← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 13784

منحة السلوك في شرح تحفة الملوك

بدر الدين العيني

Полный текст (463 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فصل في الجماعة لما كان أداء الصلاة على وجه الكمال بالجماعة، إذ هي من سنن الهدى، فصل لها فصلاً على حدة. قوله: (هي) أي الجماعة (سنة مؤكدة)، لقوله ﵇: "الجماعة من سنن الهدى لا يتخلف عنها إلا منافق" هذا مأخوذ من حاصل حديث طويل أخرجه أبو داود والنسائي، والمراد منه جماعة الرجال، لأن جماعة النساء مكروهة، وفي رواية: الجماعة فرض كفاية، وهي قول الشافعي، وعند أحمد بن حنبل: فرض عين، لكن غير شرط للجواز. قوله: (وتخفيفها مع الإمام سنة ثانية) أي تخفيف الصلاة مع إتمام ركوعها وسجودها وغير ذلك: سنة ثانية. فإن قلت: قوله: (ثانية) يستدعي الأولى، لأن الثاني مبني على الأول، فالأولى ما هي ههنا؟ قلت: كون الجماعة سنة مؤكدة هو الأولى، وتخفيف الإمام الصلاة مع إتمام أركانها: هو الثانية، ولاشك أن كلاً منهما سنة، أما الأول: فلما روينا، وأما الثاني: فلقوله ﵇: "يا معاذ لا تكن فتاناً فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة" رواه أبو داود. فإن قلت: لم؟ قيل: لتخفيف الصلاة سنة ثانية؟ قلت: لأن السنن على نوعين: سنة مؤكدة، وسنة الزوائد وهي السنة الثانية. ولاشك أن تخفيف الصلاة من السنن الزائدة فافهم. ورأيت في بعض النسخ (وتحقيقها مع الإمام) بالحاء المهملة والقافين، فحينئذ يكون الضمير عائداً إلى الجماعة أي: تحقيق الجماعة مع الإمام، وهو ظاهر،

стр. 142

لأنه إذا اجتمع قوم في مكان، وصلوا فرادى: لا يكونون مقيمين حق الجماعة ولا مكتسبين ثوابها، وعلى هذا ينبغي أن يقرأ (ثابتة)، بالباء المنقوطة بنقطة واحدة من تحت بعد الثاء المثلثة: من الثبوت. قوله: (وأقلها) أي أقل الجماعة (في غير الجمعة: واحد مع الإمام) لقوله ﵇: "الاثنان جماعة فما فوقهما" رواه ابن ماجة. وأما في الجمعة: فالشرط ثلاثة سوى الإمام كما يجيء في بابها إن شاء الله. قوله: (والأولى بالإمامة الأفقه) إذا كان يحسن القراءة، ويجتنب الفواحش الظاهرة، وعن أبي يوسف: أن الأقرأ مقدم. قوله: (ثم الأقرأ) أي فإن تساووا في العلم: فأقرأهم لكتاب الله. قوله: (ثم الأورع) أي فإن تساووا في القراءة: فأورعهم أولى بالإمامة، لقوله ﵇: "اجعلوا أئمتكم خياركم فإنهم وفد فيما بينكم وبين ربكم". قوله: (ثم الأكبر سناً) أي فإن تساووا في الورع: فأكبرهم سناً أحق بالتقديم، لما روي عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث، أن النبي ﷺ قال له ولصاحب له: "إذا حضرت الصلاة فأذنا ثم أقيما ثم ليؤمكما أكبركما" رواه أبو داود.

стр. 143

قوله: (ثم الأحسن خلقاً) أي فإن تساووا في السن: فأحسنهم خلقاً أولى بالإمامة (ثم الأشرف نسباً) أي فإن تساووا في حسن الخلق: فأشرفهم نسباً أحق بالتقديم، لزيادة فضله بشرف النسب. قوله: (ثم الأصبح وجهاً) أي فإن تساووا في شرف النسب: فأصبحهم وجهاً أحق بالتقديم، ومعنى أصبحهم وجهاً: أكثرهم صلاة بالليل، وفي الحديث: "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار". ثم إن تساووا في هذا المعنى أيضاً: يقرع فيقدم من خرجت قرعته، أو يكون الخيار للقوم فيقدم من يختارونه. قوله: (ومن أم واحداً: أقامه عن يمينه مقارناً له) لما روي عن ابن عباس أنه قال: "بت في بيت خالتي ميمونة، فقام رسول الله ﷺ من الليل فأطلق القربة، فتوضأ، ثم أوكأ القربة، ثم قام إلى الصلاة فقمت وتوضأت كما توضأ، ثم جئت فقمت عن يساره، فأخذني بيمينه وأدارني من وراءه فأقامني عن يمينه، فصليت معه" رواه أبو داود، وغيره. قوله: (وإن أم اثنين: تقدم عليهما) لحديث أنس: "أقامني رسول الله ﷺ واليتيم وراءه وأم سليم

стр. 144

وراءنا" رواه البخاري ومسلم. قوله: (ومن تقدم على إمامه) عند اقتدائه (لم يصح اقتداؤه) لأن وظيفة الإمام: التقدم، ووظيفة المقتدي: التأخر منه، فانقلب عكساً: فلم يجز. وقوله: (لم يصح اقتداؤه) أي لم يصح شروعه مع الإمام، ثم هل يصح شروعه في صلاة نفسه أم لا؟ فيه وجهان: إن قسناهما على مسألة: من كبر قبل إمامه ناوياً الاقتداء به: بطل شروعه مع الإمام، وهل يصير شارعاً في صلاة نفسه أم لا؟ فيه روايتان: فأقول ذلك بطريق القياس، لأني ما وقفت في ذلك على نقل صريح فيما طالعت من الكتب، فافهم. قوله: (ولا يصح اقتداء الرجل بالمرأة) لقوله ﵇: "أخروهن من حيث أخرهن الله" فينافي هذا تقديمهن على غيرهن. وتجوز إمامتها للنساء، ولكن جماعتهن مكروهة، فإن فعلن: يقف الإمام وسطهن كالعراة. قوله: (ولا بالصبي) أي لا يصح اقتداء الرجل بالصبي مطلقاً، يعني سواء كان في

стр. 145

الفرض أو في غيره، وقال الشافعي: يصح مطلقاً، وهذا مبني على أن اقتداء المفترض بالمتنفل يجوز عنده، ولا يجوز عندنا، والصبي متنفل. وعن بعض مشايخنا: جواز إمامته في التراويح والسنن المطلقة، والأكثرون على المنع مطلقاً، وعليه الفتوى. قوله: (ويصح اقتداء الصبي بالصبي) لأنهما متنفلان، فيصح اقتداء المتنفل بالمتنفل. فروع: تكره إمامة الأعمى،

стр. 146

والعبد وولد الزنا والمبتدع والفاسق. وقال مالك: لا تجوز إمامة الفاسق. ولا تجوز إمامة الجهمية والقدرية والرافضة، ولا إمامة أهل الأهواء في رواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال أبو يوسف: لا تجوز الصلاة خلف المتكلم، وإن تكلم بحق. وفي المنتقى: إبراهيم عن محمد: أنه سئل هل يصلى خلف شارب الخمر؟ قال: لا ولا كرامة. واقتداء الأخرس بالأمي صحيح لا العكس. ويصح اقتداء متوضئ بمتيمم، وغاسل بمساح، وقائم بقاعد، ومومئ بمثله، ومتنفل بمفترض دون عكسه. وقال محمد: لا يصح اقتداء متوضئ بمتيمم، وقائم بقاعد دون عكسه. قوله: (ويصف الرجال ثم الصبيان ثم الخناثى ثم النساء) أما الرجال: فلقوله ﵇: "ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى) رواه مسلم، وأما الصبيان: فلحديث أنس وقد

стр. 147

رويناه، وأما الخناثى: فلاحتمال كونهم إناثاً، وأما تقديمهم على النساء: فلاحتمال كونهم ذكوراً. قوله: (ويكره للنساء الشواب حضور الجماعة مطلقاً) يعني في جميع الصلوات، للفتنة والفساد، ولهذا يباح للعجائز الخروج في العيدين والجمعة بالاتفاق، لأنهن غير مرغوب فيهن، فلا فتنة. وكذا يباح لهن الخروج في الفجر والمغرب والعشاء عند أبي حنيفة، لأن من ظهر منهم الفتنة وهم الفساق: نائمون في الفجر والعشاء، ومشغولون بالطعام في المغرب، وعندهما: يخرجن في الصلوات كلها كما في الجمعة، والفتوى اليوم على الكراهة في كل الصلوات لظهور الفساد. ومتى كره حضور المسجد للصلاة، فلأن يكره حضور مجالس الوعاظ خصوصاً عند هؤلاء الجهال الذين تحلوا بحلية العلماء: أولى، ذكره فخر الإسلام. قوله: (ولو ظهر حدث الإمام: أعاد المأموم) يعني إذا اقتدى بإمام، ثم ظهر أنه محدث أو جنب: يعيد المأموم صلاته، خلافاً للشافعي. والأصل في جنس هذه المسألة: أن المأموم تبع للإمام صحة وفساداً عندنا، وعنده: تبع في الموافقة لا في الصحة والفساد، حتى يجوز اقتداء القائم بالمومئ. وقراءة الإمام لا تنوب عن قراءة المقتدي، ويجوز اقتداء المفترض بالمتنفل وبمن يصلي فرضاً آخر، وعندنا: على العكس. قوله: (ومتى كان بين الإمام والمأموم حائل) أي مانع (يشتبه به حال الإمام عليه) أي على المأموم (منع الصحة) أي صحة صلاة المأموم، لاختلاف حال الإمام عليه، حتى إذا لم يشتبه: لا يمنع الصحة والله أعلم.

стр. 148

فصل في الجمعة المناسبة بين الفصلين من حيث أن الجمعة لا تقام إلا بالجماعة والإمام، وما ذكر في الفصل الأول هو أحكام الجماعة والإمام. قوله: (لا تصح الجمعة إلا في مصر جامع) لقوله ﵇: "لا جمعة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع" ذكره شيخ الإسلام خواهر زاده في مبسوطه وقال: ذكره أبو يوسف في الإملاء مسنداً مرفوعاً إلى النبي ﷺ . والمصر الجامع: كل موضع له أمير وقاض ينفذ الأحكام ويقيم الحدود، وقال الشافعي: لا يشترط المصر، حتى إذا كان أربعون رجالاً أحراراً مقيمين في القرى: تقام الجمعة. قوله: (أو في فنائه) أي فناء المصر، وهو ما أعد لحوائج أهل المصر. وفناء المصر، وفناء الدار، وفناء كل شيء: كذلك. واختلفوا فيه: فقدره محمد: بغلوة، وبعضهم: بفرسخ، وبعضهم: بفرسخين، وبعضهم: بمنتهى صوت المؤذن إذا أذن. وعن أبي يوسف: لو أن إماماً خرج من المصر مقدار ميل أو ميلين لحاجة، فجاء

стр. 149

وقت الجمعة فصلاها بهم: جاز، وقيل: يجوز عند أبي يوسف إذا كان بينه وبين المصر مزارع. وبه كان يفتي شمس الأئمة الحلواني. قوله: (ولا يقيمها إلا السلطان أو نائبه) لقوله ﵇: "من تركها استخفافاً بها وله إمام عادل أو جائر فلا جمع الله شمله .. " الحديث. شرط فيه أن يكون له إمام، وقال الشافعي: هذا ليس بشرط، وتجوز الجمعة خلف المتغلب الذي لا منشور له من الخليفة، إذا كانت سيرته في رعيته سيرة الأمراء، يحكم فيما بين رعيته، لأن بهذا تثبت السلطة، فتحقق الشرط، كذا في التتمة والكافي. والي مصر قد مات ولم يبلغ موته الخليفة حتى مضت بهم جمع: فإن صلى بهم خليفة الميت أو صاحب شرطة أو القاضي: جاز، ولو اجتمعت العامة على أن يقدموا رجلاً من غير أمر الخليفة أو القاضي: لم يجز ولم يكن جمعة، كذا في العيون. صبي خطب يوم الجمعة وله منشور الوالي: يجوز، ويصلي بالناس رجل بالغ صلاة الجمعة، كذا في فتاوى خوارزم. قوله: (ويخطب قبلها) أي قبل الجمعة (خطبتين خفيفتين) وهي شرط، حتى لو صلوا بغيرها: لا يجوز، لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، أي

стр. 150

الخطبة، والسنة: خطبتان خفيفتان بجلسة بينهما، ومقدارها: أن يستقر كل عضو منه موضعه، ويحمد في الأولى، ويتشهد ويصلي على النبي ﵇، ويعظ الناس، وفي الثانية كذلك، إلا أنه يدعو مكان الوعظ، كذا جرى التوارث، ويخطب قائماً بطهارة، فلو خطب قاعداً أو محدثاً: جاز وكره، ويستحب إعادتها إذا كان جنباً. قوله: (ولو ذكر الله بدل الخطبة) مثل ما إذا قال: سبحان الله أو لا إله إلا الله: (صح) عند أبي حنيفة، وكذا لو اقتصر على الحمد لله، وعندهما: لا يجوز إلا إذا كان كلاماً يسمى خطبة عادة، وقيل: أقله قدر التشهد، والشرط عند أبي حنيفة: أن يكون قوله الحمد لله على قصد الخطبة، حتى إذا عطس وقال: الحمد لله، يريد به الحمد على عطاسه: لا ينوب عن الخطبة. قوله: (وشرطها) أي شرط إقامة الجمعة (ثلاثة أنفس غير الإمام) وهذا عندهما، وقال أبو يوسف: اثنان سوى الإمام، لأن في المثنى معنى الاجتماع، ولهما: أن أقل الجمع ثلاث، كما في قوله: له علي دراهم، أو نذر أن يصوم أياماً: يجب عليه ثلاثة فيهما. ثم اشتراط الجماعة لتأكد العقد بالسجدة عند أبي حنيفة، وعندهما: شرط للشروع، وعند زفر: لأدائها. وفائدته: فيما إذا نفر الناس عن الإمام قبل أن يقيد الركعة الأولى بالسجدة: فعند أبي حنيفة: لا يجمع، ويستقبل الظهر، وعندهما: إن نفروا بعد شروعه: جمع، وعند زفر: إن نفروا قبل قعوده قدر التشهد: لم يجمع. والدلائل قد مرت في المستجمع. قوله: (ولا جمعة على مسافر) للحرج (وامرأة) لاشتغالها بخدمة الزوج (ومريض) للحرج (وعبد) لاشتغاله بخدمة المولى (وأعمى) لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧]، وهذا عند أبي حنيفة، وسواء وجد قائداً يوصله إلى الجامع أولاً، وقالا: إن وجد قائداً وجب عليه، بدليل أنه لو أدى جاز، وكذا الخلاف في الحج. قوله: (وإن صلوها: كفتهم) أي وإن حضر هؤلاء وصلوا الجمعة: كفتهم جمعتهم

стр. 151

عن فرض الوقت، لأن السقوط عنهم للتخفيف، فلو وجب غيرها بتقدير إقامتها: لعاد الأمر على موضوعه بالنقض. قوله: (وتصح إمامتهم فيها) أي إمامة الجماعة المذكورة، خلافاً لزفر، لأنهم صالحون لإمامة غير الجمعة، فكذا الجمعة، وأما المرأة فهي مستثناة بالإجماع. قوله: (وتحصل بهم الجماعة) أي وتحصل بهؤلاء الجماعة التي هي من شرط الجمعة، كما تجوز إمامتهم فيها، إلا المرأة. قوله: (ومن صلى الظهر يوم الجمعة في منزله بغير عذر: كره وأجزأه) وقال زفر: لا يجوز، لأن الجمعة هي الأصل، والظهر خلف عنها، فلا يجوز تقديمه على الأصل، وبه قال الشافعي. ولنا: أن الأصل هو الظهر، إلا أنه مأمور بإسقاط هذا الفرض بأداء الجمعة إذا استجمعت شرائطها، فإذا أداها قبل الجمعة: جاز، وأما الكراهة: فلتركه السعي المأمور به. قوله: (ويكره للمعذورين مثل العميان والمرضى والمحبوسين: الظهر بجماعة يوم الجمعة) رعاية لحق الجمعة، وعند الشافعي ومالك: لا يكره. قوله: (ومن أدرك الإمام في التشهد) أي في تشهد صلاة الجمعة (أو أدركه وهو في سجود السهو: أتم الجمعة) عندهما، وعند محمد: يصلي أربعاً، ويعقد في الثانية البتة، ويقرأ في الأربع للاحتياط، وبه قال زفر والشافعي ومالك. ولهما: قوله ﵇: "من أدرك الإمام في التشهد يوم الجمعة فقد أدرك الجمعة" ذكره خواهر زاده في مبسوطه.

стр. 152

وقوله ﵇: "من أدرك الإمام جالساً قبل أن يسلم فقد أدرك الصلاة" ذكره الدارقطني. قوله: (وبالأذان الأول يحرم البيع) لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]. وقال الطحاوي: يكره البيع عند أذان المنبر بعد خروج الإمام، وهذا يرجع إلى أن الأذان المعتبر عنده هذا، والذي قبله محدث، وقال الحسن بن زياد: والمعتبر هو الأذان الأول، والأصح أن كل أذان يكون قبل الزوال: فهو غير معتبر، والمعتبر: أول الأذان بعد الزوال، سواء كان على المنبر أو على المنارة. فإن قلت: كيف حقيقة قوله: (يحرم البيع) فهل هو فاسد؟ قلت: عامة العلماء على أن ذلك لا يوجب فساد البيع، لأن النهي لمعنى في غيره لا يعدم المشروعية، وقيل: إنه فاسد، وهو قول مالك وأحمد. قوله: (ويجب السعي) أي إلى الجمعة (على من سمع النداء فقط) لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وهذا قول محمد والشافعي، وعند أبي يوسف: يجب على أهل القرى المشمولين بسور البلد، وعند أبي حنيفة: على القرى التي يجبي خراجها مع خراج المصر، وعند مالك: يجب على من بينه وبين الجامع ثلاثة أميال. قوله: (وإذا خرج الإمام إلى الخطبة: ترك الناس الصلاة والكلام حتى يصلوا) هذا

стр. 153

عند أبي حنيفة، وعندهما: يجوز الكلام إلى الخطبة، لأن الكراهية للإخلال بفرض الاستماع، ولا استماع ههنا. وله: قوله ﵇: "إذا خرج الإمام فلا صلاة ولا كلام". قوله: (فإذا خطب: وجب السماع والسكوت على القريب والبعيد). لقوله ﷺ : "إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت" [من غير فصل]. رواه مسلم وابن ماجة وأبو داود. قوله: (وإذا قرأ) أي الخطيب (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] يصلي السامع في نفسه) يعني لا يجهر بالصلاة لما روينا، بل يصلي في قلبه.

стр. 154

فصل في العيدين وجه المناسبة بين الفصلين: من حيث أن كلاً منهما ركعتان، تجهر القراءة فيهما، ويقامان بالجماعة والإمام والخطبة، ولا يقضيان. عيد: أصله عود، قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، وإنما سمي عيداً: لأنه يعود في كل سنة. قوله: (تجب صلاة العيد على كل من تجب عليه الجمعة) حتى لا تجب على المسافر والمريض والأعمى والمرأة والعبد. أما الوجوب فلقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] قيل: هو صلاة العيد. وتواترت الأخبار أنه ﷺ كان يصلي العيد. وقال شمس الأئمة السرخسي: "الأظهر أنها سنة، ولكنها من معالم الدين، أخذها

стр. 155

هدى وتركها ضلالة" والأول أصح. ويشترط لها ما يشترط للجمعة، إلا الخطبة فإنها ليست من شرائط العيد. قوله: (ويستحب يوم الفطر أن يطعم الإنسان قبل الصلاة) لما روي عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ : "لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات ويأكلهن وتراً" أخرجه البخاري. قوله: (وفي الأضحى بعدها) أي يستحب أن يطعم في الأضحى بعد الصلاة، لتكون البداية من لحوم القرابين، التي هي ضيافة الله تعالى لعباده في هذا اليوم. قوله: (ويغتسل فيهما) أي في العيدين، وهذا مكرر، لأنه ذكر مرة في باب الغسل. قوله: (ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه) لأنه يوم ازدحام، حتى لا يتأذى البعض برائحة البعض. قوله: (ويتوجه إلى المصلى وهو غير مكبر جهراً) هذا عند أبي حنيفة، لأن الأصل في الدعاء الإخفاء، وعندهما: يجهر اعتباراً بالأضحى. قوله: (بخلاف الأضحى فإنه يكبر فيها جهراً بالاتفاق) لأنه يوم تكبير فاختص به. قوله: (وصلاة الأضحى كالفطر) يعني كلاهما على صورة واحدة، وهي أن يصلي الإمام

стр. 156

بالناس ركعتين، يكبر في الأولى تكبيرة الافتتاح، ثم يكبر ثلاثاً، ثم يقرأ، ثم إذا فرغ من القراءة من الركعة الثانية يكبر ثلاثاً، ثم يكبر للركوع، فتكون التكبيرات الزائدة ستاً. وهذا قول ابن مسعود. وعند الشافعي: يكبر سبعاً في الركعة الأولى بعد تكبيرة الافتتاح، بالذكر بينهن، وخمساً في الثانية قبل القراءة، فتكون الزوائد عنده اثني عشر، وهذا قول ابن عباس، صححه البخاري وغيره. وعند مالك وأحمد بن حنبل: ست في الأولى وخمس في الثانية. ويرفع يديه في الزوائد إلا في تكبيرتي الركوع. وعن أبي يوسف: أنه لا يرفع في شيء منها اعتباراً بتكبيرتي الركوع. قوله: (ويستحب تعجيلها) أي تعجيل صلاة الأضحى (لأجل ذبح القرابين) ليكون بداية الفطر من لحومها. قوله: (والوقوف يوم عرفة في موضع آخر) مثل ما يقف أهل القدس تشبيهاً بأهل عرفة (بدعة)، وقيل: يستحب ذلك، لأنه تشبه بأهل الطاعة فيكون لهم ثوابهم، وعن ابن عباس: أنه فعل ذلك بالبصرة.

стр. 157

قلنا: هذه عبادة مخصوصة بمكان، فلا تصير عبادة في غيره، فإن من طاف حول مسجد سوى الكعبة يخشى عليه الكفر، وما نقل عن ابن عباس: فذا في الوعظ. قوله: (وتكبير التشريق: أوله بعد الفجر من يوم عرفة، وآخره بعد عصر يوم النحر) فيكون ثمان صلوات، وهذا قول أبي حنيفة، والمأثور عن المشايخ الكبار من الصحابة: كأبي بكر وعمر وابن مسعود ﵄. وعندهما: أوله هكذا، ولكن يختم في عصر آخر أيام التشريق، ثلاثاً وعشرين صلاة، وهو قول شبان الصحابة: كعلي وابن عباس وزيد بن ثابت، والفتوى عليه. وعند الشافعي: مبدأه من ظهر يوم النحر، ويختم في فجر آخر أيام التشريق. قوله: (وصفته) أي صفة التكبير (مرة واحدة) أي يقوله مرة واحدة على سبيل الوجوب، وما زاد فمستحب. قوله: (بعد الفرض) أي بعد صلاة الفرض، حتى لا يكبر عقيب الوتر والسنن والنوافل. قوله: (وإنما يجب) أي التكبير (على كل مقيم) احترز به عن المسافر (مصلي في جماعة) احترز به عن المنفرد (مستحبة) احترز به عن جماعة النساء فإنها مكروهة، وهذا عنده. وعندهما: التكبير تبع للفرض، فمن عليه الفرض: فعليه التكبير، وبه قال الشافعي.

стр. 158

قوله: (ولا يكبر بعد الوتر) لأنه ليس بفرض، وكذا لا يكبر بعد صلاة العيد، ويكبر بعد الجمعة، لأنها فرض خلف عن الظهر. قوله: (فإن ترك الإمام التكبير) سواء كان على طريق النسيان أو غيره (كبر المأموم) لأنه لا يسقط عنه بترك إمامه. قوله: (ويستحب اختلاف الطريق في صلاة العيد) لما روي عن ابن عمر ﵁: "أن رسول الله ﷺ أخذ يوم العيد في طريق، ثم رجع في طريق آخر" رواه أبو داود وابن ماجة والله أعلم.

стр. 159

فصل في المسافر وجه المناسبة بين الفصلين: من حيث أن صلاة العيد ركعتان، وصلاة المسافر ركعتان أيضاً سوى المغرب. قوله: (المرخص للمطيع والعاصي) أي السفر المرخص لقصر الصلاة وترك الصوم ونحوهما (مقدر بثلاثة أيام ولياليها) سواء كان المسافر مطيعاً أو عاصياً، مثل قاطع الطريق والعبد الآبق، وعند الشافعي: لا يرخص للعاصي. والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ﴾ [النساء: ١٠١]. وأما تقدير المدة بالثلاثة: فلقوله ﵇: "يمسح المقيم يوماً وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليها". ووجه الاستدلال: أن المسافر ذكر محلى بالألف واللام، فاستغرق الجنس لعدم المعهود، واقتضى تمكن كل مسافر من مسح ثلاثة أيام ولياليهن، ولا يتصور أن يمسح

стр. 160

كل مسافر ثلاثة أيام إلا وأن يكون أقل مدة السفر ثلاثة أيام، إذ لو كان أقل من ذلك يخرج بعض المسافرين عن استيفاء هذه الرخصة، والزيادة عليها منتفية إجماعاً، فكان الاحتياج إلى إثبات: أن الثلاثة أقل مدة السفر. قوله: (بسير الإبل ومشي الأقدام) وذلك لأن أعجل السير سير البريد، وأبطأه سير العجلة، وخير الأمور أوسطها. وعن أبي حنيفة: أنه اعتبر ثلاث مراحل، وهو قريب من ثلاثة أيام، لأن العادة من السير في كل يوم: مرحلة، خصوصاً في أقصر أيام السنة. ولا معتبر بالفراسخ، لأن ذا يختلف باختلاف الطرق في السهول والجبال والبحار، وقيل: يعتبر بالفراسخ: أحد وعشرون، أو ثمانية عشر، أو خمسة عشر، ولا يعتبر السير في الماء بالسير في البر، والمعتبر في البحر ما يليق بحاله كما في الجبل. والفتوى: على أن ينظر: أن السفينة كم تسير في ثلاثة أيام ولياليها عند استواء الريح؟ لم تكن عاصفة ولا هادية، فيجعل ذلك أصلاً. قوله: (وفرض المسافر في كل رباعية) مثل الظهر والعصر والعشاء (ركعتان) ولا يقصر المغرب ولا الوتر، وإن كان أبو حنيفة يقول بفرضيته. وفائدة هذه المسألة: تظهر في التي تليها وهي قوله: (فلو صلى أربعاً) أي فلو صلى المسافر الرباعية أربعاً على حالها ولم يقصر (ينظر إن كان قرأ في الأوليين، وقعد في الركعة الثانية قدر التشهد: صحت صلاته) وتصير الأوليتان فرضاً والأخريان نفلاً (وإن لم يقعد في الثانية قدر التشهد: بطلت صلاته) لأن القعدة في الثانية فرض في حقه، وقد تركه. والشافعي يخالفنا في ذلك.

стр. 161

والأصل فيه أن القصر هل هو رخصة أو عزيمة؟ فعندنا: عزيمة، وعنده: رخصة يظهر بالتأمل. قوله: (ويترخص المسافر بمفارقته بيوت المصر) حتى لو كان أمامه دار أو داران: لا يقصر، لما روي عن أنس بن مالك ﵁ قال: "صليت مع رسول الله ﷺ الظهر بالمدينة أربعاً والعصر بذي الحليفة ركعتين" رواه أبو داود ومسلم. قوله: (حتى يرجع إليها) أي إلى بيوت مصره، فإذا رجع إليها ودخل فيها: أتم وإن لم ينو الإقامة. قوله: (أو ينوي الإقامة في بلد أو في قرية خمسة عشر يوماً) أما النية: فلأن السفر لا ينقطع إلا بالإقامة الصحيحة، وذلك بالنية.

стр. 162

وأما تقديرها بخمسة عشر يوماً: فلما روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: "إذا نوى إقامة خمسة عشر يوماً أتم الصلاة" وروي مثله عن سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، كذا ذكره محمد بن الحسن في موطأه. قوله: (لا في مفازة) أي لا تصح نية إقامته بخمسة عشر يوماً أو أكثر في مفازة، لأنها ليست بمحل للإقامة، فلم تصادف النية محلها، فلغت. قوله: (فيتم) أي حين رجع إلى مصره ودخلها، وحين نوى الإقامة في بلد أو قرية بخمسة عشر يوماً، يتم الصلاة. قوله: (ولو دخل مصراً ولم ينو الإقامة فيه، وتمادت) أي تطاولت (حاجته شهراً) وذكر الشهر: تمثيل لا تقييد، حتى لو لم ينو الإقامة، وبقي على ذلك سنين (يترخص

стр. 163

برخص المسافرين) لما روي عن جابر بن عبد الله قال: "أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة" رواه أبو داود. قوله: (ولا تصح نية إقامة العسكر المحارب للكفار أو البغاة) لأن حالهم يبطل عزيمتهم، لأنهم إما أن هزموهم، أو انهزموا بإزعاجهم، وعند زفر وهو رواية عن أبي يوسف: أنه تصح نيتهم الإقامة. قوله: (بخلاف أهل الكلأ) أي تصح نية إقامتهم، وهم أهل الأخبية والخيام، كالأعراب والأتراك والأكراد، لأن الإقامة للمرء أصل، والسفر عارض، فلا يبطل بالانتقال من مرعى إلى مرعى. وعن أبي يوسف: أن الرعاء إذا كانوا في تطواف وترحال من المفاوز والمهامة، من مساقط الغيث إلى مساقط الغيث، ومعهم رحالهم وأثقالهم: كانوا مسافرين حيث نزلوا، إلا إذا نزلوا مرعى كثير الكلأ والماء، واتخذوا المخابز والمعالف والأواري، وضربوا الخيام، وعزموا على الإقامة مدة خمسة عشر يوماً، والكلأ والماء يكفيهم: فإني أستحسن أن أجعلهم مقيمين. قوله: (ويتم المسافر المقتدي بالمقيم) لأن التبعية معتبرة كنية الإقامة. قوله: (وإذا صلى المسافر بالمقيمين ركعتين: سلم) أي على رأس الركعتين (وقال للجماعة: أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر) بذلك فعل رسول الله ﷺ حين صلى بأهل مكة في سفره، وهذا إعلام من الإمام للقوم، وهو مستحب. والسفر بسكون الفاء: جمع سافر، كركب جمع راكب.

стр. 164

قوله: (ومن توطن في غير وطنه ثم دخل وطنه الأول: قصر). صورته: شامي انتقل من الشام بأهله وعياله، وتوطن المصر، ثم سافر فدخل الشام: يقصر الصلاة، لأنه لم يبق له، لإبطاله الوطن الأول بتوطنه في غيره، كمكة للنبي ﷺ . قوله: (وفائتة الحضر تقضى في السفر أربعاً) لأن القضاء يجب بالسبب الذي يجب به الأداء، فيحكيه، وعلى هذا الأصل تقضى فائتة السفر في الحضر ركعتين، إلا عند الشافعي تقضى أربعاً. قوله: (والمعتبر في ذلك) أي في وجوب القضاء (أربعاً أو ركعتين آخر الوقت عندنا) وذلك بقدر التحريمة، وعند زفر: يعتبر قدر ما يتمكن من أداء الصلاة فيه، حتى أن مسافراً لو أقام في آخر الوقت وبقي منه قدر ما يتمكن من أن يصلي فيه ركعتين: قصر عنده، وإن بقي أقل منه: أتم، والحيض والطهر على هذا، وقد مر في أول كتاب الصلاة. قوله: (ويصير المسافر مقيماً بمجرد النية) لأن النية هي المعتبرة في تغير حاله، فيؤثر فيما يصادف محلها، حتى لا يصير المقيم مسافراً إلا بالنية مع الخروج. قوله: (ويباح السفر يوم الجمعة قبل الزوال وبعده) أما بعد الزوال فظاهر، وأما قبله: فملا روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن رواحة في سرية، فوافق ذلك يوم الجمعة، فغدا أصحابه وقال: أتخلف فأصلي مع رسول الله ﷺ ثم ألحقهم، فملا صلى مع رسول الله ﷺ رآه فقال: "ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟ " فقال: أردت أن أصلي معك ثم ألحقهم، فقال: "لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم" أخرجه الترمذي.

стр. 165

قوله: (ومن بداله) أي ظهر له (أن يرجع من الطريق إلى مصره وليس بينهما) أي بينه وبين مصره (مدة سفر) وهي ثلاثة أيام (صار مقيماً في الحال) فلا يقصر الصلاة، لعدم وجود مدة السفر. قوله: (وإلا فهو مسافر) أي وإن كان بينه وبين مصره مدة سفر: فهو مسافر حتى يدخل مصره، لوجود مدة السفر، فلا يتم الصلاة. قوله: (وكل تبع يصير بنية متبوعه إذا علم بها) أي بنية متبوعه، فالتبع: كالجندي والعبد والمرأة والأجير والتلميذ. والمتبوع: كالأمير والمولى والزوج والمستأجر والأستاذ. والمرأة إنما تكون تبعاً للزوج: إذا أوفاها مهرها المعجل، وإلا فلا، قبل الدخول وبعده. والجندي إنما يكون تبعاً للأمير: إذا كان يرتزق من الأمير، ولو كان العبد مشتركاً بين مسافر ومقيم، قيل: يتم، وقيل: يقصر، وقيل: إن كان بينهما مهايأة في الخدمة: يقصر في نوبة المسافر ويتم في نوبة المقيم.

стр. 166

فصل في المريض وجه المناسبة بين الفصلين من حيث وجود المشقة في كل منهما قوله: (من عجز عن قيام صلى قاعداً يركع ويسجد) لما روي عن عمران بن الحصين قال: "كان بي الناصور فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: "صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب" رواه أبو داود وابن ماجة والبخاري، ولكن في البخاري: "كانت بي بواسير". قوله: (فإن لم يطق) أي إن لم يقدر على الركوع والسجود (أومأ قاعداً) وجعل سجوده أخفض من الركوع، ليتحقق الفرق بينهما، ويقعد مثل القعود في الصلاة، وقيل: يتربع، والفتوى على الأول. قوله: (ولا يرفع إلى وجهه شيئاً ليسجد عليه) لما روي أن ابن مسعود: "دخل على مريض يعوده فرآه يسجد على عود، فانتزعه وقال: هذا مما عرض به لكم الشيطان".

стр. 167

قوله: (فإن لم يطلق القعود) أي فإن لم يقدر القعود أيضاً (استلقى على ظهره وجعل رجليه إلى القبلة وأومأ بالركوع والسجود) وينبغي أن يوضع تحت رأسه وسادة حتى يكون شبه القاعد ليتمكن من الإيماء بالركوع والسجود، إذ حقيقة الاستلقاء يمنع الإيماء للصحيح، فكيف للمريض (أو اضطجع على جنبه متوجهاً إليها) أي إلى القبلة، وهذه رواية الطحاوي عن أبي حنيفة، وهو مذهب الشافعي أيضاً. قوله: (فإن لم يطق الإيماء) أي إن لم يقدر الإيماء برأسه أيضاً (أخر الصلاة) لأن التكليف بقدر الوسع. قوله: (ولم تسقط الصلاة ما دام مفيقاً) لأنه يفهم مضمون الخطاب، فلا يسقط وإن كان العجز أكثر من يوم وليلة، بخلاف المغمى عليه. وقيل: الأصح أن عجزه إن زاد على يوم وليلة: لا يلزمه القضاء، وإن كان دون ذلك: يلزمه كما في الإغماء، لأن مجرد العقل لم يكف لتوجه الخطاب، فقد ذكر محمد: أن من قطعت يداه من المرفقين وقدماه من الساقين: لا صلاة عليه. قوله: (ولا يومئ بغير رأسه) يعني العاجز عن الإيماء برأسه لا يومئ بعينيه وحاجبيه وقلبه، وقال زفر: يومئ بهذه الأعضاء عند العجز. قوله: (وإذا قدر على القيام لا على الركوع والسجود: صلى قاعداً يومئ بهما) أي بالركوع والسجود، لأن فريضة القيام لأجل الركوع والسجود، ويسقط عند سقوط ما هو الأصل. قوله: (أو قائماً) أي أو صلى قائماً مومئاً، ولكن الأول أولى، لأنه أشبه بالسجود. قوله: (ومن مرض في صلاته: بنى على حسب ما قدر) صورته: ابتدأ الصلاة قائماً، ثم عرضه مرض، فعجز عن القيام: أتمها قاعداً، وإن عجز

стр. 168

عن القعود مع الركوع والسجود: أومأ قاعداً، وإن عجز عن هذا: استلقى وأومأ مستلقياً، لأنه بناء الضعيف على القوي. قوله: (ومن صلى قاعداً ثم صح) أي مريض كان يصلي قاعداً، ثم جاءته الصحة (بنى صلاته قائماً) ولا يستأنف عندهما، وقال محمد: يستأنف، والأصل ما مر في جواز اقتداء القائم بالقاعد. قوله: (ومن صلى مومئاً ثم صح: استقبل) أي الصلاة، لأن بناء القوي على الضعيف: لا يجوز. قوله: (ومن جن أو أغمي عليه يوماً وليلة: قضى) أي قضى صلوات ذلك اليوم والليلة بعد الإفاقة. وقال الشافعي: لا يقضي إذا أغمى عليه وقت صلاة كاملة، لأنه عجز مانع عن فهم الخطاب، فنافى الوجوب إذا استوعب وقت صلاة. ولنا: ما روي أن علياً ﵁ "أغمي عليه أربع صلوات فقضاهن". وابن عمر ﵁ "أغمي عليه أكثر من يوم وليلة: فلم يقض". قوله: (بخلاف الأكثر) يعني إذا أغمي عليه أكثر من يوم وليلة: لا يقضي شيئاً لما رويناه.

стр. 169

ثم الزيادة على يوم وليلة تعتبر بالأوقات عند محمد، حتى لا يسقط القضاء ما لم يستوعب ست صلوات، وعندهما: يعتبر من حيث الساعات، حتى لو أغمي عليه قبل الزوال، فأفاق من الغد بعد الزوال: فعندهما: لا يجب القضاء، وعند محمد: يجب إذا أفاق قبل خروج وقت الظهر. قوله: (والنائم يقضي مطلقاً) يعني سواء نام يوماً وليلة أو أقل أو أكثر، لأن الامتداد في النوم نادر، فيلحق الممتد منه بالقاصر منه. قوله: (ويقضي المريض فائتة الصحة على حسب حاله) صورته: رجل فاتته صلوات في صحته، ثم مرض وأراد أن يقضي تلك الصلوات الفائتة في مرضه، فله أن يقضيه بحسب حاله، غذ التكليف يعتمد الوسع، فيكلف في المرض على القضاء كما يكلف على الأداء. قوله: (ويقضي الصحيح فائتة المرض كاملة) صورته: مريض فاتته صلوات في مرضه، ثم صح وأراد أن يقضيها: يقضيها كاملة كما يفعله الأصحاء، لأن تحصيل الركن فرض، وإنما يسقط عند الأداء للعذر.

стр. 170

فصل في الفائتة أي في بيان الصلوات الفائتة قوله: (ومن فاتته صلاة قضاها إذا ذكرها قبل فرض الوقت) لقوله ﵇: "من نسي صلاة فليصليها إذا ذكرها" قال الله ﵎: ﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] رواه أبو داود وابن ماجة. وهذا يدل على وجوب الترتيب، وعند الشافعي: الترتيب مستحب. قوله: (إلا إذا خاف فوت فرض الوقت) فحينئذ تقدم الوقتية على الفائتة، لأن تفويت الوقتية عن الوقت حرام، لأن آخر الوقت: للوقتية بالنص والإجماع والتواتر من الأخبار، فلو قلنا بوجوب تقديم الفائتة بالخبر: لنسخناها بالخبر، وذا لا يجوز. قوله: (أو وقوعه في وقت مكروه) أي أو خاف وقوع فرض الوقت في وقت مكروه، فحينئذ تقدم الوقتية على الفائتة، صوناً لها عن الفساد. اعلم أن عد المصنف هذا مما يسقط الترتيب، مبني على أصل، وهو: أن العبرة لأصل الوقت، أم للوقت المستحب الذي لا كراهية فيه؟ قيل: العبرة للوقت المستحب، وقيل: لأجل الوقت، وثمرته تظهر فيما إذا شرع في العصر وهو ناس للظهر، ثم تذكر الظهر في وقت لو اشتغل بالظهر يقع العصر في وقت مكروه، فعلى القول الثاني: يقطع العصر، ويصلي الظهر، ثم يصلي العصر، وعلى القول الأول: يمضي في العصر، ثم يصلي الظهر بعد غروب الشمس، فافهم، وانظر ما فتحت لك ها هنا. قوله: (أو كانت الفوائت ستاً) وهذا أيضاً مما يسقط الترتيب، وإنما يسقط بصيرورة الفوائت ستاً: لأنه لو وجب الترتيب فيها: لوقعوا في حرج عظيم، وهو مدفوع بالنص، ولأن الاشتغال بها عند كثرتها قد يؤدي إلى تفويت الوقتية، وليس ذلك من

стр. 171

الحكمة، ويعتبر في سقوطه خروج وقت الصلاة السادسة، وعن محمد: أنه اعتبر الدخول. واعلم أن الترتيب يسقط بالنسيان أيضاً، ولم يذكره المصنف، ويسقط أيضاً بالظن المعتبر، كما إذا صلى الظهر وهو ذاكر أنه لم يصل الفجر: فسد ظهره، ثم قضى الفجر وصلى العصر وهو ذاكر للظهر: يجوز العصر، لأنه لا فائتة عليه في ظنه حال أداء العصر، وهو ظن معتبر. قوله: (كلها قديمة أو حديثة) صورة الفوائت القديمة: أن يترك الشخص صلاة شهر أو سنة فسقاً، ثم يقبل على الصلاة ندماً على سوء صنيعه، ثم يترك أقل من صلاة يوم وليلة، فهل تجوز له الوقتية مع تذكر ما فات أقل من يوم وليلة؟ قيل: يجوز، وهو القياس وعليه الفتوى، لأن الحديثة ليس أداؤها بأحق من القديمة، فتتحقق كثرة الفوائت. وقيل: لا يجوز، وهو الاستحسان مع تذكر الحديثة، زجراً له عن التهاون بالصلاة، وتجعل القديمة كأن لم تفت، بل تجعل كأن الحديثة هي الفائتة فحسب، فلا تتحقق الكثرة، فلا يسقط الترتيب. قوله: (فإن قضى واحدة من الستة عاد الترتيب) صورته: رجل ترك صلاة شهر، فقضاها إلا صلاة أو صلاتين، ثم صلى صلاة دخل وقتها وهو ذاكر لها، فإن ذلك لا يجوز، لعود الترتيب، وهو الذي اختاره صاحب الهداية أيضاً. واختار شمس الأئمة السرخسي وفخر الإسلام: أن الترتيب لا يعود بعد السقوط، وهو الأصح.

стр. 172

فصل هذا الفصل في بيان أحكام من أدرك الإمام، وأحكام المسبوق قوله: (ومن دخل مسجداً قد أذن فيه: كره خروجه) أي من المسجد (قبل الصلاة) لما روي عن أبي الشعثاء قال: "كنا مع أبي هريرة في المسجد، فخرج رجل حين أذن المؤذن للعصر، فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم" رواه أبو داود. قوله: (إلا أن يكون إماماً أو مؤذناً فذهب إلى جماعته) لأن لهما حاجة، فلا يلامان، لقوله ﵇: "من أدركه الأذان في المسجد ثم خرج، لم يخرج لحاجة وهو لا يريد الرجعة: فهو منافق" رواه ابن ماجة. قوله: (أو قد يكون قد صلى الفرض فخرج) لأن الأذان دعاء لمن لم يصل لا لمن صلى، إلا أن يقام للصلاة قبل خروجه: فحينئذ يقتدي بالإمام تطوعاً إن كان في الظهر والعشاء، موافقة للجماعة، ويخرج في العصر والفجر، لأن التطوع بعد صلاة العصر وبعد صلاة الفجر مكروه، وفي المغرب أيضاً، لأن التنفل بالثلاث بتيراء، وهو منهي عنه، ويمكن أن يصلح هذا بضم ركعة أخرى بعد سلام الإمام. قوله: (ولو جاء رجل والإمام) أي والحال أن الإمام (في صلاة الفجر، إن خاف فوت ركعة واحدة مع الإمام: صلى السنة خارج المسجد ثم اقتدى بالإمام، وإن خاف فوت الركعتين: ترك السنة واقتدى به). الأصل في ذلك: أن سنة الفجر لها فضيلة عظيمة، قال ﵇: "لا تدعوهما وإن

стр. 173

طردتكم الخيل" رواه أبو داود. وللجماعة فضيلة عظيمة لقوله ﵇: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" رواه مسلم. فإذا تعارضتا: يعمل بهما بقدر الإمكان، فمتى أدرك ركعة مع السنة: كان أحق من تفويت أحدهما، لأن بإدراك ركعة مع الإمام يكون مدركاً للصلاة مع الجماعة، قال ﵇: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" رواه مسلم وابن ماجة. وإذا خشي فوتهما: دخل مع الإمام، لأنه تعذر إحراز الفضيلتين، فيحرز أهمهما: وهو الجماعة، لأن ثوابها أعظم من ثواب السنة لما رويناه. ولأن في تركها وعيداً شديداً، وهو ما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لقد هممت أن آمر فتيتي فيجمعوا حزماً من حطب، ثم آتي قوماً يصلون في بيوتهم ليست بهم علة فأحرقها عليهم" رواه أبو داود. قوله: (ولم يقضها) أي سنة الفجر بعد الفراغ من الصلاة لا قبل طلوع الشمس ولا بعده خلافاً لمحمد، وقد مر.

стр. 174

قوله: (وسنة الظهر يتركها في الحالين) يعني سواء خاف فوت ركعة أو ركعتين أو أكثر، لأنه ليس لسنة الظهر فضيلة سنة الفجر، ثم يقضيها بعد الفراغ من الفرض فيقدمها على الركعتين عند أبي يوسف، خلافاً لمحمد، وقد مر في فصل السنن. قوله: (ومن أدرك مع الإمام ركعة: حصل له ثواب الجماعة) لأن من أدرك آخر الشيء فقد أدركه، ولهذا لو حلف لا يدرك الجماعة: يحنث إذا أدرك الإمام في آخر الصلاة ولو في التشهد. قوله: (ولو أدرك الإمام راكعاً) أي حال كون الإمام راكعاً (فكبر) أي المقتدي (ووقف حتى رفع الإمام رأسه: لم يصر مدركاً لتلك الركعة) لأن الشرط هو المشاركة للإمام في أفعال الصلاة، ولم يوجد لا في القيام ولا في الركوع. وقال زفر والشافعي: يصير مدركاً لتلك الركعة. قوله: (ولو أدركه) أي الإمام (وهو في القيام ولم يركع معه حتى رفع الإمام رأسه، ثم ركع المقتدي: صار مدركاً لها) أي لتلك الركعة، لأنه أدرك حقيقة القيام، هذا بالاتفاق. قوله: (ولو ركع قبل الإمام فأدركه الإمام فيه) أي في الركوع (صح) لوجود المشاركة في جزء واحد (وكره للمخالفة) وقال زفر: لا يصح. قوله: (والمسبوق يقضي فائته بعد فراغ الإمام بقراءة) لأنه منفرد فيما سبق، فيأتي بالقراءة ولو كان قرأ مع الإمام، بخلاف ما لو قنت معه، فإنه لا يقنت فيما يقضي.

стр. 175

والفرق بينهما: أن القراءة مع الإمام غير معتد بها، لعدم الوجوب عليه خلف الإمام، وإذا قام لقضاء ما سبق: انفرد، فيجب عليه حينئذ، بخلاف القنوت، فإن قراءته خلف الإمام معتد بها، فلا يعيد في قضاء ما سبق من الوتر. قوله: (ولو أدرك الإمام ثالثة المغرب: قضى الأوليتين) أي الركعتين الأوليتين (بجلستين، يجلس على رأس كل ركعة) لأن ما صلى مع الإمام أول صلاته وهو ركعة، ويتشهد عقيبها لموافقة الإمام، فإذا صلى ركعة أخرى يتشهد، ثم يصلي ركعة أخرى ويتشهد أيضاً، لأنها آخر صلاته. قوله: (وما يقضيه المسبوق أول صلاته حكماً) يعني لا حقيقة، لأن أول صلاته ما صلى مع الإمام حقيقة. قوله: (فيستفتح فيه) - فائدة ما قبله- أي يستفتح في قضاء ما سبق، لا فيما أدرك مع الإمام، لأن الاستفتاح يكون في أول الصلاة، وأول صلاته ما يقضيه حكماً. قوله: (ويتشهد) أي المسبوق (مع إمامه) للموافقة (ولا يدعو) لأن الدعاء محلها آخر الصلاة. والله أعلم.

стр. 176

فصل في السهو أي في بيان أحكام السهو. قوله: (يجب للسهو لا للعمد سجدتان) قيل: إنهما سنة، وما قاله المصنف أصح، لأنه شرع لجبر النقصان، فصار كالدماء في الحج. قوله: (متى ترك واجباً) مثل ما إذا ترك الفاتحة أو أكثرها في الأوليتين، أو ضم السورة، أو التشهد كله أو بعضه في القعدة الأخيرة، أو ترك القعدة الأولى ونحوها. قوله: (أو أخره) أي أو أخر واجباً: مثل ما إذا أخر الفاتحة عن السورة ونحوها. قوله: (أو أخر ركناً) مثل ما إذا ترك السجدة الصلبية سهواً، فتذكرها في الركعة الثانية فسجدها، أو أخر القيام إلى الثالثة بالزيادة على قدر التشهد. قوله: (أو زاد في صلاته فعلاً من جنسها) مثل ما إذا ركع ركوعين، أو سجد ثلاث سجدات، قيد بقوله: (من جنسها) لأنه إذا زاد فعلاً من غير جنس الصلاة: تبطل صلاته. وذكر المصنف أسباب سجود السهو أربعة: ترك الواجب وتأخيره، وتأخير الركن، والزيادة. ويجب بتغير الواجب أيضاً، مثل: أن يجهر فيما يخافت، أو يخافت فيما يجهر. وبتقديم الركن: مثل أن يركع قبل أن يقرأ،

стр. 177

أو يسجد قبل أن يركع. ومحلها بعد السلام عندنا، وقبله عند الشافعي. ولنا قوله ﵇: "من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعد السلام" رواه أبو داود. قوله: (ويجب على المأموم بسهو الإمام) تبعاً له في الوجوب والأداء، ولو تركه الإمام وافقه المأموم، ولا يسجد تبعاً له. قوله: (وسهو المأموم لا يوجب السجود) لأنه إن سجد هو: خالف إمامه، وإن سجد الإمام: يؤدي إلى قلب الموضوع. قوله: (ومن سها عن القعدة الأولى) أي تركها ساهياً (فإن تذكر وهو إلى القعود أقرب: قعد) لأن القريب من الشيء يأخذ حكمه، ولا شيء عليه لحصول الجبر بالرجوع (وإن كان إلى القيام أقرب: لم يعد ويسجد للسهو) لتركه الواجب. قوله: (ومن سها عن القعدة الأخيرة) أي تركها ساهياً ٠وقام إلى الخامسة، عاد إليها) أي إلى القعدة الأخيرة (ما لم يسجد للركعة الخامسة، ويسجد للسهو لتأخيره الركن، وإن سجد للخامسة صار فرضه نفلاً، ويضم إليه ركعة سادسة) لأن التنفل بالخمس غير مشروع، وهذا عندهما، وعند محمد: بطل أصل الصلاة، فلا يضم ركعة أخرى. قوله: (وإن لم يضم: صح) أي وإن لم يضم إليها ركعة سادسة، صح نفله، لأن ضم السادسة ندب، لأنه مظنون، وصلاته غير مظنونة، خلافاً لزفر، لأن الشروع ملزم. قلنا: نعم إن شرع ملزماً، أما لو شرع مسقطاً فلا، إذ الضمان بالإلزام أو بالالتزام.

стр. 178

قوله: (ولو قعد في الرابعة) أي على آخر الركعة الرابعة من الصلاة الرباعية (ثم قام إلى الخامسة ولم يسلم) يظن أنها القعدة الأولى (عاد ما لم يسجد للخامسة، ويسجد للسهو) لأنه أخر الواجب، وهو إصابة لفظ السلام. قوله: (وإن سجد للخامسة) أي للركعة الخامسة (زاد سادسة) أي ركعة سادسة، فيتم فرضه لوجود أركانه، ويصير الزائد وهو الركعتان: نفلاً. قوله: (غير نائب عن سنة الظهر) يعني هذه الزيادة وهي الركعتان إذا كانت في آخر الظهر مثلاً، لا تنوب عن الركعتين التي بعد الظهر، وقيل: تنوبان، والأول أصح، لأن المواظبة عليه بتحريمة مبتدأة مقصودة، ولم يوجد. قوله: (ويسجد للسهو) يعني في هذه الصورة، جبراً للنقصان المتمكن في الفعل بالدخول فيه. قوله: (ومن سلم يريد الخروج من صلاته وعليه سهو، لم يخرج منها) أي من الصلاة (ويسجد للسهو، وبطلت نية القطع) لأن نيته تغيير الشروع، فيلغو. وأما إذا سلم من غير إرادة القطع، فكذلك: لا يخرج من الصلاة عند محمد وزفر، وعندهما: يخرج عن حرمة الصلاة خروجاً موقوفاً، فإن سجد: عاد إليها، وإن لم يسجد: لم يعد. وفائدة الاختلاف: فيما إذا اقتدى به غيره بعد السلام قبل سجود السهو: يصح عند محمد مطلقاً، وعندهما: إن عاد إلى سجود السهو: يصح، وإلا فلا. وفي انتقاض الطهارة بالقهقهة: فعنده: ينتقض، وعندهما: لا. قوله: (ومن شك: أصلي ثلاثاً أو أربعاً وذلك) أي الشك (أول ما عرض عليه: استأنف الصلاة بالسلام) لقوله ﵇: "إذا شك أحدكم في صلاته أنه كم صلى فليستقبل الصلاة" رواه خواهر زادة في مبسوطه. قلت: المراد في قوله: (أول ما عرض عليه) أن السهو ليس بعادة له، لأنه لم يسه في عمره قط، وإنما قال (استأنف الصلاة بالسلام) لأن السلام عرف محللاً، قال ﵇: "وتحليلها التسليم".

стр. 179

قوله: (وهو) أي السلام (أولى من الكلام) لما قلنا. قوله: (وإن كان الشك يعرض له كثيراً: يعمل بأكبر رأيه) أي بغالب رأيه، لأن غلبة الظن دليل شرعي عند الحاجة (وإن لم يكن له رأي: أخذ بالأقل) لقوله ﵇: "إذا شك أحدكم في صلاته فليلق الشك وليبن على اليقين" رواه أبو داود. صورته: إذا وقع الشك بين ركعة وركعتين: فإنه يبنى على ركعة، وإن وقع في الركعتين والثلاث. يبنى على الركعتين، وإن وقع في الثلاث والأربع: بنى على الثلاث، ويتم صلاته على ذلك، وعليه أن يتشهد عقيب الركعة التي يقع الشك أنها آخر صلاته احتياطاً، ثم يقوم ويضيف إليها ركعة أخرى ويتشهد ويسجد للسهو.

стр. 180

فصل في سجود التلاوة المناسبة بين الفصلين ظاهرة: من حيث أنه يطلق على هذا سجدة التلاوة، وعلى ذلك: سجدة السهو. قوله: (وهي) أي سجدة التلاوة (أربع عشر سجدة) وهي: في آخر الأعراف، وفي الرعد والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والأولى في الحج، والفرقان، والنمل، والم تنزيل، وص، وحم السجدة، والنجم، وإذا السماء انشقت، والعلق. قوله: (منها: الأولى في الحج) إنما أفرد هذا بالذكر لبيان الاختلاف فيه، فعند الشافعي: في الحج سجدتان، وليس في ص سجدة، فتكون السجدة عنده: أربعة عشر أيضاً. وقال مالك: لا سجود في المفصل: في سورة النجم والانشقاق والعلق، وبه قال الشافعي في القديم. والأصح ما قلناه، لما روي عن عمرو بن العاص: "أن رسول الله ﷺ أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثالث في المفصل، وفي سورة الحج سجدتان" رواه أبو داود وابن ماجة. إلا أنا نقول: السجدة الثانية في الحج هي سجدة صلاة.
следующие страницы →