← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13785

الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات

عثمان ابن جامع

Полный текст (2 242 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وجاز تكفين ذكر وأنثى بحرير، ومذهب، ومفضض؛ لضرورة. (وسن لامرأة) وخنثى بالغين (خمسة أثواب) من قطن تكفن فيها (إزار، وخمار، وقميص، ولفافتان)، قال ابن المنذر (١): أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم يرى أن تكفين المرأة في خمسة أثواب. وسن لصبي ثوب واحد، لأنه دون الرجل، ويباح في ثلاثة، ما لم يرثه غير مكلف. (و) سن لـ (صغيرة قميص، ولفافتان) بلا خمار، نصًّا (٢). ولا بأس باستعداد الكفن لحل، أو عبادة فيه، قيل لأحمد: يصلي أو يحرم فيه، ثم يغسله ويضعه لكفنه. فرآه حسنًا. ويحرم دفن حلي، وثياب مع ميت، غير كفنه، لأنه إضاعة للمال. (والواجب) لحق اللَّه تعالى، ولحق الميت (ثوب) واحد، لا يصف البشرة (يستر جميع الميت) لظاهر الأخبار (٣)، من ملبوس مثله في الجمع والأعياد، لأنه لا إجحاف فيه على الميت، ولا على ورثته، ما لم يوص بدونه. ويكره أن يكفن في أعلى من ملبوس مثله، ولو أوصى به، لأنه إضاعة للمال.

стр. 422

فصل في الصلاة على الميت وهي فرض كفاية، لأمره ﷺ بها في غير حديث، كقوله: "صلوا على أطفالكم فإنهم أفراطكم" (١). وقوله في الغالِّ: "صلوا على صاحبكم" (٢)، وقوله: "إن صاحبكم النجاشي قد مات فقوموا فصلوا عليه" (٣)، وقوله: "صلوا على من قال: لا إله إلا اللَّه" (٤) والأمر للوجوب، فإن لم يعلم به إلا واحد تعين عليه، وعلم منه: أنه لا يصلى على شهيد معركة، ومقتول ظلمًا في حال لا يغسلان فيها. (وتسقط الصلاة عليه) أي الميت (بـ) صلاة (مكلف) ذكرًا كان أو خنثى أو أنثى حُرًّا أو عبدًا، أو مبعضًا، كغسله، وتكفينه، ودفنه، وظاهره: لا تسقط بمميز، لأنه ليس من أهل الوجوب، وقدم في "المحرر" تسقط، كما لو غسله. (وتسن) الصلاة عليه (جماعة) كفعله ﷺ وأصحابه (٥)، واستمر

стр. 423

الناس عليه، إلا على النبي ﷺ ، فلم يصلوا عليه بإمام، احترامًا له، قال ابن عباس: دخل الناس على النبي ﷺ أرسالًا يصلون عليه، حتى إذا فرغوا، أدخلوا النساء حتى إذا فرغوا أدخلوا الصبيان، ولم يؤم الناسَ على رسول اللَّه ﷺ أحد (١). رواه ابن ماجه، وفي البزار والطبراني (٢): أن ذلك كان بوصية منه ﷺ . ويسن أن لا تنقص الصفوف عن ثلاثة، لحديث مالك بن هبيرة: كان إذا صلى على ميت جزأ الناس ثلاثة صفوف، ثم قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من صلى عليه ثلاثة صفوف من الناس فقد أوجبت له الجنة" (٣). رواه الترمذي وحسنه، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم. فإن كانوا ستة أو أكثر، جعل كل اثنين صفًا، وإن كانوا أربعة جعلهم صفين. ولا تصح صلاة الفذ فيها، والأولى بالصلاة على الميت إمامًا: وصيّه العدل، لأن الصحابة ما زالوا يوصون بها، ويقدمون الوصي، فأوصى أبو بكر أن يصلي عليه عمر (٤)، وأوصى عمر أن يصلي عليه صهيب (٥)، وأوصت أم سلمة أن يصلي عليها سعيد بن زيد (٦)، وأوصى أبو بكرة أن

стр. 424

يصلي عليه أبو برزة (١)، ذكره كله أحمد (٢)، وإن أوصى بها لفاسق لم تصح، فإن لم يكن وصي، فالسلطان، فنائبه، فالأولى بغسل رجل، فزوج بعد ذوي الأرحام، ثم مع تساوٍ الأولى بإمامةٍ، ثم يقرع. وتباح صلاة على ميت في المسجد إن أمن تلويثه، لصلاته ﷺ على سهل بن بيضاء فيه (٣). رواه مسلم، وجاء أن أبا بكر (٤) وعمر (٥) صُلي عليهما في المسجد، فإن خيف تلويث المسجد، بنحو انفجاره، حرم إدخاله إياه، صيانة له عن النجاسة. (و) يسن (قيام إمام و) قيام (منفرد عند صدر رجل) أي ذكر، (ووسط امرأة) أي أنثى، نصًّا (٦)، وقيامهما بين ذلك من خنثى مشكل، لتساوي الاحتمالين فيه. ويسن أن يلي إمامٌ -إذا اجتمع موتى- من كل نوع أفضل، وكان ﷺ يقدم في القبر من كان أكثر قرآنًا (٧)، فيقدم حر مكلف، الأفضل فالأفضل، فعبد كذلك، فصبي كذلك، ثم خنثى، ثم امرأة كذلك، فأسن فأسبق، ثم يقرع مع الاستواء في الكل.

стр. 425

وجمع الموتى بصلاة واحدة مع التعدد أفضل، ويجعل وسط أنثى حذاء صدر رجل، وخنثى بينهما، ليقف الإمام أو المنفرد موقفه مع كل واحد منهم (ثم يكبر) مصل (أربعًا) رافعًا يديه مع كل تكبيرة (يقرأ بعد) التكبيرة (الأولى و) بعد (التعوذ) والبسملة (الفاتحة بلا استفتاح) لأن مبناها على التخفيف، ولذلك لم تشرع فيها السورة بعد الفاتحة (ويصلي على النبي ﷺ بعد) التكبيرة (الثانية) كما يصلي عليه في تشهد، لأنه ﷺ لما سئل كيف نصلي عليك؟ علمهم ذلك (١) (ويدعو بعد) التكبيرة (الثالثة) مخلصًا، لحديث: "إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء" (٢) رواه أبو داود، وابن ماجه، وصححه ابن حبان (والأفضل) دعاؤه (بشيء مما ورد، ومنه) أي الوارد: ("اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا) أي حاضرنا (وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، إنك تعلم منقلبنا) أي منصرفنا، (ومثوانا) أي مأوانا وأنت على كل شيء قدير، اللهم من أحييته منا فأحْيهِ على الإسلام والسنة، ومن توفيته منا فتوفه عليهما" (٣) رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه من حديث أبي هريرة زاد ابن ماجه: "اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده" (٤)، وفيه: ابن إسحاق (٥). قال. . . .

стр. 426

الحاكم (١): حديث أبي هريرة صحيح على شرط الشيخين. لكن زاد فيه الموفق (٢): وأنت على كل شيء قدير. ولفظ السنة: ("اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نُزُلَه) بضم الزاي، وقد تسكن (وأوسع مَدخله) بفتح الميم موضع الدخول، وبضمها الإدخال (واغسله بالماء والثلج والبرد) بالتحريك، المطر المنعقد (ونقِّه من الذنوب والخطايا كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة، وأجره (٣) من عذاب القبر وعذاب النار (٤) ") رواه مسلم (٥)، من حديث عوف بن مالك أنه سمع النبي ﷺ يقول ذلك على جنازة، حتى تمنى أن يكون ذلك الميت، وفيه: "وأبدله أهلًا خيرًا من أهله، وأدخله الجنة". زاد الموفق (٦) لفظ: "من الذنوب"، (وافسَح له في قبره، ونوِّر له فيه) لأنه لائق بالحال، زاد الخِرقي (٧)، وابن عقيل (٨)، والمجد (٩) وغيرهم: "اللهم إنه عبدك، وابن

стр. 427

أمتك نزل بك، وأنت خير منزول به. إن كان الميت رجلًا، فإن كانت امرأة قال: اللهم إنها أمتك، بنت أمتك، نزلت بك، وأنت خير منزول" زاد بعضهم: "ولا نعلم إلا خيرًا". قال ابن عقيل وغيره: ولا يقوله إلا إن علم خيرًا، وإلا أمسك عنه حذرًا من الكذب (١). (وإن كان) الميت (صغيرًا أو مجنونًا) واستمر على جنونه حتى مات، (قال) بعد "ومن توفيته منا فتوفه عليهما": ("اللهم اجعله ذُخْرًا لوالديه وفرطًا) أي سابقًا مهيئًا لمصالح أبويه في الآخرة، سواء مات في حياتهما أو بعد موتهما (وأجرًا وشفيعًا مجابًا، اللهم ثقِّل به موازينهما، وعظِّم به أجورهما، وألحقه بصالح سلف المؤمنين، واجعله في كفالة إبراهيم، وقِهِ برحتمك عذاب الجحيم") لحديث المغيرة بن شعبة مرفوعًا: "السقط يصلى عليه، ويُدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة" (٢) وفي لفظ: "بالعافية والرحمة" (٣) رواهما أحمد، وإنما عدل عن الدعاء له بالمغفرة إلى الدعاء لوالديه بذلك، لأنه شافع غير مشفوع فيه، ولم يجر عليه قلم. وإن لم يعلم مصل إسلام والديه دعا لمواليه، لقيامهم مقامهما في المصاب به، ولا بأس بإشارة بنحو أصبع لميت حال دعائه له، نصًّا، ويؤنث الضمير في حال دعائه لأنثى، فيقول: اللهم اغفر لها وارحمها. . . إلخ. ولا يقول في ظاهر كلامهم: وأبدلها زوجًا خيرًا من زوجها. (ويقف بعد) التكبيرة (الرابعة قليلًا) لحديث زيد بن أرقم مرفوعًا: كان يكبر أربعًا، ثم يقف ما شاء اللَّه، فكنت أحسب هذه الوقفة ليكبر آخر

стр. 428

الصفوف، رواه الجوزجاني (١)، ولا يدعو بعد الرابعة لظاهر الخبر (ويسلِّم) تسليمة واحدة عن يمينه، نصًّا (٢)، لأنه أشبه بالحال، وأكثر ما روي في التسليم، (ويرفع يديه مع كل تكبيرة) نصًّا (٣)، رواه الشافعي (٤) عن ابن عمر، وسعيد عن ابن عباس، والأثرم عن عمر، وزيد بن ثابت (٥). وسن وقوف المصلي على الجنازة حتى ترفع، نصًّا (٦)، قال مجاهد (٧): رأيت عبد اللَّه بن عمر لا يبرح من مصلاه حتى يراها على أيدي الرجال (٨). وروي عن أحمد -أيضًا- أنه صلى ولم يقف (٩).

стр. 429

وأركان صلاة جنازة ستة: قيام قادر في فرضها، والتكبيرات الأربع، وقراءة الفاتحة، والصلاة على رسول اللَّه ﷺ ، والدعاء للميت، والسلام. وشرط لها ما شرط لمكتوبة، إلا الوقت، وحضور الميت بين يديه، إلا إذا صلى على غائب عن البلد، إلى شهر من موته بالنية، لأنه لا يعلم بقاؤه بعد ذلك. والثاني: إسلام الميت. والثالث: تطهيره ولو بتراب لعذر. وللمصلي على جنازة قيراط من الأجر، وله بتمام دفنها قيراط آخر، لحديث: "من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان". قيل: وما القيراطان؟ قيل: "مثل الجبلين العظيمين" ولمسلم: "أصغرهما مثل أحد" (١). بشرط أن لا يفارقها من الصلاة عليها حتى تدفن لقوله ﷺ في حديث آخر: "فكان معها حتى يصلي عليها ويفرغ من دفنها" (٢). (وسنّ تربيع في حملها) أي يسن أن يحملها أربعة، لقول ابن مسعود: إن اتبع أحدكم جنازة فليأخذ بقوائم السرير الأربع، ثم ليتطوع بعد، أو ليذر (٣). رواه سعيد. فيضع قائمة السرير اليسرى المقدّمة حال السير لأنها تلي يمين الميت من عند رأسه على كتفه اليمنى، ثم يدعها لغيره، وينتقل إلى قائمة السرير اليسرى المؤخرة فيضعها على كتفه اليمنى -أيضًا- ثم يضع قائمة السرير اليمنى المقدمة على كتفه اليسرى، ثم يدعها لغيره، وينتقل إلى

стр. 430

قائمة السرير اليمنى المؤخرة فيضعها على كتفه اليسرى أيضًا، فيكون البدء من الجانبين بالرأس، والختم منهما بالرجلين، كالغسل. ويقول: بسم اللَّه، وعلى ملة رسول اللَّه، ويذكر اللَّه إذا تناول السرير، نصًّا (١). ولا يكره حمل جنازة بين عمودين نصًّا كل واحد على عاتق. نصًّا (٢)، لما روي أنه ﷺ حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين (٣)، وأن سعد بن أبي وقاص حمل جنازة عبد الرحمن بن عوف بين العمودين (٤). ولا يكره حملٌ بأعمدة للحاجة، كجنازة ابن عمر (٥)، ولا الحمل على دابة لغرض صحيح، كبعد قبره. ولا يكره حمل طفل على يديه. (و) سن (إسراع) بها أي الجنازة، لحديث: "أسرعوا بالجنازة، فإن تكن صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن كانت غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم" (٦). متفق عليه، ويكون الإسراع دون الخبب، نصًّا (٧)، لحديث أبي سعيد مرفوعًا: "أنه مر عليه بجنازة تمخض مخضًا، فقال: "عليكم بالقصد في جنائزكم" (٨) رواه أحمد.

стр. 431

(و) سن (كون ماش) معها (أمامها) لحديث ابن عمر، رأيت النبي ﷺ وأبا بكر وعمر -رضي اللَّه تعالى عنهما- يمشون أمام الجنازة (١). رواه أبو داود، والترمذي. وعن أنس، نحوه (٢)، رواه ابن ماجه، ولأنهم شفعاؤه. (و) سن كون (راكب لحاجة خلفها) لحديث المغيرة بن شعبة مرفوعًا: "الراكب خلف الجنازة" (٣). رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. (وقُرب) متبع الجنازة (منها) أفضل، لأنها كالإمام، وكره لمتبع جنازة ركوب، لحديث ثوبان قال: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ في جنازة فرأى ناسًا ركبانًا فقال: "ألا تستحيون؟ إن ملائكة اللَّه على أقدامهم، وأنتم على ظهور الدواب" (٤). رواه الترمذي. إلا لحاجة، كمرض، وإلا لعود، فلا يكره، لحديث جابر بن سمرة: أن النبي ﷺ تبع جنازة ابن الدحداح ماشيًا، ورجع على فرس (٥)، قال الترمذي: صحيح. وكره تقدمها إلى موضع الصلاة، لا إلى المقبرة. وكره جلوس من يتبعها حتى توضع بالأرض للدفن، نصًّا (٦)،

стр. 432

لحديث مسلم، عن أبي سعيد مرفوعًا: "إذا تبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع" (١). وكره قيام لها إن جاءت، أو مرت به وهو جالس، لحديث علي قال: رأينا رسول اللَّه ﷺ قام، فقمنا تبعًا له، وقعد وقعدنا تبعًا له (٢). يعني في الجنازة. رواه مسلم وغيره. وعن ابن عباس مرفوعًا: "قام ثم قعد" (٣) رواه النسائي. وكره رفع الصوت معها، ولو بقراءة، أو تهليل، لأنه بدعة، وقول القائل مع الجنازة: استغفروا له، ونحوه بدعة، وروى سعيد أن ابن عمر وسعيد بن جبير قالا لقائل ذلك: لا غفر اللَّه لك (٤). وكره أن يتبعها امرأة، لحديث أم عطية: نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا (٥). متفق عليه. أي لم يحتم علينا ترك اتباعها. وحرم أن يتبعها مع منكر، من نحو نوح، ولطم خد، عاجز عن إزالته، لما فيه من الإقرار على المعصية، ويلزم القادر على إزالته أن يزيله ولا يترك اتباعها. ودفن الميت فرض كفاية لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ (٦) قال ابن عباس: أكرمه بدفنه (٧). وقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ (٨) أي جامعة للأحياء في ظهرها بالمساكن، وللأموات في بطنها

стр. 433

بالقبور (١)، والكفت الجمع (٢)، وهو إكرام للميت، لأنه لو ترك لأنتن، وتأذى الناس بريحه، وقد أرشد اللَّه قابيل إلى دفن أخيه هابيل (٣)، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ (٤). ويسقط دفن وتكفين وحمل بفعل كافر، لأن فاعلها لا يختص أن يكون من أهل القربة، ويقدم بدفن ذكر وأنثى من يقدم بغسله، ونائبه كهو، ويقدم بدفن امرأة، محارمها الرجال، فزوج، فأجانب، لأن النساء يضعفن عن إدخال الميت القبر (٥). (وكون قبر لحدًا) أفضل من كونه شقًّا -وهو بفتح اللام والضم لغة- أن يحفر في أسفل حائط القبر حفرة تسع الميت، وأصله الميل (٦). وكون اللحد مما يلي القبلة أفضل، ونصب لبن عليه أفضل من نصب حجارة أو غيرها، لحديث مسلم، عن سعد بن أبي وقاص قال في مرضه الذي مات فيه: ألحدوا لي لحدًا، وأنصبوا علي اللبن نصبًا، كما فُعل برسول اللَّه ﷺ (٧). وكره شق بلا عذر، قال أحمد (٨): لا أحب الشق لحديث: "اللحد لنا

стр. 434

والشق لغيرنا" (١) رواه أبو داود وغيره، لكنه ضعيف، والشق أن يحفر وسط القبر كالحوض، ثم يوضع الميت فيه، ويسقف عليه ببلاط أو غيره، أو يبنى جانباه بلبن أو غيره، فإن تعذر اللحد لكون التراب ينهال، ولا يمكن دفعه بنصب لبن ولا حجارة ونحوها، لم يكره الشق. وكره دفن في تابوت ولو امرأة، لأن الأرض أنشف لفضلاته، ولأن التابوت خشب، وتفاؤلًا أن لا يمس الميت نار. وسن أن يعمق قبر، ويوسع بلا حد، لقوله ﷺ في قتلى أحد: "احفروا، ووسعوا، وأعمقوا" (٢). قال الترمذي: حسن صحيح. ولأن التعميق أبعد لظهور الرائحة وأمنع للوحش، والتعميق -بالعين المهملة- الزيادة في النزول، ويكفي ما يمنع السباع، والرائحة، لأنه يحصل به المقصود، وسواء الرجل والمرأة. (و) سن (قول مدخل) للميت القبر: (بسم اللَّه، وعلى ملة رسول اللَّه) لحديث ابن عمر مرفوعًا: "إذا وضعتم موتاكم في القبر فقولوا: بسم اللَّه وعلى ملة رسول اللَّه" (٣) رواه أحمد، وإن قرأ ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ (٤) أو أتى بذكر أو دعاء لائق عند وضعه وإلحاده، فلا بأس. (و) سن (لحده على شقه الأيمن) لأنه يشبه النائم، وهذه سنته، وأن يجعل تحت رأسه لبنة، فإن لم يوجد فحجر، فإن لم يوجد فقليل من تراب،

стр. 435

لأنه شبه بالمخدة للنائم، ولئلا يميل رأسه، ويزال الكفن عن خده، ويلصق بالأرض، لأنه أبلغ في الاستكانة. قال عمر: إذا أنا مت فأفضوا بخدي إلى الأرض (١). ويكره جعل مخدة تحت رأسه، نصًّا (٢)، لأنه غير لائق بالحال، ولم ينقل عن السلف، ويكره جعل مضرَّبة (٣) وقطيفة تحته، روي عن ابن عباس أنه كره أن يُلقى تحت الميت في القبر شيء (٤). ذكره الترمذي. وعن أبي موسى: لا تجعلوا بيني وبين الأرض شيئًا (٥). والقطيفة التي وضعت تحته ﷺ إنما وضعها شقران (٦) ولم يكن عن اتفاق من الصحابة. (ويجب استقباله) أي الميت (القبلة) لقوله ﷺ في الكعبة: "قبلتكم أحياء وأمواتًا" (٧) ولأنه طريقة المسلمين بنقل الخلف عن السلف، وينبغي أن يدنى من الحائط، لئلا ينكب على وجهه، ويتعاهد خلال اللبن بسده بالمدر ونحوه، ثم يطيَّن فوقه، لئلا ينتخل عليه التراب. وسن حثو التراب عليه ثلاثًا باليد، ثم يهُال عليه التراب، لحديث أبي هريرة قال فيه: "فحثي عليه من قبل رأسه

стр. 436

ثلاثًا" (١) رواه ابن ماجه. ولا يجوز أن يوضع الميت على الأرض، ويوضع فوقه حبال (٢) من تراب، أو يبنى عليه بناء، لأنه ليس بدفن. وسن تلقينه بعد الدفن عند القبر، لحديث أبي أمامة الباهلي قال: "قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب، فليقم على رأس قبره، ثم ليقل: يا فلان بن فلانة، فإنه يسمع ولا يجيب، ثم ليقل: يا فلان بن فلانة، فإنه يستوي قائمًا، ثم ليقل: يا فلان بن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا يرحمك اللَّه، ولكن لا تسمعون، فيقول: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا. شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنك رضيت باللَّه ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا، وبالقرآن إمامًا. فإن منكرًا ونكيرًا يقولان: ما يقعدنا عنده وقد لُقِّنَ حجته. قال رجل: يا رسول اللَّه فإن لم يعرف اسم أمه؟ قال: فلينسبه إلى حواء" (٣) رواه أبو بكر عبد العزيز في "الشافي" ويؤيده حديث: "لقنوا موتاكم لا إله إلا اللَّه" (٤) وظاهره: لا فرق بين الصغير وغيره، بناء على نزول الملكين إليه، ورجحه في "الإقناع" (٥) وصححه الشيخ تقي الدين (٦)، وخصه بعضهم بالمكلف (٧).

стр. 437

وسن الدعاء للميت بعد الدفن عند القبر، نصًّا (١)، فعله عليّ (٢)، والأحنف بن قيس (٣)، لحديث عثمان: كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، وقال: "استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل" (٤). رواه أبو داود. وفعله أحمد جالسًا (٥)، واستحب الأصحاب وقوفه (٦). وسن رش القبر بماء، بعد وضع الحصباء عليه، لما روى جعفر بن محمد، عن أبيه، أن النبي ﷺ على قبر ابنه إبراهيم ماء، ووضع علي الحصباء (٧). رواه الشافعي. وسن رفعه قدر شبر، ليعلم أنه قبر، فيُتوقَّى، ويترحم على صاحبه. (وكره بلا حاجة جلوس تابعها) أي الجنازة (قبل وضعها) على الأرض للدفن، كما تقدم (٨). (و) كره (تجصيص قبر، وبناء، وكتابة، ومشي وجلوس عليه) أي القبر وكره رفعه فوق شبر، وكره زيادة ترابه، نصًّا (٩)، لحديث جابر مرفوعًا: نهي أن يُبنى على القبر أو يزاد

стр. 438

عليه (١). رواه أبو داود، والنسائي. (و) كره (إدخاله) أي القبر (شيئًا مسته النار) كآجر، وكحل، وخشب، إلا لضرورة. (و) كره (تبسُّمٌ، وحديث بأمر الدنيا عنده) أي: القبر، ووطء عليه، ولو بلا نعل، لحديث جابر مرفوعًا: نهى أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يقعد عليه (٢). رواه مسلم والترمذي، وزاد: "وأن يكتب عليه" (٣) وقال: حسن صحيح. وروي أن النبي ﷺ رأى رجلًا قد اتكأ على قبر، فقال: "لا تؤذوا صاحب القبر" (٤)، ولأن الحديث في أمر الدنيا والتبسم عنده غير لائق بالحال. (وحَرُمَ دفن اثنين فأكثر في قبر) لأنه ﷺ كان يدفن كل واحد في قبر، ولا فرق بين المحارم (إلا لضرورة) أو حاجة، ككثرة الموتى بقتل أو غيره، فيجوز دفن اثنين فأكثر بقبر، للعذر. وسن حجز بينهما بتراب، وأن يقدم إلى القبلة من يقدم إلى الإمام، لحديث هشام بن عامر قال: "شكي إلى رسول اللَّه ﷺ كثرة الجراحات يوم أحد، فقال: احفروا وأوسعوا وأحسنوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر، وقدِّموا أكثرهم قرآنًا" (٥) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. ويحرم دفن بمسجد، ونحوه، كمدرسة، لأنه لم يبن له، وينبش من

стр. 439

دفن ويخرج، نصًّا (١)، ويحرم دفن في ملك غيره، ما لم يأذن مالك، ويباح نبش قبر حربي، لأن موضع مسجده ﷺ كان قبورًا للمشركين، فأمر بنبشها، وجعلها مسجدًا (٢)، ولا يباح نبش قبر مسلم مع بقاء رُمَّته (٣)، إلا لضرورة، كأن دفن في ملك الغير بلا إذنه، والأولى له تركه إذن، وإن كُفن بغصب، نبش وأخذ مع بقائه، ليرد إلى مالكه، إن تعذر غرمه من تركته، وإلا لم ينبش لهتك حرمته، مع إمكان دفع الضرر بدونها. ويجب نبش من دفن بلا غسل أمكن، تداركًا للواجب، ويجوز نبش ميت لغرض صحيح، كتحسين كفنه، لحديث جابر، قال: أتى النبي ﷺ عبد اللَّه بن أبي بعدما دفن، فاخرجه، فنفث فيه من ريقه وألبسه قميصه (٤). متفق عليه. ويجوز نبشه، لنقله لبقعة شريفة، ومجاورة صالح، لما في "الموطأ" لمالك: أنه سمع غير واحد يقول: إن سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، ماتا بالعقيق، فحملا إلى المدينة، ودفنا بها (٥)، إلا شهيدًا دفن بمصرعه، فلا يجوز نقله، لحديث جابر مرفوعًا: "ادفنوا القتلى في مصارعهم" (٦). وإن ماتت حامل بمن ترجى حياته، حرم شق بطنها للحمل، مسلمة كانت أو ذمية، لأنه هتك حرمة متيقنة، لإبقاء حياة متوهمة، إذ الغالب أن

стр. 440

الولد لا يعيش، واحتج أحمد (١)، بحديث عائشة مرفوعًا: "كسر عظم الميت ككسر عظم الحي" (٢) رواه أبو داود، وأخرج النساء من ترجى حياته، فإن تعذر عليهن إخراجه لم تدفن حتى يموت، ولا يوضع عليه ما يموته، وإن خرج بعضه حيًّا شق للباقي، فإن مات قبل إخراجه، أخرج ليغسل ويكفن، ولا يشق بطنها، فإن تعذر إخراجه غسل ما خرج منه، لأنه في حكم السقط، ولا تيمم للباقي، لأنه حمل، وصلي عليه معها، بشرط أن يكون له أربعة أشهر فأكثر. وإن ماتت كافرة حامل بمسلم لم يصل عليها، ودفنها مسلم مفردة إن أمكن، وإلا فمعنا، وتدفن على جنبها الأيسر، مستدبرة القبلة، ليكون الجنين على جنبه الأيمن، مستقبل القبلة. (وأي قُربة فُعلت وجُعل ثوابها لمسلم) لا كافر (حي أو ميت نفعـ) ـتـ (ـه) كالدعاء، والاستغفار، وواجب تدخله النيابة، وصدقة التطوع إجماعًا (٣)، وكذا العتق، وحج التطوع، والقراءة، والصلاة، والصيام. قال أحمد: الميت يصل إليه كل شيء من الخير، من صدقة، أو صلاة، أو غيره، للأخبار (٤). ومنها ما روى أحمد، أن عمر سأل النبي ﷺ فقال: "أما أبوك فلو أقر بالتوحيد فصمت أو تصدقت عنه نفعه ذلك" (٥). وروى أبو جعفر عن الحسنين أنهما كانا يعتقان عن علي بعد موته (٦)، وأعتقت عائشة عن

стр. 441

أخيها عبد الرحمن بعد موته، ذكره ابن المنذر (١). ولا يشترط في الإهداء، ونقل الثواب، نيته به ابتداء، بل يتجه حصول الثواب له قبل ابتداء بالنية له قبل الفعل، وظاهره لا يشترط أن يقول: إن كنت أثبتني على هذا فاجعل ثوابه لفلان، ولا يضر كونه أهدى ما لا يتحقق حصوله، لأنه يظنه ثقة بوعد اللَّه، وحسنًا للظن، ولو صلى فرضًا وأهدى ثوابه لميت، لم يصح في الأشهر، وإهداء القرب مستحب، قال في "الفنون" والمجد: حتى للنبي ﷺ (٢). روى البيهقي، عن ابن مسعود، وعائشة، أن "موت الفجاءة راحة للمؤمن، وأخذة آسفٍ للفاجر" (٣) ورواه مرفوعًا -أيضًا-. (وسن لرجال زيارة قبر مسلم) نصًا (٤)، ذكرًا كان أو أنثى، لحديث: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تذكر الموت" (٥) وللترمذي:

стр. 442

"فإنها تذكر الآخرة" (١)، وهذا التعليل يرجح أن الأمر للاستحباب، وإن كان واردًا بعد الحظر. (و) سن (القراءة عنده) (٢) أي القبر والذكر (و) فعل (ما يخفف عنه) أي الميت (ولو بجعل جريدة رطبة في القبر) للخبر (٣)، وأوصى به بريدة، ذكره البخاري (٤). وسن أن يقف زائر قريبًا منه عرفًا. وتباح زيارة مسلم لقبر كافر، ولا يسلم عليه، ولا يدعو له، بل يقول: أبشر بالنار، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (٥) المراد به عند أكثر المفسرين: الدعاء والاستغفار له (٦).

стр. 443

وتكره زيارة القبور لنساء؛ لحديث أم عطية: نهينا عن زيارة القبور ولم يعزم علينا (١). متفق عليه، فإن علمن أنه يقع منهن محرم حرمت، إلا زيارتهن لقبر النبي ﷺ ، وقبري صاحبيه -رضوان اللَّه عليهما- فتسن، كرجال لعموم "من حج فزارني" (٢) ونحوه. ولا يمنع كافر من زيارة قبر قريبه المسلم، كعكسه. (و) سن (قول زائر) لقبر (ومارٍّ به) أو بقبور: ("السلام عليكم دار قوم مؤمنين) أو يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين (وإنا إن شاء اللَّه بكم) لـ (لاحقون، يرحم اللَّه المستقدمين منكم والمستأخرين، نسأل اللَّه لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم) (٣) للأخبار، وقوله: إن شاء اللَّه، للتبرك أو في الموت على الإسلام، أو في الدفن عندهم، ونحوه مما أجيب به، إذ الموت محقق فلا يعلق بأن. ويخير في السلام على حي بين تعريف وتنكير، لصحة النصوص بهما،

стр. 444

وهو سنة عين من منفرد، ومن اثنين فأكثر سنة كفاية، لحديث: "أفشوا السلام" (١) وما بمعناه، والأفضل أن يسلموا كلهم، ولا يجب إجماعًا (٢)، ويكره في الحمام، وعلى من يأكل، أو يقاتل، أو يبول، أو يتغوط، أو يخطب، أو يتلو، أو يذكر، أو يلبي، أو يحدِّث، أو يعظ، أو يستمع لهم، أو يقرر فقهًا، أو يدرس، أو يبحث في العلم، أو يؤذن، أو يقيم، أو يتمتع بأهله، أو يشتغل بالقضاء ونحوهم. ورده إن لم يكره ابتداؤه: فرض كفاية، فإن كان المسلَّم عليه واحدًا تعين عليه، ومن سلم في حالة لا يستحب فيها السلام، لم يستحق جوابًا. ورد السلام سلام حقيقة، لأنه يجوز بلفظ سلام عليكم، ولا تجب زيادة الواو فيه، وفي "الإقناع" (٣) تجب. ولا تسن زيادة على: ورحمة اللَّه وبركاته، في ابتداء ورد، وتجوز زيادة أحدهما على الآخر، والأولى لفظ الجمع، وإن كان المسلَّم عليه واحدًا، ولا يسقط برد غير المسلم عليه، ومن بُعث معه السلام بلَّغه وجوبًا إن تحمله، ويجب الرد عند البلاغ. ويستحب أن يسلم على الرسول، فيقول: عليك وعليه السلام، كتشميت عاطس حمد اللَّه تعالى، وكإجابته لمن شمته، فكل منهما فرض كفاية، لأن التشميت تحية، فحكمه كالسلام، ولهذا لا يشمت الكافر، كما لا يبتدأ بالسلام، فيقال لعاطس حمد اللَّه: يرحمك اللَّه، أو يرحمكم اللَّه، ويجيب بقوله: يهديكم اللَّه ويصلح بالكم، أو يغفر اللَّه لنا ولكم، فإن لم يحمد لم يشمت، لحديث أبي هريرة: "فإذا عطس أحدكم فحمد اللَّه، فحق على كل مسلم سمعه أن يقول له: يرحمك اللَّه" (٤). ولا يشمت أكثر من ثلاث في مجلس واحد، والاعتبار

стр. 445

بفعل التشميت، لا بعدد العطسات، ويعلَّم صغير الحمد للَّه إذا عطس، ثم يقال له: يرحمك اللَّه، أو بورك فيك، ومن عطسى فلم يحمد، فلا بأس بتذكيره. ويسمع الميت الكلام، لأنه ﷺ أمر بالسلام عليهم (١)، ولم يكن ليأمر بالسلام على من لا يسمع. وقال الشيخ تقي الدين: استفاضت الآثار بمعوفة الميت بأحوال أهله، وأصحابه في الدنيا، وأن ذلك يعرض عليه، وجاءت الآثار بأنه يرى -أيضًا- وبأنه يدريَ بما فعل عنده، ويُسَرُّ بما كان حسنًا، ويتألم بما كان قبيحًا (٢). ويعرف الميت زائره يوم الجمعة قبل طلوع الشمس (٣). وفي "الغنية" (٤): يعرفه كل وقت وهذا الوقت آكد. وقال ابن القيم: الأحاديث والآثار تدل على أن الزائر متى جاء علم به المزور، وسمع سلامه وأنس به ورد عليه، وهذا عام في حق الشهداء وغيرهم، وأنه لا توقيت في ذلك، وهو أصح من أثر الضحاك الدال على التوقيت (٥)، انتهى. يشير إلى ما روي عن الضحاك قال: من زار قبرًا يوم السبت، قبل طلوع الشمس، علم الميت بزيارته، قيل له: وكيف ذلك؟ قال: [لمكان يوم الجمعة. و] (٦) لما روى ابن أبي الدنيا، عن محمد بن واسع قال: بلغني أن الموتى يعلمون من زارهم يوم الجمعة، ويومًا قبله، ويومًا بعده (٧).

стр. 446

وسن لمصاب بموت نحو قريب أن يسترجع، فيقول: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، اللهم آجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها. وقال الآجري وجماعة: ويصلي ركعتين (١)، قال في "الفروع" (٢): وهو متجه فعله ابن عباس وتلى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ (٣). (وتعزية) المسلم (المصاب بالميت سنة) ولو كان صغيرًا، قبل دفن، وبعده، لحديث: "ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه اللَّه من حلل الجنة" (٤). رواه ابن ماجه، وعن ابن مسعود مرفوعًا: "من عزى مصابًا فله كمثل أجره (٥). رواه ابن ماجه، والترمذي، وقال: غريب. وتحرم تعزية كافر، والتعزية: التسلية، والحث على الصبر، والدعاء للميت والمصاب (٦). وتكره تعزية رجل لشابة، مخافة الفتنة. والتعزية إلى ثلاثة أيام بلياليهن، فلا يعزى بعدها، لأنها مدة الإحداد المطلق. قال المجد (٧): إلا إذا كان غائبًا، فلا بأس بتعزيته إذا حضر. فيقال في تعزية مسلم مصاب بمسلم: أعظم اللَّه أجرك، وأحسن عزاك، وغفر

стр. 447

لميتك. ولمسلم مصاب بكافر: أعظم اللَّه أجرك، وأحسن عزاك، لأن الغرض الدعاء للمصاب وميته، إلا إذا كان كافرًا فيمسك عن الدعاء له، والاستغفار، لأنه منهي عنه (١)، وكره تكرار التعزية، نصًّا (٢)، وكره جلوس لها (٣)، ويَرُدُّ معزى على من ىاه بقوله: استجاب اللَّه دعاءك، ورحمنا وإياك. وسن أن يصلح لأهل الميت طعام، يبعث به إليهم، ثلاثًا، لحديث: "اصنعوا لآل جعفر طعامًا فقد أتاهم ما يشغلهم" (٤). رواه أبو داود، والترمذي، وحسنه. ولا يصلح الطعام لمن يجتمع عند أهل الميت، فيكره، لأنه إعانة على مكروه، وهو الاجتماع عندهم. قال أحمد: هو من أفعال الجاهلية، وأنكره شديدًا (٥). ولأحمد وغيره وإسناده ثقات عن جرير: كنا نعدُّ الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة (٦). كما يكره فعل أهل الميت ذلك للناس.

стр. 448

ويكره ذبح عند قبر، وأكل منه، لحديث أنس: "لا عقر في الإسلام" (١). رواه أحمد، وأبو داود، قال أحمد: كانوا إذا مات لهم الميت نحروا جزورًا، فنهى ﷺ عن ذلك (٢). وفي معنى الذبح عنده: الصدقة عنده، فإنه محدث، وفيه رياء، قاله الشيخ منصور في "شرح المنتهى" (٣)، انتهي. (ويجوز البكاء عليه) أي الميت قبل موته، وبعده، للأخبار، وأخبار النهي محمولة على بكاء معه ندب أو نياحة (٤). قال المجد (٥): أو أنه كره كثرة البكاء والدوام عليه.

стр. 449

كتاب الزكاة هي أحد أركان الإسلام، ومبانيه المشار إليه بقوله ﷺ : "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا اللَّه. . . " (١) إلخ، من زكا يزكو، إذا نما، أو تطهر (٢)، لأنها تطهر مؤديها من الإثم، أي تنزهه عنه، وتنمي أجره، أو تنمي المال، أو الفقراء. وأجمعوا على فرضيتها (٣) واختلفوا هل فرضت بمكة أو بالمدينة. وذكر صاحب "المغني"، و"المحرر"، والشيخ تقي الدين: أنها مدنية (٤)، قال في "الفروع" (٥): ولعل المراد طلبها، وبعث السعاة لقبضها، فهذا بالمدينة. وقال الحافظ شرف الدين الدمياطي (٦): فرضت في السنة الثانية من الهجرة بعد زكاة الفطر (٧). وفي "تاريخ" ابن جرير الطبري: أنها فرضت في السنة الرابعة من الهجرة (٨).

стр. 450

والزكاة حق واجب في مال خاص، لطائفة مخصوصة، في وقت مخصوص (١). وهي (تجب في خمسة أشياء): في سائمة (٢) (بهيمة الأنعام) الإبل والبقر، والغنم، وفي سائمة بقر الوحش، وغنمه، لشمول اسم البقر والغنم لهما، والمتولد بينهما، كالمتولد بين الظباء والغنم، وبين السائمة والمعلوفة، تغليبًا للوجوب (و) في (نقد و) في (عرض تجارة و) في (خارج من الأرض و) في (ثمار). ولها شروط خمسة ليس منها بلوغ، ولا عقل. فتجب في مال صغير ومجنون، لعموم حديث: "أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم،

стр. 451

فترد على فقرائهم" (١). رواه الجماعة. وروى الشافعي في "مسنده" عن يوسف بن ماهك، مرفوعًا: "ابتغوا في أموال اليتامى لا تذهبها، أو لا تستهلكها الصدقة" (٢). وكونه مرسلًا (٣) غير ضار، لأنه حجة عندنا، وهو قول جماعة من الصحابة (٤) منهم عمر، وابنه، وعلي، وابنه الحسن، وجابر بن عبد اللَّه، وعائشة. ورواه الأثرم عن ابن عباس. ولأن الزكاة مواساة، وهما من أهلها كالمرأة بخلاف الجزية والعقل. ولا تجب في المال المنسوب للجنين. فذكر الأول منها، بقوله (بشرط إسلام) فلا تجب على كافر، لحديث

стр. 452

معاذ حين بعثه النبي ﷺ إلى اليمن: "إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، فإن هم أطاعوك بذلك، فأعلمهم أن اللَّه قد افترض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم" (١)، متفق عليه. ولأنها أحد أركان الإسلام، فلم تجب على كافر، كالصيام، ولو كان الكافر مرتدًّا، لأنه كافر، فأشبه الأصلي. فإذا أسلم لم تؤخذ منه لزمن ردته، لعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٢)، وقوله ﷺ : "الإسلام يجب ما قبله" (٣). (و) بشرط (حرية)، فلا تجب الزكاة على قِنٍّ، ولو قيل يملك بالتمليك، ولو كان مكاتبًا، لحديث جابر بن عبد اللَّه، مرفوعًا: "ليس في مال المكاتب زكاة حتى يعتق" (٤). رواه الدارقطني. ولأن ملكه ضعيف لا يحتمل المواساة، ومتى عتق استأنف الحول بما بقي له، إن بلغ نصابًا. ولا يملك رقيق غيره، ولو ملك من سيده أو غيره، لأنه مال، فلا يملك المال، كالبهائم، فما جرى فيه صورة تمليك من سيد لعبده، فزكاته

стр. 453

على السيد، لأنه لم يخرج عن ملكه. وأشار للثالث بقوله: (و) بشرط (ملك نصاب) وهو سبب وجوب الزكاة -أيضًا- فلا زكاة في مال حتى يبلغ نصابًا تقريبًا، في الأثمان، وقيم عروض تجارة، فتجب مع نقص يسير، كحبة، أو حبتين، لأنه لا ينضبط غالبًا، أشبه نقص الحول ساعة أو ساعتين، وتحديدًا في غيرهما. (و) بشرط (١) (استقراره) أي ملك النصاب في الجملة، لأن الزكاة في مقابلة تمام النعمة، والملك الناقص ليس بنعمة تامة، فلا زكاة على سيد في دين كتابة، لنقص ملكه فيه، بعدم استقراره بحال، وعدم صحة الحوالة عليه، وضمانه. ولا زكاة في حصة مضارب من ربح قبل قسمة، ولو ملكت بالظهور، لعدم استقراره، لأنه وقاية لرأس المال، فملكه ناقص، ويزكي رب المال حصته من ربح، نصًّا (٢)، كالأصل تبعًا له. وليس لعامل إخراج زكاة تلزم رب المال، بلا إذنه، نصًّا (٣)، فيضمنها، لأنه ليس وليًّا له، ولا وكيلًا عنه فيها. ولا زكاة في موقوف على غير معين، أو على مسجد، أو مدرسة، أو رباط، ونحوه، لعدم تعين المالك، ولا في نقد موصى به في وجوه بر، أو يشترى به وقف، ولو ربح، لعدم تعين مالكه، والربح كالأصل، لأنه نماؤه، فيصرف مصرفه، ويضمن إن خسر نصًّا (٤). (و) بشرط (سلامة من دَيْن) حال، أو مؤجل (ينقص النصاب) لما روى أبو عبيد، عن السائب بن يزيد، قال: سمعت عثمان بن عفان -رضي

стр. 454

اللَّه تعالى- عنه يقول: هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دَيْن فليؤده، حتى تخرجوا زكاة أموالكم (١)، وفي لفظ: من كان عليه دين فليقض دينه، وليزك بقية ماله (٢). وقد قاله بمحضر من الصحابة، فدل على اتفاقهم عليه، حيث لم ينكروه. ولأن الزكاة وجبت مواساة للفقراء، وشكرًا لنعمة الغنى، وحاجة المدين لوفاء دينه كحاجة الفقير وأشد، ولو كان الدين كفارة أو نذرًا، أو كان زكاة غنم عن إبل، لأنه دين يجب قضاؤه، فمنع، كدين الآدمي، وفي الحديث: "دين اللَّه أحق أن يُقضى" (٣). والزكاة من جنس ما وجبت فيه تمنع بالأولى، إلا دينًا بسبب ضمان، فلا يمنع، لأنه فرع أصل في لزوم الدين، فاختص المنع بأصله، لترجحه، وإلا دَيْنًا بسبب حصاد، أو جذاذ، أو دياس، لسبق الوجوب، بخلاف الخراج، فإن لم ينقص الدَيْن النصاب، فلا زكاة عليه فيما يقابل الدين مما سبق، ويزكي باقيه، لعدم المانع، ومتى برئ مدين من دين بنحو قضاء من مال مستحدث، أو إبراء، ابتدأ حولًا منذ برئ، لأن ما منع وجوب الزكاة، منع انعقاد الحول وقطعه. ومن له عرض قِنْية (٤) يباع لو أفلس، بأن كان فاضلًا عن حاجته

стр. 455

الأصلية، يفي بدَيْنه الذي عليه، ومعه مال زكوي، جعل الدين في مقابلة ما معه، ولا يزكيه، لئلا تختل المواساة، ولأن عرض القنية كملبوسه في أنه لا زكاة فيه، فإن كان العرض لتجارةٍ زكى ما معه، نصًّا (١)، وكذا من بيده ألف له، وله على مليء ألف، وعليه ألف دين، فيجعل الدين في مقابلة ما بيده، فلا يزكيه، ويزكي الدين إذا قبضه. وأشار للشرط الخامس بقوله: (و) بشرط (مضي حول) في أثمان، وماشية، وعروض تجارة، على نصاب تام، لحديث: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" (٢) رفقًا بالمالك، ولتكامل النماء، فيواسي منه. ولأن الزكاة تتكرر في هذه الأموال، فلا بد لها من ضابط، لئلا يفضي إلى تعاقب الوجوب في الزمن المتقارب فيفنى المال (إلا في معشَّر) من خارج من الأرض وما في حكمه كالعسل، فلا يعتبر فيه حول، لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٣) وذلك ينفي اعتباره في الثمار والحبوب، وأما العسل والمعدن والركاز فبالقياس عليهما، ولأن هذه الأشياء نماء في

стр. 456

نفسها تؤخذ الزكاة منها عند وجودها، ثم لا تجب فيها زكاة ثانية، لعدم إرصادها للنماء، إلا أن يكون المعدن أثمانًا، فتجب فيها عند كل حول، لأنها مظنة النماء من حيث إنها قيم الأموال، (و) إلا في (نتاج سائمة) بكسر النون فيتبع أصله في حوله إن كان نصابًا، لقول عمر: اعتد عليهم بالسخلة، ولا تأخذها منهم (١). رواه مالك، ولقول علي: عد عليهم الصغار والكبار (٢). ولا يعرف لهما مخالف. ولأن السائمة يختلف وقت ولادتها، فإفراد كلٍّ بحول يشق، فجعلت تبعًا لأمهاتها، كما تتبعها في الملك (و) إلا في (ربح تجارة) بالتصرف بالبيع والشراء للربح، وهو الفضل عن رأس المال، فيتبع الأصل في حوله إن كان نصابًا، لأنه في معنى النتاج. وما عدا المعشرات، والنتاج، والربح من المستفاد، ولو من جنس ما يملكه، لا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول، ويضم إلى نصاب بيده من جنسه، أو ما في حكمه، وإن لا يكن الأصل نصابًا، فحول الجميع من حين كمل النصاب، فلو ملك خمسًا وعشرين بقرة، فولدت شيئًا فشيئًا، فحولها منذ بلغت ثلاثين، وحول صغار من حين ملك، كحول كبار. (وإن نقص النصاب) مطلقًا (في بعض الحول ببيع أو غيره) كإبدال ما تجب الزكاة في عينه بغير جنسه (لا فرارًا) من الزكاة (انقطع) حوله -أي النصاب- لأن وجوده في جميع الحول شرط لوجوب الزكاة، ولم يوجد، وكذا كل ما خرج به عن ملكه من إقالة وفسخ، لنحو عيب، ورجوع واهب في هبة، ووقف وهبة، وجعله ثمنًا أو مثمنًا، أو صداقًا، أو أجرة ونحوه، إلا في ذهب بيع أو أبدل بفضة، كعكسه، فلا ينقطع الحول، لأن كلًّا منهما يضم إلى الآخر في تكميل النصاب، ويخرج عنه منه كالجنس الواحد، وإلا في

стр. 457

أموال الصيارف، فلا ينقطع الحول بإبدالها، لئلا يؤدي إلى سقوط الزكاة في مال ينمو، وأصول الشرع تقتضي عكسه. (وإن أبدله) أي: النصاب (بجنسه فلا) ينقطع الحول، نصًّا (١)، وإن اختلف نوعه، لأنه نصاب يضم إليه نماؤه في الحول، فيبنى حول بدله من جنسه على حوله كالعروض، فلو أبدله بأكثر، زكَّاه، إذا تم حول الأول كنتاج، نصًّا (٢)، فمن عنده مائة من الغنم سائمة فأبدلها بمائتين زكاهما، وبالعكس يزكي مائة من الغنم، وبأنقص من نصاب انقطع الحول. وإن فر من الزكاة لم تسقط بإخراج النصاب أو بعضه عن ملكه، ولا بإتلافه، أو جزء منه، عقوبة له بنقيض قصده، كوارث قتل مورثه، ومريض طلق لقصد حرمان الميراث. وقد عاقب تعالى الفارين من الصدقة، كما حكاه بقوله سبحانه: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ. . .﴾ الآيات (٣)، ولئلا يكون ذريعة إلى إسقاطها جملة لما جبلت عليه النفوس من الشح (٤). (وإذا قبض) رب الدين (الدين) أو عوض عنه، أو أحال به، أو عليه، أو أبرئ منه (زكاه لما مضى) من السنين، فلا يجب الإخراج قبل ذلك، لأنها وجبت مواساة، وليس منها إخراج زكاة ما لا ينتفع به، ويجزئ إخراجها قبل قبضه. (وشُرط لها) أي الزكاة (في بهيمة أنعام) من إبل وبقر وغنم، سميت بهيمة لأنها لا تتكلم (٥)، وبدأ بها اقتداء بالصديق في كتابه لأنس ﵄ أخرجه البخاري بطوله (٦)، ويأتي بعضه مفرقًا (سومٍ أيضًا) وهو:

стр. 458

أن ترعى المباح أكثر الحول، لأن السائمة الراعية، يقال: سامت تسوم سومًا: إذا رعت، وأسمتها إذا رعيتها (١)، ومنه ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ (٢)، وخرج بالسائمة: المعلوفة، فلا زكاة فيها، لمفهوم حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، مرفوعًا: "في كل إبل سائمة في كل أربعين بنت لبون" (٣) رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وحديث الصديق مرفوعًا: "وفي الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين ففيها شاة" الحديث، وفي آخره أيضًا: "إذا كانت سائمة الرجل ناقصة عن أربعين شاةً شاة واحدة، فليس فيها شيء، إلا أن يشاء ربُّها" (٤). ولا تجب إلا فيما لدرٍّ ونسلٍ وتسمين، فلا تجب في سائمة للانتفاع بظهرها، كإبل تكرى وتؤجر، وبقر حرث، ونحوه، أكثر الحول (وأقل نصاب إبل خمسٌ)، فلا زكاة فيها قبل ذلك، لحديث: "ليس فيما دون خمس ذَوْدٍ صدقة" (٥) وبدأ بالإبل تأسيًا بكتاب الشارع، حين فرض زكاة الأنعام، لأنها أعظم النعم قيمة وأجسامًا، وأكثر أموال العرب، (وفيها) أي الخمس (شاة) إجماعًا (٦)، لحديث: "إذا بلغت خمسًا ففيها شاة" رواه

стр. 459

البخاري (١). وتكون الشاة بصفة إبل جودة ورداءة، غير معيبة، ففي إبل كرام شاة كذلك، وفي إبل معيبة شاة صحيحة، تنقص قيمتها بقدر نقص الإبل، ولا يجزئ عن خمس من الإبل بعير، نصًّا (٢)، ولا بقرة، ولو أكثر قيمة من الشاة، لأنهما غير المنصوص عليه، أشبه ما لو أخرج بعيرًا أو بقرة عن أربعين شاة. (و) إذا زادت الإبل على الخمس فـ (في عشر شاتان وفي خمس عشرة ثلاث) شياه (وفي عشرين أربع) شياه (وفي خمس وعشرين بنت مخاض) إجماعًا (٣)، لحديث البخاري: "فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض" (٤) (وهي) أي بنت المخاض (التي لها سنة)، سميت بذلك لأن أمها قد حملت، والماخض: الحامل (٥). وهو تعريف لها بغالب أحوالها، لا أنه شرط، فإن كانت بنت المخاض عنده، وهي أعلى من الواجب خُيرّ بين إخراجها، وبين شراء ما بصفته ويخرجها، ولا يجزئه ابن لبون إذن، لوجود بنت مخاض صحيحة في ماله. وإن كانت بنت المخاص معيبة، أو ليست في ماله، فذكر ابن لبون، وهو ما تم له سنتان، سمي بذلك، لأن أمه قد وضعت غالبًا، فهي ذات لبن (٦)، ولو نقصت قيمته عن بنت المخاض، لعموم قوله في حديث أنس: "فإن لم يكن فيها بنت مخاض ففيها ابن لبون ذكر" (٧) رواه أبو داود.

стр. 460

أو حِقٌّ، وهو ما تم له ثلاث سنين سمي بذلك (١)، لأنه استحق أن يحمل عليه ويركب، ويقال للأنثى حقة لذلك، ولاستحقاقها طرق الفحل لها. أو جذع وهو ما تم له أربع سنين، سمي بذلك لأنه يجذع إذا سقطت سنه (٢)، ذكره في "المغني" وغيره (٣)، أو ثَنِيّ، وهو ما تم له خمس سنين، سمي بذلك لأنه ألقى ثنيته (٤). والحق والجذع والثني أولى بالإجزاء عن بنت المخاص من ابن اللبون، لزيادة سنه بلا جبران في الكل، لظاهر الخبر. ولا يجبر نقص الذكورية بزيادة السن في غير هذا الموضع، فلا يجزئ حِقٌّ عن بنت لبون، ولا جذع عن حقه، ولا ثني عن جذعة، مطلقًا، لظاهر الحديث (٥)، ولأنه لا نص فيه، ولا يصح قياسه على ابن اللبون مكان بنت المخاض، لأن زيادة سنه عليها يمتنع بها من صغار السباع، ويرعى الشجر بنفسه، ويرد الماء، ولا يوجد هذا في الحِقّ مع بنت اللبون، لأنهما يشتركان فيه. (وفي ست وثلاثين بنت لبون، وهي التي لها سنتان، وفي ست وأربعين حقه وهي التي لها ثلاث) سنين (وفي إحدى وستين جذعة، وهي التي لها أربع) سنين، وهي أعلى سن يجب في الزكاة، وتجزئ ثنية وما فوقها عن بنت لبون، أو حِقة، أو جذعة، بلا جبران، لأنه لم يرد في الثنية (وفي ست وسبعين بنتا لبون، وفي إحدى وتسعين حقتان) إجماعًا (٦) (وفي مائة وإحدى
следующие страницы →