← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13785

الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات

عثمان ابن جامع

Полный текст (2 242 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

بذلته هي) أي بتسليم نفسها للزوج تسليما تاما، (أو وليها وجبت نفقتها) وكسوتها وتوابعهما (ولو مع صغره) -أي الزوج- (ومرضه وعنته وجبه) أي قطع ذكره بحيث لا يمكنه وطء أو مع تعذر وطئها لحيض أو نفاس أو رتق أو قرن، أو لكونها نضوة أو مريضة، أو حدث شيء من ذلك عنده لزمه نفقتها وكسوتها لعموم قوله ﵇ في حديث جابر: "ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (١)، ويجبر ولي مع صغر زوج على بذل ما وجب عليه من مال الصبي لنيابته عنه في أداء واجباته، كأروش جناياته وديونه. لكن لو امتنعت زوجة من بذل نفسها وهي صحيحة ثم مرضت، فبذلته فلا نفقة لها ما دامت مريضة عقوبة لها بمنعها نفسها في حال يمكنه الاستمتاع بها فيها وبذلها في ضدها. ومن بذلت التسليم وزوجها غائب لم يفرض لها حاكم شيئا؛ لأنه لا يمكن زوجها تسلمها إذن حتى يراسله بأن يكتب إلى حاكم البلد الذي هو به، فيعلمه ويستدعيه ويمضي زمن يمكن قدومه في مثله، فإن سار إليها أو وكل من حملها إليه وجبت النفقة إذن بالوصول، وإلا فرض عليه الحاكم نفقتها من الوقت الذي كان يمكن وصوله إليها فيه، وإن غاب زوجها بعد تمكينها إياه ووجوب النفقة عليه لم تسقط بغيبته. (ولها) -أي الزوجة- (منع نفسها قبل دخول لقبض مهر حال) لا بعد دخول، سواء كان الصداق مسمى أو مفوضة، حكاه ابن المنذر إجماعا (٢)، ولأن المنفعة المعقود عليها تتلف بالاستيفاء، فإذا تعذر عليها استيفاء المهر لم يمكنها استرجاع بدله بخلاف المبيع، (ولها) -أي الزوجة- (النفقة) زمن منع نفسها لقبض حال مهر؛ لأن الحبس

стр. 1612

من قبله نصا (١)، وبقاء درهم منه كبقاء جميعه كسائر الديون، ولو قبضت حال مهرها وسلمت نفسها ثم بأن معيبا فلها منع نفسها حتى تقبض بدله، ولو أبي كل من الزوجين تسليم ما عليه أجبر زوج أولا ثم زوجة، وإن بادر أحدهما به أجبر الآخر. وإن دخل بها الزوج، أو خلا بها مطاوعة لم تملك منع نفسها منه بعد ذلك، فإن وطئها مكرهة لم يسقط حقها من الامتناع. وإن أعسر زوج بمهر حال ولو بعد دخول فلزوجة حرة مكلفة الفسخ لتعذر الوصول إلى العوض، كما لو أفلس مشتر بثمن ما لم تكن عالمة بعسرته حين العقد لرضاها بذلك. ومن سلم أمته ليلا ونهارا فهي كحرة لعموم النص، وإن سلمها ليلا فقط فنفقة نهار على سيد؛ لأنها مملوكته والزوج غير متمكن منها إذن، ونفقة ليل كعشاء ووطاء وغطاء ودهن مصباح ووسادة على زوج؛ لأنه من حاجة الليل دون النهار، ولا يصح تسليمها نهارا فقط؛ لأنه ليس محلا للتفرغ للاستمتاع، ولهذا كان عماد قسم الزوجات الليل. (وإن أعسر) زوج (بنفقة معسر) فلم يجد القوت (أو) أعسر بـ (بعضها) أي ببعض نفقة المعسر، أو أعسر بكسوة العسر أو ببعضها، [أو] (٢) بمسكنه، أو صار لا يجد النفقة إلا يوما دون يوم خيرت الزوجة بين فسخ للحوق الضرر الغالب بذلك بها، إذ البدن لا

стр. 1613

يقوم بدون كفايته، وسواء كانت حرة بالغة رشيدة أو صغيرة أو سفيهة أو رقيقة دون سيدها أو وليها، فلا خيرة له ولو كانت مجنونة، لاختصاص الضرر بها، وهو قول عمر وعلي وأبي هريرة (١) [لقوله تعالى] (٢) ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣) والإمساك مع ترك النفقة ليس إمساكا بالمعروف، ولحديث أبي هريرة مرفوعا في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته قال: "يفرق بينهما" رواه الدارقطني (٤)، وقال ابن المنذر: "ثبت [على] (٥) أن عمر كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم فأمرهم أن ينفقوا أو يطلقوا، فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما مضى" (٦)؛ ولأن جواز الفسخ بذلك أولى من العنة لقلة الضرر؛ لأنه فقد شهوة يقوم البدن بدونها، فتملك الزوجة الفسخ فورا ومتراخيا؛ لأنه خيار لدفع ضرر يشبه خيار العيب في البيع، فتخير بين الفسخ وبين مقام معه مع منع نفسها وبدونه، ولا يمنعها تكسبا.

стр. 1614

ولا يحبسها مع عسرته إذا لم تفسخ؛ لأنه إضرار بها، وسواء كانت غنية أو فقيرة؛ لأنه إنما يمل لحبسها إذا كفاها المؤنة وأغناها عما لا بد لها منه، ولها الفسخ بعد رضاها بالمقام معه لتجدد وجوب النفقة كل يوم، فيتجدد لها ملك الفسخ كذلك. ولا يصح إسقاطها نفقتها فيما لم يجب لها كإسقاط الشفيع الشفعة قبل البيع، وكذا لو قالت: رضيت عسرته أو تزوجته عالمة به فلها الفسخ لما يتجدد لها من وجوب النفقة كل يوم. وتبقى نفقة معسر وكسوته ومسكنه لزوجته إن أقامت (١) معه ولم تمتنع نفسها منه دينا في ذمته لوجوبها على سبيل العوض كالأجرة، ويسقط ما زاد عن نفقة معسر. ومن قدر يكتسب ما ينفق على زوجته أجبر عليه المفلس لقضاء دينه وأولى، ومن تعذر عليه كسب أو بيع في بعض زمنه أياما يسيرة فلا فسخ، أو مرض أياما يسيرة فعجز عن الكسب فلا فسخ؛ لأنه يمكنه الاقتراض إلى زوال (٢) العارض. (إلا) إن أعسر (بما في ذمته) من نفقة ماضية، أو أعسر بنفقة موسر أو متوسط، أو أعسر بأدم أو بنفقة الخادم فلا فسخ لإمكان الصبر عن ذلك ويبقى دينا في ذمته لوجوبه عليه كالصداق. وإن منع زوج موسر نفقة أو كسوة أو بعضهما عن زوجته وقدرت على أخذ ذلك من ماله أخذت كفايتها وكفاية ولدها وخادمها بالمعروف بلا إذنه، لقوله ﵇ لهند

стр. 1615

بنت عتبة (١) حين قالت: له إن أبا سفيان (٢) رجل شحيح، وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (٣) فرخص لها ﵇ في أخذ تمام الكفاية بغير علمه؛ لأنه موضع حاجة إذ لا غنى عن النفقة ولا قوام إلا بها، وتتجدد بتجدد الزمن شيئا فشيئا، فتشق المرافعة [بها] (٤) إلى الحاكم، فيأمره بدفعه لها، فإن امتنع أجبره حاكم، فإن أبي حبسه ودفعها منه يوما بيوم؛ لقيام الحاكم مقامه عند امتناعه مما وجب عليه كسائر الديون، فإن لم يجد إلا عرضا أو عقارا باعه وأنفق منه، فإن غيب ماله وصبر على الحبسر فلها الفسخ لتعذر النفقة عليها من جهته كالمعسر. (أو غاب) موسر عن زوجته (وتعذرت) نفقته عليها بأن لم يترك لها نفقة ولم تقدر له على مال ولم يمكنها تحصيل نفقتها (باستدانة أو نحوها) (٥) أي اقتراض أو نحوه عليه

стр. 1616

(فلها الفسخ) لتعذر الإنفاق عليها من ماله كحال الإعسار بل أولى، ولأن في الصبر ضررا أمكن إزالته بالفسخ، ولا يصح الفسخ في ذلك كله إلا (بحاكم)، فيفسخ الحاكم بطلبها، أو تفسخ هي بأمره للاختلاف فيه. (وترجع) زوجة (بما استدانته) على زوجها الغائب الموسر (لها أو لولدها الصغير مطلقًا) بإذن الحاكم وبدونه، وإن دفع لها زوجها نفقة حرام لم يلزمها قبولها.

стр. 1617

فصل في نفقة الأقارب والمماليك والمراد بالأقارب: من يرثه المنفق بفرض أو تعصيب (١) فيدخل فيهم العتيق. و[نفقة] (٢) المماليك من الآدميين والبهائم. وأجمعوا على وجوب نفقة الوالدين والمولودين (٣) لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤) وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٥)، ومن الإحسان الإنفاق عليهما عند حاجتهما، وحديث هند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" متفق عليه (٦)، وعن عائشة مرفوعا: "إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه" رواه أبو داود (٧)، ولأن ولد

стр. 1618

الإنسان بعضه، وهو بعض والده، فكما يجب عليه أن ينفق على نفسه فكذلك على بعضه وأهله. (وتجب) النفقة (عليه) -أي المنفق-[إذا لم يكن معه] (١) من يشركه في الإنفاق، أو إكمالها إن وجد المنفق عليه بعضها (بمعروف) أي بحسب ما يليق بهم من حلال لا حرام، وإنما تجب بثلاثة شروط: - الأول: كون منفق من عمودي نسبه، أو وارثا له، وإليه الإشارة بقوله: (لكل من أبويه وإن علوا، وولده وإن سفل) حتى ذوي الأرحام منهم، (ولو حجبه معسر) كجد مع أب معسر، وكابن مع ابن ابن موسر، فتجب النفقة في المثالين على الموسر ولا أثر لكونه محجويا، وكذا جد مع ابن بنته لأن بينهما قرابة قوية توجب العتق ورد الشهادة فأشبه القريب. (و) تجب النفقة (لكل من يرثه) قريبه الغني (بفرض) كأخ لأم، (أو تعصيب) كابن عم لغير أم، (لا برحم) كخال ممن (سوى عمودي نسبه)، سواء ورثه الأخر كأخ للغني أو لا كعمة وعتيق، فإن العمة لا ترث ابن أخيها بفرض ولا تعصيب، وهو يرثها

стр. 1619

بالتعصيب، وكذا العتيق لا يرث مولاه وهو يرثه، فتجب النفقة على الوارث بالمعروف لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ إِلى قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ فأوجب على الأب نفقة الرضاع، ثم أوجب على الوارث مثل ما أوجب على الأب، ولحديث: "من أبر؟ قال: أمك، وأباك، وأختك، وأخاك" وفي لفظ: "ومولاك الذي هو أدناك حقا واجبا ورحما موصولا" رواه أبو داود (١)، فألزمه البر والصلة، والنفقة من الصلة وقد جعلها حقا واجبا. والشرط الثاني: حاجة متفق عليه، وذكره بقوله: (مع فقر من تجب له وعجزه عن كسب)؛ لأن النفقة إنما تجب على سبيل المواساة، والغني يملكه، والقادر على الكسب مستغن عنها، ولا يعتبر نقص المنفق عليه في خلقة كزمن، أو حكم كصغر وجنون، فتجب النفقة لصحيح مكلف لا حرفة له لأنه فقير. الشرط الثالث: أن يفضل ما ينفقه عليهم عن حاجته، وإليه أشار بقوله: (إذا كانت فاضلة عن قوت نفسه) أي المنفق، (و) قوت (زوجته ورقيقه يومه وليلته كفطرة) وكسوة ومسكن لهم من حاصل بيده، أو استحصل من صناعة أو تجارة أو أجرة عقار

стр. 1620

أو ريع وقف ونحوه، فإن لم يفضل عنده عما (١) ذكر شيء فلا شيء عليه، لحديث جابر مرفوعا: "إذا كان أحدكم فقيرا فليبدأ بنفسه، فإن كان فضل فعلى عياله فإن كان فضل فعلى قرابته" (٢) وفي لفظ: "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" حديث صحيح (٣)؛ ولأن وجوب النفقة على سبيل المواساة وهي لا تجب مع الحاجة. و(لا) تجب النفقة على قريب (من رأس مال) تجارة لنقص الربح بنقص رأس ماله، وربما أفنته النفقة فيحصل له الضرر وهو ممنوع شرعا، (و) لا تجب النفقة من (ثمن ملك) [و] (٤) لا من ثمن (آلة صنعة).

стр. 1621

ومن قدر يكتسب بحيث يفضل من كسبه ما ينفقه على قريبه أجبر عليه؛ لأن (١) تركه مع قدرته عليه تضييع لمن يعول وهو منهي عنه. ولا تجبر امرأة على نكاح إذا رغب فيها بمهر لتنفقه على قريبها الفقير؛ لأن الرغبة في النكاح قد تكون لغير المال بخلاف التكسب. وزوجة من تجب له النفقة كهو؛ لأن ذلك من حاجة الفقير اليومية لدعاء الضرورة إليه، فإذا احتاج ولم يقدر عليه ربما دعته نفسه إلى الزنا، ولذلك وجب إعفافه. (وتسقط) النفقة (بمضي زمن) [ما لم يفرضها حاكم] (٢)؛ لأنها تأكدت بفرضه كنفقة الزوجة، (أو) ما لم (تستدن بإذنه) أي الحاكم. (وإن امتنع من وجبت عليه) نفقة من زوج أو قريب بأن تطلب منه فيمتنع (رجع عليه منفق بنية الرجوع)؛ لأنه قام عنه بواجب كقضاء دينه وتقدم. (وهي على كل) من الورثة (بقدر إرثه) ممن وجبت له النفقة، فمن له -من المحتاجين للنفقة ولو كان حملا- وارث دون أب فنفقته عليهم على قدر إرثهم منه؛ لأنه تعالى رتب النفقة على الإرث لقوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (٣)، فمن له جد وأخ لغير أم النفقة بينهما سواء لأنهما يرثانه كذلك تعصيبا، أو له أم أم وأم أب فالنفقة عليه بينهما سواء؛ لأنهما يرثانه كذلك فرضا وردا، ومن له أم وجد أو أخ وأخت النفقة بينهما أثلاثا كإرثهما له، ومن له أم وبنت النفقة عليهما أرباعا ربعها على الأم وباقيها على البنت؛ لأنهما يرثانه كذلك، وهكذا.

стр. 1622

فلا تلزم النفقة أبا أم مع أم موسرة، ولا ابن بنت معها؛ لأنه محجوب بها، ولا تلزم أخا مع ابن ولو معسرا؛ لأنه محجوب به. ومن له ورثة بعضهم موسر وبعضهم معسر كأخوين أحدهما موسر والآخر معسر تلزم نفقته موسرا منهما مع فقر الآخر بقدر إرثه فقط؛ لأنه إنما يجب جمليه مع يسار الآخر ذلك القدر فلا يتحمل عن غيره إذا لم يجد الغير ما يجب عليه إذا لم يكن من عمودي النسب. (وإن كان أب) غنيا (انفرد بها) أي نفقة ولده، لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ (١) وقوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٢)، وتلزم نفقة جدا موسرا لابن ابنه الفقير ولو كان معه أخ مع فقر أب لعدم اشتراط الإرث في عمودي النسب لقوة قرابتهم، وتلزم جدة موسرة مع فقر أم لما تقدم. ومن لم يكف ما فضل عن كفايته جميع من تجب نفقته عليه لو أيسر بجميعها بدأ بزوجته؛ لأن نفقتها معاوضة فقدمت على ما وجب مواساة، ولذلك تجب مع يسارهما وإعسارهما بخلاف نفقة القريب، فنفقة رقيقه لوجوبها مع الإيسار والإعسار كنفقة الزوجة، فنفقة أقرب فأقرب، لحديث طارق المحاربي (٣): "ابدأ بمن

стр. 1623

تعول، أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك فأدناك" (١) أي الأدنى فالأدنى، ولأن النفقة صلة وبر، ومن قرب أولى بالبر ممن بعد، ثم مع الاستواء في الدرجة يبدأ بالعصبة، كأخوين لأم أحدهما ابن عم، ثم التساوي، فيقدم ولد على أب لوجوب نفقته بالنص، ويقدم أب على أم لانفراده (٢) بالولاية واستحقاقه الأخذ من مال ولده، وقد أضافه ﵇ بقوله: "أنت ومالك لأبيك" (٣)، وتقدم أم

стр. 1624

على ولد ابن؛ لأنها تدلى إليه بلا واسطة ولها فضيلة الحمل والرضاع والتربية، ويقدم ولد ابن علي جد كما يقدم الولد على الأب، ويقدم جد على أخ؛ لأن له مزية الولادة والأبوة، ويقدم أبو أب على أبي أم لامتيازه بالتعصيب، وأبو أم مع أبي أبي أب مستون لتميز أبي الأم بالقرب والآخر بالتعصيب فتساويا. ولمستحق النفقة الأخذ من مال منفق بلا إذنه مع امتناعه كما يجوز ذلك للزوجة. ولا نفقة مع اختلاف دين بقرابة ولو من عمودي نسب؛ لأنهما لا يتوارثان إلا بالولاء، فتجب للعتيق على معتقه بشرطه وإن باينه في دينه، لأنه يرثه فدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (١)، فإن مات مولاه فالنفقة على وارثه من عصبة مولاه.

стр. 1625

فصل ويجب إعفاف من تجب له النفقة من عمودي نسبه وغيرهم لأنه مما تدعو حاجته إليه ويتضرر بفقده، فيجب إعفاف من تجب نفقته ممن تقدم، ويقدم الأقرب فالأقرب كالنفقة، بزوجة حرة أو سرية تعفه، ولا يملك من أعف بسرية استرجاعها مع غنى الفقير كالزكاة، ولا أن يزوجه أمة، وإن عين أحدهما امرأة والآخر غيرها يقدم تعيين قريب منفق على تعيين زوج إذا استوى المهر لأنه المطلوب بنفقتها وتوابعها، وليس له تعيين عجوز قبيحة المنظر أو معيبة، ويصدق أنه تائق للنكاح بلا يمين، لأنه مقتضى الظاهر. ويكتفى في الإعفاف بواحدة، فإن ماتت أعفه ثانيا؛ لأنه لا صنيع له في ذلك لا إن طلق بلا عذر، أو أعتق السرية ولم يجعل عتقها صداقها، فليس له أن يعفه ثانيا؛ لأنه المفوت على نفسه. ويلزم إعفاف أم كأب قال القاضي: "ولو سلم فالأب آكد" (١). ولأنه لا يتصور الإعفاف لها إلا بالتزويج، ونفقتها على الزوج، قال في "الفروع" (٢): "ويتوجه تلزمه نفقته إن تعذر تزويج بدونها". وبنت ونحوها كأم. ويلزم من وجبت عليه نفقة خادم للجميع لحاجة إليه كالزوجة؛ لأنه من تمام الكفاية. وعلى من تلزمه نفقة صغير نفقة مرضعة حولين كاملين، ولا يفطم قبلهما إلا برضا أبويه أو برضا سيده إن كان رقيقا، ولأبيه منع أمه من خدمته؛ لأنه يفوت حق

стр. 1626

الاستمتاع بها في بعض الأحيان، ولا يمنعها من إرضاعه ولو أنها في حباله، والأم أحق بإرضاع ولدها بأجرة مثلها حتى مع متبرعة أو مع زوج ثان وبرضا، لعموم قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ (١)، فإن طلبت الأم أكثر من أجرة مثلها ووجد الأب من يرضعه بأجرة مثله أو متبرعة فله أخذه منها، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ (٢)، وإن منع الأم زوجها مخير أبي الطفل من رضاعه سقط حقها لتعذر وصولها إليه، ويلزم حرة إرضاع ولدها مع خوف تلفه بأن لم يقبل ثدي غيرها حفظا له عن الهلاك كما لو لم يوجد غيرها، ولها أجرة مثلها، فإن لم يخف تلفه لم تجبر، ولزوج ثان منعها من إرضاع ولدها من الأول إلا لضرورة بأن لا يوجد من يرضعه غيرها، أو لا يقبل ثدي غيرها، أو بشرطها ذلك في العقد فلها شرطها كما تقدم. (وتجب) النفقة (عليه) أي السيد (لرقيقه) والكسوة والمسكن بالمعروف (ولو) كان رقيقه (آبقا) أو مريضا، أو (و) انقطع كسبه، أو كان أمة (ناشزا)، أو كان ابن أمته من حر؛ لأنه تابع لأمه حيث لا شرط ولا غرور، من غالب قوت البلد، ولمبعض بقدر رقه من ذلك والباقي عليه لاستقلاله بجزئه الحر، وللسيد أن يجعل نفقة رقيقه في كسبه، وأن ينفق (٣) عليه من ماله ويأخذ كسبه أو يستخدمه وينفق عليه من ماله؛ لأن الكل له.

стр. 1627

(و) يجب أن (لا يُكَلِّفَهُ) أي الرقيق (مُشِقًّا كثيرًا) لحديث أبي ذرٍّ (١) مرفوعًا: "إخوانكم خَوَلُكُمْ (٢)، جعلهم اللَّه تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، [فإن كلفتموهم] (٣) فأعينوهم عليه" متفق عليه (٤). (و) يجب أن (يُرِيْحَهُ وَقْتَ قَائِلَةٍ و) وقت (نَوْمٍ ولـ) أداء (صَلاةِ فَرْضٍ) لأنه العادة، ولأن تركه إضرار بهم، ولا يجوز تكليف أمة رَعيا؛ لأن السفر مظنة الطمع فيها لبعد من يدفع عنها، وسُنَّ لسيد مداواتهم إذا مرضوا، وإطعامهم من طعامه وإلباسهم من لباسه، لحديث أبي ذر، وأن يسوي بين عبيده في الكسوة وبين إمائه إن

стр. 1628

كُنَّ للخدمة أو للاستمتاع، وإن اختلفن فلا بأس بتفضيل من هي للاستمتاع (١) في الكسوة لأنه الأعرف، ومن ولي الطعام من رقيقه فيأكل معه أو يطعمه، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا أتى أحدَكم خادمُه يطعامه قد كفاه علاجه ودخانه، فليجلسه معه، فإن لم يجلسه معه فليناوله أكلة أو أكلتين" متفق عليه (٢)، ولأن نفس المباشر تتوق إلى ما لا تتوق نفس غيره عليه. وللزوج والأب والسَّيد تأديب زوجته وولده ولو كان مكلفا ورقيق إذا أذنبوا بضرب غير مُبَرِّحٍ، وسن مرة أو مرتين، ولا يجوز بلا ذنب ولا أن يضربوا ضربًا مُبَرِّحًا لحديث: "لا يجلد فوق عشرة أسواط إلَّا في حد من حدود اللَّه تعالى" رواه الجماعة إلا النسائي (٣)، ولسيد رقيق أن يُقَيِّدَهُ إن خاف عليه إباقًا نصًّا (٤)، ولا يشتم أبويه الكافرين، قال أحمد: "لا يعود لسانه الخنا والرَّدى" ولا يدخل الجنة سيءُ المَلكة. (٥)

стр. 1629

وهو الذي يسئ إلى مماليكه. وحرم أن يسترضع أمة لها ولد لغير ولدها إن لم يفضل عنه شيء؛ لأن فيه إضرارا بالولد إلا بعد ريه فيجوز استرضاعها لاستغناء ولدها عنه، ولا يجوز جبر قن على مخارجة وهي جعل سيد على رقيق كل يوم أو كل شهر شيئا معلوما له إلا باتفاقهما إن كانت قدر كسبه فأقل بعد نفقته لما روي أن أبا طيبة (١): "حجم النبي ﷺ فأعطاه أجره، وأمر مواليه أن يخففوا عنه من خراجه" (٢) وكان كثير من الصحابة يضربون على رقيقهم خراجا، فروي: "أن الزبير كان له ألف مملوك على كل واحد كل يوم درهم" (٣)، فإذا زاد على كسبه لم يجز لأنه تكليف لا يغلبه، وكذا إن لم يكن له

стр. 1630

كسب، ولا يتسرى عبد مطلقا، قال "التنقيح" (١): "ولا يتسرى ولو أذن له سيده؛ لأنه لا يملك إلا على قول مرجوح بإذن سيده قال: وهو أظهر، ونص عليه في رواية الجماعة، واختاره كثير من المحققين". انتهى. وقال في "الإنصاف" (٢): "وهي الصحيحة من المذهب، وهي طريقة الخرقي، وأبي بكر وغيرهم". وعلى رواية التسري بإذن سيده لا يملك سيد رجوعا في أمة أذن في التسري بها [بعد] (٣) تسر نضا (٤)؛ لأن العبد يملك به البضع فلا يملك سيده فسخه قياسا على النكاح، ولمبعض وطء أمة ملكها يحزئه الحر بلا إذن أحد لأنها خالص ملكه، ويجب على سيد امتنع مما يجب لرقيقه (٥) عليه من نفاقة وكسوة وإعفاف إزالة ملكه عنه بطلبه ببيع أو هبة أو عتق، كفرقة زوجة امتنع مما لها عليه إزالة للضرر (٦)، وفي الخبر: "عبدك يقول: أطعمني وإلا فبعني، وامرأتك تقول: أطعمني أو طلقني" (٧).

стр. 1631

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1632

فَصْلُ (وعَليْهِ) أي مالك البهائم (عَلفُ بَهائِمِهِ) أو إقامة من يرعاها، (و) عليه (سَقْيُهَا)، لحديث ابن عمر: " عُذِّبت امرأةٌ في هرة حبستها حتى ماتت جوعًا، فلا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خَشَاشِ الأرض" متفق عليه (١). (وإِنْ عَجَزَ) عن نفقتها (أُجْبِرَ على بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ ذَبْح مَأْكُوْلٍ) إزالة لضررها وظلمها، ولأنها تتلف بتركها بلا نفقة، وإضاعة المال منهي عنها (٢). فإن أبي فعل حاكم الأصلح من الثلاثة، أو اقترض عليه ما ينفق على بهيمته لقيامه مقامه في أداء ما وجب عليه عند امتناعه، كقضاء دينه. ويجوز انتفاع بالبهائم لغير ما خلقت له، كبقر لحمل وركوب، وإبلٍ وحُمْرٍ لحرث ونحوه؛ لأن مقضتى الملك جواز الانتفاع بها فيما يمكن وهذا منه، كالذي خلقت له، وبه جرت عادة بعض الناس، ولهذا يجوز أكل الخيل واستعمال اللولؤ في الأدوية وإن لم يكن المقصود منهما ذلك. (وَحَرُمَ تَحْمِيْلُهَا) أي البهيمة (مُشِقًّا)، لأنه تعذيب لها، (و) حرم (لَعْنُهَا) لحديث

стр. 1633

عمر أنه ﵇ كان في سفر فلعنت امرأةٌ ناقةً فقال: "خذوا ما عليها، ودعوها مكانها ملعونة، فكأنِّي أراها الآن تمشي في الناس ما يعرض لها أحدٌ" وحديث أبي بَرْزَةَ (١): "لا تصاحبنا ناقة عليها لعنةٌ" رواهما أحمد ومسلم (٢). (و) حرم (حَلْبُهَا مَا يَضُرُّ بوَلَدِهَا) لأن لبنه مخلوق له أشبه ولد الأمة، وحرم ذبح حيوان غير مأكولٍ لإراحته من مرض ونحوه؛ لأنه إتلاف مالٍ وقد نُهي [عنه] (٣). (و) حرم (ضَرْبُ وجهٍ وَوَسْمٍ فيهِ) أي الوجه لأنه ﵇: "لعن من وَسَمَ أو

стр. 1634

ضرب الوجه" (١) و [نهى] (٢) عنه (٣) ذكره في "الفروع" (٤). وهو في الآدمي أشد، قال ابن عقيل: "لا يجوز الوسم إلا لمداواة"، وقال أيضا: "يحرم لقصد المثلة". (٥) (ويجوز) الوسم (في غيره) أي الوجه (لغرض صحيح) كالمداواة. ويكره خصاء في غنم وغيرها إلا خوف غضاضة (٦) نصا (٧) وحرمه ابن عقيل

стр. 1635

والقاضي (١) كالآدمي، ذكره ابن حزم إجماعًا (٢). ويكره جَزُّ مَعْرَفَةٍ (٣) وناصية وذنب وتعليق جَرَسٍ أوْ وَتَرٍ للخبر (٤)، ويكره إطعامه فوق طاقته وإكراهه على الأكل [على] (٥) ما اتخذه الناس عادةً لأجل التَّسمين، ويكره نَزْوُ (٦) حمار على فرس. وتستحب نفقة المالك على ماله [غير] (٧) الحيوان وفي "الفروع" (٨): "ويتوجه وجوبه لئلَّا يضيع". نتهى.

стр. 1636

(فَصْلٌ) في الحَضَانَةِ مُشتقَّةٌ من الْحِضْنِ وهو: الْجَنْبُ، لضم المربي والكافل الطفل ونحوه إلى حضنه (١). (وَتَجِبُ الحَضَانَةُ لحِفْظِ صَغيرٍ ومَجْنونٍ ومَعتُوْهٍ) -وهو مختل العقل- عما يضرهم، وتربيتهم بعمل مصالحهم من غسل بدنهم وثيابهم ودهنهم وتكحيلهم ونحو ذلك، ومستحقها رجل عصبة كأبٍ وجَدٍّ وأخٍ وعمٍّ لغير أمٍّ، أو امرأة وارثة (٢) كأمٍّ وجَدَّةٍ، أو أختٍ، أو قريبةٍ مُدليةٍ بوارثٍ كخَالَةٍ وبنت أختٍ (٣)، أو مدلية بعصبة كعَمَّةٍ وبنت أخٍ وبنت عمٍّ لغير أمٍّ، وذو رحم كأبي أمٍّ وأخٍ لأمٍّ، ثم حاكم؛ لأنه يلي أمور المسلمين وينوب عنهم في الأمور العامة، وحضانة الطفل ونحوه إذا لم يكن له قريب تجب على جميع المسلمين.

стр. 1637

(والأَحَقُّ بِهَا) أي حضانة الطفل (أُمٌّ) له، لحديث ابن عمرو (١): "أن امرأةً قالت: يارسول اللَّه! إنَّ ابني هذا كان بطني له وعاءً، وثديي له سقاءً، وحِجْرِيْ له حواء، وأنَّ أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني، فقال رسول اللَّه ﷺ : أنت أحق به ما لم تَنْكِحِيْ" رواه أبو داود وغيره (٢)، ولأنها أشفق والأب لا يلي حضانته بنفسه وإنما يدفعه لامرأته أو غيرها من النساء، وأمه أولى ممن يدفعه إليها ولو بأجرة مثلها، كرضاع حيث كانت أهلًا، (ثُمَّ) إن لم تكن أمٌّ أو لم تكن أهلًا للحضانة فـ (أُمَّهَاتُهَا القُرْبَى فالقُربى)؛ لأنهنَّ نساءٌ لهنَّ ولادةٌ مُتحققةٌ أشبهن الأمّ، (ثُمَّ) بعدهن (أبٌ)؛ لأنه الأصل وأحق بولاية المال، (ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ كَذلك) أي القربى فالقربى لإدلائهن بعصبةٍ قريبةٍ، (ثُمَّ جَدٌّ) لأبٍ لأنه في معنى الأب الأقرب فالأقرب، (ثُمَّ أمَّهاتُه كَذلك) لإدلائهنَّ بعصبةٍ، (ثُمَّ أخْتٌ لأبَوَيْنِ) لمشاركتها له في النسب وقوة قرابتها، (ثُمَّ) أختٌ (لأُمٌّ) لإدلائها بالأم كالجدات، (ثُمَّ) أخت (لأَبٍ، ثُمَّ خَالةٌ) لأبوين، ثم خالةٌ لأمٍّ ثم خالةٌ لأبٍ لإدلاء

стр. 1638

الخالات بالأم، (ثم عمة) كذلك لإدلائهن بالأب وهو مؤخر في الحضانة عن الأم، ثم خالة أم كذلك، ثم خالة أب، ثم عصته، (ثم بنت أخ) لأبوين، ثم لأم، ثم لأب، (و) بنت (أخت) كذلك، (ثم بنت عم) لأبوين، ثم لأم ثم لأب، (و) بنت (عمة) كذلك، (ثم بنت عم أب) (١) كذلك، (و) بنت (عمته) أي الأب (على ما فصل) سابقا، فيقدم من لأبوين ثم لأم ثم لأب، (ثم) الحضانة (لباقي العصبة)، أي عصبة المحضون (الأقرب فالأقرب)؛ لأن لهم ولاية وتعصيبا بالقرابة فثبتت لهم الحضانة كالأب، (وشرط كونه) أي الحاضن (محرما لأنثى) محضونة بلغت سبع سنين؛ لأنها محل الشهوة، ويسلمها غير محرم كابن عم تعذر غيره إلى ثقة يختارها أو يسلمها إلى محرمه؛ لأنه أولى من أجنبيٍّ وحاكم، وكذا أمٌّ تزوجت وليس لولدها غيرها فتسلم ولدها إلى ثقةٍ تختاره أو محرمها كما تقدم. (ثُمَّ) الحضانة (لذِي رَحِمٍ) ذكرًا وأنثى غير من تقدم؛ لأن لهم رحمًا وقرابةً يرثون بها عند عدم من تقدم أشبهوا البعيد من العصبات، وأولاهم بحضانة أبو أمٍّ فأمَّهاته فأخٌ لأمٍّ فخال (٢)، (ثُمَّ) بعد من ذكر الحضانة لـ (لحَاكِمٍ)؛ لأن له ولاية على من لا أب له ولا وَصِيَّ والحضانة ولايةٌ، وتنتقل حضانة مع امتناع مستحقها أو عدم أهليته إلى مَنْ بعده. (ولا تَثْبُتُ) الحضانة (لمَنْ فِيْهِ رِقٌّ) وإن قَلَّ؛ لأنها ولايةٌ كولاية النكاح، (ولا) تثبت (لكافِرٍ عَلى مُسلمٍ)؛ لأن ضرره عظيمٌ؛ لأنه يفتنه عن دينه

стр. 1639

ويخرجه عن الإسلام بتعليمه الكفر وتربيته عليه، وفي ذلك كله ضرر، (ولا) تثبت (لفاسق) ظاهر الفسق؛ لأنه لا وثوق به في أداء واجب الحضانة، ولاحظ للمحضون في حضانته، لأنه ربما نشأ على أحواله ولا سيما إن كان من أهل البدع، (ولا) تثبت (لمزوجة بأجنبي من محضون من زمن (١) عقد) لقوله ﷺ : "أنت أحق به ما لم تنكحي"؛ ولأن الزوج يملك منافعها بمجرد العقد، ويستحق منعها من الحضانة أشبه ما لو دخل بها، فإن تزوجت بقريب محضونها ولو غير محرم له لم تسقط حضانتها، ولو رضي زوج بحضانة ولدها من غيره لم تستحق الحضانة بذلك، بخلاف رضاع كما تقدم، وبمجرد زوال مانع ولو بطلاق رجعي ولم تنقض عدتها، وبمجرد رجوع ممتنع من حضانة يعود الحق له في الحضانة لقيام سببها مع زوال المانع. (وإن (٢) أراد أحد أبويه) أي المحضون (نقله إلى بلد آمن وطريقه) أي البلد (مسافة قصر فأكثر ليسكنه) وكان الطريق أيضًا آمنا (فأب أحق)؛ لأنه الذي يقوم عادة بتأديبه وتخريجه وحفظ نسبه، فإذا لم يكن ببلد أبيه ضاع، ومتى اجتمع الأبوان عادت (٣) الحضانة للأم، (أو) أراد أحد أبويه نقله (إلى) بلد (قريب) دون المسافة من بلد الآخر (للسكنى فأم) فتبقى على حضانتها؛ لأنها أتم شفقة كما لو لم يسافر أحدهما، (و) إن أراد أحد أبويه سفرا (لحاجة) ويعود (مع بعد)

стр. 1640

البلد الذي أراده (أو لا) أي مع عدم بعده (١) (فمقيم) من أبويه أحق بحضانته إزالة لضرر السفر، وهذا كله إن لم يقصد المسافر به مضارة الآخر وإلا فأم أحق كما ذكره في "الهدي" (٢) وقواه غيره (٣).

стр. 1641

فصل (وإذا بلغ صبي) محضون (سبع سنين عاقلا) أي تمت له سبع سنين (خير بين أبويه)، لحديث أبي هريرة: "أن النبي ﷺ خير غلاما ما بين أبيه وأمه" رواه سعيد والشافعي (١)، ولأبي هريرة أيضا: "جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول اللَّه! إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عنبة (٢) وقد نفعني فقال رسول اللَّه ﷺ : هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما

стр. 1642

شئت، فأخذ بيد أمه فانطلقت به" رواه أبو داود (١) وعن عمر: "أنَّه خَيَّرَ غلامًا بين أبيه وأمه" رواه سعيد (٢) وعن عمارة الجرمي (٣): "خَيَّرَني عليٌّ بين أمِّي وأبي وكنت ابن سبع أو ثمان" (٤)، وروي نحوه عن أبي هريرة (٥)، ولأن

стр. 1643

التقديم في الحضانة لحق الولد فيقدم من هو أشفق واختياره دليل ذلك. فإن اختار أباه كان عنده ليلًا ونهارًا ليحضنه ويعلمه ويؤدبه، ولا يمنع زيارة أمه لما فيه من الإغراء على العقوق وقطيعة الرحم، فيزورها على العادة كيوم في الأسبوع، ولا تمنع هي تمريضه، لصيرورته بالرض كالصغير في الحاجة إلى من يخدمه ويقوم بأمره، والنساء أعرف بذلك. وإن اختار الأمَّ كان عندها ليلًا؛ لأنه وقت السكن وانحياز الرجال إلى المساكن، وكان [عند] (١) أبيه نهارًا؛ لأنه وقت التصرف في الحوائج وعمل الصنائع ليؤدبه ويعلمه ليلًا يضيع. وإن اختار أحد أبويه ثم عاد فاختار الآخر نقل إليه، ثم إن عاد واختار الأول رد إليه، وهكذا أبدًا كلما اختار أحدهما نُقِلَ إليه؛ لأنه اختيار شهوة لحظ نفسه فاتبع ما يشتهيه كالمأكول. وإن كان يختار أحدهما ليمكنه من الفساد ويكره الآخر للأدب لم يعمل

стр. 1644

بمقتضى شهوته، قال ابن عقيل: "ويقرع بين الأبوين إن لم يختر منهما واحدًا أو اختارهما جميعًا لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر فلا مرجح غير القرعة". (١) (ولا يُقَرُّ مَحْضُونٌ) ذكرًا كان أو أنثى (بيد من لا يصونُهُ و) لا (يُصْلِحُه)؛ لأن وجود من لا يصونه ويصلحه كعدمه فتنتقل عنه إلى من يليه. وإن بلغ الذكر رشيدًا كان حيث شاء لاستقلاله بنفسه، وزوال الولاية عنه وقدرته على إصلاح أموره، ويستحب له أن لا ينفرد عن أبويه؛ لأنه أبلغُ في برِّهما وصلتهما. وإن استوى اثنان فأكثر في الحضانة أقرع بينهما أو بينهم لأنه لا مرجح غيرها ما لم يبلغ محضونًا سبعًا ولو أنثى فيخير بينهما أو بينهم؛ لأنه لا يمكن الجمع ولا مزية للبعض، (وتَكُونُ بِنتُ سَبع) سنين تامة (عِنْدَ أَبٍ) إلى زفاف وجوبًا؛ لأنه أحفظ لها وأحق بولايتها، وليؤمن عليها من دخول النساء؛ لأنها معرضة للآفات، لا يؤمن عليها الخديعة لِغِرَّتِهَا (٢) ولمقاربتها إذن الصلاحية للتزويج، وقد تزوج النبي ﷺ عائشة بنت سبع (٣)، وإنما تخطب من أبيها لأنه وليها وأعلم بالكفؤ، ولم

стр. 1645

يرد الشرع بتخييرها، ولا يصح قياسها على الغلام؛ لأنه لا يحتاج إلى ما تحتاج البنت، (أَوْ) تكون عند (من يَقومُ مَقَامَة) أي الأب (إلى زِفَافٍ) -بكسر أوله-. ويمنعها أبوها أو من يقوم مقامه من الانفراد بنفسها خشية عليها، ولا تمنع أمٌّ من زيارتها إن لم يخف منها مفسدة، ولا تمنع من تمريضها ولا زيارة أمِّها إن مرضت؛ لأنه من الصلة والبر. والمعتوه ولو أنثى يكون عند أمه مطلقًا صغيرًا كان أو كبيرًا لحاجته إلى من يخدمه ويقوم بأمره، والنساء أعرف بذلك، وأمه أشفق عليه من غيرها، فإن عدمت أمه فأمهاتها القربى فالقربى على ما تقدم، ولا حضانة ولا رضاع لأمٍّ جذماء أو برصاء على ما تقدم في الرضاع.

стр. 1646

(كِتَابُ الجِنَايَاتِ) جمع جنايَةٍ وهي لغةً: التَّعدِّي على نفسٍ أو مالٍ (١). وشرعًا: التعدي على البدن بما يوجب قصاصًا أو مالًا (٢) وتسمى الجناية على المال غصبًا وسرقةً وخيانةً (٣) وإتلافًا ونهبًا. وأجمعوا على تحريم القتل بغير حق (٤)، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الآية (٥) وحديث ابن مسعود مرفوعًا: "لا يحل دم امرئٍ مسلمٍ يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" متفق عليه (٦). فمن قتل مؤمنًا متعمدًا فسق وأمره إلى اللَّه تعالى، وتوبته مقبولة عند أكثر أهل

стр. 1647

العلم (١)، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢)، والآية محمولة على من قتله مستحلا ولم يتب، أو أن هذا جزاؤه إن جازاه اللَّه وله العفو إن شاء، والأخبار لا يدخلها النسخ بل التخصيص والتأويل. و(القَتْلُ) -أي فعل ما تزهق به النفس أي تفارق الروح [البدن] (٣) - ثلاثة أصناف: - أحدها: (عَمْدٌ) يختص القَوَدُ به فلا يثبت في غيره، والقَوَدُ: قتل القاتل بمن قتله (٤)، مأخوذ من قود الدابة؛ لأنه يقاد إلى القتل بمن قتله. (و) الصنف الثاني: (شِبْهُ عَمْدٍ) ويقال: خَطَأ العمدِ، وعَمْدُ الخطأ.

стр. 1648

(و) الصنف الثالث: (خطأ)، وهذا تقسيم أكثر أهل العلم (١)، وروي عن عمر (٢) وعلي (٣). ويدل لثبوت شبه العمد حديث ابن عمرو مرفوعا: "ألا إن دية الخطأ شبه (٤)

стр. 1649

العمد: ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها" رواه أبو داود (١). (فالعَمْدُ يختصُّ القَوَدُ به، وهو: أَنْ يَقْصِدَ) الجاني (مَنْ يَعْلَمُهُ آدميًّا مَعْصُومًا فيَقْتُلَهُ بما) أي بشيء (يَغْلُبُ على الظَّنِّ مَوتُهُ بِهِ) (٢) محددًا كان أو غيره، فلا قصاص إن لم يقصد القتل، أو قصده بما لا يقتل غالبًا. وللعمد الذي يختص القود به تسع صور بالاستقراء، ذكر إحداها بقوله: (كجَرْحِهِ بما لَهُ نُفُوذٌ) أي دخولٌ (في البَدَنِ) من حديدٍ كسكينٍ وسيفٍ وحربةٍ، أو من غيره كشوكةٍ وخشبٍ وقصبٍ وعظمٍ، وكذا نحاسٍ وذهبٍ وفضةٍ ونحوه، فإذا جرحه فمات به فعمد ولو كان جرحه صغيرًا، كَشَرْطَةِ (٣) حجام فمات به ولو طالت به علته ولا علة به غيره، أو كان في غير مقتل كطرف فالمحدد لا يعتبر

стр. 1650

فيه غلبة الظن في حصول القتل به، بدليل [ما] (١) لو قطع شحمة أذنه أو أنملته فمات، وربطا للحكم بكونه محددا لتعذر ضبطه بغلبة الظن، ولا يعتبر ظهور الحكم في آحاد صور المظنة بل يكفى احتمال الحكمة، ومن قطع أو بط سلعة (٢) خطرة من مكلف بلا إذنه فمات فعليه القود لتعديه بجرحه بلا إذنه. (و) الثانية: (ضربه بحجر كبير) أو بمثقل كبير فوق عمود الفسطاط لا بمثقل كبير كهو (٣) نصا (٤)، وهو الخشبة التي يقوم عليها بيت الشعر، لأنه ﷺ سئل عن المرأة التي ضربت جارتها بعمود الفسطاط فقتلتها وجنينها، "فقضى في الجنين بغرة (٥)، وقضى بدية المرأة على عاقلتها" (٦)، والعاقلة لا تحمل العمد فدل على أن
следующие страницы →