← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13785

الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات

عثمان ابن جامع

Полный текст (2 242 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

قال نافع: "كان ابن عمر يعطي التمر إلا عامًا واحدًا أعوز التمر، فأعطى الشعير" (١) رواه أحمد، والبخاري. وقال له أبو مجلز (٢): إن اللَّه تعالى قد أوسع، والبر أفضل، فقال: إن أصحابي سلكوا طريقًا، فأنا أحب أن أسلكه (٣). رواه أحمد، واحتج به، وظاهره أن جماعة الصحابة كانوا يخرجون التمر، ولأنه قوت وحلاوة، وأقرب تناولًا وأقل كلفة (فزبيب) لأن فيه قوتًا وحلاوة، وقلة كلفة، فهو أشبه بالتمر من البر (فبرٌّ) لأن القياس تقديمه على الكل، لكن ترك (٤) اقتداءً بالصحابة في التمر، وما شاركه في المعنى، وهو الزبيب (فأنفع) في اقتيات، ودفع حاجة فقير، فإن استوت، فشعير، ثم دقيق بر، ثم دقيق شعير، ثم سويقهما (فإن عدمت) المنصوص عليها من الأصناف الخمسة (أجزأ كل حب يقتات) إذا كان مكيلًا، كالأرز، والذرة، والدخن، والماش، ونحو ذلك. ولا يجوز إخراج معيب، كمُسِوِّس، ومبلول، وقديم تغير طعمه، ونحوه، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٥) ولا خبز، لأنه خرج عن الكيل والادخار. (ويجوز إعطاء جاعة) من أهل الزكاة (ما يلزم الواحد) من فطرة أو زكاة مال، قال في "الشرح" (٦) و"المبدع" (٧): لا نعلم فيه خلافًا، لأنه دفع

стр. 492

الصدقة إلى مستحقها، لكن الأفضل أن لا ينقص الواحد عن مُدِّ بُرٍّ، أو نصف صاع من غيره، ليحصل إغناؤه في ذلك اليوم المأمور به (و) يجوز (عكسه) أي: إعطاء الواحد ما يلزم الجماعة، نص عليه (١)، لأنها صدقة لغير معين، فجاز صرفها لواحد، كالزكاة.

стр. 493

فصل (ويجب إخراج زكاة) المال بعد أن تستقر (على الفور مع إمكانه) كإخراج نذر مطلق، وكفارة، لأن الأمر المطلق ومنه ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١) يقتضي الفورية، بدليل: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ (٢) فوبخه إذ لم يسجد حين أمره، وعن أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول اللَّه ﷺ فلم أجبه، ثم أتيته، فقلت: يا رسول اللَّه إني كنت أصلي. فقال: "ألم يقل اللَّه: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ (٣). رواه أحمد، والبخاري، ولأن السيد إذا أمر عبده بشيء، فأهمله، حسن لومه وتوبيخه، عرفًا. ولم يكن انتفاء قرينة الفور عذرًا، مع إمكانه -أي الإخراج- كما لو طولب بها، ولأن النفوس طبعت على الشح، وحاجة الفقير ناجزة، فإذا أخر الإخراج اختل المقصود، وربما فات بحدث نحو إفلاس، أو موت. وله تأخير الزكاة لأشد حاجة، نصًّا (٤)، وقيده جماعة (٥): بزمن يسير، ولقريب وجارٍ غائبين، لأنها على القريب، صدقة وصلة، والجار في معناه. وله تأخيرها لحاجته إليها إلى ميسرته، نصًا (٦)، واحتج بحديث عمر:

стр. 494

أنهم احتاجوا عامًا، فلم يأخذ منهم الصدقة فيه، وأخذها منهم في السنة الأخرى (١). وله تأخيرها لتعذر إخراجها من المال لغيبته، وغيرها، كغصبه، وسرقته، وكونه دينًا إلى قدرته عليه. ومن جحد وجوب الزكاة عالمًا أو جاهلًا، فعُلِّم، وأصر، فقد ارتدَّ، لتكذيبه للَّه، ولرسوله، وإجماع الأمة، فيستتاب ثلاثًا، فإن تاب وإلا قُتل كفرًا، ومن منعها بُخلًا، أو تهاونًا، أخذت منه قهرًا، وعزر. (ويخرج ولي صغير ومجنون) في مالهما (عنهما) نصًّا (٢)، لأنه حق تدخله النيابة، فقام الولي فيه مقام مولى عليه، كنفقة، وغرامة. وسن لمخرج زكاة إظهارها، لينفي عنه التهمة، ويُقتدى به، وتفرقتها بنفسه، ليتيقن وصولها إلى مستحتها، وكالدين، وقوله عند دفعها: اللهم اجعلها مغنمًا، ولا تجعلها مغرمًا -أي منقصة- لأن التثمير كالغنيمة، والتنقيص كالغرامة، لخبر أبي هريرة مرفوعًا: "إذا أعطيتم الزكاة فلا تنسوا ثوابها، أن تقولوا: اللهم اجعلها مغنمًا، ولا تجعلها مغرمًا" (٣) رواه ابن ماجه، قال بعضهم (٤): يحمد اللَّه على توفيقه لأدائها. وسن قول آخذ زكاة: آجرك اللَّه فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهورًا، لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ

стр. 495

وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ (١) أي ادعُ لهم، قال عبد اللَّه بن أبي أوفى: "كان النبي ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: "اللهم صل على آل فلان". فأتاه أبي بصدقته فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى" (٢) متفق عليه، وهو محمول على الندب، لأنه ﷺ لم يأمر به سعاته. (وشرط له) أي لإخراجها (نية) حديث: "إنما الأعمال بالنيات" (٣)، ولأنها عبادة يتكرر وجوبها، فافتقرت إلى تعيين النية، كالصلاة، وشرط أن يكون إخراجها من مكلف، لأنه تصرف مالي أشبه سائر التصرفات المالية، إلا أن تؤخذ منه قهرًا، فتجزئ ظاهرًا من غير نية رب المال، فلا يؤمر بها ثانيًا، والأولى قرنها بدفع، وله تقديمها بزمن يسير، كصلاة. ولا يجزئ إن نوى صدقة مطلقة، ولو تصدق بجميع ماله، ومحل النية القلب، وتقدم (٤). وإن وكل في إخراج الزكاة مسلمًا ثقة، أجزأت نية موكّل مع قرب إخراج، وإلا نوى وكيل -أيضًا-. ومن علم أهلية آخذ زكاة، كره أن يعلمه أنها زكاة، نصًّا (٥)، قال أحمد: ولمَ يُبَكِّته (٦)؟ يعطيه ويسكت، ما حاجته إلى أن يقرعه. وإن عَلِمَهُ أهلًا لأخذ الزكاة، قال في "الإقناع" (٧): والمراد ظنه، ويعلم من عادته أنه لا يأخذها، فأعطاه ولم يعلمه، لم يجزئه.

стр. 496

ولمخرج نقل زكاة إلى دون مسافة قصر من بلد المال. نص عليه (١)، لأنه في حكم بلد واحد، بدليل الأحكام، ورخص السفر (وحرم نقلها) أي الزكاة (إلى مسافة قصر) أي إلى ما تقصر فيه الصلاة، ولو كان النقل لرحم، أو شدة حاجة، أو لاستيعاب الأصناف. والساعي، وغيره في ذلك سواء، نصًا (٢)، لقوله ﷺ لمعاذ حين بعثه لليمن: "أخبرهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم" (٣) متفق عليه , للمعومات (إن وجد أهلها). وإن كان المال الذي وجبت فيه الزكاة ببادية، أو خلا بلدُه من مستحق لها، فرّقها، أو ما بقي منها في أقرب البلاد إليه، لأن معاذًا بعث إلى عمر صدقة من اليمن، فأنكر ذلك، وقال: لم أبعثك جابيًا، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس، فتردها في فقرائهم. فقال معاذ: ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد من يأخذه مني (٤) رواه أبو عبيد، فإن خالف، ونقل الزكاة إلى بلد تقصر فيه، أجزأ للعمومات (فإن كان) صاحب الزكاة (في بلد ومالُه في) بلد (آخر أخرج زكاة المال في بلد المال). والمسافر بالمال المزكى، يفرق زكاته في موضع أكثر إقامة المال فيه، لتعلق الأطماع به غالبًا. وقال القاضي: يفرق مكانه، حيث حال حوله (٥). لئلا يفضي إلى تأخيرها. وله نقل كفارة، ونذر، ووصية مطلقة، ولو إلى مسافة قصر، بخلاف الزكاة. (و) أخرج (فطرتَه وفطرةً لزمتْه في بلد نفسه) لا في بلد ماله، لأن سبب الفطرة النفس لا المال. (ويجوز تعجيلها) أي الزكاة (لحولين فقط) أي لا لأكثر من حولين،

стр. 497

اقتصارًا على ما ورد، مع مخالفة القياس، لحديث أبي عبيد في "الأموال" عن علي، أن النبي ﷺ تعجَّل من العباس صدقة سنتين (١) ويعضده رواية مسلم (٢): "فهي عليّ ومثلها". وكما لو عجل لعام واحد. (ولا تدفع) الزكاة (إلا إلى الأصناف الثمانية) فلا يجوز صرفها لغيرهم: كبناء مسجد، وقناطر، وتكفين موتى، ونحو ذلك، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (٣) الآية، ولفظة "إنما" تفيد الحصر، فتثبت المذكورين، وتنفي من عداهم، وكذا تعريف الصدقات بأل، فإنها تستغرقها، فلو جاز صرف شيء منها إلى غير الثمانية لكان لهم بعضها لا كلها، ولحديث: "إن اللَّه لم يرضَ بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو، فجزَّأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك" (٤). رواه أبو داود. (وهم) أي الأصناف الثمانية: (الفقراء): وهم من لا يجد شيئًا، أو لا يجد نصف كفايته، فهو أشد حاجة من المسكين، لأنه تعالى بدأ بهم، وإنما يبدأ بالأهم، فالأهم، وقال تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ (٥) ولاشتقاق الفقر من فقر الظهر، بمعنى مفقور، وهو الذي نزعت فقرة ظهره، فانقطع صلبه (٦). (و) الثاني: (المساكين) وهم من يجد نصف كفايته، أو أكثرها، من

стр. 498

السكون، لأنه أسكنته الحاجة (١)، ومن كُسر صلبه أشدُّ حالًا من الساكن. فالفقراء الذين لا يجدون ما يقع موقعًا من الكفاية، كعميان، وزمنى، لأنهم غالبًا لا يقدرون على اكتساب يقع الموقع من كفايتهم، وربما لا يقدرون على شيء إطلاقًا، قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) الآية، ويعطيان تمام كفايتهما مع عائلتهما سنة من الزكاة، لأن وجوبها يتكرر بتكرر الحول، فيعطى ما يكفيه إلى مثله. ومن ملك ولو من أثمان ما لا يقوم بكفايته، وكفاية عياله، ولو أكثر من نصاب؛ فليس بغني، فلا تحرم عليه الزكاة، لأن الغنى ما تحصل به الكفاية. قال الميموني: ذاكرت أحمد فقلت: قد يكون للرجل الإبل والغنم تجب فيها الزكاة، وهو فقير، ويكون له أربعون شاة، وتكون له الضيعة لا تكفيه، يُعطى من الصدقة؟ قال: نعم. وذكر قول عمر: أعطوهم وإن راحت عليهم من الإبل كذا وكذا، قلت: فلهذا قدر من العدد أو الوقت؟ قال: لم أسمعه، وقال: إذا كان له عقار وضيعة يستغلها عشرة آلاف في كل سنة لا تقيمه -أي: تكفيه- يأخذ من الزكاة (٣). وإن تفرغ قادر على التكسب للعلم لا للعبادة، وتعذر الجمع بين التكسب والاشتغال بالعلم، أعطي من زكاة لحاجته. (و) الثالث: (العاملون عليها): كجاب يبعثه الإمام، لأخذ زكاة من أربابها، وحافظ، وكاتب، وقاسم، ومن يحتاج إليه فيها، لدخولهم في قوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ (٤)، وكان ﵇ يبعث على الصدقة سعاة،

стр. 499

ويعطيهم عمالتهم (١). وشرط كون العامل مكلفًا، مسلمًا، أمينًا، كافيًا، من غير ذوي القربى، لعدم حلها لهم، ولو عبدًا، أو غنيًّا، ويعطى قدر أجرته منها. وإن عمل عليها إمام، أو نائبه، لم يأخذ شيئًا. (و) الرابع: (المؤلفة قلوبهم): وهم: كل سيد مطاع في عشيرته، ممن يرجى إسلامه، أو يخشى شره، حديث أبي سعيد، قال: بعث عليٌّ بذهيبة فقسّمها رسول اللَّه ﷺ بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس الحنظلي، وعيينة بن بدر الفزاري، وعلقمة بن عُلاثة العامري، ثم أحد بني كلاب، وزيد الخير الطائي، ثم أحد بني نبهان. فغضبت قريش، وقالوا: تعطي صناديد نجد، وتدعنا؟ فقال: "إني فعلت ذلك لأتآلفهم" (٢). متفق عليه. (و) الخامس: (في الرقاب): وهم: المكاتبون المسلمون، الذين لا يجدون وفاء ما يؤدون، ولو مع القوة والكسب. نص عليه لعموم قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ (٣)، ولو قبل حلول نجم، لئلا يحل ولا شيء معه، فتنفسخ الكتابة. ويجزئ أن يشتري من زكاته رقبة لا تعتق عليه لرحم، أو تعليق، فيعتقها عن زكاته، قاله ابن عباس (٤)؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ وهو ظاهر في القن، لأن الرقبة إذا أطلقت، انصرفت إليه. وتجزئ أن يفدي منها أسيرًا مسلمًا، نصًّا (٥)، لأنه فك رقبة من الأسر، فهو كفك القن من الرق، وإعزازٌ للدين. ولا يجزئ من عليه زكاة أن يعتق قنه

стр. 500

أو مكاتبه عنها. (و) السادس: (الغارمون) وهم ضربان: الأول: تديَّن لإصلاح ذات بين، كقبيلتين، أو أهل قريتين تشاجروا في دماء، أو أموال، وخيف منه، فتوسط بينهم رجل، وأصلح بينهم، والتزم في ذمته مالًا، عوضًا عما بينهم، لتسكين الفتنة، فقد أتى معروفًا عظيمًا، فكان من المعروف حمله عنه من الصدقة، لئلا يجحف بسادة القوم المصلحين. وكانت العرب تفعل ذلك فيتحمل الرجل الحمالة، ثم يخرج في القبائل يسأل حتى يؤديها، فأقرت الشريعة ذلك، وأباحت المسألة فيه، وفي معناه: لو تحمل إتلافًا ونهبًا عن غيره، فيأخذ من الزكاة، ولو كان غنيًا، لأنه من المصالح، إن لم يدفع من ماله ما تحمله، لأنه إذا دفعه منه لم يصر مدينًا، وإن اقترض وأوفاه فله الأخذ لوفائه، لبقاء الغرم. الثاني: لو تديَّن لشراء نفسه من كفار، أو تديَّن لنفسه في شيء مباح، أو محرم، وتاب منه وأعسر، ويعطى وفاء دينه، كمكاتب، ولا يعطى منها دين على ميت، لعدم أهليته لقبولها، كما لو كفَّنه منها. (و) السابع: غاز (في سييل اللَّه) لقوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١) بلا ديوان، أو له في الديوان مالًا يكفيه لغزوه، فيعطى، ولو غنيًّا ما يحتاج إليه في غزوه ذهابًا وإيابًا، وثمن سلاح، ودرع، وفرس إن كان فارسًا. ولا يجزئ إن اشتراه رب مال، ثم دفعه لغاز، لأنه كدفع القيمة، ويجزئ أن يعطى من زكاة لحج، وعمرة فقير، ولا يجزئ أن يشتري منها فرسًا يحبسها في سبيل اللَّه، أو عقارًا يقفه على الغزاة، لعدم الإيتاء المأمور به. (و) الثامن: (ابن السبيل) للآية، وهو المسافر المنقطع بغير بلده في سفر مباح، أو محرم وتاب منه، ولا يعطى في سفر مكروه، للنهي عنه، ولا في سفر نزهة، لأنه لا حاجة إليه. ومن يرد إنشاء سفر إلى غير بلده فليس

стр. 501

بابن سبيل، لأن السبيل هي الطريق، وسمي من بغير بلده ابن سبيل لملازمته لها، كما يقال: ولد الليل، لمن يكثر خروجه فيه. ويعطى ولو وَجَد مقرضًا ما يبلغه بلده، ولو وُجد موسرًا في بلده، لعجزه عن الوصول لماله، أو ما يبلغه منتهى قصده وعوده إلى بلده. ويَرُدُّ غارم ومكاتب، وغاز، وابن سبيل ما فضل عن حاجتهم، وغيرهم يتصرف في فاضل بما شاء. وتجزئ زكاة، وكفارة، ونذر مطلق، لصغير لم يأكل الطعام، ويَقْبل ويقبض له وليه في ماله، فإن لم يكن فمن يليه من أم أو غيرها، ويشترط لإجزاء زكاة تمليك المعطى، ليحصل الإتياء المأمور به، فلا يكفي إبراء فقير من دَيْنه، ولا حوالته بها. تتمة: من أبيح له أخذ شيء، من زكاة، أو كفارة، أو غيرها، أبيح له سؤاله، نصًّا (١)، لظاهر حديث: "للسائل حق وإن جاء على فرس" (٢). ولأنه يطلب حقه الذي جُعل له، وعلم منه أنه يحرم سؤال ما لا يباح أخذه. وقال أحمد: أكره المسألة كلها، ولم يرخص فيه، إلا أنه بين الأب والولد أيسر (٣). ولا بأس بمسألة شرب الماء، نصًّا (٤)، واحتج بفعله ﷺ (٥)، وقال في

стр. 502

العطشان لا يستسقي: يكون أحمق (١). ولا بأس بالاستعارة والاقتراض، نصًّا (٢)، وكذا نحو شسع النعل. وإعطاءُ السائل مع صدقه، فرض كفاية، لحديث: "لو صدق ما أفلح من رده" (٣). ويجب قبول مال طيب أتى بلا مسألة، ولا استشراف نفس، لقوله ﷺ : "خذه" (٤). ويحرم أخذ صدقة بدعوى غني فقرًا، ولو من صدقة تطوع، لقوله ﷺ : "ومن يأخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون عليه شهيدًا يوم القيمة" (٥) متفق عليه. (ويجوز الاقتصار على واحد من صنف) من الأصناف الثمانية، وهو قول عمر (٦) وحذيفة (٧) وابن عباس (٨) لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٩)، ولحديث معاذ (١٠) حين بعثه إلى اليمن. فلم يُذكر في الآية والحديث إلا صنف واحد (والأفضل تعميمهم) أي الأصناف

стр. 503

الثمانية (والتسوية بينهم) من غير تفضيل، إن وجدت الأصناف الثمانية، وإلا عَمَّم من أمكن، خروجًا من الخلاف (١)، وليحصل الإجزاء بيقين. (وتسن) زكاته (إلى من لا تلزمه مؤنته من أقاربه) كذوي رحمه، ومن لا يرثه، من نحو أخ، وعم، على قدر حاجتهم، لحديث: "صدقتك على ذي القرابة صدقة وصلة" (٢) رواه الترمذي، والنسائي، ويبدأ بأقرب فأقرب، ومن فيه من أهل الزكاة سببان أخذ بهما. (ولا تدفع) أي الزكاة (لبني هاشم) أي: لا يجزئ دفعها إليهم، وهم سلالة هاشم (٣)، ذكورًا كانوا أو إناثًا، فدخل آل عباس بن عبد المطلب، وآل علي، وآل جعفر، وآل عقيل بن أبي طالب، وآل الحارث بن عبد المطلب، وآل أبي لهب، أعطوا من الخمس، أو لا، لعموم "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس" (٤) رواه مسلم، ما لم يكونوا

стр. 504

غزاة، أو مؤلفة قلوبهم، أو غارمين لإصلاح ذات بين، فيعطون لذلك، لجواز الأخذ مع الغنى، وعدم المنة فيه (و) كذا (مواليهم) أي: عتقاء بني هاشم، فلا تدفع إليهم، لحديث أبي رافع، أن رسول اللَّه ﷺ بعث رجلًا من بني مخزوم على الصدقة، فقال لأبي رافع: اصحبني كيما تصيب منها، فقال: لا، حتى آتي رسول اللَّه ﷺ فأسأله. فانطلق إلى رسول اللَّه ﷺ فسأله فقال: "إنا لا تحل لنا الصدقة، وإن مولى القوم منهم" (١) أخرجه أبو داود، والنسائي، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. ويجوز دفعها لموالي مواليهم، لأنهم ليسوا بني هاشم، ولا من مواليهم. ويجوز دفع الزكاة لأولاد هاشمية من غير هاشمي. ولبني هاشم، ومواليهم، الأخذُ من صدقة التطوع، إلا النبي ﷺ ، فإن الصدقة كانت محرمة عليه مطلقًا (٢)، ولا يجوز لهم الأخذ من كفارة، لوجوبها بالشرع، كالزكاة. (ولا) تدفع أي: الزكاة (لأصل و) لا لـ (فرع) للمزكي، وإن علوا، أو سفلوا، إلا أن يكونوا عمالًا، أو مؤلفين، أو غزاة، أو غارمين لإصلاح ذات بين. ولا يجزئ امرأة دفع زكاتها لزوجها، لأنها تعود إليها، بإنفاقه عليها. ولا يجزئ دفع زكاة إنسان إلى من تلزمه نفقته، ممن يرثه بفرض أو تعصيب. (و) لا تدفع الزكاة لـ (عبد) كامل رق، من قن، ومدبَّر، ومعلق عتقه

стр. 505

بصفة، ولو كان سيده فقيرًا، لاستغنائه بنفقته. ولا تجزئ إلى فقير ومسكين مستغنيين بنفقة واجبة، على قريب أو زوج غنيين، لحصول الكفاية بالنفقة الواجبة لهما، أشبه من له عقار يستغني بغلته. (و) لا تدفع الزكاة لـ (كافر) غير مُؤلَّف. حكاه ابن المنذر إجماعًا في زكاة الأموال (١)، (فإن دفعها) أي: الزكاة (لمن ظنه أهلًا) لأخذها (فلم يكن) أهلًا لذلك، كأن كان عبدًا، أو كافرًا، أو هاشميًا، أو وارثًا له، وهو لا يعلم، ثم علم حاله، لم يجزئ، لأنه ليس بمستحق، ولا تخفى حاله غالبًا، فلم يعذر بجهالته (أو بالعكس) بأن دفعها لمن ظنه غير أهل لأخذها، فبان بخلاف ذلك (لم يجزئه) ذلك الدفع، كما لو صلى ظانًّا أنه في غير الوقت، فبان في الوقت. وترد بنمائها، فإن تلفت ضمنها قابض (إلا) إن دفعها (لغني ظنه فقيرًا) فتجزئه، لأن الغنى مما يخفى، ولذلك اكتفي فيه بقول الآخذ. (وصدقة التطوع بالفاضل عن كفايته وكفاية من يمونه) دائمًا بمتجر أو غلة وصنعة، (سُنة) خبر المبتدأ (مؤكَّدة) لحديث: "اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى" (٢). متفق عليه. والصدقة مسنونة كل وقت، لإطلاق الحث عليها في الكتاب، والأخبار (٣)، وكونها سرًّا بطيب نفس في صحة أفضل، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ

стр. 506

تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (١) ولحديث: "وأنت صحيح" (٢). (و) كونها (في) شهر (رمضان) أفضل، لحديث ابن عباس: كان رسول اللَّه ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل. . . الحديث (٣) متفق عليه، ولحديث: "من فطر صائمًا كان له مثل أجره" (٤). (و) في (زمن و) في (مكان فاضل) كالعشر الأول من ذي الحجة، وكالحرمين أفضل، لكثرة التضاعف. وعلى ذي رحم، لا سيما مع عداوة بينهما، لحديث: "أفضل الصدقة الصدقة على الرحم الكاشح" (٥) رواه أحمد وغيره، وهي عليهم صدقة وصلة للخبر (٦). وعلى جار (و) في (وقت حاجة أفضل)، لقوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ

стр. 507

ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ (١) تنبيه: من تصدق بما ينقص مؤنة تلزمه، كمؤنة زوجة، أو قريب، أثِمَ، حديث: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت" (٢). إلا أن يوافقه عياله على الإيثار، فهو أفضل لقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٣)، وكذا يأثم من تصدق بما يضر بغريمه، أو كفيله، لحديث: "لا ضرر ولا ضرار" (٤)، ولمن وحده ويعلم من نفسه حسن التوكل والصبر عن المسألة: التصدق بجميع ماله. والمن بالصدقة كبيرة، نصًّا (٥)، والكبيرة ما فيه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، ويبطل الثواب به لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ (٦)، قال في "الفروع": ولأصحابنا خلاف فيه، وفي إبطال طاعة بمعصية، واختار شيخنا: الإبطال بمعنى الموازنة، وذكر أنه قول أكثر السلف (٧).

стр. 508

كتاب الصيام الصيام لغة: الإمساك (١)، يقال: صام النهارُ إذا وقف سير الشمس، ومنه ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ (٢)، وصام الفرس: أمسك عن العلف وهو قائم، أو عن الصهيل في موضعه. وشرعًا: إمساك بنية عن أشياء مخصوصة في زمن معين من شخص مخصوص (٣). وصوم شهر رمضان فرض، افترض في السنة الثانية من الهجرة إجماعًا (٤)، فصام ﷺ تسع رمضانات إجماعًا (٥). والأصل في فرضه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٦)، وحديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما: "بني الإسلام على خمس. . . " (٧) الحديث، متفق عليه. وسمي شهر الصوم رمضان، قيل: لحر جوف الصائم فيه ورمضه، والرمضاء: شدة الحر (٨). أو أنه وافق هذا الشهر أيام شدة الحر ورمضه، حين نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة. أو لأنه يحرق الذنوب، أو غير ذلك (٩). ولا يكره قول رمضان بلا شهر، كما في كثير من

стр. 509

الأخبار (١). (يلزم) صوم شهر رمضان (كل مسلم مكلف، قادر برؤية الهلال) منه، لحديث: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" (٢). ويستحب ترائي الهلال وقول ما ورد (٣). فإن لم ير الهلال مع صحو ليلة الثلاثين من شعبان لم يصوموا، لأنه يوم الشك المنهي عنه (٤)، (ولو من) رؤية مكلف (عدل)

стр. 510

نصًّا (١) لا مستور، لحديث ابن عباس: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت الهلال. قال: "أتشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا عبده ورسوله؟ ". قال: نعم. قال: "يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدًا". رواه أبو داود والترمذي، والنسائي. وعن ابن عمر قال: ترآيت الهلال، فأخبرت رسول اللَّه ﷺ أني رأيته، فصام، وأمر الناس بصيامه (٢). رواه أبو داود. ولأنه خبر ديني، لا تهمة فيه، بخلاف آخر الشهر، ولو كان الرائي عبدًا، أو أنثى، أو بدون لفظ الشهادة، للخبرين، وثبت به بقية الأحكام، من حلول دين، ونحوه، تبعًا، وأما بقية الشهور فلا يقبل فيها إلا رجلان عدلان بلفظ الشهادة كالنكاح وغيره، والفرق: الاحتياط للعبادة. ولو صاموا ثمانية وعشرين يومًا، ثم رأوا هلال شوال، قضوا يومًا واحدًا فقص، نصًّا (٣)، ولو غم لشعبان ورمضان وجب تقدير رجب وشعبان ناقصين فلا يفطروا قبل اثنين وثلاثين يومًا، بلا رؤية، احتياطًا (أو بإكمال شعبان) ثلاثين يومًا (أو) بـ (وجود مانع من رؤيته) أي الهلال (ليلة الثلاثين منه) أي من شعبان (كغيم وجبل وغيرهما) كقتر ودخان، فيجب صوم يوم تلك الليلة، حكمًا ظنيًّا، احتياطًا، للخروج من عُهدة الوجوب، بنية أنه من رمضان في قول عمر، وابنه، وعمرو بن العاص، وأبي هريرة، وأنس، ومعاوية، وعائشة، وأسماء ابنتي أبي بكر رضي اللَّه تعالى عنهم

стр. 511

أجمعين (١)، لحديث نافع عن ابن عمر، مرفوعًا: "إنما الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمّ عليكم، فأقدروا له" قال نافع: كان عبد اللَّه بن عمر، إذا مضى من الشهر تسعة وعشرون يومًا، يبعث من ينظر له الهلال، فإن رؤي فذاك، وإن لم يُرَ، ولم يحل دون منظره سحاب، ولا قتر، أصبح مفطرًا، وإن حال دون منظره سحاب، أو قتر، أصبح صائمًا (٢). ومعنى: "اقدروا له" (٣) ضيقوا، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ (٤)، ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ (٥) والتضيق: جعل شعبان تسعة وعشرين يومًا، وقد فسره ابن عمر بفعله، وهو راويه، وأعلم بمعناه، فوجب الرجوع إليه، ويجزئ صوم هذا اليوم إن ظهر منه، لأن صومه وقع بنية رمضان، لمستند شرعي، أشبه الصوم للرؤية. وتثبت أحكام صوم من صلاة تراويح، ووجوب كفارة بوطء فيه، ووجوب إمساك على من أكل فيه جاهلًا، أو لم يبيت النية ما لم يتحقق أنه من شعبان، ولا تثبت بقية الأحكام الشهرية بالغيم، فلا يحل دين مؤجل به، ولا يقع طلاق وعتق معلقين به، ولا تنقضي عدة، ونحو ذلك، عملًا بالأصل. (وإن رؤي) الهلال (نهارًا) ولو قبل الزوال في أول رمضان، أو غيره، أو في آخره (فهو لـ) ليلة (المقبلة) نصًا (٦)، لأنها ليلة رؤي الهلال في يومها،

стр. 512

فلم يجعل لها كما لو رؤي آخر النهار. والهلال يختلف بالكبر والصغر، والعلو والانخفاض، وقربه من الشمس، اختلافًا شديدًا لا ينضبط، فيجب طرحه، والعمل بما عول الشرع عليه. وروى البخاري في "تاريخه": "من أشراط الساعة أن يروا الهلال، يقولون: ابن ليلتين" (١) (وإن صار) من ليس أهلًا لوجوب الصيام عليه (أهلًا لوجوبه في أثنائه) أي ذلك اليوم، كأن أسلم كافر في أثناء نهار، أو عقل مجنون، أو بلغ صغير (أو قدم مسافر مفطرًا، أو طهرت حائض أمسكوا) عن مفسدات الصوم لحرمة الوقت، (وقضوا) ذلك اليوم، لأنهم لم يصوموه. وكذا إن تعمد مقيم، أو طاهر الفطر، فسافر المقيم، أو حاضت الطاهر، بعد فطرهما، لزمهما إمساك ذلك اليوم بعد السفر، والحيض، نصًّا (٢)، عقوبة، والقضاء. وإن علم مسافر أنه يقدم غدًا بلدًا قصده، لزمه الصوم، نصًّا (٣)، كمن نذر صوم يوم يقدم فلان، وعلم يوم قدومه، فينويه من الليل. (ومن) عجز عن الصوم و (أفطر لكبر) كشيخ هرم، وعجوز، يجهدهما الصوم، ويشق عليهما مشقة شديدة (أو) أفطر لـ (مرضٍ لا يُرجى برؤه، أطعم لكل يوم مسكينًا) مُدَّ بُرٍّ أو نصف صاع من غيره، لقول ابن عباس

стр. 513

في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (١): ليست بمنسوخة، هي للكبير الذي لا يستطيع الصوم (٢). رواه البخاري. فإن كان العاجز عنه مسافرًا سفرًا مباحًا، فلا فدية لفطره بعذر معتاد، ولا قضاء لعجزه عنه، قال الشيخ منصور: فيعايا بها (٣). (وسن الفطر) وكره الصوع (لمريض يشق عليه) الصوم (و) لـ (مسافر يقصر) ولو بلا مشقة، لحديث: "ليس من البر الصيام في السفر" (٤). متفق عليه، وإن صام أجزأه، نصًّا (٥)، لحديث: "هي رخصة من اللَّه، فمن أخذها فهو حسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه" (٦). رواه مسلم. وسن الفطر، وكره الصوم -أيضًا- لزيادة مرض، أو طوله بقول طبيب مسلم ثقة، لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٧)، ويباح الفطر لمريض قادر على الصوم، يتضرر بترك التداوي، ولا يمكنه فيه، كمن به رمد، يخاف بترك الاكتحال. ويجوز الوطء لمن به مرض ينتفع به فيه، كالمداواة، أو به شبق (٨) ولم تندفع شهوته بدونه، ويخاف تشقق أنثييه إن لم يطأ، ولا كفارة، ويقضي عدد ما أفسده من الأيام، ما لم يتعذر القضاء عليه لشبق، فيطعم عن كل يوم

стр. 514

مسكينًا، ككبير، ومتى لم يمكنه الوطء إلا بإفساد صوم موطوءة، جاز ضرورة، ووطء طاهر صائمة أولى من وطء حائض. والأفضل لحاضر نوى صومًا، وسافر، عدم الإفطار، خروجًا من الخلاف (١). (وإن أفطرت حامل أو) أفطرت (مرضع خوفًا على أنفسهما قضتا فقط) ولا إطعام عليهما، كالمريض، وأولى (أو) أفطرتا خوفًا (على ولديهما) قضتا (مع الإطعام ممن يمون الولَد) لكل يوم مسكينًا، ما يجزئ في كفارة، كما تقدم. ومتى قبل رضيع ثدي غير أمه، وقدر أن يستأجر له، لم تفطر، لعدم الضرورة، وظئرٌ كأمٍّ في إباحة فطر إن خافت على نفسها، أو على الولد. ويجب الفطر على من احتاج إليه لإنقاذ معصوم من مهلكة، كغرق، ونحوه، وليس لمن أبيح له فطر رمضان صوم غيره فيه.

стр. 515

تتمة: ينكر على من أكل في رمضان ظاهرًا، وإن كان هناك عذر (وكان أُغمي عليه أو جُنّ جميع النهار لم يصح صومه) لأن الصوم الإمساك مع النية، ولم توجد، ويصح ممن أفاق جزءًا منه حيث بيت النية بخلاف من نام جميع النهار فيصح صومه، لأن النوم عادة، ولا يزول به الإحساس بالكلية، لأنه متى نُبِّه انتبه (ويقضي المغمى عليه) فقط زمن إغمائه، لأنه مكلف، بخلاف المجنون، فلا يقضي، لأنه غير مكلف. (ولا يصح صوم فرض إلا بنية معينة) لكل يوم (بجزء من الليل) لأن كل يوم عبادة مفردة، لأنه لا يفسد يوم بفساد يوم آخر، لحديث: "من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له" (١) رواه أبو داود، وأول الليل، وأوسطه وآخره محل للنية، فأي جزء نوى فيه أجزأه، ولو أتى بعدها ليلًا بمناف للصوم، كأكل، وشرب، وجماع، لظاهر الخبر. ومن قطع نية صوم نذر، أو كفارة، أو قضاء رمضان، ثم نوى نفلًا؛ صح، وكذا لو قلب نية نذر، أو كفارة، أو قضاء، إلى نفل؛ صح، كقلب

стр. 516

فرض الصلاة نفلًا، وخالف في "الإقناع" (١) ويكره ذلك إلا لغرض صحيح. (ويصح) صوم (نفل ممن لم يفعل مفسدًا) من أكل أو شرب ونحوهما، (بنية نهارًا مطلقًا) سواء كان قبل الزوال، أو بعده، لحديث عائشة قالت: دخل علي النبي ﷺ ذات يوم فقال: "هل عندكم من شيء؟ " فقلنا: لا. قال: "فإني إذًا صائم" (٢) رواه الجماعة إلا البخاري. ويحكم بالصوم المثاب عليه من وقت النية، حديث: "إنما لكل امرئ ما نوى" (٣).

стр. 517

فصل فيما يفسد الصوم فقط، أو يفسده ويوجب الكفارة، وما يتعلق بذلك (ومن أدخل إلى جوفه) شيئًا من كل محل ينفذ إلى محل معدته (أو) أدخل إلى (مجوف في جسده كدماغ وحَلْقٍ شيئًا) سواء كان مما يغذي أو لا كحصاة، وقطعة رصاص، وحديد، ونحوها (من أي موضع كان) من جسده (غير إحليله) أفطر، وأما الإحليل فليس بمنفذ، فلو قطر في إحليله دهنًا، أو غيره؛ لم يفطر (أو ابتلع نخامة بعد وصولها إلى فمه) سواء كانت من دماغه، أو حلقه، أو صدره، ويحرم بلعها إذًا، لإفساد صومه بذلك (أو اسْتَقَاء فَقَاء) أو تنجس ريقه، فابتلعه (أو استمنى) بيده، أو غيرها (أو باشر دون الفرج فأمنى، أو أمذى، أو كرر النظر فأمنى) أفطر (أو نوى الإفطار، أو حجم أو احتجم عامدًا مختارًا ذاكرًا لصومه أفطر) لحديث: "أفطر الحاجم والمحجوم" (١). (لا إن فكر فأنزل، أو دخل ماءُ مضمضة أو استنشاق حَلْقَهُ) جاز بلا قصد (ولو بالغ أو زاد على ثلاث) لم يفطر، وكذا إن ذرعه القيء، أو أصبح وفي فمه طعام فلفظه، أو شق عليه لفظه، فبلعه مع ريقه، بلا قصد؛ لم يفطر، لمشقة التحرز منه، أو لطخ باطن قدمه بشيء، فوجد طعمه بحلقه، لأن القدم غير نافذ، أو احتلم فأنزل، ولو بعد يقظته، بغير اختياره، لم يفطر.

стр. 518

(من جامع برمضان نهارًا بلا عذر) ولو في يوم، لزمه إمساكه بلا عذر (شبق ونحوه) كمن به مرض ينتفع به فيه كالمداواة (فعليه القضاء والكفارة مطلقًا) إن لم يكن ثمَّ عذر، وإلا فعليه القضاء فقط. وامرأة عالمة ذاكرة طاوعت كرجل في وجوب القضاء والكفارة، (ولا كفارة عليها) أي المرأة (مع العذر، كنوم، وإكراه، ونسيان، وجهل، وعليها القضاء) فقط. (وهي) أي الكفارة (عتق رقبة) مؤمنة سليمة على ما يأتي في الظهار (١)، (فإن لم يجد) رقبة، أو وجدها تباع بأكثر من ثمن المثل (فصيام شهريين متتابعين) للخبر (٢)، فلو قدر على الرقبة قبل شروع في صوم لا بعده؛ لزمته، (فإن لم يستطع) الصوم (فإطعام ستين مسكينًا) للخبر (٣)، لكل مسكين مد بر أو نصف صاع من غيره، مما يجزئ في فطرة (فإن لم يجد) ما يطعمه للمساكين (سقطت) بخلاف غيرها من الكفارات. (وكره) لصائم فرضًا كان أو نفلًا (أن يجمع ريقه فيبتلعه) خروجًا من

стр. 519

خلاف من قال: يفطر به (١). ويفطر بغبار ابتلعه قصدًا، لإمكان التحرز منه عادة، ويفطر -أيضًا- بريق أخرجه إلى بين شفتيه ثم بلعه (و) كره له (ذوق طعام) وقال المجد: المنصوص عنه لا بأس به لحاجة ومصلحة، واختاره في "التنبيه" (٢). وحكاه أحمد والبخاري عن ابن عباس (٣). فعلى الكراهة متى وجد طعمه بحلقه أفطر. وكره له ترك بقية طعام بين أسنانه، خشية خروجه، فيجري به ريقه إلى جوفه. وكره له شم ما لا يؤمن شمه أن يجذبه نفسٌ لحلق، كسحيق مسك، وسحيق كافور، ودهن، وبخور نحو عود، خشية وصوله مع نفسه إلى جوفه. ولا يكره شم نحو ورد، وقطع عنبر، ومسك غير مسحوق. (و) كره له (مضغ علك لا يتحلل) منه شيء، لأنه يجمع الريق، ويحلب الفم، ويورث العطش. (وإن وجد) صائم (طعمهما في حلقه) أي الطعام، أو العلك (أفطر). (و) تكره (القُبلة ونحوها) كمعانقة، ولمس، وتكرار نظر (ممن تحرك) القبلة ونحوها (شهوته) لأنه ﷺ نهى عن القبلة شابًّا، ورخص لشيخ (٤) رواه أبو داود، وهو حديث حسن، فإن لم تحرك شهوته، لم تكره، لما تقدم،

стр. 520

(ويحرم) ذلك (إن ظن إنزالًا) لتعريضه للفطر، ثم إن أنزل أفطر، وعليه القضاء. (و) يحرم (مضغ علك يتحلل) سواء بلع ريقه، أو لم يبلعه، لأنه تعريض بصومه للفساد. (و) يحرم (كذب، وغيبة، ونميمة، وشتم، ونحوه) كفحش (بتأكد) لحديث أنس مرفوعًا "لما عُرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وظهورهم (١)، فقلت: يا أخي جبرائيل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم" (٢) رواه أبو داود، ويحرم ذلك بتأكد في رمضان، وفي مكان فاضل، كالحرمين، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس للَّه حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" (٣) رواه البخاري. (وسن تعجيل فطر) إذا تحقق غروب شمس، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "يقول اللَّه: إن أحب عبادي إليّ أعجلهم فطرًا" (٤) رواه الإمام أحمد، ويباح فطره إذا غلب على ظنه غروب شمس إقامة للظن مقام اليقين، ولكن الاحتياط حتى يتيقن. والفطر قبل صلاة المغرب أفضل لحديث أنس: ما رأيت رسول اللَّه ﷺ يصلّي حتى يفطر ولو على شربة ماء (٥) رواه ابن عبد البر.

стр. 521

وسن لصائم كثرة قراءة، وذكر، وصدقة وكف لسانه عما يكره. ولا يفطر بنحو غيبة، قال أحمد: لو كانت الغيبة تفطر ما كان لنا صوم (١). وسن قوله جهرًا إن شُتم: إني صائم. لما في الصحيحين، عن أبي هريرة مرفوعًا: "إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن شاتمه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤٌ صائم" (٢). (و) سن (تأخير سحور) إن لم يخش طلوع الفجر، لحديث زيد بن ثابت قال: تسحرنا مع رسول اللَّه ﷺ ، ثم قمنا إلى الصلاة، قلت: كم كان قدر ذلك؟ قال: قدر خمسين آية (٣). متفق عليه، وتحصل فضيلة السحور بشرب، لحديث: "ولو أن يجرع أحدكم شربة من ماء" (٤). وكمالها بأكل، للخبر، وأن يكون من تمر لحديث: "نعم سحور المؤمن التمر" (٥) رواه أبو داود. وسن فطر على رطب، فإن عدم فتمر، فإن عدم فماء، لحديث أنس:

стр. 522

كان رسول اللَّه ﷺ ، يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن لم يكن تمرات حسا حسوات من ماء (١). رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حسن غريب. (و) سن للصائم (قول ما ورد عند فطر) هـ، ومنه: "اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، سبحانك وبحمدك، اللهم تقبل مني إنك أنت السميع العليم" لحديث الدارقطني عن أنس، وابن عباس: كان النبي ﷺ إذا أفطر قال: "اللهم لك صمنا، وعلى رزقك أفطرنا، فتقبل منا إنك أنت السميع العليم" (٢) وعن ابن عمر مرفوعًا: "كان إذا أفطر قال: ذهب الظمأ، وابتلت العروق، ووجب الأجر إن شاء اللَّه تعالى" (٣). رواه الدارقطني.

стр. 523

وفي الحديث: "للصائم عند فطره دعوة لا ترد" (١). ويستحب تفطير الصائم، وله مثل أجره، للخبر (٢). (و) سن (تتابع قضاء) رمضان (فورًا) نصًّا (٣)، مسارعة لبراءة ذمته، ولا بأس أن يفرق. رواه البخاري (٤) عن ابن عباس لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٥) وعن ابن عمر، مرفوعًا: "قضاء رمضان إن شاء فرق، وإن شاء تابع" (٦) رواه الدارقطني، ولأن وقته موسع، وإنما لزم التتابع في

стр. 524

الصوم إذًا لمقيم لا عذر له، للفور، وتعين الوقت، لا لوجوب التتابع في نفسه، إلا إذا بقي من شعبان قدر ما عليه من الأيام التي فاتته من رمضان، فيجب التتابع، لضيق الوقت (وحرم) حينئذ (تأخيره) أي قضاء رمضان (إلى) رمضان (آخر بلا عذر) نصًّا (١) (فإن فعل) وأخره بلا عذر (وجب) عليه (مع القضاء) لعدد ما عليه (إطعام مسكين عن كل يوم) أخره إلى رمضان آخر ما يجزئ في كفارة، رواه سعيد (٢) عن ابن عباس، بإسناد جيد، والدارقطني، عن أبي هريرة، وقال: إسناد صحيح (٣). وذكره غيرهما عن جماعة من الصحابة (٤). وإن أخر القضاء لعذر، من مرض، أو سفر؛ قضى فقط (وإن مات المفرِّط) في قضاء ما عليه (ولو قبل) رمضان (آخر، أُطعم عنه كذلك) لكل يوم مسكين (من رأس ماله) لا من ثلثه، لأنه واجب عليه (ولا يُصام) عنه، لأن الصوم لا تدخله النيابة حال الحياة، فبعد الموت كذلك، كالصلاة، ولا يلزم عن كل يوم أكثر من إطعام مسكين، ولو مضت رمضانات كثيرة. (وإن كان على الميت نذر) في الذمة (من حج أو [من] (٥) صوم، أو

стр. 525

صلاة ونحوها) كطواف، واعتكاف، لم يفعل منه شيئًا مع إمكان غير حج، فيفعل عنه مطلقًا، تمكن منه، أو لا، نجواز النيابة فيه حال الحياة، فبعد الموت أولى. (سُنَّ لوليه قضاؤه) عنه، لحديث ابن عباس: أن امرأة قالت: يا رسول اللَّه إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: "أرأيت لو كان على أمك دَيْن فقضيتيه عنها، أكان ذلك يؤدي عنها؟ قالت: نعم. قال: فصومي عن أمك" (١). متفق عليه. ويجزئ صوم جماعة عن نذر ميت في يوم واحد، بأن نذر صيام عشرة أيام مثلًا، فمات، فصام عنه عشرةٌ يومًا واحدًا، لحصول المقصود به، مع إنجاز إبراء ذمته، وظاهره: ولو كان متتابعًا، ومقتضى كلام المجد: لا يصح مع التتابع، قال: وتعليل القاضي يدل على ذلك (٢). (ومع تركة) لميت عليه نذر واجب (يجب) فعل نذره على ما تقدم (٣)، لثبوته في ذمته، كقضاء دينه من تركته (لا مباشرة ولي) فلا تجب، فإن شاء فعله بنفسه، وإن شاء دفع مالًا لمن يفعل ذلك عنه، وكذا حجة الإسلام. ومن مات وعليه صوم، من كفارة أو متعة، أطعم عنه من رأس ماله، أوصى به، أولًا، بلا صوم، نصًّا (٤)، لأنه وجب بأصل الشرع، كقضاء رمضان.

стр. 526

فصل في صوم التطوع (يُسَنُّ صوم أيام البيض) وهي: ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة، لحديث أبي ذر: "يا أبا ذر إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام فصم ثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر" (١). رواه الإمام أحمد، والنسائي، وغيرهما، وسميت بيضًا لبياض ليلها كله بالقمر (٢). (و) يسن صوم يوم (الخميس و) يوم (الاثنين) لأنه ﷺ كان يصومهما، فسئل عن ذلك، فقال: "إن أعمال الناس تُعرض يوم الاثنين والخميس". رواه أبو داود، عن أسامة بن زيد، وفي لفظ: "أحب أن يُعرض عملي وأنا صائم" (٣). (و) يسن صوم (ستـ) ـة أيام (من شوال) والأولى تتابعها، وكونها عقب العيد، وصائمها مع رمضان كأنما صام الدهر، لحديث أبي أيوب مرفوعًا: "من صام رمضان وأتبعه ستًّا من شوال، فكأنما صام الدهر" (٤)

стр. 527

رواه أبو داود، وغيره. (و) يسن صوم (شهر اللَّه المحرم) لحديث: "أفضل الصلاة بعد المكتوبة جوف الليل، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر اللَّه المحرم" (١) رواه مسلم. (وآكده) وعبارة بعضهم: أفضله (٢) (العاشر)، ويسمى عاشوراء، وينبغي التوسعة فيه على العيال، وصومه كفارة سنة، لحديث: "إني لأحتسب على اللَّه أن يكفر السنة التي قبله" (٣) (ثم) يلي العاشر في الآكدية (التاسع) ويسمى تاسوعاء لحديث ابن عباس مرفوعًا: "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر" (٤) رواه الخلال، واحتج به أحمد. (و) يسن صوم (تسع ذي الحجة) حديث: "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى اللَّه تعالى من هذه الأيام العشرة" (٥) (وآكده يوم عرفة)، وصومه كفارة سنتين، لحديث مسلم عن أبي قتادة مرفوعًا، في صومه: "إني لأحتسب على اللَّه تعالى أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده" (٦) والمراد

стр. 528

الصغائر، كما حكاه في "شرح مسلم" (١) عن العلماء (لغير حاج بها) أي بعرفة، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "نهى عن صيام يوم عرفة بعرفة" (٢) رواه أبو داود، ولأنه يُضَعِفُه، ويمنعه الدعاء فيه في ذلك الموقف الشريف، إلا لمتمتع وقارن عدما الهدي، فيستحب أن يجعلا آخر صيام الثلاثة في الحج يوم عرفة، ويأتي في بابه (٣). ثم يلي يوم عرفة في الآكدية يوم التروية، وهو ثامن ذي الحجة لحديث: "صوم يوم التروية كفارة سنة" (٤) رواه أبو الشيخ (٥) في "الثواب"، وابن النجار (٦)، عن ابن عباس مرفوعًا. (وأفضل الصيام صوم يوم وفطر يوم)

стр. 529

نصًّا (١)، لقوله ﷺ لابن عمرو: "صم يومًا وافطر يومًا، فذلك صيام داود، وهو أفضل الصيام" قلت: إني أطيق أفضل من ذلك، فقال: "لا أفضل من ذلك" (٢) متفق عليه. (وكره إفراد رجب) بصوم، قال أحمد: من كان يصوم السنة صامه، وإلا فلا يصوم متواليًا (٣). بل يفطر فيه، ولا يشبهه برمضان. ولهذا صح عن عمر أنه كان يضرب فيه، ويقول: كلوا، فإنما هو شهر كانت الجاهلية تعظمه (٤). (و) كره إفراد يوم (الجمعة) بصوم، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا يصومن أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم يومًا قبله أو يومًا بعده" (٥) متفق عليه. (و) كره إفراد يوم (السبت) بصوم، لحديث: "لا تصوموا يوم السبت، إلا فيما افترض عليكم" (٦) حسنه الترمذي، فإن صام معه غيره لم يكره.

стр. 530

(و) كره صوم يوم (الشك) وهو الثلاثون من شعبان، إذا لم يكن غيم أو قتر، لأحاديث النهي عنه (١). (و) كره صوم (كل عيد للكفار) كالنيروز، والمهرجان (٢)، وغيرهما. (و) كره (تقدُّم رمضان بـ) صوم (يوم أو يومين) لا بأكثر، لظاهر الخبر (٣)، (ما لم يوافق عادة في الكل) فلا يكره، نصًا (٤)، لظاهر خبر أبي هريرة: "لا يتقدمنَّ أحدكم رمضان بصوم يوم، أو يومين، إلا رجل كان يصوم صومًا فليصمه" (٥)، وكذا إن كان عليه صوم واجب، فلا يكره له إفراد شيء منها بصوم. وكره الوصال، بأن لا يفطر بين اليومين، فأكثر، إلا من النبي ﷺ ، لحديث ابن عمر: "واصل النبي ﷺ في رمضان، فواصل الناس، فنهى رسول اللَّه ﷺ عن الوصال، فقالوا: إنك تواصل! قال: إني لست مثلكم،
следующие страницы →