← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13785

الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات

عثمان ابن جامع

Полный текст (2 242 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

(كِتَابُ الجِنَايَاتِ) جمع جنايَةٍ وهي لغةً: التَّعدِّي على نفسٍ أو مالٍ (١). وشرعًا: التعدي على البدن بما يوجب قصاصًا أو مالًا (٢) وتسمى الجناية على المال غصبًا وسرقةً وخيانةً (٣) وإتلافًا ونهبًا. وأجمعوا على تحريم القتل بغير حق (٤)، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الآية (٥) وحديث ابن مسعود مرفوعًا: "لا يحل دم امرئٍ مسلمٍ يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" متفق عليه (٦). فمن قتل مؤمنًا متعمدًا فسق وأمره إلى اللَّه تعالى، وتوبته مقبولة عند أكثر أهل

стр. 1647

العلم (١)، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢)، والآية محمولة على من قتله مستحلا ولم يتب، أو أن هذا جزاؤه إن جازاه اللَّه وله العفو إن شاء، والأخبار لا يدخلها النسخ بل التخصيص والتأويل. و(القَتْلُ) -أي فعل ما تزهق به النفس أي تفارق الروح [البدن] (٣) - ثلاثة أصناف: - أحدها: (عَمْدٌ) يختص القَوَدُ به فلا يثبت في غيره، والقَوَدُ: قتل القاتل بمن قتله (٤)، مأخوذ من قود الدابة؛ لأنه يقاد إلى القتل بمن قتله. (و) الصنف الثاني: (شِبْهُ عَمْدٍ) ويقال: خَطَأ العمدِ، وعَمْدُ الخطأ.

стр. 1648

(و) الصنف الثالث: (خطأ)، وهذا تقسيم أكثر أهل العلم (١)، وروي عن عمر (٢) وعلي (٣). ويدل لثبوت شبه العمد حديث ابن عمرو مرفوعا: "ألا إن دية الخطأ شبه (٤)

стр. 1649

العمد: ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها" رواه أبو داود (١). (فالعَمْدُ يختصُّ القَوَدُ به، وهو: أَنْ يَقْصِدَ) الجاني (مَنْ يَعْلَمُهُ آدميًّا مَعْصُومًا فيَقْتُلَهُ بما) أي بشيء (يَغْلُبُ على الظَّنِّ مَوتُهُ بِهِ) (٢) محددًا كان أو غيره، فلا قصاص إن لم يقصد القتل، أو قصده بما لا يقتل غالبًا. وللعمد الذي يختص القود به تسع صور بالاستقراء، ذكر إحداها بقوله: (كجَرْحِهِ بما لَهُ نُفُوذٌ) أي دخولٌ (في البَدَنِ) من حديدٍ كسكينٍ وسيفٍ وحربةٍ، أو من غيره كشوكةٍ وخشبٍ وقصبٍ وعظمٍ، وكذا نحاسٍ وذهبٍ وفضةٍ ونحوه، فإذا جرحه فمات به فعمد ولو كان جرحه صغيرًا، كَشَرْطَةِ (٣) حجام فمات به ولو طالت به علته ولا علة به غيره، أو كان في غير مقتل كطرف فالمحدد لا يعتبر

стр. 1650

فيه غلبة الظن في حصول القتل به، بدليل [ما] (١) لو قطع شحمة أذنه أو أنملته فمات، وربطا للحكم بكونه محددا لتعذر ضبطه بغلبة الظن، ولا يعتبر ظهور الحكم في آحاد صور المظنة بل يكفى احتمال الحكمة، ومن قطع أو بط سلعة (٢) خطرة من مكلف بلا إذنه فمات فعليه القود لتعديه بجرحه بلا إذنه. (و) الثانية: (ضربه بحجر كبير) أو بمثقل كبير فوق عمود الفسطاط لا بمثقل كبير كهو (٣) نصا (٤)، وهو الخشبة التي يقوم عليها بيت الشعر، لأنه ﷺ سئل عن المرأة التي ضربت جارتها بعمود الفسطاط فقتلتها وجنينها، "فقضى في الجنين بغرة (٥)، وقضى بدية المرأة على عاقلتها" (٦)، والعاقلة لا تحمل العمد فدل على أن

стр. 1651

القتل به ليس بعمد، وضربه بما يغلب على الظن موته به من كُوْذَيْنِ: وهو ما يدق به الثياب، وسَنْدَانِ حداد (١) ونحو ذلك ولو كان ضربه بذلك (٢) في غير مقتل فيموت فَيُقَاد به لأنه يقتل غالبًا فيتناوله عموم قوله تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظلُومًا فَقَد جَعَلنَا لِوَليِّهِ سُلطانًا﴾ (٣)، ولحديث أنسٍ: "أن يهوديًا قتل جارية على أوْضَاحٍ (٤) لها بحَجَرٍ، فقتله رسول اللَّه ﷺ " متفق عليه (٥)، ولأن المثقل الكبير يقتل غالبا أشبه المحدد، وأما حديث: "ألا إن في قتيل عمد الخطأ قتيل [عمد] (٦) السوط والعصا والحجر مائة من الإبل" (٧) فالمراد الحجر الصغير جمعا بين

стр. 1652

الأخبار، ولأنه قرنه بالعصا والسوط فدل على أنه أراد ما يشبههما. أو يضربه في مقتل بمثقل دون [ما تقدم] (١)، أو يضربه في حال ضعف قُوَّةٍ من مَرضٍ أو صِغَرٍ أو كِبَرٍ أو حَرٍّ أو بَرْدٍ بحجر صغير فيموت، أو يُعِيْدُ الضرب بما لا يقتل غالبا حتى يموت، أو يُلْقِيْ عليه حائطًا أو سقفًا ونحوهما مما يقتل غالبًا، أو يُلقيه من شاهقٍ فيموت ففيه كله القود؛ لأنه يقتل غالبًا، وإن قال: لم أقصد قتله بذلك لم يصدق لأنه خلاف الظاهر. الصُّورة الثالثة: أن يلقيه بزُبْيَةِ أسد -بضم الزاي- أي حفرته، أو زُبْيَة ذئبٍ أو غيره (٢) فيقتله، أو يلقيه مكتوفًا بفضاءٍ بحضرة ذلك، أو يلقيه في مضيق بحضرة حيَّةٍ، أو ينهشه كلبًا أو حيَّةً، أو يُلسعه عقربًا من القواتل غالبًا، فيموت فيقتل به؛ لأنه مما يقتل غالبًا. الصورة الرابعة: أن يلقيه في ماء يغرقه، أو نار، ولا يمكنه التخلص منهما، [لكثرتهما] (٣) أو عجزه عنه لمرضه ونحوه، أو لكونه مربوطا أو ألقاه في حفرة لا يقدرعلى صعود منها فيموت فيقتل به لا تقدم. الصورة الخامسة: أن يخنقه بحبل أو غيره، أو يسد فمه أو أنفه، أو يعصر خصيته زمنا يموت في مثله غالبا فيموت، فيقتل به لما سبق.

стр. 1653

الصورة السادسة: أن يحبسه ويمنعه الطعام والشراب فيموت جوعًا أو عطشًا لزمنٍ يموت فيه من ذلك غالبًا، فيُقَاد (١) به بشرط تعذر الطلب (٢). الصورة السابعة: أن يسقيه سُمًّا يقتل غالبًا لا يعلم به شاربه، أو يخلطه بطعامٍ ويطعمه لمن لا يعلم فيموت، فيُقَادُ به كما لو قتله بمُحَدَّدٍ. الصورة الثامنة: أن يقتله بسحر يقتل غالبًا فيقتل به لأنه يقتل غالبًا، وقال ابن البناء (٣): "يقتل حدًّا، وتجب دية المقتول في تركته"، وصحّحه في "لإنصاف" (٤) وجزم به في "الإقناع" (٥). الصورة التاسعة: أن يشهد رجلان على شخصٍ بقتل عمد أو ردَّةٍ حيث امتنعت توبته، أو يشهد أربعة بزنا محصن فيقتل بشهادتهم، ثم ترجع البينة وتقول: عمدنا قتله، أو يقول الحاكم: علمت كذبهما أو كذبهم وعمدت

стр. 1654

قتله، فيقاد بذلك كله وشبهه بشرطه، لما روى القاسم بن عبد الرحمن (١): "أن رجلين شهدا عند عليِّ بن أبي طالب ﵁ على رجلٍ أنه سرق فقطعه، ثم رجعا عن شهادتهما، فقال: لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعتُ أيديكما، وغَرَّمَهُما دية يده" (٢). ولا قود على بينة ولا على حاكم مع مباشرة ولي عالم بالحال لمباشرته القتل عدوانًا، وغيره متسبب، والمباشرة تبطل حكم التَّسبب ويختص بالقصاص إذا لم يباشر الولي القتل [بل وَكَّلَ] (٣) مباشر عالم لمباشرته القتل عمدا ظلما بلا إكراه، فإن لم يعلم ذلك فولي أقر بعلمه بكذب الشهود وفساد الحكم بالقتل، فإن جهل الولي ذلك فَبَينةٌ وحاكم عُلِمَ كذبهما لتسبب الجميع في القتل ظلمًا حيث علموا ذلك، ومتى لزمت حاكم وبينة دية كإن عفا الولي إلى الدية فهي على عددهم لاستوائهم في السبب. (وشِبْهُ العَمْدِ) المسمى بخطأ العمد وعمد الخطأ: (أَنْ يَقْصِدَ جِنَايةً لا تَقْتُلُ غَالبًا

стр. 1655

ولم يجرحه بها) (١) أي الجناية، (كضرب) شخص (بسوط أو عصا) أو حجر صغير إلا أن يصغر كثيرا كقلم وإصبع، في غير مقتل، أو يمسه بالكبير بلا ضرب فلا قصاص، أو لكز غيره بيده في غير مقتل، أو ألقاه في ماء قليل، أو سحره بما لا يقتل غالبا فمات، أو صاح بعاقل اغتفله، أو بصغير أو معتوه على نحو سطح فسقط فمات، أو ذهب عقله ونحوه ففيه الكفارة في مال جان لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٢)، والخطأ موجود في هذه الصور لأنه لم يقصد قتله بفعله ذلك، وفيه الدية على عاقلته لقوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ وحديث أبي هريرة: "اقتتلت امرأتان من هذيل (٣)، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فقضى النبي ﷺ أن دية جنينها عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها"، متفق

стр. 1656

عليه (١)، فإن صاح بمكلَّفٍ لم يَغْتَفِلُه فلا شيء عليه مات أو ذهب عقله. (والخَطَأُ) ضربان: - ضرب منهما في القصد وهو نوعان: - أحدهما: أن يرمي ما يظنه صيدًا فيقتل إنسانًا، أو يرمي من يظنه مباح الدم كمرتد فيبين ما ظنه صيدا آدميًّا معصومًا، أو يبين من ظنه مباح الدم معصومًا، أو يفعل ما له فعله كقطع لحم فيقتل إنسانًا، ففي ماله الكفارة، وعلى عاقلته الدية لما سبق. النوع الثاني: أن يقتل بدار حرب من يظنه حربيًّا فيبين مسلمًا، أو يقتل بصف كفار من يظنه حربيًّا فيبين مسلمًا. قال الشيخ تقي الدين: "إن كان مقدورًا عليه كأسير ومن لا يمكنه الخروج من صفهم، فإن وقف باختياره لم يضمن بحال" انتهى (٢). أو يرمي كفارا تَتَرَّسُوْا بمسلم ويجب رميهم حيث خيف على المسلمين إن لم يرمهم (٣) فيقصدهم بالرمي دون المسلم فيقتله ففيه الكفارة فقط، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٤)

стр. 1657

ولم يذكر الدية، وترك ذكرها في هذا النوع مع ذكرها فيما قبله وبعده ظاهر في عدم وجوبها فيه. الضرب الثاني من ضربي الخطأ: خطأ في الفعل وهو (أن يفعل ما) أي شيء (له فعله كرمي صيد ونحوه) كهدف (فيصيب آدميا) معصوما لم يقصده، أو ينقلب وهو نائم أو مغمى عليه على إنسان فيموت فعليه الكفارة في ماله، وعلى عاقلته الدية كسائر أنواع الخطأ. (وعمد صبي و) عمد (مجنون) للقتل (خطأ) أي كخطأ المكلف؛ لأنه لا قصد لهما بخلاف السكران اختيارا. ومن قتل بسبب كحفر بئر ونصب سكين أو حجر ونحوه تعديا إن قصد جناية فشبه عمد؛ لأنه بالنظر إلى القصد كالعمد، وبالنظر إلى عدم المباشرة خطأ، وإلا يقصد جناية فهو خطأ لعدم قصد الجناية، وإمساك الحية محرم وجناية؛ لأنه ألقى بنفسه إلى التهلكة، فلو قتلت ممسكها من مدعي المشيخة، ونحوه فهو قاتل نفسه، قلت: فعلى هذا لا يصلي عليه الإمام الأعظم ولا القاضي؛ لأن النبي ﷺ امتنع عن الصلاة على الشخص الذي قتل نفسه بمشاقص (١) كما رواه مسلم (٢).

стр. 1658

ومن أريد قتله قودًا ببينة بالقتل لا بإقراره فقال شخص: أنا القاتل لا هذا فلا قود على واحدٍ منهما، وعلى مُقِرٍّ الدية لقول علي: "أحيا نفسًا" (١) ولزوم الدية له لصحة بذلها منه، ولو أقر الثاني بعد إقرار الأول قتل الأول لعدم التهمة ومصادفته الدعوى. (وَيُقْتَل عَدَدٌ) أي ما فوق الواحد (بوَاحِدٍ) قتلوه إن صح فعل كل للقتل به بأن كان فعل كل منهم لو انفرد لوجب به القصاص لإجماع الصحابة، فروى سعيد ابن المسيب عن عمر أنه قتل سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلًا وقال: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعًا" (٢)، وعن عليٍّ: "أنه قتل

стр. 1659

ثلاثةً قَتلوا رجلًا" (١) وعن ابن عباس: "أنه قتل جماعة قتلوا واحدًا" (٢) ولم يعرف لهم مخالف فكان إجماعًا (٣)، ولأن القتل عقوبة تجب للواحد على الواحد فوجبت على الجماعة كحد القذف، ويفارق الدية فإنها تتبعض والقصاص لا يتبعض. وللولي أن يقتص من البعض ويعفو عن البعض، فيأخذ منه بنسبته [من الدية] (٤) وإلَّا (٥) يصلح فعل كل واحد للقتل به ولا تواطؤ بأن ضربه كل منهم

стр. 1660

بحجر صغير حتى مات ولم يكونوا اتفقوا على ذلك فلا قصاص؛ لأنه لم (١) يحصل ما يوجبه من واحد منهم، (ومَعَ عَفْوٍ) عن قودٍ، (تَجِبُ دِيَةٌ واحِدة)؛ لأن القتل واحد فلا يلزمهم أكثر من ديته كما [لو] (٢) قتلوه خطأ. وإن جرح واحد شخصًا جُرْحًا، وجرحه [آخر] (٣) مائة ومات، أو أوْضَحَه أحدهما، وشَجَّهُ الآخر أو أمَّه، أو جرحه أحدهما وأجَافَهُ (٤) الآخر فهما سواء في القصاص أو الدية، لصلاحية فعل كل منهما للقتل لو انفرد، وإن فعل واحد مالا تبقى معه حياة عادة كقطع حُشْوَتِهِ أو مَرِيْئِهِ أو وَدَجَيْه ثم ذبحه آخر فالقاتل هو الأول لفعله ما لا تبقى معه حياة شيئًا من الزَّمان، ويعزر الثاني كما لو جنى على ميت. وإن رماه الأول من شاهق فتلقاه الثاني بمُحَدَّدٍ فقده فهو القاتل؛ لأنه فوت حياته قبل أن يصير إلى حالة ييأس فيها من حياته، أشبه ما لو ألقى عليه صخرةً فأطار آخر رأسه قبل وقوعها عليه. (ومَنْ أَكْرَهَ مُكلَّفًا على قَتْلِ) شخص (مُعَيَّنٍ) ففعل فعلى كل منهما القود، (أَوْ) أكرهه (على أَنْ يُكْرِهَ عليه) -أي على قتل شخصٍ مُعَيَّنٍ- (فَفَعَلَ) -أي أكره من قتله- (فعلى كُلٍّ) من الثلاثة (القَوَدُ أَوْ الدِّيةُ)، أما الآمر فلتسببه إلى

стр. 1661

القتل بما يفضي إليه غالبًا كما لو أنهشه حيَّةً أو أسدًا أو رماه بسهم، وأما القاتل فلأنه غير مسلوب الاختيار؛ لأنه قصد استبقاء نفسه بقتل غيره ولا خلاف في أنه يأثم ولو كان مسلوب الاختيار لم يأثم كالمجنون. وإن أكْرِهَ على قتل غير معين كأحد هذين فليس إكراهًا فيقتل القاتل وحده. وإن قال قادر على ما هدد به: اقْتُلْ نَفسك وإلا قَتَلْتُكَ فهو إكراه على القتل فيُقْتَلُ به إن قتل نفسه كما لو أكرِهَ عليه غيره. (وَإِنْ أمَرَهُ بِهِ) أي القتل (غَيْرَ مُكَلَّفٍ) لصغير أو مجنون فقتل لزم القصاص الآمر لما تقدم، (أَوْ) أمر به (مَنْ) -أي شخصًا مكلفا- (يَجْهَلُ تَحْرِيْمَهُ) كمن نشأ بغير دار الإسلام فقتل لزم الآمر القصاص أجنبيا كان المأمور أو عبدًا للآمر؛ لأن المأمور غير العالم بحظر القتل له شبهة تمنع القصاص كما لو اعتقده صيدا، ولأن حكمة القصاص الردع والزجر ولا يحصل ذلك في معتقد الإباحة، وإذا لم يجب عليه القصاص وجب على الآمر. (أو) أمر به (سُلْطَانٌ ظُلمًا مَنْ جَهِلَ ظُلْمَهُ فِيْهِ) أي في القتل (لَزِمَ) القصاصُ (الآمِرَ) لعذر المأمور لوجوب طاعة الإمام في غير المعصية، والظاهر أن الإمام لا يأمر إلا بحق، وإن علم الامور المكلف تحريمه لزمه القصاص لأنه غير معذور في فعله، لحديث: "لا طاعة لِمَخلُوقٍ في معصية الخَالقِ" (١) وحديث: "مَنْ أمَرَكم

стр. 1662

من الوُلاة [بمعصية اللَّه] (١) فلا تطيعوه" (٢) وسواء كان الآمر السّلطان أو غيره. ومن دفع لغير مكلف آلة قَتْلٍ كسيف وسكين ولم يأمر بقتل فقتل لم يلزم الدافع شيءٌ لأنه لم يأمر بالقتل ولم يباشره. ومن قال لغيره: اقتلني ففعل فَهَدَرٌ، أو قال له: اجْرَحْنِيْ ففعل فَهَدَرٌ نصًّا (٣) لإذنه في الجناية عليه فسقط [حقه] (٤) منها كما لو أمره بإلقاء متاعه في البحر، قلت: والظاهر أن عليه الكفارة؛ لأنه فعل ما لا يحل للآمر فعله، فسقط عنه القود لإذن المقتول في ذلك، وبقي حق اللَّه تعالى في ذلك وهو الكفارة والتوبة ولم أقف في ذلك على نص واللَّه أعلم.

стр. 1663

فَصْلٌ ومن أمسك إنسانًا لآخر يعلم أنه يقتله حتى قتله، أو حتى قطع طرفه فمات، أو فتح فمه حتى سقاه آخر سما فمات قُتِلَ قَاتِلٌ لقتله عمدًا من يكافئه بغير حق، وحُبسَ ممسك حتى يموت، لحديث الدارقطني عن ابن عمر مرفوعًا: "إذا أمسك الرجل وقتله الآخر يُقتَلُ الذي قَتَلَ، ويُحبس الذي أمسك" (١)، ولأنه حبسه إلى الموت فيحبس الآخر إليه ولا يمنع من الطعام والشراب، فإن قتل الوَلِيُّ

стр. 1664

الممسك فقال القاضي: "عليه القصاص" وناقش فيه المجد، وصحّح سقوطه لشبهة الخلاف (١). ومن قطع طرف هارب من قتل فحبس حتى أدركه قاتله فقتله أقيد منه في الطرف الذي قطعه، سواء حبسه ليقتله الآخر أو لا، وهو فيما يجب عليه في النفس كممسك إنسانا لآخر حتى قتله؛ لأنه حبسه للقتل فكانه أمسكه حتى قتله، وإن لم يقصد حبسه فعليه القطع فقط، كمن أمسك إنسانا لآخر لا يعلم أنه يقتله بخلاف الجارح فلا يعتبر فيه قصد الموت لموته من سراية الجرح وأثره فاعتبر فيه قصد الجرح الذي هو السبب دون قصد الأثر، وأما مسألة الإمساك فالموت فيها بأمرٍ غير السراية، والفعل ممكن له، فاعتبر قصده لذلك الفعل كما لو أمسكه. وإن اشترك عدد في قتل لا يقاد به البعض لو انفرد كحُرٍّ وقِنٍّ اشتركا في قتل قن، وكأب وأجنبي اشتركا في قتل ولده، وكخاطئ وعامد ومكلف وغير مكلف، فالقود على القن شريك الحر، ومثله ذمي اشترك مع مسلم في قتل ذمي؛ لأن القصاص سقط عن الحر والمسلم لعدم مكافأة المقتول له، وهذا المعنى لا يتعدى إلى فعل شريكه فلم يسقط القصاص عنه، والقود أيضًا على شريك أب في قتل ولده لمشاركته في القتل العمد العدوان فيمن يقتل به لو انفرد، وإنما امتنع في حق الأب لمعنى يختص بالمحل (٢) لا لقصور في السبب الموجب فلا يمنع عمله في

стр. 1665

المحل الذي لا مانع فيه. ومثل الأب الأم والجد والجدة وإن علوا. وعلى حر شريك قن في قتل قن [نصف ديته، وفي قتل قن] (١) نصف قيمة القن المقتول لمشاركته في إتلافه فلزمه بقسطه، وعلى شريك غير قن وأب في قتل حر نصف ديته، وفي قتل [قنٍّ] (٢) نصف قيمته كالشريك في إتلاف مال. ومن جُرِحَ عمدًا فداوى جرحه بسم فمات فلا قود على جارحه لقتله نفسه، أشبه ما لو جرح فذبح نفسه، لكن إن أوجب الجرح قصاصا [استوفي وإلا] (٣) أخذ الوارث أرشه إن شاء لأن [الحق] (٤) له فيه دون غيره.

стр. 1666

(فَصْلٌ) في شُرُوْطِ وُجُوْبِ القِصَاصِ (وَللقِصَاصِ أَرْبَعَةُ شُروطٍ) بالاستقراء: - أحدها: (تكليف قاتل) بأن يكون بالغا عاقلا قاصدا؛ لأن القصاص عقوبة مغلظة فلا تجب على غير مكلف كصغير ومجنون ومعتوه؛ لأنهم ليس لهم قصد صحيح كقاتل خطأ، وإن قال جان: كنت حين الجناية صغيرا، وقال ولي الجناية: بل مكلفا وأقاما بينتين تعارضتا، وإن لم يحصل بينة فالقول قول الصغير حيث أمكن. (و) الثاني من الشروط: (عصمة مقتول) ولو كان مستحقا دمه (١) بقتل لغير قاتله؛ لأنه لا سبب فيه يبيح دمه لغير مستحقه، فالقاتل لحربي لا قود ولا دية عليه، أو القاتل لمرتد -قبل توبته إن قبلت ظاهرا- لا قود ولا دية عليه بخلاف القاتل له بعد توبته المقبولة؛ لأنه معصوم، والقاتل لزان محصن ولو قبل ثبوته عند حاكم إذا ثبت أنه زنى محصنا بعد قتله لوجود الصفة التي أباحت دمه، قبل الثبوت وبعده على السواء، وإنما يظهر ذلك للحاكم بالبينة فلا قود ولا دية عليه ولو أن القاتل مثله في عدم العصمة بأن يقتل حربي حربيا أو مرتد مرتدا أو زان محصن زانيا (٢) محصنا، ويعزر قاتل غير معصوم لافتياته على ولي الأمر.

стр. 1667

(و) الشرط الثالث: (مُكَافَأتهُ) أي المقتول (لقَاتِلٍ) حال جنايةٍ لأنه وقت انعقاد السبب، والمكافأة بأنـ[لان] (١) لا يفضله قاتله (بدِيْنٍ) أ (و) بـ (حُريةٍ) أو بملك. فيقتل مسلم حر وعبد بمثله في الإسلام والحرية والرق ولو مجدع الأطراف معدم الحواس والقاتل صحيح سوي الخلق وعكسه، وكذا لو تفاوتا في العلم والشرف والغنى والفقر والصحة والمرض ونحوها. ويقتل ذمي حر وعبد بمثله ومستأمن من حرٍّ أو عبد بمثله للمساواة، ويقتل كتابي بمجوسي، ويقتل ذمي بمستأمن وعكسهما، ويقتل كافر غير حربي جنى ثم أسلم بمسلم للمكافأة. ويقتل قن بحر وبقن ولو كان القن المقتول أقل قيمة منه لعموم قوله تعالى: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ (٢) ولا أثر لكون أحدهما مكاتبًا أو مدبرًا أو أم ولد والآخر ليس كذلك، للتساوي في النفس والرق. ويقتل من بعضه حر بمثله وبأقل حرية منه. ويقتل مكلف بغير مكلف للتساوي في النفس والحرية والرق، ويقتل ذكر بأنثى وبخنثى، ولا يعطى للذكر نصف دية إذا قُتِلَ بالأنثى وعكسها للمساواة في النفس والحرية والرق. ولا يقتل مسلم ولو ارتدَّ بعد القتل بكافر كتابي أو غيره ذمي أو معاهد، روي

стр. 1668

عن عمر (١) وعثمان (٢) وعلي (٣) وزيد بن ثابت (٤) ومعاوية (٥) لحديث: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، لا يقتل مؤمن بكافر" رواه أحمد وأبو داود (٦)، وفي لفظ: "لا يقتل مسلم بكافر" رواه البخاري (٧)، وعن

стр. 1669

علي: "من السنة أن لا يقتل مؤمن بكافر" رواه أحمد (١)، ولأن القصاص يقتضي المساواة، ولا مساواة بين الكافر والمسلم والعمومات مخصصة بهذه الأحاديث، وحديث أنه ﵇: "أقاد مسلما بذمي" (٢) ليس له إسناد قاله

стр. 1670

أحمد (١)، ولا يقتل حر بقن لقول علي: "من السنة أن لا يقتل حر بعبد" رواه الدارقطني (٢) ولأنه لا يقطع طرفه بطرفه مع التساوي في السلامة فلا يقتل به حر، والعمومات مخصصة بذلك، وإن انتقض عهد ذمي بقتل مسلم حر وعبد فقتل لنقضه العهد فعليه دية الحر إن كان القتيل حرًا، وقيمة القن إن كان القتيل قنا كما لو مات حتف أنفه إذ لا مسقط لموجوب جنايته. وإن قتل ذمى أو مرتد ذميا، أو جرح ذمي أو مرتد ذميا، أو قتل أو جرح قنًا ثم أسلم الذمي القاتل أو الجارح، أو عتق القن القاتل أو الجارح ولو قبل موت مجروح قتل به نصًّا (٣)، لحصول الجناية بالجرح في حال تساويهما، كما لو جن قاتل أو جارح بعد الجناية. ولو جرح مسلم ذميا، أو جرح حر قنا فأسلم مجروح أو عتق قن ثم مات فلا قود على جارح اعتبارا بحال الجناية، وعليه دية حر مسلم اعتبارا بحال

стр. 1671

الزهوق؛ لأنه وقت استقرار الجناية فيعتبر الأرش به بدليل [ما] (١) لو قطع يدي إنسان ورجليه فسرى إلى نفسه ففيه دية واحدة، ويستحق دية من أسلم بعد الجرح وارثه المسلم لموته مسلما، ويستحق دية من عتق بعد جرح سيده إن كان قدر قيمته فأقل كاستحقاقه لقيمته لو لم يعتق لأنها بدله، فلو جاوزت ديته قيمته رقيقا فالزائد لورثته لحصوله بحريته، ولا حق للسيد في ما حصل بها إلا أن السيد يرثه بالولاء إن لم يكن مستغرقا من نسب ونكاح. ومن قتل من يعرفه أو يظنه كافرا أو رقيقا أو قاتل أبيه فبان تغير حاله بأن أسلم الكافر أو أعتق القن أو تبين خلاف ظنه بأن تبين أنه غير قاتل أبيه فعليه القود لقتله من يكافئه عمدا محضا بغير حق أشبه ما لو علم حاله. (و) الشرط الرابع: (عدم الولادة) بأن يكون المقتول ليس بولد القاتل وإن سفل، ولا بولد بنته وإن سفلت، فيقتل ولد باب وأم وجد وجدة لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ القِصَاصُ في القَتلَى﴾ (٢) وهو عام في كل قتيل، فخص منه صورتان بالنص ويقي ما عداهما، ولا يقتل أحدهما وإن علا بالنسب بالولد، أو ولد البنت وإن سفلا، لحديث عمر وابن عباس مرفوعا: "لا يقتل والد بولده" رواه ابن ماجة (٣)،

стр. 1672

وروى النسائي حديث عمر (١)، وقال ابن عبد البر (٢): "هو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق، مستفيض عندهم، يستغنى بشهرته وقبوله والعمل به عن الإسناد، حتى يكون الإسناد في مثله مع شهرته تكلُّفًا". ولأنه سبب إيجاده فلا ينبغي أن يسلط (٣) بسببه على إعدامه، ولو أن الولد أو البنت حُرٌّ مسلم والقاتل له من آبائه وأمهاته وإن علوا كافر أو قن لانتفاء القصاص لشرف الأبوة وهو موجود في

стр. 1673

كل حال، ويأخذ حر من أب وأم وجد وجدة قتل ولده وإن سفل بالدية كما تجب على الأجنبى في ماله قال في "الاختيارات" (١) "ونص عليه الإمام أحمد، وكذا لو جنى على طرفه لزمته ديته انتهى". وذكر في "الشرح" (٢) عن عمر ﵁: "أنه أخذ من قتادة المدلجي (٣) دية ابنه" (٤) ومتى ورث قاتل بعض دمه بوجود واسطة بينه وبين المقتول، أو ورث ولد القاتل بعد دمه فلا قود على قاتل؛ لأن القصاص لا يتبعض، ولا يتصور وجوبه للإنسان على نفسه ولا لولده عليه، فلو

стр. 1674

قتل شخص زوجته فورثها ولدها منه سقط القصاص؛ لأنه إذا لم يجب للولد على والده بجنايته عليه فلأن لا يجب بالجناية على غيره أولى، وسواء كان الولد ذكرا أو أنثى، أو كان للمقتول وارث سواه أو لا؛ لأنه إذا لم يثبت بعضه سقط كله لأنه لا يتبعض. أو قتل أخا زوجته فورثته، ثم ماتت فورثها القاتل بالزوجية، أو ورثها ولده سقط القصاص لما تقدم، وكذا لو قتلت أخا زوجها فورثه زوجها ثم مات فورثته هي أو ولدها، ومن قتل أباه وورثه أخواه، أو قتل أخاه فورثه أخواه، ثم قتل أحدهما صاحبه سقط القود عن القاتل الأول؛ لأنه ورث بعض دم نفسه. ومن قتل من لا يعرف بإسلام ولا حرية أو ملفوفا لا يعلم موته ولا حياته وادعى قاتل كفره أو رقه وأنكر وليه فالقود، ويحلف الولي لأنه محكوم بإسلامه بالدار، ولأن الأصل الحرية والرق طارئ. أو ادعى قاتل ملفوف موته وأنكر وليه فالقود (١)؛ لأن الأصل الحياة. أو قتل شخصا في داره وادعى أنه دخل لقتله، أو أخذ ماله فقتله دفاعا عن نفسه فالقود حيث لا بينة؛ لأن الأصل عدم [ذلك] (٢) ويؤيده ما روي عن علي أنه سئل عمن وجد مع امرأته رجلا فقتله فقال: "إن لم يأت بأربعة شهداء

стр. 1675

فليعط برمته" (١) فإن اعترف الولي بذلك فلا قصاص على قاتل ولا دية، لما [روي] (٢) عن عمر أنه كان يوما يتغدى، إذ جاء رجل يعدو وفي يده سيف ملطخ بالدم، ووراءه قوم يعدون خلفه، فجاء حتى جلس مع عمر، فجاء الآخرون فقالوا: يا أمير المؤمنين! إن هذا قتل صاحبنا، فقال له عمر: "ما تقول؟ قال: يا أمير المؤمنين! إني ضربت فخذي امرأتي فإن كان بينهما أحد فقد قتلته، فقال عمر: ما تقولون؟ قالوا: يا أمير المؤمنين! إنه ضرب بالسيف فوقع في وسط الرجل وفخذي المرأة، فأخذ عمر سيفه، فهزه ثم دفعه إليه" رواه سعيد (٣). أو تجارح اثنان وادعى كل الدفع عن نفسه فالقود على كل منهما للآخر بشرطه، أو الدية إن لم يجب قود، أو عفا مستحقه، ويصدق منكر منهما بيمينه؛ لأن الأصل عدم ما يدعيه الآخر، ومتى صدق الولي فلا قود ولا دية لما تقدم عن عمر، ولاعتراف الخصم بما يهدر دم القتيل. وإن اجتمع قوم بمحل فقتل بعض بعضا وجرح بعض بعضا وجهل الحال فعلى عاقلة المجروحين دية القتلى منهم يسقط منها أرش الجراح نص

стр. 1676

عليه (١) لروايته بإسناده إلى الشعبي قال: أشهد على [عليٍّ] (٢) أنه قضى به (٣).

стр. 1677

فصل فى استيفاء القصاص في النفس وما دونها وهو فعل مجني عليه أو وليه بجان مثل فعله أو شبهه (١). (ولاستيفائه) أي القصاص (ثلاثة) شروط: - أحدها: (تكليف مستحق له) لأن غير المكلف ليس أهلا للاستيفاء ولا تدخله النيابة لما يأتي، ومع صغر مستحق أو جنونه يحبس جان لبلوغ صغير أو إفاقة مجنون يستحقه؛ لأن معاوية حبس هدبة بن خشرم (٢) في قصاص حتى بلغ ابن القتيل (٣)، وكان في عصر الصحابة ولم ينكر، وبذل الحسن والحسين، وسعيد بن العاص (٤) لابن القتيل سبع ديات فلم يقبلها (٥) ولأن

стр. 1678

[في] (١) تخليته تضييعا للحق إذ لا يؤمن هربه، وأما المعسر بالدين فلا يحبس؛ لأن الدين لا يجب مع الإعسار بخلاف القصاص فإنه واجب وإنما تأخر لقصور المستوفي، وأيضا المعسر إذا حبس تعذر عليه الكسب لقضاء دينه فحبسه يضر بالجانبين وهنا الحق هو نفسه فيفوت بالتخلية. ولا يملك استيفاء القصاص لصغير ومجنون أب كوصي وحاكم إذ لا يحصل باستيفائهم التشفي للمستحق له فتفوت حكمة القصاص، فإن احتاجا لنفقة فلولي مجنون لا صغير العفو إلى الدية؛ لأن الجنون لا حد له ينتهي إليه عادة بخلاف الصغر، وإن قتل الصغير أو المجنون قاتل مورثهما أو قطعوا قاطعه قهرا سقط حقهما لاستيفائهما ما وجب لهما، كما لو كان بيده مال لهما فأخذاه منه قهرا فأتلفاه. (و) الشرط الثاني: (اتفاقهم) أي المشتركين في القصاص (عليه) أي على استيفائه، فليس لبعضهم استيفاؤه بدون إذن الباقين؛ لأنه يكون مستوفيا لحق غيره بلا إذنه، ولا ولاية عليه أشبه الدين. (و) الشرط الثالث: (أن يؤمن في استيفائه) أي القود (تعديه) أي الاستيفاء (إلى غير جان) لقوله تعالى: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ (٢)، فلو لزم القود حاملا لم تقتل حتى تضع، أو حائلا فحملت لم تقتل حتى تضع حملها أيضا؛ لأن قتلها

стр. 1679

إسراف لتعديه إلى حملها، وحتى تسقيه اللبأ (١)؛ لأن تركه يضر الولد وفي الغالب لا يعيش إلا به، ولابن ماجة عن معاذ بن جبل، وأبي عبيدة بن الجراح، وعبادة بن الصامت، وشداد بن أوس (٢) مرفوعا: "إذا قتلت المرأة عمدا لم تقتل حتى تضع ما في بطنها، وحتى تكفل ولدها" (٣) ولقوله ﷺ للغامدية (٤): "ارجعي حتى تضعي ما في بطنك، ثم قال لها: ارجعي حتى ترضعيه" (٥) ثم إن وجد من

стр. 1680

يرضعه بعد سقيها له اللبأ أعطي لمن يرضعه وأقيد منها لقيام غيرها مقامها في إرضاعه وتربيته فلا عذر، وإلا يوجد من يرضعه فلا يقاد منها حتى تفطمه لحولين كما تقدم، وتقاد حامل في طرف بمجرد وضع، ومتى ادعت الحمل وأمكن قبل قولها لأنه لا يعلم إلا من جهتها خصوصا في ابتداء الحمل، ولا يؤمن الخطر بتكذيبها وحبست لقود كما تقدم حتى يتبين أمرها في الحمل وعدمه، ومن اقتص من حامل فألقت جنينها ضمنه بالغرة إن ألقته ميتا أو حيا لوقت لا يعيش لمثله، وبديته إن وضعته حيا لوقت يعيش لمثله وبقي زمنا يسيرا ثم مات، ولا تحبس لحد بل تترك حتى يتبين أمرها. (ويحبس) جان (لقدوم) وارث (غائب وبلوغ) وارث صغير (و) لـ (إفاقة) وارث مجنون؛ لأنهم شركاء في القصاص فلا ينفرد به بعضهم كما لا ينفرد بالدية بخلاف قتل في محاربة لتحتمه لحق اللَّه تعالى، وبخلاف حد قذف فيقام إذا طلبه بعض الورثة حيث يورث لوجوبه لكل واحد من الورثة إذا طلبه كاملا. ومن لا وارث له يستوفي الإمام القصاص فيه بحكم الولاية لا بحكم الإرث، وإنما قتل الحسن ابن ملجم (١) كفرا؛ لأن من اعتقد حل ما حرم اللَّه

стр. 1681

كافر، وقيل: لسعيه في [الأرض] (١) بالفساد، ولذلك لم ينتظر به قدوم من غاب من الورثة. ومتى انفرد بالقصاص من منع منه عزر فقط لافتياته بالانفراد ولا قصاص عليه؛ لأنه شريك في الاستحقاق، ومنع من استيفاء حقه لعدم التجزؤ، فإذا استوفى وقع نصيبه قصاصا وبقيت الجناية على بعض النفس فيتعذر فيه القصاص، ولشريك مقتص من تركة جان حقه من الدية، ويرجع وارث جان على مقتص بما فوق حقه، فلو قتلت (٢) امرأة رجلا وله ابنان فقتلها أحدهما بغير إذن الآخر فلمن لم يأذن نصف دية أبيه في تركة المرأة القاتلة، ويرجع ورثتها على من اقتص منها ينصف ديتها. وإن عفا بعض مستحقي القصاص ولو كان زوجا أو زوجة، أو شهد بعضهم

стр. 1682

ولو مع فسقه بعفو شريكه سقط القود؛ لأنه لا يتبعض كما تقدم، وأحد الزوجين من جملة الورثة، ودخل في قوله ﷺ : "فأهله بين خيرتين" (١) بدليل قوله: "من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، وما علمت من أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي، يريد عائشة، وقال له أسامة بن زيد: أهلك ولا نعلم إلا خيرا" (٢) وعن زيد بن وهب (٣): أن عمر أتي برجل قتل قتيلا فجاء ورثة المقتول ليقتلوه فقالت امرأة المقتول وهي أخت القاتل: قد عفوت عن حقي، فقال عمر: "اللَّه أكبر عتق

стр. 1683

القتيل" رواه أبو داود (١)، وأما سقوطه بشهادة بعضهم ولو مع فسقه فلإقراره بسقوط نصيبه، وإذا أسقط بعضهم حقه سرى إلى الباقي كالعتق. ولمن لم يعف من الورثة حقه من الدية على جان سواء عفى شريكه مجانا أو إلى الدية؛ لأنها بدل عما فاته من القصاص كما لو ورث القاتل بعض دمه. ثم [إن] (٢) قتله عاف قتل ولو ادعى نسيانه أو جواز القتل بعد العفو، سواء عفى مجانا أو إلى مال لقوله تعالى: ﴿فَمَن اعْتَدَى بَعدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣) قال ابن عباس وغيره: "أي بعد أخذه الدية" (٤)، ولأنه قتل معصوما مكافئا. وكذا شريك (٥) علم بالعفو وبسقوط القود به ثم قتله فيقتل به، سواء حكم بالعفو أو لا، لقتله معصوما عالما أنه لا حق له فيه، والاختلاف لا يسقط القصاص، إذ لو قتل مسلما بكافر قتلناه به مع الاختلاف في قتله، ويستحق كل

стр. 1684

وارث للمقتول من القود بقدر إرثه من المال حتى الزوجين وذي الرحم؛ لأن القود حق ثبت للوارث على سبيل الإرث فوجب له بقدر ميراثه من المال. ومن لا وارث له فالإمام وليه في القود أو الدية؛ لأنه ولي من لا ولي له، له أن يقتص أو يعفو إلى مال فيفعل ما يراه الأصلح؛ لأنه وكيل المسلمين، ولا يعفو مجانا ولا على أقل من الدية؛ لأنها حق ثابت للمسلمين فلا يجوز له تركها ولا شيء منها؛ لأنه لا حظ للمسلمين فيه. (ويجب استيفاؤه) أي القود (بحضرة سلطان أو نائبه) لافتقاره إلى اجتهاد، ويحرم الحيف فيه ولا يؤمن مع قصد المقتص التشفي بالقصاص، وللإمام أو نائبه تعزير مخالف اقتص بغير حضوره لافتياته بفعل ما منع منه، ويقع فعله الموقع لأنه استوفى حقه. (و) يجب استيفاؤه (بآلة ماضية) أي غير كالة لحديث: "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة" (١) والاستيفاء بالكالة تعذيب للمقتول. ويخير ولي بين أن يباشر الاستيفاء ولو في طرف وبين أن يوكل من يستوفيه منه

стр. 1685

كسائر حقوقه، ومن له وليان فأكثر وأراد كل مباشرة الاستيفاء بنفسه قدم أحدهما بقرعة ووكله من بقي.
следующие страницы →