص وهو القياس.
قال: (وإن أدركه بعده .. فاتته)؛ لمفهوم الحديث المذكور.
стр. 839
فَيُتِمُّ بَعْدَ سَلَامِ الإِمَامِ ظُهْراً أَرْبَعاً، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَنْوِي فِي اقْتِدَائِهِ الجُمْعَةَ. وَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ مِنْ الجُمُعَةِ أَوْ غَيْرِهَا بِحَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ .... جَازَ الاِسْتِخْلَافُ فِي الأَظْهَرِ
ــ
قال: (فيتم بعد سلام الإمام ظهرا أربعا) سواء كان عالما بالحال أو جاهلا؛ لزوال شرطها هذا قول أكثر العلماء.
وقال أبو حنيفة: تدرك الجمعة بالتشهد كغيرها من الصلوات.
وأشار بقوله: (فيتم) إلى أنه لا يحتاج إلى استئناف نية.
قال: (والأصح: أنه ينوي في اقتدائه الجمعة)؛ موافقة للإمام، ولأنه لا يحصل اليأس إلا بالسلام؛ لاحتمال أن يتذكر الإمام ترك ركن فيجب الإتيان بركعة، فيكون مدركا للجمعة.
والثاني: ينوي الظهر؛ لأنها الحاصلة له.
والظاهر: مضي الجمعة على الصحة.
قال: (وإذا خرج الإمام من الجمعة أو غيرها بحدث أو غيره .. جاز الاستخلاف في الأظهر) سواء غلبه ذلك أم فعله مختارا، عالما بالصلاة أو جاهلا، ففي (الصحيحين)] خ ١٢٠١ - م ٤٢١ [عن سهل بن سعد: (أن أبا بكر ﵁ صلى بالناس لغيبة رسول الله ﷺ في إصلاحه بين الطائفتين من الأنصار، ثم رجع ﷺ في أثناء الصلاة فتقدم وتأخر أبو بكر، وائتموا برسول الله ﷺ في بقية الصلاة).
والثاني- وهو القديم-: لا يجوز؛ لأنها صلاة واحدة، فيمتنع فيها ذلك كما لو اقتدى بإمامين دفعة واحدة، ويكون ذلك من خصائصه ﷺ لعلو منصبه] فلا [يتقدمه أحد.
والصحيح الأول، ومنهم من قطع به في غير الجمعة وخص القولين بالجمعة- وقواه في (شرح المهذب) - لكن في الاستدلال بالحديث نظر؛ لأن النبي ﷺ أشار إليه أن يثبت، وإنما فعل ذلك أبو بكر ﵁ أدبا، وإنما ينبغي
стр. 840
وَلَا يَسْتَخْلِفُ لِلجُمُعَةِ إِلاَّ مُقْتَدِياً بِهِ قَبْلَ حَدَثِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهً حَضَرَ الخُطْبَةَ وَلَا الرَّكْعَةَ الأُولَى فِي الأَصَحِّ فِيهِمَا
ــ
الاستدلال باستخلاف عمر ﵁ عبد الرحمن بن عوف لما طعن، كما رواه البيهقي] ٣/ ١١٣ [وغيره.
ويشترط أهلية الخليفة لإمامتهم، فلو استخلف امرأة لرجال ... لغا.
ولو لم يستخلف الإمام وكان خروجه من الصلاة في الركعة الأولى من الجمعة .. وجب على القوم تقديم واحد، وإن كان في الثانية أو في غير الجمعة .. جاز ولم يجب.
قال: (ولا يستخلف للجمعة إلا مقتديا به قبل حدثه)؛ لأنه لا يجوز افتتاح جمعة بعد انعقاد جمعة أخرى، وهذا لا خلاف فيه، فلو خالف وفعل، فهل تبطل صلاة هذا الخليفة، أو تكون ظهرا؟ .. فيها القولان في صحة الظهر قبل فوات الجمعة، والمشهور: عدم الصحة، وفي انعقادها نقلا القولان في نظائره.
قال: (ولا يشترط كونه حضر الخطبة)؛ لأنه صار بالاقتداء في حكم من حضرها، ولهذا تصح جمعته كما تصح جمعة الحاضرين السامعين.
وقيل: يشترط ذلك كما لو استخلف بعد الخطبة من لم يحضرها .. فإنه لا يصح. والخلاف في مجرد حضور الخطبة، ولا يشترط سماعها بالاتفاق.
قال: (ولا الركعة الأولى)؛ لما تقدم، إلا أن الخليفة لا يصلي الجمعة في هذه الحالة كما سيأتي.
قال: (في الأصح فيهما) أي: إن قلنا: يشترط حضور الخطبة .. اشترط حضور الركعة الأولى، وإلا .. فلا في الأصح. والخلاف في الثانية مرتب على الخلاف في الأولى وأولى بالمنع، لكنه عبر في الثانية في (الروضة) و (شرح المهذب) بالأظهر، فهو مخالف لتعبير الكتاب.
ولو استخلف في أثناء الخطبة .. فالأصح: جوازه، وكذلك بين الخطبة والصلاة وشرطه: أن يكون الخليفة سمع الخطبة على المذهب؛ لأن من لم يسمع .. ليس من أهل الجمعة.
стр. 841
ثُمَّ إِنْ كَانَ أَدْرَكَ الأُولَى .. تَمَّتْ جُمُعَتُهُمْ، وَإِلاَّ .. فَتتِمُّ لَهُمْ دُونَهُ فِي الأَصَحِّ، وَيُرَاعِي الْمَسْبُوقُ نَظْمَ الْمُسْتَخْلِفِ، فَإِذَا صَلَّى رَكْعَةً .. تَشَهَّدَ وَأَشَارَ إِلَيْهِمْ لِيُفَارِقُوهُ أَوْ يَنْتَظِرُوا،
ــ
وكذلك لو بادر أربعون من السامعين بعد الخطبة فعقدوا الجمعة .. انعقدت لهم بخلاف غيرهم.
وإنما يصير غير السامع من أهل الجمعة إذا دخل في الصلاة.
قال الشيخ: فإذا تأملت هذا الكلام .. ظهر لك: أن الشرط هنا حقيقة السماع، ولا يكفي الحضور بخلاف المسألة المتقدمة، وهو مما يرشد إلى أن سماع الأربعين حقيقة لا بد منه في أصل الباب.
قال: (ثم إن كان أدرك الأولى .. تمت جمعتهم) أي: جمعة الجميع، سواء كان حدث الإمام في الأولى أو الثانية.
وقيل: إن الخليفة يصلي الظهر، والقوم يصلون الجمعة.
قال: (وإلا .. فتتم لهم دونه في الأصح) فيهما؛ لأنه لم يدرك مع الإمام ركعة كاملة، فيتمها ظهرا، بخلاف ما إذا استمر مأموما إلى آخر الصلاة؛ فإنه إذا أدرك ركعة .. جعل تبعا للإمام في إدراك الركعة، والخليفة إمام لا يمكن جعله تبعا للمأمومين.
والثاني: يتمها الإمام جمعة أيضا؛ لأنه صلى ركعة في جماعة فأشبه المسبوق.
والثالث: أن القوم أيضا يتمونها ظهرا لا جمعة تبعا للإمام.
وتعبيره ب (الأصح) يقتضي: قوة الخلاف وهو عكس عبارة (الروضة).
ولك أن تقول جواز تقديم المأموم نفسه في هذه الحالة مشكل؛ لأن من فرضه الجمعة لا يجوز له أن يصلي الظهر مع إمكان الجمعة، فهو بتقديم نفسه مفوت للجمعة، فينبغي أن لا يجوز له أن يصير نفسه إماما.
قال: (ويراعي المسبوق نظم المستخلف) أي: وجوبا (فإذا صلى ركعة .. تشهد وأشار إليهم ليفارقوه أو ينتظروا)؛ لأنه قائم مقامه.
وأشار ب (المراعاة) إلى أن استخلاف المسبوق محله: إذا عرف نظم صلاة
стр. 842
وَلَا يَلْزَمُهُمُ اسْتِئْنَافُ نِيَّةِ القُدْوَةِ فِي الأَصَحِّ. وَمَنْ زُوحِمَ عَنْ السُّجُودِ فَأَمْكَنَهُ عَلَى إِنْسَانٍ ... فَعَلَ،
ــ
إمامه، فإن لم يعرفها .. لم يصح، وهذا هو الأشبه في (الروضة).
والثاني: يصح ويراقب القوم، فإن قعدوا ... قعد، وإن هموا بالقيام ... قام، ورجحه في (التحقيق) في (صلاة الجماعة).
وتعبيره بـ (النظم) يفهم: أنه لا يجب عليه قراءة التشهد وهو كذلك، وقياس ما تقدم في (صلاة الجماعة) .. أن يكون انتظاره أفضل.
قال: (ولا يلزمهم استئناف نية القدوة في الأصح)؛ لأن الأول لو استمر ... لم يحتج القوم إلى تجديد النية، فكذلك عند الاستخلاف.
والثاني: يلزمهم استئنافها؛ لأنهم بعد خروج الإمام من الصلاة قد انفردوا، بدليل أنهم يسجدون لسهوهم في تلك الحالة.
قال: (ومن زحم عن السجود فأمكنه على إنسان .. فعل) هذه مسألة الزحام وهي موصوفة بالإشكال، فإذا منعته الزحمة أن يسجد إلا على ظهر إنسان أو رجله .. لزمه ذلك؛ لأنه متمكن منه فلزمه، فإن لم يفعل .. كان متخلفا بغير عذر.
وروى البيهقي] ٣/ ١٨٣ [عن عمر أنه قال: (إذا اشتد الزحام .. فليسجد أحدكم على ظهر أخيه)، ولا يعرف له مخالف، وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد.
وقال مالك: يصبر ولا يسجد على غيره.
ونقل المحاملي وغيره وجها أنه: يتخير بين أن يسجد على الغير متابعة للإمام، وبين أن يصبر ليفعله على الأرض.
ثم على المذهب .. يشترط أن ترتفع أسافله على أعاليه في الأصح، كما في سائر الصلوات.
وصورته: أن يكون الساجد على شاخص، والمسجود عليه في وهدة.
وقيل: لا يضر عدم التنكيس هنا وإن ضر في باقي الصلوات؛ لمكان العذر.
وحكم ظهر البهيمة كالإنسان، وعبر في (التنبيه) بظهر إنسان.
стр. 843
وَإِلَّا .. فَالصَحِيحُ: أَنَّهُ يَنْتَظِرُ، ولَا يُومئ بِهِ، ثُمَّ إِنْ تَمَكَّنَ قَبْلَ رُكُوعِ إِمَامِهِ .. سَجَدَ، فَإِنْ رَفَعَ وَالإِمَامُ قَائِمٌ .. قَرَأَ،
ــ
قال في (التحرير): ولو حذف لفظ: إنسان .. لعم، وقد وقع هو هنا فيه، فلو قال: على شيء .. لعم.
قال: (وإلا) أي: وإن لم يمكنه السجود (.. فالصحيح: أنه ينتظر، ولا يومئ به) حتى يزول الزحام؛ لأن ذلك نهاية قدرته.
والثاني: يومئ كالمريض؛ لمكان العذر.
والثالث: يتخير بينهما. وهما ضعيفان.
وقيل: يجوز له الخروج من متابعة الإمام لهذا العذر ويتمها ظهرا؛ بناء على صحة الظهر قبل فوات الجمعة.
ومقتضى إطلاق المصنف: أنه لا يجوز له إخراج نفسه من الجماعة، والمشهور في المذهب المنصوص: أنه يجوز له إبطال الصلاة وينتظر الجمعة إن زال الزحام.
هذا كله في الركعة الأولى؛ فإن كان في الثانية .. سجد متى تمكن قبل سلام الإمام أو بعده.
قال: (ثم إن تمكن قبل ركوع إمامه .. سجد) تداركا عند زوال العذر، ولا يضر تخلفه بالسجدتين؛ لأنه معذور.
قال: (فإن رفع والإمام قائم .. قرأ)، فإن لم يتم قراءته حتى ركع الإمام .. فكما تقدم في (صلاة الجماعة) في الأصح، وهذا تخلف بعذر كما في (صلاة عسفان)، وهي العمدة في جواز ذلك.
стр. 844
أَوْ رَاكِعٌ .. فَالأَصَحُّ: يَرْكَعُ وَهُوَ كَمَسْبُوقٍ، فَإِنْ كَانَ إِمَامُهُ فَرَغَ مِنْ الرُّكُوعِ وَلَمْ يُسَلِّمْ .. وَافَقَهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً بَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَ سَلَّمَ .. فَاتتِ الجُمُعَةُ. وَإِنْ لَمْ يُمْكِنُهُ السُّجُودُ حَتَّى رَكَعَ الإِمَامُ .. فَفِي قَوْلِ: يُرَاعِي نَظْمَ نَفْسِهِ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَرْكَعُ مَعَهُ، وَيُحْسَبُ رُكُوعُهُ الأَوَّلُ فِي الأَصَحِّ، فَرِكْعِتُهُ مُلَفَّقَةٌ مِنْ رُكُوعِ الأُولَى وَسُجُودِ الثَّانِيَةِ، وَتُدْرَكُ بِهَا الْجُمُعَةُ فِي الأَصَحِّ،
ــ
قال: (أو راكع .. فالأصح) أنه (يركع وهو كمسبوق).
والثاني: لا؛ لأنه مؤتم بالإمام حال قراءته، فيقرأ ويسعى خلفه؛ لتخلفه بعذر.
قال: (فإن كان إمامه فرغ من الركوع ولم يسلم .. وافقه فيما هو فيه ثم يصلي ركعة بعده)؛ لأنه فاتته ركعة كالمسبوق.
وصرحوا هنا بأنه: لو سلم الإمام، كما رفع هو من السجود .. أنه يتم الجمعة.
قال: (وإن كان سلم .. فاتت الجمعة)؛ لأنه لم يدرك معه ركعة.
قال: (وإن لم يمكنه السجود حتى ركع الإمام) أي: في الثانية (.. ففي قول: يراعي نظم نفسه)؛ لقوله ﷺ : (إذا سجد .. فاسجدوا)، وقد سجد الإمام في الأولى فيسجد هو.
وعلى هذا: فالوجه: أن يقتصر على الأركان، ويحتمل أن يأتي بالسنن أيضا، كذا نقله الرافعي عن الإمام.
قال: (والأظهر: أنه يركع معه)؛ لحديث: (وإذا ركع .. فاركعوا)، ولأن متابعة الإمام آكد، ولهذا يتبعه المسبوق إذا أدركه راكعا، ويترك القراءة والقيام.
قال: (وبحسب ركوعه الأول في الأصح)؛ لأنه أتى به وقت الاعتداد به، وركوعه الثاني كان للمتابعة.
والثاني: المحسوب هو الثاني؛ لإفراط التخلف وكأنه مسبوق لحق الآن.
قال: (فركعته ملفقة من ركوع الأولى وسجود الثانية، وتدرك بها الجمعة في الأصح)؛
стр. 845
فَلَوْ سَجَدَ عَلَى تَرْتِيبِ نَفْسِهِ عَالِماً بَأَنَّ وَاجِبَهُ المُتَابَعَةُ .. بَطَلَت﴾ صَلَاتُهُ، وَإِنْ نَسِيَ أَو﴾ جَهِلَ .. لَمْ يُحْسَبْ سُجُودُهُ الأَوَّلُ، فَإِذَا سَجَدَ ثَانِياً .. حَسِبَ، وَالأَصَحُّ: إِدْرَاكُ الْجُمُعَةِ بِهَذِهِ الرَّكْعَةِ إِذَا كَمُلَتِ السَّجْدَتَانِ قَبْلَ سَلَامِ الإِمَامِ،
ــ
لإطلاق قوله ﷺ : (من أدرك ركعة من الجمعة .. فليصل إليها أخرى).
والثاني: لا تدرك بها لنقصانها بالتلفيق، والجمعة تعتبر فيها صفات الكمال.
قال: (فلو سجد على ترتيب نفسه عالما بأن واجبه المتابعة .. بطلت صلاته)؛ لتلاعبه بسجوده في موضع الركوع عالما بتحريمه، ويلزمه الإحرام بالجمعة إن أمكنه إدراك الإمام في الركوع هذا إذا لم ينو مفارقته، فإن نواها .. فقد أخرج نفسه من المتابعة بغير عذر.
قال: (وإن نسي أو جهل .. لم يحسب سجوده الأول)، وهذا هو الذي أتى به على ترتيب صلاة نفسه؛ لأنه أتى به في غير موضعه.
قال: (فإذا سجد ثانيا .. حسب) قاله الصيدلاني والإمام والغزالي، واستشكله الرافعي وأشار إليه في (المحرر) بقوله حيث قال: المنقول أنه يحسب.
وصورة مسألة الكتاب: أن يستمر النسيان والجهل حتى يسجد ثانيا، فلو زال قبل ذلك .. فعلى ما فهمه الرافعي عن الأكثرين ينبغي: أن يمتنع، وتجب المتابعة في التشهد، وإن كان الإمام في السجود .. تابعه.
قال: (والأصح: إدراك الجمعة بهذه الركعة إذا كملت السجدتان قبل سلام الإمام)؛ لما سبق في الركعة الملفقة.
والثاني: لا وإن قلنا بالإدراك بالملفقة؛ لأن الملفقة فيها نقصان واحد، وهذه فيها نقصانان.
следующие страницы →