Полный текст (463 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
حكايتهما وضوءه ﵇ من غير تثليث.
(السابعة عشر: البداية من مقدمه) أي البداية في مسح الرأس من مقدم الرأس، لما روى الترمذي: أن رسول الله ﷺ : "مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه ثم غسل رجليه".
(الثامنة عشر: مسح الأذنين) بماء الرأس عندنا، وعند الشافعي: بماء جديد، لما روي أنه ﷺ أخذ لهما ماء جديداً.
ولنا: ما روي عن أبي أمامة عن النبي ﷺ أنه قال: "الأذنان من الرأس".
رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه. والمراد به: بيان الحكم.
وما رواه: يحتمل أنه لم يبق على يده بلل، فأخذ بللاً لأجله.
(التاسعة عشر: مسح الرقبة) لأنه ﵇ مسح عليها.
стр. 37
(العشرون: تثليث كل غسلة) لأنه ﵇ توضأ ثلاثاً ثلاثاً.
قوله: (وفرض الغسل خمسة) لما فرغ عن بيان الوضوء وسننه، شرع في بيان فرائض الغسل، وهي خمسة:
(الأولى: المضمضة، والثانية: الاستنشاق) وعند الشافعي: هما سنتان في الغسل، كما في الوضوء.
(الثالثة: غسل سائر البدن) أي جميع البدن، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] أي فطهروا أبدانكم.
(الرابعة: إيصال الماء إلى باطن السرة من الرجل والمرأة جميعاً) وهذا في حق
стр. 38
السمناء والسمان، وهذا داخل في قوله: (وغسل سائر البدن) ولكنه أفرد بالذكر للتأكيد، وما قيل أن ذكره مستدرك: وهم.
(والخامسة: إيصال الماء إلى أثناء شعر الرجل) وإن كان مضفوراً، كالعلوي والتركي، للاحتياط، بخلاف ضفائر المرأة، حيث لا يجب عليها نقضها، لما روي أن أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: "لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء ثم تفيضين على سائر جسدك الماء فتطهرين" رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
قوله: (وسننه) أي سنة الغسل (ستة):
(الأولى: أن يبدأ بغسل يديه. والثانية: أن يغسل فرجه. الثالثة: أن يزيل نجاسة بدنه إن كانت. الرابعة: أن يتوضأ مثل وضوء الصلاة، إلا رجليه إن كانا في مجمع الغسالة. الخامسة: أن يغسل رأسه وسائر جسده ثلاثاً. السادسة: أن يخرج من مجمع الغسالة فيغسل رجليه) وهذه الصفة حكتها ميمونة ﵂ في غسله ﵇، وكذا في صحيح مسلم والجامع الترمذي وسنن أبي داود.
قوله: (وغسل يوم الجمعة والعيدين وعرفة والإحرام: سنة) أما يوم الجمعة:
стр. 39
فلقوله ﵇: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت يجزي عنه الفريضة، ومن اغتسل فالغسل أفضل" رواه ابن ماجة.
وأما يوم العيدين: فلقول ابن عباس ﵁: "كان رسول الله ﷺ يغتسل يوم الفطر ويوم الأضحى" رواه ابن ماجة.
وأما يوم عرفة: فلأنه يوم ازدحام، فيغتسل لئلا يتأذى البعض برائحة البعض.
وأما عند الإحرام: فلما روي أنه ﷺ "اغتسل لإحرامه". رواه الدارقطني.
قوله: (وشرط السنة أن يصلي به) أي بذلك الغسل: الجمعة قبل أن يحدث، وهذا قول أبي يوسف، فعلى هذا لا يسن الغسل على المسافر والعبد والمرأة.
وعند الحسن: إذا اغتسل في يوم الجمعة في أي وقت كان: فقد أدرك الفضيلة.
قوله: (وغسل من أسلم أو أفاق) أي من الجنون (أو بلغ بالسن: مستحب) احتياطاً في باب العبادات، وإن كان البلوغ بالإنزال: فالغسل واجب، لوجود الماء.
والبلوغ بالسن عند أبي حنيفة في الغلام: بتمام ثمانية عشر، وفي الجارية: بتمام سبعة عشر، وعندهما: بخمسة عشر سنة فيهما.
قوله: (وغسل الجنابة والحيض لا يسقط بالإسلام) يعني: جنب كافر إذا أسلم، أو حائض كافرة إذا أسلمت عقيب انقطاع الحيض: لا يسقط الغسل عنهما بالإسلام، لأن بقاء صفة الجنابة بعد إسلامه كبقاء صفة الحدث في وجوب الوضوء، وكذلك الحائض،
стр. 40
فدل هذا أن المراد من قوله: (وغسل من أسلم مستحب) أن يكون الكافر عند الإسلام طاهر. فافهم.
قوله: (ونواقض الوضوء) لما فرغ عن بيان الطهارتين بأحكامهما، شرع في بيان ما ينقض الوضوء وما لا ينقض.
والنواقض جمع ناقضة، والنقض إذا أضيف إلى الأجسام: يراد به إبطال تأليفها، وإذا أضيف إلى غيرها: يراد به إخراجه عما هو المطلوب، فالمطلوب من الوضوء استباحة الصلاة.
قوله: (كل ما خرج من السبيلين) وهما القبل والدبر، فإن قلت: كل ما خرج من السبيلين: عين، وهي لا تصلح للعلية، لأن العلة معنى يحل بالمحل فيتغير به حال المحل، فكيف يستقيم قوله: (ونواقض الوضوء كل ما خرج من السبيلين)؟
قلت: تقدير كلامه: خروج كل ما خرج، ليقع التطابق بين العلة والمعلول، فافهم.
والمراد من السبيلين: القبل والدبر كما قلنا، والخارج منهما: يتناول البول والغائط، والودي، والمذي، والدودة، والحصاة، والريح الخارج من الدبر، لا الذكر، وقيل: المرأة إذا كانت مفضاة: وهي التي اتحد مسلك بولها وغائطها.
فإن قلت: من أين تقول أن المراد من السبيلين ها هنا القبل والدبر، وهما متناولان غيرهما من حيث اللغة؟
قلت: نعم، وإن كانا يتناولان غيرهما من حيث اللغة، لكنهما يطلقان على سبيل الحدث لا غير، بالحقيقة العرفية الخاصة، حتى لا ينقض الوضوء بخروج الدمع والعرق واللبن، وإن كان يجوز أن يقال: إنه خارج من سبيل.
قوله: (والدم والقيح والصديد السائل بغير عصر إلى محل الطهارة) قيد بقوله: (السائر) لأنه إذا ظهر ولم يسل: لا ينقض الوضوء، لأنه يسمى بادياً لا خارجاً، والنقض يضاف إلى السيلان، لقوله ﵇ "الوضوء من كل دم سائل" وقيد بقوله: (بغير
стр. 41
عصر) لأنه إذا عصر القرحة وخرج الدم ونحوه بعصره: لا ينقض وضوءه، لأنه مخرج وليس بخارج. وقيد بقوله: (إلى محل الطهارة) لأنه إذا خرج الدم أو نحوه ولم يسل إلى موضع يلحقه حكم الطهارة: لا ينقض الوضوء، وذلك مثل إذا ما نزل البول إلى قصبة الذكر، وإذا نزل إلى القلفة: نقض. هكذا قالوا.
قلت: فيه نظر، لأنهم قالوا: لا يجب على الجنب إيصال الماء إليه، لأنه خلقة كالقصبة. فافهم.
قوله: (في الجملة بمعنى مطلقاً) أي سواء كان محل الطهارة في أعضاء الوضوء أو في جميع البدن، وسواء كان السيلان قليلاً أو كثيراً على ما قررنا مرة.
وعند الشافعي: خروج هذه الأشياء لا ينقض الوضوء مطلقاً، وعند زفر: ينقض مطلقاً.
قوله: (والقيء ملء الفم) لما مر في حديث علي ﵁، وحده: أن لا يمكنه ضبطه، وما دونه ليس بناقض، وعند الشافعي: لا ينقض مطلقاً، وعند زفر: ينقض مطلقاً.
قوله: (والنوم مضطجعاً أو متكئاً أو مستنداً غير مستقر على الأرض) لأن النوم بهذه الصفة سبب خروج النجاسة باسترخاء المفاصل، والسبب يقوم مقام المسبب احتياطاً في باب العبادة، وقوله: (غير مستقر) قيد لقوله: (مستنداً) قيد به، لأنه إذا نام مستنداً إلى شيء لو أزيل عنه لسقط: ينقض وضوءه، وإلا لا.
وعن الطحاوي: أنه ينقض مطلقاً، والأول أصح.
стр. 42
قوله: (وغلبة العقل بإغماء وجنون وسكر) لأن هذه الأشياء سبب لخروج النجاسة بواسطة الغفلة وزوال المسكة، فيقام مقام خروج النجاسة.
وحد السكر: أن يدخل في بعض مشيه تحرك، وقيل: أن لا يعرف الرجل من المرأة. والفرق بين الإغماء والجنون: أن العقل يكون في الإغماء مغلوباً، وفي الجنون مسلوباً، حتى صح الإغماء على الأنبياء دون الجنون.
قوله: (والقهقهة في كل صلاة ذات ركوع وسجود) لقوله ﵇ "من ضحك منكم قهقهة فليعد الوضوء والصلاة" رواه الشيخ الإمام الحافظ أبو موسى المديني في كتاب الأمالي.
القهقهة هي: أن يسمع لضحكه صوت، بدت أسنانه أولاً، وهي تنقض الوضوء والصلاة جميعاً، خلافاً للشافعي.
والضحك: وهو أن يسمع نفسه فقط: لا ينقض الوضوء، بل ينقض الصلاة. والتبسم: وهو أن لا يسمع نفسه ولا غيره: لا ينقض الوضوء ولا الصلاة. قيد بقوله: (ذات ركوع وسجود) لأنها لا تكون ناقضة في صلاة الجنازة.
قوله: (ولو خرج من فمه دم: إن غلبه الريق لوناً: لم ينقض) لأن المغلوب في
стр. 43
مقابلة الغالب كالمعدوم (وإن غلب الدم الريق أو تساويا) أي الدم والريق (نقض) لأن في غلبة الدم دليلاً على خروجه بقوة معه، وأما في التساوي: فللاحتياط، قيد بقوله: (لوناً) لأن الاعتبار في الغلبة من حيث اللون، حتى لو كان أحمراً: نقض، وإن كان أصفر: لا ينقض.
واعلم أن المراد من قوله: (ولو خرج من فمه) نفس الفم، حتى لو خرج من الجوف: لا ينقض إلا إذا ملأ الفم، وهو قول محمد، ورواية عن أبي حنيفة، وفي رواية أخرى: ينتقض مطلقاً، والمختار إن كان علقاً: يعتبر ملء الفم، وإن كان مائعاً: نقض وإن قل، وأما النازل من الرأس: فهو ناقض مطلقاً.
قوله: (ومس الذكر لا ينقض) وقال الشافعي: ينقض، لقوله ﵇ "من مس فرجه فليتوضأ".
قلنا: المراد به غسل اليد للتنزيه، أو كان كناية عن الحدث، والخلاف: فيما إذا مس بباطن الكف، حتى لو مس بظاهر الكف أو برءوس الأنامل: لا ينقض إجماعاً، وكذا الخلاف في مس الدبر.
قوله: (ولا لمس المرأة) أي ولا ينقض الوضوء أيضاً لمس المرأة، وقال الشافعي: ينقض، لقوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣ والمائدة: ٦] وهو
стр. 44
حقيقة في اللمس باليد. قلنا: إن معنى لامستم: جامعتم، لأنه هو المتعارف بين أهل اللغة.
قوله: (إلا في المباشرة الفاحشة) يعين ينتقض الوضوء فيها، وهي: أن تنتشر الآلة، ويتماس الفرجان وليس بينهما حائل، وهذا عندهما، وهو الاستحسان احتياطاً. وقال محمد: لا ينقض، وهو القياس.
قوله: (ويوجب الغسل) لما فرغ عن بيان ما ينقض الوضوء وما لا ينقض، شرع في بيان ما يوجب الغسل وما لا يوجب.
(ويوجب الغسل: دفق المني بشهوة) سواء كان من النائم أو اليقظان، من الرجل والمرأة جميعاً لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦].
وقال الشافعي: خروج المني كيف ما كان يوجب الغسل.
قوله: (وتغيب الحشفة من أحد السبيلين: القبل والدبر) لما روي في حديث طويل أنه ﵇ قال: "إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل" رواه مسلم.
وعن عائشة قالت: "إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا" رواه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح.
قوله: (من الإنسان) قيد به، لأنه إذا غابت الحشفة في البهيمة: لا يجب الغسل ما لم ينزل.
قوله: (عليهما) أي على الفاعل والمفعول جميعاً، والدبر من الذكر والأنثى: كالقبل في وجوب الغسل.
стр. 45
قوله: (والحيض والنفاس) أي يوجب الغسل أيضاً انقطاع الحيض والنفاس، أما الحيض: فلقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] بالتشديد أي حتى يغتسلن، وأما النفاس: فبالإجماع.
قوله: (ولا يوجبه) أي لا يوجب الغسل (خروج المني بغير شهوة) مثل ما إذا سقط من موضع عال فخرج به ماء، أو سقط من دابة، أو حمل حملاً ثقيلاً فخرج به، خلافاً للشافعي.
قوله: (ولو احتلم ولم ير بللاً فلا غسل عليه) لأنه تفكر في النوم، فهو كالتفكر في اليقظة بلا إنزال.
قوله: (ولو رأى بللاً مذياً أو منياً ولم يتذكر احتلاماً: لزمه الغسل) وهذا عندهما، وعند أبي يوسف: لا يلزمه، لأنه بلل، وأنه لا يوجب الغسل حالة اليقظة، فبالأولى أن لا يوجبه في النمام. ولهما: أنه يمكن أنه قد انفصل عن شهوة، وطال مكثه، فرق، والاحتياط لازم في باب العبادات.
المذي بالذال المعجمة: ماء رقيق أبيض يخرج غالباً عند ملاعبة الرجل أهله، والمني: ماء خاتر أبيض ينكسر به الذكر ويتولد منه الولد، والودي بالدال المهملة الساكنة: ماء غليظ يعقب البول.
стр. 46
فصل في مسح الخف
خالف المصنف في ذلك سائر المصنفين بتقديمه المسح على التيمم، نظراً إلى أن المسح خلف عن البعض، والتيمم خلف عن الكل، فالأول: مقدم على الثاني، والصواب: ترتيب غيره، لأن التيمم أقوى من المسح، لأنه ثابت بالسنة، والتيمم بالكتاب، ولأنه في كتاب الله تعالى ذكر التيمم عقيب الوضوء.
قوله: (يمسح المقيم) الأصل فيه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يوماً وليلة" رواه أبو داود. وروي أنه ﵇ سئل عن المسح على الخفين فقال: "للمسافر ثلاثاً وللمقيم يوماً" رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
قوله: (من الحدث خاصة) أي الحدث الأصغر خاصة، فلا يجوز عن الجنابة، لأنها ألزمته غسل كل البدن بالنص، ومع الخف لا يتأتى ذلك.
صورته: مسافر أجنب في المدة وليس عنده ماء، فتيمم ثم أحدث، ووجد من الماء ما يكفي وضوءه: لا يجوز له المسح، لأن الجنابة سرت إلى القدمين.
قوله: (من وقت الحدث) أي ابتداء المدة يعتبر من حين الحدث الذي يوجد بعد اللبس، حتى لو توضأ مقيم عند طلوع الفجر، ولبس عند طلوع الشمس، وأحدث بعدما صلى الظهر، يصلي الظهر في الغد بالمسح، لا العصر. فافهم.
قوله: (بشرط لبسه على طهارة كاملة) احترز به عن طهارة ناقصة، مثل: ما إذا بقي من أعضائه لمعة لم يصبها الماء، فأحدث قبل الاستيعاب: لا يجوز له المسح، واحترز به عن وضوء ناقص بأي شيء كان نقصه: كوضوء المستحاضة ومن بمعناها إذا لبسوا الخف ثم خرج الوقت، وكالمتيمم إذا لبس خفيه ثم وجد الماء، فافهم: لا يمسحون، لعدم اللبس على طهارة كاملة.
قوله: (عند الحدث) أي اشتراط كمال الطهارة عند الحدث لا عند اللبس، خلافاً
стр. 47
للشافعي، حتى لو غسل رجليه ولبس خفيه ثم أتم الوضوء قبل أن يحدث: جاز له المسح عليه، خلافاً له، وكذا لو لبس خفيه محدثاً، وخاض الماء، فوصل الماء إلى رجليه، ثم أتم سائر الأعضاء ثم أحدث: جاز له المسح، خلافاً له، ولو غسل رجليه، ثم لبس خفيه، ثم أحدث ثم أكمل الوضوء: لا يجوز له المسح بالإجماع.
قوله: (ويجوز المسح على خف فوق خف) لأنه يصير حينئذ كخف ذي طاقين. قوله: (وعلى جرموق فوق خف) أي ويجوز المسح أيضاً على جرموق فوق خف لما قلنا، وقال الشافعي: لا يجوز.
قوله: (إن لبسه) أي لبس الجرموق (قبل الحدث) قيد به، لأنه إذا أحدث بعد لبس الخف، ثم لبس الجرموق: لا يمسح عليه، لأن ابتداء مدة المسح من وقت الحدث، وقد انعقد في الخف، فلا يتحرك إلى الجرموق.
قوله: (وعلى جورب) أي ويجوز المسح على جورب، لما قال المغيرة بن شعبة أن رسول الله ﷺ : "توضأ ومسح على الجوربين والنعلين" رواه أبو داود والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.
قوله: (لا يشف) صفة الجورب، وكذا قوله: (ويقف على الساق بلا ربط) فمهما كان الجورب على هاتين الصفتين: يجوز المسح عليه في قولهما، وقول أبي حنيفة المرجوع إليه، ولو لم يكن مجلداً، وأما في قوله المرجوع عنه: فلا يجوز إلا إذا كان مجلداً، والفتوى على قوله المرجوع إليه، رجع إليه قبل موته بسبعة أيام، وقيل: بثلاثة.
قوله: (ولو سافر مقيم في مدته: أتم ثلاثاً) أي ثلاثة أيام ولياليها.
стр. 48
وقال الشافعي: ليس له ذلك، وهذا بناءً على أن مدة المقيم هل تتغير أم لا؟ فعنده لا تتغير، فلا يجوز، وعندنا: تتغير فيجوز.
قوله: (ولو أقام مسافر في مدته، لم يزد على يوم وليلة من حين مسح) وهذا بالإجماع، لأن مدة المسافر قبل استكمالها تصير مدة المقيم عند الإقامة.
قوله: (ومسح ظاهر الخف) هذا بيان محل المسح، وهو ظاهر الخف عندنا، حتى لا يجوز باطنه أو عقبه أو ساقه أو جوانبه أو كعبه، لقول علي ﵁: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ مسح على ظاهر خفيه" رواه أبو داود.
قوله: (وأقله) أي أقل المسح (قدر ثلاثة أصابع من أصابع اليد) وقيل: من الرجل، لأن الحدث لا يتجزأ، لأنه يجب غسله لظهور بعض القدم، وهذا هو القياس في القليل أيضاً، لكنه سقط للحرج.
قوله: (وينقض المسح: كل ما ينقض الوضوء) لأن ما ينقض الغسل: فلأن ينقض المسح أولى.
قوله: (وينقضه: مضي المدة) لأنها إذا مضت: يسري الحدث إلى القدمين، فعليه غسلهما، إلا إذا خاف ذهاب رجليه من البرد.
قوله: (ونزع إحدى القدمين) أي ينقض المسح أيضاً: نزع إحدى القدمين إلى ساق الخف، لأن موضع المسح فارق مكانه، فكأنه ظهر رجله، وكذا ينقض المسح: بخروج أكثر القدم في الصحيح، لأن للأكثر حكم الكل، وعن أبي حنيفة: إن زال عقب الرجل،
стр. 49
أو زال أكثر عقب الرجل: بطل مسحه، وهو قول أبي يوسف، وعن محمد: إن بقي من ظهر القدم في موضع المسح قدر ثلاث أصابع: لم يبطل مسحه، وعليه أكثر المشايخ.
قوله: (ومتى بطل المسح بمضي المدة) أي مدة الإقامة أو السفر أو نزع الخف (كفى غسل القدمين من غير إعادة الوضوء) هذا إذا كان وجد على الوضوء، لأنه ليس بحدث مبتدأ، حتى يجب غسل باقي الأعضاء، وأما إذا وجد على الحدث: فعليه إعادة الوضوء.
قوله: (ويمسح الجبيرة) وهي العيدان التي تجبر بها العظام المكسورة.
قوله: (وانشد بها محدثاً) واصل بما قبله، أي وإن شد الجبيرة وهو على غير وضوء، وهذا المسح: مستحب عند أبي حنيفة، حتى لو ترك من غير عذر: جاز، وعندهما: واجب، فلا يترك إلا من عذر، والمجروح مثل المكسور.
قوله: (ولا يتوقت) أي المسح على الجبيرة غير موقت، يمسحها متى شاء، لعدم التوقيف بالتوقيت.
قوله: (وإن سقطت) أي الجبيرة (عن غير برء: بقي المسح) لأن سقوط الغسل للعذر، وهو قائم، والمسح قائم وإن زال الممسوح، كما لو مسح رأسه ثم حلقه.
قوله: (وإن كان) أي سقوط الجبيرة (عن برء: بطل المسح) لزوال العذر.
قوله: (وإن كان في الصلاة) أي وإن كان السقوط عن برء في الصلاة:
(استقبلها) لأنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل.
قوله: (وعصابة الفصد) العصابة ما يعصب به الجراحة أي يشد.
قوله: (ونحوه) مثل عصابة الحجامة والقرحة والجراحة ونحوها.
قوله: (إن ضره حلها) أي إن ضر المتوضي حل العصابة (مسح على جميعها) سواء كان تحتها الجراحة كلها أو لا، لأنها لا تعصب على وجه تأتي على موضع الجراحة
стр. 50
فحسب، بل يدخل ما حول الجراحة تحت العصابة، فكان مسح ما يواري حول الجراحة ضرورة، فله أن يمسح ما يواري الجراحة وعلى ما يواري ما حول الجراحة، ويكتفي بالمسح على أكثرها في الصحيح، لئلا يؤدي إلى إفساد الجراحة، فلو تركه: جاز وإن لم يضره عند أبي حنيفة، وعندهما: إن لم يضره لم يجز.
قوله: (مع فرجتها) وهي الموضع الذي يبقى بين العقدين، قيل: يفترض غسل تلك الفرجة لأنها بادية، وقيل: لا، ويكفيه المسح، وهو الأصح، لأنه لو كلف غسل ذلك الموضع: ربما يبتل جميع العصابة، وتنفد البلة إلى موضع الفصد ونحوه، فيتضرر. ثم إنما يجوز المسح على عصابة الفصد ما لم ينسد موضع الفصد، فإذا علم يقيناً أن موضع الفصد قد انسد: يلزمه غسل ذلك الموضع ولا يجزيه المسح. ومن كان في يديه شقاق ولا يمكنه استعمال الماء، وقد عجز عن الوضوء: يستعين بغيره ليوضئه، فإن لم يستعن بغيره وتيمم وصلى: جازت صلاته عند أبي حنيفة، خلافاً لهما.
ومن انكسر ظفره فجعل عليه علكاً أو نحوه: إن ضر نزعه: أمر الماء عليه، ولو كان المسح على العلك يضره: يجوز تركه، وقيل: لا.
ومن أرسل علقة على يده أو رجله، فسقطت العلقة، فجعل الحنا في موضعهما، ولا يمكنه غسله: مسحه، فإن أضره المسح تركه، فيغسل ما حوله ويترك ذلك الموضع. كذا في التتمة.
стр. 51
فصل في التيمم
هو لغة: مطلق القصد. وشرعاً: قصد الصعيد الطاهر واستعماله بصفة مخصوصة لإقامة القربة، وسبب وجوبه: ما هو سبب وجوب الوضوء، وشرط جوازه: العجز عن استعمال الماء.
والأصل في جوازه قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ [النساء: ٤٣ والمائدة: ٦].
قوله: (ومن لم يجد الماء) كلمة (من) موصولة في محل الرفع على الابتداء، وقوله: (لم يجد الماء) جملة وقعت صلة، وما بعدها كلها عطف عليها، وقوله: (تيمم) هو الخبر.
قوله: (خارج المصر) أي في خارج المصر، وبينه وبين المصر نحو الميل، وهو ثلث فرسخ، وهو أربعة آلاف خطوة، وهي ذراع ونصف بذراع العامة، وهو أربع وعشرون إصبعاً بعدد حروف لا إله إلا الله محمد رسول الله، وعرض كل إصبع: ست حبات شعير ملصقة ظهراً لبطن، والفرسخ اثني عشر ألف خطوة، وهذا المقدار هو المختار، للحوقه الحرج بذهابه وإيابه.
فإن قلت: لم قيد عدم وجدان الماء بكون الشخص خارج المصر، والله تعالى أطلقه بقوله ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وهو يتناول من في المصر ومن في خارج المصر؟
قلت: بلى، ولكن الحكم للغالب، والغالب وجدان الماء في الأمصار، وخارج المصر مظنة فقدان الماء، حتى لو لم يوجد الماء في المصر أيضاً والعياذ بالله: يجوز لأهله التيمم.
قوله: (أو وجده) أي أو وجد الماء (ولكنه يخاف العطش على نفسه أو دابته) قوله: (أو كان مريضاً يخاف شدة مرضه بحركته) أي لما نحو الماء (أو باستعماله) أي
стр. 52
أو باستعمال الماء لتحقق العجز فيها، وعند الشافعي: لا يتيمم إلا إذا خاف تلف نفس أو عضو، وهو مردود، لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ [النساء: ٤٣ والمائدة: ٦].
قوله: (أو كان جنباً في المصر يخاف شدة البرد بأني مرضه أو يقتله) وإنما قيد بقوله: (في المصر) وإن كان من في خارج المصر كذلك، لوجود الخلاف فيه، فإن جواز تيمم الجنب في المصر عند خوفه شدة البرد: قول أبي حنيفة، خلافاً لهما. قيل: هذا اختلاف زمان لا برهان.
قوله: (أو خائفاً) أي أو كان خائفاً، يعني يجد الماء، ولكنه يخاف من العدو أو السبع أن يصل إليه لحيالهما بينه وبين الماء: تيمم، لأنه عاجز حكماً، فهو كالعاجز حقيقة.
قوله: (أو وجده) أي أو وجد الماء (ولكنه يباع بغبن فاحش) وهو أن يباع بضعف قيمته، بأن يباع ما يساوي نصف: بدرهم، فلا يشتري، بل يتيمم، لأن تحمل الضرر غير واجب، كقطع موضع النجاسة حال عدم الماء.
قوله: (أو بثمن المثل) أي أو وجده يباع بثمن المثل (ولكنه لا يملكه) يعني ليس عنده ما يشتري: تيمم أيضاً للعجز.
قوله: (تيمم) جواب المسائل المذكورة كلها، وهي سبع مسائل مشتركة في الجواب.
قوله: (وتيمم مع وجود الماء إذا خاف فوت صلاة العيد) وقال الشافعي: لا يتيمم، الأصل في هذا: أنها تقضي عنده: فلا يتحقق الفوات، ولا تقضى عندنا:
стр. 53
فيتحقق، وأما إذا كان متوضئاً في العيد وسبقه الحدث: جاز له البناء بالتيمم عند أبي حنيفة، خلافاً لهما، قبل هذا اختلاف زمان لا برهان.
قوله: (أو الجنازة) أي يتيمم أيضاً لخوف فوت الجنازة، خلافاً للشافعي.
قوله: (والولي غيره) أي والحال أن الولي غير الخايف، قيد به: لأن الولي ينتظر، فلا يجوز له التيمم.
قوله: (لا لخوف فوت الجمعة) أي لا يتيمم إذا خاف فوت الجمعة والوقت، لأنهما يفوتان إلى خلف، وهو الظهر والقضاء.
قوله: (وإن كان مع رفيقه ماء: طلبه قبل التيمم) استحساناً، لعدم المنع غالباً، والقياس: أن لا يطلب، لأن فيه ذلاً، ولو تيمم قبل الطلب: أجزأه عند أبي حنيفة، لأنه لا يلزمه الطلب من ملك الغير.
وقالا: لا يجزئه، لأن الماء مبذول عادة.
قوله: (ولا يجب طلب الماء) أي على المسافر (إلا إذا غلب على ظنه أن بقربه ماء) وعند الشافعي: يجب عليه الطلب مطلقاً. والطلب: قدر الغلوة من جوانبه الأربع، وهي: ثلثمائة ذراع إلى أربعمائة، ولا يبلغ ميلاً، لأن فيه إضراراً به وبرفقته.
قوله: (والتيمم ضربتان) لما فرغ عن شرائط التيمم أخذ في صفته: وهي ضربتان (ضربة لوجهه وضربة ليده مع مرفقيه) وقال مالك في رواية: ضربة واحدة كافية وقال ابن سيرين: التيمم ثلاث ضربات: ضربة للوجه، وضربة للذراعين، وضربة
стр. 54
للوجه والذراعين جميعاً. والأصح: ما قلنا، لورود الأثر هكذا.
كيفيته: أن يضرب بيده الصعيد ثم ينفضهما ويمسح بهما وجهه، ثم يضرب ضربة أخرى فيسمح بأصابع كفه اليسرى ظاهر ذراعه الأيمن إلى المرفق، وبباطن كفه اليسرى باطن ذراعه الأيمن إلى الرسغ، هكذا يصنع باليد اليسرى وقال زفر: المرفقان لا يدخلان فيه، وقال مالك: التيمم إلى الكوعين، والكوع: طرف الزند مما يلي الإبهام، وبه قال الشافعي في القديم.
وفي الجديد: كقولنا، وعن الزهري: إلى الآباط.
قوله: (ويخلل أصابعه وينزع خاتمه) هذا على رواية اشتراط الاستيعاب، وهي الأصح للفتوى، حتى لو لم يخلل الأصابع ولم ينزع خاتمه: لم يجز، وعن أبي حنيفة: أن الاستيعاب ليس بشرط، حتى لو مسح أكثر الذراعين والكف: جاز.
стр. 55
قوله: (والنية فيه) أي في التيمم (فرض) وقال زفر: ليست بفرض، لأنه خلف عن الوضوء فلا يخالف أصله، ولنا: أنه عبارة عن النية، فكانت من ضروراته، بخلاف الوضوء، لأن الماء مطهر بنفسه، والتراب ملوث مغير، فلا يكون مطهراً إلا بالقربة، ولا قربة إلا بالنية.
قوله: (ويجوز التيمم بالصعيد الطاهر) والصعيد: فعيل بمعنى صاعد على وجه الأرض، أو بمعنى مصعود عليه، قيد بقوله: (طاهر) لأنه هو المعتبر بالإجماع.
قوله: (وهو) أي الصعيد الطاهر (كل ما كان من جنس الأرض كالتراب والرمل والحجر والنورة والكحل والزرنيخ) وكذلك الطين الأحمر والأخضر والحجر الأملس والحائط المطين والمجصص والملح الجبلي والياقوت والفيروزج والزمرد والخزف إن كان من طين طاهر، ولا يجوز بالخزف المخلوط بما ليس من جنس الأرض، ولا بالملح المائي، ولا باللآلئ مدقوقة أولاً، ولا بالزيبق، ولا بجميع ما ينطبع كالحديد والرصاص والنحاس والذهب والفضة، وما يترمد: كالخشب والحنطة وسائر الحبوب.
وعند الشافعي: لا يجوز إلا بالتراب المنبت، وعند أبي يوسف: لا يجوز إلا بالتراب والرمل خاصة، وبالغبار عند الضرورة، بأن يضرب ثوباً ونحوه، فإذا وقع الغبار على يديه: يتيمم.
قوله: (والتيمم للحدث والجنابة سواء) لقوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ﴾ فقد ذكر نوعي الحدث عند وجود الماء، ثم ذكر نوعي الحدث عند عدمه، وأمر بالتيمم لهما بصفة واحدة، وكذلك الحائض والنفساء.
قوله: (وينقضه) أي التيمم (ما ينقض الوضوء) لأن ما ينقض الأصل: فلأن ينقض الخلف أولى.
قوله: (ورؤية الماء) أي وينقضه أيضاً رؤية الماء (بشرط أن يقدر على استعماله) لقوله ﵇ "ما لم يجد الماء"
стр. 56
ولو رآه في أثناء صلاته: تبطل صلاته عندنا، مسافراً كان أو حاضراً، وقال الشافعي: تبطل في الحضر لا في السفر.
قوله: (ومن يرجو الماء) أي وجود الماء (في آخر الوقت: فالأفضل له تأخير الصلاة) لتقع الصلاة بأكمل الطهارتين (وإن لم يرج: تيمم في الوقت المستحب) لأنه لا يفيد التأخير.
قوله: (ويصلي بتيممه) أي بتيممه الواحد (ما شاء من الفرائض والنوافل جميعاً) لأنها طهارة مطلقة كالوضوء، وقال الشافعي: لا يجوز بتيمم واحد إلا أداء فرض واحد وسننه، والنوافل على وجه التبعية للفرض.
قوله: (ولو نسي الماء في رحله) أي في رحله الذي وضع فيه الماء بنفسه، أو وضع فيه بأمره (أو كان بقربه ماء ولا يعلم، فتيمم وصلى به: أجزأه) حتى إذا تذكره بعدها: لا يعيد الصلاة، لأنه تيمم عند العجز عن الاستعمال حقيقة، خلافاً لأبي يوسف في المسألة الأولى.
قوله: (وما أعد في الطريق للشرب) يعني الماء الذي يضعه الناس في طريق المسلمين للشرب (لا يمنع جواز التيمم) لأن الواضع ما وضعه إلا للشرب، وهو مأذون في ذلك في الشرب لا غير، فيجوز له التيمم، حتى إذا علم بكثرته أنه موضوع للوضوء والشرب جميعاً: لا يجوز له التيمم، بل يتوضأ منه.
قوله: (وما يحمله الحجاج من ماء زمزم للعطية: يمنع التيمم).
مريض يجد من يوضئه ولا يستضر به: يتوضأ بإعانته، قيل: بغير بدل وقيل: ببدل يسير، ولو استضر بحركته: يتيمم.
стр. 57
فصل في إزالة النجاسة
لما فرغ عن بيان النجاسة الحكمية، شرع في بيان النجاسة الحقيقية، وإزالة النجاسة: إثبات الطهارة في محلها.
قوله: (النجاسة المرئية تطهر بزوال عينها) أي يطهر المحل الذي أصابته النجاسة، لأن عين النجاسة لا يطهر أبداً، وأراد بالمرئية: التي لها جرم، وبغير المرئية: التي لا جرم لها، سواء كان لها لون أو لم يكن، نص عليه، هكذا في التتمة.
قوله: (بكل مائع طاهر) احترز عن مائع نجس، فإنه لا يزيل النجاسة.
قوله: (مزيل) احترز به عن نحو الدبس والدهن والعسل، فإنه مائع ولكنه غير مزيل. والمائع المزيل: كالخل وماء الورد، وعند محمد وزفر والشافعي: لا يجوز رفع النجاسة بالمائع المزيل.
وأما الماء المستعمل: فيجوز به إزالة النجاسة الحقيقية بالاتفاق.
قوله: (والأثر الذي يشق إزالته: عفو) للحرج والضرورة، سواء كان الأثر من لون أو طعم أو ريح.
قوله: (وغير المرئية) أي النجاسة الغير مرئية (تطهر بالغسل) الذي يغلب به على ظن الغاسل زوالها، لأن غلبة الظن دليل شرعي، وعند الشافعي: المرة كافية.
ثم غلبة الظن تقدر بالثلاث، لأنها تحصل عند هذا العدد غالباً، وقيل: بالسبع، دفعاً للوسوسة، كما في الاستنجاء. ولابد من العصر في كل مرة فيما ينعصر، ويبالغ في المرة الثالثة، حتى لو عصر بعده لا يسيل منه الماء، ويعتبر في كل شخص قوته، وفي رواية غير الأصول: يكتفي بالعصر مرة، وهو أرفق، وعن أبي يوسف: العصر ليس
стр. 58
بشرط. ذكره في المستغني.
وأما حكم ما لا ينعصر بالعصر: فالتثليث بالجفاف، حتى لو موه السكين بماء نجس، يموه بالماء الطاهر ثلاثاً، ويجفف في كل مرة، بأن ينقطع التقاطر، ولا يشترط اليبس فيه، لأن التجفيف يؤثر في استخراج النجاسة كالعصر، وقال محمد: ما لا ينعصر بالعصر إذا تنجس: لا يطهر أبداً.
بساط تنجس: فجعل في نهر، وترك فيه يوماً وليلة، وجرى عليه الماء: طهر، نص عليه في الكافي.
وسئل الفقيه أحمد بن إبراهيم: عن الحصير إذا تنجس قال: إن كان من قصب: فإنه يطهر إذا غسل بماء طاهر بلا خلاف، وإن كان من بردي: فإنه يستنقع في ماء طاهر ثلاث مرات، ويجفف في كل مرة، ويطهر عند أبي يوسف، خلافاً لمحمد.
تور كان فيه خمر، فتطهيره: أن يجعل الماء فيه ثلاث مرات، كل مرة لساعة إن كان التور جديداً، نص عليه في المنتقى، وفيه عن أبي يوسف: "لو طبخت الحنطة بخمر حتى تنتفخ وتنضج، فطبخت بعد ذلك ثلاث مرات، وانتفخت في كل مرة، وجفت بعد كل طبخة: فلا بأس بأكلها، وفيه أيضاً: الدقيق إذا أصابته خمر لم يؤكل، وليس لهذا حيلة".
стр. 59
قوله: (وكل شيء صقيل كالمرآة والسيف والسكين ونحوها: يطهر بالمسح) لأن النجاسة لا تتداخله، وعند الشافعي: يغسل.
قوله: (والمني نجس) وعند الشافعي: طاهر، لأنه أصل الآدمي المكرم، وليس من الكرامة تنجيس أصله، ولنا: قوله ﵇: "لا يغسل الثوب إلا من خمس ... " وعد منها المني، وإيجاب الطهارة لا يكون إلا بخروج النجس.
قوله: (يجب غسله رطباً) أي يجب غسل المني حال كونه رطباً، ويكفي بفركه حال كونه يابساً، لقوله ﵇: "يا عائشة إذا رأيت المني رطباً فاغسليه وإ، رأيته يابساً فافركيه".
стр. 60
ولو أصاب المني البدن: لا يطهر إلا بالغسل رطباً أو يابساً، ذكره في الأصل.
قوله (ولو ذهب أكثر النجاسة عن الأرض بالشمس: جازت الصلاة على مكانها) أي مكان النجاسة، كالخمر إذا تخللت.
وقال زفر: لا يجوز، قياساً على التيمم، وبه قال الشافعي.
وفي المنتقى: "أرض أصابها بول أو عذرة، ثم أصابها ماء المطر، إن كان المطر غالباً قد جرى ماؤه عليه: فذلك مطهر له، وإن كان قليلاً لم يجر ماؤه عليه: لم يطهر".
قوله: (دون التيمم منه) أي من مكان النجاسة، وهذا بالاتفاق، وذلك لأن النص شرط التيمم بالصعيد الطيب.
قوله: (وإذا أصاب الخف أو النعل نجاسة لها جرم، فجفت فدلكه بالأرض: يطهر) هذا عند أبي حنيفة، لما روى الطحاوي في شرح الآثار بإسناده إلى أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدكم المسجد فلينظر في نعله، فإن كان فيهما أذى أو قذر فليمسحهما ثم ليصل فيهما" والمراد بالأذى: النجاسة العينية اليابسة، لأن الرطبة تزداد بالمسح انتشاراً أو تلوثاً.
стр. 61
وعند أبي يوسف: يطهر مطلقاً، لإطلاق الحديث، وعند محمد: لا يطهر إلا بالغسل مطلقاً، قياساً على الثوب، وبه قال زفر والشافعي ومالك.
قوله: (بخلاف المائعة) أي بخلاف النجاسة المائعة إذا أصابت الخف، حيث لا يطهر إلا بالغسل عندهما، وعند أبي يوسف: يطهر بالدلك أيضاً لما مر.
قوله: (والثوب) أي وبخلاف الثوب إذا أصابته نجاسة، فجفت، فدلكه بالأرض: حيث لا يطهر بالاتفاق، ولابد من الغسل، وهو القياس، وأما المني: فقد خص بالنص عن القياس.
стр. 62
فصل في البئر
لما فرغ عن بيان إزالة النجاسة، شرع في بيان مسائل البئر.
قوله: (النجاسة المائعة ينجسها) أي البئر فلا يطهر إلا بنزح جميع ما فيها.
قوله: (والجامدة) مبتدأ، أي النجاسة الجامدة كالبعر والروث والخنثي، وقوله: (قليلها) مبتدأ ثان وقوله: (عفو) خبره، وهذا المبتدأ مع خبره، خبر عن المبتدأ الأول، والقليل: بعرة وبعرتان.
قوله: (لا كثيرها) أي لا يعفى كثيرها، وهو ما يأخذ ثلث وجه الماء، وقيل: ربعه، وقيل: ما يغطي وجه الماء كله، وقيل: ما لا يخلو كل دلو عن بعرة، والصحيح أن الكثير ما يستكثره الناظر، على ما اختاره المصنف.
قوله: (والرطب واليابس والصحيح والمنكسر سواء) لشمول الضرورة، وبعضهم يفرق ويقول: أن الرطب والمنكسر يفسد، لا اليابس، والصحيح والظاهر ما قاله المصنف، وكذا لا فرق بين آبار الحضر والفلوات في الصحيح.
مسألة: شاة تبعر في المحلب بعرة أو بعرتين: يرمى البعر ويشرب اللبن، وكذا عن علي ﵁.
قوله: (فإن ماتت فيها) أي في البئر (عصفورة أو فأرة أو نحوهما: يطهر بنزح عشرين دلواً) لما روي عن أنس ﵁ قال: "ينزح في الفأرة عشرون دلواً" ويستحب الزيادة إلى ثلاثين، والفأرتان كفأرة، والثلاثة كالدجاجة.
قوله: (بدلوها) أي بدلو تلك البئر، لأن المعتبر هو الدلو الوسط، وهو المستعمل في الآبار، وقيل: ما يسع صاعاً.
стр. 63
قوله: (بعد إخراج الواقع) لأن النزح لا يفيد ما دام الواقع فيها.
قوله: (وفي الحمامة والدجاجة والهرة ونحوها: أربعون) أي ينزح أربعون دلواً، لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ هكذا، ويستحب الزيادة إلى خمسين في الأظهر، وإلى ستين للاحتياط، والهرتان: كالواحدة، والثلاث: كالشاة، وعن أبي يوسف في الهرة: ينزح الكل، وعن أبي حنيفة: الأوز والسخلة والجدي: كالدجاجة، وعنه: كالشاة، وهو الأصح.
قوله: (وفي الآدمي) أي وفي وقوع الآدمي (والشاة ونحوهما: ينزح الكل) أي جميع الماء، لأن ابن عباس وابن الزبير ﵃: أفتيا بنزح ماء البئر كله حين مات الزنجي في بئر زمزم.
قوله: (وإن انتفخ الواقع أو تفسخ: نزح الكل مطلقاً) أي سواء كان الواقع صغيراً كالفأرة، أو كبيراً كالشاة ونحوها، لأنها لا تخلو عن بلة، وتلك البلة نجسة كقطرة من خمر، ولهذا لو وقع ذنب الفأرة: ينزح الكل، لأن موضع القطع منه لا ينفك عن النجاسة.
стр. 64
قوله: (وإن لم يمكن نزح الماء كله لنبع الماء: نزح حتى يغلبهم الماء) هذا رواية عن أبي حنيفة، وعن محمد: ينزح مائتا دلو إلى ثلثمائة، لأن الغالب في الآبار نحو ذلك، والأصح أن يؤخذ بقول رجلين لهما بصارة في أمر الماء، فأي مقدار قالا أنه في البئر: ينزح ذلك القدر، وهو أشبه بالفقه، ولا يطهر ما دام الدلو الأخير في هواها، حتى لم يجز لأحد أن يتوضأ منها إلا بعد انفصالها، وقال محمد: يجوز. والله أعلم.
стр. 65
فصل في الاستنجاء
الاستنجاء: مسح موضع النجو أو غسله، والنجو: ما يخرج من البطن.
قوله: (وهو) أي الاستنجاء (سنة من البول والغائط ونحوهما) مثل المني والودي والمذي والدم الخارج من السبيلين، ومثل الدودة والحصاة الملوثة، لما روي عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن، فإنها تجزئ عنه" رواه أبو داود.
وقال الشافعي: هو فرض، لا تجوز الصلاة بدونه.
ولنا: ما روى أبو حاتم في صحيحه: "من استجمر فليوتر، ومن فعل هذا فقد أحسن، ومن لا فلا حرج".
قوله: (بكل طاهر مزيل) كالحجر والمدر والتراب والخرقة والقطن ونحوها.
قوله: (ويمسح المحل) أي محل خروج النجاسة من القبل والدبر، حتى ينقيه: أي ينظفه. والمعتبر عندنا: الإنقاء، ولا يسن العدد، حتى لو حصل الإنقاء بحجر واحد: لا يحتاج إلى الثاني، ولو لم يحصل بثلاثة أحجار: يحتاج إلى الرابع.
стр. 66
وقال الشافعي: لابد من التثليث.
قلنا: لو كان العدد شرطاً لسأل النبي ﷺ ابن مسعود ﵁ الثالث ليلة الجن حين أتاه بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين ورمى الروثة فقال: "إنه رجس ونكس".
وقوله (والماء أفضل) أي من الحجر ونحوه لقوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨] نزلت في أهل قباء، وكانوا يتبعون الحجارة بالماء.
قوله: (فإن جاوز الخارج المخرج: تعين الماء) لأن المسح غير مزيل على سبيل الاستيصال، ولكن اكتفى به في المحل شرعاً دفعاً للحرج فلا يتعداه.
قوله: (ويكره) أي الاستنجاء (بالعظم والروث والمطعوم واليمين) لما روي أن أبا الزبير سمع جابر بن عبد الله يقول: "نهانا رسول الله ﷺ أن نمسح بعظم أو بعر" رواه أبو داود.
стр. 67
وروي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فإنه زاد إخوانكم من الجن" رواه الترمذي.
وروى الترمذي أيضاً "أن النبي ﷺ نهى أن يمس الرجل ذكره بيمينه".
وصفة الاستنجاء بالأحجار: أن يجلس معتمداً على يساره، منحرفاً عن القبلة والريح والشمس والقمر، ومعه ثلاثة أحجار، يدبر بالأول ويقبل بالثاني، ويدبر بالثالث، هذا في الصيف، وفي الشتاء: يقبل بالأول ويدبر بالثاني ويقبل بالثالث، لأن خصيتيه مدليتان في الصيف.
وصفته بالماء: أن يستنجي بيده اليسرى بعدما استرخى كل الاسترخاء إذا لم يكن صائماً، ويصعد إصبعه الوسطى على سائر الأصابع قليلاً في ابتداء الاستنجاء، ويغسل موضعها، ثم يصعد بنصره ويغسل موضعها، ثم يصعد خنصره ثم سبابته، فيغسل حتى يطمئن قلبه أنه قد طهر بيقين أو غلبة ظن، ويبالغ فيه إلا أن يكون صائماً، ولا يقدر بالعدد إلا إذا كان موسوساً، فيقدر في حقه بالثلاث، وقيل بالسبع، وقيل بالعشر، ويفعل ذلك بعد الاستبراء بالمشي أو التنحنح أو النوم على شقه الأيسر.
стр. 68
كتاب الصلاة
لما فرغ عن بيان الطهارة التي هي شرط الصلاة، شرع في بيان الصلاة التي هي مشروطة، وشرط الشيء يسبقه، وحكمه يعقبه، وإنما قدمها على غيرها من العبادات لما مر من أنها تالية وثانية في الكتاب والسنة.
وهي لغة: من تحريك الصلوين، وهما العظمان النابتان عن العجيزة، وقيل: من الدعاء.
وشرعاً: عبارة عن الأركان المعلومة والأفعال المخصوصة، وسببها: الوقت، وفرائضها: اثني عشر، ستة قبلها تسمى شروطاً، وستة فيها تسمى أركاناً، لما يجيء بيانها.
وحكمها: سقوط الواجب عن الذمة في الدنيا، وحصول الثواب في العقبى. وحكمتها: تعظيم الله تعالى بجميع الأركان والأعضاء، ظاهرها وباطنها، تبرياً عن عبادة الأوثان قولاً وفعلاً وهيئة.
وفرضت الصلاة ليلة المعراج، وكان المعراج قبل خروجه ﵇ إلى المدينة بسنة، كذا روى البيهقي عن الزهري، وروى السدي: أنه قبل مهاجره بستة عش رشهراً،
стр. 69
فعلى قول السدي: يكون المعراج في شهر ذي القعدة، وعلى قول الزهري: يكون في ربيع الأول.
قوله: (ومن أسلم أو أفاق) أي من الجنون (أو بلغ) أي الصبي (أو طهرت) أي الحائض من الحيض، أو النفساء من النفاس، (والحال أنه قد بقي من الوقت قدر تحريمة: لزمته صلاة ذلك الوقت) عندنا فيقضيها خلافاً للشافعي.
قوله (ولو ارتد) أي عن الإسلام والعياذ بالله (أو جن أو حاضت المرأة حينئذ) أي حين بقي من الوقت قدر تحريمة (لم يجب عليهم صلاة ذلك الوقت) خلافاً لزفر.
والأصل في هذين الفصلين: أصولي، وهو أن الوجوب عند الشافعي: بأول الوقت، وعندنا: بآخره، وأن السببية من الجزء إلى الجزء اتفاقاً، إلا أن عند زفر: إلى أن يتضيق الوقت، وعندنا: إلى آخر جزء من أجزاء الوقت.
стр. 70
فصل
الأذان لغة: إعلام مطلقاً. وشرعاً: إعلام مخصوص في أوقات مخصوصة.
قوله (الأذان سنة) قيل: واجب، والصحيح أنه سنة مؤكدة، ولو امتنع أهل بلدة: يقاتلهم الإمام عند محمد، خلافاً لأبي يوسف.
قوله: (لخمس) أي الصلوات الخمس قوله: (والجمعة) إنما أفردها بالذكر وإن كانت داخلة في الخمس: نظراً إلى أن فرض الوقت هو الظهر.
قوله: (فقط) يخرج السنن والتطوعات، والوتر وإن كان واجباً عند أبي حنيفة، لكنه يؤدى في وقت العشاء، فاكتفى بأدائه.
قوله: (بغير ترجيع) وهو أن يأتي بالشهادتين مخافتة، ثم يأتي بهما مجاهرة، لأنه لم ينقل في حديث عبد الله بن زيد وحديث بلال، وقال الشافعي: لابد من الترجيع.
قوله: (ويزيده في الفجر بعد الفلاح) أي بعد قوله حي على الفلاح (الصلاة خير
стр. 71
من النوم) مرتين، لما روى أبو داود في سننه في تعليم النبي ﵇ أبا محذورة الأذان قال: "فإن كان في صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم".
قوله: (والإقامة مثله) أي مثل الأذان مثنى مثنى، إلا أنه يزيد فيه: قد قامت الصلاة، مرتين بعد قوله: حي على الفلاح، لما روي عن عبد الله بن زيد أنه قال "كان أذان رسول الله ﷺ شفعاً شفعاً في الأذان والإقامة" رواه الترمذي.
قوله: (ويترسل في الأذان) والترسل: أن يقف بين كل كلمتين إلى آخر الأذان، لقوله ﵇ لبلال: "إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحدر" رواه الترمذي.
قوله: (ويتوجه فيهما إلى القبلة) أي في الأذان والإقامة، لأنهما ذكر الله، والاستقبال فيه مستحب.
قوله: (ويلتفت يمنة ويسرة) أي عند قوله: حي على الصلاة وحي على الفلاح، لأنهما خطاب للقوم، فيواجههم بهما.
قوله: (ويرفع الصوت) لأنه إعلام الغائبين، فلابد من رفع الصوت ليحصل لهم الإعلام، وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "المؤذن يغفر له مدى صوته، ويشهد له كل رطب ويابس، وشاهد الصلاة يكتب له خمس وعشرون صلاة، ويكفر عنه ما بينهما" رواه أبو داود في السنن.
стр. 72
قوله: (ويستحب الوضوء فيهما) أي في الأذان والإقامة، لأنهما ذكر يستحب فيه الطهارة كالقرآن.
قوله: (ويكرهان للجنب) أي يكره الأذان والإقامة للجنب، لأن لهما شبهاً بالصلاة، فكره مع الحدث الأغلظ دون الأخف.
قوله: (ويعاد الأذان خاصة) أي يستحب أن يعاد أذان الجنب خاصة، ولا تعاد إقامته، لأن تكرار الأذان مشروع في الجماعة كما في الجمعة، وأما تكرار الإقامة: فغير مشروع أصلاً.
قوله: (ويكره إقامة المحدث) وكراهة إقامته لا لأنه ذكر معظم، بل لما فيه من الفصل بين الإقامة والتكبير، وذا غير مشروع، ويروى: لا يكره إقامته أيضاً كما لا يكره أذانه. وأذان المرأة والفاسق والصبي والقاعد والسكران: يكره، ويستحب إعادته.
قوله: (ويؤذن للفائتة الأولى) يعني إذا فاتته صلوات وأراد أن يقضيها: يؤذن للفائتة الأولى ويقيم، وله الاكتفاء بالإقامة في البواقي، لما روي أنه ﵇ "لما فاتته أربع صلوات، قضاهن مع الصحابة بجماعة، بأذان وإقامة للأولى، وإقامة لكل واحدة من البواقي".
قوله: (ويجوز إقامة غير المؤذن) يعني إذا أذن واحد وأقام آخر: يجوز، لقوله ﵇ لعبد الله بن زيد حين رأى الأذان: "ألقه على بلال" فقال عبد الله: أنا رأيته وأنا كنت أريده قال: "فأقم أنت" رواه أبو داود وفيه خلاف الشافعي.
стр. 73
قوله: (ويكره للمؤذن الأجرة) لما روي أن عثمان بن أبي العاص قال: يا رسول الله اجعلني إمام قومي قال: "أنت إمامهم، واقتدي بأضعفهم، واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً" رواه أبو داود. قال أبو عيسى: حديث عثمان حديث حسن.
ولأنه أجرة على الطاعة وهي غير جائزة، وكذلك أخذ الأجرة على الحج والإمامة وتعليم القرآن والفقه، ولكن المتأخرين جوزوا على التعليم والإمامة في زماننا لحاجة الناس إليه، وظهور التواني في الأمور الدينية، وكسل الناس في الاحتساب، وعليه الفتوى.
ولو استأجر شخصاً لتعليم الحرف، فيه روايتان: في رواية المبسوط: يجوز، وفي رواية القدوري: لا يجوز.
стр. 74
ولو استأجره لتعليم غلامه أو ولده شعراً أو أدباً أو حرفة مثل الخياطة أو نحوها: إن بين المدة بأن استأجره شهراً لتعليم هذا العمل: يجوز وينعقد العقد على المدة حين يستحق الأجر، تعلم أو لم يتعلم إذا سلم الأستاذ نفسه، وإن لم يبين المدة: ينعقد فاسداً، حتى لو علم: استحق أجر المثل، وإلا فلا، وكذا تعليم سائر الأعمال كالخط والهجاء والحساب على هذا.
ولو استأجر قلماً ليكتب به: جاز إذا بين الوقت والكتابة. ولو استأجر على كتابة الغناء والنوح: يجوز، نص عليه شيخ الإسلام، لأن المعصية في القراءة، وقد يقرأ وقد لا يقرأ.
قوله: (ولا يؤذن لصلاة قبل الوقت) لأنه مشروع في الوقت فلا يشرع قبله، إلا أذان الفجر فإنه يجوز بعد نصف الليل عند أبي يوسف والشافعي، وعندهما: لا يجوز.
قوله (ويعاد فيه) أي يعاد الأذان الذي وقع قبل الوقت في الوقت، ليقع على الوجه المشروع.
قوله: (ويجب على سامع الأذان والإقامة متابعة المؤذن) لما روي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن" رواه أبو داود، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
стр. 75
ويقول في الحيعلتين: لا حول ولا قوة إلا بالله، لما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر، فإذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله قال: أشهد أن لا إله إلا الله فإذا قال: أشهد أن محمداً رسول الله قال: أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله قال: لا إله إلا الله، من قلبه دخل الجنة" رواه مسلم وأبو داود.
قوله: (ولا يتكلم سامعهما) أي سامع الأذان والإقامة، لأن الإجابة واجبة، والتكلم مخل بهما.
(وكذلك لا يقرأ ولا يسلم ولا يرد السلام) ولا يشتغل بعمل غير الإجابة.
قوله: (ويقطع القراءة لهما) أي للأذان والإقامة، فإن قلت: أليس هذا بتكرار لأنه قال أولاً (ولا يقرأ)؟ قلت: لأن المراد من قوله: (ولا يقرأ) هو: أن لا يشرع في القراءة عند الأذان والإقامة، والمراد من قوله: (ويقطع القراءة) هو أن يكون قارئاً فابتدئ الأذان والإقامة. فافهم.
следующие страницы →