← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 13784

منحة السلوك في شرح تحفة الملوك

بدر الدين العيني

Полный текст (463 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

لقوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]. ولم يرد به نفس الزينة، لأن النظر إلى غير الزينة مباح مطلقاً، ولكن المراد موضع الزينة، فالرأس: موضع التاج، والشعر: موضع الكحل، والعنق والصدر: موضعا القلادة، والأذن: موضع القرط، والعضد: موضع الدملوج، والساعد: موضع السوار، والكف: موضع الخاتم والخضاب، والساق: موضع الخلخال، والقدم: موضع الخضاب، بخلاف الظهر والبطن والفخذ، لأنها ليست بمواضع الزينة. قوله: (والمحرم كل من يحرم نكاحه على التأبيد بنسب، مثل: الأم والأخت والبنت والعمة والخالة ونحوهن، أو بسبب: كالرضاع والصهرية). قوله: (ولو أنها) أي الصهرية (بزنا) وقيل: إذا كانت المصاهرة بزنا: لا يجوز له أن ينظر إلى وجهها وكفيها كالأجنبية، والأول أصح، لأنها محرمة على التأبيد. قوله: (ويمس ذلك أيضاً) أي يمس ما حل النظر إليه من محارمه، لتحقق الحاجة إلى ذلك في المسامرة والمخالطة. قوله: (فإن خاف عليه) أي على نفسه (أو عليها) أي أو خاف على نفسها (لا ينظر ولا يمس) لقوله ﵇: "العينان تزنيان، وزناهما النظر، واليدان تزنيان، وزناهما البطش، والرجلان تزنيان، وزناهما المشي، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه". فكان تحت كل واحد منها نوع زناً، والزنا محرم بجميع أنواعه، وحرمة الزنا بالمحارم أشد وأغلظ.

стр. 387

قوله: (ولا بأس بالخلوة بها) أي بمحارمه، لقوله ﵇: "لا يخلون رجل بامرأة ليس منها بسبيل، فإن ثالثهما الشيطان". والمراد: إذا لم يكن محرماً، لأن المحرم بسبيل منها، إلا إذا خاف عليه أو عليها لما قلنا. قوله: (والسفر معها) أي مع محارمه، لقوله ﵇: "لا تسافر المرأة فوق ثلاث أيام ولياليها إلا ومعها زوجها أو ذو رحم محرم منها". قوله: (وينظر من أمة غيره إذا أمن الشهوة إلى ما ينظر إليه من محارمه) لأنها تحتاج إلى الخروج لحوائج مولاها في ثياب مهنتها، وحالها مع جميع الرجال: كحال المرأة مع محارمها. قوله: (ولو كانت) أي ولو كانت الأمة (أم ولد لغيره، أو مكاتبته، أو مدبرته، أو مستسعاته، ففي الخلوة بها والسير معها قولان: في قول: يجوز) لوجود الحاجة، وقيام الرق فيهن (وفي قول: لا يجوز). قوله: (ويحل له مس ذلك) أي الموضع الذي يجوز له أن ينظر إليه: كالصدر والساق والذراع والرأس (وقت الشراء وإن خاف الشهوة) للضرورة (وقيل: يحل له النظر إليها وقت الشراء مع خوف الشهوة، ولا يحل المس معه) أي مع خوف الشهوة، لاندفاع الحاجة بالنظر فقط.

стр. 388

قوله: (والخصي) وهو الذي قلعت خصيتاه (والمجبوب) وهو مقطوع الذكر والخصيتين، (والمخنث) وهو الذي يعمل الردي من الأفعال، وهو الذي يؤتى: (كالفحل في جميع الأحكام) لإطلاق النصوص، ولأن الخصي: ذكر يشتهي ويجامع، والمجبوب: يشتهي ويسحق وينزل، والمخنث: كغيرهمن الرجال، بل هو من الفساق، فيبعد عن النساء. قوله: (والعبد كالأجنبي في رؤية سيدته) أي عبد المرأة: كالأجنبي من الرجال في رؤية مولاته، حتى لا يجوز لها أن تبدي من زينتها إلا ما يجوز أن تبديه للأجنبي، ولا يحل له أن ينظر إليها إلا ما يجوز أن ينظر إليه من الأجنبية، لأنه فحل، غير محرم ولا زوج، والشهوة متحققة، والحاجة قاصرة، لأنه يعمل خارج البيت. وقال مالك والشافعي: نظره إليها كنظر الرجل إلى محارمه. قوله: (ويحل له) أي للعبد (الدخول على سيدته من غير إذن) للضرورة. قوله: (ويعزل عن أمته بغير إذنها) لأنه لا حق لها في الوطء. قوله: (وعن زوجته) أي ويعزل عن زوجته (الحرة بإذنها) لأن لها حقاً في الوطء، حتى كان لها المطالبة بقضاء الشهوة، وتحصيلاً للولد، ولهذا تخير في الجب والعُنة. قوله: (ويعزل عن زوجته الأمة بإذن مولاها) هذا عند أبي حنيفة، وعندهما: لا يعزل إلا بإذن الأمة. قوله: (ويكره تقبيل الرجل الرجل ومعانقته) لأنه ﵇ "نهى عن المكاعمة: وهي التقبيل، وعن المكامعة: وهي المعانقة" رواه الطحاوي.

стр. 389

وفي الجامع الصغير: "ويكره أن يقبل فم الرجل أو يده، أو شيئاً منه، أو يعانقه". وذكر الطحاوي: أن هذا قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لا بأس بالتقبيل والمعانقة. وقالوا: الخلاف فيما إذا لم يكن عليهما غير الإزار، وإذا كان عليهما قميص أو جبة: فلا بأس به بالإجماع، وهو الذي اختاره الشيخ أبو منصور الماتريدي. قوله: (ولا بأس بالمصافحة) لأنها سنة قديمة متواترة في البيعة وغير ذلك، وقال ﵇: "ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا" رواه ابن ماجة. قوله: (وقيل: لا بأس بهما) أي بالمعانقة والمصافحة جميعاً (إذا قصد المبرة والإكرام). قوله: (ولا بأس بتقبيل يد العالم، والسلطان العادل، على سبيل التبرك) وكذلك تقبيل يد الأبوين، والشيخ، والرجل الصالح. وما يفعله الجهال من تقبيل يد نفسه إذا لقي غيره: فهو مكروه، ولا رخصة فيه. وما يفعلون من تقبيل الأرض بين يدي السلاطين: فحرام، والفاعل والراضي به: آثمان، لأنه يشبه عبادة الوثن. وذكر الصدر الشهيد: "أنه لا يكفر بهذا السجود، لأنه يريد به التحية". وقال السرخسي: "السجود لغير الله على وجه التعظيم: كفر". وفي التتمة: "إذا سجد للسلاطين للتحية: لا يكفر" فيفهم من هذا القيد أنه إذا سجد للتعظيم: يكفر.

стр. 390

فصل هذا الفصل في بيان الاحتكار وغيره قوله: (ويحرم احتكار أقوات الناس) مثل الحنطة، والعدس، والحمص، ونحوها (وأقوات البهائم) مثل الشعير، والتبن، لقوله عليه السالم: "الجالب مرزوق والمحتكر ملعون" رواه ابن ماجة. قوله: (فقط) إشارة إلى تخصيص الاحتكار بأقوات بني آدم والبهائم، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: كل ما ضر بالعامة حبسه: فهو احتكار، وإن كان ثياباً أو دراهم ونحوها. ثم مدة الاحتكار: قبل أربعون ليلة، وقيل: شهر، وقيل: المدة للعاقبة في الدنيا، وأما الإثم فيحصل، وإن قلت المدة. قوله: (في البلد الصغير) لأن الضرر يقع في هذا، حتى إذا كان البلد كبيراً: لا يكون محتكراً، لأنه حابس ملكه من غير إضرار لغيره، وتلقي الجلب على هذا التفصيل. قوله: (ومن احتكر غلة أرضه، أو ما جلبه من بلد آخر: حل) لأنه خالص حقه، فلم يتعلق به حق العامة، فلا يكون احتكاراً. وقال أبو يوسف: يكره أن يحبس ما جلبه من بلد آخر. قوله: (ويحرم التسعير) لقوله ﵇: "لا تسعروا فإن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق".

стр. 391

قوله: (إلا إذا تعين) أي إلا إذا تعين التسعير: بأن كان أرباب الطعام يتحكمون على المسلمين، ويتعدون تعدياً فاحشاً، وعجز السلطان عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير: فحينئذ يسعر، دفعاً للضرر العام. ولو خاف الإمام الهلاك على أهل مصر: أخذ الطعام من المحتكرين وفرقه، فإذا وجدوا: ردوا مثله. قوله: (ويحرم بيع أرض مكة) لقوله ﵇: "إن الله حرم مكة فحرام بيع رباعها"، وهذا عند أبي حنيفة، خلافاً لهما. وكذلك يحرم إجارتها، لقوله ﵇: "من أكل أجور أرض مكة فكأنما أكل الربا". قوله: (ولا يحرم بيع أبنيتها) لأن البناء ملك لمن بناه، ألا يرى أنه لو بنى في المستأجر أو في الوقف: صار البناء له، وجاز له بيعه. قوله: (ويكره التعشير في المصحف والنقط) لقول ابن مسعود: "حمروا القرآن"، ولكن هذا كان في زمنهم، لأنهم كانوا يتلقونه عن النبي ﷺ كما أنزل،

стр. 392

وكانت القراءة سهلاً عليهم، ولا كذلك في زمننا: فيستحسن، والتساويد والنقط والتعشير: لعجز العجمي عن التعلم إلا به، إلى هذا أشار المصنف بقوله: (ويباح في زماننا). وعلى هذا لا بأس بكتابة أسامي السور وعدد الآي، فهو وإن كان محدثاً: لمستحسن، وكم من شيء يختلف باختلاف الزمان والمكان. قوله: (ويباح تحلية المصحف) لما فيها من تعظيمه (وكذا نقش المسجد وزخرفته) أي تزيينه بماء الذهب من غير مال الوقف، لأن في ذلك تعظيم بيت الله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨]. ولا يجوز من مال الوقف، حتى إذا فعل منه: يلزم الضمان على الذي فعل. قوله: (ويحرم استخدام الخصيان) لأن فيه تحريض الناس على الخصاء، وهو مثلة، وقد صح أنه ﵇: نهى عنها، فيحرم. قوله: (ولا بأس بخصاء البهائم) لأنه ﵇ "ضحى بكبشين أملحين موجوءين". قوله: (وإنزاء الحمير على الخيل) لأنه ﵇ "ركب البغلة واقتناه" ولو لم يجز: لما فعله، لأن فيه فتح بابه.

стр. 393

قوله: (ولا بأس بعيادة الذمي) لأنها نوع من البر، وقد قال تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة: ٨]. وأما المجوسي: فقد قيل: لا يعوده، لأنه أبعد من أهل الكتاب إلى الإسلام، وقيل: يعوده، لأن فيه إظهار محاسن الإسلام وترغيبه فيه وتأليفه، وقد ندبنا إليه. واختلفوا في عيادة الفاسق أيضاً، والأصح: أنه لا بأس بها، لأنه مسلم. قوله: (ويحرم قوله في الدعاء: أسألك بمعقد العز من عرشك) اعلم أن لهذه المسألة عبارتان: بمعقد: من العقد، وبمقعد: من القعود، تعالى الله تعالى عن ذلك علواً كبيراً. ولاشك في كراهية الثانية، لاستحالة معناها على الله ، وكذا الأولى، لأنه يوهم أن (عز) متعلق بالعرش، والعرش حادث، وماي تعلق به يكون حادثاً، والله تعالى متعال عن تعلق عزه بالحادث، بل عزه قديم كذاته. وعن أبي يوسف: أنه لا بأس به، وبه أخذ الفقيه أبو الليث. قوله: (وبحق فلان) أي يحرم أن يقول في دعائه: بحق فلان، أو بحق أنبيائك، وأوليائك، أو بحق البيت، أو بحق المشعر الحرام، لأنه لا حق للخلق على الله تعالى، وإنما يختص برحمته من يشاء من غير وجوب عليه. قوله: (ويحرم اللعب بالنرد) لقوله ﵇: "من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله" رواه مالك وأحمد وابن ماجة. (وكذا النردشير) لقوله ﵇: "من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم

стр. 394

الخنزير" رواه مسلم وأحمد وأبو داود. (وكذا الشطرنج) لقوله ﵇: "كل لعب ابن آدم حرام إلا ثلاثة: ملاعبة الرجل أهله، وتأديبه لفرسه، ومناضلته بقوسه". وأباح الشافعي: الشطرنج من غير قمار، ولا إخلال بحفظ الواجبات، ومن غير كلام بفحش. قوله: (وكل لهو) أي يحرم كل لهو إلا المناضلة: وهي المراماة، والمسابقة بالخيل، ومداعبة الرجل أهله، لما روينا.

стр. 395

فروع ولا بأس بالمسابقة في الرمي، والفرس، والإبل، إن شرط المال من جانب واحد، بأن يقول أحدهما لصاحبه: إن سبقتني: فلك كذا، وإن سبقتك: فلا شيء لي، لقوله ﵇: "لا سبق إلا في خف ونصل أو حافر" رواه أحمد وأبو داود وجماعة أخر. وحرم: لو شرط المال من الجانبين، بأن يقول: إن سبق فرسك: أعطيتك كذا، وإن سبق فرسي: فأعطني كذا، إلا إذا أدخلا ثالثاً سهماً، وقالا للثالث: إن سبقتنا: فالمالان لك، وإن سبقناك: فلا شيء لنا عليك، ولكن أيهما سبق صاحبه: أخذ المال المشروط. وكذا المتفقة: إذا شرط لأحدهما الذي معه الصواب: صح، وإن شرطاه لكل واحد منهما على صاحبه: لا يجوز، كما في المسابقة. واعلم أن رمي السهم له فضائل كثيرة، لقوله ﵇: "إن الله ليدخل بالسهم الواحد: الثلاثة الجنة، صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، والممد به" رواه ابن ماجة. وقال ﵇: "من رمى العدو بسهم، فبلغ سهمه العدو أصاب أو أخطأ: فيعدل رقبة" رواه ابن ماجة. وقال ﵇: "من تعلم الرمي ثم تركه فقد عصاني" رواه ابن ماجة. قوله: (ويباح السلام على المشغول بالشطرنج بنية التشويش) يعني ليشوشهم ليغلطوا في حسابهم، وهو رواية عن أبي حنيفة، وقيل: لا يباح، تحقيراً لهم. وروي أن علياً ﵁ مر بقوم يلعبون بالشطرنج ولم يسلم عليهم، فقيل له في ذلك،

стр. 396

فقال: "كيف أسلم على قوم يعكفون على أصنامهم"، وهذا قول أبي يوسف ومحمد. قوله: (والجوز الذي يلعب به الصبيان يوم العيد يؤكل) لأن ابن عمر ﵁: كان يشتري الجوز لصبيان وهم يلعبون، ثم يأكله معهم. قوله: (إن لم يقامروا به) لأنهم إذا قامروا به: يكون حراماً، لأن كل ما يكتسب من القمار حرام. والقمار من القمر: وهو اليسر، سمي به: لأنه أخذ مال الرجل بيسر وسهولة، من غير كد ولا تعب. قلت: وحكم البيض المسلوق الذي يلعب به الصبيان على هذا الحكم. قوله: (وسماع صوت الملاهي كلها حرام) لقوله ﵇: "استماع الملاهي معصية، والجلوس عليها فسق، والتلذذ بها من الكفر" رواه الصدر الشهيد في كراهية الواقعات. والملاهي تشمل جميع أنواع اللهو، حتى التغني بضرب القضيب ونفخ القصب. قوله: (فإن سمع بغتة: فهو معذور) لأنه لم يكن منه قصد، فيعذر فيه، ثم يجتهد أن لا يسمع بعد ذلك مهما أمكنه، لأن الإعراض عن سماعه واجب. قوله: (ويحل ضرب الدف في العرس لإعلان النكاح) لقوله ﵇: "أعلنوا النكاح ولو بالدف" وقال ﵇: "فصل ما بين الحرام والحلال: الدف والصوت في النكاح" رواه ابن ماجة.

стр. 397

قوله: (وضرب الطبل في الحج والغزوات: للإعلام لا للهو) أي يحل ضرب الطبل في الحج والغزوات لإعلام الرحيل والنزول، ولأنه هيبة للمسلمين على الأعداء. قيد بقوله: (لا للهو) لأن ضرب الطبل وغيره للهو: حرام، لأنه معصية. قوله: (وما يأخذ المغني والنائحة من غير شرط: مباح) لأنه حصل برضا صاحبه، فيباح له. قوله: (ومع شرط: حرام) لأن بالشرط يكون مقابلاً بالمعصية، فعليه رد ما أخذ على أربابه إن عرفهم، لأن الأخذ معصية، والسبيل في المعاصي: ردها، فكذلك هنا، وعليه أن يتصدق إن لم يعرف أربابه. وذكر الحاكم في كسب المغنية: أنه إن قضي به دين: لم يسع لصاحب الدين أن يأخذه، لأنه بمنزلة الغصب، وأما في القضاء: فإنه يجبر على أخذه. قوله: (ولا تركب المرأة على السرج) لقوله ﵇: "لعن الله الفروج على السروج". قوله: (إلا للضرورة) يعني إذا كانت المرأة في سفر الحج وغيره، واضطرت للركوب على السرج، تركب مستديرة، لأن الضرورة تبيح المحظورة.

стр. 398

قوله: (ومن رأى منكراً وهو ممن يفعله: يلزمه النهي عنه) أي عن ذلك المنكر، لأن في الامتناع عنه يرتكب محظورين: فعل المنكر، وترك النهي عن المنكر، وفي إقدامه: يكتسب ثواب النهي عن المنكر. والكف عن النهي عن المنكر: سبب لعموم العقوبات لجميع الناس، لقوله ﵇: "إن الناس إذا رأوا المنكر لا يغيرونه: أوشك أن يعمهم الله بعقابه" رواه ابن ماجة. قوله: (حامل اعترض الولد في بطنها وقت الولادة وخيف عليها) أي على الحامل (ولم يمكن إخراجه) أي إخراج الولد (إلا بقطعه: لم يجز قطعه) بأن تدخل القابلة يدها داخل الفرج فتقطعه بآلة ونحوها، لأن موتها موهوم، فبأمر موهوم لا يجوز إتلاف آدمي حي، حتى إذا كان ميتاً: يجوز أن يقطع لتتخلص أمه. قوله: (حامل ماتت فتحرك في بطنها الولد، فإن غلب على الظن حياته وبقاؤه: يشق بطنها من الجانب الأيسر ويخرج منه) لأنه سبب إلى إحياء نفس محترمة، وقد فعل ذلك أبو حنيفة وعاش الولد. ولو دفنت، وقد أتى على الولد سبعة أشهر، وكان يتحرك في بطنها، فرئيت في المنام أنها تقول: ولدت: لا ينبش، لأن الظاهر موته. قوله: (ويباح للمرأة إسقاط الولد ما لم يستبين شيء من خلقه) لأنه ليس بآدمي ما لم يستبن خلقه، ذكره في المحيط. وإن شربت دواء لتصلح نفسها وهي حامل: فلا بأس بذلك، وإن سقط الولد فلا شيء عليها. وإن أتى على حملها ستة أشهر، فأرادت أن تلقي العلق على ظهرها: سألت من الأطباء، فإن قالوا: لا يضر: فعلت، وإلا فلا، وكذلك الفصد والحجامة. قوله: (رجل ابتلع درة أو ذهباً لغيره، ثم مات ولم يترك شيئاً: لا يشق بطنه) لأنه أتلفه بابتلاعه، والحكم في المتلف أن يضمن قيمة ما تلف، فإن ترك شيئاً: فعليه قيمته، وإن لم يترك: فلا شيء في الدنيا.

стр. 399

وروي عن الجرجاني: أنه يشق، لأن حق العبد مقدم على حق الله، وحق المظلوم على الظالم المعتدي. قوله: (نعامة ابتلعت لؤلؤة) أي نعامة لرجل ابتلعت لؤلؤة (لرجل آخر، أو شاة لرجل نشبت رأسها) أي دخل رأسها (في آنية رجل، وتعذر إخراجه: ينظر إلى أكثرهما قيمة، فإن كانت قيمة النعامة أكثر من قيمة اللؤلؤة: يضمن صاحب النعامة قيمة اللؤلؤة لصاحبها، وإن كانت قيمة اللؤلؤة أكثر من قيمة النعامة: يضمن صاحب اللؤلؤة قيمة النعامة لصاحبها، وكذلك الحكم في الشاة مع الإناء) لأن في ذلك نظراً للجانبين بطريق التعادل. قوله: (ويصنع به ما شاء) أي يصنع الرجل الذي غرم بما غرم: ما شاء، لأنه ملكه بالضمان. قوله: (ويكره قتل النملة، ما لم تبتدي بالأذى) لأن قتل الحيوان إنما يجوز لغرض صحيح، فإذا لم يؤذ: لا يقتل (بخلاف القملة) فإنه يجوز قتلها مطلقاً، سواء آذت أو لا، لأنها بالطبع مؤذية، وكذلك الراغيث. قوله: (ويكره إحراق القملة والعقرب ونحوها) مثل الحية والأربعة والأربعين (بالنار) لقوله ﵇: "لا تعذبوا بعذاب الله" رواه ابن ماجة. قوله: (وطرحها حية) أي طرح القملة حية (مباح) لأنها مستحقة للقتل، ولكنه ليس بأدب، لأن في ذلك هلاكها بالجوع. قوله: (والختان للرجال سنة وللنساء مكرمة) هذا لفظ الحديث. المكرمة: بفتح الميم وضم الراء. وليس للختان وقت معلوم، قال الفقيه أبو الليث: والمستحب عندي إذا بلغ سبع سنين: يختتن ما بينه وبين عشر سنين.

стр. 400

وقيل: وقته وقت البلوغ، وقيل: بتسع، وقيل: بعشر سنين، وقيل: متى كان يطيق ألم الختان: ختن وإلا فلا. ولو ولد مختوناً: لا يقطع منه شيء حتى يكون ما يواري الحشفة. قوله: (وتضرب الدابة على النفار دون العثار) والنفار: من النفرة، والعثار من العثرة، وإنما تضرب في النفار: لأنه من عادتها السيئة، بخلاف العثار: فإنه آفة تصيبها. قوله: (وركض الدابة ونخسها) الركض: الضرب بالرجل، والنخس: الطعن بمهماز أو عصا أو نحوهما، كما يفعله الدلالون لأجل العرض على المشترين، أو يفعله أحد للهو (مكروه) لأنه تعذيب الحيوان بلا غرض صحيح، حتى يباح لأجل الجهاد وغيره، من غرض صحيح مثل: الفرار من العدو، أو الكرار إليه، ونحو ذلك. قوله: (والسلام سنة) لقوله ﵇: "والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم" رواه ابن ماجة. قوله: (ورده) أي رد السلام (فرض كفاية) حتى إذا رد واحد من الجماعة: يسقط عن الباقين، وأما كونه فرضاً: فلأن في الامتناع من الرد إهانة للمسلم واستخفافاً به، وأنه حرام. قوله: (وثواب المسلم أكثر) لقوله ﵇: "للبادي من الثواب عشرة وللراد واحد" وفي رواية: "للبادي من الثواب عشرون وللراد عشرة".

стр. 401

ولأن البادي بالسلام هو المسبب للجواب، وهو البادي بالإحسان، والراد يجازي إحسانه بالإحسان، والمجازاة للإحسان أفضل، ولكن ثواب المبتدي به أجزل. ثم إنما يصح رد السلام إذا سمعه المسلم، لأن الرد جواب سلامه، والجواب إنما يكون جواباً إذا سمعه المخاطب، إلا إذا كان المسلم أصماً: فينبغي أن يريه بتحريك شفتيه. ويسلم القوي على الضعيف، والراكب على الراجل، والماشي على القاعد، والصغير على الكبير، والكثير على الواحد، وراكب الفرس على راكب الحمار، والبدوي على القروي، وقيل: بالعكس. قوله: (ولا يجب رد سلام السائل) لأنه يسلم لأجل شيء، وكذلك لا يجب على القاضي رد سلام المتخاصمين. قوله: (ولا ينبغي أن يسلم على من يقرأ القرآن) لأنه يشغله عن قراءته. وإن سلم عليه: فالأصح أنه يجب عليه رده، لأنه فرض، وقراءة القرآن ليست بفرض، فلا يدع الواجب بانشغاله بالنفل، بخلاف ما لو سمع اسم النبي ﷺ : لا يجب عليه الصلاة، لأن قراءة القرآن على نظمه: أفضل من الصلاة على النبي ﷺ . قوله: (وتشميت العاطس فرض كفاية) حتى إذا قام بها واحد من الجماعة سقط عن الباقين، لقوله ﷺ : "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليرد عليه من حوله، يرحمك الله، وليرد عليهم: يهديكم الله ويصلح بالكم" رواه ابن ماجة.

стр. 402

(ويكره تعليم البازي بالطير الحي) لأنه تعذيب الحيوان، مع حصول المقصود بالمذبوح. قوله: (ويكره الغل في عنق العبد) لأنه عقوبة الكفار، فيكره كالإحراق بالنار. قوله: (ولا يكره القيد لخوف الإباق) لأن القيد سنة السلف في السفهاء والدعار والعبيد، احتراز عن إباقهم والتمرد على مواليهم. قوله: (ويباح الجلوس في الطريق للبيع إذا كان واسعاً، لا يتضرر الناس به) أي بجلوسه (ولو كان الطريق ضيقاً: لا يجوز) لأن المسلمين يتضررون بذلك. وقال ﵇: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام". قوله: (وتكره الخياطة في المسجد وكل عمل من أعمال الدنيا) لأن المساجد بنيت لأداء الفرائض، حتى أن أداء النوافل في البيت أفضل. قوله: (ويكره الجلوس فيه) أي في المسجد (للمصيبة ثلاثة أيام) لما قلنا، ويباح في غير المسجد، والترك أولى، لما روي عن جرير بن عبد الله قال: "كنا نرى الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة" رواه ابن ماجة. قوله: (ولو جلس فيه) أي في المسجد (معلم أو وراق، فإن كانت حسنة لله تعالى: لا بأس به) لأنه حينئذ لم يكن من أعمال الدنيا (وإن كان بأجرة: يكره، إلا عند ضرورة يكون بهما) أي بالمعلم أو الوراق. قوله: (ويكره تمني الموت لضيق المعيشة أو للغضب من ولده أو غيره) مثل

стр. 403

الخوف من سلطان جائر، أو من حادثة أصابته، لقوله ﵇: "لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لابد متمنياً الموت فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً ليه" رواه ابن ماجة. قوله: (ولا بأس بتمنيه) أي تمني الموت (لتغير أهل الزمان وظهور المعاصي، خوفاً من الوقوع فيها) أي في المعاصي، لأن المؤمن المتقي في الزمان الذي ظهر فيه الفساد واشتهرت فيه المعاصي: حيران في أمر دينه، وكيف يحفظه، وكيف ينجو من شرهم، ففي هذا الزمان: يجوز تمني الموت، لقوله ﵇: "لتنتقون كما ينتقى التمر من أغفاله، فليذهبن خياركم وليبقين شراركم، فموتوا إن استطعتم". قوله: (رجل يتردد على الظلمة ليدفع شرهم عنه، فإن كان مفتياً أو مقتدى به: لا يحل له ذلك) لأن دفع شرهم عنه ممكن بغير التردد، ولأن فيه إهانة للعلم وأهله، (وإن كان غير مقتدى به: فلا بأس بتردده إليهم ليدفع شرهم) وأما إذا تردد لأجل أن يصيبه منهم دنيا: فلا يجوز، لقوله ﵇: "إن أناساً من أمتي سيتفقهون في الدين ويقرؤون القرآن ويقولون: نأتي الأمراء فنصيب من دنياهم ونعتزلهم بديننا ولا يكون ذلك، كما لا يجتني من القتاد إلا شوك: كذلك لا يجتني من قربهم إلا الخطايا" رواه ابن ماجة. والقتاد بفتح القاف، والتاء ثالث الحروف: ضرب من العضاة، وهي جمع عضة: وهي شجر من شجر الشوك ليس فيه إلا الشوك.

стр. 404

كتاب الفرائض وهي جمع فريضة، والفرض: التقدير، وفرض القاضي النفقة: أي قدرها، وسمي هذا العلم فرائض: لأن الله قدره بنفسه ولم يفوض تقديره إلى ملك مقرب، ولا نبي مرسل. قوله: (الفروض المقدرة في القرآن ستة: النصف والربع والثمن والثلث والثلثان والسدس) وهي المذكورة في سورة النساء. قوله: (وأصحابها) أي أصحاب الفروض المقدرة (اثني عشرة طائفة: أربعة من الرجال، وثمان من النساء، أما الأربعة من الرجال: فالأول: الأب، والثاني: الجد، والثالث: الأخ لأم، والرابع: الزوج، وأما الثمانية من النساء، فالأولى: الأم، والثانية: الجدة، والثالثة: البنت، والرابعة: بنت الابن، والخامسة: الأخت لأب وأم، والسادسة: الأخت لأب، والسابعة: الأخت لأم، والثامنة: الزوجة). فلنبين لك كل واحدة على حدة. قوله: (فالأب له السدس) شروع في بيان ما يصيب لكل واحد من الرجال والنساء من السهام المقدرة. فالأب له السدس مع وجود الابن أو ابن الابن، لقوله تعالى: ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١]. جعل له السدس مع الولد، وولد الابن: ولد شرعاً بالإجماع، قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٢٦]. وكذا عرفاً، قال الشاعر: بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأجانب قوله: (والتعصيب) أي للأب التعصيب، وهو حالته الثانية، وهو أن يكون عصبة

стр. 405

لعدم الولد وولد الولد، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]، فذكر فرض الأم وجعل الباقي له: دليل على أنه عصبة. قوله: (وكلاهما) أي للأب كلاهما، أي السدس والتعصيب، وهو حالته الثالثة، وذلك عند وجود البنت وبنت الابن. أما الفرض: فلما تلونا، وأما التعصيب: فلقوله ﵇: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت فلأولى رجل ذكر" رواه مسلم. قوله: (والجد في أحواله كالأب) والمراد منه الجد الصحيح: وهو الذي لم يتخلل في نسبته إلى الميت أم، أي الجد في جميع أحواله كالأب (إلا في مسألتين: إحداهما: في رد ام الميت من ثلث الجميع إلى ثلث ما يبقى في زوج وأبوين، أو زوجة وأبوين، فإن الأب يردها إليه، لا الجد، والثانية: في حجب أم الأب، فإن الأب يحجبها دون الجد) وللجد حالة رابعة: وهو السقوط بالأب. وإنما كان الجد كالأب عند عدمه، لأنه يسمى أباً، قال الله تعالى حاكياً عن يوسف ﵇: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٣٨]. وكان إسحاق جده، وإبراهيم جد أبيه، فإذا كان أباً: دخل في النص: إما بطريق عموم المجاز أو بالإجماع. قوله: (والأخ لأم: له السدس، وللاثنين فصاعداً: الثلث) لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]. المراد به أولاد الأم، لأن أولاد الأب والأم، أو الأب، مذكورون في آية النصف، ولهذا قرأها بعضهم: وله أخ أو أخت لأم. وإطلاق الشركة يقتضي المساواة: ذكورهم وإناثهم سواء. قوله: (والزوج له النصف عند عدم الولد وولد الابن) لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢]. ولفظ الولد يتناول ولد الابن، فيكون مثله بالنص أو بالإجماع.

стр. 406

قوله: (والربع مع أحدهم) أي للزوج الربع مع أحد الولد أو ولد الابن، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ﴾ [النساء: ١٢]، فصار للزوج حالتان: النصف والربع. قوله: (والأم لها السدس مع الولد وولد الابن) لقوله تعالى: ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١]. جعل لها السدس مع الولد، وولد الابن: ولد شرعاً بالإجماع لما قلنا. قوله: (أو الاثنين من الأخوة) أي الأم لها السدس أيضاً مع وجود الاثنين من الإخوة والأخوات فصاعداً أي جهة كانوا لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]. ولفظ الجمع من الإخوة يطلق على الاثنين، فتحتجب بهما من الثلث إلى السدس من أي جهة كانوا، لأن لفظ الإخوة يطلق على الكل، وهذا قول جمهور الصحابة، وروى عن ابن عباس: أنه لم تحجب الأم من الثلث إلى السدس إلا بثلاثة منهم، عملاً بظاهر الآية. قوله: (والثلث) أي الأم لها الثلث: (عند عدم هؤلاء) أي عند عدم الولد وولد الابن، والاثنين من الإخوة والأخوات، لما تلونا. قوله: (وثلث ما بقي) أي الأم لها ثلث ما يبقى في المسألتين، فصار للأم ثلاثة أحوال: السدس، وثلث الكل، وثلث ما يبقى. قوله: (وهما) أي المسألتان: (زوج وأبوان) أي إحداهما: زوج وأبوان، يعني إذا تركت زوجاً وأبوين: فأصل المسألة في هذا من اثنين، لأن الزوج يستحق النصف عند عدم الولد، والأم تستحق ثلث ما يبقى، ومخرج النصف اثنان، فالنصف وهو واحد: للزوج، فيبقى واحد، وليس له ثلث صحيح، فنضرب مخرج الثلث في الاثنين: فيصير ستة.

стр. 407

فالنصف منها: ثلاثة للزوج، وبقي ثلاثة: ثلثها واحد للأم، وبقي اثنان: وهما الثلثان للأب. قوله: (أو زوجة وأبوان) أي المسألة الثانية، زوجة وأبوان، يعني إذا ترك زوجة وأبوين، وأصل المسألة في هذا من أربعة: ربعها للزوجة، فبقي ثلاثة، ثلثها: واحد للأم، وبقي اثنان للأب. قوله: (ولو كان مكان الأب جد: فلها الثلث كاملاً في الأصح) أي ثلث الجميع كاملاً في الأصح من المذهب، وعند أبي يوسف: لها ثلث الباقي أيضاً في هذه الصورة، وهو مروي عن عمر وابن مسعود ﵄. قوله: (والجدة: أم الأم وأم الأب: لهما السدس، واحدة كانت أو أكثر) لقوله ﵇: "أطعموا الجدة السدس". وإنما فسر الجدة بقوله: (أم الأم وأم الأب) بياناً للجدة الصحيحة، لأن الجدة الصحيحة من لا يتخلل في نسبتها إلى الميت ذكر بين اثنين، والفاسدة بخلافها، والجدات يشتركن في السدس إذا كن ثابتات متحاذيات. قوله: (وللبنت الواحدة: النصف) لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١]. قوله: (وللثنتين فصاعداً: الثلثان) وهو قول عامة الصحابة، وبه أخذ علماء الأمصار. وعن ابن عباس: أنه جعل حكم الثنتين منهم حكم الواحدة، فجعل لهما النصف.

стр. 408

قوله: (وكذا بنت الابن عند عدم بنت الصلب) أي بنت الابن عند عدم بنت الصلب إذا كانت واحدة: فلها النصف، وللاثنين فصعداً: الثلثان. قوله: (ولها) أي لبنت الابن واحدة كانت أو أكثر (مع بنت الصلب: السدس، تكملة للثلثين) لقول ابن مسعود في بنت وبنت ابن وأخت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة للثلثين، والباقي للأخت". وقوله: (تكملة للثلثين) دليل على أنهن يدخلن في لفظ الأولاد، لأن الله تعالى جعل للأولاد الإناث: ثلثين، فإذا أخذت الصلبية النصف: بقي منه السدس، فيعطى لها تكملة لذلك. فلولا أنهن دخلن في الأولاد، وفرضهن واحد: لما صار تكملة له، إلا أن الصلبية أقرب إلى الميت، فتقدم عليهن بالنصف، ودخولهن على أنه من عموم المجاز أو بالإجماع. والحاصل: أن لبنات الابن ستة أحوال: النصف: للواحدة، والثلثان: للاثنتين فصاعداً، والمقاسمة: مع ابن الابن، والسدس: مع الصلبية الواحدة، والسقوط بالابن وبالصلبيتين، إلا أن يكون معهن غلام، على ما يجيء بيانه إن شاء الله. قوله: (والأخت لأب وأم: لها النصف، وللثنتين فصاعداً: الثلثان) لقوله تعالى: ﴿قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦]. قوله: (والأخت لأب كذلك) أي الأخت لأب: كالأخت لأب وأم عند عدم الأخت لأب وأم، حتى يكون للواحدة: النصف، وللثنتين فصاعداً: الثلثان، ومع الإخوة لأب: للذكر مثل حظ الأنثيين. قوله: (ولها) أي للأخت لأب واحدة كانت أو أكثر (مع الأخت لأب وأم: السدس) تكملة للثلثين، ويسقطن: بالأختين لأب وأم، إلا أن يكون معهن أخ لأب: فيعصبهن، لما بينا.

стр. 409

قوله: (والأخت لأم كالأخ لأم) وذكورهم وإناثهم في الاستحقاق ولاقسمة سواء، حتى يكون للواحدة: السدس، وللأكثر: الثلث، لما بينا عند قوله: (والأخ لأم له السدس). قوله: (والزوجة لها الربع: عند عدم الولد وولد الابن) واحدة كانت أو أكثر، لقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢]. قوله: (والثمن) أي للزوجة الثمن: (مع أحد الولد وولد الابن) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢].

стр. 410

فصل هذا الفصل في بيان العصبات قوله: (العصبة قسمان: عصبة نسب وعصبة سبب). اعلم أن العصبة في اللغة: عبارة عن الإحاطة، ومنه: عصبة القلنسوة، سميت عصبة: لإحاطتها حوالي الرأس، وهذا المعنى موجود في هذا الباب، لأن العصبة تحرز جميع المال، إذا لم يكن معه صاحب فرض. والعصبة على نوعين: عصبة نسبية وعصبة سببية. (أما العصبة النسبية فثلاثة أصناف: الأول: عصبة بنفسه، والثاني: عصبة بغيره، والثالث: عصبة مع غيره). (أما العصبة بنفسه) فكل ذكر لا يدخل في نسبته إلى الميت أنثى، وهو معنى قول المصنف: (كل ذكر يدلي إلى الميت بمحض الذكور، وهم أربعة أصناف: جزء الميت) أي البنون، ثم بنوهم وإن سفلوا، (ثم أصل الميت) أي الأب، ثم الجد أب الأب وإن علا، (ثم جزء أبيه) أي الأخوة، ثم بنوهم وإن سفلوا (ثم جزء جده) أي الأعمام، ثم بنوهم وإن سفلوا. وقول المصنف: (كالأب وآبائه) إشارة إلى أصل الميت. قوله: (والابن وأبنائه) إشارة إلى جزء الميت. قوله: (والأخ لأب وأم أو لأب وأبنائهما) إشارة إلى جزء أب الميت، وقوله: (والعم لأب وأم أو لأب وأبنائهما) إشارة إلى جزء جد الميت. قوله: (والصنف الأول مقدم) وهو جزء الميت وهو الابن ثم ابنه وإن سفل، لأنه أقرب إليه من أصله وإن علا، وجزء أبيه وجزء جده. قوله: (ثم الثاني) وهو أصل الميت وهو الأب ثم أب الأب وإن علا. قوله: (ثم الثالث) وهو جزء أب الميت وهو الأخ لأب وأم، والأخ لأب وأبنائهما، وإنما قدموا على الأعمام، لأن الله تعالى جعل الإرث في الكلالة للأخوة عند عدم الولد والوالد.

стр. 411

قوله: (ثم الرابع) وهو جزء جد الميت وهو العم وعم الأب وعم الجد. قوله: (فإن اجتمع اثنان من صنف واحد: قدم أعلاهما درجة) وذلك مثل ما إذا اجتمع الابن وابن الابن: فالابن مقدم، وكذلك الأب والجد: فالأب مقدم، وكذلك الأخ وابن الأخ: فالأخ مقدم، وكذلك العم وابن العم: فالعم مقدم. قوله: (فإن استويا في الدرجة) يعني إن استوى الاثنان في الدرجة (قدم ذو الجهتين على ذي جهة واحدة) ذكراً كان أو أنثى، كالأخ لأب وأم، أو الأخت لأب وأم إذا صارت عصبة مع البنت: أحق من الأخ لأب، وابن الأخ لأب وأم: أحق من ابن الأخ لأب، وكذا الحكم في أعمام الميت، ثم أعمام أبيه، ثم في أعمام جده. قوله: (والعصبة بغيره: كل أنثى فرضها النصف: تصير عصبة بأخيها، فلا يفرض لها) يعني لا يقدر لها سهم (بل يكون المال بينهما) أي بين الأنثى التي فرضها النصف، وبين أخيها الذي صارت هي عصبة به. قوله: (وهي) أي الأنثى التي فرضها النصف (البنت وبنت الابن، والأخت لأب وأم، أو الأخت لأب). قوله: (ولا يعصب عصبة أخيه غير هؤلاء) أي غير هؤلاء المذكورات من النساء، كبنت الأخ مع ابن الأخ، وكالعمة مع العم، فإن المال كله للذكر دون الأنثى، لأن الأنثى من ذوي الأرحام، وذوو الأرحام يسقطون بالعصبة. قوله: (وعصبة مع غيره) أي العصبة مع غيره (كل أنثى تصير عصبة مع أنثى أخرى) كالأخوات لأب وأم أو لأب: تصير عصبة مع البنات وبنات الابن. فإن قلت: ما الفرق بين قوله: (والعصبة بغيره) وبين قوله: (والعصبة مع غيره)؟ قلت: إن "مع" قد تستعار للشرط، والباء: للسبب، فحصل الفرق بقوله "مع" وبغيره، بهذا المعنى فافهم. قوله: (وعصبة السبب: المعتق بكسر التاء ذكراً أو أنثى) لقوله ﵇: "اللواء لحمة كلحمة النسب" أي وصلة كوصلة النسب.

стр. 412

قوله: (وعصبته) يعني إذا لم توجد عصبة السبب وهو المعتق، تكون عصبة المعتق أحق بالميراث على الترتيب الذي ذكرنا، بأن يكون جزء المعتق أولى لميراث المعتق وإن سفل، ثم أصل المعتق وإن علا، ثم جزء أبيه، ثم جزء جده. ولا شيء للإناث من ورثة المعتق، كما إذا ترك ابن المعتق وبنته، أو أخ المعتق وأخته: المال كله للذكور دون الإناث، لقوله ﵇: "ليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن، أو أعتق من أعتقن، أو كاتبن، أو كاتب من كاتبن، أو دبرن، أو دبر من دبرن، أو جر ولاء معتقهن، أو معتق معتقهن". صورة الكتابة: أن تقول المرأة لعبدها: كاتبتك على ألف مثلاً، على أن تؤديني في ثلاث سنين: في كل سنة كذا، فإذا أدى المكاتب البدل: يعتق، وولاءه لها، ومكاتب المكاتب على هذا: فولاؤه لها إن لم يكن مكاتب المرأة حياً. وصورة التدبير: أن تقول المرأة لعبدها: إن مت فأنت حر، ثم ارتدت والعياذ بالله، ولحقت بدار الحرب، فقضى القاضي بلحاقها، فعتق مدبرها، ثم جاءت مسلمة، ثم مات المدبر: فولاؤه لها. وصورة مدبر المدرب: اشترى مدبر المرأة عبداً بعدما أعتق، ثم قال لعبده: إن مت فأنت حر، فمات: عتق مدبره، ثم مات مدبر المدبر: فولاؤه لها. وصورة جر ولاء المعتق: بأن تقول المرأة لعبدها: تزوج امرأة، فتزوج معتقة رجل، فولدت ولداً: فولاء الولد لمولى المعتقة ما دام العبد لم يعتق، فإذا عتق: جر ولاء ابنه إلى مولاه. وصورة معتق المعتق: امرأة لها عبد فأعتقت، فاشترى المعتق عبداً، ثم أذن لعبده أن يتزوج معتقة شخص، فولدت ولداً: فولاء ولدها لمولاه، فإذا أعتق المعتق عبده: جر ولاء ابنه إلى مولى مولاه: وهي المرأة التي أعتقت معتق المعتق. فافهم.

стр. 413

قوله: (وهو آخر العصبات) أي عصبة السبب آخر العصبات، لأن العصبة النسبية مقدمة عليها، فتكون آخر العصبات. قوله: (والعصبة يأخذ كل الأموال عند عدم صاحب الفرض) هذا حد العصبة شرعاً، أي العصبة من يأخذ جميع المال عند انفراده، ويأخذ ما أبقته أصحاب الفرائض عند وجودهم، فإن لم يبق شيء: سقط العصبة، لأنه إنما يأخذ شيئاً بعد أن استوفى صاحب الفرض فرضه، فإذا استوفى ولم يبق شيء: سقط.

стр. 414

فصل هذا الفصل في بيان الحجب ونحوه قوله: (ستة لا يسقطون بحال) أي بحال من الأحوال (وهم: الأبوان والزوجان، والابن والبنت) وهذا ظاهر. قوله: (ومن سواهم) أي ومن سوى هؤلاء الستة (من الورثة: فالأقرب منهم يحجب الأبعد) كالجد مع الأب، فإن الأب يحجب الجد حجب الحرمان. قوله: (وضابطه) أي ضابط الحجب (أن كل من انتسب إلى الميت بواسطة: لا يرث مع وجود تلك الواسطة) كما مر في صورة اجتماع الجد مع الأب، فإن انتساب الجد إلى الميت: بواسطة الأب، فلا يرث مع وجود تلك الواسطة: وهي الأب. قوله: (إلا الأخوات لأم) وهي أولاد الأم، فإنهم يرثون مع الأم، وإن كان انتسابهم بالواسطة: وهي الأم، لعدم استحقاق الأم جميع التركة. قوله: (وتسقط الأجداد بالأب) لما قلنا أن الأب واسطة، فيمنع من إرثهم. قوله: (والجدات من الجهتين بالأم) أي تسقط الجدات بالأم، سواء كانت من جهة الأم، أو ن جهة الأب، لأن الأم أصل في القرابة. قوله: (والأبويات خاصة بالأب) أي تسقط الأبويات من الجدات: بالأب إذا كان وارثاً، روي ذلك عن عثمان، وعلي، وسعد، والزبير،

стр. 415

وزيد بن ثابت، وبه أخذ جمهور العلماء. وروي عن عمر، وابن مسعود، وعمران بن حصين، وأبي موسى الأشعري: أنهم جعلوا لها السدس مع الأب. وبه أخذ طائفة من أهل العلم من التابعين وغيرهم. قوله: (وأولاد الابن) أي يسقط أولاد الابن (بالابن) لقرابة الابن. قوله: (والأخوات) أي تسقط الأخوات (بالابن وابن الابن وإن سفل، وبالأب والجد وإن علا) لما مر من الأصل. قوله: (وأولاد الأب) أي يسقط أولاد الأب (بهؤلاء) أي بالابن وابن الابن وإن سفل، وبالأب والجد وإن علا، وبالأخ لأب وأم أيضاً. قوله: (والبعدى من الجدات) أي تسقط البعدى من الجدات (من أي جهة كانت: بالقربى من أي جهة كانت) سواء كانت القربى وارثة أو محجوبة، كأم الأب تسقط أم أم الأم. وصورة كونها محجوبة: كأم الأب تحجب بالأب، ولكن تحجب أم أم الأم، لأنها قربى من أم أم الأم، والقرب من أسباب الترجيح. وإذا كانت جدة ذات قرابة واحدة: كأم أم الأب، والأخرى ذات قرابتين أو أكثر: كأم أم الأم، وهي أيضاً أم أب الأب: يقسم السدس بينهما أنصافاً باعتبار الأبدان عند

стр. 416

أبي يوسف، لأن المستحق للإرث: نفسهما، ونفسهما: اثنان، فيصير السدس بينهما أنصافاً. وعند محمد: أثلاثاً، لأن الجهة عنده بمنزلة جدة، فحينئذ تستحق الجدة التي لها جهتان: الثلثين، والجدة التي لها جهة واحدة: الثلث. صورته: امرأة زوجت بنت بنتها من ابن ابنها، فولد منهما ولد، فهذه المزوجة: أم أم أم الولد، وهي أيضاً: أم أب أب الولد، والجدة الأخرى: أم أم أب الولد، فإن تزوج هذا الولد بسبط لها آخر، فولد منهما ولد: صارت هذه المرأة جدة لهذا الولد الأخير من ثلاثة أوجه. فإن تزوج هذا الولد بسبط لها آخر، فولد منهما ولد: صارت هذه الجدة جدة لهذا الولد من أربعة أوجه. صورته: ميت مِ ت مِ ... ت مِ م م وقس الثاني على هذا. قوله: (وأولاد الأم) أي يسقط أولاد الأم (بالولد وولد الابن والأب والجد) لما مر من التعليل. قوله: (وإذا أخذت البنات الثلثين: سقطت بنات الابن) لأن إرثهن كان تكملة للثلثين، وقد كمل، فسقطن، إذا لا طريق لتوريثهما فرضاً وتعصيباً، إلا أن يكون معهن أو أسفل منهن ذكر، فيعصب من كان بحذائه ومن كانت فوقه ممن لم تكن ذات سهم. ثم الأصل في بنات الابن عند عدم بنات الصلب: أن أقربهن إلى الميت: ينزل منزلة البنت الصلبية، والتي تلتها في القرب منزلة: بنات الابن، وهكذا يفعل، وإن سفلن، مثاله: لو ترك ثلاثة بنات ابن بعضهن أسفل من بعض، وثلاث بنات ابن ابن آخر بعضهن أسفل من بعض، وثلاث بنات ابن ابن ابن آخر بهذه الصورة:

стр. 417

ميت ابن ابن ابن ابن بنت ابن ابن ابن بنت ابن بنت ابن ابن بنت ابن بنت ابن بنت ابن بنت ابن بنت فالعلياء من الفريق الأول: لا يوازيها أحد، فيكون لها النصف، والوسطى من الفريق الأول: يوازيها العليا من الفريق الثاني: فيكون لهما السدس، تكملة للثلثين، ولا شي للسفليات، إلا أن يكون مع صاحبة فرض، حتى لو كان الغلام مع السفلى من الفريق الأول: عصبها وعصب الوسطى من الفريق الثاني، والعليا من الفريق الثالث، وسقطت السفليات، ولو كان الغلام مع السفلى من الفريق الثاني: عصبها وعصب الوسطى منه، والوسطى والعليا من الفريق الثالث، والسفلى من الفريق الأول. ولو كان مع السفلى من الفريق الثالث: عصب الجميع غير أصحاب الفرائض. ولو كان الابن مع العليا من الفريق الأول: عصب أخته وسقطت البواقي، وبعد ذلك: الأصل في استحقاقهم: أن للعليا من الفريق الأول: النصف، لأنها قائمة مقام بنت الصلب، وللوسطى من الفريق الأول مع من يوازيها: السدس تكملة للثلثين. فصار في المسألة: نصف وسدس. فأصل المسألة من الستة، نصفها: ثلاثة للعليا من الفريق الأول، وسدسها: واحد للوسطى من الفريق الأول مع من يوازيها، فصار لهن أربعة أسهم، وبقي اثنان، فرد الاثنان عليهن بقدر حقوقهن. فعلمنا أن المسألة صارت ردية، فإذا كانت المسألة ردية: ينظر هل فيها من لا يرد عليه أم لا؟ فإذا لم يكن فيها من لا يرد عليه، ينظر: هل كان من يرد عليه من جنس واحد أو من جنسين؟

стр. 418

فإذا كان من يرد عليه من الجنسين، تجعل المسألة من سهامهم، ففي مسألتنا هذه من يرد عليه من جنسين، لأن في مسألتنا: العليا من الفريق الأول: قائم مقام بنت الصلب، والوسطى من الفريق الأول مع من يوازيها: قائمان مقام بنات الابن، فيصيران من الجنسين، فتجعل مسألتهن من سهامهن، فهي أربعة، فعلمنا أن هذه الساعة عمل الرد. وينظر بعد علمه بين سهامهن، ورؤوسهن إلى ثلاثة أحوال: الاستقامة، والموافقة، والمباينة. والاستقامة: أن ينقسم سهام كل فريق على رءوسهم بلا كسر. والموافقة: أن ينقص من الأكثر مقدار الأقل إلى أن يتساويا في الاثنين أو أكثر. والمباينة: أن ينقص من الأكثر مقدار الأقل إلى أن يتساويا في الواحد. وسهام العليا من الفريق الأول ثلاثة، ورأسها واحدة، فبين الثلاثة والواحدة، استقامة، فلا حاجة إلى الضرب. وسهم الوسطى من الفريق الأول مع من يوازيها: واحدة، ورؤوسهما: اثنان، فبين الواحدة والاثنين مباينة. فإذا كان بين سهامهم ورؤوسهم مباينة، وأيضاً الكسر على طائفة، فالحكم فيها: أن يضرب كل عدد رءوسهم في أصل المسألة، ففي مسألتنا، رؤوس من انكسر عليهم، اثنان، فيضرب في أصل المسألة وهو أربعة، فيصير ثمانية، وتسمى الثمانية: النفيح والمبلغ، والاثنان: المضروب، والأربعة: أصل المسألة. ثم لابد من أن يعرف نصيب كل فريق، ونصيب كل فرد من كل فريق، وطريق معرفة تنصيب كل فريق: أن يضرب سهم كل فريق من أصل المسألة في المضروب، فالمبلغ نصيب ذلك الفريق. ففي مسألتنا: للعليا من الفريق الأول من أصل المسألة: النصف، وهو ثلاثة، فيضرب في المضروب وهو اثنان: فيصير ستة، وللوسطى مع من يوازيها، سدس وهو واحد، فيضرب في المضروب وهو اثنان، فيصير اثنين. وطريق معرفة نصيب كل فرد من كل فريق: أن ينسب سهام كل فريق من أصل المسألة على عدد رؤوسهم، فيعطى تلك النسبة.

стр. 419

ففي مسألتنا: سهام العليا من الفريق الأول: ثلاثة، ورأسها واحدة، فبين الثلاثة والواحدة: ثلاثة أمثال، فيعطى من المضروب ثلاثة أمثال وهي ستة، وسهام الوسطى من الفريق الأول مع من يوازيها: واحد، وهو بالنسبة إلى رءوسهم: نصف، فيعطى نصف المضروب وهو واحد. قوله: (وإذا أخذت الأخوات لأب وأم الثلثين: سقطت الأخوات لأب) قد مر أن الأخوات لأب وأم للواحدة منهن: نصف، وللثنتين فصاعداً: الثلثان، فإذا أخذت الثلثيين: سقطت الأخوات لأب، إلا أن يكون معهن أخ لأب: فيعصبهن، كما في بنات الابن. قوله: (والمحجوب يحجب) كالأخوين مع الأب والأم: لا يرثان مع الأب، ولكن يحجبان الأم من الثلث إلى السدس، وذلك لأن إرث الإخوة مشروطة بالكلالة، وإرث الأم: الثلث، مشروط بعدم الاثنين من الأخوة. قوله: (والمحروم لا يحجب) أي المحروم عن الإرث بسبب الرقية، أو القتل مباشرة، أو اختلاف الدارين، أو الدار: لا يحجب، وعند ابن مسعود "يحجب حجب النقصان" ينقص نصيب الزوجين والأم بالوالد المحروم. قوله: (وأسباب الحرمان أربعة: الرق) أي أحدهما الرق، كاملاً كان أو ناقصاً، والمراد من الرق الكامل: ما لم يتوجه إليه جهة العتق، والناقص عكسه، وهو أربعة عند أبي حنيفة: المكاتب والمدبر، وأم الولد، والذي أعتق بعضه. والدليل على منع الرق من الإرث قوله ﵇: "العبد لا يملك إلا الطلاق" فالنفي يعم كل شيء إلا الطلاق: فلا يملك شيئاً، فيحرم.

стр. 420

قوله: (والقتل) أي الثاني من الموانع: القتل الذي يتعلق به وجوب القصاص والكفارة، لقوله ﵇: "لا يورث القاتل بعد صاحب البقرة". وهو الذي قتل عمه في زمن موسى ﵇، والقتل الخطأ، والقتل بالسبب: لا يمنعان. قوله: (واختلف الدينين) أي الثالث من الموانع: اختلاف الدينين، لقوله ﵇: "لا يرث المسلم من الكافر". قوله: (واختلاف الدارين) أي الرابع من الموانع: اختلاف الدارين حقيقة وحكماً. اعلم أن الدار نوعان: دار الإسلام ودار الكفر، والاختلاف أيضاً نوعان: اختلاف حقيقة: مثل أن يكون كل واحد في داره. واختلاف حكماً: مثل أن يكون كلاهما في دار واحدة، ولكن في قصد أحدهما الانتقال إلى داره. صورة اختلاف الدار حقيقة: كالحربي والذمي الحربي في دار الحرب، والذمي في دار الإسلام، إذا مات أحدهما: لا يرث الآخر، بسبب اختلاف الدار حقيقة. وصورة اختلاف الدار حكماً: كالمستأمن والذمي، فإن كليهما مجتمعان في دار واحدة، ولكن من قصد المستأمن: الانتقال إلى دار الحرب، فسمي بذلك اختلافاً حكماً، فلو مات أحدهما: لا ميراث للآخر.

стр. 421

فصل هذا الفصل في بيان ذوي الأرحام قوله: (وذو الرحم: كل قريب ليس صاحب فرض ولا عصبة). هذا تعريف ذي الرحم على اصطلاح الفرضيين، وفي الحقيقة: الوارث لا يخرج من أن يكون ذا رحم. اختلفت الصحابة في توريث ذوي الأرحام. فقال عامتهم: يرثون، وبه أخذ أصحابنا. وقال زيد بن ثابت: لا يرثون، وبه قال الشافعي ومالك. ولنا: ما روي عن ابن عباس ﵁ "أن النبي ﷺ آخى بين الصحابة، فكانوا يتوارثون بذلك، حتى نزلت: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]. فتوارثوا بالنسب".

стр. 422

وعن المقدام بن معد يكرب: عن النبي ﵇ قال: "من ترك مالاً فلورثته، وأنا وارث من لا وارث له، أعقل عنه وأرثه، والخال وارث من لا وارث له، يعقل عنه ويرثه" رواه أحمد وأبو داود وغيرهما. وحين مات ثابت بن الدحداح، وكان غريباً أتياً لا يعرف من أين هو، قال رسول الله ﷺ لعاصم بن عدي: "هل تعرفون له فيكم نسباً؟ " قال: لا يا رسول الله، فدعى رسول الله ﷺ أبا لبابة بن المنذر ابن أخته فأعطاه ميراثه. وعن أبي أمامة بن سهل: أن رجلاً رمى رجلاً بسهم فقتله، وليس له وارث إلا

стр. 423

خال، فكتب في ذلك أبو عبيدة إلى عمر، فكتب عمر أن النبي ﷺ قال: "الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له" وقال الترمذي: حديث حسن. وقال الطحاوي: هذه آثار متصلة قد تواترت عن النبي ﷺ ، وعلى هذا كانت الصحابة. قوله: (وهم) أي ذو الأرحام (أصناف أربعة: الصنف الأول: ينسب إلى الميت) وهم: أولاد البنات، وأولاد بنات الابن وإن سفلوا وأقلهم من ذكر وأنثى: يتصور أربعة (والصنف الثاني: ينتمي إليهم الميت) وهم: الأجداد الساقطون، والجدات الساقطات من قبل الأم والأب. وأقلهم من ذكر وأنثى: يصير أربعة (والصنف الثالث: ينتمي إلى أبوي الميت) وهم: أولاد الأخوات، وبنات الأخوة، وبنو الأخوة لأم، وأقلهم من ذكر وأنثى: يصير عشرة (والصنف الرابع: ينتمي إلى جدي الميت وجدتيه) وهم العمات والأعمام لأم، والأخوال والخالات، وأقلهم: يكون عشرة، لكل واحد منهم ولد من ذكر، فيصير عشرين، وأيضاً: البنتان للعمين لأب وأم، فيصير مجموعهم: اثنين وثلاثين، ومجموع ذوي الأرحام على هذا الطريق: يكون خمسين. وإلى هذه الأصناف الأربعة أشار المصنف بقوله: (الصنف الأول) إلى آخره. قوله: (والجد الفاسد) إلى آخره، تعريف الجد الفاسد والجدة الفاسدة.

стр. 424

قوله: (بنات الأخوة مطلقاً) يعني سواء كانت الأخوة لأب وأم، أو لأب أو لأم، وكذلك معنى قوله: (وأولاد الأخوات مطلقاً). قوله: (وكل تفرع منهم) أي من هذه الأصناف الأربعة (ذوو الأرحام) ومجموع ذوي الأرحام بالتفريع: يلحق خمسين نفراً كما مر. قوله: (ولا يرثون) أي ذوو الأرحام لا يرثون (إلا إذا لم يكن للميت صاحب فرض من أصحاب الفروض المذكورة غير الزوجين) حاصل كلامه: أن ذوي الأرحام لا يرثون مع صاحب الفرض والعصبة سوى الزوجين، لعدم الرد عليهما، لأن العصبة أولى منه، وكذا الرد على ذوي السهام أولى من ذوي الأرحام، لأنهم أقرب إلى الزوجين، فإنهما لا قرابة لهما مع الميت، وإرثهما نظير الدين، فإن صاحب الدين لا يرد عليه ما فضل من فرضهما. قوله: (ولا عصبة) عطف على قوله: (صاحب فرض). قوله: (ويقدم الصنف الأول) وهم: أولاد البنات، وأولاد بنات الابن وإن سفلوا (وأولاهم بالميراث: أقربهم إلى الميت) كبنت البنت أولى من بنت بنت الابن. ميت بنت ابن بنت بنت بنت أولى محجوبة وإن سفلوا في القرب: فولد الوارث أولى من ولد ذوي الأرحام. كبنت بنت الابن أولى من ابن بنت البنت. ميت ابن بنت بنت بنت بنت ابن أولى محجوب

стр. 425

وإن استوت درجاتهم وليس فيهم ولد وارث، أو كان كلهم أولاد الوارث: فعند أبي يوسف والحسن: تعتبر أبدان الفروع، سواء كانت صفة الأصول متفقة في الذكورة والأنوثة، أو مختلفة، ومحمد يعتبر أبدان الفروع، فيما إذا كان صفة الأصول متفقة موافقاً لها، وإن كانت صفة الأول مختلفة: يقسم المال على أولى بطن اختلف، ويعطى الفروع ميراث الأصول. صورة اتفاق الصفة: كبنت البنت وابن البنت: ميت بنت بنت بالإجماع بنت١ ابن ٢ وصورة اختلاف الصفة: كبنت ابن البنت وابن بنت البنت. ميت بنت ... بنت هند أبي يوسفابن ... بنت هند محمد ٢بنت ... ابن قوله: (ثم الثاني) أي ثم يقدم الصنف الثاني (فالحكم فيه كالحكم في الأول) أعني: أولاهم بالميراث أقربهم إلى الميت، فإن استووا: فمن يدلي بوارث: فهو أولى عند أبي سهل الفرضي، وأبي فضل الخفاف، وعلي بن عيسى البصري، ولا تفضيل له عند أبي سليمان الجوزجاني وأبي علي البستي.
следующие страницы →