Полный текст (463 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
فصل
هذا الفصل في بيان ذوي الأرحام
قوله: (وذو الرحم: كل قريب ليس صاحب فرض ولا عصبة).
هذا تعريف ذي الرحم على اصطلاح الفرضيين، وفي الحقيقة: الوارث لا يخرج من أن يكون ذا رحم.
اختلفت الصحابة في توريث ذوي الأرحام.
فقال عامتهم: يرثون، وبه أخذ أصحابنا.
وقال زيد بن ثابت: لا يرثون، وبه قال الشافعي ومالك.
ولنا: ما روي عن ابن عباس ﵁ "أن النبي ﷺ آخى بين الصحابة، فكانوا يتوارثون بذلك، حتى نزلت: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]. فتوارثوا بالنسب".
стр. 422
وعن المقدام بن معد يكرب: عن النبي ﵇ قال: "من ترك مالاً فلورثته، وأنا وارث من لا وارث له، أعقل عنه وأرثه، والخال وارث من لا وارث له، يعقل عنه ويرثه" رواه أحمد وأبو داود وغيرهما.
وحين مات ثابت بن الدحداح، وكان غريباً أتياً لا يعرف من أين هو، قال رسول الله ﷺ لعاصم بن عدي: "هل تعرفون له فيكم نسباً؟ " قال: لا يا رسول الله، فدعى رسول الله ﷺ أبا لبابة بن المنذر ابن أخته فأعطاه ميراثه.
وعن أبي أمامة بن سهل: أن رجلاً رمى رجلاً بسهم فقتله، وليس له وارث إلا
стр. 423
خال، فكتب في ذلك أبو عبيدة إلى عمر، فكتب عمر أن النبي ﷺ قال: "الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له" وقال الترمذي: حديث حسن.
وقال الطحاوي: هذه آثار متصلة قد تواترت عن النبي ﷺ ، وعلى هذا كانت الصحابة.
قوله: (وهم) أي ذو الأرحام (أصناف أربعة: الصنف الأول: ينسب إلى الميت) وهم: أولاد البنات، وأولاد بنات الابن وإن سفلوا وأقلهم من ذكر وأنثى: يتصور أربعة (والصنف الثاني: ينتمي إليهم الميت) وهم: الأجداد الساقطون، والجدات الساقطات من قبل الأم والأب.
وأقلهم من ذكر وأنثى: يصير أربعة (والصنف الثالث: ينتمي إلى أبوي الميت) وهم: أولاد الأخوات، وبنات الأخوة، وبنو الأخوة لأم، وأقلهم من ذكر وأنثى: يصير عشرة (والصنف الرابع: ينتمي إلى جدي الميت وجدتيه) وهم العمات والأعمام لأم، والأخوال والخالات، وأقلهم: يكون عشرة، لكل واحد منهم ولد من ذكر، فيصير عشرين، وأيضاً: البنتان للعمين لأب وأم، فيصير مجموعهم: اثنين وثلاثين، ومجموع ذوي الأرحام على هذا الطريق: يكون خمسين.
وإلى هذه الأصناف الأربعة أشار المصنف بقوله: (الصنف الأول) إلى آخره.
قوله: (والجد الفاسد) إلى آخره، تعريف الجد الفاسد والجدة الفاسدة.
стр. 424
قوله: (بنات الأخوة مطلقاً) يعني سواء كانت الأخوة لأب وأم، أو لأب أو لأم، وكذلك معنى قوله: (وأولاد الأخوات مطلقاً).
قوله: (وكل تفرع منهم) أي من هذه الأصناف الأربعة (ذوو الأرحام) ومجموع ذوي الأرحام بالتفريع: يلحق خمسين نفراً كما مر.
قوله: (ولا يرثون) أي ذوو الأرحام لا يرثون (إلا إذا لم يكن للميت صاحب فرض من أصحاب الفروض المذكورة غير الزوجين) حاصل كلامه: أن ذوي الأرحام لا يرثون مع صاحب الفرض والعصبة سوى الزوجين، لعدم الرد عليهما، لأن العصبة أولى منه، وكذا الرد على ذوي السهام أولى من ذوي الأرحام، لأنهم أقرب إلى الزوجين، فإنهما لا قرابة لهما مع الميت، وإرثهما نظير الدين، فإن صاحب الدين لا يرد عليه ما فضل من فرضهما.
قوله: (ولا عصبة) عطف على قوله: (صاحب فرض).
قوله: (ويقدم الصنف الأول) وهم: أولاد البنات، وأولاد بنات الابن وإن سفلوا (وأولاهم بالميراث: أقربهم إلى الميت) كبنت البنت أولى من بنت بنت الابن.
ميت
بنت ابن
بنت بنت
بنت
أولى محجوبة
وإن سفلوا في القرب: فولد الوارث أولى من ولد ذوي الأرحام. كبنت بنت الابن أولى من ابن بنت البنت.
ميت
ابن بنت
بنت بنت
بنت ابن
أولى محجوب
стр. 425
وإن استوت درجاتهم وليس فيهم ولد وارث، أو كان كلهم أولاد الوارث: فعند أبي يوسف والحسن: تعتبر أبدان الفروع، سواء كانت صفة الأصول متفقة في الذكورة والأنوثة، أو مختلفة، ومحمد يعتبر أبدان الفروع، فيما إذا كان صفة الأصول متفقة موافقاً لها، وإن كانت صفة الأول مختلفة: يقسم المال على أولى بطن اختلف، ويعطى الفروع ميراث الأصول.
صورة اتفاق الصفة: كبنت البنت وابن البنت:
ميت
بنت بنت
بالإجماع
بنت١ ابن ٢
وصورة اختلاف الصفة: كبنت ابن البنت وابن بنت البنت.
ميت
بنت ... بنت
هند أبي يوسفابن ... بنت
هند محمد ٢بنت ... ابن
قوله: (ثم الثاني) أي ثم يقدم الصنف الثاني (فالحكم فيه كالحكم في الأول) أعني: أولاهم بالميراث أقربهم إلى الميت، فإن استووا: فمن يدلي بوارث: فهو أولى عند أبي سهل الفرضي، وأبي فضل الخفاف، وعلي بن عيسى البصري، ولا تفضيل له عند أبي سليمان الجوزجاني وأبي علي البستي.
стр. 426
وإن استوت درجاتهم وليس فيهم من يدلي بوارث، أو كان كلهم يدلون بوارث واتحدت قرابتهم: فإن كانت صفة من يدلون بهم متحدة في الذكورة والأنوثة: فالقسمة على أبدانهم، وإن اختلفت قرابتهم: فالثلثان لمن يدلي بقرابة الأب، والثلث لمن يدلي بقرابة الأم.
قوله: (ثم الثالث) أي ثم يقدم الصنف الثالث (وأولاهم بالميراث أقربهم للميت) كما في الصنف الأول: كبنت أخ، وابن بنت أخ أو أخت كلاهما لأب وأم أو لأب، لأنه الأقرب.
فإن استوت درجاتهم: فولد العصبة أولى من ولد ذوي الأرحام، كبنت ابن أخ، وابن بنت أخت كلاهما لأب وأم أو لأب.
فصورة الأولى:
ميت
أخ أخ
وأختبنت ... ابن
أولى بنت
محجوبة
وصورة الثانية:
ميت
أخ أخت
ابن بنت
بنت ابن
أولى محجوبة
ولو كانا لأم: المال بينهما أثلاثاً، للذكر مثل حظ الأنثيين عند أبي يوسف، باعتبار الفروع، وعند محمد: المال بينهما أنصافاً باعتبار الأصول.
стр. 427
قوله: (ثم الرابع) أي ثم يقدم الصنف الرابع: وهم العمات المتفرقة، والعم لأب، والأخوال والخالات المتفرقة، فمجموعهم يصير عشرة، الحكم فيهم: أنه إذا انفرد واحد منهم: استحق المال كله لعدم المزاحم، وإن اجتمعوا وكانت جهة قرابتهم متحدة، أعني: إما أن يكونوا من جهة الأب كالعمات، أو من جهة الأم كالأخوال والخالات: فالأقوى منهم أولى بالإجماع، أعني من كان لأب وأم أولى ممن كان لأب، بهذه الصورة:
ميت ... ميت ... ميت
عمة لأب وأم، ... عمة لأب، ... عمة لأم، ... خال لأب وأم، ... خال لأب، ... خال لأم، ... خالة لأب وأم،
أولى ... محجوبة ... محجوبة ... أولى ... محجوب ... محجوب ... أولى
خالة لأب، ... خالة لأم.
محجوبة ... محجوبة
وإن كانوا ذكوراً وإناثاً واستوت قرابتهم: فللذكر مثل حظ الأنثيين، كعم وعمة كلاهما لأم، أو خال وخالة كلاهما لأب وأم أو لأب أو لأم، بهذه الصورة.
ميت ... ميت
عم لأم عمة لأم ... خال لأب وأم وخالة لأب وأم ... خال لأب وخالة لأب
أولى ... محجوب
خال لأم وخالة لأم
محجوب
قوله: (ومتى اجتمع ذكر وأنثى من صنف واحد، وتساووا في الدرجة والجهة: قسم المال بينهما: للذكر مثل حظ الأنثيين) كما إذا ترك عماً وعمة كلاهما لأب: فالمال بينهما أثلاثاً، الثلثان للعم، والثلث للعمة، وكذلك إذا ترك خالاً وخالة كلاهما لأب وأم، أو لأب أو لأم: فالمال بينهما أثلاثاً كذلك.
وإن اجتمعوا وكان قرابتهم متحداً، بأن كان الكل من جنس واحد: فالأقوى أولى، بالإجماع، أي من كان لأب وأم: أولى ممن كان لأب، ومن كان لأب: أولى ممن كان لأم، ذكوراً كانوا أو إناثاً.
стр. 428
وإن كان قرابتهم مختلفاً: كعمة لأب وأم، وعمة لأب: فالثلثان لقرابة الأم، وهو نصيب الأب، والثلث لقرابة الأم، وهو نصيب الأم.
قوله: (وإن وجد منهم واحد) أي من ذوي الأرحام لا غير (أخذ كل المال) لعدم المزاحم.
стр. 429
فصل
هذا الفصل في بيان أحوال المفقود
وهو غائب لم يدر موضعه وحياته وموته
قوله: (المفقود حي في ماله فلا يورث) يعني لا يقسم ماله بين ورثته (حتى يحكم الحاكم بموته إذا مات أقرانه) لأنه إذا لم يبق أحد من أقرانه: دل ذلك على موته، فحكم بموته، لأن بقاءه بعد أقرانه نادر، وتبنى الأحكام الشرعية على الغالب لا على النادر (وقيل: يحكم بموته بعد تسعين سنة) وأبو يوسف قدره بمائة سنة، وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه قدره بمائة وعشرين سنة، وظاهر الرواية: ما قاله المصنف.
والمختار: أنه يفوض إلى رأي الإمام، لأنه يختلف باختلاف البلاد، وكذا غلبة الظن تختلف باختلاف الأشخاص، وذلك في ثلاثة أقسام: إما في المكان، أو في الزمان، أو في ذات المفقود.
أما المكان: وهو الموضع الذي سافر فيه، إما أن يكون بحراً أو براً، فإن كان بحراً: عجل في حكم موته، وإن كان براً: أخر.
أما الزمان: فإن كان سفره في زمن الأمن: أخر، وإن كان في زمن الفترة: عجل.
وأما في الذات: وهو في حال سفره: إما أن يكون صحيحاً أو سقيماً، أو شيخاً أو شاباً، فإن كان سقيماً أو شيخاً: عجل، وإن كان صحيحاً أو شاباً: أخر.
قوله: (وهو) أي المفقود (موقوف في الحال في مال غيره، فيتوقف نصيبه فيه) أي من الغير، كما في الحمل، لأن حياته باستصحاب الحال، وذلك لا يصلح للاستحقاق، وأما توقف نصيبه: فللاحتياط (وإذا حكم بموته: فماله لورثته الموجودين عند الحكم بموته، والموقوف له) أي للمفقود (من مال غيره: يرد إلى ورثة ذلك الغير).
الأصل في تصحيح مسائل المفقود: أن تصحح المسألة على تقدير حياته، ثم تصحح على تقدير وفاته. وصورة المسألة: امرأة ماتت وتركت زوجاً وأماً وأختاً لأب وأم، وأخاً لأب وأم مفقوداً، فالمسألة تصح من ثمانية عشر على تقدير الحياة، وعلى تقدير الوفاة: من ثمانية، فإذا ضرب وفق أحدهما في جميع الأخرى: تصير اثنين وتسعين، للزوج سبعة وعشرون، وتسعة موقوفة من نصيبه. وللأم: اثني عشر، وستة موقوفة من نصيبها، وللأخت: تسعة وأربعون، وثمانية عشر موقوفة من نصيبها.
стр. 430
فصل
هذا الفصل في بيان أحكام الغرقى والحرقى والهدمى
قوله: (إذا مات جماعة بغرق أو حرق أو هدم، ولم يعلم ترتيب موتهم: جعل كأنهم ماتوا جميعاً) لأن الحكم إذا اشتبه أوله وآخره: يجعل معاً، كحكم بني حنيفة: أنهم لما ارتدوا ثم أسلموا: لم يؤمروا بتجديد الأنكحة، فعلم بهذا: أن الحكم إذا بهم تقدمه وتأخره: جعل معاً، فمال كل واحد منهم لورثته الأحياء، ولا يرث بعض الأموات من بعض، وعليه الفتوى.
وقال علي وابن مسعود: يرث بعض الأموات من بعض، إلا مما ورث كل منهم من مال صاحبه، لأنه لو ورث كل واحد منهما مما ورث كل واحد من مال صاحبه: يؤدي إلى الدور وهو باطل، فحينئذ لا يرث.
صورته: رجل له ابنان، ولابنه الواحد ابن، فلذلك الرجل ستمائة درهم، ولابنه الذي له ابن ستمائة درهم، ثم سافر الرجل مع ابنه الذي له ابن، ثم غرقا في البحر: فمال كل واحد لورثته الأحياء، يعني مال الرجل لابنه، ومال ابنه لابنه.
وعند علي وابن مسعود: سدس مال الابن للأب، ونصف مال الأب لابنه الذي مات معه، فالسدس الذي أخذ الأب من مال ابنه الذي غرق: يعطى إلى ابنه الذي بقي في وطنه، فحصل لهذا أربعمائة درهم، والنصف الذي ورث الابن الميتمن أبيه: يعطى على ابنه، فحصل لابن الابن: ثمانمائة درهم.
قوله: (ولا يعتد بواحد من الغرقى ونحوهم) مثل الحرقى والهدمى (في ورثة الباقين في إرث ولا حجب) وهذا ظاهر يفهم من التقرير الذي قررناه آنفاً.
стр. 431
فصل
هذا الفصل في بيان أحكام توارث الكفار والمرتدين
قوله: (الكفر كله ملة واحدة، فيرث الكفار كلهم بعضهم من بعض) حتى اليهود من اليهود، والنصارى من النصارى، والمجوس من المجوس (بالنسب والنكاح والولاء، لأنهم محتاجون إليه، إلا أن تختلف دارهم) كما مر في فصل الحجب. والمانع: هو الاختلاف حكماً، حتى لا تختلف الحقيقة بدونه، حتى لا يجري الإرث بين المستأمن والذمي في دارنا ولا في دار الحرب، ويجري بين المستأمن وبين من هو في داره، لأن المستأمن إذا دخل إلينا أو إليهم: من أهل داره حكماً، وإن كان في غيرها حقيقة.
والدار إنما تختلف باختلاف المنفعة والملك، كدار الإسلام ودار الحرب. ودارين مختلفين من دار الحرب باختلاف ملكهم، لانقطاع الولاية والتناصر فيما بينهم، والإرث يكون بالولاية.
والمراد بالنكاح: أن يكون نكاح محرم، حتى إذا تزوج المجوسي أمه، أو غيرها من المحارم: لا يرث منها بالنكاح.
أما عندهما: فظاهر، لأن النكاح لم يصح، وأما عند أبي حنيفة: فلأنه وإن كان له حكم الصحة، لكن لا يقر عليه إذا أسلم، فكان كالفاسد.
قوله: (أما المرتد فلا يرث من أحد: لا من مرتد مثله ولا من مسلم) وكذلك المرتدة، لعدم الأهلية في استحقاق الإرث، ولكن إذا ارتد أهل ناحية بأجمعهم: يتوارثون، كالكافر الأصلي.
قوله: (وحكم ماله) أي مال المرتد (ذكرناه في كتاب الجهاد) فلا يعاد خوفاً من التكرار والإطالة.
стр. 432
فصل
هذا الفصل في بيان أحكام الحمل
قوله: (الحمل يوقف له نصيب ابن واحد أو بنت واحدة أيهما أكثر) هذا عند أبي يوسف، وعليه الفتوى، لأن الغالب ولادة ولد واحد، والعبرة للغالب.
وعند أبي حنيفة: يوقف نصيب أربعة بنين أو أربعة بنات أيهما أكثر.
وعند محمد: يوقف نصيب ثلاثة بنين، رواه ليث بن سعد، وفي رواية: نصيب ابنين، وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف، رواه هشام.
وأكثر مدة الحمل: سنتان عندنا، وعند الليث بن سعد: ثلاث سنين، وعند الشافعي: أربع سنين، وعند الزهري: سبع سنين.
قوله: (وإنما يعطى ما وقف له) أي للحمل (بشرط أن يولد حياً في مدة يعلم أنه كان موجوداً في بطن أمه عند موت مورثه) والأصل: أن الحمل من جملة الورثة إذا كان موجوداً وقت موت المورث وخرج حياً، وإنما يعرف كونه موجوداً وقت موت المورث: إذا ولدت لأقل من ستة اشهر من وقت موت المورث، إذا كان النكاح قائماً وقت الموت.
وإن كانت في العدة وقت الموت، فإنها إذا ولدت لأقل من سنتين: يعلم أنه كان
стр. 433
موجوداً وقت الموت، وعلامة خروجه حياً: أن يستهل، وهو أن يسمع منه صوت أو عطاس، وكذا إذا تحرك شيء من أعضائه.
وإنما كان كذلك: لأن الورثة خلافه، وذا إنما يتحقق بالموجود لا بالمعدوم، فإن خرج أقل الولد ثم مات: لا يرث، ولو خرج أكثره ثم مات: يرث، فإن خرج مستقيماً: فالمعتبر صدره، أعني إذا خرج صدره كله، فإن خرج منكوساً: فالمعتبر سرته، أعني: إذا خرجت سرته كلها ثم مات: فإنه يرث، والله أعلم.
стр. 434
فصل
هذا الفصل في بيان أحكام الرد
قوله: (إذا فضلت التركة عن فروض الورثة ولم يكن معهم عصبة: فالباقي يرد عليهم بقدر فروضهم) اعلم أن في مسائل الرد اختلافات:
فعند زيد بن ثابت: لا رد لأصحاب الفروض مطلقاً، سواء سببية أو نسبية، وعند علي ﵁: يجوز الرد على أصحاب الفروض مطلقاً.
وعند جمهور الصحابة: يجوز الرد على ذوي الفروض النسبية بقدر حقوقهم، ولا يجوز الرد على ذوي الفروض السببية.
وبقول زيد بن ثابت: قال مالك والشافعي، وبقول جمهور الصحابة: قال أصحابنا.
ومسائل الرد أربعة أقسام: أحدها: أن يكون في المسألة جنس واحد ممن يرد عليه عند عدم من لا يرد عليه، فأصل المسألة من رءوسهم، كما إذا ترك بنتين أو أختين أو جدتين، فاجعل المسألة من ثنتين، لأن رؤوسهن ثنتان.
والثاني: إذا اجتمع في المسألة جنسان أو ثلاثة أجناس ممن يرد عليه عند عدم من لا يرد عليه، فتجعل المسألة من سهامهم، ويتصور فيه أربع مسائل: وهي: إما أن يكون
стр. 435
في المسألة سدسان: كما إذا ترك جدة وأختاً لأم وأماً، أو من ثلاثة إذا كانت ثلث وسدس: كما إذا ترك أختين لأم وأماً، أو من أربعة إذا كان في المسألة نصف وسدس: كما إذا ترك بنتاً، وبنت ابن، وأختاً لأب وأم، وأختاً لأب أو لأم، وجدة. أو من خمسة إذا كان في المسألة ثلثان وسدس: كما إذا ترك بنتين وأماً أو جدة، أو أختين لأب وأم أو لأب، وأختاً لأم، أو أماً، أو جدة. أو كان في المسألة نصف وسدسان: كبنت، وبنت ابن، وأم، وأخت لأب وأم، وأخت لأب، وأخت لأم، أو جدة، أو كان في المسألة نصف وثلث: كالأخت لأب، وأختين لأم أو أم.
وانحصرت المسألة على أربعة: وهي اثنان وثلاثة وأربعة وخمسة، ولا يتصور ستة، لأنه إذا كان من ستة: فلا يتصور ردياً، وإذا كان من واحد: فلا يكون من يرد عليه جنسان، فلأجل هذا ينحصر على أربعة مسائل.
والثالث: أن يجتمع مع من يرد عليه إذا كان من جنس واحد، من لا يرد عليه، فالحكم فيه أن تجعل مسألة من لا يرد عليه من أقل مخارجه، ومسألة من يرد عليه من رؤوسهم، ثم يعطى فرض من لا يرد عليه، فإذا استقام ما بقى من فرض من لا يرد عليه على رؤوس من يرد عليه فيها: كزوج وثلاث بنات، فإن لم يستقم: ينظر: إن كان بينهما موافقةك فيضرب وفق عدد رؤوسهم في مسألة من لا يرد عليه: كزوج وست بنات، فإن لم يكن بينهما موافقة: فيضرب كل عدد رؤوس من يرد عليه في مخرج فرض من لا يرد عليه كزوج وخمس بنات.
وطريق القسمة: أن يضرب سهام من لا يرد عليه في عدد رءوس من يرد عليه أو في وفقها، ورؤوس من يرد عليه فيما بقي من لا يرد عليه أو في فرضه، ثم تصحح المسألة على أصولهم في مسائل التصحيح.
والرابع: أن تجتمع من يرد عليه مع من لا يرد عليه فيما إذا كان من يرد عليه من جنسين أو من ثلاث أجناس، فالحكم فيه: أن نجعل مسألة من لا يرد عليه من أقل مخرج فرضه، ومسألة من يرد عليه من سهامهم، ثم تجمع مسألتهم إلى سهامهم، فيطرح الباقي ثم يعطى فرض من لا يرد عليه، فينظر بين ما بقي من فرض من لا يرد عليه وبين سهام من يرد عليه، فإن استقام: فبها، وإن لم يستقم فاضرب سهام من يرد عليه في مخرج فرض من لا يرد عليه، فما بلغ: يخرج منه حق كل واحد من غير كسر، كاربع زوجات وتسع بنات وست جدات.
стр. 436
قوله: (إلا على الزوجين) فإنه لا يرد عليهما، بل يوضع الباقي في بيت المال، وذكر في فتاوى القنية: أن في زماننا هذا يرد على الزوجين لفساد بيت المال، وإنما قدم الرد على ذوي الأرحام: لأن أصحاب الفروض بعد إحراز الفريضة صاروا من ذوي الأرحام، وفي ذوي الأرحام بعضهم أولى ببعض. ومن جملة أصحاب الفروض الذي يجوز عليه الرد: "البنت" والبنت أقرب إلى الميت من جميع ذوي الأرحام، فيجب الرد عليها لقربها.
قوله: (إن لم يكن للميت أحد من ذوي الأرحام) قيد به لأنه إذا كان للميت أحد من ذوي الأرحام: يكون المال له بالترتيب الذي ذكرناه، والله أعلم بالصواب.
стр. 437
كتاب الكسب والأدب
أقول: هذا عاشر الأبواب العشرة التي رتبها المصنف، والذي يختم به هذا الكتاب. والكسب: مصدر من كسب يكسب، وهو: اسم لعمل يجر العامل إلى نفسه نفعاً، أو يدفع عن نفسه ضراً عاجلاً أم آجلاً، فإن عمل للأجرة: يسمى كسباً، لما فيه من جلب منفعة أو دفع مضرة آجلاً.
والسنة إنما تسمى كسباً: لأن فاعلها يجر إلى نفسه منفعة عاجلة أو يدفع عن نفسه مضرة حالة.
والأدب: التخلق بالأخلاق الحميدة والخصال المرضية.
قوله: (طلب الكسب لازم) أما شرعية الكسب: فبقوله تعالى: ﴿أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] يعني بالتجارة: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] أي بالزراعة. وقوله ﵇: "الحرفة أمان من الفقر" ولأن في ترك الكسب تعطلاً وتبطلاً، وأنه مذموم شرعاً، لقوله ﵇: "إن الله يبغض الصحيح الفارغ". وأما لزومه: فلأنه سبب إلى إقامة ما هو فرض، وهو قوته، وقوت عائلته، وقضاء دينه، لما يجيء الآن.
قوله: (كطلب العلم) أي كما أن طلب العلم لازم، لقوله ﵇: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" رواه ابن ماجة.
стр. 438
قوله: (وهو) أي طلب الكسب (أنواع أربعة):
قوله: (فرض) أي أحدها: فرض (وهو كسب أقل الكفاية) لنفسه وعياله وقضاء دينه، لأنه سبب يتوصل به إلى إقامة الفروض، فيكون فرضاً، ألا ترى إلى ما جاء من وعيد شديد في الدين، وهو قوله ﵇: "إن أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه بها عبد بعد الكبائر التي نهى الله عنها: أن يموت رجل وعليه دين لا يدع له قضاء" رواه أبو داود.
وأن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، لقوله ﵇: "إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم" رواه الترمذي والنسائي.
قوله: (ومستحب) أي الثاني: مستحب (وهو كسب الزايد على أقل الكفاية) ليواسي به فقيراً، أو يصل به قريباً، لأنه سبب يتوصل به إلى إقامة ما هو مستحب، فيكون مستحباً، لقوله ﵇: "الساعي على الأرملة والمسكين: كالمجاهد في سبيل الله، وكالذي يقوم الليل ويصوم النهار"، وقوله ﵇: "الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي القرابة اثنان: صلة وصدقة" رواهما ابن ماجة.
قوله: (وهو) أي الكسب المستحب (أفضل من نفل العبادة) لأن منفعة العبادة تخصه، ومنفعة الكسب يتعدى إلى غيره، وقد قال ﵇: "خير الناس من ينفع الناس"
стр. 439
وقال ﵇: "تباهت العبادات، فقالت الصدقة: أنا أفضلها".
قوله: (ومباح) أي القسم الثالث: مباح (وهو كسب الزايد على ذلك) أي على ما يواسي به الفقير، ويصل به القريب، للتنعم والتجمل والترفه، حتى يبنى البنيان، وينقش الحيطان ويشتري السراير والغلمان، لقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]. وقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]. وقوله ﵇: "المال الصالح للرجل الصالح".
وقيل: هذا مكروه، لأنه ربما يكون سبباً للطغيان والعصيان والتكاثر والتفاخر، وذلك حرام شرعاً.
قوله: (وحرام) أي القسم الرابع: حرام (وهو كسب ما أمكن) للتفاخر والتكاثر والأشر والبطر، وإن كان من حل، لأنه سبب يتوصل به إلى إقامة ما هو مكروه فيكون مكروهاً.
قوله: (وأفضل الكسب: الجهاد) لأن منفعته عامة، لما فيه من الاستغنام من حل، ودفع شر الكفرة، وإطفاء نارهم عن المسلمين (ثم التجارة) لأن منفعة التاجر تحدث كل ساعة وتتكرر كل وقت، فيحصل بها كفايته الوقتية، فكانت أعم نفعاً، فتكون
стр. 440
أفضل من الزراعة، لأن منفعة الزراعة تكون في الأحيان مرة (ثم الزراعة) لأنها سعي لقوما الأبدان المحترمة، فإن قوامها بالمطعوم والملبوس، وذا: إنما يحصل بالزراعة، لأنها سبب أيضاً من الأسباب.
قوله: (والعلم أيضاً أنواع أربعة: فرض) أي النوع الأول فرض (وهو تعلم ما يحتاج إليه لأداء الفرائض) فإنه لا تتهيأ إقامة الفرائض إلا بعد العلم بصحتها وفسادها، فيكون فرضاً: كالطهارة، والسعي إلى الجمعة، ولمعرفة الحلال والحرام في أحوال نفسه، فإنه إذا لم يميز الحلال من الحرام: ربما يقع في الحرام.
قوله: (ومستحب) أي الثاني: مستحب (وهو تعلم الزائد على ما يحتاج إليه ليعلمه من يحتاج إليه) لقوله ﵇: "أفضل الصدقة أن يتعلم المرء المسلم علماً ثم يعلمه أخاه المسلم" رواه ابن ماجة.
ولذلك صار هذا القسم أفضل من نفل العبادة.
قوله: (ومباح) أي الثالث: مباح (وهو تعلم الزائد على ذلك للزينة والكمال) لأن بذلك تحصل الكمالات الإنسانية، وشدة المعرفة بكلام الله وكلام رسوله: الدالين على ذاته وصفاته.
قوله: (وحرام) أي الرابع: حرام (وهو أن يتعلم ليباهي به العلماء ويماري به السفهاء) لقوله ﵇: "من طلب العلم ليماري به السفهاء وليباهي به العلماء، أو ليصرف وجوه الناس إليه: فهو في النار" رواه ابن ماجة وقال ﵇: "من تعلم علماً ممن يبتغي به
стр. 441
وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا: لم يجد عرف الجنة يوم القيامة" يعني ريحها، رواه أبو داود.
قوله: (ويجب على العالم تعليم غيره إذا طلب منه) لقوله ﵇: "ما من رجل يحفظ علماً فيكتمه: إلا أتى يوم القيامة ملجماً بلجام من نار" رواه ابن ماجة. وفي رواية أبي داود: "من سئل عن علم فكتمه: ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة".
قوله: (إلا أن يبلغ) أي المتعلم (إلى المرتبة الأولى) وهو التعلم بقدر ما يحتاج إليه: لأداء الفرائض، ومعرفة الحلال والحرام، ولا يجب عليه أكثر من ذلك.
قوله: (ولا يجب على العالم أن يجيب عن كل ما يسأل عنه) لأن الفتوى والتعلم فرض كفاية، فإذا قام به البعض يسقط عن الباقين، حتى إذا علم أن ما يسأل عنه لا يعلمه غيره: يجب عليه الجواب، لأنه حينئذ يكون فرض عين لتعينه لذلك.
قوله: (ولو طلب كافر من مسلم أن يعلمه القرآن أو الفقه: فلا بأس به) أي بالتعليم (رجاء أن يطلع على محاسنه فيسلم) لأن النبي ﵇: كان يقرأ القرآن على المشركين رجاء أن يقفوا على كونه معجزاً فيؤمنوا.
هذه المسألة ذكرها محمد في السير الكبير.
стр. 442
فصل
هذا الفصل في بيان أنواع الأكل وآدابه ونحوها
قوله: (والأكل على ثلاث مراتب: فرض) أي المرتبة الأولى: فرض (وهو أن يأكل بقدر ما يدفع الهلاك عن نفسه) ويمكنه معه الصلاة قائماً، لأنه سبب يتوصل به البدن إلى إقامة الفرائض، فيكون فرضاً، حتى أنه لا يحاسب على هذا المقدار، لأن ما هو سبب للثواب لا يكون سبباً للحساب، وهو مأجور فيه.
قوله: (ومباح) أي المرتبة الثانية: مباح (وهو أدنى الشبع) بنية أن يتقوى به على العبادة، وهذا القسم لا أجر فيه ولا وزر، ولكن يحاسب فيه حساباً يسيراً إن كان من حل، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨].
قوله: (وحرام) أي المرتبة الثالثة: حرام (وهو أكل ما زاد على ذلك) أي على أدنى الشبع. لقوله ﵇: "إن أكثر الناس شبعاً في الدنيا أطولهم جوعاً يوم القيامة" رواه ابن ماجة.
قوله: (إلا للصوم في غد، أو لموافقة الضيف) يعني الأكل فوق الشبع يباح في هذين الموضعين، أما في الأول: فلأن نيته بذلك التقوي على تحصيل العبادة، وأما في الثاني: فلئلا يمسك الضيف عن الطعام حياء وخجلاً، ويكون هذا بإمساكه: ممن أساء القرى، وإساءة القرى مذمومة.
قوله: (ولا تحل الرياضة بتقليل الأكل إلى أن يضعف عن العبادات) لقوله ﵇: "إن نفسك مطيتك فارفق بها، ومن الرفق ألا تجيعها".
وقال ﵇: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف".
стр. 443
وقيل: لا بأس إذا خاف من فرط الشهوة أن يقع في الفاحشة، والأول: أصح، لأن هذا الخوف يندفع بالنكاح.
قوله: (ولو وصل أربعين يوماً) أي ولو راض الجوع حتى وصل أربعين يوماً (فمات: مات عاصياً) لما فيه من إهلاك نفسه باختياره.
قوله: (ولو مرض فترك المعالجة توكلاً على الله فمات: لم يمت عاصياً) لأنه ليس في ترك المعالجة إهلاك النفس، لأنه ربما يصح من غير معالجة، وربما لا تنفعه المعالجة.
ثم التداوي جائز، لقوله ﵇: "تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد: الهرم" رواه أبو داود.
وقال ﵇: "ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء" رواه ابن ماجة.
стр. 444
قوله: (والتنعم بأنواع الفاكهة: مباح) لقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢].
قوله: (وتركه أفضل) لئلا ينقص من درجاته، لأنه متى أذهب طيباته في حياته واستمتع بها، نقص من درجاته في الآخرة.
قوله: (والجمع بين أنواع الأطعمة: حرام) لأن ذلك غسراف، وهو حرام، قوله تعالى: ﴿وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١].
قوله: (وكذا وضع الخبز على المائة أضعاف ما يحتاج إليه الآكلون) لأنه إسراف فيكون حرام.
قول (وكذا رفع الخبز على الخوان) أي وكذا رفع الخبز على الخوان: حرام، لما روي عن قتادة عن أنس ﵁ قال: "ما علمت النبي ﷺ أكل على سكرجة قط ولا خبز له مرقق، ولا أكل على خوان، قيل لقتادة: على ما كانوا يأكلون؟ قال: على السفر" رواه البخاري.
стр. 445
الخوان بكسر الخاء وفتح الواو الخفيفة: طبق كبير من نحاس، تحته كرسي ملزوق به، وأصله: اسم أعجمي، قال في المجمل: سمي به لأنه يتخون ما عليه: أي ينتقص.
قوله: (ووضعه تحت القصعة ليعدل) أي وكذا وضع الخبز تحت القصعة والزبدية، ونحوهما ليستقيم: حرام، لأن في ذلك استخفافاً، وقد أمرنا بتكريمه، لقوله ﵇: "أكرموا الخبز فإن الله أخرجه فيما بين بركات السماء والأرض" وكذا: مسح الأصابع والسكين بالخبز ووضع المملحة عليه، وأكل وجهه خاصة، كل ذلك مكروه لما قلنا.
قوله: (ومن سنن الأكل غسل يديه قبله وبعده) لقوله ﵇: "الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي اللمم".
والأدب في غسل الأيدي قبل الطعام: أن يبدأ بالشباب، ثم بالشيوخ، وبعده
стр. 446
بالشيوخ، ثم بالشباب، ولا يمسح يده قبل الطعام بالمنديل، لكن يترك ليجف، ليكون أثر الغسل باقياً وقت الطعام، وبعده: يمسح ليكون أثر الطعام زائلاً بالكلية. ويلعق أصابعه قبل المسح، لما روي أن النبي ﷺ قال: "إذا أكل أحدكم فلا يمسح يده حتى يلعقها" رواه البخاري.
قوله: (والتسمية قبله) أي من سنن الطعام: الشكر بعده، وهو أن يشكر الله ويحمده ويدعو، لما روي أن النبي ﷺ كان إذا رفع مائدته قال: "الحمد لله كثيراً طيباً مباركاً فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا" رواه البخاري.
وروي عن أبي سعيد قال: كان النبي ﷺ إذا أكل طعاماً قال: "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين" رواه ابن ماجة.
قوله: (ومن اشتد جوعه وعجز عن كسب قوته: يجب على كل من علم بحاله إطعامه) لأنه أشرف على الهلاك، فيجب على من يعلم به: صونه عن الهلاك: بإطعامه
стр. 447
بنفسه أو يدل آخر عليه، كمن لقي لقيطاً أشرف على الهلاك، أو أعمى كاد أن يتردى في البئر: يفترض عليه دفع الهلاك عنه، وإذا أعمه واحد: سقط عن الباقين، لحصول المقصود.
قوله: (وإن لم يعلم به أحد: يجب عليه أن يسأل ويعلم بحاله) وإن كان في السؤال ذل، ولكنه أهون من الهلاك، فيلزمه أن يختار الأهون، كالإمام في الأسارى في النسوان والذراري: يلزمه الاسترقاق، وإن كان إهلاكاً كالقتل، لأنه أهونهما، فكذا هذا.
قوله: (فإن لم يفعل) يعني إن لم يسأل ولم يعلم حاله للناس (حتى مات: كان قاتل نفسه) لأنه يفترض على كل إنسان أن يدفع الهلاك عن نفسه ما أمكنه، وقد ترك، فصار قاتل نفسه.
قوله: (ومن له قوت يوم: لا يحل له السؤال) لأنه يستذل نفسه بلا ضرورة. وإنه حرام، لقوله ﵇: "حرام على المؤمن أن يذل نفسه" ولكنه يباح له الأخذ من غير سؤال.
قوله: (والسائل في المسجد قيل: يحرم إعطاؤه) وهو قول أبو مطيع البلخي، لأنه روي عن الحسن البصري أنه قال: "ينادي يوم القيامة منادي: ليقم بغيض الله، فيقوم سؤال المسجد" (والمختار: أنه إن كان لا يتخطى رقاب الناس، ولا يمر بين يدي المصلي، ولا يسأل الناس إلحافاً: يباح إعطاؤه) لأن السؤال كانوا يسألون على عهد رسول الله في المسجد.
قوله: (وإن كان السائل يفعل واحداً من هذه الثلاثة) وهو إما أن يتخطى رقاب الناس، أو يمر بين يدي المصلي، أو يسأل الناس إلحافاً: أي إلحاحاً (حرم إعطاؤه) لأنه إعانة على أذى الناس، ولهذا قال خلف بن أيوب: "لو كنت قاضياً: لم أقبل شهادة من يتصدق عليه" وقال إسماعيل المستملي: "هذا فلس واحد يحتاج إلى سبعين فلساً للكفارة".
стр. 448
قوله: (والمعطي للصدقة أفضل من آخذها) لقوله ﵇: "واليد العليا خير من السفلى) أي اليد المعطية خير من اليد الآخذة، وإليه أشار المصنف بقوله: (ويده هي العليا) أي: يد المعطي هي اليد العليا، ولأن نفع الإعطاء يتعدى إلى غيره، ونفع الآخذ يقتصر عليه.
قوله: (والفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر) لأنه ﵇ اختار الفقر فقال: "أحيني مسكيناً".
قوله: (وقيل: على العكس) أي قيل: الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر، لأن مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال إنما توجد من الغني لا من الفقير، بإيصال النفع وبره وإحسانه.
قال المصنف: (والأول عندي أصح) قلت: الثاني عندي أصح في هذا الزمان.
قوله: (واختلفت الصحابة في جواز قبول هدية الأمراء الظلمة وأكل طعامهم) فكان
стр. 449
ابن عباس وابن عمر: يقبلان هدية المختار، وكان أبو ذر وأبو الدرداء لا يجوزان ذلك، حتى روي أن أميراً أهدى إلى أبي ذر مائة دينار فقال: هل أهدى إلى كل مسلم مثل ذلك؟ فقيل: لا، فردها وقال: كلا إنها لظى نزاعة للشوى.
(والمختار: أنه إن كان أكثر ماله حلالاً) بأن كان صاحب تجارة أو زرع (حل قبول هديته، وأكل طعامه) ولا جرم أن أموال الناس لا تخلو عن قليل حرام وتخلو عن كثير، فكانت العبرة للغالب، والأحوط أن لا يقبل، لأن شبهة الحرام ربما توقعه في أخذ الحرام.
قوله: (وطعام الولادة والعقيقة والختان وقدوم المسافر والموت ليس بسنة).
العقيقة: طعام يتخذ عند حلق رأس المولود في اليوم السابع، وطعام المسافر يسمى نقيعة، وطعام الموت يسمى: وضيحة.
وعند الشافعي: العقيقة سنة، وعندنا: السنة هي الوليمة فقط لقوله ﵇: "أولم ولو بشاة" رواه البخاري وابن ماجة.
والوليمة: هي أن يدعو الجيران والأقرباء والأصدقاء، ويصنع لهم طعاماً، ويذبح لهم، وينبغي للرجل أن يجيب، وإن لم يفعل فقد أثم لقوله ﵇: "إذا دعي أحدكم إلى
стр. 450
وليمة عرس فليجيب" رواه ابن ماجة.
ومحلها: أول اليوم، لقوله ﵇: "الوليمة أول يوم: حق، والثاني: معروف، والثالث: رياء وسمعة".
قوله: (ويكره الضيافة بعد الثلاث في الموت) لأن الضيافة تتخذ عند السرور والفرح، لا عند الحزن والترح.
قوله: (ويكره رفع الزلة) أي يحرم رفع الزلة (إلا بإذن المضيف) لأنه مأذون بالأكل لا بالرفع.
قوله: (ويحل للضيف في الأصح أن يطعم ضيفاً آخر) لأنه مأذون فيه عادة لتعامل الناس في ذلك، قيد بقوله: (في الأصح) تنبيهاً إلى رواية في ذلك وهي رواية محمد: أنه لا يحل، لأنه مأذون بالأكل لا بالطعام.
قوله: (وأن يطعم) أي يحل للضيف أيضاً أن يطعم (الخادم الواقف على المائدة) لما ذكرنا.
قوله: (ولا يحل له) أي للضيف (أن يعطي سائلاً أو رجلاً داخلاً هناك لحاجته) لأنه لا إذن له في ذلك، وكذلك لا يحل له أن يعطي كلباً أو هرة لصاحب الضيافة، وإن أطعم الكلب أو الهرة خبزاً محترقاً أو فتات المائدة: حل ذلك، لأنه مأذون فيه عادة.
стр. 451
فصل
هذا الفصل في بيان أنواع اللبس
قوله: (واللبس على ثلاث مراتب: فرض) أي المرتبة الأولى: فرض (وهو قدر ما يستر بدنه، ويدفع عنه ضرر الحر والبرد) لما مر أن صون نفسه عن الهلاك فرض.
قوله: (من وسط ثياب القطن والكتان) لأن الخير في الوسط، لأنه إذا لبس دنياً من كل وجه: تحقره العيون، وإذا لبس نفيساً من كل وجه، يصير علماً بين الناس، فيختار الوسط.
قال المصنف: (والقطن عندي أفضل) أي من الكتان، لأنه لباس الصالحين.
قوله: (ومستحب) أي المرتبة الثانية، مستحب (وهو لبس الثياب الجميلة للتجمل والتزين وإظهار نعمة الله) لما روي أنه ﵇ "كان له صوف وعلى كمه علم حرير"، وروي أن أبا حنيفة: ارتدى برداء قيمته أربعمائة دينار، وروي أنه ﵇ قال: "إن الله يحب أن يرى نعمته على عبده" رواه الترمذي.
قوله: (وحرام) أي المرتبة الثالثة: حرام (وهو لبس الثياب الجميلة للتكبر والخيلاء) لقوله عليه السالم: "من لبس ثوباً كبراً أعرض الله عنه حتى يضعه متى وضعه" وقوله ﵇: عن الذي يجر ثوبه من الخيلاء: "لا ينظر الله إليه يوم القيامة" رواهما ابن ماجة.
قوله: (ولبس الثوب الأحمر والمعصفر: حرام) لما روي: أن رجلاً مر وعليه ثوبان أحمران فسلم على النبي ﷺ فلم يرد عليه" رواه الترمذي.
стр. 452
وقال علي: "نهى رسول الله ﷺ عن لبس القسي والمعصفر" أخرجه الترمذي وأبو داود.
قوله: (وأفضل الثياب البيض) لقوله ﵇: "البسوا من ثيابكم: البياض، فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا بها موتاكم" أخرجه الترمذي والنسائي.
وأما لبس الأخضر: فقد قال أبو رمثة: "رأيت رسول الله ﷺ وعليه ثوبان أخضران" أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي، وللنسائي: "وعليه بردان أخضران".
وأما لبس الأسود: فقد قال سعد ابن أبي وقاص: "رأيت رجلاً على بغلة بيضاء، على رأسه عمامة سوداء، وقال: كسانيها رسول الله ﷺ " أخرجه أبو داود.
قوله: (ويستحب إرخاء طرف العمامة بين الكتفين إلى وسط الظهر) لما روى ابن عمر قال: "كان رسول الله ﷺ إذا إعتم يسدل عمامته بين كتفيه" رواه الترمذي. وقال
стр. 453
عمرو بن أمية: "كأني أنظر الساعة إلى رسول الله ﷺ على المنبر وعليه عماة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه" أخرجه النسائي وابن ماجة.
قوله: (ويحرم إرخاء الستور في البيوت، وستر حيطانها باللبود، ونحوها من: الكتان والقطن والحرير للزينة والتكبر) لأن التكبر حرام، وكل ما هو للتكبر فهو حرام.
قوله: (ويحل لدفع البرد) لأنه لضرورة الحاجة، وكذلك لدفع الحر.
стр. 454
فصل
هذا الفصل في بيان أنواع الكلام
قوله: (والكلام على ثلاثة مراتب: مستحب) أي المرتبة الأولى: مستحب (كالتسبيح) وهو أن يقال: سبحان الله (والتحميد) وهو أن يقول: الحمد لله، (والتكبير) وهو أن يقول: الله أكبر (والتهليل) وهو أن يقول: لا إله إلا الله، (والصلاة على النبي ﷺ وهو أن يقول: اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وسلم، ورضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين.
وقيل: أن يقول: اللهم صل على النبي الأمي محمد وعلى آله، وفي هذا النوع أجر عظيم وثواب جزيل، لما روي عنه ﵇ أنه قال: "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" رواه ابن ماجة ومسلم. وقال ﵇: "لأن أقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس" رواه مسلم.
وقال ﵇: "من قال سبحان الله وبحمده مائة مرة: غُفرت له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر" رواه ابن ماجة.
قوله: (ومباح) أي المرتبة الثانية، مباح (وهو قول الإنسان لغيره: قم واقعد ونحو ذلك) من قوله: اشرب، واذهب، واسكت، وهذا مما لا أجر ولاوزر فيه، وقد جعله محمد معطلاً، واختلفوا فيه: أنه هل يكتب؟ قيل: لا يكتب أصلاً، لقول ابن عباس: "إن الملائكة لا تكتب إلا ما فيه أجر أو وزر" وقيل: يكتب ذلك عليه، ثم يستنسخ
стр. 455
متى قوبل عليه في اللوح المحفوظ كل اثنين وخميس، فما كان فيه جزاء خير أو شر: ثبت، وما لم يكن جزاء خير وشر: طرح، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]، وقيل: يكتب ويستنسخ يوم القيامة، لأنه يوم الحساب والجزاء.
قوله: (وحرام) أي المرتبة الثالثة: حرام (وهو الكذب، والغيبة، والنميمة، والشتيمة، والتملق، والنفاق، ونحو ذلك) مثل الكلام الفحش والبهتان وشهادة الزور.
أما الكذب: فلقوله ﵇: "عليم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب حتى يكتب عند الله كذاباً" رواه مسلم.
وأما الغيبة: فلقوله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَاكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢].
وأما النميمة: فلقوله ﵇: "لا يدخل الجنة قتات" رواه مسلم.
وأما الشتيمة: فلقوله ﵇: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" رواه ابن ماجة.
وقال ﵇: "إن اللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة" رواه مسلم.
وأما التملق: وهو اللطف الشديد الخارج عن العادة، فلقوله ﵇: "شر الناس من يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه".
стр. 456
وأما النفاق: فلقوله ﵇: "مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين: تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة" رواه مسلم.
والنفاق ثلاثة أشياء: الكذب عند الكلام، والخيانة عند الأمانة، والخلف عند الوعد، على ما جاء في الحديث الصحيح: "ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان".
قوله: (ويستثنى من الكذب) يعني يجوز الكذب في ثلاثة مواضع (في الحرب للخديعة، وفي الصلح بين اثنين، وفي إرضاء الرجل أهله) لما روي عن أم كلثوم أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس أو يقول خيراً". قال ابن شهاب: "ولم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث المرأة زوجها" رواه مسلم، وأما دفع ظلم الظالم عن المظلوم بالكذب: ففي معنى ما ذكر.
قوله: (فإن عرض بالكذب بغير ضرورة) أي بغير حاجة ضرورية (قيل: يحرم) لأن اللفظ ظاهره الكذب، وإن كان يحتمل الصدق، فإن السامع يفهم منه الكذب ظاهراً، فيكون في ذلك نوع تغرير وخداع.
(وقيل: لا يحرم) لأنه ليس بكذب، لأنه مما يحتمله اللفظ، مثل أن يقال له: كل معنا هذا الطعام، فيقول: أكلت- يريد به الأكل بالأمس لا الأكل الحال.
стр. 457
قوله: (ويستثنى من الغيبة: غيبة الظالم عند الشكوى منه) لقوله ﵇: "اذكر الفاجر بما فيه"، ولأنه يعلمه للسطان: ليزجره ويمنع أذاه عن المسلمين، فلا يأثم فيه، بل يثاب، لاسيما في ظلمة هذا الزمان.
(وكذلك يستثنى غيبة واحد لا بعينه من جماعة) لأن الغيبة إنما تكون غيبة للمعلوم، فكان المراد مجهولاً، ولذلك يستثنى غيبة الفاسق، إذا كان قصده أن يحذر الناس منه.
стр. 458
فصل
هذا الفصل آخر الكتاب الذي يختم به
قوله: (ويحرم التسبيح والتكبير والصلاة على النبي ﷺ عند عمل محرم) كما إذا سبح أو كبر أو صلى على النبي ﷺ في مجلس الفسق أو اللهو، على أنه يعمل عمل الفسق: فهو حرام يأثم فيه، وكذلك التاجر إذا فتح متاعه لمشتريه، وسبح الله تعالى، وصلى على النبي ﷺ ، وأراد بذلك إعلام المشتري جودة متاعه، وكذلك الفقاعي يقول عند فتح كوز الفقاع: لا إله إلا الله، أو يقول: صل على النبي، أو يقول: صلى الله على محمد، لأنه يأخذ بذلك ثمناً ويرغب المشترين.
قوله: (ولو أمر العالم بذلك) أي بالتسبيح أو التكبير أو الصلاة على النبي ﷺ (أهل مجلسه عند الوعظ والتذكير، أو أمر الغازي عند المبارزة: حل) لأنه يذكر للتفخيم والتعظيم.
قوله: (والتسبيح في مجلس الفسق بنية مخالفتهم) بأن يكون على وجه الاعتبار، أو على أنهم يشتغلون بالفسق وهو يشتغل بالتسبيح.
(وفي السوق بنية تجارة الآخرة) بأن يكون نيته أن الناس يشتغلون بأمور الدنيا، وهو يشتغل بالتسبيح (حسن) وبذلك يؤجر عليه.
قوله: (وهو) أي التسبيح في السوق بنية تجارة الآخرة (أفضل من التسبيح في غير السوق) أراد به من التسبيح مرة واحدة، أو بسبب أنه ينوي بذلك تجارة الآخرة.
قوله: (والترجيع في قراءة القرآن: حرام في المختار، على القاري والسامع) لأن فيه تشبيهاً بفعل الفسقة في حال فسقهم، وهو التغني، وليس هذا كان في الابتداء، وقيل: لا بأس، لقوله ﵇: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن".
стр. 459
قوله: (وكذا في الأذان) أي وكذا الترجيع في الأذان: حرام على المؤذن والسامع، لأنه محدث.
قوله: (وكره أبو حنيفة قراءة القرآن عند القبور، وقال محمد: لا يكره وينتفع به الميت) وهذا هو المختار: لورد الآثار بقراءة آية الكرسي وسورة الإخلاص،
стр. 460
والفاتحة، ونحو ذلك عند القبور، ولا يكره التسبيح والتهليل ونحوهما أيضاً.
أما زيارة القبور: فهي جائزة، لقوله ﵇: "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" رواه مسلم وأبو داود.
ويقول الزائر: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، لما روي أن رسول الله ﷺ خرج إلى المقبرة فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" أخرجه أبو داود.
وعن ابن عباس: مر رسول الله ﷺ بقبور أهل المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: "السلام عليكم يا أهل القبور، ويغفر الله لنا ولكم، أنتم لنا سلف ونحن بالأثر" أخرجه مسلم والنسائي.
ويكره الجلوس على القبر، لقوله ﵇: "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها" أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي.
следующие страницы →