Полный текст (463 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن أحرى ما يملى في تباشير الخطب والديابيج، وأحسن ما يتلى في بحابيح الدياجر والدياييج، وأبهى فرايد تنظم في عقد الجمان، وأسنى جواهر ترصع في يواقيت أركان الأذهان، حمد من هدانا منهج الهداية، وشكر من أنجانا من مسلك الغواية، الذي أرشدنا دينا مضيا، وعلمنا شرعا مرضيا هنيا، وبعث إلينا نبيا صادقا أمينا، من أكرم محتد وأشرف جرثومة، وأطيب مغرس وأعرف أرومة، عليه صلوات لا ينهى عددها، ولا يحاط مبلغها، ولا يدرك أمدها، ثم على أزواجه الطاهرات، ونسائه الزاكيات، وعلى خلفائه الراشدين، وآله وصحبه أجمعين، والرضوان على علماء المسلمين، مصابيح الدنيا والدين، ما دخل الليل في النهار، وما هبت الرياح وامتدت الأنهار.
أما بعد:
فإن العبد الفقير إلى ربه الغني، أبا محمد محمود بن أحمد العيني، عامله الله ووالديه بلطفه الخفي، يقول: لما وقعت في الديار المصرية، ديار خير وعلم وأمنية، ورأيت الترك منكبين على المختصر الموسوم بتحفة الملوك، لكونه هاديا إلى أوضح السلوك، راغبين فيه غاية الرغبة، مجتهدين فيه بأشد همة، لكونه مختصرا لطيفا، ومنتخبا شريفا، بحيث يحصل منه الحظ للمبتدئ والفضل للمنتهي، وأنه محتاج إلى الشرح والإيضاح، والبيان والإفصاح، أردت أن أشرح له شرحا يذلل الصعاب، ويزيل عن مخدراته النقاب، متعرضا لحل المتن وبسط مسائله، وإيضاح ما يحتاج إلى البيان من دلائله، مترجما بكتابه (منحة السلوك في شرح تحفة الملوك) فالمسؤول من الله أن يرزقنا الفهم والدراية، ويعصمنا عن الجهل والغواية، ويوفقنا طريق الصواب،
стр. 2
ويحجزنا عن الوقوع في مظان الارتياب، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير. ومأمول من الناظر فيه أن ينظر بعين الصدق والصفا، ولا ينظر بعين الحسد والجفا، فإن الجسد لا يخلو عن الحسد، ولكن الكريم يخفيه واللئيم يبديه، اللهم اعصمنا عن نفث عاقد إذا عقد ومن شر حاسد إذا حسد، توكلي عليه وهو حسبي ونعم الوكيل.
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أقول: قد جرى دأب السلف والخلف من المصنفين ﵏ أن يعنونوا كتبهم بالبسملة وذلك من وجوه ثلاثة:
الأول: اقتداء بالكتاب العزيز المستفتح هكذا، والثاني: عملا بقوله ﵇: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع) رواه أبو داود وابن ماجه، والثالث: تبركا باسم الله في ابتداء الأمر، وتفاؤلا به ليوفقه طريق الرشاد، ويسلكه سنن السداد، ويعاذ به من شر أبي كردوس الرجيم، ويلاذ به من مكره العظيم، فإن فيه معاذا للمؤمنين وملاذا للمسلمين.
ألا يرى أن من اعتراه خطب جسيم واحتواه أمر عظيم، كيف يتلفظ باسم من هو يعزو نفسه إلى بابه، ويعدها من جملة أحبابه ليحصل له المناص من ذلك والخلاص في ذلك.
وكيف ينتبّ من حواليه، وينشرد من جوانيه، من هو به حصل له ما حصل
стр. 4
ووقع له ما وقع، فبالحرى ذلك في اسم الله تعالى؛ لأنه هو المخلص في الدنيا والآخرة، والمنجي من مكائد أبي مرة ومصايد الحارث ووساوس الولهان، وكيف لا وإن سائر أسماء الله تعالى جميعها مضمنة، فيه مندرجة فيما تحته، كما قيل: إن لفظة الله اسم للذات، مستجمع لجميع الصفات، وأن سورة التوحيد مخصوصة به، وكلمة الشهادة واقعة به، والأيمان مشروعة به.
ولو بسطنا القول فيه من حيث الاشتقاق والوضع والإعراب والمعاني والبيان والبديع، ومن حيث اختلاف المجتهدين فيما يبتنى عليه من الأحكام، ومن حيث الثواب والفضيلة، ومن حيث ما ورد فيه الآثار والأخبار، لاحتجنا إلى دفاتر ما تحمل على الأكتاف، ولكن نذكر شيئا نزرا بقدر ما يتحمله هذا المختصر، تشفيا لصدور الناظرين، وترويا لقلوب الواردين.
فنقول: (بسم الله) أي بسم الله أشرع، وهو اللائق به، وكذلك المسافر إذا حل أو ارتحل وقال: بسم الله، أي بسم الله أحل، وبسم الله أرتحل، وكذلك كل فاعل يبدأ في أول فعله: بسم الله.
فإن قلت: لم قدرت المحذوف متأخرا؟ قلت: لفائدة الاختصاص الذي يحصل بتقديم الاسم وتأخير الفعل كما في ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾.
فإن قلت: لم قدم الفعل على الاسم في قوله تعالى: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾.
قلت: هذا أول ما أنزل على النبي ﷺ ، فكان الأمر بالقراءة أهم لتبليغ الرسالة فلذلك قدم.
فإن قلت: لفظة الله اسم أو صفة؟ قلت: اسم غير صفة، ألا ترى أنك تصفه ولا تصف به فتقول: الله رحيم، ولا تقول: الرحيم الله.
فإن قلت: اسم موضوع أو مشتق؟ قلت: ليس بمشتق في الأصح، والذين ذهبوا إلى اشتقاقه بعضهم قالوا: من ألِه يألَه بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر: أي
стр. 5
سكن، وبعضهم قالوا: من وله يوله: أي تحير، وبعضهم قالوا من تأله يتأله: أي تضرع، وبعضهم قالوا: من لاه يلوه: أي احتجب، فإن قلت: كيف نراعي هذه المعاني في لفظة الله؟ قلت: مراعاتها ظاهرة:
أما الأول: فلسكون الخلق إليه، وأما الثاني: فلتحيرهم في كنه عظمته، وأما الثالث: فلتضرعهم إليه، وأما الرابع: فلأنه محتجب عن إدراك الأبصار وإحاطة الأفكار.
فإن قلت: ما الفرق بين الرحمن والرحيم؟ قلت: الرحمن فعلان من رحم، كغضبان من غضب.
والرحيم: فعيل من رحم، كسقيم من سقم، وفي الرحمن من المبالغة ما ليس في الرحيم، فلذلك قالوا: رحمن الدنيا والآخرة، ورحيم الدنيا؛ لأن الزيادة في اللفظ لزيادة في المعنى، وإليه الإشارة في الكشاف، فيكون هذا من باب التتميم والتكميل لا من باب الترقي، لأن الترقي شرطه من الأدنى إلى الأعلى، ولو كان ذلك لقيل (بسم الله الرحيم الرحيم).
فإن قلت: ما معناهما من حيث اللغة؟ قلت: قد علمت أنهما مشتقان من رحم يرحم رحمة وهو: التعطف والحنو. ومنه الرحيم لانعطافها على ما فيها. فإن قلت: كيف يجوز أن يوصف الله بهذا المعنى؟
قلت: يكون مجازا من إنعامه على عباده؛ لأن مآل التعطف والحنو يفضي إلى هذا، كما أن سخطه عبارة عن عقابه.
وأما إعرابها:
فقوله: بسم: مجرور بالباء، ومحل الباء نصب هو ظاهر، لأنه إما مفعول وإما
стр. 6
حال، ويجوز أن لا يكون في قوة ابتدائي بسم الله، أي ابتدائي حاصل بسم الله، ولفظة (الله) مجرور بالإضافة، والرحمن الرحيم مجروران بالوصفية.
وهذا القدر كاف للفطن الذكي، ولا ينفع الإكثار والبسط للجاهل الغبي.
قوله: (الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى) أقول:
هذا جزء من القرآن الكريم أتى به في أول كتابه لوجوه كثيرة:
الأول: تأسيا بكتاب الله تعالى فإنه مستفتح أولا بالبسملة، وثانيا بالحمدلة.
والثاني: عملا بقوله ﵇: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله أقطع) رواه أبو داود وابن ماجه وأبو عوانة.
وما قيل: إن هذا وحديث البسملة متعارضان ظاهرا: فقد مر جوابه فيك تابنا المستجمع في شرح المجمع مستوفى.
стр. 7
والثالث: اتباعا للمصنفين في أنهم يثنون الابتداء بالحمد لله.
والرابع: تفاؤلا به للتبرك، وليس شيء مما يتبرك به أفضل من القرآن.
والخامس: أن هذا اقتباس، وهو من صنعة البديع، وهو أن يذكر شيئا من القرآن أو الحديث لا على أنه منه.
والسادس: أن هذا الجزء الشريف مشتمل على الحمد الذي هو رأس الشكر والسلام على الأنبياء؛ لأن المراد من قوله: ﴿على عباده الذين اصطفى﴾ هم الأنبياء.
والسابع: دفعا لسؤال من يسأل: أنه لم اختار الحمد على المدح والشكر؟
فإن قلت: دأبهم أن يصلوا على النبي ﵇ بعد الحمد لله، والمصنف خالفهم في ذلك.
قلت: لا، لأن المراد من عباده الذين اصطفى: هم الأنبياء كما قلنا، ونبينا محمد ﷺ داخل في جملتهم، فتكون مصليا عليه أيضا.
فإن قلت: هم قد صرحوا، وهو قد ترك التصريح، مع أنه ليس فيه لفظ الصلاة.
قلت: طريقه آكد وأبلغ؛ لأنه كنى رسول الله ﷺ ، والكناية أبلغ من الصريح، لما فيها من الإشعار على الفخامة وعلو القدر ما ليس فيه، والسلام ههنا بمعنى الصلاة، على أن البعض لم يفرقوا بين الصلاة والسلام، أو يكون المراد من عباده الذين اصطفى: هو محمد ﷺ ، من باب إطلاق الكل وإرادة البعض. فإن قلت: كيف يكون من هذا الباب والمراد الجميع في التفسير؟
قلت: قد تقدم أنه اقتباس من القرآن فلا يكون منه مطلقا، فيعمل مراده حينئذ، ثم الحمد هو الوصف بالجميل على جهة التفضيل لا على جهة الاستهزاء، والألف واللام فيه للاستغراق، أي كل واحد من أفراد الحمد لله تعالى، وليست هي للعهد كما توهمه المعتزلة، والحمد: مرفوع بالابتداء، وخبره (الله) وسلام: عطف عليه، وعلى عباده: جار ومجرور متعلق بمحذوف، واللذين: اسم موصول، واصطفى: صلته، والعائد محذوف تقديره: الذين اصطفاهم: أي اختارهم من بين عباده بأشياء مخصوصة، وأصله: اصتفى، لأنه من صفى يصفوا صفوة وصفاءً، فنقلت إلى باب الافتعال، ثم قلبت التاء طاء لما عرف في موضعه.
стр. 8
قوله: (هذا مختصر في علم الفقه جمعته لبعض إخواني في الدين بقدر ما وسعه وقته).
أقول: أي هذا الكتاب الذي صنفته كتاب مختصر، هذا التقدير إذا كانت الخطبة بعد الفراغ من التصنيف، وإن كانت في أول الشروع: تكون الإشارة حينئذ إلى ما في خاطره؛ لأنه تصور في خاطره أن يصنف كتابا صفته كذا وكذا، مثل قوله تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا﴾.
فإنه ﵇ أشار إلى الكعبة قبل بنائها، لأنه تصورها في قلبه ما من شأنها يكون كذا وكذا.
وقوله: (في علم الفقه) أي في بعض علم الفقه، وإنما قدرنا هكذا: لأن هذا المختصر مقتصر على عشرة كتب ليس إلا.
والفقه في اللغة: الفهم، كما في قوله تعالى: ﴿يفقهوا قولي﴾ أي يفهموا، وفي اصطلاح الفقهاء: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية، وعن أبي حنيفة: أنه معرفة النفس ما لها وما عليها.
وقيد بقوله: (لبعض إخواني) لأنه لا يمكن أن يكون هذا المختصر لجميع إخوانه، لأن المؤمنين شرقا وغربا كلهم إخوانه في الدين، لقوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ وإنما قيد بقوله: (في الدين) احترازا عما إذا كان له أخ في النسب، ولا يكون أخا له في الدين، مثل ما إذا كان كافرا.
стр. 9
وقوله: (بقدر ما وسعه وقته) أي جمعته بقدر ما وسع هذا المختصر وقت المختصر. فالضمير في وسعه: منصوب على المفعولية، وفاعله قوله: (وقته) والضمير في وقته مجرور بالإضافة، وكلاهما عائدان إلى المختصر. وفي بعض النسخ: بقدر ما وسعني وقته، والحاصل أن هذا اعتذار من المصنف في سبب الاختصار، وهو عدم وسعة الوقت على أطول من هذا: إما باعتبار أن المختصر مطلوب مرغوب فيه، وإما باعتبار كونه مشغولا بخلافه أيضا، ولم يساعده وقته إلا بهذا المقدار، وهذا هو الظاهر فافهم.
قوله: (واقتصرت فيه على عشرة كتب هي أهم كتب الفقه له وأحقها بالتقديم)
أقول: هذا بيان لقوله (هذا مختصر في علم الفقه) لأنه لما قال ذلك: ألقى في ذهن السامع أنه مختصر، ولكن ما تحقق عنده كيفية اختصاره ولا كمية أبوابه، ولما قال على عشرة كتب: انتقش في ذهنه أنه على عشرة كتب ليس إلا.
وقوله: (هي أهم كتب الفقه) أي الكتب العشرة التي أذكرها: أهم كتب الفقه لبعض إخواني. وكونها أهم كتب الفقه ظاهر.
أما الصلاة والزكاة والصوم والحج: فلأنها قواعد الإسلام وأسه، لما روى البخاري في صحيحه بإسناده إلى ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة
стр. 10
وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان) فهذه أركان خمسة للدين.
أما الشهادتان: فموضعهما الكلام، فلذلك لم يذكرهما المصنف، لأنه علم برأسه مستقل بنفسه.
وأما الصلاة: فلأنها تالية الإيمان، وثانيته في الكتاب والسنة، أما في الكتاب فقوله تعالى: ﴿الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة﴾.
وأما في الحديث: فما رويناه، وأنها أحد شطري الإيمان، ألا يرى أن تاركها جاحدا: كافر بالإجماع؟ وكسلا وتهاونا: فاسق، فيؤدي ويضرب، وعند الشافعي: يقتل، فقيل: حدا، وقيل: كفرا، وقد ورد في تاركها وعيد شديد لما روى مسلم في صحيحه بإسناده إلى جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن بين الرجل والكفر ترك الصلاة).
وأما الطهارة: فهي شرطها فلا تنفك عنها.
وأما الزكاة: فلا ريب أنها تالية الصلاة، وثانيتها في الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾.
стр. 11
وأما في الحديث: فما رويناه، وأنها من أعظم أركان الدين، وكيف لا وقد قال ﵇ (ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه، تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها، كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها، حتى يقضى بين الناس) رواه مسلم وابن ماجه.
وفي صحيح مسلم أيضا عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها من نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما ردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار).
وأما الصوم: فلا زيغ أنه من جملة ما يبتنى عليه الإسلام، وأنه هو العبادة التي أضافها الله تعالى إلى نفسه، وإن كان جميع العبادات له في الحقيقة، على ما روي في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (قال الله : كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به).
وأما الحج: فهو أيضا من شعائر الإسلام، وتقام به شعائر الله تعالى، وتحصل به الجنة، لما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة).
стр. 12
وفيه أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه) وفي رواية ابن ماجه (من حج هذا البيت ...) إلى آخره.
وأما الجهاد: فلا مراء أنه من قواعد الإسلام، ألا يرى أن التولي من الزحف كيف عد من الكبائر، وكيف رغب رسول الله ﷺ فيه وقال: (يضمن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي، وإيمان بي، وتصديق برسولي، فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة، والذي نفس محمد بيده ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم لونه لون دم وريحه ريح مسك ..) الحديث بتمامه في صحيح مسلم.
وأما الصيد والذبائح: فلا ريبة أنهما يكثران من الخلق بالنسبة إلى غيرهما من المباحات، لا سيما الذبائح، فتكون الحاجة ماسة إلى علمه.
وأما الكراهية: فلا غرو أن فيها بيان الحل والحرمة، ولا شك أن تمييز الحلال من الحرام والاجتناب عنه من قواعد الإسلام.
وأما الفرائض: فلا عُندُد أنها نصف العلم لقوله ﵇: (تعلموا الفرائض وعلموها فإنه نصف العلم وهو ينسى، وهو أول شيء ينتزع من أمتي) رواه ابن ماجه. وقال ﵊: (العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة) رواه أبو داود.
стр. 13
وأما الكسب مع الأدب: فلا معلندد أن طلب الكسب فريضة، فيكون داخلا في القواعد. والأدب: التخلق بالأخلاق الحميدة، ولا شك أن التأدب بالآداب الحسنة واجب، وترك الأدب في كثير من المواضع يوجب الفسق ويسقط العدالة.
هذا بيان وجه اختيار المصنف هذه الكتب العشرة، على أنا نقول: إنها أكثر وقوعا بالنسبة إلى غيرها، فإن المكلف يمكن أن لا يقع له في عمره من الوكالة أو الكفالة أو المضاربة أو الرهن أو الهبة أو العارية أو نحوها، ولا يمكن شرعا أن لا يقع له شيء من مسألة الطهارة أو الصلاة أو الصوم أو الفرائض أو الكراهية أو الكسب، وعدم الوقوع في حق البعض لوجود المانع نادر بالنسبة إلى الوقوع في حق الأكثرين، والنادر كالمعدوم عند وجود الأكثر فافهم.
قوله: (نفعه الله به وجعله سببا لترقيه إلى أعلى مراتب الآخرة)
أقول: أي نفع الله بعض إخواني في الدين بهذا المختصر، هذه جملة دعائية، إخبار في معنى الإنشاء، تقديره: اللهم انفعه به: أي وفقه وارزقه العمل بما فيه، لأنه حين يعمل بما فيه يهديه إلى صراط مستقيم، ويرشده إلى منهج قويم.
قوله: (وجعله سببا لترقيه) أي جعل الله هذا المختصر سببا لترقي بعض إخواني في الدين الذي يشتغل فيه ويعمل بما فيه: إلى أعلى مراتب الآخرة، وهو نظره إلى ربه الكريم من غير كيف ولا تشبيه ولا قرب قريب ولا بعد بعيد، نازلا في دار البقاء، وحالا في دار الكرامة (اللهم ارزقنا ذلك يا خير الناصرين ويا رب العالمين) وهذه أيضا جملة دعائية: إخبار في معنى الإنشاء.
ومعنى الترقي: هو التصعد والتدرج، وهو الوصول من الأدنى إلى الأعلى على سبيل التدريج، فافهم.
стр. 14
كتاب الطهارة
أقول: ابتدأ المصنف في بيان الكتب العشرة التي اختارها، فإن قلت: لم قال: كتاب الطهارة، ولم يقل باب الطهارة؟
قلت: لأن الباب عبارة عن النوع، والكتاب معناه: الجمع في اللغة، فكأنه يجمع الأنواع التي تحته وهي: الوضوء والغسل وأحكام المياه والآبار والأسار ونحوها.
فإن قلت: لم قال كتاب الطهارة ولم يقل كتاب الطهارات؟
قلت: الطهارة مصدر يتناول القليل والكثير، فلا يحتاج إلى الجمع.
فإن قلت: لم قال كتاب الطهارة ولم يقل كتاب الوضوء؟
قلت: الطهارة تطلق على الوضوء والغسل وطهارة المكان والثوب والبدن، وطهارة الآبار ونحوها.
والوضوء لا يطلق إلا على غسل الأعضاء الثلاثة ومسح ربع الرأس.
فإن قلت: لم قدم كتاب الطهارة على الصلاة؟
قلت: لأنها شرط الصلاة، والشرط دائماً بقدم على المشروط، إذ وجوده يتوقف على وجود الشرط.
والطهارة مصدر من طهر الشيء بفتح الطاء وضمها: هي النظافة مطلقاً، وفي الشرع: النظافة عن النجاسات.
قوله: (الماء على ثلاثة أقسام):
أقول: إنما قدم بحث المياه على الوضوء والغسل لأنه آلة لهما، وهما يحصلان
стр. 15
به، فلا بد من أن يقدم الآلة أولاً ليكون المكلف على الاستعداد، ثم قدم الماء المطلق على سائر أقسام الماء وهي:
المقيد، والمستعمل، والمختلط، والمعتصر، والمتغير، ونبيذ التمر، والمكروه، والمشكوك، والنجس، لأن الطهارة تحصل به بطريق الأصالة، بخلاف بواقيه، فإن بعضها لا يجوز استعماله: كالنجس، وبعضها يجوز عند عدم المطلق: كالمكروه، وبعضها بالجمع بالتراب: كالمشكوك.
قوله: (طاهر وطهور) أي القسم الأول: طاهر وطهور، أي طاهر في نفسه وطهور لغيره.
قوله: (وهو الماء الباقي على أوصاف خلقته) هذا حد الماء الطاهر والطهور، وهو الماء الذي يسميه الفقهاء: ماء مطلقاً، وهو ما يكون باقياً على أوصاف خلقته التي خلقه الله تعالى عليها من غير أن يتغير طعمه ولونه وريحه، وذلك كماء السماء والعيون والآبار والأنهار والبحار والحياض والغدران ونحوها.
قوله: (ومنه ما يقطر من الكرم) أي من الماء الطاهر والطهور ما يقطر من الكرم أيام الربيع، لأنه يخرج من غير علاج.
وذكر في المحيط: أنه لا يتوضأ بماء يسيل من الكرم، لكمال الامتزاج.
قوله: (والمتغير بطاهر) أي ومنه المتغير، أي من الطاهر والطهور: الماء الذي تغير بالشيء الطاهر كالصابون والزعفران، والحرض ونحوها، ولكن بشرطين:
الأول: أن لا يغلبه بالأجزاء، أشار إليه بقوله: (ما لم يغلبه بالأجزاء).
стр. 16
الثاني: أن لا يجدد له اسم آخر، أشار إليه بقوله: (ولم يجدد له اسم آخر) لأنه إذا جدد له اسم آخر: لا يبقى ماء: كالمرق وماء الباقلا والخل وسائر الأشربة.
واعلم أن المراد من الغلبة بالأجزاء هو: أن يخرج الماء من الصفة الأصلية وهي الرقة، بأن يثخنه إلى أن يجعله ثخيناً، لا أن يكون من حيث الوزن أكثر كما يتوهمه بعض الناس، نص عليه في شروح الهداية.
ويعضده أيضاً قول قاضي خان: "أن التوضي بماء الزعفران وزردج العصفر يجوز إن كان رقيقاً والماء غالب، فإن غلبت الحمرة وصار متماسكاً لا يجوز".
ويقويه قول أبي يوسف في الأمالي: "إذا اختلط الصابون بالماء وغلب عليه وأثخنه: لا يجوز التوضي به، وإذا كان رقيقاً لكن علاه بياض الصابون: يجوز
стр. 17
التوضي به. وكذلك إذا طبخ الآس والبابونج في الماء، فإن غلب على الماء حتى يقال ماء البابونج أو ماء الآس: لا يجوز التوضي به". وههنا تفريعات أخر ذكرتها في شرحي المستجمع، فمن رامها فعليه بذيله.
قوله: (وطاهر فقط) أي القسم الثاني من الأقسام الثلاثة:
ماء طاهر في نفسه فقط، يعني غير طهور لغيره (وهو كل ماء أزيل به حدث أو أقيمت به قربة) وهو الماء المستعمل، وسبب استعمال الماء: أحد الأمرين عند أبي يوسف، وهما: إزالة الحدث والتقرب، وهو أن يتوضأ وهو على الوضوء قصداً للقربة، وعند محمد: السبب التقرب فقط.
وفي حكمه ثلاث روايات عن أبي حنيفة: في رواية: نجس مغلظ، وبها أخذ الحسن، وفي رواية: نجس مخفف، وبها أخذ أبو يوسف، وفي رواية: طاهر غير طهور، وبها أخذ محمد، وهو أحد قولي الشافعي، وهو الصحيح وعليه الفتوى.
قوله: (ونجس) أي القسم الثالث من أقسام الثلاثة: ماء نجس (وهو ماء قليل وقعت به نجاسة وإن لم تغيره) لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من الجنابة" رواه أبو داود. ولو لم يكن الماء منجساً لم يكن للنهي فائدة.
стр. 18
والقلتان: تتنجس بوقوع النجاسة فيها، خلافاً للشافعي، والحديث الذي ورد فيها: ضعيف، ضعفه يحيى بن معين وغيره.
стр. 19
وهي خمس قرب كل قربة خمسون منا.
قوله: (وكثير وقعت فيه نجاسة) عطف على قوله: (وهو ماء قليل) فيكون هذا أيضاً داخلاً في حكم القسم الثالث: وهو النجس، فتقدير الكلام: القسم الثالث: ماء نجس، وهو ماء قليل وقعت فيه نجاسة وإن لم تغيره، وماء كثير وقعت فيه نجاسة فغيرت أحد أوصافه وهي: اللون والطعم والرائحة، سواء كان هذا الماء الكثير جارياً أو واقفاً. فافهم.
فرع: إذا ألقي الكلب الميت في النهر والماء يجري، ينظر: إن كان للماء الذي يجري من جانب الكلب قوة الجريان، أو كان الماء يجري على أعلى الكلب: فالماء طاهر. وإن كان جميعه يجري على جميع الكلب وليس في جانبيه قوة الجريان: فالماء نجس.
قوله: (والكثير: عشر في عشر٩ لما بين حكم الماء الكثير أولاً شرع في بيان حده: وهو عشر في عشر بذراع المساحة، وهو ذراع الملك: وهو كسرى أنو شروان، وهو سبع قبضات بإصبع قائمة، لأنه من الممسوحات، وذراع المساحة فيها أليق، وقيل بذراع الكرباس توسعة للناس، لأنه ست قبضات: أربع وعشرون إصبعاً، وهو اختيار المصنف، والأصح أنه يعتبر في كل زمان ومكان ذراعهم، نص عليه في الكافي والمحيط.
стр. 20
قوله: (في عمق) بدون الواو، وجار ومجرور وقعت حالاً من قوله: (والكثير) وقوله: (بذراع الكرباس) صفة لقوله: عشر في عشر، والمبتدأ كثيراً ما يقع منه الحال، فتقدير الكلام: والماء الكثير حال كونه مستقراً في عمق عشرة أذرع كائنة في عشرة أذرع مثلها مذروعة بذراع الكرباس.
قوله: (لا تظهر الأرض بالغرف) جملة وقعت صفة لقوله: (عمق) فافهم.
وقيل في حد العمق: قدر ذراع، وقيل: قدر شبر، وقيل: قدر أربع أصابع مفتوحة، وعن البزدوي: بما يبلغ الكعب.
قوله: (والقليل ما دونه) أي الماء القليل ما دون الكثير، وهو ما دون العشر في العشر، مثل تسعة في تسعة وما دونها.
قوله: (والجاري) أي الماء الجاري (ما يذهب بتبنة أو ورق) نص عليه صاحب تحفة الفقهاء، وقيل: ما يعده الناس جارياً، وهو المختار.
قوله: (والواقف ما دونه) أي الماء الواقف ما دون الجاري وهو: ما لا يذهب بتبنة ولا ورق.
قوله: (والنجاسة كل خارج من أحد السبيلين) وهما القبل والدبر، وأطلق الخارج ليعم البول والغائط والدودة ونحوها. فإن قلت: كيف يقول المصنف: (والنجاسة كل خارج من أحد السبيلين) ونحن نجد خارجاً من أحدهما وهو غير نجس: كالريح
стр. 21
الخارجة من الذكر وفرج المرأة، فإنه لا ينقض الوضوء فلا يكون نجساً، حتى إذا كانت سراويلها مبتلة لا ينجسها؟
قلت: هذا نادر، والحكم للغالب، ولأنه لا وجود له في الحقيقة، ولأنه اختلاج، على أن فيه رواية عن محمد: أنه يجب فيه الوضوء، فحينئذ يكون نجساً.
قوله: (وغيره) أي غير الإنسان، أي النجاسة كل خارج من أحد السبيلين من الإنسان، وكل خارج من أحد السبيلين من غير الإنسان، وهو يتناول جميع الدواب والوحوش والطيور، لكن استثني منه الحمام والعصفور: فإن خرءهما طاهر، لأنه لا يستحيل إلى نتن وفساد، على أن المسلمين أجمعوا على اقتناء الحمامات في المساجد مع الأمر بتطهيرها. وفيه خلاف الشافعي.
فإن قلت: المراد من قوله: (والنجاسة كل خارج) مغلظة أو مخففة؟ قلت: المراد من الخارج من الإنسان: مغلظة مطلقاً، وفي غيره تفصيل وخلاف، لأنها لا تخلو إما أن تكون مما يؤكل لحمه أو مما لا يؤكل.
أما الأرواث: فنجاستها مغلظة عند أبي حنيفة سواء كانت مما يؤكل أو مما لا يؤكل، وعندهما: مخففة مطلقاً، وعند زفر: إن كانت مما تؤكل: فهي مخففة، وإن كانت مما لا تؤكل: مغلظة.
وعند مالك: الأرواث طاهرة.
стр. 22
وأما الأخراء جمع خرء: فإن كانت مما تؤكل: فهي طاهرة، إلا خرء البط والدجاج والأوز، وإن كانت مما لا تؤكل: فنجاستها مخففة عند أبي حنيفة، ومغلظة عندهما على رواية الهندواني، وعلى رواية الكرخي: عند محمد مغلظة، وعندهما: طاهرة.
وأما الأبوال: فإن كانت مما لا يؤكل: فهي مغلظة بالاتفاق، وإن كانت مما يؤكل: فعند أبي حنيفة مغلظة، وعند أبي يوسف: مخففة، وعند محمد: طاهرة، حتى لا يجوز شرب بول نحو الغنم عند أبي حنيفة مطلقاً، ويجوز عند أبي يوسف للتداوي، ويجوز عند محمد مطلقاً. وعلى هذا مسائل وتفريعات كثيرة لا يتحملها هذا المختصر، يخرجها الفطن الذكي.
قوله: (والدم والقيح والصديد) عطف على قوله: (كل خارج).
قوله: (إذا سال إلى محل الطهارة) يعني بعدما خرج إذا سال إلى موضع يلحقه حكم التطهير (يكون نجساً) حتى إذا لم يسل إلى هذا الموضع: لا يكون نجساً، فلا ينقض الوضوء، حتى قيل: إذا ظهر الدم ونحوه على قرحة ورفعه بقطنة من غير سيلان: لا ينقض الوضوء، ولو ألقاه في البئر أو في الطعام: لا ينجسه.
قوله: (إما للوضوء وإما للغسل) تفصيل لمحل الطهارة، لأنها لا تخلو عن هذين الأمرين، أما محل الطهارة للوضوء: فهي الأعضاء الأربعة، وأما محل الطهارة للغسل: فجميع البدن.
قوله: (في الجملة يؤدي معنى مطلقاً) يعني الدم ونحوه إذا خرج وسال إلى محل الطهارة: يكون نجساً وناقضاً، سواء كان السيلان قليلاً أو كثيراً، وسواء كان السيلان
стр. 23
إلى محل الطهارة من الوضوء، أو إلى محل الطهارة من الغسل، أو يكون المعنى: أن الدم ونحوه إذا سال إلى محل يجب تطهيرها في الجملة، يعني في الحدث أو في الجنابة، حتى لو نزل الدم من الرأس إلى قصبة الأنف: ينقض الوضوء، لأنه يجب غسل تلك المحل في الجملة، يعني في الغسل، وإن لم يجب في الوضوء.
والبول إذا نزل إلى قصبة الذكر: لا ينقض الوضوء، لأنه لم يجب غسل تلك المحل في الجملة، لا في الوضوء، ولا في الغسل. هذا ما سنح به خاطري في هذا المقام فافهم.
قوله: (والخمر) عطف على ما قبله، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ﴾ [المائدة: ٩٠] أي نجس. وللخمر أحكام منها: أن قليلها وكثيرها حرام بالإجماع، ومنها: أنه يكفر مستحلها، ومنها: أن نجاستها مغلظة كالبول، ومنها: أنه لا قيمة لها في حق المسلم، حتى لا يضمن متلفها ولا غاصبها، ويحرم بيعها، ومنها: أن الحد يتعلق بنفس شربها، سواء سكر بها أو لم يسكر، ومنها: أن الطبخ لا يحلها.
قوله: (والقيء ملء الفم) ولما كان هذا حدثاً لقول علي ﵁: "أو دسعة تملأ الفم" حين عد الأحداث، كان نجساً، يقال: دسع: إذا قاء ملء الفم.
стр. 24
قوله: (وخرء ما لا يؤكل لحمه من الطيور) كالصقر والعقاب والبازي والشاهين ونحوها (ينجس الماء) لإمكان التحامي عنه بتغطية الأواني (ولا ينجس الثوب) لأنها تذرق من الهواء (إلا إذا فحش) والفحش: شبر في شبر عند البعض، وقيل: ذراع في ذراع، وقيل: أكثر من النصف.
وعن أبي حنيفة: ما يستفحشه الناس.
والصحيح: ربع الثوب، لأن الربع يقوم مقام الكل في كثير من الأحكام، كحلق ربع الرأس في الإحرام، وكشف ربع العورة.
واختلفوا في كيفية اعتبار الربع: فقيل: ربع كل الثوب، وقيل: ربع أدنى ثوب تجوز فيه الصلاة كالمئزر، وقيل: ربع الموضع الذي أصابه، مثل ربع الكم أو الذيل أو الدخريص.
قوله: (وخرء الفأرة وبوله معفو عنه في الطعام والثوب) لعدم إمكان التحامي عنه، لأن الفأرة غالباً تخرج في الليالي وتدخل المضائق، بخلاف الماء فإن حفظه ممكن.
وخرء دود القز: نجس، وعن محمد: لا بأس ببولها، وبول الخفافيش وخرؤها ليس بشيء، كذا في الإيضاح.
قوله: (ودم البق والبراغيث والسم: عفو) لأنه ليس بدم حقيقة.
وعن أبي يوسف في قول ضعيف: أن دم السمك: نجس، ودم الحلمة والأوزاغ: نجس، ودم الكبد والطحال: طاهر.
فرع: ذبح شاة بسكين، ثم مسح السكين على صوفها أو على شيء، وذهب أثر الدم: تطهر، حتى لو قطع بها بطيخاً يكون طاهراً، كذا في النوازل.
стр. 25
قوله: (وشعر الميتة وكل جزء منها لا حياة فيه) كالعظم والقرن والظلف والحافر والمخلب والمنقار: (طاهر) لعدم حلول الحياة فيها، فانتفت علة التنجيس، وكذلك الصوف والوبر والشعر، وفي العصب: روايتان، وعند الشافعي: الكل نجس، وعند مالك: العظم نجس والشعر طاهر.
قوله: (وشعر الخنزير وسائر أجزائه: نجس) لقوله تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. والضمير يرجع على الخنزير، فتكون جميع أجزائه نجساً.
قوله: (ورخص الخرز بشعره) لأن خرز النعال والأخفاف الرفيعة لا يتأتى إلا به، فكان فيه ضرورة.
وعن أبي يوسف: أنه يكره، لأن الخرز يتأتى بغيره. والأول: هو الظاهر، لأن الضرورة تبيح لحمه، فالشعر أولى، ثم لا حاجة إلى شرائه، لأنه يوجد مباح الأصل، وقال الفقيه أبو الليث:
"إن كانت الأساكفة لا يجدون شعر الخنزير إلا بالشراء: ينبغي أن يجوز لهم الشراء، ولا بأس للأساكفة أن يصلوا مع شعر الخنزير، وإن كان أكثر من قدر الدرهم، ولو وقع في الماء القليل: أفسده عند أبي يوسف، خلافاً لمحمد".
والخرز: الخياطة، من خرز يخرز من باب ضرب يضرب.
قوله: (والفيل طاهر) الأصح أنه مثل سائر السباع حتى يكون سؤره نجساً، ويطهر جلده بالدباغ، ولحمه بالذكاة، ويجوز استعمال شعره وعصبه، ويجوز بيع عظمه والانتفاع به في نحو مقابض السكين والسيف، وهذا عندهما، وعند محمد: هو مثل الخنزير، فلا يجوز استعمال جزء منه أصلاً، وإطلاق المصنف بقوله: (والفيل طاهر) في حق غير الأكل، فافهم.
стр. 26
قوله: (وكل إهاب دبغ طهر) لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" رواه مسلم ولفظه "إذا دبغ الإهاب فقد طهر".
وقوله: (كل إهاب) يتناول جميع جلد يحتمل الدباغ، وأما ما لا يحتمله مثل جلد الحية الصغيرة.
والفأرة: لا يطهر بالدباغ كاللحم. وعند محمد: لو أصلح مصارين الشاة الميتة، أو دبغ المثانة: طهرت، وقال أبو يوسف: هي كاللحم.
والدباغة حقيقية: كالدباغة بشيء له قيمة: كالعفص والقرظ والشث. وحكمية: كالتشميس والتتريب والإلقاء في الريح، فبعد الدباغة: يحكم بطهارته، وجوز الصلاة عليه، وشرب الماء فيه، في الفصلين جميعاً.
خلافاً للشافعي في الفصل الأخير.
قوله: (إلا جلد الخنزير لنجاسته، وجلد الآدمي لكرامته) وإنما قدم الخنزير على الآدمي: لأن الموضع موضع عدم الطهارة، فكان تأخير الإنسان أولى فافهم. قوله: (وسؤر الآدمي طاهر) لأن المسئر طاهر، ولا فرق بين الطاهر والجنب، والحائض والنفساء، والصغير والكبير، والمسلم والكافر، والذكر والأنثى. والسؤر: بقية الماء الذي يبقيها الشارب. قوله: (إلا حال شرب الخمر) يعني في حال شرب الخمر: سؤره
стр. 27
نجس، لأن الخمر نجس، فيلاقي الماء فينجسه، فإن بلع ريقه ثلاث مرات: طهر فمه عند أبي حنيفة ﵁، لأن المائع غير الماء: مطهر عنده من غير اشتراط صب عنده، وكفى لشارب الخمر إهانة وذلاً: أن يكون سؤره حال شرب الخمر كسؤر الخنزير والكلب.
قوله: (وسؤر الفرس وما يؤكل لحمه طاهر) لأن المسئر طاهر، وحرمة الفرس لكونه آلة للجهاد، لا لنجاسته كالآدمي، ألا يرى أن لبنه حلال بالإجماع؟ وإنما أفرد الفرس بالذكر: لأنه غير داخل فيما يؤكل لحمه على قول أبي حنيفة، وإن كان طاهراً عنده أيضاً، ولكنه غير مكول، لأن الطهارة لا تستلزم الأكل، كالآدمي والطين.
قوله: (وسؤر الخنزير والكلب وسباع البهائم: نجس) لأن المسئر نجس، وعند مالك: سؤر الخنزير والكلب طاهر، وعند الشافعي: سؤر سباع البهائم طاهر.
قوله: (وسؤر الهرة ... إلى آخره) أما سؤر الهرة: فمكروه عند أبي حنيفة ومحمد، والقياس أن يكون نجساً، لأن المسئر نجس، ولكنه سقطت النجاسة بعلة الطواف، وبقيت الكراهة، وعند أبي يوسف: لا يكره، وأما سؤر الدجاجة المخلاة: فلعدم تحاميها من النجاسة، حتى لو كانت محبوسة في مكان طاهر بحيث لا يصل منقارها إلى ما تحت رجلها: لا يكره، وكذلك الإبل الجلالة والبقر الجلالة، وأما سؤر الحية والعقرب والفأرة: فالأصل فيه أن يكون نجساً، لكنها من الطوافات، فسقط التنجيس للحرج، وبقيت الكراهة.
وأما سؤر سباع الطير: مثل الحدأة والبازي والصقر ونحوها: فالقياس تنجسه، اعتباراً بلحمها، ولكن الاستحسان طهره لشربها بمنقارها، وهو عظم لا يحتمل النجاسة كالسيف، وإذا ثبت طهارته: كره، لأنها لا تتحامى من النجاسة.
قوله: (وسؤر البغل والحمار: مشكوك في طهوريته) وسبب الشك: تعارض الخبرين في إباحة لحم الحمار، وحرمته، ومعنى الشك: التوقف فيه، فلا يطهر النجس ولا ينجس الطاهر.
стр. 28
وأما البغل: فهو متولد من الحمار فيكون مثله، وقيل: الشك في طهارته، وروى الكرخي عن أصحابنا: أن سؤرهما نجس.
فإن قلت: القاعدة في تعارض الخبرين: اللذين أحدهما محرم والآخر مبيح: أن يغلب المحرم على المبيح، ولم يغلب المحرم على المبيح ها هنا؟
قلت: نعم لكن لم يفعل ها هنا مثل ذلك للضرورة، لما أن الحمير تربط في الأفنية، ويحتاج إليها للركوب والحمل، وتشرب في الآنية.
فإن قلت: كيف يطلق الشك على حكم من أحكام الشرع، والشارع لا يخفى عليه شيء؟
قلت: هذا بالنسبة إلينا، وأما بالنسبة إلى الشارع فالأشياء كلها مبينة لا شك فيها ولا خفاء. وأما لبن الحمار: فقد نص أنه طاهر، وفي شرح الجامع الصغير لفخر الإسلام: أن لبن الأتان طاهر ولا يؤكل، وفي ظاهر الرواية: أن لبنها نجس.
قوله: (فإن لم يجد غيره) أي غير سؤر البغل والحمار (يتوضأ به ويتيمم) ليخرج عن العهدة بيقين، وأيهما قدم جاز.
وقال زفر: لابد أن يتوضأ أولاً، ثم يتيمم، ليكون عادماً للماء حقيقة.
قلنا: المقصود دخول الطهارة بيقين، فيجب الجمع دون الترتيب والله أعلم.
стр. 29
فصل في الوضوء والغسل
لما فرغ من المياه وأقسامها، وعن بيان النجاسة والآسار، شرع في بيان الوضوء والغسل، وقدم الوضوء على الغسل: لأنه أكثر دوراناً بالنسبة إلى الغسل.
ثم الفصل مهما فصل: لا ينون، ومهما وصل: ينون، لأن الإعراب يكون بعد العقد والتركيب، وهو: القطع لغة يقال: فصلت الثياب: إذا قطعتها.
وفي الاصطلاح هو الحاجز بين الحكمين.
قوله: (فرض الوضوء أربعة) لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. فالله تعالى أمرنا بغسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس، والأمر من الله للإيجاب.
قوله: (الأول) أي الفرض الأول (غسل الوجه) قوله: (وهو) أي الوجه أي حده (من منبت الناصية إلى أسفل الذقن طولاً ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن عرضاً) لأنه مشتق من المواجهة، وهي تقع بهذه الجملة، والذقن بفتح الذال المعجمة وفتح القاف: مجتمع لحيي الإنسان.
قوله: (ويجب غسل الشعر السائر للخدين والذقن) لأنه قائم مقام ما تحته، وما تحته كان داخلاً في الفرض، فكذا هذا.
قوله: (ولا يجب غسل ما تحته) أي ما تحت الذقن ليس من الوجه، وكذا ما تحت الشارب والحاجب، لوصول الماء إليه، وكذا لا يجب إدخال الماء باطن العينين للحرج.
стр. 30
قوله: (وما نزل من اللحية) أي ولا يجب أيضاً غسل ما نزل من اللحية، وهو الشعر المسترسل، لأنه ليس من الوجه.
قوله: (أما البياض الذي بين العذار والأذن فيجب غسله) هذا عندهما، وقال أبو يوسف: لا يجب غسله، لأنه استتر بحائل وهو اللحية. ولهما: كلما ثبت دام، إلا إذا وجد المزيل، وقد كان غسله واجباً، فلا يزول بالالتحاء. الخلاف في الملتحي، أما في الأمرد والكوسج والنساء: فلا بد من غسله اتفاقاً.
قوله: (الثاني) أي الفرض الثاني (غسل اليدين مع المرفقين).
وقال زفر: المرفقان والكعبان لا يدخلان في الغسل، لأن "إلى" للغاية، فلا يدخل تحت المغيا. ولنا: أن "إلى" بمعنى "مع" لقوله تعالى: ﴿وَلا تَاكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] أي من أموالكم.
قوله: (والثالث) أي الفرض الثالث (مسح ربع الرأس) لأن الباء في قوله تعالى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ للتبعيض، وفيه إجمال.
وقد فسره ما روى المغيرة بن شعبة "أن النبي ﷺ كان يمسح على الخفين وعلى ناصيته" رواه أبو داود. وعند مالك: مسح كل الرأس فرض، وعند الشافعي: أدنى ما ينطلق عليه اسم المسح.
стр. 31
قوله: (الرابع) أي الفرض الرابع (غسل الرجلين مع الكعبين) لقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦].
قوله: (والدواء في شقوقها) أي في شقوق الرجلين: يصح معه الوضوء، لأن الشقوق مثل الجراحة، فلا يمنع صحة الوضوء للضرورة، بخلاف ما إذا كان تحت أظفاره وسخ أو عجين، لعدم الضرورة.
قوله: (وسننه عشرون) لما بين فرائض الوضوء أخذ في بيان السنن، وهي جمع سنة، وهي ما في فعله ثواب، وفي تركه عتاب لا عقاب.
(الأولى: النية) وقال الشافعي: هي فرض لقوله ﵇: "لا عمل إلا بالنية".
ولنا: أنه ﵇ لم يعلم الأعرابي النية حين علمه الوضوء مع جهله، ولو كان فرضاً لعلمه، وهي أن يقول: نويت رفع الحدث لاستباحة الصلاة.
стр. 32
(الثانية: التسمية) لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ : "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" رواه أبو داود. والمراد به نفي الفضيلة والكمال.
(الثالثة: غسل اليدين إلى الرسغين ثلاثاً للقائم من نومه) لما روى مالك في الموطأ: أخبرنا أبو الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده". وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قام أحدكم من الليل فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات فإنه لا يدري أين باتت يده" وفي صحيح مسلم: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً فإنه لا يدري أين باتت يده" وفي جامع الترمذي "إذا استيقظ أحدكم من الليل فلا يدخل يده في الإناء حتى يفرغ عليها مرتين أو ثلاثاً فإنه لا يدري أين باتت يده" قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
стр. 33
(الرابعة: الترتيب) وهو أن يبدأ بما بدأ الله بذكره، وقال الشافعي: هو فرض، لأن الواو للترتيب. ولنا ما قلنا، والواو للجمع.
(الخامسة: الموالاة) وهي أن يغسل العضو الثاني قبل جفاف الأول، وقيل: أن لا يشتغل بينهما بعمل آخر غير الوضوء، لمواظبة النبي ﷺ عليهما مع وجود الترك في الجملة.
(السادسة: السواك) أي استعماله، لما روي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال:
"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء" رواه البخاري. فإن قلت: كيف وجه الاستدلال بهذا؟ قلت: لما امتنع الوجوب لامتناع الأمر لوجود المشقة، ثبت ما دون الوجوب وهو السنة، لعدم المانع وهو المشقة، لأنه بسبيل من ترك السنة. فإن قلت: إن النبي ﷺ واظب عليه، وهي دليل الوجوب، فكيف تقول أنه سنة؟ قلت: المواظبة إنما تكون دليل الوجوب إذا لم يوجد الترك أصلاً، وقد وجد هنا الترك في
стр. 34
الجملة، بدليل حديث الأعرابي.
وحد السواك أن يكون من شجر مر في غلظ الخنصر وطول الشبر، ووقته: وقت المضمضة، لأنه ذكر في مبسوط شيخ الإسلام: "ومن السنة حالة المضمضة أن يستاك، ولا يقوم الإصبع مقامه إلا عند عدمه".
(السابعة: المضمضة) وهي تطهير الفم بالماء.
(الثامنة: الاستنشاق) وهو تطهير الأنف بالماء، وسنيتهما: فعله ﵇، ولما روي في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينتثر".
(التاسعة: المبالغة فيهما) أي في المضمضة والاستنشاق للمفطر، لما روي أنه ﵇ قال: "أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً" رواه أبو داود.
(العاشرة: البداية بالميامن) وهي جمع ميمنة، وهي أن يبدأ من يمينه في غسل اليدين والرجلين، لما روي عن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﵇ يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله، في طهوره وترجله وتنعله" رواه البخاري.
(الحادية عشر: البداية في غسل اليدين من رءوس الأصابع).
стр. 35
(الثانية عشر: البداية في غسل الرجلين من رءوس الأصابع) أيضاً لفعله ﵇ هكذا في الفصلين.
(الثالثة عشر: تخليل اللحية) وهو سنة عند أبي يوسف، لما روي عن أنس بن مالك أنه قال: "كان ﵇ إذا توضأ أخذ كفاً من ماء فأدخله تحت حنكه يخلل به لحيته، وقال: "هكذا أمرني ربي " رواه أبو داود. وعندهما: فضيلة، لأنه ﵇ ما فعله غير مرة، والصحيح قول أبي يوسف.
(الرابعة عشر: تخليل الأصابع) أي أصابع اليدين والرجلين لقوله ﵇: "إذا توضأت فخلل الأصابع" رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(الخامسة عشر: تحريك الخاتم الضيق) وهذا في معنى تخليل الأصابع، وإن كان واسعاً: لا يحتاج إلى تحريك.
(السادسة عشر: مسح كل الرأس مرة واحدة) وقال الشافعي: السنة هي التثليث كالغسل. ولنا ما روى أبو داود في سننه: عن عثمان وعلي ﵄ في
стр. 36
حكايتهما وضوءه ﵇ من غير تثليث.
(السابعة عشر: البداية من مقدمه) أي البداية في مسح الرأس من مقدم الرأس، لما روى الترمذي: أن رسول الله ﷺ : "مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه ثم غسل رجليه".
(الثامنة عشر: مسح الأذنين) بماء الرأس عندنا، وعند الشافعي: بماء جديد، لما روي أنه ﷺ أخذ لهما ماء جديداً.
ولنا: ما روي عن أبي أمامة عن النبي ﷺ أنه قال: "الأذنان من الرأس".
رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه. والمراد به: بيان الحكم.
وما رواه: يحتمل أنه لم يبق على يده بلل، فأخذ بللاً لأجله.
(التاسعة عشر: مسح الرقبة) لأنه ﵇ مسح عليها.
стр. 37
(العشرون: تثليث كل غسلة) لأنه ﵇ توضأ ثلاثاً ثلاثاً.
قوله: (وفرض الغسل خمسة) لما فرغ عن بيان الوضوء وسننه، شرع في بيان فرائض الغسل، وهي خمسة:
(الأولى: المضمضة، والثانية: الاستنشاق) وعند الشافعي: هما سنتان في الغسل، كما في الوضوء.
(الثالثة: غسل سائر البدن) أي جميع البدن، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] أي فطهروا أبدانكم.
(الرابعة: إيصال الماء إلى باطن السرة من الرجل والمرأة جميعاً) وهذا في حق
стр. 38
السمناء والسمان، وهذا داخل في قوله: (وغسل سائر البدن) ولكنه أفرد بالذكر للتأكيد، وما قيل أن ذكره مستدرك: وهم.
(والخامسة: إيصال الماء إلى أثناء شعر الرجل) وإن كان مضفوراً، كالعلوي والتركي، للاحتياط، بخلاف ضفائر المرأة، حيث لا يجب عليها نقضها، لما روي أن أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: "لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء ثم تفيضين على سائر جسدك الماء فتطهرين" رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
قوله: (وسننه) أي سنة الغسل (ستة):
(الأولى: أن يبدأ بغسل يديه. والثانية: أن يغسل فرجه. الثالثة: أن يزيل نجاسة بدنه إن كانت. الرابعة: أن يتوضأ مثل وضوء الصلاة، إلا رجليه إن كانا في مجمع الغسالة. الخامسة: أن يغسل رأسه وسائر جسده ثلاثاً. السادسة: أن يخرج من مجمع الغسالة فيغسل رجليه) وهذه الصفة حكتها ميمونة ﵂ في غسله ﵇، وكذا في صحيح مسلم والجامع الترمذي وسنن أبي داود.
قوله: (وغسل يوم الجمعة والعيدين وعرفة والإحرام: سنة) أما يوم الجمعة:
стр. 39
فلقوله ﵇: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت يجزي عنه الفريضة، ومن اغتسل فالغسل أفضل" رواه ابن ماجة.
وأما يوم العيدين: فلقول ابن عباس ﵁: "كان رسول الله ﷺ يغتسل يوم الفطر ويوم الأضحى" رواه ابن ماجة.
وأما يوم عرفة: فلأنه يوم ازدحام، فيغتسل لئلا يتأذى البعض برائحة البعض.
وأما عند الإحرام: فلما روي أنه ﷺ "اغتسل لإحرامه". رواه الدارقطني.
قوله: (وشرط السنة أن يصلي به) أي بذلك الغسل: الجمعة قبل أن يحدث، وهذا قول أبي يوسف، فعلى هذا لا يسن الغسل على المسافر والعبد والمرأة.
وعند الحسن: إذا اغتسل في يوم الجمعة في أي وقت كان: فقد أدرك الفضيلة.
قوله: (وغسل من أسلم أو أفاق) أي من الجنون (أو بلغ بالسن: مستحب) احتياطاً في باب العبادات، وإن كان البلوغ بالإنزال: فالغسل واجب، لوجود الماء.
والبلوغ بالسن عند أبي حنيفة في الغلام: بتمام ثمانية عشر، وفي الجارية: بتمام سبعة عشر، وعندهما: بخمسة عشر سنة فيهما.
قوله: (وغسل الجنابة والحيض لا يسقط بالإسلام) يعني: جنب كافر إذا أسلم، أو حائض كافرة إذا أسلمت عقيب انقطاع الحيض: لا يسقط الغسل عنهما بالإسلام، لأن بقاء صفة الجنابة بعد إسلامه كبقاء صفة الحدث في وجوب الوضوء، وكذلك الحائض،
стр. 40
فدل هذا أن المراد من قوله: (وغسل من أسلم مستحب) أن يكون الكافر عند الإسلام طاهر. فافهم.
قوله: (ونواقض الوضوء) لما فرغ عن بيان الطهارتين بأحكامهما، شرع في بيان ما ينقض الوضوء وما لا ينقض.
والنواقض جمع ناقضة، والنقض إذا أضيف إلى الأجسام: يراد به إبطال تأليفها، وإذا أضيف إلى غيرها: يراد به إخراجه عما هو المطلوب، فالمطلوب من الوضوء استباحة الصلاة.
قوله: (كل ما خرج من السبيلين) وهما القبل والدبر، فإن قلت: كل ما خرج من السبيلين: عين، وهي لا تصلح للعلية، لأن العلة معنى يحل بالمحل فيتغير به حال المحل، فكيف يستقيم قوله: (ونواقض الوضوء كل ما خرج من السبيلين)؟
قلت: تقدير كلامه: خروج كل ما خرج، ليقع التطابق بين العلة والمعلول، فافهم.
والمراد من السبيلين: القبل والدبر كما قلنا، والخارج منهما: يتناول البول والغائط، والودي، والمذي، والدودة، والحصاة، والريح الخارج من الدبر، لا الذكر، وقيل: المرأة إذا كانت مفضاة: وهي التي اتحد مسلك بولها وغائطها.
فإن قلت: من أين تقول أن المراد من السبيلين ها هنا القبل والدبر، وهما متناولان غيرهما من حيث اللغة؟
قلت: نعم، وإن كانا يتناولان غيرهما من حيث اللغة، لكنهما يطلقان على سبيل الحدث لا غير، بالحقيقة العرفية الخاصة، حتى لا ينقض الوضوء بخروج الدمع والعرق واللبن، وإن كان يجوز أن يقال: إنه خارج من سبيل.
قوله: (والدم والقيح والصديد السائل بغير عصر إلى محل الطهارة) قيد بقوله: (السائر) لأنه إذا ظهر ولم يسل: لا ينقض الوضوء، لأنه يسمى بادياً لا خارجاً، والنقض يضاف إلى السيلان، لقوله ﵇ "الوضوء من كل دم سائل" وقيد بقوله: (بغير
следующие страницы →