تجارة، بأن اشترى في ذمته، أو اقترض بغير إذن سيده، وتلف ما اشتراه، أو اقترضه بيده، أو بيد سيده، برقبته.
(و) يتعلق (أرش جناية قن وقِيَم متلفاته برقبته) فيفديه سيده بالأقل من الدين أو قيمته، أو يبيعه ويعطيه أو يسلمه لرب الدين.
تتمة:
ويجوز للرقيق المأذون له هدية مأكول، وإعارة دابة، وعمل دعوة، وتصدق بيسير بلا إسراف في الكل، لأنه ﷺ "كان يجيب دعوة المملوك" (١). ولرقيق غير مأذون له في تجارة أن يتصدق من قوته بما لا يضر به، كرغيف ونحوه، كفلس وبيضة، لجريان العادة بالمسامحة فيه، ولزوجة، وكل متصرف في بيتٍ كأجير، الصدقة منه بلا إذن صاحبه، بنحو ذلك، لحديث عائشة مرفوعًا: "إذا أنفقت المرأة من طعام زوجها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجر ما كسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئًا" (٢). متفق عليه، ولم يذكر إذنًا، ولأن العادة السماح وطيب النفس به، إلا أن يمنع رب البيت منه، أو يكون رب البيت بخيلًا، ويشك في رضاه، فيحرم الإعطاء من ماله بلا إذنه، لأن الأصل عدم رضاه إذن.
стр. 807
فصل في الوكالة
بفتح الواو وكسرها، اسم مصدر بمعنى التوكيل. وهي لغة: التفويض، تقول: وكلت أمري إلى اللَّه -أي: فوضته إليه واكتفيت به- وتطلق -أيضًا- بمعنى الحفظ ومنه: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ (١) أي: الحفيظ. (٢) وهي شرعًا: استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة (٣).
(وتصح الوكالة) مطلقة، ومنجزة، ومؤقتة، كأنتَ وكيلي شهرًا أو سنة، وتصح معلقة، نصًّا (٤)، كقوله: إذا قدم زيد فبع هذا، أو إذا دخل رمضان فافعل كذا، هاذا طلب أهلي منك شيئًا فادععه لهم ونحوه، وتصح (بكل قول) أو فعل (يدل على إذن) نصًّا (٥)، كبع عبدي فلانًا، أو اعتقه، ونحوه، أو فوضت إليك أمره، أو جعلتك نائبًا عني في كذا، أو أقمتك مقامي، لأنه لفظ دل على الإذن فصح، كلفظها الصريح. قال في "الفروع" (٦): ودل كلام القاضي على انعقادها بفعلٍ دالٍّ كبيع، وهو ظاهر كلام الشيخ فيمن دفع ثوبه إلى قصار أو خياط، وهو أظهر، كالقبول.
стр. 808
(و) يصح (قبولُها) أي الوكالة (بكل قول أو فعل يدل (١) عليه)، لأن وكلاءه ﷺ لم ينقل عنهم سوى امتثال أوامره، ولأنه أذن في التصرف، فجاز قبوله بالفعل، كأكل الطعام، ولو كان القبول متراخيًا عن الإذن، فلو بلغه أن زيدًا وكله في بيع عبده منذ سنة، فقبل، أو باعه من غير قولٍ؛ صح لأن الإذن قائم، ما لم يرجع عنه.
(وشُرط كونهما) أي: الموكل والوكيل (جائزي التصرف) لأن غير جائز التصرف ممنوع من التصرف لنفسه، فلا يصح منه أن يتوكل لغيره، ولا أن يوكله (ومن) يصح (له تصرف في شيء فله توكل) فيه (وتوكيل فيه) لأن النائب فرع عن المستنيب سوى أعمى، ونحوه، كمن يريد شراء عقار لم يره، إذا وكل عالمًا بالمبيع فيما يحتاج لرؤية، كجوهر، وعقار، فيصح، وإن لم يصح منه ذلك بنفسه، لأن منعهما التصرف في ذلك لعجزهما عن العلم بالمبيع، لا لمعنى فيهما يقتضي منع التوكيل.
فلا يصح أن يوجب نكاحًا عن غيره، مَنْ لا يصح منه إيجابه لموليته، لنحو فسق، لأنه إذا لم يجز أن يتولاه أصالة، لم يجز بالنيابة، كالمرأة، ولا يصح أن يقبله لغيره، من لا يصح منه قبوله لنفسه، ككافر يتوكل في قبول نكاح مسلم لمسلمة، سوى قبول نكاح أخته ونحوها لأجنبي تحل له، وسوى قبول حر واجد الطَوْلَ (٢) نكاح أمة لمن تباح له، وسوى توكل غني في قبض زكاة لفقير، وسوى طلاق امرأة نفسها وغيرها بوكالة؛ فيصح، لأنها إذا ملكت طلاق نفسها بجعله لها، ملكت طلاق غيرها بالوكالة.
ولا تصح وكالة في بيع ما سيملكه، أو في طلاق من يتزوجها، لأن الموكل لا يملكه حين التوكيل، ويصح: إن ملكت فلانًا فقد وكلتك في عتقه، لأنه يصح تعليقه على ملكه، بخلاف: إن تزوجت فلانة فقد وكلتك في طلاقها.
стр. 809
ولو قال من ادَّعى عليه وكيل غائب، عن دين ثابت: موكلك أخذَ حقه، لم يقبل قوله إلا ببينة، لأنه مقرٌّ، مدع الوفاء، ولا يؤخر الطلب حتى يحضر الموكل، ليحلف أنه لم يأخذه منه، لأنه وسيلة لتأخير حق متيقن لمشكوك فيه، أشبه ما لو ذكر المدَّعى عليه أن له بينة غائبة عن البلد بالوفاء، فلا يؤخر الحق لحضورها.
(وتصح) الوكالة (في كل حق آدمي) متعلق بمالٍ وما يجري مجراه، من عقدٍ كبيع، وهبة، وإجارة، ونكاح، وفسْخٍ لنحو بيع، وطلاق، ورجعة، وتملك مباح، وصلح، وإقرار، وعتق، وإبرار، ولو لأنفسهما إن عيِّنا (١).
و(لا) تصح وكالة في (ظهار) لأنه قول منكر وزور محرم أشبه بقية المعاصي (و) لا (لعان وأيمان) ونذر، وإيلاء، وقسامة، لتعلقها بعين الحالف والناذر، فلا تدخلها النيابة، كالعبادات، ولا في قسم لزوجات، ولا في شهادة، ولا في التقاط، ولا في دفع جزية، ولا في معصية، ولا في رضاع.
وتصح في بيع ماله كله أو ما شاء منه، وتصح في المطالبة بحقوقه كلها أو ما شاء منها، وفي الإبراء منها أو ما شاء منها. ولا تصح في عقد فاسد، أو في كل قليل وكثير، لأنه يدخل فيه كل شيء من هبة ماله، وطلاق نسائه، وغير ذلك، فيعظم الغرر والضرر.
(و) تصح الوكالة (في كل حق للَّه تعالى تدخله النيابة) من إثبات حد واستيفائه، لحديث: "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها". فاعترفت، فأمر بها، فرجمت (٢)، متفق عليه. ومِنْ عبادة تتعلق بالمال،
стр. 810
كتفرقة صدقة ونذر وزكاة، لأنه ﷺ كان يبعث عماله لقبض الصدقات وتفريقها (١)، وحديث معاذ (٢) يشهد به. ويصح قوله: أخرج زكاة مالي من كالك، لأنه اقتراض من مال وكيل، وتوكيل له في إخراجه.
وتصح وكالة في فعل حج وعمرة، فيستنيب من يفعلهما عنه مطلقًا في النفل، ومع العجز في الفرض، على ما سبق في الحج (٣)، وتدخل ركعتا طواف تبعًا. ولا تصح وكالة في عبادة بدنية محضة، كصلاة، وصوم، وطهارة من حدث، لتعلقها ببدن من هي عليه.
ولوكيل توكيل فيما يعجز عنه لكثرته، ولو في جميعه، لدلالة الحال على الإذن فيه، وفي ما لا يتولى مثله بنفسه، كالأعمال الدنية في حق أشراف الناس المترفعين عنها عادة، لأن الإذن إنما ينصرف لما جرت به العادة، ولا يصح أن يوكل وكيل فيما يتولى مثله بنفسه ويقدر عليه، لأنه لم يؤذن له في التوكيل، ولا تضمنه الإذن له، فلم يجز كما لو نهاه، إلا بإذن موكل فيجوز، لأنه عقد أذن له فيه، أشبه سائر العقود، قال في "الفروع" (٤): ولعل ظاهر ما سبق: يستنيب نائب في اهج لمرض، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي، -رحمهما اللَّه تعالى (٥) -.
стр. 811
ويتعين على وكيل حيث جاز له: أن يوكل أمين، فلا يجوز له استنابة غيره (١) إلا مع تعيين موكل، وإن وكل أمينًا فخان، فعليه عزله، لأن إبقاءه تفريط وتضييع. وكذا وصي له أن يوكل، وحاكم له أن يستنيب.
стр. 812
وقول موكل لوكيله: وكل عنك. يصح، فإن فعل فالوكيل وكيل
وكيله، ينعزل بموت الأول، وعزله. ووكل عني، أو وكلَ ويطلقُ، فوَكَّلَ، فهو وكيل موكله، فلا ينعزل بموت الوكيل الأول، ولا بعزله، فلا يملك الأول عزله، لأنه ليس وكيله، وإن مات الموكل، أو جُنَّ، ونحوه، انعزلا، سواء كان أحدهما فرع الآخر، أو لا.
ولا يوصي وكيل مطلقًا، ولا يعقد مع فقير، أو قاطع طريق، إلا بإذن موكل، لأنه تغرير بالمال، ولا يبيع نَسَاء إلا بإذن، فإن فعل لم يصح، لأن الإطلاق ينصرف إلى الحلول، ولا يبيع بغير نقد، فإن فعل لم يصح، ولا بغير نقد البلد، أو غالبه إن جَمَعَ (١) نقودًا، أو الأصلح إن تساوت رواجًا، إلا إن عينه موكل، لأن إطلاق الوكالة إنما يملك به الوكيل فعل الأحظ لموكله.
وإن وكل عبد غيره في بيع أو شراء، ونحوه من عقود المعاوضات، ولو في شراء نفسه من سيده، صح ذلك إن أذن فيه سيده، وإن لم يأذن له لم يصح، للحجر عليه فيمالا يملكه العبد. وعلم منه صحة توكيله فيما يملكه بلا إذن سيده، كطلاق، ورجعة، وصدقة بنحو رغيف.
(وهي) أي الوكالة (وشركة، ومضاربة، ومساقاة، ومزارعة، ووديعة، وجعالة ومسابقة، وعارية، (عقود جائزة) من الطرفين (لكلٍّ) من المتعاقدين (فسخها) أي هذه العقود، وتبطل بموت وجنون مُطبق، لكن لو وكل ولي يتيم، أو ناظر وقف، ثم مات؛ لم يبطل بموته، لأنه متصرف على غيره.
وتبطل وكالة بسكر يفسق به (٢) فيما ينافيه (٣)، كإيجاب نكاح ونحوه، وبفلس موكل فيما حجر عليه فيه، وبردته (ولا يصح بلا إذن) موكل (بيع
стр. 813
وكيل لنفسه) بأن يشتري ما وكل في بيعه من نفسه لنفسه (ولا) يصح (شراؤه منها) أي من نفسه (لموكله) بأن وُكل في شراء شيء، فاشتراه من نفسه لموكله، لأنه خلاف العرف في ذلك، وللحوق التهمة له بذلك، وإن أذن له في ذلك؛ صح.
ويتولى طرفي العقد فيهما، كأب الصغير ونحوه، إذا باع من ماله لولده، أو اشترى منه له (وولده) أي الوكيل (ووالده ومكاتبه) ونحوهم ممن ترد شهادته له، كزوجته، وابن بنته وأبي أمه (كنفسه) فلا يجوز للوكيل البيع لأحدهم، ولا الشراء منه مع الإطلاق، لأنه يتهم في حقهم، ويميل إلى ترك الاستقصاء عليهم في الثمن، كتهمته في حق نفسمه، بخلاف نحو أخيه وعمه، وكذا حاكم، وأمينه، ووصي، وناظر وقف، ومضارب، قال المنقح: وشريك عنان، ووجوهٍ (١). فلا يبيع أحد منهم لنفسه وولده ووالده ونحوه، ولا يشتري من نفسه ولا من ولده ووالده، لما تقدم.
(وإن باع) وكيل في بيع، أو باع مضارب (بدون ثمن مثل) أو بدون ما قدر له (أو اشترى بأكثر منه) أي ثمن المثل أو بأكثر مما قدر له (صح) البيع أو الشراء، لأن من صح بيعه وشراؤه بثيت، صح منه بأزيد (وضمن) وكيل، وكذا مضارب (زيادةً) عن ثمن مثل، (أو) عن مقدر في شرائه، وضمنا (نقصًا) في بيع عن ثمن مثل أو عن مقدر، ولا يضمنان ما يتغابن به عادة، كالدرهم في عشرة فيما لم يقدر، لعسر التحرز منه، ويضمنان جميع النقص فيما قدر، وفيما لا يتغابن به عادة، كاثنين في عشرة، لأنه تفريص بترك الاحتياط، وطلب الأحظ. وفي بقاء العقد، وتضمين المفرط جَمْعُ ما بين المصالح.
ولا يضمن قن أذن له سيده في بيع وشراء، فباع بأنقص، أو اشترى
стр. 814
بأزيد لسيده، كما لو أتلف ماله، ولا يضمن صغير أذِنَ له وليه في التجارة، فباع بأنقص، أو اشترى بأزيد لمسه، كما لو أتلف مال نفسه، وإن باع وكيل أو مضارب بأزيد مما قدر لهما، أو من ثمن المثل، أو اشتريا بأنقص، صح، لوقوعه بالمأذون فيه وزيادة تنفع ولا تضر.
(ووكيل) في بيع (مبيع يسلمه) أي: يملك تسليمه لمشتريه (ولا) يملك أن (يقبض ثمنه) لأنه قد يوكل في البيع من لا يؤمن على قبض الثمن. وكذا الوكيل في النكاح لا يملك قبض المهر (إلا بقرينة) تدل على ذلك، كأن كان عرف البلد قبض الوكيل لثمن ما باعه، فيقبضه (ويسلِّم وكيل الشراء الثمن) وإن أخره بلا عذرٍ، فتلف، ضمنه.
(ووكيل) في (خصومة لا يقبض) أي لا يكون وكيلًا في القبض، لأن الإذن لم يتناوله نطقًا، ولا عرفًا، وقد يرضى للخصومة من لا يرضاه للقبض، وليس لوكيل خصومة إقرار على موكله مطلقًا، نصًّا (١)، كإقراره عليه بقود وقذف، وكالولي (و) وكيل في (قبض) دَين أو عين (يخاصِم) لأنه لا يتوصل إلى القبض إلا بالإثبات، فالإذن فيه إذن فيه عرفًا.
(والوكيل أمين لا يضمن) ما تلف بيده (إلا بتعد أو تفريط) لأنه نائب الموكِّل في اليد والتصرف، فالهلاك في يده كالهلاك في يد المالك، وسواء كات متبرعًا أو بجُعْلٍ، فإن فرَّط أو تعدى ضمن (ويُقبل قوله) أي الوكيل (في نفيهما) أي التعدي والتفريط، بيمينه، لأنه أمين، ولا يكلَّفُ بينةً، لأنه مما تتعذر إقامة البينة عليه، ولئلا يمتنع الناس من الدخول في الأمانات مع الحاجة إليها، ويقبل إقراره على موكله في كل ما وكل فيه، من بيع وغيره، ولو نكاحًا، لأنه يملك التصرف فيه، فقبل قوله فيه كولي المجبرة.
(و) يُقبل قول وكيل في (هلاك) عين، أو ثمنها، إذا قبضه، وقال موكله: لم يتلف (بيمينه) لأنه أمين، ولو كان بجعل (كـ) ما يقبل (دعوى)
стр. 815
وكيل (متبرع ردَّ العين أو) رد (ثمنها) لموكل، لأنه قبض العين لنفع مالكها لا غير، كالمودع، لا وكيل بجُعْلٍ فلا يقبل قوله في الردّ، لأن في قبضه نفعًا لنفسه، أشبه المستعير و (لا) يقبل قوله في ردها (لورثته) أي الموكل لأنهم لم يأمنوه، ولا في ردها إلى غير من ائتمن، ولو بإذن الموكل، كأن أذن له في دفع دينار لزيد قرضًا، فقال الوكيل: دفعته له، وأنكره زيد فلا يقبل في الكل (إلا ببينة).
ولا يقبل قول ورثة وكيل في دفع لموكل، لأنه لم يأتمنهم، ولا يقبل قول أجير مشترك كصبّاغ، وصائغ، وخياط، في رد العين. وظاهره: أنه يقبل قول أجير خاص، وأطلق في "الإقناع" (١) أنه لا يقبل قول أجير في الرد، ولا قول مستأجر نحو دابة في ردها، ولا مضارب، ومرتهن، وكل من قبض العين لحظ نفسه كالمستعير. ودعوى الكل تلفًا بحادث ظاهر، كحريق، ونهب، ونحوهما، لم يقبل، إلا ببينة تشهد بالحادث الظاهر؛ لعدم خفائه.
وإن قال وكيل لموكله: أذنت لي في البيع نَسَاء، أو بغير ناقد البلد، أو بعرض، وأنكره موكل، فقول وكيل. أو اختلفا في صفة الإذن، بأن قال: وكلتني في شرائه بعشرة، فقال الموكل: بل بخمسة، أو وكلتني في شراء عبد، قال: بل أمة، أو أنْ أبيعه من زيد، قال: بل من عمرو، أو قال موكل: أمرتك ببيعه نسيئة برهن أو ضامن، وأنكره وكيل، ولا بينة، فالقول قول وكيل بيمينه، لأنه أمين.
وإن باع الوكيل السلعة وقال للموكل: بذلك أمرتني، فقال: بل أمرتك برهنها، صُدِّق ربها، فاتت أو لم تفت، لأن الاختلاف هنا في جنس التصرف، وإن اختلفا في أصل الوكالة، فقول منكر، لأن الأصل عدم الوكالة، ويصح: بع ثوبي هذا بكذا، فما زاد عنه فلك، نصًّا (٢).
стр. 816
ومن عليه حق من دين أو عين، فادّعى إنسان أنه وكيل ربه في قبضه، أو أنه أحيل به عليه، فصدقه، لم يلزمه دفع إليه، لأنه لا يبرأ به، لجواز إنكار رب الحق، أو ظهوره حيًا في الوصية، وإن كذبه لم يستحلف، لعدم الفائدة، إذ لا يقضى عليه بالنكول، وإن دفعه للمدعي ذلك، فأنكر صاحب الحق الوكالة، أو الحوالة، حلف أنه لم يوكله، ولا أحاله، لاحتمال صدق المدعي، ورجع رب الحق على دافع وحده، إن كان المدفوع دينًا، لعدم براءته بدفعه لغير ربه، أو وكيله، والأن الذي أخذه مُدّعِي الوكالة، أو الحوالة، عين مال الدافع في زعم رب الحق، فتعين رجوعه على الدافع، فإن نكل لم يرجع بشيء.
وفي مسألة الوصية يرجع بظهوره حيًا، ويرجع دافع على مُدّعٍ لوكالة، أو حوالة، أو وصية، بما دفعه مع بقائه، لأنه عين ماله، أو يرجع ببدله مع تلف بتعديه، أو تفريطه، لأنه بمنزلة الغاصب، فإن تلف بيد مدعي الوكالة بلا تعد، ولا تفريط، لم يضمنه، ولم يرجع عليه دافع بشيء، لأنه مقر بأنه أمين، حيث صدقه في دعواه الوصية، أو الوكالة.
وأما دعوى حوالة فيرجع دافع على قابض مطلقًا.
وإن كان المدفوع لمدعي وكالة أو وصية عينًا، كوديعة ونحوها، ووجدها ربها بيد الغاصب أو غيره، أخذها، وإلا يجدها، ضمَّن أيهما شاء، لأن القابض قبض ما لا يستحقه، والدافع تعدى بالدفع إلى من لا يستحقه، فتوجهت المطالبة على كلٍّ منهما.
ويرجع دافع لم يصدق على مدفوع إليه مطلقًا، سواء كان دَينًا أو عينًا، بقي أو تلف، لأنه لم يقر بوكالة، ولم تثبت ببينة، ومجرد التسليم ليس تصديقًا.
стр. 817
فصل في الشركة
بفتح الشين مع كسر الراء وسكونها، وبكسر الشين مع سكون الراء (١). وهي جائزة بالإجماع (٢)، لقوله تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ (٣)، وقوله ﷺ : "يقول اللَّه تعالى: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خان أحدهما صاحبه خرجت من بينهما" (٤) رواه أبو داود.
وتكره شركة مسلم مع كافر، كمجويصي، نصًّا (٥)، لأنه لا يأمن معاملته بالربا، وبيع الخمر، ونحوه، ولا تكره مع كتابي، لا يلي التصرف، لحديث الخلال، عن عطاء قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن مشاركة اليهودي والنصراني إلا أن يكون الشراء والبيع بيد المسلم (٦). ولانتفاء المحظور بتولي المسلم التصرف.
стр. 818
(والشركة: خمسة أضرب) جمع ضرب -أي صنف (١) - أحدها: (شركة عنان) ولا خلاف في جوازها، بل في بعض شروطها، سميت بذلك لاستوائهما في المال والتصرف، كالفارسين يستويان في السير، فإن عناني (٢) فرسيهما يكونان سواء. أو مَنْ عنَّ الشيء إذا عرض، لأنه عنَّ لكل منهما مشاركة صاحبه (٣).
(وهي) أي شركة العنان (أن يُحضِر كلُّ) واحد (من عدد) اثنين فأكثر (جائز التصرف) فلا تعقد مع صغير ولا سفيه، ولا على ما في الذمة (من ماله) فلا تعقد بنحو مغصوب (نقدًا) ذهبًا، أو فضة، مضروبًا، ولو بسكة (٤) كفار (معلومًا) قدرًا وصفة، ولو مغشوشًا قليلًا، أو كان من جنسين كذهب وفضة، أو كان متفاوتًا بأن، أحضر أحدهما مائة والآخر مائتين (ليعمل) متعلق بِيُحْضِر (فيه)، أي المال جميعه (كلٌّ) من له فيه شيء (على أن له من الربح جزءًا مشاعًا معلومًا) ولو أكثر من نسبة ماله، كأن جعل لرب السدس نصف الربح لقوة حذقه، أو يقال: على أن الربح بيننا، فيستوون فيه، لإضافته إليهم إضافة واحدة بلا ترجيح، أو ليعمل فيه البعض على أن يكون له أكثر من ربح ماله، وتكون الشركة إذًا عنانًا ومضاربةً، ولا تصح إن أحضر كل منهم مالًا على أن يعمل فيه بعضهم، وله من الربح بقدر ما له، لأنه إبضاع لا شركة، وهو دفع المال لمن يعمل فيه بلا عوض.
ولا تصح إن عقدوها على أن يعمل أحدهم بدون ربح ماله، لأن من لا يعمل لا يستحق ربح مال غيره ولا بعضه، وفيه مخالفة لموضوع الشركة.
стр. 819
وتنعقد الشركة بما يدل على الرضى، من قول، أو فعل يدل على إذن كل منهما للآخر في التصرف وائتمانه، ويغني لفظ الشركة عن إذن صريح بالتصرف، لدلالته عليه، وينفذ التصرف من كلٍّ بحكم الملك في نصيبه، وبحكم الوكالة في نصيب شريكه، ولا يشترط خلط أموالهما، فما تلف منها قبل خلط فهو من ضمان الجميع.
ولا تصح الشركة إن لم يذكر الربح في العقد، كالمضاربة، لأنه المقصود منها، فلا يجوز الإخلال به، وإن أقر بعضهم بمتعلق بالشركة، كأجرة دلَّال، وحمّال، ومخزن، ونحوه، فهو من مال الجميع، والخسارة في مال الشركة بقدر ما لكل من الشركاء، سواء كانت لتلف، أو نقصان ثمن، أو غيره، لأنها تابعة للمال.
ومن قال من شريكين: عزلت شريكي، صح تصرف المعزول في قدر نصيبه فقط، وصح تصرف العازل في جميع المال، لعدم رجوع المعزول عن إذنه. ولو قال أحدهما: فسخت الشركة انعزلا، لأن فسخ الشركة يقتضي عزل نفسه من التصرف في مال صاحبه، وعزل صاحبه من التصرف من مال نفسه، وسواء كان المال نقدًا أو عرضًا، ويقبل قول منكر القسمة إذا ادعاها صاحبه، لأن الأصل عدمها.
ولا تصح شركة عنان ولا مضاربة بنقرة (١) لم تضرب لأنها كالعروض، ولا بمغشوش غشًا كثيرًا، ولا فلوس ولو ناقتين، لأنها كالعروض، بل الفلوس عروضٌ مطلقًا.
تتمة:
لكل من الشركاء أن يبيع ويشتري، ويأخذ ويعطي، ويطالب ويخاصم، ويحيل ويحتال، ويرد بعيب للحظ ولو رضي شريكه، وأن يقر بالعيب، وأن يقايل، وأن يؤجر ويستأجر، وأن يبيع نَسَاءً، وأن يودع
стр. 820
لحاجة، وأن يرهن ويرتهن، وأن يفعل كل ما فيه حظ للشركة، وليس له أن يكاتب قنًّا من الشركة، أو يزوجه، أو يعتقه ولو بمال، إلا بإذن، ولا أن يهب من مال الشركة، أو يقرض، أو يحابي، أو يضارب، أو يشارك بالمال، أو يخلطه بغيره، أو يأخذ به سفتجة (١)، بأن يدفع من مال الشركة إلى إنسان، ويأخذ منه كتابًا إلى وكيله ببلد آخر، ليستوفي منه، أو يعطيها؛ بأن يشتري عرضًا، ويعطي بثمنه كتابًا إلى وكيله ببلد آخر، ليستوفي منه. ولا أن يستدين عليها إلا بإذن شريكه في الكل. وإن قال: اعمل برأيك، ورأى مصلحة؛ جاز الكل، وما استدان بدون إذن فعليه، وربحه له.
تتمة:
والاشتراط فيها نوعان: صحيح، كشرط أن لا يتجر إلا في نوع كذا، أو أن لا يتجر إلا في بلد بعينه، أو أن لا يبيع إلا بنقد كذا، أو أن لا يسافر بالمال.
ونوع فاسد، وهو قسمان: مفسد لها، وهو: ما يعود بجهالة الربح، كشرط دراهم لزيدٍ الأجنبي، والباقي من الربح لهما، واشتراط ربح ما يشتري من رقيق لأحدهما وما يشتري من ثياب للآخر، ونحو ذلك، فتفسد الشركة، والمضاربة به، لإفضائه إلى جهل حق كل منهما من الربح، أو إلى فواته.
وقسم فاسد غير مفسد: كاشتراط أحدهما على الآخر ضمان المال إن تلف بلا تعد ولا تفريط، أو أن ما عليه من الخسارة أكثر من قدر ماله، أو أن يعطيه ما يختار من السلع برأس ماله، أو أن لا يفسخ الشركة مدة كذا، ونحو ذلك، فهذه الشروط كلها فاسدة، لتفويتها المقصود من عقد الشركة، والشركة، أو المضاربة، صحيحة.
стр. 821
وإذا فسدت الشركة قسم ربح شركة عنان ووجوه على قدر المالين، وقسم أجر ما تقبلاه من عمل في شركة أبدان بالسوية، وتوزيع وضيعة على قدر ما لكل، ورجع كل من لشريكين في عنان ووجوه وأبدان بأجرة نصف عمله، ومن تعدى من الشركاء، بمخالفة، أو إتلاف، ضمن كالغاصب، وربح مالٍ لربه، نصًّا (١)، لأنه نماء مال تصرف فيه غير مالكه بغير إذنه، فكان لمالكه.
وعقد فاسد في مضاربة، وشركة، ووكالة، ووديعة، ورهن، وهبة، وصدقة، وهدية، ووقف، كعقد صحيح في ضمان وعدمه، فلا يضمن منها ما لايضمن في العقد الصحيح.
الضرب (الثاني: المضاربة) من الضرب في الأرض، أي السفر فيها للتجارة، وهذه تسمية أهل العراق. وأهل الحجاز يسمونها: قراضًا، من قرض الفأر الثوب أي قفعه، كأن رب المال اقتطع للعامل قطعة من ماله، وسلمها له واقتطع له قطعة من ربحها (٢). وحكى ابن المنذر الإجماع على جوازها (٣). ولحاجة الناس إليها.
(وهي) شرعًا (٤): (دفع ماك) أي نقد مفروب، غير مغشوش كثيرًا، لما تقدم (٥) أو ما في معنى الدفع، كوديعة، وعارية، وغصب، إذا قال ربها لمن هي تحت يده: ضارب بها على كذا. (معين) أي المال فلا يصح: ضارب بأحد هذين الكيسين، تساوى ما فيهما أو اختلف، علما ما فيهما، أو
стр. 822
جهلاه، لأنه عقد تمنع الجهالة صحته (معلوم) قدره، فلا تصح بصبرة دراهم أو دنانير، لأنه لابد من الرجوع إلى رأس المال عند الفسخ ليعلم الربح، ولا يمكن ذلك مع الجهل (لمن يتجر فيه) أي المال، وهو متعلق بدفعٍ (بجزءٍ) متعلق (بيتَّجر) (معلوم مُشاع من ربحه) كنصفه أو ربعه.
(وإن ضارب) العامل (لآخر) أي أخذ مضاربة لشخص آخر (فأضر) اشتغاله بالعمل في مال الثاني ربَّ المال (الأول، حرُم) عليه ذلك، لأنه يمنعه مقصود المضاربة من طلب النماء والحظ، فإن لم يضر الأول، بأن كان مال الثاني يسيرًا لا يشغله عن العمل في مال الأول جاز (و) إن ضارب لآخر بحيث يضر الأول (رد) العامل (حصته) من ربح المضاربة الثانية (في الشركة) الأولى، نصًّا (١)، فيدفع لرب المضاربة الثانية نصيبه من الربح، ويؤخذ نصيب العامل، فيضم لربح مضاربة الأول، ويقسمه مع ربها على ما اشترطاه، لأنه استحقه بالمنفعة التي استحقت بالعقد الأول. ورده في "المغني" كما ذكره صاحب "المنتهى" في "شرحه" (٢).
стр. 823
ولا يصح لرب المال الشراء من مال المضاربة لنفسه، نصًّا (١)، لأنه ملكه كشرائه من وكيله وعبده المأذون، وإن اشترى شريك نصيب شريكه؛ صح، لأنه ملك غيره.
ولا نفقة لعامل في مال المضاربة، لأنه دخل على العمل بجزء، فلا يستحق غيره، إلا بشرطٍ، نصًّا (٢)، كالوكيل. وقال الشيخ، وابن القيم: أو عادة (٣). ويصح شرطها سفرًا وحضرًا، لأنها في مقابلة عمله، وإن شُرطت مطلقة، واختلفا فيها، فله نفقة مثله عرفًا، وإن تعدد رب المال، فهي على قدر ما لكلٍّ.
وللعامل التسِّري من مال المضاربة بإذن رب المال، فإذا اشترى أمة للتسري ملكها، وصار ثمنها قرضًا عليه لرب المال، لخروجه من المضاربة، مع عدم وجود ما يدل على التبرع به من رب المال، وإن وطئ عامل أمة من المال بغير إذن عزر، نصًّا (٤)، لأن ظهور الربح مبني على التقويم، وهو غير متحقق، لاحتمال أن السلعة تساوي أكثر مما قومت به، فهو شبهة في درء الحد، وإن لم يظهر ربح، وعليه المهر، وإن ولدت منه، وظهر ربح، صارت أم ولد، وولده حر، وعليه قيمتها، وإن لم يظهر فهي وولدها ملك لرب المال.
стр. 824
ولا يطأ رب المال أمة من المضاربة ولو عدم الربح، لأنه ينقصها إن كانت بكرًا، أو يعرضها للتلف والخروج من المضاربة، ولا حد عليه، لأنها ملكه، وإن ولدت منه خرجت من المضاربة، وحسبت قيمتها عليه، فإن كان فيه ربح فلعامل حصة منه.
ولا ربح لعامل حتى يستوفى رأس المال (وإن تلف رأس المال أو) تلف (بعضه بعد تصرف) عامل في المضاربة (أو) ربح في أحد سلعتيه و (خسر) في الأخرى (جبر) رأس المال (من ربح) إن كان (قبل قسمة) الربح ناضًّا (١)، أو قبل تنضيضه، مع محاسبة، نصًّا (٢). فإن تقاسما الربح والمال ناضٌّ، أو تحاسبا بعد تنضيض المال، وأبقيا المضاربة، فهي مضاربة ثانية، فما ربح بعد ذلك لا يجبر به وضيعة الأول، ولو قسم رب المال والعامل الربح، أو أخذ أحدهما منه شيئًا بإذن صاحبه، والمضاربة بحالها، ثم خسر، كان على العامل رد ما أخذه من الربح، لأنا تبينَّا أنه ليس بربح، ما لم تنجبر الخسارة، نصًّا (٣).
وتفسخ مضاربة فيما تلف من مالها قبل عمل، ويصير الباقي رأس المال، فإن تلف الكل، ثم اشترى العامل للمضاربة شيئًا، فهو كفضولي، وإن تلف بعد شرائه في ذمته، وقبل نقد ثمن فالمضاربة بحالها، ويطالب العامل ورب المال، بالثمن لتعلق حقوق العقد برب المال، ومباشرة العامل، وإن دفعه عامل بنية الرجوع، رجع به على رب المال، للزومه له أصالة. والعامل بمنزلة الضامن. وتحرم قسمة الربح والعاقد باق إلا باتفاقهما، لأنه وقاية لرأس المال، فلم يجبر ربه على القسمة، لأنه لا يأمن
стр. 825
الخسران فيجبره بالربح، ولا العامل، لأنه لا يأمن أن يلزمه ما أخذه في وقت لا يقدر عليه، فإن اتفق على قسمه أو بعضه، جاز، لأنه ملكهما، كالشريكين.
تتمة:
العامل أمين يصدق بيمينه في قدر رأس مال، وفي ربح وعدمه، وفي هلاك وخسران، وفيما يذكر أنه اشتراه لنفسه، أو للمضاربة، وفي نفي ما يدَّعي عليه من خيانة، أو تفريط، لأن الأصل عدمهما.
وإذا شرط العامل النفقة، ثم ادعى أنه أنفق من ماله بنية الرجوع، فله ذلك سواء، كان المال بيده، أو رجع إلى ربه، كالوصي إذا ادّعى النفقة على اليتيم.
وإذا اشترى العامل شيئًا، وقال المالك: كنت نهيتك عنه، وأنكر. فقوله، لأن الأصل معه.
ولو أقر عامل بربح، ثم ادعى تلفًا، أو خسارة، قُبِلَ قوله، لأنه أمين، ولا يقبل قوله إن ادعى غلطًا، أو كذبًا، أو نسيانًا، أو اقتراضًا تمم به رأس المال بعد إقراره به لربه، كأن قال عامل: هذا رأس مال مضاربتك. ففسخ ربها، وأخذه. فادعى العامل أن المال كان خسر، وأنه خشي إن وجده ناقصًا يأخذه منه، فاقترض ما تممه به، ليعرضه عليه تامًا، فلا يقبل قواسه فيه، لأنه رجوع عن إقرار بحق لآدمي.
ولا يقبل قوله في رد مال المضاربة إلى ربه بلا بينة، نصًّا (١)، لأنه قبضه لنفع له فيه، أشبه المستعير، والقول قول المالك في ذلك. ويقبل قول مالك في صفة خروجه عن يده، كأن قال: أعطيتك ألفا قراضًا، على النصف من ربحه. وقال العامل: بل قرضًا لا شيء لك من ربحه، فقول رب المال، لأن الأصل بقاء ملكه عليه، فإذا حلف، قسم الربح بينهما، وإن خسر المال، أو
стр. 826
تلف، فقال ربه: كان قرضًا. وقال العامل: كان قراضًا، أو بضاعة، فقول ربه -أيضًا- لأن الأصل في قبض مال الغير الضمان، فلو أقاما بينتين، قُدِّمَتْ بينة عامل، لأن معها زيادة علم، ولأنه خارج. وإن قال رب المال: كان بضاعة. وقال العامل: كان قراضًا، حلف كل منهما على إنكار ما ادعاه خصمه، وكان له أجر عمله، لا غير.
ويقبل قول مالك بعد ربح في قدر ما شرط لعامل، فإن أقاما بينتين، قدمت بينة عامل -أيضًا- ويصح دفع عبد، أو دابة، أو قِربة، أو قِدْر، أو آلة حرث، ونحو ذلك لمن يعمل به بجزء من أجرته. ويصح خياطة ثوب، ونسج غزل، وحصاد زرع، ورضاع قن، واستيفاء مال، وبناء دار، وطاحون، ونجر باب (١)، ونحو ذلك، بجزء مشاع منه، لأنها عين تنمى بالعمل عليها، فصح العقد عليها ببعض نمائها. ويصح دفع دابة، أو نحل، أو عبد، أو أمة، لمن يقوم به مدة معلومة بجزء منه، كربعه، أو خمسه، والنماء ملك لهما، على حسب ملكيهما، لا بجزء من نماء كدَرٍّ، ونسل، وصوف، وعسل، ونحو ذلك، لحصول نمائه بغير عمل، وله أجر مثله.
والضرب (الثالث: شركة الوجوه، وهي أن يشتركا) بلا مال (في ربح ما يشتريان في ذممهما بجاهيهما) أي بوجوههما، وثقة التجار بهما (٢) والجاه والوجه واحد، يقال: فلان وجيه ذو جاه. (٣)
وهي جائزة لاشتمالها على مصلحة بلا مضرة، ولا يشترط لصحتها ذكر جنس ما يشتريانه، ولا ذكر قدره، ولا ذكر وقت الشركة. فلو
стр. 827
قال أحدهما للآخر: كلما اشتريت من شيء فبيننا، وقال له الآخر كذلك، صح العقد، ولا يعتبر ذكر شروط الوكالة، لأنها داخلة في ضمن الشركة، بدليل المضاربة، وشركة العنان.
(وكلٌّ) من شريكي الوجوه (وكيل الآخر) في بيع وشراء (وكفيله بالثمن) لأن مبناها على الوكالة والكفالة. وملكٌ فيما يشتريان كما شرطا، لحديث: "المؤمنون عند شروطهم" (١) وربحٌ كما شرطا، من تساو وتفاضل لأن أحدهما قد يكون أوثق عند التجار، وأبصر بالتجارة، ولأنها منعقدة على عمل وغيره، فكان ربحها على ما شرطا، كشركة العنان. والخسران بتلفٍ، أو بيعٍ بنقص عما اشتري به، على قَدْرِ الملك، فمن له الثلثان مثلًا فعليه ثلثا الوضيعة، وهكذا، سواء كان الربح بينهما كذلك، أو لا، وتصرفهما كتصرف شريكي عنان، على ما سبق (٢).
والضرب (الرابع: شركة الأبدان) سميت بذلك: لاشتراكهما في عمل أبدانهما (٣). (وهي) نوعان: أحدهما (أن يشتركا فيما يتملكان بأبدانما من مباح كاصطياد ونحوه) كاحتشاش، وتلصص على دار الحرب، واحتج أحمد بأن النبي ﷺ قد أشرك بين عمَّار وسعد وابن مسعود. فجاء سعد بأسيرين، ولم يجيئا بشيء (٤). كان ذلك في غزوة بدر، وكانت غنائمها لمن
стр. 828
أخذها، قبل أن يشرك اللَّه تعالى بينهم (١).
(أو) أن يشتركا فيما (يتقبَّلان في ذممهما من عمل، كخياطة) وحدادة وقصارة، وهذا هو النوع الثاني. ولو قال أحدهما: أنا أتقبل، وأنت تعمل، والأجرة بيننا؛ صح، لأن تقبل العمل يوجب الضمان على المتقبِّل، ويستحق به الربح، فصار كتقبله المال في المضاربة، والعمل يستحق به العامل الربح، كعمل المضارب، فينزَّل منزلة المضاربة (فما تقبله أحدُهما) من عمل (لزمهما عمله، وطولبا به) لأن مبناها على الضمان، فكأنها تضمنت ضمان كل واحد منهما عن الآخر ما يلزمه، ولكل من الشريكين طلب أجرة عمل، ولو تقبله صاحبه، ويبرأ مستأجر بدفعها لأحدهما، وتلفها بيد أحدهما بلا تفريط: عليهما، لأن كلًّا وكيل الآخر، ولا يشترط لصحتها اتفاق صنعة الشريكين، فلو اشترك حداد ونجار، أو خياط وقصار، فيما يتقبلان في ذممهما من عمل، صح، لاشتراكهما في كسب مباح، أشبه ما لو اتفقت الصنائع. ولا يشترط اصحة الشركة معرفة الصنعة لواحد منهما.
(وإن ترك أحدهما) أي الشريكين (العمل) لعذر (أو لا) لعذر، بأن كان حاضرًا صحيحًا (فالكسب بينهما) على ما شرطا (ويلزم من عُذِر) بنحو مرض في ترك عمل مع شريكه (أو لم يَعْرف العمل أن يقيم مقامه) في العمل
стр. 829
(بطلب شريك) له بذلك لدخولهما على العمل، فلزمه أن يفي بمقتضى العقد، وللآخر الفسخ إن امتنع، أو لم يمتنع.
ولا تصح شركة دلَّالين، لأن الشركة الشرعية لا تخرج عن الوكالة والضمان، ولا وكالة هنا، لأنه لا يمكن توكيل أحدهما على بيع مال الغير، ولا ضمان، لأنه لا دين بذلك يصير في ذمة واحد منهما، ولا تقبُّل عمل (١).
والضرب (الخامس شركة المفاوضة، وهي) لغة: الاشتراك في كل شيء (٢)، وشرعًا (٣): (أن يفوض كل) من اثنين فأكثر (إلى صاحبه كل تصرف مالي) من بيع، وشراء في الذمة، ومضاربة، وتوكيل، ومسافرة
стр. 830
بالمال، وارتهان، وتقبل ما يرى من الأعمال. أو (١) (يشتركا في كل ما يثبت لهما وعليهما فتصح؛ إن لم يدخلا فيها كسبًا نادرًا) أو غرامة، لأنها لا تخرج عن أضرب الشركة التي تقدمت (وكلها جائزة. ولا ضمانَ فيها إلا بتعدٍّ أو تفريط) (٢).
وإن أدخلا فيها كسبًا نادرًا، كوجدان لقطة، أو ركاز، أو ما يحصل من ميراث، أو أدخلا فيها ما يلزم أحدهما من ضمان غصب، أو أرش جناية، أو ضمان عارية، ونحو ذلك، فهي حينئذ فاسدة، لأنه عقد لم يرد الشرع بمثله، ولما فيه من كثرة الغرر، لأنه قد يلزم فيه ما لا يقدر الشريك عليه، ولكل من الشريكين في هذا القسم ما يستفيده، وله أجرة عمله.
стр. 831
فصل في المساقاة
من السقي (١) (وتصح المساقاة على شجر) مغروس معلوم (له ثمر يؤكل) لمن يعمل عليه، بجزء مشاع معلوم من ثمره النامي بعمله، وسواء النخل، والكَرمُ، والرمان، والجوز، واللوز، والزيتون، وغيرها، لحديث ابن عمر قال: عامل النبي ﷺ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع. متفق عليه (٢).
(و) تصح المساقاة على (ثمرة موجودة بجزء) مشاع معلوم (منها) لأنه إذا جاز في المعدوم مع كثرة الغرر، فعلى الموجود مع قلته أولى.
وتصح المغارسة، وهي: دفع (شجر) معلوم، له ثمر مأكول بلا غرس، مع أرض لمن (يفرسه ويعمل عليه حتى يثمر بجزء) مشاع معلوم (من الثمرة أو) من (الشجر) عينه (أو منهما) أي من الشجر والثمرة (٣). فإن
стр. 832
لم يكن الغراس من رب الأرض، فسدت على المذهب (١)، وربُّ الأرض بالخيار بين تكليف رب الغراس أخذه، ويضمن له نقصه، وبين تملكه بقيمته، إلا أن يختار ربه أخذه، وإن اتفقا على إبقائه بأجرة، جاز.
وإن دفع أرضًا وشجرًا لمن يعمل عليه بجزء من الأرض والشجر لم يصح، كما لو جعل له في المساقاة جزءًا من الشجر (فإن فسخ مالك) المساقاة، أو مات (قبل ظهور ثمرة) وبعد عمل (فلعامل أجرته) لاقتضاء
стр. 833
العقد العوض المسمى، ولم يرض العامل بإسقاط حقه منه (أو) فسخ (عامل) المساقاة، أو هرب قبل ظهور ثمرة (فلا شيء له) لإسقاط حقه برضاه، كعامل المضاربة إذا فسخ قبل ظهور الربح (وتُملك الثمرة بظهورها فعلى عامل تمام عمل إذا فسخت بعده) أي بعد ظهور الثمرة فيما ساقا عليه، والثمر بينهما، على ما شرطا في العقد.
وإن بان الشجر المساقى عليه مستحقًّا لغير المساقي، بعد عمل عامل فيه، فلربه أخذه وثمره، لأنه عين ماله، ولا شيء عليه للعامل، لأنه لم يأذن، وله أجر مثله على الغاصب، لأنه غرَّه واستعمله.
(وعلى عامل) في مساقاة ومغارسة ومزارعة (كلُّ ما فيه نمو أو صلاح) لثمر وزرع، من سقي بماء حاصل، لا يحتاج إلى حفر بئر، ولا إدارة دولاب، وإصلاح طريقة (وحصاد ونحوه) كدياس، وتشميس ما يحتاج إليه، وإصلاح محله، وحفظ ثمرة، وزرع إلى قسمه (وعلى رب أصل حفظـ) ـه، ونحوه، كسدِّ حائط، وإجراء نهر، وحفر بئر، وثمن دولاب، وما يديره من بهائم، وشراء ما يلقح به من طلع فحالٍ، وتحصيل زبلٍ، وسباخ (١)، لأن هذا كله ليس من العمل، فهو على رب المال.
(وعليهما) أي العامل ورب المال (بقدر حصتيهما جذاذ) نصًّا (٢)، ويصح شرطه على عامل، نصًّا (٣)، ولا يصح أن يشترط على أحدهما ما على الآخر كلة أو بعضه، ويفسد العقد به، لمخالفته مقتضاه، ويتبع في الكُّلَفِ السلطانية (٤) العرفُ، ما لم يكن شرط، فيعمل به. وما طلب من قرية من
стр. 834
وظائف سلطانية ونحوها؛ فعلى قدر الأموال، وإن وضعت على الزرع فعلى ربه، وعلى العقار على ربه، ما لم يشترطه على مستأجر (١).
والخراج على رب المال، لأنه على رقبة الأرض، أثمر الشجر أو لم يثمر، ولأنه أجرة الأرض فكان على من هي ملكه.
وكره حصاد وجذاذ ليلًا، نصًّا (٢)، خشية ضرر.
(وتصح المزارعة بجزء معلوم مما يخرج من الأرض) كثلث، وربع، ونحو ذلك (بشرط علم) جنس (بذر) ولو تعدد البذر (و) علم (قدره، و) بشرط (كونه) أي البذر (من رب الأرض) نصًّا (٣). واختاره عامة الأصحاب، وعنه: ما يدل على أنه لا يشترط ذلك، وصححه في "المغني" وغيره، وجزم به في "المختصر" (٤)، فإن كان في الأرض شجر، فزارعه على الأرض، وساقاه على الشجر، صح، سواء قل بياض الأرض، أو كثر. نص عليه (٥). وقال: قد دفع النبي ﷺ خيبر على هذا (٦).
وإن آجره الأرض وساقاه على الشجر، صح، كجمع بين إجارة وبيع، ما لم يكن حيلة على بيع الثمرة قبل وجودها، أو قبل بدو صلاحها، كان آجره الأرض بأكثر من أجرتها، وساقاه على الشجر بجزء مثلًا من ألف جزء، فيحرم ذلك، ولم يصح كل من الإجارة، والمساقاة.
стр. 835
وإن شرط رب المال لعامل نصف هذا النوع، أو الجنس من ثمر أو زرع، وربع الآخر، وجهل قدرهما، بأن جهلاهما، أو جهلهما أحدهما، أو شرط أن سقى العامل سيحًا (١)، أو زرع شعيرًا، فله الربع، وإن سقى بكلفة، أو زرع حنطة، فله النصف، أو قال له: اعمل، ولك الخمسان إن لزمتك خسارة، وإلا فلك الربع، أو شرطا أن يأخذ رب الأرض مثل بذره ويقتسمان الباقي؛ لم يصح، للجهالة.
وإن قال: ساقيتك هذا البستان بالنصف، على أن أساقيك الآخر بالربع، فسدتا، لأنه شرط عقد في عقد، فهو في معنى بيعتين في بيعه المنهي عنه، كما لو شرطا لأحدهما قفزانًا معلومة، أو دراهم معلومة، أو زرع ناحية معينة، أو ثمر شجر ناحية معينة.
وإذا فسدت المزارعة، فالزرع لرب البذر. أو المساقاة، فالثمرة لرب الشجر، لأنه عين ماله، ينقلب من حال إلى حال، وينمو، كالبيضة تحضن فتصير فرخًا، وعليه الأجرة -أي أجرة مثل العامل- لأنه بذل منافعه بعوض لم يسلم له، فرجع إلى بدله، وهو أجر المثل، وإن كان رب البذر هو العامل، فعليه أجرة مثل الأرض.
стр. 836
فصل في الإجارة
من الأجر وهو العوض، ومنه سمي الثواب أجرًا، لأنه تعالى يعوض العبد على الطاعة، أو صبره عن المعصية (١)، وهي ثابتة بالإجماع (٢)، وسنده من الكتاب قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٣)، ومن السنة حديث عائشة في خبر الهجرة، قالت: "واستأجر رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر رجلًا من بني الدَّيْل (٤) هاديًا خِرِّيتًا". والخريت: الماهر بالدلالة (٥). رواه البخاري (٦).
والحاجة داعية إليها.
стр. 837
وهي لغة: المجازاة (١). وشرعًا: عقد على منفعة مباحة معلومة، تؤخذ شيئًا فشيئًا (٢).
(وتصح الإجارة بثلاثة شروط):
أحدها: (معرفة منفعة) لأنها المعقود عليها، فاشترط العلم بها كالبيع: إما بعرف كسكنى دار شهرًا، وخدمة آدمي سنة، فلا تحتاج إلى ضبط، كالسكنى فيخدمه نهارًا، ومن الليل ما يكون من خدمة أوساط الناس، أو بوصف، كحمل زُبْرَة حديد (٣) وزنها كذا إلى محل كذا، لأن المنفعة إنما تعرف بذلك، فإن كان كتابًا، فوجد المحمول إليه غائبًا، فله الأجرة، لذهابه، ورده. وفي "الرعاية" (٤): إن وجده ميتًا، فالمسمى فقط. أو بناء حائط، فيذكر طوله، وعرضه، وسمكه، وآلته، لاختلاف الغرض، فلو بناه، ثم سقط، فله الأجرة، لأنه وفَّى بالعمل، إلا إنا كان سقوطه بتفريطه.
وتصح إجارة أرض معينة، برؤية، لا وصف، لأن الأرض لا تنضبط به، لزرع، أو غرس، أو بناء معلوم. أو لزرع، أو غرس، أو بناء ما شاء، أو لزرع، أو لغرس، أو لبناء، ويسكت، فله زرع وغرس وبناء ما شاء، كأنه استأجرها لأكثر ذلك ضررًا.
وإن كانت الإجارة لركوب: اشترط مع ذكر الموضع المركوب إليه، معرفة راكب، برؤية، أو صفة، وذكر كوب كمبيع، إن لم يكن مرئيًا، لاختلاف المقاصد بالنظر إلى أجناس المركوب، من كونه فرسًا، أو
стр. 838
بعيرًا، أو بغلًا، أو حمارًا، ومعرفةُ ما يركب به من سرج أو غيره، ومعرفة كيفية سيره من هملاج (١) وغيره لا ذكوريته وأنوثته، أو نوعه.
(و) الشرط الثاني: (إباحتها) أي المنفعة، أي كون نفع معقود عليه مباحًا مطلقًا، بلا ضرورة، بخلاف جلد ميتة، وإناء من ذهب أو فضة، لأنه لا يباح إلا عند الضرورة، لعدم غيره، مقصودًا عرفًا، يستوفى من عين مؤجرة، دون استهلاك الأجزاء، بخلاف شمع لشعل وصابون لغسل مقدورًا عليه، بخلاف ديك ليوقظه لصلاة، ولا يصح، نصًّا (٢)، لأنه لا يقف على فعل الديك، ولا يمكن استخراجه منه بضرب ولا غيره.
وتجوز إجارة كتاب لنظر، وقراءة ونقل، لا مصحف، فلا تجوز إجارته، لأنه لا يجوز بيعه.
وتصح إجارة حائط لحمل خشب معلوم، وبئر يستقى منها أيامًا معلومة، لأن فيها نفعًا مباحًا بمرور الدلو، والماء يؤخذ على أصل الإباحة، وحيوان لصيد، وقرد لحراسة.
ولا تصح إجارة كلب، أو خنزير، لأنه لا يصح بيعهما.
ويصح استئجار عَنْبرٍ وصَنْدَل ونحوه، لشمٍّ مدةَ معينة، لأنه نفع مباح، كالثوب للبس.
ولا يصح استئجار ما يسرع فساده من الطيب، كالرياحين، لتلفها من قريب، تشبه المطعومات.
ولا تصح إجارة على زنا، أو زمر، أو غناء، أو نَوحٍ، ونَسْخٍ كتب بدعةٍ، وشِعْر محرم، ونحوه، لأن المنفعة المحرمة لا تقابل بعوض في بيع، فكذا في إجارة.
стр. 839
ولا تصح إجارة فحل الضراب، لنهيه ﷺ عن عسب الفحل (١)، متفق عليه.
ولا تصح إجارة في امرأة ذات زوج بلا إذنه، لتفويت حقه باشتغالها عنه، بما استؤجرت له.
(و) الشرط الثالث: (معرفة أجرة) لأنه عوض في عقد معاوضة، فاعتبر علمه، كالثمن، ولخبر: "من استأجر أجيرًا فليعلمه أجره" (٢) ويصح أن تكون الأجرة معينة، وأن تكون في الذمة.
ويصح استئجار دارٍ بسكنى دارٍ أخرى، مدة معلومة، للعلم بالعوض. ويصح استئجار حلي للبس، بأجرة من جنسه أو غيره (إلا أجيرًا ومرضعًا) (٣) أمًّا أو غيرها (بطعامهما وكسوتهما) فيصح، وإن لم يوصفا، وكذا لو استأجرهما بدراهم معلومة وشرط معها طعامهما وكسوتهما، لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤) فأوجب لهن النفقة والكسوة على الرضاع، ولم يفرق بين المطلقة وغيرها، بل الزوجة تجب نففتها وكسوتها بالزوجية، وإن لم ترضع، وهما في تنازع في صفة طعام أو
стр. 840
كسوة، أو قدرهما؛ كزوجة، فلهما نفقة، وكسوة مثلهما.
وسن لموسر استرضع أمةً لولده عند فطامه: إعتاقها، وحرةٍ إعطاؤها عبدًا أو أمةً، لحديث أبي داود، عن هشام بن عروة عن أبيه عن حجاج عن أبيه قال: قلت: يا رسول اللَّه ما يذهب عني مذمة الرضاع؟ قال: الغُرَّةُ: العبد أو الأمة (١). قال الترمذي: حديث حسن صحيح. قال الشيخ تقي الدين: لعل هذا بالمتبرعة بالرضاع (٢).
(وإن دخل حمَّامًا، أو) ركب (سفينة، أو أعطى ثوبه خياطًا) ليخيطه (ونحوه) كأن أعطى ثوبه صبَّاغًا ليصبغه، أو قصارًا ليقصره، أو أعطى حدادًا حديدًا ليضربه سيفًا، ونحوه، أو استعمل حمّالًا، أو حلاقًا، أو دلالًا بلا عقد معه (صح، ووه أجرة مثل) ولو لم تجر عادة بأخذه أجرة، لأنه عمل له بإذنه ما لمثله أجرة، ولم يتبرع، وهذا في المنتصب لذلك، وإلا فلا شيء له إلا بعقد، أو شرط، أو تعريض.
وإن أكرى دابة، وقال لمستأجرها: إن رددتها اليوم فبخمسة، وإن رددتها غدًا فبعشرة، صح نصًّا (٣).
(وهي) أي الإجارة (ضربان) أحدهما: (إجارة) منفعة (عين وشرط) لها شروط خمسة:
أحدها: (معرفتها) أي العين المؤجرة للعاقدين، برؤية، أو صفة، كالمبيع، لاختلاف الغرض باختلاف العين وصفاتها.
(و) الشرط الثاني: (قدرة) مؤجر (على تسليمها) أي العين المؤجرة كمبيع، لأنها بيع منافع أشبهت بيع الأعيان، فلا تصح إجارة آبق، ولا
стр. 841
شارد، ولا مغصوب ممن لا يقدر على أخذه، كما لا يصح بيعه.
(و) الشرط الثالث: (عقد في غير مرضع (١) على نفعها) أي العين المؤجرة (دون أجزائها) فلا تصح إجارة الطعام للأكل، ولا الشمع للشعل، ولا الصابون للغسل، كما تقدم (٢).
ولا تصح إجارة حيوان ليرضعه ولده، أو قنه أو يأخذ لبنه، ولا أن يستأجره ليأخذ صوفه، أو شعره، أو وبره، لأن مورد عقد الإجارة النفع، والمقصود ههنا العين، وهي لا تملك ولا تستحق بإجارة.
ويصح استئجار الآدمية للرضاع، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٣) والفرق بينها وبين البهائم أنه يحصل منها عمل من وضع الثدي في فم المرتضع، بخلاف البهيمة، وللضرورة.
(و) الشرط الرابع: (اشتمال) العين المؤجرة (على النفع)، فلا تصح إجارة بهيمة زمنةٍ (٤) للحمل، أو الركوب، ونحو ذلك، ولا لقلع سن سليم، أو قطع يد سليمة، ولا تصح إجارة أرض لا تنبت للزرع.
(و) الشرط الخامس: (كونها) أي المنفعة، مملوكة المؤجر أو مأذونًا له فيها) لأنها بيع المنافع، فاشترط فيها ذلك، كالبيع. وتصح إجارة مستأجر العين، لمن يقوم مقامه في استيفاء النفع، أو لمن دونه في الضرر، ولا يجوز أن يؤجرها لمن [هو] (٥) أكثر ضررًا منه، ولا لمن يخالف ضررُه ضررَه.
وإن كان المأجور حرًّا، فليس لمستأجره أن يؤجره، لأنه لا تثبت يد غيره عليه، وإنما هو يسلم نفسه إن كان كبيرًا، أو يسلمه وليه إن كان صغيرًا.
стр. 842
وتصح إجارة العين المؤجرة لمؤجرها بمثل الأجرة، وبزيادة، ولو لم يقبض المستأجر المأجور، ما لم تكن حيلة لعينةٍ بأن أجرها بأجرة حالة، ثم استأجرها بأكثر منه مؤجلًا، فلا يصح، لما سبق، في مسألة العينة (١)، وليس للمؤجر الأول مطالبة المستأجر الثاني بالأجرة، لأن غريم الغريم ليس بغريم.
وتصح إجارة وقف، فإن مات المؤجر انفسخت، إن كان المؤجَر الموقوف عليه ناظرًا بأصل الاستحقاق، وإن جعل له الواقف النظر، أو تكلم بكلام يدل عليه، فله النظر بالاستحقاق والشرط، ولا تبطل الإجارة بموته.
(وإجارة العين قسمان) أحدهما: أن تكون (إلى أمد معلوم) كإجارة الدار شهرًا، أو الأرض عامًا، أو الآدمي للخدمة، والرعي، والخياطة، أو للنسخ مدة معينة، ويسمى الأجير فيها الخاص (٢)، وهو من قُدِّر نفعه بالزمن، ويشترط أن يكون الأمد معلومًا (يغلب على الظن بقاؤها) أي العين المؤجرة (فيه) وإن طال، لأن المعتبر كون المستأجر يمكنه استيفاء المنفعة منها غالبًا، ولا فوق بين الوقف والملك، ولا يشترط أن تلي مدة الإجارة العقد، فتصح إجارة عين لسنة خمس في سنة أربع، ولو كانت العين مؤجرة، أو موهونة، أو مشغولة بنحو زرع وقت عقد، إن قدر مؤجر على تسليم ما آجره عند وجوبه.
القسم (الثاني): إجارة العين (لعمل معلوم كإجارة دابة) معينة، أو موصوفة (لركوب، أو حمل إلى موضع معين) وله ركوب مؤجرة إلى موضع مثله، في طويق مماثلة للطريق المعقود عليها، مسافةً وسهولة، وأمنًا.
(الضرب الثاني) من ضربي الإجارة: (عقد على منفعة في الذمة، في
стр. 843
شيء معين، أو موصوف) بصفات كالسلم (فيشترط تقديرها بعمل، أو مدة، كبناء دار) يذكر الآلة ونحوها كما تقدم (١) (و) كـ (خياطة) ثوب يذكر جنسه، وقدره، وصفة الخياطة (وشُرط معرفة ذلك وضبطه) بما لا يختلف به العمل (و) شُرط (كون أجير فيها) أي الإجارة (آدميًّا، جائز التصرف) لأنها معاوضة على عمل في الذمة، ويسمى الأجير فيها مشتركًا (٢) لتقدير نفعه بالعمل، ولأنه يتقبل أعمالًا لجماعة، فمنفعته مشتركة بينهم، وشرط: أن لا يجمع بين تقدير مدة وعمل، كقوله: استأجرتك لتخيط هذا الثوب، في يوم. ويلزمه الشروع في العمل عقب العقد، لجواز مطالبته به إذًا.
(و) شرط (كون عمل) معقود عليه (لا يختص فاعله، أن يكون من أهل القربة) ككونه مسلمًا، ولا يقع ذلك العمل إلا قربة لفاعله، كأذان، وإقامة، وإمامة، وتعليم قرآن، وفقه، وحديث، ونيابة في حج، ويحرم أخذ أجرة على ذلك. لحديث عثمان بن أبي العاص: كان آخر ما عهد إلينا النبي ﷺ أن نتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا. قال الترمذي: حديث حسن (٣). وعن عبادة بن الصامت قال: علَّمت أناسًا من أهل الصفة القرآن والكتابة، فأهدى إليّ رجل منهم قوسًا، قال: قلت: قوس، وليست بمال. قال: قلت: أتقلدها في سبيل اللَّه، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، وقصصت عليه القصة، قال: "إن سرك أن يقلدك اللَّه قوسًا من نار
стр. 844
فاقبلها" (١)، وعن أُبي بن كعب: أنه علَّم رجلًا سورة من القرآن، فأهدى له خميصة أو ثوبًا، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "إنك لو لبستها لألبسك اللَّه مكانها ثوبًا من نار" رواه الأثرم في سننه (٢). ولأن من شَرط صحة هذه الأفعال كونها قربة إلى اللَّه، فلا يصح أخذ الأجرة عليها، كما لو استأجر إنسانًا يصلي خلفه الجمعة أو التراويح.
ولا يحرم أخذ جعالة على ذلك، لأنها أوسع من الإجارة، ولهذا جازت مع جهالة العمل والمدة، ولا على رقية، نصًّا (٣)، لحديث أبي سعيد قال: انطلق نفر من أصحاب رسول اللَّه شير في سفرة سافروها، حتى نزلوا
стр. 845
على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبوا أن يُضيِّفوهم. فلدغ سيد ذلك الحي فسعوا له بكل شيء. فقال بعضهم: لو أتيتم هذا الرهط الذين نزلوا، لعله أن يكون عندهم بعض شيء، فأتوهم، فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ قال بعضهم: إني واللَّه لأرقي، ولكن استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلًا، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يَتْفِلُ عليه، ويقرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فكأنما نشط من عقال، فانطلق يمشي وما به قَلَبة (١)، فأوفوهم جُعْلَهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقتسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا، حتى نأتي رسول اللَّه ﷺ ، فنذكر له الذي كان، فننظر الذي يأمرنا به، فقدموا على رسول اللَّه ﷺ ، فذكروا له ذلك، فقال: "وما يدريكم أنها رقية؟ "، ثم قال: "أصبتم، اقتسموا، واضربوا لي معكم سهمًا" وضحك النبي ﷺ . رواه الجماعة إلا النسائي (٢). كما لا يحرم أخذ على ذلك بلا شرط، وحديث القوس والخميصة قضيتان في عين.
وأما ما لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة، كتعليم خط، وحساب، وشعر مباح، وبناء مسجد، وقناطر، وذبح هدي، وأضحية، وتفريق صدقة، ونحو ذلك، فيجوز الاستئجار له، وأخذ الأجرد عليه، لأنه يقع تارة قربة، وتارة غير قربة، أشبه غرس الأشجار، وبناء البيوت.