← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13785

الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات

عثمان ابن جامع

Полный текст (2 242 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

فآليت لا أرثي لها من كلالةٍ ... ولا منحفًا حتى تلاقي محمدا (١) وتحذف لا لفظًا من جواب قسم إذا كان الفعل مضارعًا نحو: والله أفعل، ومنه قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ (٢). ويكره حلف بالأمانة لحديث: "من حلف بالأمانة فليس منا" رواه أبو داود (٣)، كما يكره الحلف بعتق وطلاق لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا تحلفوا إلا باللَّه ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون" رواه النسائي (٤).

стр. 1962

(فمَنْ حَلَفَ) على فعل شيء أو تركه (وحَنِثَ) بأن لم يبر في حلفه (وَجَبَتْ عَليهِ الكَفَّارَةُ، ولوجُوبِها) أي كفارة اليمين (أربعةُ شروطٍ): - أحدها: (قَصدُ عَقْدِ الْيَمِينِ) لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (١) فلا تنعقد لغوًا بأن سبقت على لسانه بلا قصدٍ كقوله: لا واللَّه، وبلى والله في عُرضِ حديثه فلا كفارة فيها، لحديث عائشة مرفوعًا: "اللغو في اليمين كلام الرجل في بيته: لا واللَّه، وبلى واللَّه" رواه أبو داود (٢)، والعُرْضُ بالضم الجانب وبالفتح خلاف الطُّول (٣)، ولا تنعقد من نائمٍ وصغيرٍ ومجنونٍ ومُغْمًى عليه ومعتوهٍ لأنهم لا قصد لهم. (و) الشرط الثاني: (كونُهَا) أي اليمين (على مُسْتَقْبَلٍ) ممكن يتأتى يرُّهُ وحِنْثُهُ، (فَلا تَنْعَقِدُ) اليمين بحلف (على ماضٍ كاذبًا عالمًا به) أي بكذبه (وهي) اليمين

стр. 1963

(الْغَمُوْسُ)، سميت به لغمس الحالف بها في الإثم [ثم] (١) في النار، (ولا) على ماضٍ (ظَانًّا صِدْقَ نَفْسِهِ فَيَبِيْنُ بِخِلَافِهِ) أي خلف ظنه فلا كفارة حكاه ابن عبد البر إجماعًا (٢) لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾، وهذا مِنْهُ، لأنه يكثر فلو وجبت فيه كفارة لشَقَّ وحصل الضرر وهو منتفٍ شرعًا. (ولا) تنعقد يمين علق الحنث فيها (على فعلٍ مُسْتَحِيْلٍ) لذاته كشرب ماء الكُوْز كقوله: واللَّه لا شربت ماء الكُوْز والحال أنه لا ماء فيه، وكذا لا جمعت بين الضدين أو رددت أمس أو على فعلٍ مستحيلٍ لغيره كقتل الميت وإحيائه كنحو: واللَّه لأقتلن فلانًا الميت ولأُحْييَنَّه ونحوه، أو لا طِرْتُ أو لا صعدت السماء. وتنعقد بحلف على عدم المستحيل لذاته أو إعادته، كقوله: واللَّه لأشربن ماء الكوز ولا ماء فيه، ولأرددن أمس ولأقتلن فلانًا الميت، وتجب الكفارة عليه بذلك في الحال لاستحالة البر في المستحيل، وكذا كل مقالة مُكفرةٍ كالظهار، وقوله: هو يهودي أو برئ من الإسلام كيمين باللَّه في ما سبق تفصيله. (و) الشرط الثالث: (كونُ حَالفٍ مُخْتَارًا) لليمين فلا تنعقد من مُكْرَهٍ لحديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". (٣) (و) الشرط الرالع: (حِنْثُهُ بفعلِ مَا حَلَفَ على تركهِ أو تركِ ما حلف على

стр. 1964

فعلِهِ)، فإن لم يحنث فلا كفارة؛ لأنه لم يهتك حرمة القسم، ولو كان فعل ما حلف على تركه أو ترك بها حلف على فعله محرمين كمن حلف على ترك الخمر فشربها أو صلاة فرض فتركها فيكفر لوجود الحنث. (غيرَ مُكْرهٍ)، فحن حلف لا يدخل دارًا فحمل مكرهًا فدخلها لم يحنث؛ لأن فعل المكره لا ينسب إليه للخبر (أَوْ) غير (جَاهِلٍ أَوْ نَاسٍ) كما لو دخل في المثال ناسيًا ليمينه أو جاهلًا أنها المحلوف عليها فلا كفارة لأنه غير آثم، وكذا إن فعله مجنونًا. ومن استثنى فيما يكفر بقوله: إن شاء اللَّه، أو إن أراد اللَّه، أو إلا أن يشاء اللَّه، وقصد ذلك واتصل استثناؤه بيمينه لفظًا بأن لم يفصل بينهما بسكوتٍ ولا غيره، أو اتصل حكمًا كقطع بتنفس أو سُعالٍ ونحوه لم يحنث فعل أو ترك، لحديث أبي بكر مرفوعًا: "من حلف فقال: إن شاء اللَّه لم يحنث" رواه الخمسة إلا أبا داود (١).

стр. 1965

ويعتبر نطق غير مظلوم خائف بأن يلفظ بالاستثناء نصًّا، وأما المظلوم الخائف فتكفيه نيته؛ لأن يمينه غير منعقدةٍ، أو لأنه بمنزلة المتأول (١)، ويعتبر قصد استثناء قبل تمام مستثنى منه أو بعده قبل فراغه من كلامه، ومن شك فيه فكمن لم يستثن؛ لأن الأصل عدمه. وإن حلف لَيَفْعلَنَّ شيئًا وعَيَّنَ وَقْتًا لفعله تعين، فإن فعله فيه بر وإلا حنث، وإلا يُعَيِّنُ وقتًا لم يحنث حتى يَيْأَسَ من فعله بتلف محلوف عليه أو موت حالف أو نحوهما لقول عمر: "يا رسول اللَّه! ألم تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرتك أنك آتيه العام؟ قال: لا، قال: فإنك آتيه وتطوف به". (٢) (ويُسَنُّ حنث ويُكْرَهُ بِرٌّ إِذَا كانت) الحلف (على فِعْلِ مَكروهٍ) كأكل بصلٍ وثومٍ نِيْءٍ، (أو) على (تَركِ مَندوبٍ) كصلاة الضحى (وعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ)، أي يكره حنث ويسن بر إذا كانت على فعل مندوبٍ أو ترك مكروهٍ، (ويجبُ) الحنث (إِنْ كانت) اليمين (على فِعلِ مُحَرَّمٍ) كشرب خمر، (أَوْ) على (تركِ واجبٍ) كنفقة على

стр. 1966

زوجة، أو يحلف كاذبًا عالمًا بكذبه، وعُلِمَ منه أن اليمين تعتريه الأحكام الخمسة (وعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ)، أي يجب البر إذا كانت اليمين على فعل واجب أو ترك محرم ويحرم الحنث. ويجب الحلف لإنجاء معصوم من هلكةٍ ولو نفسه كتوجه أيمان القسامة وهو مُحِقٌّ، ويندب لصلحة كإزالة حقدٍ بها صلاء بين متخاصمين، ويباح على فعل مباح أو تركه، ويكره على فعل مكروه أو تَرك مندوبٍ، ويحرم الحلف على فعل محرم أو ترك واجبٍ. ولا يلزم محلوفًا عليه إبرار قسم كما لا يلزم إجابة سؤال باللَّه، ويسن إبرار قسم كإجابة سؤال باللَّه تعالى لحديث ابن عباس مرفوعًا قال: "وأخبركم بشر الناس؟ قلنا: نعم يا رسول اللَّه! قال: الذي يسأل باللَّه ولا يعطي به" رواه أحمد والترمذي وقال: "حسن غريب". (١) (وإِنْ حَرَّمَ) شخصٌ (أَمَتَهُ، أَوْ) حَرَّمَ (حلالًا غَير زوجَتِهِ) من طعام أو لباس أو غيره كقوله: ما أحل اللَّه عَلَيَّ حرامٌ ولا زوجة له، أو كَسْبيْ أو كسب فلان

стр. 1967

عليَّ حرام، أو طعامي عليَّ كالميتة والدم أو لم الخنزير، أو علقه بشرطٍ كإن أكلته فهو عليَّ حرام (لم يَحْرُمُ) لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (١)، واليمين على الشيء لا تحرمه، ولأنه لو حرم بذلك لقدمت الكفارة عليه كالظهار، وأما تحريم زوجته فظهار وتقدم حكمه (٢). (وعليهِ كَفَّارَةُ يمينٍ إِنْ فَعَلَهُ) (٣) نَصًّا (٤) للآية، وسبب نزولها أنه ﵇ قال: "لن أعود إلى شرب العسل" متفق عليه (٥)، وعن ابن عباس وابن عمر أن النبي ﷺ : "جعل تحريم الحلال يمينًا" (٦)، فإن ترك ما حرمه على

стр. 1968

نفسه فلا شيء عليه. ومن قال: هو يهودي أو نصراني أو يعبد الصَّليب أو بريء من اللَّه أو من الإسلام أو من القرآن أو من النبي ﷺ ، فإن فعله فقد فعل مُحَرَّمًا لحديث ثابت بن الضحاك (١) مرفوعًا: "من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبًا فهو كما قال" متفق عليه (٢)، وعن بريدة مرفوعًا: "من قال: هو بريء من الإسلام، فإن كان كاذبًا فهو كما قال، وإن كان صادقًا لم يعد إلى الإسلام سالمًا" رواه أحمد

стр. 1969

وابن ماجة (١)، وعليه كفارة يمين حيث خالف لحديث زيد ابن ثابت أن النبي ﷺ سئل عن الرجل يقول: هو يهودي أو نصراني أو مجوسي أو برئ ممن الإسلام في اليمين يحلف بها فيحنث في هذه الأشياء فقال: "عليه كفارة يمين" رواه أبو بكر (٢)، لأنه قول يوجب هتك الحرمة فكان يمينًا كالحلف باللَّه تعالى. وإن قال: عصيت اللَّه، وأنا أعصي اللَّه في كل ما أمرني، أو محوت المصحف، أو أدخله اللَّه النار، أو قطع اللَّه يديه ورجليه ليفعلن بهذا، أو لا يفعل كذا فلغو؛ لأن هذه الأشياء لا توجب هتك حرمة فلم تكن يمينًا. ويلزم بحلف بأيمان المسلمين ظهار وطلاق وعتاق ونذر ويمين باللَّه تعالى مع النية

стр. 1970

كما لو حلف بكلٍّ على انفراده. ومن قال: عليَّ نذرٌ أو عليَّ يمينٌ فقط، أو: إن فعلت كذا ففعله فعليه كفارة يمين، أو قال: علي عهد اللَّه أو ميثاقه إن فعلت بهذا وفعله فعليه كفارة يمين، لحديث عقبة بن عامرٍ مَرفوعًا: "كفارة النذر إذا لم يسم كفارة [يمين] (١) " (٢)، ومن أخبرعن نفسه بحلف باللَّه ولم يكن حلف فكذبةٌ لا كفارة فيها. (وَتَجِبُ) كفارة يمين ونذر أى إخراجها (فَوْرًا لحِنْثٍ) نَصًّا (٣)؛ لأنه الأصل في الأمر وإخراجها قبله وبعده سواء، وتجمع تخييرًا ثم ترتيبًا لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ. . .﴾ الآية (٤).

стр. 1971

(ويُخَيَّرُ) حانث (فيها) أي في الكفارة يمين (بين إطعامِ عَشرةِ مَسَاكِين) من جنسٍ وَاحدٍ أو أكثر ما يجزئ من بر أو غيره، فيجوز أن يطعم بعضهم بُرًّا وبعضهم تَمرًا مثلًا، (أَوْ كِسْوَتُهم كسوةً تَصِحُّ بِها صَلاةُ فرضٍ) للرجل ثوب يجزئ في صلاته الفرض فيه وللمرأة قميص وخمار كذلك، (أَوْ عتقِ رقبةٍ مؤمنةٍ) سليمة مما يضر بالعمل ضررًا بَيِّنًا وتقدم تفصيله في كفارة الظهار (١)، وتجزئ الكسوة من كتان وقطن وصوف ووبر وشعر، ويجزئ الجديد واللبيس ما لم تذهب قوته لعموم الآية. (فَمنْ عَجَزَ) ممن وجبت عليه كفارة يمين عن هذه الثلاثة فـ (كـ) عجزه عن (فِطْرَةٍ) وتقدم موضحًا، (صَامَ ثَلاثةَ أَيَّامٍ) للآية (مُتَتابِعَةٍ) لقراءة ابن مسعود: ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعات﴾ (٢)، وكصوم المظاهر بجامع أنه صوم في كفارة ولا ينتقل إليه إلا

стр. 1972

بعد العجز عن أحد الثلاثة؛ إن لم يكن عذر في ترك التتابع من نحو مرض. ويجزئ فى الكفارة أن يطعم بعضًا ويكسو بعضًا، ولا يجزئ تكميل عتق بإطعام أو كسوة، ولا تكميل إطعام أو كسوة بصوم كبقية الكفارات. ومن ماله غائب يستدين إن قدر ويكفر، وإلا صام؛ لأنه لم يجد. ولا تحزئ كفارة أخرجت قبل حلف إجماعًا (١)؛ لأنه تقديم للحكم على سببه كتقديم الزكاة على ملك النصاب. ومن لزمته أيمان موجبها واحد ولو على أفعال وحنث في الكل قبل تكفير فكفارةٌ واحدةٌ نَصًّا (٢)؛ لأنها كفارات من جنس فتداخلت كالحدود من جنس وإن اختلفت مَحَالّها كما لو زنى بنساء أو سرق من جماعة. وإن اختلف موجبها كظهار ويمين باللَّه تعالى فكفارتان. ومن حلف يمينًا واحدة على أجناس مختلفة كقوله: واللَّه لا ذهبت إلى فلان ولا

стр. 1973

كلمته ولا أخذت منه فكفارة واحدة سواء حنث في الجميع أو في واحد منها. وليس لِقِنٍّ أن يكفر بغير صوم؛ لأنه لا مال له يكفر منه ولا لسيده منعه منه ولا من صوم نذر لوجوبه لحق اللَّه تعالى كصوم رمضان وقضائه، ويكفر كافر ولو مرتدًا بغير صوم لأنه لا يصح من الكافر، ويتصور عتقه للمسلم بقوله لمسلم: أعتق عبدك عني وعلي ثمنه فيفعل، أو يكون دخل في ملكه بنحو إرثٍ.

стр. 1974

فَصْلٌ (ومَبنى يَمينٍ على العُرْفِ)، والاسم العرفي ما اشتهر مجازه حتى غلب على حقيقته كالرَّاوية حقيقة في: الجمل يستسقى عليه وعرفًا: للمزادة، وكالظَّعِيْنَةِ الناقة يظعن عليها (١)، وعرفًا المرأة في الهوْدَج (٢)، وكالدَّابة حقيقة ما دَبَّ ودرج وعُرفًا: الخيل والبغال والحمير، وكالغَائِطِ حقيقة: المكان المطمئن من الأرض (٣) وعرفًا: الخارج المستقذر، وكالعَذِرَة حقيقة: فناء الدار (٤) وعُرفًا: الغائط، ونحو ذلك، وإنما يرجع إلى الاسم العرفي عند عدم النية والسبب والتعيين، ويقدم عند الإطلاق إذا اختلفت الأسماء شرعي فعرفي فلغوي، فإن اختلف بأن لم يكن له إلا مسمى واحد كسماء وأرض ورجل وإنسان ونحوها انصرف اليمين إلى مسماه بلا خلاف.

стр. 1975

(ويُرْجَعُ فيها) أي اليمين (إلى نِيَّةِ حَالف) فهي مبناها ابتداء (ليس) بيمينه (ظالمًا) نصًّا (١) مظلومًا كان أو لا، وأما الظالم الذي يستحلفه حاكم لحق عليه فيمينه على ما يصدقه صاحبه (إِنْ احتَمَلَها) أي النية (لَفظُهُ) أي الحالف (كَنِيَّتِهِ ببناءٍ وسَقْفٍ السَّمَاءَ)، وكنيته بالفراش وبالبساط الأرض، وباللباس الليل، وبالأخوة أخوة الإسلام، وما ذكرت فلانًا أي قطعت ذكره، وما رَأيْتُهُ أي قطعت رئَتَه، وكَنِيَّتِه بنسائي طوالق أقاربه النساء، وكنيتهِ بِجَوَاريْ أحرار سفنه، وما كاتَبْتُ فلانًا مكاتبة الرقيق، وبما عَرَفْتُهُ جعلته عريفًا، وبما أعْلَمْتُهُ أي: جعلته أعلما أي شققت شفته، وبما سألته حاجة أي شجرة صغيرة، وبما أكلت له دجاجة: الكُبَّةِ من الغزل، وبالفَرْشِ صغار الإبلِ، والحَصْرُ الْحَبْسُ والبَارَية السِّكِّيْنُ يبرأ بها ونحوه. ويقبل حكمًا دعوى إرادة ما ذكره مع قرب احتمال من ظاهر لفظه ومع توسطه، فيقدم ما نواه على عموم لفظه؛ لأنه نوى بلفظه ما يحتمله ويسوغ لغةً التعبير به عنه فانصرفت يمينه إليه، والعام قد يراد به الخاص كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ (٢) فالناس الأول أريد به نعيم بن مسعود

стр. 1976

الأشجعي (١)، والناس الثاني أبو سفيان وأصحابه (٢)، وكقوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ (٣) ولم تدمر السماء ولا الأرض ولا مساكنهم، والخاص قد يراد به العام كقوله تعالى: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٤) ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (٥) ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ (٦) ولم يرد ذلك بعينه بل كل شيءٍ. وحيث احتمله اللفظ صرف اليمين إليه بالنية لحديث: "وإنما لكل امرئٍ ما نوى" (٧)، ولأن كلام الشارع يحمل على ما دل دليل على إرادته به فكذا كلام

стр. 1977

غيره، وأما ما لا يحتمله اللفظ أصلًا كما لو حلف لا يأكل خبزًا وقال: أردت أن لا أدخل بيتًا فلا أثر له، ويجوز التعريض في مخاطبةٍ لغير ظالم ولو بلا حاجةٍ كمن سئل عن شخصٍ فقال: ما هو هنا يشير إلى نحو كفه. فإن لم ينو حالف شيئًا فإلى سبب يمين وما هيجها فمن حلف لأقضين زيدًا حقه غدًا فقضاه قبله لم يحنث إذا قصد عدم تجاوز الغد أو اقتضاه السبب؛ لأن مبنى الأيمان على النية ثم السبب، فحيث نوى القضاء قبل خروج الغد أو دل السبب عليه تعلقت اليمين به، ومن حلف عن شيء لا يبيعه إلا بمائة لم يحنث إلا إن باعه بأقل، ولا يبيعه بها حنث ببيعه بها وبأقل منها؛ لأنها العرف في هذا، كان حلف لا يدخل دارًا وقال: أردت اليوم قُيِلَ منه حكمًا؛ لأنه محتمل ولا يعلم إلا، منه. والعبرة في اليمين بخصوص السبب لا بعموم اللفظ، فمن حلف لا يدخل بلدًا ما دام الظلم فيها فزال ودخل بعد لم يحنث أو حلف لوالي من ولاة الأمور لا أرى منكرًا إلا رفعته إليه فعزل، أو حلف على زوجته فطلقها، أو حلف على رقيقه أن لا يفعل كذا إلا بإذنه فأعتقه، أو باعه أو وهبه لم يحنث بذلك بعد ولو لم يرد ما دام كذلك، إلا إذا وجد محلوف على تركه أو ترك محلوف على فعله حال وجود صفة عادت. ومن حلف ليتزوجن بر بعقد نكاح صحيح، كان حلف لا يكلم زيدًا لشربه الخمر فكلمه وقد تركه لم يحنث.

стр. 1978

فَصْلٌ فإن عدمت النية والسبب رجع إلى التعيين؛ لأنه أبلغ من دلالة الاسم على مسماه لنفيه الإبهام بالكلية، فمن حلف لا يدخل دار فلانٍ هذه فدخلها وقد باعها أو هي فضاء أو مسجد أو حمام، أو حلف لا لبست هذا القميص فلبسه وهو رداء أو وهو عمامة حنث. أو حلف لا كلمت هذا الصبي فصار شيخًا، أو حلف لا كلمت امرأة فلانٍ هذه أو عبده أو صديقه هذا فزال ذلك ثم كلمهم حنث. أو حلف لا أكلت هذا الرطب فصار تمرًا ودبسًا أو خلا، أو حلف لا أكلت هذا اللبن فصار جبنًا أو أقطًا ثم أكله ولا نية ولا سبب يخص الحالة الأولى حنث. فإن عدم ما تقدم من النية والسبب والتعيين رجع في اليمين إلى ما يتناوله الاسم؛ لأنه مقتضاه ولا صارف عنه. ويقدم عند الإطلاق إذا اختلفت الأسماء شرعي فعرفي فلغوي كما تقدم (١)، ثم الاسم الشرعي ما له موضوع شرعًا وموضوع لغةً، كالصلاة والزكاة والصوم والحج ونحو ذلك، فاليمين المطلقة على فعل شيءٍ من ذلك أو على تركه تنصرف إلى الموضوع الشرعي؛ لأنه المتبادر للفهم عند الإطلاق، ولذلك حمل عليه كلام الشارع حيث

стр. 1979

لا صارف، ويتناول الصحيح منه بخلاف الفاسد؛ لأنه ممنوع منه شرعًا، فمن حلف لا ينكح أو لا يبيع أو يشتري -والشَّرِكةُ (١) والتَّوْلِيَةُ (٢) والسَّلَمُ (٣) والصُّلْحُ على مالٍ (٤) شراءٌ- فعقد عقدًا فاسدًا (٥) لم يحنث؛ لأن الاسم لا يتناول الفاسد، إلا إن حلف لا يحج فحج حجًّا فاسدًا فيحنث وكذا العمرة، بخلاف سائر العبادات. ولو قيد يمينه بممتنع الصحة كمن حلف لا يبيع الخمر ونحو ذلك حنث بصورة ذلك لتعذر الصحيح، ومن حلف لا يحج أو لا يعتمر حنث بإحرام به أو بها، ولا يصوم حنث بشروع صحيح بالصوم لأنه يسمى صائمًا بالشروع فيه ولو نفلًا بنيته من النهار حيث لم يأتِ بِمُنَافٍ، ومن حلف لا يصلي حنث بالتكبير للإحرام ولو على جنازة لدخولها في عموم الصلاة بخلاف الطواف، وإن حلف أن لا يبيع فلانًا أو لا يؤجره أو لا يزوجه لم يحنث حتى يقبل.

стр. 1980

ومن حلف أن لا يهب زيدًا شيئًا فأهدى إليه، أو باعه وحاباه، أو وقف عليه، أو تصدق عليه صدقة تطوع حنث؛ لأن ذلك كله من أنواع الهبة، ولا يحنث إن كانت الصدقة واجبة كالزكاة، أو كانت من نَذرٍ أو كفارةٍ أو ضَيَّفَهُ القدر الواجب فلا حنث؛ لأن ذلك من حق اللَّه تعالى فلا يسمى هبة، أو أبرأه من دين له عليه فلم يحنث لأن الهبة تمليك وليس له إلا دين في ذمته، أو أعاره أو أوصى له فلا حنث، أو حلف أن لا يتصدق عليه فوهبه فلا حنث؛ لأن الصَّدَقةَ نَوعٌ خَاصٌ من الهبة، ولا يحنث حالف على نوع بفعل نوع آخر، ولذلك لم يلزم من تحريم الصدقة على النبي ﷺ تحريم الهبة والهدية، أو حلف لا يتصدق فأطعم عياله؛ لأنه لا يسمى صدقة عرفًا، وإطلاق الصدقة عليه في الخبر باعتبار ترتب الثواب عليه كالصدقة، وإن نذر أن يهب فلانًا شيئًا بر بالإيجاب سواء قبل الموهوب له أو لا. والاسم العرفي: ما اشتهر مجازه حتى غلب على حقيقته كما تقدم تمثيله، فمن حلف لا يأكل عيشًا حنث بأكل خبزٍ؛ لأنه المعروف فيه، والعيش لغة: الحياة. ومن حلف لا يطأ امرأته حنث مجماعها لانصراف اللفظ إليه عرفًا، ومن حلف لا يتسرَّى حنث بوطء أمته مطلقًا؛ لأن التَّسرِّي مأخوذٌ من السِّرِّ وهو الوطء، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ [لا] (١) تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ (٢) وقال الشاعر (٣):

стр. 1981

أَلَا زَعَمَتْ بَسْبَاسَةُ الْقَوْم أنِّنِيْ ... كَبِرْتُ وَأَنْ لَا يُحْسِنُ السِّرَّ أمْثَالِيْ ولا يعتبر الإنزال كسائر أحكام الوطء. ومن حلف لا يطأ ولا يضع قدمه في دار حنث بدخولها راكبًا وماشيًا ومنتعلًا وحافيًا؛ لأن ظاهر الحال أن القصد امتناعه من دخولها. ومن حلف لا يركب حنث بركوب سفينة لقولى تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾ (١) أو لا، يدخل بيتًا حنث بدخول مسجد لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ (٢) ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ (٣) ويدخول حمام لحديث: "بئس البيت الحمام" (٤)، وبدخول بيت شعر وبيت أدَمٍ وخيمة لقوله تعالى: ﴿وُجَعَل

стр. 1982

لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا. . .﴾ الآية (١) لا بدخول صُفة دارٍ ودِهْلِيْزِهَا (٢)؛ لأنه لا يسمى بيتًا. وإن حلف لا يضرب فلانًا فخنقه أو نتف شعره أو عضه حنث لوجود المقصود بالضرب وهو التألم. وإن حلف لا يَشُمُّ الريحان فَشَمَّ وردًا وَياسَمِيْنًا (٣) أو بَنَفْسَجًا (٤) ولو يابسا حنث.

стр. 1983

والاسم اللغوي: ما يغلب مجازه على حقيقته، فمن حلف أن لا يأكل لحمًا حنث بأكل لم سمك وأكل لم محرم كغير مأكول لدخوله في مسمى اللحم، ولا يحنث برق لم؛ لأنه ليس بلحم، ولا بأكل منع وكبد وكلية وشحم وكرش ومصران وطحال وقلب ودماغ وأكارع ولحم رأس ولسان؛ لأن مطلق اللحم لا يتناول شيئًا من ذلك، وهذا مع الإطلاق، فإن كان نية أو سبب فكما تقدم. وإن حَلَفَ لا يأكل لبنًا فأكله ولو من صيد أو آدمية حنث؛ لأن الاسم يتناوله حقيقة وعرفًا، ولا يحنث إن أكل زبدًا أو سمنًا أو كَشْكًا (١) أو أقطًا ونحوه مما يعمل من اللبن ويختص بالاسم؛ لأنه لا يدخل في مسمى اللَّبن. ومن حلف لا يأكل رأسًا ولا بيضًا حنث بأكل رأس طير وسمك وجراد وبيض ذلك لدخوله في مسمى الرأس والبيض. وإن حلف لا يأكل من هذه البقرة فلا يعم ولدًا ولا لبنًا؛ لأنهما ليسا من أجزائها، كان حلف لا يأكل فاكهةً حنث بأكل بطيخ؛ لأنه ينضج ويحلو ويتفكه به، وسواء الأصفر وغيره. وإن حلف لا يأكل رطبًا أو بسرًا فأكل مذنبا حنث؛ لأن فيه رطبًا وبسرًا لا إن أكل تمرًا، أو حلف لا يأكل رطبًا أو بسرًا فأكل الآخر [لم يحنث] (٢) لأنه لم يأتِ

стр. 1984

بالمحلوف عليه، أو، يأكل تمرًا فأكل رطبًا أو بسرًا أو دبسًا أو نَاطِفًا (١) لم يحنث؛ لأنه لم يأكل تمرًا. وإن حلف [لا] (٢) يأكل أدمًا حنث بأكل بيضٍ وشوي وجبنٍ وملحٍ وتمرٍ، لحديث يوسف بن عبد اللَّه بمن سلام (٣) قال: "رأيت رسول اللَّه ﷺ وضع تمرة على كسرة وقال: هذا أدم" رواه أبو داود (٤)، وعنه عليه

стр. 1985

السلام: "سيد الإدام اللَّحم" (١)، وقال: "سيد إدامكم اللحم" رواه ابن ماجة (٢)، وكذا زيتون ولبن وخل وعسل وزيت وسمن لحديث: "ائتدموا بالزيت، وادهنوا به، فإنه من شجرةٍ مباركةٍ" رواه ابن ماجة (٣)، وعنه ﵇: "نعم الإدام الخل" (٤)، والباقي في معناه.

стр. 1986

وإن حلف لا آكل قوتًا حنث بأكل خبز وتمر وزبيب وتين يابس ولحم ولبن وكل ما تبقى معه البنية؛ لأنَّ كُلًّا من هذا يُقتات في بعض البلاد. وإن حلف لا يأكل طعامًا حنث باستعمال كل ما يُؤْكَلُ ويشرب من قوت وأدم وحلوى أو فاكهة وجامد ومائع. ومن أكل ما حلف لا يأكله مُستَهلكًا في غيره كسمن حلف لا يأكله فأكله في خَبيْصٍ (١)، أو حلف لا يأكلُ بَيضًا فأكل ناطفًا، أو لا يأكل شعيرًا فأكل حنطة فيها حبات شعير لم يحنث؛ لأن ما أكله لا يسمى سمنًا ولا بيضًا، والحنطة فيها شعير لا تسمى شعيرًا إلا إذا ظهر طعم شيء من محلوف عليه كظهور طعم السمن في الخبيص والبيض في الناطف والشعير في الحنطة فيحنث. ومن حلف لا يلبس شيئًا فلبس ثوبًا أو درعًا أو جَوْشَنًا (٢) أو

стр. 1987

قَلَنْسُوَةً (١) أو عمامةً أو خُفًّا أو نعلا حنث؛ لأنه ملبوس حقيقةً وعُرفًا كالثياب، ومن حلف لا يلبس ثوبًا حنث كيف لبسه وإن تعمم به. وإن حلف لا كلمت زيدًا فكاتبه أو راسله حنث لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ (٢) وحديث: "ما بين دفتي المصحف كلام اللَّه" (٣) ما لم ينو مشافهته بالكلام فلا يحنث بالمكاتبة ولا المراسلة لعدم المشافهة فيهما إلا إذا ارْتُجَّ عليه في صلاة ففتح عليه فلا يحنث لأنه كلام اللَّه. وإن حلف ليشربن هذا الماء أو ليضربن غلامه وأمكنه فعل محلوف عليه بأن مضى بعد يمينه ما يتسع لفعله فتلف المحلوف عليه بأن أريْقَ الماء أو مات الغلام قبل الشرب أو الضرب حنث حال تلفه؛ لأنه لم يفعل ما حلف على فعله في وقته بلا إكراهٍ ولا نسيانٍ لليأس من فعله بتلفه. وإن حلف لَيَقْضِيَنَّهُ حقه غدًا فأبرأه رب الحق اليوم لم يحنث؛ لأنه منعه بإبرائه من قضائه أشبه المكره أو أخذ رب الحق منه عوضًا لحصول الإيفاء به، أو منع الحالف

стр. 1988

منه كرهًا على عدم القضاء فلا حنث، أو مات رب الحق فقضاه لورثته لم يحنث لقيام وارثه مقامه.

стр. 1989

فَصْلٌ في النَّذْرِ وهو لغةً: الإيجاب (١) يقال: نذر دم فلان أي وجب قتله. وشرعًا: إلزإم مكلف مختار نفسه بعبادة للَّه تعالى (٢)، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: "لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه اللَّه" رواه أحمد (٣)، ولو كافرًا نصًّا (٤) لحديث عمر: "إني كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلةً، فقال له النبي ﷺ : أوفِ بنذرك" (٥)، ولأن نذر العبادة ليس عبادة، ويلزم بكل قول

стр. 1990

يدل عليه فلا يختص بـ للَّه عليَّ ونحوه ولا ينعقد بغير القول كالنكاح والطلاق. وأجمعوا على صحة النذر ولزوم الوفاء به في الجملة (١) لقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ (٢) ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (٣)، وحديث عائشة مرفوعًا: "من نذر أن يطيع اللَّه فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه" (٤). وابتداء (النَّذْرُ مَكْرُوهٌ) لحديث: "النذر لا يأتي بخير وانما يستخرج [به] (٥)

стр. 1991

من البخيل" (١)، وقال ابن حامد (٢) وغيره: لا يَرُدُّ قَضَاءً ولا يَمْلِكُ به شيئًا مُحْدَثًا (٣). قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ (٤)، وحرمه طائفة من أهل الحديث (٥)، ونقل عبد اللَّه: نهى عنه رسول اللَّه ﷺ . (ولا يَصِحُّ) النذر (إلا مِنْ مُكلَّفٍ)، فلا ينعقد من غير مكلف كالإقرار، (والْمُنْعَقِدُ) من النذر (ستةُ أنواعٍ): - أحدها: النّذر (المُطْلَقِ كـ) قوله: (للَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ إِنْ فَعَلْتُ كَذا)، أو إن فَعَلْتُ كذا فـ للَّه عليّ نذر (ولا نِيَّةَ) له بشيء وفعل ما علق عليه نذره

стр. 1992

(فـ) عليه (كَفَّارَةُ يَمِيْنٍ إِنْ فَعَلَه)، لحديث عقبة بن عامر مَرفوعًا: "كفارة النذر إذا لم يسم كفَّارة يمين" رواه ابن ماجة والترمذي (١) وقال: "حسىن صحيح غريب". النوع (الثاني: نَذْرُ لِحَاجٍ وغَضَبٍ وهُو تَعْلِيْقهُ) أي النذر (بشرطٍ يَقْصِدُ المَنْعَ من) فعلـ (ـه أو) يقصد (الحملَ عَليهِ) أي على فعله، فالأول (كـ) قوله: (إِنْ كَلَّمْتُكَ فَعَليَّ كذا) من حج أو عتق ونحو ذلك (فيُخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهِ و) بين (كَفَّارَةِ يمينٍ) لحديث عمران بن حصين قال: "سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: لا نذر في غضبٍ وكفَّارَتُه كفارة يَمين" رواه سعيد (٢)، ولا يَضُرُّ قوله على مذهب من يلزم بذلك أو لا أقلد من يَرَى بالكفارة ونحوه؛ لأنه توكيد والشرع لا يتغير به. النوع (الثالث: نذرُ) فِعْلٍ (مُباحٍ كـ) قوله: (للَّه عَلَيَّ أن أَلْبَسَ ثوبي) وأرْكَبَ دابتي (فيُخَيَّر أيضًا) بين فعل وكفارة يمين كما لو حلف عليه.

стр. 1993

النوع (الرابع: نذرُ) فعل (مَكرُوهٍ كـ) نذر (طَلاقٍ (١) ونحوه) كأكل ثوم وبصل، (فالتَّكْفِيرُ أولى) كما لو حلف عليه. النوع (الخامس: نَذْرُ) فعل (مَعْصِيَةٍ كشُرْبِ خَمْرٍ) وصوم يوم عيد أو يوم حيض أو أيام تشريق، أو ترك واجب (فَيَحْرُمُ الوَفَاءُ) به، لحديث: "ومن نذر أن يعصي اللَّه فلا يعصه" (٢) ولأن المعصية لا تباح في حال من الأحوال، (ويجِبُ التَّكفِيرُ) على من لم يفعل نذر المعصية كفارة يمين، روي نحوه عن ابن مسعود (٣)، وابن عباس (٤)، وعمران بن حصين، وسمرة بن جندب (٥) كما لو حلف ليفعلنَّهُ ولم يفعله. ويقضي من نذر صومًا محرمًا غير يوم حيضٍ، فمن نذر صوم يوم عيد وأيام تشريق قضاها وكفَّر؛ لأن المنع لمعنى في غيرها وهو كونه في ضيافة اللَّه تعالى، كنذر مريض صوم يوم يُخَافُ عليه فيه فينعقد نذره ويحرم صومه، وكذا نذر صلاةٍ في ثوب

стр. 1994

مُحرَّمٍ، بخلاف نذر (١) صوم يوم حيض فلا ينعقد؛ لأنه منافٍ للصوم لمعنًى فيه، ومن نذر ذبح معصوم حتى نفسه فعليه كفارة يمين فقط لحديث "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين" (٢). النوع (السادس: نذرُ تبرّرٍ كصَلاةٍ وصِيَامٍ واعْتِكَافٍ) وصدقة بما لا يضره ولا عياله ولا غريمه، وحج وعمرة وزيارة أخ في اللَّه وعيادة مريض وشهود جنازة (بقَصْدِ التَّقَرُّبِ مُطْلقًا) أي غير مُعلق بشرط، (أَوْ مُعلقًا بشرط) وجود نعمة يرجوها أو دفع نِقمةٍ يَخَافُها (كـ) قوله: (إِنْ شفا اللَّهُ مَريضي) أو سلم مالي (فـ للَّهِ عَلَىَّ كذا)، أو حلف بقصد التقرب كقوله: واللَّه لأن شفا اللَّه مريضي أو سلم مالي فـ دلّه عليَّ

стр. 1995

كذا، فوجد شرطه (فيلزمُهُ الوفاءُ بهِ) نصًّا (١)، وكذا إن طلعت الشمس وقدم الحاج فـ للَّه عَلَيَّ كذا ذكره في "المستوعِب" (٢)، لعموم حديث: "من نذر أن يطيع اللَّه فليطعه" رواه البخاري (٣)، وذم اللَّه تعالى الذين ينذرون ولا يوفون فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ (٤)، ومن نذر طاعة وما ليس بطاعة لزمه فعل الطاعة فقط، لحديث ابن عباس قال: "بينما النبي ﷺ يخطب إذَا هو برجلٍ قائم فسأل عنه فقيل: أبو إسرائيل (٥)، نذر أن يقوم في الشمس ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم (٦)، فقال النبي ﷺ : مُرُوْهُ فليجلس، وليستظل، وليتكلم،

стр. 1996

وليُتِمَّ صومه" رواه البخاري (١)، ويكفر للمتروك كفارة واحدة ولو خصالًا كثيرة لأنه مَنذورٌ وَاحدٌ، ويجوز فعل ما نذره من الطاعة قبل وجود ما علق عليه لوجود سببه وهو النذر كإخراج كفارة يمين قبل الحنث. (ومَنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ) ممن تسن له الصَّدَقة (بكُلِّ مَالِهِ) بقصد القربة (أجزأه ثُلُثُه) يوم نذره يتصدق به ولا كفارة نصًّا (٢) لقوله ﵇ لأبي لبابة بن المنذر (٣): "يجزئ عنك ثلث حين قال: إن توبتي أن أهجر دار قومي وأساكنك، وأن أنْخَلِعَ من مالي

стр. 1997

صدقةً للَّه ولرسوله" رواه أحمد (١)، ولو نذر الصدقة ببعض مسمى من ماله كنصفه لزمه ما سماه؛ لأنه التزام ما لا يمنع منه شيء كسائر النذور. (أو) نذر (صَوْمَ شهرٍ ونحوه) وأطلق فلم يعينه (لَزمَهُ التَّتَابُعُ)؛ لأن إطلاق الشهر يقتضيه سواء صام شهرًا هلاليًّا أو ثلاثين يومًا بالعدة، فإن قطعه بلا عذر استأنفه لئلا يفوت التتابع، وإن قطعه لعذر خُيِّرَ بين الاستئناف بلا كفارة وبين البناء على ما مضى ويتم ثلاثين يومًا ويكفر كما لو حلف عليه؛ لأنه لم يأتِ بالمنذور على وجهه. وكذا لو نذر صوم سنةٍ فيلزمه التتابع، ويصوم اثني عشر شهرًا سوى رمضان وسوى أيام النهي، لانصراف نذره إلى صوم سنةٍ كاملةٍ بالنذر، ولو شرط التتابع فيقضي عوض رمضان وأيام النهي، وإن نذر صوم سنة من الآن أو من وقت كذا فكنذر صوم سنةٍ معينةٍ فلا يدخل في نذره رمضان وأيام النهي فلا يقضيها، ولا كفارة؛ لأن تعيين أولها تعيين لها قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ

стр. 1998

شَهْرًا﴾ (١) فإذا عين أولها تعين أن يكون آخرها انتهاء الثاني عشر. وإن نذر صوم شهر معين كالمحرم فلم يصمه لعذر أو غيره فعليه القضاء متتابعًا؛ لأنه أوجبه على نفسه كذلك، وعليه كفارة يمين لفوات المحل، وإن صام قبله لم يجزئه كصوم شعبان عن رمضان، وإن أفطر يومًا فأكثر لغير عذر استأنف شهرًا من يوم فطره لوجوب التتابع وكفر لفوات المحل، وإن أفطر يومًا فأكثر لعذر بنى على ما مضى وقضى ما أفطره متتابعًا متصلًا بتمامه وكفر لما تقدم، وإن جُنَّ الشهر الذي نذر صومه كله لم يقضه، ولا كفارة لعدم تكليفه فيه كرمضان. و(لا) يلزمه تتابع (إِنْ نَذَرَ) أن يصوم (إيَّامًا معدودةً) ولو ثلاثين نصًّا (٢)؛ لأن الأيام لا دلالة لها على التتابع بدليل قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣) إلا بشرط أو نية. ومن نذر صومًا فعجز عنه لِكِبَرٍ أو مَرَضٍ لا يرجى بُرؤه أطعم لكل يوم مسكينًا وكفَّرَ كفَّارة يمينٍ حَمْلًا للمنذور على المشروع، وسبب الكفارة عدم الوفاء بالنذر، وسبب الإطعام المحجز عن واجب بالصوم، فاختلف السببان واجتمعا فلا يسقط واحد منهما لعدم ما يسقطه، أو نذره حال عجزه فكذلك، وعلم منه انعقاد

стр. 1999

نذره إذنْ لحديث: "من نذر نذرا لم يُطِقْهُ فكفارته كفارة يمين" (١)، ولأن العجز إنما هو من فعل المنذور فلا فرق بين كونه حال عقد النذر ويستمر أو يطرأ عليه. وإن نذر صلاةً ونحوها فعجز فعليه الكفارة فقط؛ لأنه لم يف بنذره، وإن عجز لعارضٍ يُرجى زواله انتظر ولا كفارة إن لم يعين وقتًا، فإن استمر عجزه حتى صار غير مَرْجُوِّ الزوال فكما تقدم. وإن نذر حجًا لزمه مع قدرته عليه كبقية العبادات، فإن لم يطقه ولا شيئًا منه حُجَّ عنه كمن عجز عن حجة الإسلام، وإلا بأن أطاق بعض ما نذره أتَى به وكفر للباقي، ومع عجزه عن زادٍ وراحلةٍ حال نذره لا يلزمه كحجةِ [الإسلام] (٢)، ثم إن وجدهما لزمه.

стр. 2000

وإن نذر صومًا وأطلق أو صوم بعض يوم لزمه يوم تام بنيته من [الليل] (١)؛ لأنه أقل الصوم. وإن نذر صلاةً وأطلق فعليه ركعتان قائمًا لقادر على قيام؛ لأن الركعة لا تجزئ في فرضٍ، ولمن نذر صلاة جالسًا أن يصليها قائمًا لإتيانه بأفضل مما نذره. وإن نذر المشي إلى بيت اللَّه الحرام أو إلى موضع من مكة أو إلى حرمها وأطلق فلم يقل: في حج ولا عمرة ولا غيره، أو قال: غير حاجٍّ ولا معتمرٍ لزمه المشي في حج أو عمرة حملًا له على المعهود الشرير وإلغاءً لإرادته غيره، من مكانه أي دويرة أهله كما في حج الفوض، ولا يلزمه إحرام قبل ميقاته ما لم ينو مكانًا بعينه للمشى منه والإحرام فيلزمه، أو ينوي بنذره المشي إلى بيت اللَّه الحرام إتيانه لا حقيقة المشي، فيلزمه الإتيان ويُخَيَّرُ بين المشي والركوب لحصوله بكلٍّ منهما، وإن ركب من نذر المشي إلى بيت اللَّه الحرام لعجز أو غيره، أو مشى من نذر الركوب فعليه كفارة يمين لحديث: "كفارة النذر كفارة يمين" (٢). وإن نذر المشي إلى مسجد المدينة المنورة أو إلى المسجد الأقصى لزمه ذلك ولزمته الصلاة فيه ركعتين، إذ القصد بالنذر القربة وإنما يحصل ذلك بالصلاة فتضمن ذلك نذرها، كنذر المشي إلى بيت اللَّه الحرام حيث وجب به أحد النُّسُكَيْنِ. ومن نذر الصلاة في المسجد الحرام لم يجزئه في غيره؛ لأنه أفضل المساجد، وإن
следующие страницы →