Полный текст (463 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
أقرب إلى الخضوع. والجواب عن الآية: أنه أريد به نحر الجزور بعد صلاة العيد.
قوله: (والمرأة تضع يدها على صدرها) لأن حالها مبنية على الستر، والوضع على الصدر أستر لها.
قوله: (ثم يقول: سبحانك اللهم إلى آخره) لقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] قيل: هو سبحانك اللهم. لما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم ... " إلى آخره. رواه الجماعة.
وقال مالك: إذا كبر: شرع في القراءة، ولا يشتغل بالثناء والتعوذ والتسمية.
وقال الشافعي: يقول موضع الثناء:
"وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين".
стр. 107
وقال أبو يوسف: "يجمع بين الثناء، ووجهت، ثم إن شاء: قدم وجهت على الثناء، أو أخره" كذا في شرح الطحاوي، والأقطع. ومعنى قوله "سبحانك اللهم" أنزهك يا الله عما لا يليق لذاتك. ونصب سبحان: على المصدرية، وهو علم للتسبيح، كعثمان: علم للرجل، غير منصرف إلا عند الإضافة. ومعنى تبارك اسمك: أي تعاظم اسمك عن سمات المخلوقين، وتعالى جدك: أي عظمتك، وينبغي أن تمد لام تعالى. فإن قلت: وبحمدك معطوف على أي شيء؟ قلت: هذا عطف على محذوف، كأنه قال: سبحانك اللهم بجميع آلائك وبحمدك سبحانك. فافهم فإنه من خبايا الزوايا.
قوله: (الثاني) أي الركن الثاني (القراءة).
قوله: (ثم يتعوذ) عطف على قوله: (ثم يقول: سبحانك اللهم) أي يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن كان إماماً أو منفرداً، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ [النحل: ٩٨]. فإن قلت: ظاهر الآية يقتضي أن يتعوذ بعد القراءة كما هو مذهب الظاهرية، قلت: ظاهره متروك، تقديره: إذا أردت قراءة القرآن، فأطلق اسم المسبب على السبب، كما يقال: إذا دخلت على الأمير فتأهب، أي إذا أردت الدخول.
فإن قلت: ينبغي أن يكون التعوذ واجباً لظاهر الأمر. قلت: نعم، إلا أن السلف أجمعوا على سنيته. والمختار: أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وهو اختيار حمزة. وقال صاحب الهداية: "والأولى أن يقول: أستعيذ بالله من الشيطان
стр. 108
الرجيم، ليوافق القرآن، ويقرب منه: أعوذ".
قوله: (ثم يسمي) أي يقول: بسم الله الرحمن الرحيم.
(ولا يجهرها) لما روي عن أنس أنه قال: "صليت خلف النبي ﷺ وخلف أبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحداً منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم" رواه مسلم.
وقال الشافعي: يجهرها عند الجهر بالقراءة.
وهي آية أنزلت للفصل بين السور، ليست من الفاتحة ولا من كل سورة.
وقال الشافعي: هي من الفاتحة قولاً واحداً، وكذا من غيرها على الصحيح.
ولنا ما روي عن ابن عباس ﵁ قال: "كان النبي ﷺ لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم" رواه أبو داود والحاكم في المستدرك.
قوله: (ويقرأ الفاتحة إلى آخره) قراءة الفاتحة لم يتعين ركناً عندنا، وكذا ضم السورة إليها، وإنما الركن: قراءة القرآن مطلقاً، وقد بينا ذلك في الواجبات.
قوله: (وواجباتها) أي واجبات الصلاة، ما بينا في أول الفصل.
قوله: (وإذا قام الإمام: ولا الضالين، أمن هو) أي الإمام (والقوم جميعاً) لقوله ﵇: "إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه"
стр. 109
رواه مسلم والبخاري وأبو داود ومالك في الموطأ والترمذي، وقال حديث حسن صحيح.
قوله: (سراً) يعني يسر الإمام والقوم بالتأمين سراً ولا يجهرونها، لحديث وائل: أنه ﵇ قال: "آمين" خفض بها صوته. رواه أحمد وأبو داود والدارقطني، وقال الشافعي: يجهر بها عند الجهر بالقراءة. ومعناها: كذلك فليكن. وقيل: اللهم اسمع واستجب، وقيل: هي فارسية، يعني: همين، فقلبت الهاء همزة: كأراق وهراق، وهي بالمد والقصر، والتشديد: خطأ يفسد الصلاة. والفتوى: على أنه لا يفسد، تصحيحاً لصلاة العامة.
قوله: (والفاتحة وحدها) أي قراءة الفاتحة وحدها (في الركعتين الأخريين سنة) لقول أبي قتادة: "أنه ﵇ قرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب وحدها" وعن أبي حنيفة
стр. 110
أنها واجبة، حتى يجب سجود السهو بتركها، والأول أصح.
قوله: (وإن سبح فيهما) أي في الركعتين الأخريين (جاز) لأن علياً وابن مسعود ﵄ ما كانا يسبحان فيهما (ولو سكت كره) لأنه ترك السنة.
قوله: (والقراءة واجبة في كل ركعات النفل) لأن كل ركعتين منه: صلاة، ألا يرى أنه لا يجب بالتحريمة فيه إلا ركعتان في ظاهر الرواية، ويستفتح على رأس الأخريين في الرباعية، وكذلك تجب القراءة في ركعات الوتر للاحتياط.
قوله: (ويجهر الإمام حتماً) أي وجوباً (في صلاة الفجر والركعتين الأوليين من المغرب والعشاء) وقد استوفيا الكلام فيه عند عد الواجبات.
قوله: (ويخير المنفرد) أي بين الجهر والإخفاء.
قوله: (ويخفيان) أي الإمام والمنفرد جميعاً (في الباقي) وهو الظهر والعصر والركعتان الأخيرتان من العشاء، والركعة الثالثة من المغرب على سبيل الوجوب.
قوله: (ويجهر) أي الإمام (في الجمعة والعيدين: للتوارث) وكذلك في التراويح والوتر.
قوله: (وفي النفل يخفي نهاراً) أي وفي صلاة النفل يخفي المصلي القراءة في النهار، لأن النوافل أتباع للفرائض.
قوله: (ويخير ليلاً) أي يخير في النفل في الليل: بأن شاء جهر، وإن شاء خافت، والجهر أفضل اعتباراً بالفرض في حق المنفرد.
قوله: (ويكره تخصيص سورة بصلاة) لما فيه من هجر الباقي، وفيه احتراز عن قول الشافعي، فإن عنده الفاتحة مخصوصة بالقراءة في الصلوات.
стр. 111
قوله: (إلا إذا كان أيسر عليه) مثل ما إذا كان عامياً فلم يتيسر عليه إلا سورة الإخلاص مثلاً، فإنه إذا خصصها لصلاته لا يكره، لأن التكليف بقدر الوسع.
قوله: (أو اتبع النبي ﷺ مثل ما إذا خصص سورة "الم السجدة" لصلاة الفجر إتباعاً للنبي ﵇، فإنه ﵇ كان يقرأها في الفجر، ولكن بشرط أن يعتقد التسوية بينها وبين سائر القرآن، ولا يفضل بعضها على بعض، لأن كلام الله في الفضيلة سواء. ومعتقداً: حال من الضمير الذي في (اتبع) فافهم.
قوله: (ولا يقرأ المؤتم خلف الإمام) وقال مالك: يقرأ في السرية لا في الجهرية، وقال الشافعي: يقرأ الفاتحة في الكل، والأصح ما قلنا، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وأكثر أهل التفسير على أن هذا خطاب للمقتدين.
وقال أحمد: أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة.
وفي حديث أبي هريرة وأبي موسى "وإذا قرأ فأنصتوا" قال مسلم: هذا الحديث
стр. 112
صحيح. وذكر في الكافي: "ومنع المقتدي عن القراءة مأثور عن ثمانين نفراً من كبار الصحابة منهم: المرتضى والعبادلة، وقد دون أهل الحديث أساميهم" ثم المقتدي إذا قرأ خلف الإمام في صلاة المخافتة قيل: لا يكره، وإليه مال الشيخ الإمام أبو حفص، وقيل: عند محمد لا يكره، وعندهما: يكره.
قوله: (الثالث) أي الركن الثالث (الركوع) لقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا﴾.
قوله: (فإذا فرغ من اقراءة كبر وركع) أي كبر مع الركوع، لأن في الواو معنى المعية (وقال: سبحان ربي العظيم ثلاثاً) لما روي عن عقبة بن عامر أنه قال: "لما
стр. 113
نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾، قال رسول الله ﷺ : "اجعلوها في ركوعكم"، فلما نزلت: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ قال: "اجعلوها في سجودكم" رواه أبو داود. وعند أبي مطيع: هذا فرض.
قوله: (وهو أدنى الكمال) أي القول ثلاثاً: أدنى الفضيلة، وإن سبح مرة: كره، لأنه مخالفة لما في السنة.
قوله: (فإذا اطمأن راكعاً) أي حال كونه راكعاً (قال: سمع الله لمن حمده، لا غير) يعني لا يقول: ربنا لك الحمد، وهذا عند أبي حنيفة، وعندهما: يجمع بينهما كيلا يكون محرضاً غيره وناسياً نفسه فيستحق التوبيخ، قال تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢].
стр. 114
وله: قوله ﵇: "إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد" رواه البخاري ومسلم.
ومعنى سمع الله لمن حمده: أجاب الله، والهاء للسكتة لا للكناية، فلهذا تحريكه خطأ.
قوله: (ويقول المؤتم: ربنا لك الحمد) هذا وظيفة القوم عندنا، وعند الشافعي: يأتون بالتسميع أيضاً.
قوله: (والمنفرد يجمع بينهما) أي بين التحميد والتسميع. وصفة التحميد: ربنا لك الحمد، ربنا ولك الحمد، اللهم ربنا لك الحمد، وهو الأحسن، والكل منقول عن النبي ﷺ . فهذه الواو زائدة، وقيل: عاطفة، تقديره: ربنا حمدناك ولك الحمد.
قوله: (الرابع) أي الركن الرابع (السجود) وهو وضع الجبهة على الأرض.
قوله: (فإذا اطمأن قائماً) أي من الركوع (كبر وسجد وقال: سبحان ربي الأعلى
стр. 115
ثلاثاً وذلك أدناه) ويستحب الزيادة بالإيتار، وهو: الخمس أو السبع، وإن كان إماماً: لا يزيد على وجه يمل القوم، لأنه يؤدي إلى تنفير الجماعة (ثم يرفع رأسه مكبراً) أي ثم يرفع رأسه من السجدة حال كونه مكبراً (ويقعد، فإذا اطمأن كبر وسجد ثانية كالأولى) والسجدتان كلتاهما فرض، حتى تفسد الصلاة بترك واحدة منها.
فإن قلت: ما الأصل في تكرار السجود دون الركوع؟
قلت: هذا أمر تعبدي عند الفقهاء، ولكن فيه حكمة، وهي أن الأولى: لامتثال الأمر، والثانية: لرغم إبليس، حيث لم يسجد استكباراً، وقيل: الأولى: لشكر الإيمان، والثانية: لبقائه، وقيل الأولى: إشارة إلى خلق الإنسان من التراب، والثانية: إشارة إلى أنه يعود إليه.
فرع: وضع القدمين على الأرض حالة السجود فرض، فإن وضع إحداهما دون الأخرى: يجوز ويكره، ذكره في التتمة. والسجود باليدين والركبتين ليس بواجب عندنا، خلافاً لزفر والشافعي.
قوله: (ويجوز السجود على كور عمامته وطرف ثوبه).
وقال الشافعي: لا يجوز.
ولنا: حديث أنس قال: "كنا نصلي مع النبي ﷺ في شدة الحر فإن لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه" رواه البخاري ومسلم.
стр. 116
وقال البخاري في صحيحه: قال الحسن: "كان القوم يسجدون، على العمامة والقلنسوة" ولو سجد على كفه وهي على الأرض: جاز على الأصح، ولو بسط كمه على النجاسة فسجد عليه: يجوز، وقيل: لا يجوز.
ولو سجد على فخذه من غير عذر: لا يجوز على المختار، وبعذر: يجوز على المختار. وعلى ركبتيه: لا يجوز في الوجهين.
ولو سجد على ظهر من هو في صلاته: يجوز، وعلى ظهر من يصلي صلاة أخرى، أو ليس في الصلاة: لا يجوز. والمستحب أن يسجد على التراب.
قوله: (والخامس) أي الركن الخامس (الانتقال من ركن إلى ركن) على ما بينا من أنه مثل الانتقال من القيام إلى الركوع، ومن الركوع إلى السجود، ومن السجدة إلى السجدة، ألا يرى أن رفع الرأس كيف يشترط ليتحقق الانتقال؟ حتى لو تحقق الانتقال بلا رفع الرأس بأن سجد على وسادة، فنزعت الوسادة من تحت رأسه، وسجد على الأرض: يجوز.
فعلم من ذلك أن الانتقال فرض، واشتراط رفع الرأس لأجله، لا لكونه فرضاً بنفسه.
قوله: (السادس) أي الركن السادس (القعدة الأخيرة قدر التشهد) وقد مر الكلام فيه مستوفى.
قوله: (وإذا قرأ التشهد يشير بمسبحته عند كلمة التوحيد) وهي قوله: أشهد أن لا إله إلا الله، لما قال محمد: أنه ﵇ كان يشير، ونحن نصنع بصنعه ﵇. قال: وهو قول أبي حنيفة.
стр. 117
وإنما قال في الأصح: لأن كثيراً من المشايخ لا يرون الإشارة، وكرهها في منية المفتي، وقال في الفتاوى: لا إشارة في الصلاة إلا عند الشهادة في التشهد، وهو حسن.
قوله: (ولا يزيد في القعدة الأولى على قوله: أشهد أن محمداً عبده ورسوله) لأن الزيادة ما نقلت.
قوله: (ويزيد في الثانية) أي في القعدة الثانية (الصلاة على النبي ﵇ قلت: سها المصنف في قوله: (في الثانية) لأنه لا يشتمل قعدة الصبح وتشهد المسافر في الرباعية، ولو قال: (ويزيد في الأخيرة) لكان أشمل، فافهم.
ثم اعلم أن الصلاة على النبي ﵇ فرض في العمر مرة واحدة، أما فرضيتها فلقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] والأمر للوجوب.
وأما كونها مرة: فلأن الأمر لا يقتضي التكرار، وقال الطحاوي: يكرر كلما ذكر النبي ﵇. وأما في الصلاة: فهي سنة عندنا، وقال الشافعي: فرض.
قلنا: لو كان فرضاً لعلمها الأعرابي حين علمه فرائض الصلاة.
قوله: (وما شاء من الدعاء) أي يزيد في الثانية أيضاً ما شاء من الدعاء، والمراد منه الدعاء الذي يشبه القرآن أو السنة، نحو: اللهم اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين والمؤمنات.
стр. 118
وما ليس من القرآن: مفسد، كقوله: اللهم اغفر لزيد وعمرو، أو لعمي وخالي. ولو قال: اللهم ارزقني من بقلها وقثائها وفومها: لا تفسد، لأنه موجود في القرآن، ولو قال: اللهم ارزقني بقلاً وقثاءً وفوماً: تفسد: لأنه ليس من القرآن.
وهذا كله إذا لم يقعد قدر التشهد في آخر الصلاة، وأما إذا قعد: فصلاته تامة، ويخرج به من الصلاة.
قوله: (والسؤال) أي يزيد أيضاً من السؤال الذي لا يعطيه إلا الله، كالرحمة والمغفرة والرضا والجنة والاستعاذة من النار ومن الشيطان الرجيم، ولا يسأل بما لا يستحيل سؤاله من العباد، نحو: أعطني كذا، أو زوجني امرأة، وعند الشافعي: يجوز أن يدعو بما شاء مطلقاً ولنا قوله ﵇: "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، وإنما هي التسبيح والتهليل وقراءة القرآن" رواه مسلم.
قوله: (ثم يسلم عن يمينه) أي بعد الفراغ عن التشهد والصلاة والدعاء: يسلم عن يمينه فيقول: السلام عليكم ورحمة الله، ثم يسلم عن يساره كذلك.
والسلام ليس بفرض عندنا، حتى يصح الخروج بغيره، وقال الشافعي: هو فرض لقوله ﵇: "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم".
ولنا: ما روي عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قعد الإمام
стр. 119
في آخر صلاته، ثم أحدث قبل أن يتشهد تمت صلاته"، وفي رواية: "قبل أن يسلم"، وفي رواية: "قبل أن يتكلم" رواه أبو داود والترمذي والبيهقي.
وما رواه إن صح: لا يفيد الفرضية، لأنها ثبتت بخبر الواحد، وإنما يفيد الوجوب، وقد قلنا بوجوبه.
قوله: (وينوي بكل تسليمة من في تلك الجهة من الملائكة والحاضرين رجالاً ونساءً) لأن السلام قربة والأعمال بالنيات، والأصح أن لا ينوي النساء في زماننا ولا من لا شركة له في الصلاة. نص عليه في الهداية ولا ينوي الملائكة عدداً محصوراً لاختلاف الأخبار في عددهم.
فقال ابن عباس: مع كل مؤمن خمس من الحفظة: واحد عن يمينه يكتب الحسنات، وواحد عن يساره يكتب السيئات، وواحد أمامه يلقنه الخبرات، وواحد ورائه يدفع عنه الآفات، وواحد عند ناصيته يكتب ما يصلي على النبي ﷺ ويلقيه إلى الرسول ﷺ .
وقيل: مع كل مؤمن ملكان، وقيل: ستون ملكاً، وقيل: مائة وستون، فصار كالأنبياء ﵈، فإنه لا ينبغي أن يعين عدداً في إيمانهم، للاختلاف، فربما يؤمن بمن ليس نبي، أو لا يؤمن بمن هو نبي لو عين عدداً.
стр. 120
ثم المصنف قدم الملائكة على الحاضرين كما هو في المبسوط. وفي الجامع الصغير: عكسه، ولا يتعلق بذلك حكم، لأن الواو لا تقتضي الترتيب.
قوله: (والمأموم ينوي إمامه في أي جهة كان) فإن كان في يمينه: نواه في التسليمة الثانية، وإن كان في يساره: نواه في التسليمة الأولى، وإن كان بحذائه: نواه فيهما أي في التسليمتين.
стр. 121
فصل في السنن الرواتب وغيرها
لما فرغ عن بيان الفرائض شرع في بيان السنن، والرواتب جمع راتبة، والسنة الراتبة: هي السنة المؤكدة، وقوله: (وغيرها) أي وفي بيان غير السنن الرواتب أيضاً، وهي السنن غير المؤكدة.
قوله: (وهي) أي السنن الرواتب (ركعتان قبل الفجر، وأربع قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء) فهذه اثنتي عشرة ركعة. لما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كان النبي ﷺ يصلي قبل الظهر أربعاً وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين، وبعد العشاء ركعتين، وقبل الفجر ركعتين" رواه أبو داود ومسلم وابن حنبل.
قوله: (وأربع قبل العصر) وهذا غير مؤكد، لعدم المواظبة عليه، ولهذا جعلها في الأصل حسناً.
قوله: (أو ركعتان) أي قبل العصر، يعني يخير المصلي بين الركعتين والأربع قبل العصر، لاختلاف الآثار، والأربع أفضل.
قوله: (وأربع قبل العشاء) وهذه أيضاً غير مؤكدة لما قلنا، ولهذا كان مستحباً.
стр. 122
قوله: (وبعدها أربع أو ركعتان) أي بعد العشاء أربع ركعات أو ركعتان، خلاف الركعتين اللتين هما مؤكدتان، وقيل: الأربع قول أبي حنيفة، والركعتان: قولهما، بناءً على اختلافهم في نوافل الليل.
قوله: (وأربع قبل الجمعة) لما روي عن أبي أيوب: "كان النبي ﷺ يصلي بعد الزوال أربع ركعات، فقلت: ما هذه الصلاة التي تداوم عليها؟ فقال: "هذه ساعة تفتح أبواب السماء فيها فأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح"، فقلت: أفي كلهن قراءة؟ فقال: "نعم"، فقلت: ابتسليمة واحدة أم بتسليمتين؟ فقال: "بتسليمة واحدة" رواه الطحاوي وأبو داود والترمذي وابن ماجة، من غير فصل بين الجمعة والظهر، فتكون سنة كل واحد منهما أربعاً.
قوله: (وأربع بعدها) أي بعد الجمعة لما روي عن ابي هريرة ﵁ أنه ﵇ قال: "من كان منكم مصلياً بعد الجمعة فليصل أربعاً" رواه مسلم.
قوله: (والسنة لا تقضي إلا سنة الفجر إذا فاتت مع الفجر) لأن الأصل في السنن أن لا تقضى، لأن القضاء تسليم مثل الواجب فيختص به، إلا أن النص ورد في قضاء
стр. 123
سنة الفجر تبعاً للفرض، فبقي ما وراءه على الأصل.
وأما إذا فاتت بغير الفجر هل تقضى؟ فعندهما: لا تقضى، وعند محمد: تقضى بعد طلوع الشمس إلى الزوال.
قوله: (وسنة الظهر أيضاً يقضيها في وقته) يعني إذا فاتت الأربع التي قبل الظهر بسبب شروعه مع الإمام، يقضيها في وقته عند الجمهور، وقيل: لا يقضيها، والأول أصح.
ثم قال أبو يوسف: يصلي الأربع أولاً ثم الركعتين، وقال محمد: بعكسه، وذكر الصدر الشهيد الاختلاف على العكس.
مسألة: ترك سنن الصلوات الخمس: إن لم يرها حقاً: كفر، وإلا أثم.
قوله: (والتطوع بالنهار: ركعتان) بتسليمة (أو أربع) لورود الأثر كذلك (وفي الليل: ركعتان، أو أربع، أو ست، أو ثمان).
قوله: (وتكره الزيادة على ذلك فيهما) أي على الأربع في النهار، وعلى الثمان في الليل.
قوله: (والأربع أفضل فيهما) أي التنفل بأربع ركعات: أفضل في الليل والنهار جميعاً. هذا عند أبي حنيفة، وعندهما: الأفضل هو الأربع بالنهار، والركعتان بالليل.
стр. 124
وعند الشافعي: الأفضل مثنى مثنى فيهما لقوله ﵇: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى".
ولهما قوله ﵇: "صلاة الليل مثنى" ولأبي حنيفة ما روت عائشة ﵂: "كان ﷺ يصلي بالليل أربع ركعات لا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعاً لا تسأل عن حسنهن وطولهن" رواه مسلم والبخاري.
قوله: (والأفضل في السنن والنوافل: المنزل) لما روى زيد بن ثابت أن النبي ﷺ قال: "صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة" رواه أبو داود.
стр. 125
قوله: (ويتطوع قاعداً بغير عذر) لأن باب النفل أوسع، ثم قيل: يقعد متربعاً، والصحيح أن يقعد كما في التشهد، لأنه عهد مشروعاً في الصلاة.
قوله: (إلا سنة الفجر) لأنها في قوة الواجب، فلا تجوز قاعداً إلا من عذر.
قوله: (ولو شرع قاعداً) أي لو شرع في التطوع قاعداً (وأتمه قائماً أو بالعكس) وهو أن يشرع قائماً وأتمه قاعداً: صح، فالأولى: اتفاقية، والثانية: فيها خلاف، فعند أبي حنيفة: يجوز ويكره كما في الابتداء، وعندهما: لا يجوز إلا عند العذر، اعتباراً للشروع بالنذر.
قوله: (ولو شرع راكباً) أي ولو شرع في التطوع وهو على الدابة (ثم نزل: بنى على صلاته) لأن إحرامه انعقد مجوزاً للركوع والسجود على معنى أنه بالخيار، إن شاء نزل وأتمه بركوع، وإن شاء أتمه على الدابة.
قوله: (وفي عكسه استقبل) وهو ما إذا شرع في التطوع وصلى ركعة وهو على الأرض، ثم ركب: لا يبني بل يستقبل، لأن إحرامه انعقد موجباً للركوع والسجود، فلا يقدر على ترك ما لزمه من غير عذر.
قوله: (ويكره التطوع بجماعة إلا التراويح) لورود الأثر في التراويح دون غيرها من النوافل.
قوله: (ومن تطوع بصلاة أو صوم لزمه إتمامه) لأنه وجب عليه بالشروع، حتى يلزم عليه القضاء إن أفسده.
وقال الشافعي: لا يجب بالشروع، فلا يقضى عند الإفساد.
стр. 126
فصل في التراويح
المناسبة بين الفصلين ظاهرة، وهي كون كل واحد منهما مشتملاً على النوافل. قوله: (وهي) أي التراويح (سنة مؤكدة) ذكر القدوري لفظ الاستحباب، والأصح: أنها سنة مؤكدة لمواظبة الخلفاء الراشدين عليها، نص عليه صاحب الهداية.
وهي سنة الرجال والنساء، وقال بعض الروافض: سنة الرجال دون النساء، وقال بعضهم: سنة عمر ﵁.
وعندنا: هي سنة رسول الله ﷺ لأنه أقامها في بعض الليالي، وبين العذر في ترك المواظبة، وهي خشية أن تكتب علينا، ثم واظب عليها الخلفاء الراشدون.
قوله: (خمس ترويحات) أي التراويح من جهة العدد: خمس ترويحات، كل ترويحة: أربع بتسلمتين، فالجميع عشرون ركعة.
وعند مالك: ست وثلاثون ركعة.
ولنا ما روى البيهقي بإسناد صحيح: "أنهم كانوا يقيمون على عهد عمر ﵁ بعشرين ركعة، وعلى عهد عثمان وعلي ﵄ مثله"، فصار إجماعاً.
قوله: (ويجلس بين كل ترويحتين) هذا الجلوس مستحب، لعادة أهل الحرمين كذلك، غير أن أهل مكة يطوفون بين كل ترويحتين أسبوعاً، وأهل المدينة يصلون بدل
стр. 127
ذلك أربع ركعات، وأهل كل بلدة بالخيار: يسبحون أو يهللون أو ينتظرون سكوتاً.
قوله: (ولا يجلس بعد التسليمة الخامسة) في الأصح، وهو قول الجمهور، فالجلوس خلاف عمل أهل الحرمين.
قوله: (ثم يوتر بهم) أي ثم يصلي الإمام بهم الوتر، وأشار (بثم) إلى أن وقت التراويح بعد العشاء قبل الوتر، ولكن الأصح أن وقته بعد العشاء إلى آخر الليل قبل الوتر وبعده، كما يجيء عن قريب.
وإدخال (ثم) هنا على المعهود من ترتيب الوتر عليها.
قوله: (ولا يصلى الوتر بجماعة خارج رمضان) عليه إجماع المسلمين، هذا لفظ الهداية. وفي النوازل وواقعات الصدر الشهيد: "أن الاقتداء بالوتر خارج رمضان يجوز".
قوله: (وسنتها الختم) أي سنة التراويح: الختم في الشهر، وهو أن يقرأ في كل ليلة جزءاً من القرآن الكريم. هذا هو المفهوم من ظاهر كلامه. ولكن ينبغي أن يكون الختم في ليلة السابع والعشرين لكثرة الأخبار أنها ليلة القدر. والختم مرتين: فضيلة، وثلاث مرات في كل عشر: أفضل، ونص صاحب الهداية والكافي: "أن الختم لا يترك لكسل القوم".
قوله: (والجماعة فيها) أي في التراويح (سنة على الكفاية) هذا عند الجمهور، حتى لو ترك أهل مسجد: أساءوا، ولو أقامها البعض: فالمتخلف عن الجماعة تارك للفضيلة، ولم يكن مسيئاً، فقد تخلف بعض الصحابة.
قوله: (ويترك الإمام الدعاء بعد التشهد إن علم ملل القوم) لأنها ليست بسنة، بخلاف الثناء، حيث لا يتركها الإمام ولا الجماعة.
стр. 128
قوله: (ووقتها) أي وقت التراويح (بعد أداء العشاء إلى الفجر قبل الوتر وبعده) وقال جماعة من أصحابنا منهم إسماعيل الزاهد: أن الليل كله وقت لها، قبل العشاء وبعده. وقال عامة مشائخ بخارى: وقتها ما بين العشاء والوتر. والصحيح ما ذكره المصنف، حتى لو تبين أن العشاء صلوها بغير وضوء دون التراويح والوتر، أعادوا التراويح مع العشاء دون الوتر عند أبي حنيفة، لأنها تبع للعشاء.
стр. 129
فصل في الوتر
المناسبة بين الفصلين: من حيث أن كلاً من التراويح والوتر ثابت بالسنة، ومن حيث أن كلاً منهما مشروع بالجماعة في رمضان.
قوله: (وهو) أي الوتر (واجب) عند أبي حنيفة علماً، وفرض عملاً، وسنة سبباً، وعندهما: سنة، لأن الزيادة على الخمس زيادة على النص بالرأي.
وله: قوله ﵇: "الوتر حق على كل مسلم" رواه أبو داود، وقال الحاكم: هو على شرطي البخاري ومسلم.
وقوله ﵇: "اجعلوا آخر صلاتكم وتراً" اتفقا عليه في الصحيحين.
والأمر وكلمة (على، وحق) للوجوب.
وفائدة هذا الخلاف في مسألتين: الأولى: إذا تذكر في صلاة الوتر فريضة فائتة: فسدت صلاة الوتر عنده، خلافاً لهما، والثانية: إذا صلى العشاء بغير طهارة وهو لا يعلم، أو حاملاً للنجاسة، أو غير متوجه إلى القبلة، وصلى الوتر مستجمعاً لشرائط الصحة، ثم تذكر بعد أداء الوتر أن العشاء غير صحيحة، ثم أعاد العشاء، لا يلزمه إعادة الوتر عنده، خلافاً لهما.
قوله: (ثلاث ركعات) أي الوتر ثلاث ركعات متصلة عندنا، وعند الشافعي في قول: ركعة واحدة، وفي قول: ثلاث بقعدة، وفي قول: ثلاث بتسليمتين، وفي قول: كمذهبنا، لكن من غير قنوت في جميع السنة إلا في النصف الأخير من رمضان.
стр. 130
قوله: (يقنت في الثالثة) أي في الركعة الثالثة (سراً قبل الركوع) كل السنة، وعند الشافعي: القنوت بعد الركوع فيما يقنت، لأنه ﷺ : "قنت في الفجر بعد الركوع"، ولنا: أنه ﵇ "قنت شهراً يدعو على قوم من العرب ثم تركه" رواه البخاري ومسلم.
وقوله: (سراً) أي إخفاء، لأنه دعاء، وخير الدعاء ما خفي. وقيل: الإمام يجهل، والأول أصح.
قوله: (ولا يقنت في الفجر) خلافاً للشافعي، وقد مر.
قوله: (وإن قنت إمامه فيه) صورته: حنفي اقتدى بشافعي يقنت في الفجر، يسكت الحنفي ولا يتابعه في القنوت، وإذا لم يتابعه: قيل: يقف ساكتاً ليتابعه في الباقي، وقيل: يقعد تحقيقاً للمخالفة. والأول أصح. وقال أبو يوسف: يتابعه لأنه مجتهد فيه، وقد التزم متابعته، ولهما: أنه منسوخ.
ثم اقتداء الحنفي بالشافعي هل يجوز؟ قال شمس الأئمة الحلواني: لا يجوز إذا كان يعلم أنه لا يرى الوضوء من الحجامة، والوتر ثلاثاً بتسليمة واحدة. وقال ركن الإسلام علي السغدي: ما لم يستيقن بالمفسد: يصلي خلفه.
стр. 131
وهكذا أجاب شيخ الإسلام الأوزجندي.
وسئل شيخ الإسلام: عن الصلاة خلف من يشك في إيمانه؟ قال: هذا من ضعف الفهم والرأي. وقال ركن الإسلام: من شك في إيمانه لا يكون مؤمناً. وقيل: إن قال: أنا مؤمن إن شاء الله: لا يصح الاقتداء به، وإن قال: أموت مؤمناً إن شاء الله: يصح الاقتداء به.
قوله: (ولو فات يقضى) وهذا بالإجماع. والأصل في ذلك: أن الوتر دائر بين الوجوب والسنة، فبالنظر إلى جانب لوجوب: يقضى فواته، ولا يجوز قاعداً من غير عذر ولا راكباً.
وبالنظر إلى جانب السنة: لا يكفر جاحده، ولا أذان له ولا إقامة، ولا وقت له غير وقت العشاء.
قوله: (وليس فيه) أي في الوتر (دعاء معين) كذا ذكره في المحيط. فعلى هذا يجوز له أن يدعو بما شاء من الأدعية المأثورة. وعمل كافة الناس اليوم على قراءة "اللهم إنا نستعينك" إلى آخره، ومن لا يعرف القنوت يقول: يا رب ثلاث مرات، ثم يركع، كذا ذكر في فتاوى سمرقند.
وفي شرح الطحاوي يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
стр. 132
قوله: (وفي جامع الأصول عن علي ﵁ عن النبي ﷺ كان يقول في وتره: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك") قلت: هذا الحديث أورده أبو داود والنسائي.
стр. 133
فصل
هذا الفصل في بيان ما يكره
من الصلاة ما لا يكره، وما يفسدها وما لا يفسدها
قوله: (يستحب أن يكون نظر المصلي في قيامه إلى موضع سجوده) وذلك لما نزل قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]، قال أبو طلحة: ما الخشوع يا رسول الله؟ قال: "أن يكون منتهى بصر المصلي: موضع سجوده، وفي الركوع: إلى ظهر قدميه، وفي السجود: إلى أرنبة أنفه، وفي القعود: إلى حجره، وعند التسليمة الأولى: إلى كتفه الأيمن، وعند الثانية: إلى كتفه الأيسر".
قوله: (ولا يلتفت) لقوله ﵇: "لا يزال الله مقبلاً على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت فإذا التفت انصرف عنه" رواه أبو داود والنسائي.
وحد الالتفات المكروه: أن يلوي عنقه، حتى يخرج وجهه من أن يكون إلى جهة القبلة، فأما لو نظر بمؤخر عينيه يمنة أو يسرة من غير أن يلوي عنقه: فلا يكره، لأنه ﷺ "كان يلاحظ أصحابه في صلاته بموق عينيه".
стр. 134
قوله: (ولا يعبث بثوبه وعضوه) لقوله ﵇: "إن الله كره ثلاثاً: الرفث في الصوم والعبث في الصلاة والضحك في المقابر" وإذا انتقض كور عمامته فسواها: فصلاته تامة.
وإن عبث بلحيته أو حك بعض جسده: لا تفسد صلاته، وعلى قياس ما حكي عن عن أبي نصر: أن من نتف شعره ثلاثاً: فسدت صلاته، وكذا إذا حك جسده أو عبث بلحيته ثلاثاً، وكذلك إذا لبس المصلي الخفين، والمرأة إذا تخمرت: فسدت صلاتها.
قوله: (ويكره تغميض عينيه) لقوله ﵇: "إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يغمض عينيه".
قوله: (ويكره سبقه الإمام) أي سبق المقتدي الإمام (في الأفعال) بأن يركع قبل أن يركع الإمام، أو يرفع رأسه من الركوع أو السجود قبل الإمام، لأنه مخالفة، وهو مأمور بالموافقة، لقوله ﵇: "لا تبادروني بالركوع والسجود" رواه أبو داود، وروى أبو داود أيضاً عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أما يخشى، أو ألا يخشى أحدكم إذا رفع رأسه والإمام ساجد أن يحول الله رأسه رأس حمار أو صورته صورة حمار".
стр. 135
وهذا فيما إذا وجدت المشاركة مع الإمام، وأما إذا لم توجد أصلاً: تفسد صلاته.
قوله: (وعد الآي) أي يكره عد الآي والتسبيح، هذا عند أبي حنيفة، لأنه ليس من أعمال الصلاة، وعندهما: لا بأس به، وبه قال الشافعي.
قيل: الخلاف في المكتوبة، ولا خلاف في التطوع أنه لا يكره، وقيل: بالعكس.
والغمز برءوس الأصابع أو الحفظ بالقلب: لا يكره اتفاقاً، وأشار في الإيضاح: إلى أن يكره العد بالقلب أيضاً. (وحمل شيء) أي يكره حمل شيء في يده أو فمه، لأنه نوع عبث، ومنه قلب الحصى، إلا أن لا يمكنه السجود فيسويه مرة، لأنه جاء في الخبر عن سيد البشر في تسوية الحجر: "يا أبا ذر، مرة أو ذر".
قوله: (وتطويل الإمام) أي يكره تطويل الإمام (الركوع لداخل يعرفه) لأن العبادة ينبغي أن تكون خالصة لله تعالى، وفيه نوع اشتراك، حتى قيل: تفسد صلاته، وقيل: يخشى عليه الكفر، وإذا لم يعرف الداخل: لا يكره، وقيل: إن كان الداخل غنياً: يكره، وإن كان فقيراً: لا يكره.
قوله: (ويكره افتتاح الصلاة وبه حاجة) أي إلى الخلاء من البول أو الغائط، لما
стр. 136
روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أراد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة" ولأنه يشغله، ولا يتفرغ قلبه إلى الصلاة.
قوله: (ويكره الصلاة خلف صف وحده مهما وجد فرجة) أي موضعاً خالياً في الصف، لتخلفه عن الجماعة بانفراده، حتى إذا لم يجد فرجة: لا يكره، للضرورة.
قوله: (ولو صلى في مكان طاهر في الحمام ولا صورة فيه: لا يكره) وقيل: يكره مطلقاً، فقيل: لأنه موضع الشياطين، وقيل: لأنه مصب الغسلات، والأصح أنه لا يكره، ولكن بشرط أن يستر عورته، وأن يصلي في مكان نظيف، والاستدلال على الكراهة بأنه موضع الشياطين: ممنوع، فإن جميع المواضع لا تخلو عنهم، فينبغي أن تكره الصلاة خارج الحمام أيضاً، وليس كذلك، والاستدلال عليهما بأنه مصب الغسلات: مدفوع بالمكان الطاهر، وإنما قيد بقوله: (ولا صورة فيه) لأنه إذا كان فيه صورة: يكره.
قوله: (وتكره القراءة في الحمام جهراً لا سراً) قلت: ينبغي أن لا تكره مطلقاً، لأن من يكرهها جهراً يستدل بأنه موضع الشياطين، وقد قلنا أن جميع المواضع لا تخلو عنهم، فيلزم أن تكره القراءة جهراً في سائر المواضع، والأمر بخلافه.
قوله: (وتكره صورة ذي الروح) مثل صورة الأسد والفيل والآدمي والخيل والطير التي ينقشها المصورون في الجدران والسقوف، وينسجها النساج في البسط والفرش. قيده بقوله: (ذي روح) لأن صورة غير ذي روح: لا يكره، كالشجر ونحوه، لأنه لا يعبد.
стр. 137
قوله: (في كل جهات المصلي) يعني سواء كانت في يمينه أو يساره أو أمامه أو وراءه أو فوقه أو تحته، وذلك لحديث جبريل ﵇: "إنا لا ندخل بيتاً فيه كلب أو صورة" رواه مسلم. وبيت لا تدخله الملائكة شر البيوت، وأشدها كراهة أن يكون أمام المصلي، ثم فوق رأسه، ثم يمينه، ثم يساره، ثم خلفه.
قوله: (إلا ممحوة الرأس) لأن الصورة لا تعبد بلا رأس.
وممحوة الرأس: أن تكون مقطوعة الرأس، أو يمحى رأسها بخيط يخاط عليها، حتى لم يبق للرأس أثر أصلاً، ولو خيط ما بين الرأس والجيد: لا يعتبر، لأن من الطيور ما هو مطوق.
قوله: (أو الصغيرة جداً) وهذا أن يكون بحيث لا يبدو للناظر إلا بتأمل، لأن الصغيرة جداً لا تعبد، وكان على خاتم أبي هريرة ذبابتان ولو صلى على بساط مصور: لا يكره إن لم يسجد عليها، لأنه إهانة وليس بتعظيم، ولو كانت الصورة على وسادة ملقاة أو بساط مفروش: لم يكره، لأنها توطأ، فكان استهانة بالصورة، بخلاف ما لو كانت الوسادة منصوبة كالوسائد الكبار، أو كانت على الستر، لأنه تعظيم لها، ولو لبس ثوباً مصوراً: كره لشبهه بحامل الصنم، ولا تفسد صلاته في كل الفصول.
قوله: (ولو استقبل تنوراً متقداً) أي يشعل فيه نار (أو كانوناً فيه نار: يكره) لأنه يشبه عبادتها، بخلاف الشمع والسراج والمصحف والسيف ونحوها، لأن هذه الأشياء لا تعبد غالباً.
قوله: (والعمل الكثير يقطع الصلاة) أي يبطلها، وهو ما لا يوجد إلا باليدين، ويتفرع عليه مسائل منها:
إذا وقعت عمامته من رأسه في الصلاة، فإن وضعها على رأسه بيده الواحدة: لا تفسد، وإن وضعها بيديه: تفسد. ومنها: إذا ألجم الدابة في الصلاة: تفسد، لأن
стр. 138
الإلجام لا يكون إلا باليدين، بخلاف ما إذا خلعها، لأن الخلع يمكن بيد واحدة.
ومنها: إذا عقد إزاره في الصلاة، فإن عقدها بيده الواحدة: لا تفسد، وإن عقدها بيديه: تفسد.
وقيل: العمل الكثير ما اشتمل على العدد الثلاث، ويتفرع عليه مسائل منها: أن المصلي إذا تروح بمروحة مرتين: لا تفسد صلاته، وإن تروح ثلاثاً: فسدت.
وقيل: العمل الكثير: كل عمل يكون مقصوداً للفاعل، على أن يفرد له مجلس على حدة، ويتفرع عليها مسائل منها:
أن المصلية إذا لمسها زوجها أو قبلها بشهوة: تفسد صلاتها.
ومنها: أن الصبي إذا مص ثديها وخرج اللبن: فسدت صلاتها.
وقيل: العمل الكثير هو ما يجزم الناظر إليه أنه ليس في الصلاة.
قال الصدر الشهيد: هو الصواب، واختاره الفضلي، وأشار المصنف إليه بقوله: (وهو المختار) فاستخرج ما يتفرع عليه من المسائل إن كنت على ذكر منها.
قوله: (ومن صلى في الصحراء: نصب بين يديه سترة) لقوله ﵊: "إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة، وليدن منها: لا يقطع الشيطان عمله" رواه أبو داود.
قوله: (قدر ذراع فصاعداً) لما روي أنه ﵇ قال: "إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل، ولا يبال من مر وراء ذلك" أخرجه مسلم والترمذي. وروى صاحب السنن: أن آخر الرحل ذراع فما فوقه.
стр. 139
قوله: (ويجعلها بحذاء أحد حاجبيه) لما روي عن المقداد أنه قال: "ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي إلى عود ولا عمود ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمد له صمداً" رواه أبو داود. لكي لا يقابله مستوياً مستقيماً بل كان يميل عنه.
قوله: (ولا عبرة بالإلقاء ولا بالخط) يعني إذا تعذر غرز العود: لا يلقي ولا يخط، لأن المقصود لا يحصل به، وقيل: يضعه طولاً، وقيل: إن لم يكن معه ما يستتر به: يخط طولاً. وقيل: شبه المحراب.
قوله: (ويأثم المار في موضع سجوده في الصحراء والمسجد الجامع) لقوله ﵇: "لو علم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لوقف ولو أربعين" رواه أبو داود، وقال أبو النضر: لا أدري قال: أربعين يوماً أو شهراً أو سنة، وقدر في
стр. 140
رواية أبي هريرة بسنة. وإنما يأثم إذا مر في موضع سجوده في الأصح، لأن هذا القدر من المكان حقه، وفي تحريم ما وراءه تضييق على المارة، وقيل: بقدر الصفيين، هذا في الصحراء، فإن كان في المسجد: إن كان بينهما حائل كإنسان أو اسطوانة: لا يكره، وإن لم يكن بينهما حائل والمسجد صغير: كره، أي: في أي مكان كان، والمسجد الكبير كالصحراء، وقيل كالمسجد الصغير.
قوله: (ويدرأ المار) أي يدفعه (إن لم يكن له سترة أو مر بينه وبينها) أي بين السترة (بإشارة أو تسبيح) لقوله ﵇: "لا يقطع الصلاة شيء، وادرأوا ما استطعتم فإنما هو شيطان".
قوله: (ولا يدرأ بهما) أي بالإشارة والتسبيح جميعاً لحصول المقصود بأحدهما، ثم الإشارة تكون بالرأس أو العين أو غيرهما.
قوله: (وإن تنحنح بغير عذر) بأن لم يكن مضطراً إليه، بل كان لتحسين الصوت (فحصلت به) أي بالتنحنح (حروفاً) نحو: أح بالفتح والضم (بطلت) أي صلاته عندهما، خلافاً لأبي يوسف.
قوله: (وإن كان) أي التنحنح (بعذر) بأن كان مضطراً إليه لاجتماع البزاق في حلقه (فلا) أي فلا تبطل وإن حصلت حروف، لأنه مضطر إليه طبعاً، فصار كالعطاس والجشأ لو حصلت.
стр. 141
فصل في الجماعة
لما كان أداء الصلاة على وجه الكمال بالجماعة، إذ هي من سنن الهدى، فصل لها فصلاً على حدة.
قوله: (هي) أي الجماعة (سنة مؤكدة)، لقوله ﵇: "الجماعة من سنن الهدى لا يتخلف عنها إلا منافق" هذا مأخوذ من حاصل حديث طويل أخرجه أبو داود والنسائي، والمراد منه جماعة الرجال، لأن جماعة النساء مكروهة، وفي رواية: الجماعة فرض كفاية، وهي قول الشافعي، وعند أحمد بن حنبل: فرض عين، لكن غير شرط للجواز.
قوله: (وتخفيفها مع الإمام سنة ثانية) أي تخفيف الصلاة مع إتمام ركوعها وسجودها وغير ذلك: سنة ثانية.
فإن قلت: قوله: (ثانية) يستدعي الأولى، لأن الثاني مبني على الأول، فالأولى ما هي ههنا؟
قلت: كون الجماعة سنة مؤكدة هو الأولى، وتخفيف الإمام الصلاة مع إتمام أركانها: هو الثانية، ولاشك أن كلاً منهما سنة، أما الأول: فلما روينا، وأما الثاني: فلقوله ﵇: "يا معاذ لا تكن فتاناً فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة" رواه أبو داود.
فإن قلت: لم؟ قيل: لتخفيف الصلاة سنة ثانية؟ قلت: لأن السنن على نوعين: سنة مؤكدة، وسنة الزوائد وهي السنة الثانية. ولاشك أن تخفيف الصلاة من السنن الزائدة فافهم. ورأيت في بعض النسخ (وتحقيقها مع الإمام) بالحاء المهملة والقافين، فحينئذ يكون الضمير عائداً إلى الجماعة أي: تحقيق الجماعة مع الإمام، وهو ظاهر،
стр. 142
لأنه إذا اجتمع قوم في مكان، وصلوا فرادى: لا يكونون مقيمين حق الجماعة ولا مكتسبين ثوابها، وعلى هذا ينبغي أن يقرأ (ثابتة)، بالباء المنقوطة بنقطة واحدة من تحت بعد الثاء المثلثة: من الثبوت.
قوله: (وأقلها) أي أقل الجماعة (في غير الجمعة: واحد مع الإمام) لقوله ﵇: "الاثنان جماعة فما فوقهما" رواه ابن ماجة.
وأما في الجمعة: فالشرط ثلاثة سوى الإمام كما يجيء في بابها إن شاء الله.
قوله: (والأولى بالإمامة الأفقه) إذا كان يحسن القراءة، ويجتنب الفواحش الظاهرة، وعن أبي يوسف: أن الأقرأ مقدم.
قوله: (ثم الأقرأ) أي فإن تساووا في العلم: فأقرأهم لكتاب الله.
قوله: (ثم الأورع) أي فإن تساووا في القراءة: فأورعهم أولى بالإمامة، لقوله ﵇: "اجعلوا أئمتكم خياركم فإنهم وفد فيما بينكم وبين ربكم".
قوله: (ثم الأكبر سناً) أي فإن تساووا في الورع: فأكبرهم سناً أحق بالتقديم، لما روي عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث، أن النبي ﷺ قال له ولصاحب له: "إذا حضرت الصلاة فأذنا ثم أقيما ثم ليؤمكما أكبركما" رواه أبو داود.
стр. 143
قوله: (ثم الأحسن خلقاً) أي فإن تساووا في السن: فأحسنهم خلقاً أولى بالإمامة (ثم الأشرف نسباً) أي فإن تساووا في حسن الخلق: فأشرفهم نسباً أحق بالتقديم، لزيادة فضله بشرف النسب.
قوله: (ثم الأصبح وجهاً) أي فإن تساووا في شرف النسب: فأصبحهم وجهاً أحق بالتقديم، ومعنى أصبحهم وجهاً: أكثرهم صلاة بالليل، وفي الحديث: "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار". ثم إن تساووا في هذا المعنى أيضاً: يقرع فيقدم من خرجت قرعته، أو يكون الخيار للقوم فيقدم من يختارونه.
قوله: (ومن أم واحداً: أقامه عن يمينه مقارناً له) لما روي عن ابن عباس أنه قال: "بت في بيت خالتي ميمونة، فقام رسول الله ﷺ من الليل فأطلق القربة، فتوضأ، ثم أوكأ القربة، ثم قام إلى الصلاة فقمت وتوضأت كما توضأ، ثم جئت فقمت عن يساره، فأخذني بيمينه وأدارني من وراءه فأقامني عن يمينه، فصليت معه" رواه أبو داود، وغيره.
قوله: (وإن أم اثنين: تقدم عليهما) لحديث أنس: "أقامني رسول الله ﷺ واليتيم وراءه وأم سليم
стр. 144
وراءنا" رواه البخاري ومسلم.
قوله: (ومن تقدم على إمامه) عند اقتدائه (لم يصح اقتداؤه) لأن وظيفة الإمام: التقدم، ووظيفة المقتدي: التأخر منه، فانقلب عكساً: فلم يجز.
وقوله: (لم يصح اقتداؤه) أي لم يصح شروعه مع الإمام، ثم هل يصح شروعه في صلاة نفسه أم لا؟ فيه وجهان: إن قسناهما على مسألة: من كبر قبل إمامه ناوياً الاقتداء به: بطل شروعه مع الإمام، وهل يصير شارعاً في صلاة نفسه أم لا؟ فيه روايتان: فأقول ذلك بطريق القياس، لأني ما وقفت في ذلك على نقل صريح فيما طالعت من الكتب، فافهم.
قوله: (ولا يصح اقتداء الرجل بالمرأة) لقوله ﵇: "أخروهن من حيث أخرهن الله" فينافي هذا تقديمهن على غيرهن. وتجوز إمامتها للنساء، ولكن جماعتهن مكروهة، فإن فعلن: يقف الإمام وسطهن كالعراة.
قوله: (ولا بالصبي) أي لا يصح اقتداء الرجل بالصبي مطلقاً، يعني سواء كان في
стр. 145
الفرض أو في غيره، وقال الشافعي: يصح مطلقاً، وهذا مبني على أن اقتداء المفترض بالمتنفل يجوز عنده، ولا يجوز عندنا، والصبي متنفل. وعن بعض مشايخنا: جواز إمامته في التراويح والسنن المطلقة، والأكثرون على المنع مطلقاً، وعليه الفتوى.
قوله: (ويصح اقتداء الصبي بالصبي) لأنهما متنفلان، فيصح اقتداء المتنفل بالمتنفل.
فروع: تكره إمامة الأعمى،
следующие страницы →