← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13785

الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات

عثمان ابن جامع

Полный текст (2 242 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

وليُتِمَّ صومه" رواه البخاري (١)، ويكفر للمتروك كفارة واحدة ولو خصالًا كثيرة لأنه مَنذورٌ وَاحدٌ، ويجوز فعل ما نذره من الطاعة قبل وجود ما علق عليه لوجود سببه وهو النذر كإخراج كفارة يمين قبل الحنث. (ومَنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ) ممن تسن له الصَّدَقة (بكُلِّ مَالِهِ) بقصد القربة (أجزأه ثُلُثُه) يوم نذره يتصدق به ولا كفارة نصًّا (٢) لقوله ﵇ لأبي لبابة بن المنذر (٣): "يجزئ عنك ثلث حين قال: إن توبتي أن أهجر دار قومي وأساكنك، وأن أنْخَلِعَ من مالي

стр. 1997

صدقةً للَّه ولرسوله" رواه أحمد (١)، ولو نذر الصدقة ببعض مسمى من ماله كنصفه لزمه ما سماه؛ لأنه التزام ما لا يمنع منه شيء كسائر النذور. (أو) نذر (صَوْمَ شهرٍ ونحوه) وأطلق فلم يعينه (لَزمَهُ التَّتَابُعُ)؛ لأن إطلاق الشهر يقتضيه سواء صام شهرًا هلاليًّا أو ثلاثين يومًا بالعدة، فإن قطعه بلا عذر استأنفه لئلا يفوت التتابع، وإن قطعه لعذر خُيِّرَ بين الاستئناف بلا كفارة وبين البناء على ما مضى ويتم ثلاثين يومًا ويكفر كما لو حلف عليه؛ لأنه لم يأتِ بالمنذور على وجهه. وكذا لو نذر صوم سنةٍ فيلزمه التتابع، ويصوم اثني عشر شهرًا سوى رمضان وسوى أيام النهي، لانصراف نذره إلى صوم سنةٍ كاملةٍ بالنذر، ولو شرط التتابع فيقضي عوض رمضان وأيام النهي، وإن نذر صوم سنة من الآن أو من وقت كذا فكنذر صوم سنةٍ معينةٍ فلا يدخل في نذره رمضان وأيام النهي فلا يقضيها، ولا كفارة؛ لأن تعيين أولها تعيين لها قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ

стр. 1998

شَهْرًا﴾ (١) فإذا عين أولها تعين أن يكون آخرها انتهاء الثاني عشر. وإن نذر صوم شهر معين كالمحرم فلم يصمه لعذر أو غيره فعليه القضاء متتابعًا؛ لأنه أوجبه على نفسه كذلك، وعليه كفارة يمين لفوات المحل، وإن صام قبله لم يجزئه كصوم شعبان عن رمضان، وإن أفطر يومًا فأكثر لغير عذر استأنف شهرًا من يوم فطره لوجوب التتابع وكفر لفوات المحل، وإن أفطر يومًا فأكثر لعذر بنى على ما مضى وقضى ما أفطره متتابعًا متصلًا بتمامه وكفر لما تقدم، وإن جُنَّ الشهر الذي نذر صومه كله لم يقضه، ولا كفارة لعدم تكليفه فيه كرمضان. و(لا) يلزمه تتابع (إِنْ نَذَرَ) أن يصوم (إيَّامًا معدودةً) ولو ثلاثين نصًّا (٢)؛ لأن الأيام لا دلالة لها على التتابع بدليل قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣) إلا بشرط أو نية. ومن نذر صومًا فعجز عنه لِكِبَرٍ أو مَرَضٍ لا يرجى بُرؤه أطعم لكل يوم مسكينًا وكفَّرَ كفَّارة يمينٍ حَمْلًا للمنذور على المشروع، وسبب الكفارة عدم الوفاء بالنذر، وسبب الإطعام المحجز عن واجب بالصوم، فاختلف السببان واجتمعا فلا يسقط واحد منهما لعدم ما يسقطه، أو نذره حال عجزه فكذلك، وعلم منه انعقاد

стр. 1999

نذره إذنْ لحديث: "من نذر نذرا لم يُطِقْهُ فكفارته كفارة يمين" (١)، ولأن العجز إنما هو من فعل المنذور فلا فرق بين كونه حال عقد النذر ويستمر أو يطرأ عليه. وإن نذر صلاةً ونحوها فعجز فعليه الكفارة فقط؛ لأنه لم يف بنذره، وإن عجز لعارضٍ يُرجى زواله انتظر ولا كفارة إن لم يعين وقتًا، فإن استمر عجزه حتى صار غير مَرْجُوِّ الزوال فكما تقدم. وإن نذر حجًا لزمه مع قدرته عليه كبقية العبادات، فإن لم يطقه ولا شيئًا منه حُجَّ عنه كمن عجز عن حجة الإسلام، وإلا بأن أطاق بعض ما نذره أتَى به وكفر للباقي، ومع عجزه عن زادٍ وراحلةٍ حال نذره لا يلزمه كحجةِ [الإسلام] (٢)، ثم إن وجدهما لزمه.

стр. 2000

وإن نذر صومًا وأطلق أو صوم بعض يوم لزمه يوم تام بنيته من [الليل] (١)؛ لأنه أقل الصوم. وإن نذر صلاةً وأطلق فعليه ركعتان قائمًا لقادر على قيام؛ لأن الركعة لا تجزئ في فرضٍ، ولمن نذر صلاة جالسًا أن يصليها قائمًا لإتيانه بأفضل مما نذره. وإن نذر المشي إلى بيت اللَّه الحرام أو إلى موضع من مكة أو إلى حرمها وأطلق فلم يقل: في حج ولا عمرة ولا غيره، أو قال: غير حاجٍّ ولا معتمرٍ لزمه المشي في حج أو عمرة حملًا له على المعهود الشرير وإلغاءً لإرادته غيره، من مكانه أي دويرة أهله كما في حج الفوض، ولا يلزمه إحرام قبل ميقاته ما لم ينو مكانًا بعينه للمشى منه والإحرام فيلزمه، أو ينوي بنذره المشي إلى بيت اللَّه الحرام إتيانه لا حقيقة المشي، فيلزمه الإتيان ويُخَيَّرُ بين المشي والركوب لحصوله بكلٍّ منهما، وإن ركب من نذر المشي إلى بيت اللَّه الحرام لعجز أو غيره، أو مشى من نذر الركوب فعليه كفارة يمين لحديث: "كفارة النذر كفارة يمين" (٢). وإن نذر المشي إلى مسجد المدينة المنورة أو إلى المسجد الأقصى لزمه ذلك ولزمته الصلاة فيه ركعتين، إذ القصد بالنذر القربة وإنما يحصل ذلك بالصلاة فتضمن ذلك نذرها، كنذر المشي إلى بيت اللَّه الحرام حيث وجب به أحد النُّسُكَيْنِ. ومن نذر الصلاة في المسجد الحرام لم يجزئه في غيره؛ لأنه أفضل المساجد، وإن

стр. 2001

نذرها في مسجد المدينة أجزأته فيه وفي المسجد الحرام؛ لأنه أفضل منه، وإن نذرها في الأقصى أجزأته في الثلاثة وتقدم ما يعلم منه دليل ذلك، فإنْ عَيَّنَ بنذره مسجدًا غير الثلاثة لم يتعين، فيخير بين فعله وبين التكفير لحديث: "لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا إلى ثلاثة مساجد" (١). وإن نذر عتق رقبةٍ فعليه عتق ما يجزئ عن الواجب في نحو ظهار حملًا للنذر على المعهود شرعًا إلا أن يعينها فيُجزئه ما عينه، لكن لو مات المنذور المعين أو أتلفه ناذر قبل عتقه لزمه كفارة يمين بلا عتق نَصًّا (٢) لفوات محله، وعلى متلف لمنذور غير ناذر قيمته له لبقاء ملكه عليه، ولا يلزمه صرفها في العتق، ومن قال: إن ملكت عبد زيد فـ للَّه عَلَيَّ أن أعتقه بقصد القربة ألزم بعتقه إذا ملكه؛ لأنه نذر تبرر، وإن كان في لجاجٍ وغضبٍ خُيِّرَ بينه وبين كفارة يمين. ومن نذر طوافًا أو سعيًا فأَقلُّه أُسْبُوعٌ حملًا على المعهود شرعًا، وإن نذر طوافًا أو سعيًا على أربع فعليه طوافان أو سعيان أحدهما عن يديه والأخرى عن رجليه، وهذا قول ابن عباس في الطواف رواه سعيد (٣) لقوله ﵇ لكبشة بنت

стр. 2002

معدي كرب (١) حيث قالت: "يا رسول اللَّه! آليت أن أطوف بالبيت حبوًا، فقال لها رسول اللَّه ﷺ : طُوْفِيْ على رجْلَيْكِ سُبْعَيْن، سُبْعًا عن يديك، وسُبْعًا عن رجليك" رواه الدارقطني (٢)، ولأن الطواف على أربع مثله وقيس عليه السعي. ومن نذر طاعةً على وجه منهي عنه كالصلاة عريانًا أو الحج حافيًا حاسرًا أو الصلاة في ثوبٍ نجسٍ أو حريرٍ وَفَّى بها على الوجه المشروع كما لو أطلق، وتلغى تلك الصفة ويكفر؛ لأنه لم ينذره على وجهه كما لو كان أصل النذر غير مشروع. (وسُنَّ الوفاءُ بالوَعْدِ) ولا يلزم الوفاء به نصًّا (٣)، (و) يـ (حرم بلا استثناءٍ) لقوله تعالى ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ. .﴾ (٤) أي لا تقولن ذلك إلا معلقًا بإن شاء اللَّه تعالى (٥).

стр. 2003

(كِتَابُ القَضَاءِ) لغة: إحكام الشيء والفراغ منه، ومنه قوله : ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (١)، وبمعنى أوجب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٢)، وبمعنى إمضاء الحكم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ (٣) أي أمضينا وأنهينا، وسمي الحاكم قاضيًا؛ لأنه يمضي الأحكام ويحكمها، أو لإيجابه الحكم على من يجب عليه (٤).

стр. 2004

واصطلاحًا: تَبْيِّينُ الحكم الشرعي والإلزام به وفصل الحكومات (١)، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ (٢) وقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (٣)، وقوله ﷺ : "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر" متفق عليه (٤)، والفتيا تبيين الحكم الشرعي للسائل، وعنه كان السلف الصالح يهابون الفتيا كثيرًا ويشددون فيها ويتدافعونها حتى ترجع إلى الأول لما فيها من المخاطرة، وأنكر أحمد وغيره من الأعيان على من يهجم على الجواب وقال: لا ينبغي أن يجيب على كل ما يستفتى فيه، وقال: إذا هاب

стр. 2005

الرجل شيئًا لا ينبغي أن يحمل على أن يقوله (١). وينبغي للمستفتي حفظ الأدب مع المفتي ويجلّه ويعظمه ولا يفعدما جرت عادة العوام به كإيمائه بيده على وجهه، ولا يقول له: ما مذهب إمامك في كذا، أو ما تحفظ في كذا، أو أفتاني فلانٌ غيرك بكذا، ولا يسأله عند هَمٍّ أو ضجرٍ أو قيامٍ ونحوه، ولا يطالبه بالحجة، ولا يلزم المفتي جواب ما لم يقع، روى أحمد عن ابن عمر: "لا تسألوا عمَّا لم يكن فإن عمر نهى عن ذلك" (٢)، وله أيضًا عن ابن عباس قال عن الصحابة: "ما كانوا يسألون إلَّا عمَّا ينفعهم" (٣)، واحتج الشافعي على كراهة السؤال عن الشيء قبل وقوعه بقوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (٤)، وكان عليه

стр. 2006

السَّلام: "ينهى عن قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال" (١) وفي لفظ: "إن اللَّه كره لكم ذلك" متفق عليه (٢). ولا يلزم جواب ما لم يحتمله سائل قال البخاري: قال علي: "حدّثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب اللَّه ورسوله" (٣)، وفي مقدمة مسلم عن ابن مسعود: "ما أنت بمحدِّثٍ قومًا حَديثًا لا تبلغه عُقُولهمْ إلَّا كان فتنة لبعضهم" (٤) ولا يلزم جواب ما لا نفع فيه لقول ابن عباس لعكرمة: "من سألك عمَّا لا يعنيه فلا تُفته" (٥)، وسأل مُهَنَّا أحمد عن مسألة فغضب وقال: خذ ويحك فيما تنتفع به وإياك وهذه المسائل المحدثة وخذ فيما فيه حديث (٦).

стр. 2007

ويحرم تساهل مفتٍ في الإفتاء لئلا يقول على اللَّه ما لا علم له به، ويحرم تقليد معروف به، ويقلد المجتهد العدل ولو ميتا لبقاء قوله في الإجماع، وكالحاكم والشاهد لا يبطل حكمه ولا شهادته بموته، قال الشافعي: "المذاهب لا تموت بموت أربابها" (١). ويفتي مجتهد فاسق نفسه فقط؛ لأنه ليس بأمين على ما يقول، وفي "أعلام الموقعين" (٢): الصواب جواز استفتاء الفاسق إلا أن يكون معلنًا بفسقه داعيا إلى بدعته. ويجوز أن يقلد عامي من ظنه عالما ولو عبدا أو أنثى أو أخرس بإشارةٍ مفهومةٍ، وكذا من رآه منتصبا للإفتاء أو التدريس معظمًا؛ لأنه دليل علمه لا إن جهل عدالته فلا يجوز أن يقلده لاحتمال فسقه، ولمفتٍ رد الفتيا إن خاف غائلتها أو كان بالبلد عالم قائم مقامه لفعل السلف ولعدم تعين الإفتاء وإلا لم يجز له رد الفتيا لتعينها، كما لا يجوز قول حاكم لمن ارتفع إليه في حكومة: امْضِ إلى غيري ولو كان في البلد من يقوم مقامه؛ لأن تدافع الحكومات يؤدي إلى ضياع الحقوق.

стр. 2008

ويحرم على مفتٍ إطلاق الفتيا في اسم مشترك، قال ابن عقيل: إجماعًا (١)، فمن سئل: أيأكل أو يشرب برمضان بعد الفجر؟ لا بد أن يقول: الفجر الأول أو الفجر الثاني، ومثله ما امتحن به أبو يوسف فيمن دفع ثوبًا إلى قَصَّار فقصره وجحده هل له أجرة إن عاد وسلمه لربه؟ فقال: إن كان قصره قبل جحود فله الأجرة، وإن كان بعد جحوده فلا أجرة له؛ لأنه قصره لنفسه (٢)، ومثله من سئل عن بيع رطل تمر برطل تمر هل يصح؟ وجوابه: إن تساويا كيلًا يصح وإلا فلا، لكن لا يلزم التنبيه على احتمال بعيد. ويكره أن يكون السؤال بخط المفتي لإملائه وتهذيبه، وللمفتي تخيير من استفتاه بين قوله وبين مخالفه، ولا يجوز لمن انتسب لمذهب إمام أن يتخير في مسألة ذات قولين لإمامه أو وجهين لأحد أصحابه فيفتي أو يحكم بحسب اختياره منهما، بل عليه أن ينظر أيهما أقرب من الأدلة أو قواعد مذهبه فيعمل به، ومن لا يجد إلا مفتيا لزمه الأخذ بقوله كما لو حكم به عليه حاكم، قال ابن الصَّلاح (٣): "ولا يتوقف ذلك على التزامه ولا سكون

стр. 2009

نفسه إلى صحته" (١). ويجوز تقليد مفضول من المجتهدين مع وجود أفضل منه لعموم قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢) وقوله ﵇: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" (٣) وفيهم الأفضل من غيره، وكان المفضول [من الصحابة] (٤) والسلف يفتي يوجود الأفضل بلا

стр. 2010

نكيرٍ، خصوصًا والعامي يقصر عن الترجيح، ولا يجوز التقليد في معرفة اللَّه تعالى والتوحيد والرسالة لأمره تعالى بالتدبر والتفكر والنظر وقد ذم اللَّه تعالى التقليد بقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ. .﴾ الآية (١) وهي فيما يطلب للعلم فلا يلزم [في] (٢) الفروع. وأجمع المسلمون على نصب القضاة للفصل بين الناس (٣)، (وهو) أي القضاء (فَرْضُ كِفايةٍ)؛ لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه (كالإمامةِ) والجهادِ، وفيه فضل عظيم لمن قوي عليه وأدى الحق فيه، والواجب اتخاذها دِيْنًا وقُرْبةً فإنها من أفضل القُرب، وإنما فسد حال بعضهم بطلب الرياسة والمال بها، ومن فعل ما يمكنه لم يلزمه ما يعجز عنه. (فـ) يجب أن (يَنْصِب الإمامُ بكلِّ إقليمٍ) بكسر الهمزة أحد الأقاليم السبعة (٤) (قاضيًا)؛ لأنه لا يمكن الإمام تولي الخصومات والنظر فيها في جميع

стр. 2011

البلاد، ولئلا تضيع الحقوق بتوقف فصل الخصومات على السفر للإمام لما فيه من المشقة وكلفة النفقة، وقد بعث النبي ﷺ وأصحابه القضاة للأمصار، فبعث النبي ﷺ عليًّا إلى اليمن (١)، وبعث معاذًا قاضيًا أيضًا (٢)، وولى عُمر شُرَيحًا قضاء الكوفة (٣)، ووَلَّى كعب بن سور قضاء البصرة (٤)، وكتب إلى أبي عبيدة ومعاذٍ يأمرهما بتولية القضاة في الشام (٥)، (و) على الإمام أن (يختار) لذلك -أي نصب القضاة- (أفضل مَنْ يجد علمًا ووَرعًا)؛ لأن الإمام ينظر للمسلمين فوجب عليه تحري الأصلح، (ويأمرهُ) -أي الإمام إذا ولاه- (بالتَّقْوَى)؛ لأنها رأس الأمر ومِلَاكُه ووصية اللَّه تعالى لعباده، (و) يأمره بـ (تَحَرِّي العَدل) أي إعطاء الحق لمستحقه بلا

стр. 2012

ميلٍ؛ لأنه المقصود من القضاء، أو يأمره أن يستخلف في كل صُقْعٍ -بضم الصاد المهملة وسكون القاف- أي ناحية من عمله (١) أفضل من يجد لهم علمًا وورعًا، لحديث: "من ولي من أموو المسلمين شيئًا، فولى وجلًا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين، فقد خان اللَّه ورسوله والمؤمنين" وواه الحاكم في صحيحه (٢). ويجب على من يصلح للقضاء إذا طلب له ولم يوجد غيره ممن يوثق به أن يدخل فيه؛ لأن القضاء فرض كفاية، ولا قدرة لغيره على القيام إذن فتعين عليه كغسل الميت، ولئلا تضيع حقوق التاس إن لم يشغله عما (٣) هو أهم منه، لحديث: "لا ضرر ولا ضرار" (٤)، فإن لم يطلب له أو وجد موثوق به غيره لم يلزمه الدخول

стр. 2013

فيه، ومع وجود غيره ممن يصلح للقضاء الأفضل أن لا يجيب طلبًا للسلامة، ودفعًا للخطر، واتباعًا للسلف في الامتناع منه والتوقي له، لما روى ابن مسعود مرفوعًا: "ما من حاكم يحكم بين الناس إلا حُبس يوم القيامة وملك آخذ بقفاه حتى يقفه على جهنم، ثم يرفع رأسه إلى اللَّه، فإن قال له: ألْقِهِ ألْقَاهُ في مَهْوَاةٍ (١) أربعين خريفًا" رواه أحمد وابن ماجة (٢)، وكره له طلبه مع وجود صالح له لحديث أنس

стр. 2014

مرفوعًا: "من سأل القضاء وُكِلَ إلى نفسه، ومن جبر عليه نزل ملكٌ يسدده" رواه الخمسة إلا النسائي (١)، وفي الصحيحين عن أبي موسى مرفوعًا: "إنا واللَّه لا

стр. 2015

نولي هذا العمل أحدًا سأله، ولا أحدًا حريصًا عليه" (١)، ويحرم على من بذل له [مال] (٢) فيه أخذه وهو من أكل المال بالباطل، ويحرم طلب القضاء وفيه مباشر صالح له. ويحرم الدخول فيه على من لا يحسنه ولم تجتمع فيه شروطه، وتحرم الشفاعة له والإعانة على التولية؛ لأنه إعانة على معصية. ويصح تعليق ولاية قضاء أو إمارة بشرط نحو قول الإمام: إن مات فلان القاضي أو الأمير ففلان عوضه لحديث: "أميركم زيد فإن قُتل فجعفر، فإن قُتل فعبد اللَّه بن رواحة" (٣). وشرط لصحة ولاية القضاء كونها من إمامٍ أو نائبه فيه؛ لأنها من المصالح العامة كعقد الذمة، ولأن الإمامَ صَاحِب الأمر والنهي فلا يُفْتَاتُ عليه في [ذلك] (٤)، وأنْ يعرف أنَّ المولَّى صالح للقضاء؛ لأن الجهل بصلاحيته كالعلم بعدمها، فإن لم يعرفه

стр. 2016

سأل عنه أهل المعرفة به. وتعيين (١) ما يوليه الحكم فيه من عمل وبلد، ومشافهته بالولاية أو مكاتبته بها إن كان غائبًا كالوكالة، فيكتب له الإمام عهدًا بما ولاه؛ لأنه ﵇: "كتب لعمرو بن حزم حين بعثه لليمن" (٢) وكتب عمر إلى أهل الكوفة: "أما بعد .. فإني قد بعثت عمارًا أميرًا، وعبد اللَّه قاضيًا، فاسمعوا وأطيعوا" (٣). وإشهاد (٤) عدلين عليها فيكتب العهد ويقرأ على العدلين ويقول المولي: اشْهَدَا على أني قد وليت فلانًا قضاء كذا، وتقدمت إليه بما اشتمل عليه هذا العهد ليمضي إلى ولايته فيقيما له الشهادة هناك، واستفاضة الولاية إذا كانت بلد الأمام خمسة فما دون آكد من الشهادة، ولهذا يثبت بها النسب والموت فلا حاجة معها إلى الشهادة، ولا يشترط عدالة المولّي بكسر اللام لئلَّا يفضي إلى تعذر التولية. وألفاظ التولية الصريحة سبعة: وَلَّيْتُك

стр. 2017

الحكمَ، وقَلَّدْتُكَ، وفَوَّضْتُ، ورَدَدْتُ، وجَعَلْتُ إليكَ الحكمَ، واسْتَخْلَفْتُكَ، واسْتَنَبْتُكَ في الحكم، فإذا وجد أحد هذه الألفاظ السَّبعة وقبل مولى حاضر بالمجلس أو غائب بعد بلوغ الولاية له، أو شرع الغائب في العمل انعقدت لدلالة شروعه في العمل على القبول كالوكالة. والكناية من ألفاظ التولية نحو: اعتمد عليك، أو عَوَّلْتُ عليك، أو وكلت، أو اسْتنَدْتُ إليك، ولا تنعقد الولاية [بها] (١) إلا بقرينة نحو: فاحكمْ، أو اقضِ فيه، أو فتَوَلَّ ما عولت عليك فيه؛ لأن هذه الألفاظ تحمل الولاية وغيرها كالأخذ برأيه ونحوه فلا تنصرف إلى التولية إلا بقرينةٍ تنفي (٢) الاحتمال.

стр. 2018

فَصْلٌ (وتُفِيْدُ ولايةُ حُكْمٍ عَامَّة) أي لم تقيد بحال دون أخرى (فَصْلَ الحكُومَةِ، وأَخْذ الحقِّ) ممن هو عليه، (ودَفْعَهُ إلى ربِّهِ، والنَّظَرَ في مالِ يَتِيْمٍ، و) مال (مجنونٍ، و) مال (سفيهٍ) لا ولي لهم غيره، (و) مال (غائبٍ)، والحجر لسفه ولفلس، (و) النظر في (وَقْفِ عملِهِ، ليُجْرَى على شَرْطِهِ وغير ذلك) من النظر في مصالح طرق عمله وأفنيته، وتنفيذ الوصايا، وتزويج من لا ولي لها، وتصفح حال شهوده وأمنائه ليستبدل بمن ثبت جرحه، وإقامة حد، وإقامة جمعة، وإقامة عيد ما لم يُخصا بإمام، وجباية خراج وزكاة ما لم يُخصا بعامل يجبيها، ولا تفيد ولايته الاحتساب على الباعة والمشترين وإلزامهم بالشرع؛ لأن العادة لم تجر بتولية القضاة ذلك. وللقاضي طلب رَزْقٍ من بيت المال لنفسه وأمنائه وخلفائه، لما روي عن عمر أنه استعمل زيد بن ثابت على القضاء وفرض له رزقًا (١)، ورزق شريحًا في كلِّ شهرٍ مائة درهم (٢) حتى مع عدم حاجة لحاجة الناس إلى القضاء، ولو لم يجز الفرض لهم لتعطل

стр. 2019

القضاء وضاعت الحقوق، ولأن أبا بكر لما ولي الخلافة فرضوا له رزقًا كل يوم درهمين (١) فإن لم يجعل للقاضي شيء وليس له ما يكفيه ويكفى عياله وقال للخصمين: لا أقضي بينكما إلا بِجُعْلٍ جاز له أخذ الجعل لا الأجرة، قال عمر: "لا ينبغي لقاضي المسلمين أن يأخذ على القضاء أجرًا" (٢)، ولأنه قربةٌ يختص به فاعله أن يكون من أهل القربة أشبه الصلاة، وعلم منه أنه إن كان له ما يكفيه فليس له أخذ

стр. 2020

الجعل أيضًا، لا مَنْ تَعَيَّنَ أن يفتي وله كفاية فليس له أخذ الجعل على إفتاء، وإن لم يتعين بأن كان بالبلد عالم يقوم مقامه أو لم تكن له كفاية جاز. (ويجوزُ) للإمام (أَنْ يُولِّيَهُ) أي القاضي (عُمُومَ النَّظَرِ في عمومِ الْعَمَلِ) بأن يوليه سائر الأحكام بسائر البلاد، (و) يَجُوْزُ أن يوليه (خَاصًّا في أحَدِهما أَوْ) خاصًا (فيهما)، فيوليه عموم النظر أو يوليه خَاصًّا كعقود الأنكحة مثلًا، أو بمحلةٍ خاصة ينفذ حكمه في مقيم بها وفي طارئ إليها من غير أهلها، ولا يسمع قاضٍ بينة في غير عمله وهو محل حكمه. وللإمام أن يولي قاضيًا من غير مذهبه، وله أن يولي قاضيين فأكثر ببلدٍ واحدٍ ولو اتحد عملهما، وإن تنازع خصمان وطلب كل منهما الحكم عند أحدهما قدم مُدعٍ، فإن استويا كمدعيين اختلفا في ثمن مبيع باقٍ فأقرب الحاكمين؛ لأنه لا حاجة إلى كلفة المضي للأبعد. وإن زالت ولاية المولِّي بكسر اللام بموت أو غيره أو عَزَلَ المُولِّي بكسر اللام الْمُولَى بفتحها مع صلاجة لم تبطل ولايته؛ لأنه نائب المسلمين للإمام إذ تولية الإمام لمصلحة المسلمين فلم يبطل بزواله ولم يملك إبطاله كعقده النكاح على موليته، ولأن الخلفاء ولوا حُكامًا في زمانهم فلم ينعزلوا بموتهم، ولا في عزله بموت الإمام وغيره من الضرر على المسلمين بتعطيل الأحكام وتوقفها إلى أن يولي الثاني. ولو كان المستنيب قاضيًا فعزل نوابه أو زالت ولايته بموت أو غيره انعزلوا؛ لأنهم نوابه كالوكلاء، بخلاف من ولاه الإمام قاضيًا فإنه يتعلق به قضايا الناس وأحكامهم

стр. 2021

عنده وعند نوابه في البلدان، فيشق ذلك على المسلمين. وكذا والٍ ومحتسب وأمير جهاد ووكيل ييت المال، ومن نصب لجباية مال كخراج وصرفه إذا ولاهم الإمام فلا ينعزلون بعزله ولا بموته؛ لأنها عقود لمصلحة المسلمين. ومن عزل نفسه من إمام وقاضٍ ونحوهما انعزل؛ لأنه وكيل، ولا ينعزل قاضٍ بعزل قبل علمه لتعلق قضايا الناس وأحكامهم به فيشق بخلاف الوكيل فإنه يتصرف في أمر خاص.

стр. 2022

فَصْلٌ في شُروطِ القَاضِي وهي عشرة كما ذكرها المصنف قال: (وشُرِطَ كُونُ قاضٍ بَالغًا، عاقلًا) أي مكلفًا؛ لأن غير المكلف تحت ولاية غيره فلا يكون وليا على غيره. الثالث: كونه (ذكرًا) لحديث: "ما أفلح قومٌ وَلَّوْا أمرهم امرأةً" (١)، ولأنها ضعيفة الرأي، ناقصة العقل، ليست أهلًا للخُطُوب ومحافل الرجال، ولم يُوَلِّ ﵇ ولا أحد من خُلَفائه امرأة قضاء. الرابع: كونه (حُرًّا) كله؛ لأن غيره منقوص بالرق مشغول بحقوق سيده. الخامس والسادس: كونه (مسلمًا، عدلًا) ولو تائبًا من قذف نصًّا (٢)، فلا يجوز

стр. 2023

تولية من فيه نقص يمنع قبول شهادته لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (١)، ولا يجوز أن يكون الحاكم ممن لا يقبل قوله. السابع: كونه (سميعًا)، لأن الأصم لا يسمع كلام الخصمين. الثامن: كونه (بصرًا)؛ لأن الأعمى لا يميز المدعي من المدعى عليه، ولا المُقِرِّ من المُقَرِّ له. التاسع: كونه (مُتَكَلِّمًا)؛ لأن الأخرس لا يمكنه النطق بالحكم، ولا يفهم جميع الناس إشارته. العاشر: كونه (مُجْتَهدًا) ذكرره ابن حزمٍ إجماعًا (٢) لقوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (٣) (ولو) كان اجتهاده (في مَذْهَبِ إمَامِهِ) لضرورة بأن لم يوجد مطلق، واختار في "الإفصاح" (٤) و"الرِّعَاية": أو

стр. 2024

مقلدًا. (١) وفي "الإنصاف" (٢): قلت: وعليه العمل من مدة طويلة وإلا لتعطلت أحكام الناس". انتهى. وفي "الإفصاح" (٣): "الإجماع انعقد على تقليد كل من المذاهب الأربعة وأنَّ الحق لا يخرج عنهم". وفي خطبة "المغني" (٤): "النسبة إلى إمام في الفروع كالأئمة الأربعة ليست بمذمومة، فإن اختلافهم رحمة، واتفاقهم حجة قاطعة". فيراعي المجتهد في مذهب إمام ألفاظ إمامه ومتأخرها، ويقلد كبار مذهبه في ذلك ويحكم به ولو اعتقد خلافه؛ لأنه مقلد، ولا يخرج عن الظاهر منه، ويحرم الحكم والفتوى بالهوى إجماعًا، وبقولٍ أو وجهٍ من [غير] (٥) نظر في الترجيح إجماعًا، ويجب أن يعمل بموجب اعتقاده في ما له أو عليه إجماعًا ذكره في "الفروع" (٦) وقال الشيخ تقي الدين: "هذه الشروط تعتبر حسب الإمكان، ويجب

стр. 2025

تولية الأمثل فالأمثل وإن على هذا يدل كلام أحمد وغيره فيولى لعدم أنفع الفاسقين وأقلهما شرًّا وأعدل المقلدين وأعرفهما بالتقليد". انتهى (١). ولا يشترط كون القاضي كاتبًا؛ لأنه ﷺ كان أمِّيًا وهو سيد الحكام و [ليس] (٢) من ضرورة الحكم الكتابة، ولا كونه ورعا أو زاهدا أو يقظًا أو مثبتا للقياس أو حسن الخلق؛ لأن ذلك ليس من ضرورة الحكم، والأولى كونه كذلك؛ لأنه أكمل كالأسَنِّ إذا ساوى الشاب في جميج الصفات، وما يمنع التولية ابتداء يمنعها دوامًا، لا فقدهما (٣) ليس من مقدمات الاجتهاد، والحكم يستند إلى حال السمع والبصر، وقد ثبت الحكم عنده في حال يسمع فيها كلام الخصمين ويميز أحدهما عن الآخر، بخلاف غيرهما من الفسق والجنون والردة وغيرها، ويتعين عزله مع مرض يمنعه القضاء لدعاء الحاجة إلى إقامة غيره، ويصح أن يولى عبد إمارةَ سريَّةٍ وقسم صدقة، وفي إمامة صلاة غير جمعة وعيد.

стр. 2026

فَصْلٌ (وإنْ حَكَّمَ) بتشديد الكاف (اثنانِ) فأكثر (بينهما رجلًّا يَصْلُحُ للقَضَاءِ) بأن اتصف بما تقدم من شروط القاضي، وقال الشيخ تقي الدين: "العشر صفات التي ذكرها في "المحرر" في القاضي لا تشترط فيمن يحكم الخصمان بينهما". انتهى (١). (نَفُذَ حُكمُهُ في كُلِّ مَا يَنْفُذُ فيهِ حُكْمُ مَنْ وَلَّاهُ إمامٌ أو نَائِبُهُ) لحديث أبي [شريح] (٢) "أن رسول اللَّه ﷺ قال: إن اللَّه هو أحكم الحاكمين فلم تكنى أبا الحكم؟ قال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمتُ بينهم، فرضي علي الفريقان، قال: فما أحسن هذا فمن أكبر ولدك؟ قال: شريح، قال: فأنت أبو شريح" رواه النسائي (٣)، وروي مرفوعًا: "مَنْ حَكَمَ بين اثنين تراضيا به فلم يعدل بينهما

стр. 2027

فهو ملعون" (١) وتحاكم عمر وأُبَيُّ إلى زيدٍ (٢)، وعثمان وطلحة إلى جُبير بن مطعم (٣) ولم يكن أحد منهم قاضيًا، لكن لكل منهما الرجوع قبل شروعه في الحكم؛ لأنه لا يلزم حكمه إلا برضا الخصمين كرجوع الموكل قبل تصرف وكيله [قبل] (٤) فيما وكل فيه، وله أن يشهد على نفسه بحكمه، ويلزم الحاكم قبوله وكتابته ككتاب من ولاه الإمام، وينبغي أن يشهد عليهما بالرضا قبل أن يحكم بينهما لئلا يجحد المحكوم عليه منهما أنه حكمه فلا يقبل

стр. 2028

قوله عليه إلا ببينة ذكره في "المستَوْعِب" (١).

стр. 2029

فَصْلٌ في آدَابِ القَاضِي وهي أخلاقه التي ينبغي أن يتخلق يها، (وسُنَّ كَوْنُهُ) أي القاضي (قويًّا بلا عُنْفٍ) لئلا يطمع فيه الظالم، (لَيِّنًا بلا ضَعْفٍ) لئلا يهابه المحق، (حَلِيمًا) لئلا يغضب من كلام الخصم فيمنعه الحكم، (مُتَأَنِّيًا) من التأني وهو ضد العجلة لئلا تُؤَدِّي عجلته إلى ما لا ينبغي، (فَطِنًا) لئلا يخدع من بعض الخصوم لِغِرَّةٍ، قال في "الشرح" (١): "عالما بلغات أهل ولايته". (عَفِيْفًا) أي كافًا نفسه عن الحرام لئلا يطمع في ميله بإطماعه، بصيرًا بأحكام الحكام قبله لقول علي: "لا ينبغي للقاضي أن يكون قاضيًا حتى تكمل فيه خمس خصال: عفيف، حليم، عالم بما كان قبله، يستشير ذوي الألباب، لا يخاف في اللَّه لومة لائم" (٢)، وليسهل عليه الحكم ويتضح له طريقه.

стр. 2030

ويسن سؤاله إن ولي في غير بلده عن علمائه ليشاورهم في الحوادث ويستعين بهم على قضائه، وعن عدوله لاستناد أحكامه إليهم وثبوت الحقوق عنده بهم، ويسن إعلامهم يوم دخوله ليتلقوه؛ لأنه أوقع له في النفوس وأعظم لحشمته من غير أن يأمرهم بتلقيه؛ لأنه أنسب بمقامه، وسن دخوله [بلدا] (١) وُلِّيَ الحكم فيه يوم اثنين أو خميس أو سبت؛ لأنه ﵊ دخل في الهجرة المدينة يوم الاثنين (٢)، وكذا من غزوة تبوك وقال: "بورك لأمتي في سبتها وخميسها" (٣)، وينبغي

стр. 2031

أن يدخلها ضحوة تفاؤلًا لاستقبال الشهر لابسًا أجمل ثيابه؛ لأنه تعالى يحب الجمال وقال: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (١) لأنها مجامع الناس وهنا يجتمع ما لا يجتمع في المساجد فهو أولى بالزينة (٢)، وكذا أصحابه؛ لأنه أعظم له ولهم في النفوس، ولا يتطير وإن تفاءل فحسن؛ "لأنه ﵇ كان يحب الفأل الحسن، وينهى عن الطيرة" (٣) فيأتي الجامع فيصلي فيه ركعتين تحيته، ويجلس مستقبلًا القبلة؛ لأن خير المجالس ما استقبل القبلة، ويأمر بعهده فيقرأ على الناس ليعلموا توليته، ويأمر بمن يناديهم بيوم جلوسه للحكم، وُيقِلُّ من الكلام إلا لحاجة؛ لأنه أهيب له، ثم يمضي إلى منزله. ويبعث ثقة فيتسلم ديوان الحكم وهو الدفتر المعد لكتب الوثائق والسجلات

стр. 2032

والودائع ممن كان قاضيًا قبله؛ لأنه الأساس الذي يبنى (١) عليه، وهو في يد الحاكم بحكم الولاية وقد صارت إليه، ويأمر كاتبًا ثقةً يثبت ما تسلمه بمحضر عَدْلَيْنِ، ثم يخرج يوم الوعد بأعدل أحواله غير غضبان ولا جائع ولا حاقن ولا مهموم بما يشغله عن الفهم فيُسلِّم على من يمر به ولو صبيًا، ثم يسلم على من بمجلسه لحديث: "إن من حق المسلم على المسلم أن يسلم عليه إِذا لقيه" (٢)، ويجلس على بساطٍ ونحوه يختص به ليتميز عن جلسائه؛ لأنه أهيب له لأنه مقام عظيم يجب فيه إظهار الحرمة تعظيمًا للشرع، ويدعو اللَّه بالتوفيق للحق والعصمة من زلل القول والعمل؛ لأنه مقام خطر، وكان من دعاء عمر ﵁ "اللهم أرني الحق حقًا ووفقني لاتباعه وأرني الباطل باطلًا ووفقني لاجتنابه" (٣) وليكن مجلسه فسيحًا كجامع فيجوز القضاء فيه بلا كراهة، روي عن عمر وعثمان وعلي "أنهم كانوا يقضون في المسجد" (٤) قال مالك: "القضاء في

стр. 2033

المسجد من أمر الناس القديم" (١)، وكان ﵇ "يجلس في المسجد" (٢) مع حاجة الناس إليه في الفتيا والحكم وغيرهما من حوائج الناس، وكدار واسعة وسط البلد [إن] (٣) أمكن يستوي أهل البلد في المضي إليه، ولا يتخذ حاجبًا ولا بَوَّابًا بلا عُذر لحديث عمرو بن مُرَّةَ (٤) مرفوعًا: "ما من إمام أو والٍ يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة إلا أغلق اللَّه أبواب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته" رواه أحمد والترمذي (٥)، ولأنهما ربما منعا ذا الحاجة لغرض النفس أو غرض الحطام، ويَعْرِضُ

стр. 2034

الْقَصَصَ، ويجب تقديم سابق ولا يقدم سابقًا في أكثر من حكومةٍ لئلا يستوعب المجلس ويقرع بينهم إن حضروا دفعةً واحدةً وتشاحوا. (و) يجب (عَلَيهِ) أي القاضي (العدلُ بين مُتَحَاكِمَينِ) ترافعا إليه (في لَفْظِهِ) أي كلامه (ولَحْظِهِ) أي ملاحظته (ومجلسِهِ ودخولٍ عليهِ) إلَّا إذا سلم أحدهم عليه فيرد ﵇، ولا ينتظر سلام الثاني لوجوب الرد فورًا، وإلا المسلم إذا ترافع إليه مع الكافر فيقدم المسلم دخولًا ويرفع جلوسا لحرمة الإسلام (١)، قال

стр. 2035

تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨)﴾ (١) ودليل وجوب العدل بين الخصمين حديث عُمَرَ بن شَبَّةَ (٢) في كتاب القضاء عن أمِّ سلمة مرفوعًا: "من ابتلي بالقضاء بين السلمين فليعدل بينهم في لفظه وإشارته ومقعده، ولا يرفع صوته على أحد الخصمين ما لا يرفعه على الآخر" (٣) وفي
следующие страницы →