لقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (١) وهو غير معلوم لأنه يختلف، ولا وجوبه إن آل إلى العلم به وإلى الوجوب. فيصح: ضمنت لزيد ما على بكر، وإن جهله الضامن، أو ضمنت لزيد ما يداينه بكرٌ (٢) وما يقر له به، أو يثبت له عليه، لما تقدم، وله إبطاله قبل وجوبه، لأنه إنما يلزم بالوجوب.
ويصح ضمان دين ضامن فأكثر، فيثبت الحق في ذمة الجميع، فأيهم قضاه برئوا، وإن برئ المدين برئ الكل، وإن أبرأ مضمون له أحدهم برئ ومن بعده لا من قبله.
(ولرب حقٍّ مطالبة من شاء منهما) أي من الضامن والمضمون عنه، لثبوت الحق في ذمتهما، وله مطالبتنهما معًا في الحياة والموت، فأيهما قضاه برئ الكل، كما تقدم، لأن الضمان وثيقة، فإذا برئ الأصيل زالت الوثيقة، كالرهن.
ويصح ضمان عهدة مبيع (٣)، وألفاظ ضمان العهدة: ضمنت عهدته، أو ثمنه، أو دَرَكَهُ (٤)، أو يقول لمشتر: ضمنت خلاصك منه، أو
стр. 772
متى خرج المبيع مستحقًّا فقد ضمنت لك الثمن.
ويصح ضمان عين مضمونة كغصب وعارية ومقبوض على وجه سوم.
وإن شرط خيار في ضمان، أو في كفالة فسدا.
ويصح قول جائز التصرف لمثله: ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه، لصحة ضمان ما لم يجب، فيضمنه القائل. وإن قال: ألقه وأنا وركبان السفينة ضمناء له، ففعل، ضمن قائل وحده بالحصة. وإن قال: كل منا ضامن لك متاعك، أو قيمته، لزم قائلًا ضمان الجميع، سواء سمع الباقون فسكتوا، أو قالوا: لا نفعل، أو لم يسمعوا، وإن ضمنه الجميع فالغرم على عددهم، كضمانهم ما عليه من الدين.
ويجب إلقاء متاع إن خيف تلف معصوم بسببه، فإن ألقى بعضهم متاعه في البحر لتخف، لم يرجع به على أحد، وكذا لو قيل له: ألق متاعك، فألقاه. وإن ألقى متاع غيره بلا إذنه ليخففها، ضمنه، وإن سقط عليه متاع غيره فخشي أن يهلكه، فدفعه، فوقع في البحر، لم يضمنه.
تتمة:
لو قضى ضامن الدين أو أحال به ولم ينو رجوعًا على مضمون عنه لم يرجع، لأنه متطوع، سواء ضمن بإذنه أو لا، وإن نواه رجع على مضمون عنه، لأنه قضاء يبرئ من دين واجب، فكان من ضمان من هو عليه، كالحاكم إذا قضاه عنه عند امتناعه، ولو لم يأذن مضمون عنه في ضمان ولا قضاء، لما سبق، ويرجع بالأقل مما قضى أو قدر الدين، وكذا في الرجوع وعدمه كل كفيل وكل مؤد عن غير دينًا واجبًا، فيرجع إن نواه، لا زكاة ونحوها، مما يفتقر إلى نية، ككفارة، لأنها لا تجزئ بغير نية ممن هي عليه.
وإن أنكر مقضي عنه القضاء، وحلف، لم يرجع مدعي القضاء عليه بشيء، إلا ببينة، وإن اعترف مضمون له بالقضاء، وأنكر مضمون عنه، لم
стр. 773
يسمع إنكاره؛ لاعتراف رب الحق بأن الذي له صار للضامن، فوجب قبول قوله. لأنه إقرار على نفسه.
ويصح ضمان الحال مؤجَّلًا، نصًّا (١)، وإن ضمن المؤجل حالًّا لم يلزمه أداؤه قبل أجله، لأنه فرع المضمون فلا يلزمه ما لا يلزمه، وإن عجله ضامن لم يرجع على مضمون عنه حتى يحل، ولا يحل دين مؤجل بموت مضمون عنه ولا بموت ضامن، لأن التأجيل من حقوق الميت، فلم يبطل بموته كسائر حقوقه، ومحله إن وثق الورثة، قاله في "شرح المنتهى" للمصنف (٢).
(وتصح الكفالة) مصدر كفل، بمعنى التزم (٣). وهي شرعًا: التزام رشيد (ببدن) أي: بإحضار (من عليه حق مالي) من دَين أو عارية ونحو ذلك إلى ربه (٤).
والجمهور على جوازها (٥)، لعموم حديث "الزعيم
غارم" (١) ولدعاء الحاجة إلى الاستيثاق بضمان المال والبدن، وكثير من الناس يمتنع من ضمان المال فلو لم تجز الكفالة لأدى إلى الحرج، وتعطل المعاملات المحتاج إليها.
وتنعقد بما ينعقد به ضمان، لأنها نوع منه، وإن ضمن معرفته أخذ به ضامن المعرفة، نصًّا (٢)، كأنه قال: ضمنت لك حضوره متى أردت، لأنك لا تعرفه، فإن عجز عن إحضاره مع حياته لزمه ما عليه لمن ضمن معرفته له، ولا يكفي أن يُعَرِّفَهُ باسمه أو مكانه.
(و) تصح الكفالة (بـ) بدن (كل) من عنده (عين يصح ضمانها) كعارية وغصب، ولا تصح ببدن من عليه حد للَّه كحد زنا، أو لآدمي كحد قذف، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: "لا كفالة في حد" (٣)، ولأنه لا يمكن استيفاؤه من غير الجاني ولا من عليه قصاص، لأنه بمنزلة الحد، ولا بزوجة لزوجها في حق الزوجية له عليها، ولا بشاهد، لأن الحق عليهما لا يمكن استيفاؤه من الكفيل، ولا بمكاتب لدين كتابة، لأن الحضور لا يلزمه، إذ له تعجيز نفسه، ولا إلى أجل مجهول أو بشخص مجهول، ولو في ضمان، بأن قال: ضمنته إلى نزول المطر ونحوه، أو ضمنت
стр. 776
أحد هذين، فلا يصح الضمان للجهالة، ولو قال: كفلت لك هذا المدين على أن تبرئني من الكفالة بفلان، أو ضمنت لك هذا الدين بشرط أن تبرئني من ضمان الدين الآخر، لم يصح، لأنه شرط فسخ عقد في عقد، كالبيع بشرط فسخ بيع آخر.
(وشرط) لصحة كفالة (رضى كفيل فقط) فلا يشترط رضى مكفول به، ولا مكفول له، كضمان.
ومتى سلم كفيل مكفولًا به للمكفول له بمحل عقد، وقد حل الأجل إن كانت الكفالة مؤجلة، برئ الكفيل، لأن الكفالة عقد على عمل، فبرئ منه بعمله كالإجارة، وسواء كان عليه فيه ضرر أو لا، فإن سلمه في غير محل العقد، أو غير موضع شرطه لم يبرأ، لأن رب الحق قد لا يقدر على إثبات الحجة فيه، لنحو غيبة شهوده (فإن مات) المكفول (أو تلفت العين) المضمونة، التي تكفل ببدن من هي عنده (بفعل اللَّه تعالى، قبل طلب) أو سلم مكفول نفسه، أو سلمه كفيل قبل حلول الأجل، ولا ضرر على مكفول له في قبضه (برئ) كفيل. وعلم منه أنه لا يبرأ بتلفها بعد طلبه بها، ولا بتلفها بفعل آدمي، ولا بغصبها، ولا يبرأ بموت كفيل إن مات هو، ولا بموت مكفول له.
ومن كفله اثنان فسلمه أحدهما لم يبرأ الآخر، وإن سلم نفسه برئا، إن كفل الكفيل آخر، والآخر آخر، برئ كل ببراءة من قبله، لا عكسه، كضمان.
(وتجوز الحوالة) في الجملة إجماعًا (١). وهي مشتقة من التحول، لأنها تحول الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال
стр. 777
عليه (١). وهي ثابتة بالسنة، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "مطل الغني ظلم، ومن أحيل على غني فلْيَتْبَعْ" (٢). متفق عليه. وفي لفظ: "ومن أحيل بحقه على مليء فليحتل"، وهي عقد إرفاق، ولا خيار فيها.
والحوالة شرعًا: انتقال مال من ذمة إلى ذمة (٣). وتصح بلفظها، كأحلتك، أو بمعناها الخاص بها كأتبعتك بدينك على زيد ونحوه، ولا تصح إلا (على دين مستقر) نصًّا (٤)، كبدل قرض، وثمن مبيع بعد لزوم بيع، لأن غير المستقر عرضة للسقوط، فلا تصح على مال سلم، ولا على رأس ماله، ولا على صداق قبل دخول أو مال كتابة، ولا بجزية على مسلم أو ذمي؛ لفوات الصَّغار عن المحيل، ولا أن يحيل ولد على أبيه؛ لأنه لا يملك طلب أبيه.
وإنما تصح الحوالة (إن اتفق الدينان جنسًا) فلا تصح بدنانير على دراهم (ووقتًا) فلا يصح بحالٍّ على مؤجل، ولا مع اختلاف أجل (ووصفًا) فلا يصح بصحاح على مكسَّره، (وقدرًا) أي: معرفة قدر المال المحال به وعليه، لاعتبار التسليم، والجهالة تمنع منه.
(وتصح) الحوالة (بخمسة) على خمسة (من عشرة، وعكسه) فتصح بخمسة من عشرة على خمسة؛ للموافقة، ولا تصح بعشرة على خمسة، ولا عكسه، للتخالف.
стр. 778
ويعتبر لصحة الحوالة رضى محيل؛ لأن الحق عليه، فلا يلزمه أداؤه من جهة الدين الذي على المحال عليه (ويعتبر) أيضًا (رضى محتال (١) على غير مليء) وأما على المليء (٢) فلا يعتبر رضاه، ويجبر على اتباعه، نصًّا (٣)، لظاهر الخبر (٤)، ولأن للمحيل وفاء ما عليه من الحق بنفسه وبمن يقوم مقامه، وقد أقام المحال عليه مقام نفسه في التقبيض، فلزم المحتال القبول، ولو كان المليئ المحال عليه ميتًا.
ويبرأ محيل بمجردها، ولو أفلس محال عليه بعدها، أو جحد الدين وعلمه المحتال، أو صدق المحيل، أو ثبت ببينة فماتت، أو مات محال عليه وخلف تركة، أو لا، إذ الحوالة بمنزلة الإيفاء، والمليء الذي يجبر محتال على إتباعه، هو القادر بماله وقوله وبدنه، بأن يجد مالًا يوفي به، وأن لا يكون مماطلًا، وأن يمكن حضوره مجلس الحكم.
وإن ظنه مليئًا، أو جهله، ولم يشترط الملاءة، فبان مفلسًا، لم يرجع؛ لتفريطه بترك اشتراطها، فإن اشترطها فبان المحال عليه معسرًا رجع على محيل بدينه؛ لأن الفلس عيب، ولم يرض به، أشبه المبيع إذا بان معيبًا.
ومتى صحت الحوالة فرضي المحتال، والمحال عليه بخير منه، أو دونه في الصفة أو القدر، أو بتعجيله أو بتأجيله، أو عوضه، جاز ذلك، لأن الحق لهما، لكن إن جرى بين العوضين ربا نسيئة اشترط القبض بمجلس التعويض.
وإذا بطل بيع وقد أحيل بائع بالثمن، أو أحال مدينًا له على المشتري بالثمن، بطلت الحوالة، ولا تبطل إن فسخ البيع بعد أن أحيل بائع، أو
стр. 779
أحال بالثمن، على أي وجه كان الفسخ، لأن البيع لم يرتفع من أصله فلم يسقط الثمن، ولمشتر الرجوع على بائع فيهما، وكذا نكاح فسخ، وقد أحيلت الزوجة بالمهر، وإجارة فسخت، وقد أحيل مؤجر أو أحال بأجرة، ولبائع أن يحيل المشتري على من أحاله عليه في الأولى، ولمشتر أن يحيل محالًا عليه من قبل بائع على بائع في الثانية.
ومن طالب مدينه فقال: أحلت عليَّ فلانًا الغائب، وأنكره الدائن، فقوله، ويعمل بالبينة إن كانت.
стр. 780
فصل في الصلح وأحكام الجوار
والصلح لغة: التوفيق والسَّلْم (١) -بفتح السين وكسرها- وهو ثابت بالإجماع (٢)، لقوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (٣)، وحديث أبي هريرة مرفوعًا: "الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا حرم حلالًا، أو أحل حرامًا" (٤). رواه أبو داود، وغيره.
والصلح خمسة أنواع:
أحدها: يكون بين مسلمين وأهل حرب.
والثاني: بين أهل عدل وبغي.
والثالث: بين زوجين خيف شقاق بينهما، أو خافت إعراضه.
والرابع: بين متخاصمين في غير مال.
والخامس: بين متخاصمين فيه، وهو المذكور بقوله: (والصلح في الأموال قسمان: أحدهما) صلح (على الإقرار) والثاني: صلح على الإنكار. (وهو) أي الصلح على الإقرار (نوعان: ) أحدهما (الصلح على جنس الحق، مثل أن يُقر) جائز التصرف (له) أي لمن يصح تبرعه (بدين) معلوم (أو) يقر
стр. 781
له بـ (عين) بيده (فيضع) المقر له عن المقر بعض الدين (أو يهبَ له البعض) من العين المقر بها (ويأخذ) المقر له (الباقي) من الدين أو العين، (فيصح) ذلك (ممن يصح تبرعه) لأن جائز التصرف لا يمنع من إسقاط بعض حقه أو هبته، كما لا يمنع من استيفائه. وقد كلم ﷺ غرماء جابر ليعفوا عنه (١) (بغير لفظ صُلْح) فلا يصح بلفظ صلح، لأنه هضم للحق (بلا شرط) أو بشرط أن يعطيه الباقي، وإن لم يذكر لفظ الشرط، كعلى أن تعطيني كذا منه، أو تعوضني منه كذا، لأنه يقتضي المعاوضة، فكأنه عاوض عن بعض حقه ببعض، أو يمنعه حقه بدون إعطائه منه، فلا يصح، لأنه أكل مال الغير بالباطل.
ولا يصح عن دين مؤجل، ببعضه حالًّا، إلا في مال كتابة.
ولا يصح صلح عن حق، كدية خطأ، أو قيمة متلف غير مثلي، بأكثر من حقه المصالح عنه من جنسه، لأن الدية والقيمة ثبتت في الذمة بقدره، فالزائد لا مقابل له، فيكون حرامًا، لأنه من أكل المال بالباطل.
ويصح الصلح عن متلف مثلي، كبُرٍّ، بأكثر من قيمته من أحد النقدين، ويصح عن حق كدية خطأ، وقيمة متلف، بعرض قيمته أكثر من الدية، أو قيمة المتلف المثلي، لأنه لا ربا بين العوض والمعوَّض عنه.
ومن قال لغريمه: أقر لي بديني وأعطيك، أو وخذ منه مائة. ففعل لزمه ما أقر به، ولم يصح الصلح.
النوع (الثاني) من قسمي الصلح على إقرار، أن يصالح (على غير جنسه) بأن أقر له بدين، أو عين، ثم صالحه عنه بغير جنسه، فهو معاوضة.
стр. 782
ويصح بلفظ الصلح كسائر المعاوضات، بخلاف ما قبله؛ لأن المعاوضة عن الشيء ببعضه حرام (فإن كان) الصلح (بأثمان عن أثمان) بأن أقر له بدينار فصالحه عنه بعشرة دراهم (فـ) ـهو (صرف) يعتبر فيه التقابض قبل التفرق (و) إن كان (بعرض عن نقد) كأن أقر له بدينار وصالحه عنه بثوب ونحوه (وعكسه) بأن أقر له بثوب مثلًا فصالحه عنه بدينار (فـ) الصلح في ذلك (بيع) يشترط له شروطه، كالعلم به، والقدرة على التسليم، والتقابض بالمجلس إن جرى بينهما ربا.
والصلح عن نقد أو عرض مقرّ به بمنفعة، كسكنى دار، وخدمة قن معينين، إجارة، فيعتبر له شروطها، وتبطل بتلف الدار، وموت القَنِّ، كباقي الإجارات.
ولو صالح الورثة من وُصيَّ له بخدمة رقيق، أو سكنى دار معينة، أو بحمل أمة معينة بدراهم مسماة؛ جاز لأنه إسقاط حق فيصح في المجهول للحاجة.
ومن صالح عن عيب في مبيعه بشيء صح، وليس من الأرش في شيء، ويرجع به إن بان عدم العيب، أو زال سريعًا بلا كلفة، ولا تعطيل نفع على مشتر.
ويصح الصلح عما تعذر علمه من دَين، كمن بينهما معاملة وحساب مضى عليه زمن طويل، أو تعذر علمه من عين، كقفيز حنطة وقفيز شعير اختلطا وطحنا، بمال معلوم نقد ونسيئة، لقوله ﷺ لرجلين اختصما في مواريث دَرَسَتْ بينهما: "استهما، وتوخيا الحق، وليحلل أحدكما صاحبه" (١). رواه أحمد وأبو داود، ولأنه إسقاط حق فصح في المجهول
стр. 783
للحاجة، وسواء كان الجهل من الجهتين، أو ممن هو عليه، فإن وقع الصلح بمجهول لم يصح، لأن تسليمه واجب والجهل به يمنعه، فإن لم يتعذر علم المجهول كتركة باقية، صالح الورثة الزوجة على حصتها منها مع الجهل بها، كالبراءة من المجهول، جزم به في "التنقيح" (١) وقدمه في "الفروع" (٢)، قال في "التلخيص" (٣): وقد نزل أصحابنا الصلح عن المجهول المقر به بمعلوم منزلة الإبراء من المجهول، فيصح على المشهور، لقطع النزاع، وظاهر كلامه في "الإنصاف" (٤) أن الصحيح المنع؛ لعدم الحاجة إليه، ولأن الأعيان لا تقبل الإبراء، وقطع به في "الإقناع" (٥)، قال في "الفروع" (٦): وهو ظاهر نصوصه.
(القسم الثاني) من قسمي الصلح في المال، الصلح (على الإنكار: بأن يدَّعي عليه) أي: بأن يدعي شخص على آخر عينًا أو دَينًا (فينكر أو يسكت) وهو يجهل المدّعى به (ثم يصالحه) على نقد أو نسيئة (فيصح) الصلح للخبر (٧)، (ويكون) الصلح على الإنكار (إبراءً في حقه) أي المدعى عليه، لأنه بذل العوض لدفع الخصومة عن نفسه، لا في مقابلة حق ثبت عليه، فلا شفعة فيه إن كان شقصًا من عقار، ولا يستحق لعيب وجده في مصالح عنه شيئًا، لأنه لم يبذل العوض في مقابلته، لاعتقاده أنه ملكه قبل الصلح، فلا معاوضة.
стр. 784
(و) يكون الصلح (بيعًا في حق مدَّع) فله رد المصالح به عما ادعاه بعيب يجده، لأنه أخذه على أنه عوض ما ادعاه، وتثبت في مشفوع الشفعة، لأنه أخذه عوضًا عما ادعاه، كما لو اشتراه به.
(ومن علم كَذِبَ نفسه) من مدع ومدعى عليه (فالصلح باطل في حقه) أما المدعي؛ فلأن الصلح مبني على دعواه الباطلة، وأما المدعى عليه فلأنه مبني على جحده حق المدعي، ليأكل حقه بالباطل، وما آخذه مدع عالم كذب نفسه مما صولح به، أو أخذه مدعى عليه مما انتقصه من الحق بجحده، فهو حرام، لأنه أكل مال الغير بالباطل، وإن صالح المنكر بشيء، ثم أقام مدع بينة أن المنكر أقر قبل الصلح بالملك، لم تسمع، ولو شهدت بأصل الملك، لم ينقض الصلح.
ومن قال لآخر: صالحني عن الملك الذي تدعيه، لم يكن مقرًّا به، لاحتمال إرادة صيانة نفسه عن التبذل، أو حضور مجلس الحكم بذلك.
وإن صالح أجنبي عن منكر لدَين بإذنه أو بدونه، صح؛ لجواز قضائه عن غيره بإذنه وبغير إذنه، لفعل علي وأبي قتادة ﵄ وأقرهما عليه ﷺ (١)، أو صالح عن منكر لعين بإذنه، أو بدونه، صح، ولو لم يقل: إنه وكله؛ لأنه افتداء للمنكر من الخصومة، وإبراء له من الدعوي، ولا يرجع بشيء مما صالح به عن المنكر إن دفع بدون إذنه في الصلح أو الدفع، لأنه أدى عنه ما لا يلزمه، فكان متبرعًا، كما لو تصدق عنه، فإن أذن له في الصلح، أو في الأداء عنه، رجع عليه إن نواه.
стр. 785
تتمة:
يصح الصلح عما ليس بمال مع إقرار ومع إنكار، كعن قَوَدٍ في نفس ودونها، وعن سكنى دار ونحوها، وعن عيب في عوض أو معوض، وإن لم يجز بيع ذلك؛ لأنه لقطع الخصومة، فيصح عن قود بفوق دية ولو بلغ ديات؛ لما روي أن الحسن والحسين وسعيد بن العاص بذلوا للذي وجب له القصاص على هدبة بن خشرم سبع ديات، فأبى أن يقبلها، ولأن المال غير متعين، فلم يقع العوض في مقابلته.
ويحرم أن يجري شخص في أرض غيره أو في سطحه ماء، ولو تضرر بتركه، بلا إذنه، ويصح صلحه عن ذلك بعوض، ويعتبر لصحة ذلك علم قدر الماء الذي يجريه، لاختلاف ضرره بكثرته وقلته بساقية، وعلم قدر ماء مطر برؤية ما يزول عنه من سطح أو أرض أو بمساحته، وتقدير ما يجري فيه الماء، ولا يعتبر علم قدر عمقه، لأنه إذا ملك عين الأرض أو نفعها كان له إلى التخوم (١) فله النزول فيه ما شاء. وفي "الإقناع" (٢) يعتبر إن وقع إجارة. ولا يعتبر علم مدة الإجراء للحاجة، وإن صالحه على سقي أرضه من نهره أو من عينه أو بئره العين مدة، ولو كانت معينة، لم يصح الصلح لعدم ملك الماء، وإن صالحه على ثلث النهر أو العين ونحوه صح، والماء تبع للقرار.
ويصح شراء مَمَرٍّ في دار ونحوها من مالك، وشراء موضع بحائط يفتح بابًا، وشراء بقعة تحفر بئرًا، وعلو بيت ولو لم يبن، إذا وَصَفَ (٣)، ليبني عليه، أو ليضع عليه بنيانًا، أو خشبًا موصوفين، وإذا زال ما على العلو فله إعادته، وله الصلح على عدمها، كما له الصلح على زواله، وله فعل ما تقدم من المر وفتح الباب وحفر البقعة بئرًا ووضع البناء والخشب على علو غيره صلحًا أبدًا، أو إجارة مدة معينة، وإذا مضت بقي. ولمالك العلو أجرة المثل، ولا يطالب بإزالة بنائه وخشبه، لأنه العرف فيه.
стр. 786
فصل في حكم الجوار
بكسر الجيم مصدر جاور، وأصله الملازمة، ومنه قيل للمعتكف مجاور، لملازمة الجار جاره في المسكن (١). وفي الحديث: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" (٢).
(وإذا حصل في أرضه) أي: الإنسان التي يملكها، أو بعضها، أو يملك نفعها، أو بعضه (أو) على (جداره أو) في (هوائه غصن شجرة غيره) أو عِرْقُهِ (أو غرفته، لزم) رب الغصن أو العرق (٣) (إزالته) برده إلى ناحية أخرى، أو قطعه، سواء أثر ضررًا، أو لا، ليخلي ملكه الواجب إخلاؤه، والهواء تابع للقرار (وضمن) رب غصن أو [عِرْق] (٤) (ما تلف به، بعد طلب) بإزالته، لصيرورته متعديًا بإبقائه (فإن أبي) رب غصن [أو عرق] (٥) إزالتهما (لم يجبر في الغصن) لأن حصوله في هوائه ليس من فعله (ولواه) ناحيةً، إن أمكن ذلك بلا قطع (فإن لم يمكن) إزالتـ (ـه) إلا بقطعه (فله قطعه) أي الغصن (بلا حكم) حاكم ولا غرم؛ لأنه لا يلزمه إقرار مال غيره في ملكه بلا رضاه. ولا يصح صلح رب الغصن عن ذلك، ولا صلح مَنْ
стр. 787
مال حائطه، أو زلق خشبُه إلى ملك غيره عن ذلك؛ بعوض، لأن شغله لملك الآخر لا ينضبط، فإن اتفقا على أن الثمرة له أو بينهما جاز، لأنه أصلح من القطع، ولم يلزم الصلح، لأنه يؤدي إلى ضرر رب الشجر، لتأبيد استحقاق الثمرة عليه، أو مالك الهواء، لتأبيد بقاء الغصن في ملكه، فلكل منهما فسخه، فإن مضت مدة ثم امتنع رب الشجر عن دفع ما صالح به من الثمرة، فعليه أجرة المثل.
(ويجوز فتح باب لاستطراقٍ في دربٍ نافذ) لأنه ارتفاق بما لا يتعين له مالك، ولا إضرار فيه على المارين (لا إخراج جناح) وهو الرَّوْشَن (١)، على أطراف خشب أو حجر مد فوقه في الحائط (وساباط) وهو المستوفي للطريق على جدارين (٢) (وميزاب) فيحرم إخراجها بنافذ (إلا بإذن إمام) أو نائبه، لأنه نائب المسلمين، فإذنه كإذنهم، ولحديث أحمد: أن عمر اجتاز على دار العباس، وقد نصب ميزابًا إلى الطريق، فقلعه، فقال: تقلعه وقد نصبه رسول اللَّه ﷺ بيده، فقال: واللَّه لا تنصبه إلا على ظهري، فانحنى حتى صعد على ظهره فنصبه (٣). ولجريان العادة به (مع أمن الضرر) بأن يمكن عبور محمل من تحته، وإلا لم يجز وضعه، ولا إذنه فيه، فإن كان الطريق منخفضًا وقت وضعه، ثم ارتفع لطول الزمن، فحصل به ضرر؛ وجبت
стр. 788
إزالته، ذكره الشيخ تقي الدين (١) (وفعل ذلك) أي: إخراج جناح، وساباط، وميزاب (في ملك جار، و) في (درب مشترك؛ حرام، بلا إذن مستحق) لأن الدرب ملكهم، فلم يجز التصرف فيه إلا بإذنهم.
ويجوز فتح باب في ظهر دار في درب غير نافذ بلا إذن أهله لغير استطراق، كَإضْوَءٍ وهواءٍ؛ لأن الحق لأهله في الاستطراق ولم يزاحمهم فيه، ولأن غايته التصرف في ملك نفسه برفع بعض حائطه، ويجوز نقل باب في درب غير نافذ من أوله إلى آخره، لتركه بعض حقه في الاستطراق، فلم يمنع منه، بلا ضرر، فإن كان فيه ضرر منع منه، كأن فتحه في مقابلة باب غيره ونحوه، ولا يجوز نقل الباب إلى داخل (٢) إن لم يأذن من فوقه، فإن أذن جاز، ويكون إعارة لازمة، فلا رجوع للآذن، كإذنه في نحو بناء على جداره.
تتمة:
يحرم أن يحدث بملكه ما يضر بجاره، كحمام يتأذى جاره بدخانه، أو يتضرر حائطه بمائه، ومثله مطبخ، وككنيف (٣) يتأذى بريحه، أو يصل إلى
стр. 789
بئره، ورَحى يهتز بها حيطانه، وتَنُّورٍ يتعدى دخانه إليه، ودكانِ حِدَادةِ ونحوه، يتأذى بدقه ويهز الحيطان، لحديث: "لا ضرر ولا ضرار" (١) وهذا إضرار بجاره، وله منعه من ذلك، كما له منعه من ابتداء إحياء ما بجواره لتعلق مصالحه به، وله تعلية داره، ولو أفضى إلى سد الفضاء عن جاره، قاله الشيخ تقي الدين (٢)، وإن ادعى فساد بئره بكنيف جاره، أو بالوعته (٣)، اختبر بالنفط (٤) يلقى فيهما، فإن ظهر طعمه أو ريحه بالماء
стр. 790
حولتا، إن لم يمكن إصلاحهما.
ومن له حق ماء يجري على سطح جاره، لم يجز لجاره تعلية سطحه، ليمنع الماء أن يجري على سطحه؛ لما فيه من إبطال حق جاره.
ويحرم تصرف في جدار جار، أو جدار مشترك بينه وبين غيره بفتح رَوْزَنَةٍ، وهي الكُوَّة -بفتح الكاف وضمها أي الخرق في الحائط- (١) أو بفتح طاق، أو بضرب وقد ونحوه، إلا بإذن مالكه أو شريكه (وكذا) يحرم (وضع خشب) على جدار جار، أو مشترك (إلا أن لا يمكن تسقيف إلا به ولا ضرر فـ) يجوز نصًّا (٢)، و (يجبر) رب الجدار أو الشريك فيه على تمكينه منه إن أبي، لحديث أبي هريرة: "لا يمنعن جار جاره أن يضع خشبة على جداره"، ثم يقول أبو هريرة مرفوعًا: مالي أراكم عنها معرضين، واللَّه لأرمين بها بين أكتافكم (٣). متفق عليه. ولأنه انتفاع بحائط جاره على وجه لا يضره أشبه الاستناد إليه، ولم يجز لرب الحائط أخذ عوض عنه إذنْ، لأنه يأخذ عوض ما يجب عليه بذله.
(و) جدار (مسجد كـ) جدار (دار) نصًّا (٤)، لأنه إذا جاز في ملك اللآدمي مع شحه وضيقه، فحق اللَّه أولى، والفرق بين فتح الباب والطاق وبين وضع الخشب، أن الخشب يمسك الحائط، والباب والطاق يُضَعِّفُه، ووضع الخشب تدعو الحاجة إليه، بخلاف غيره.
стр. 791
وإن خيف سقوط الحائط باستمراره عليه لزمه إزالته، ومن وجد بناءه أو خشبه على حائط جاره، أو مشترك، ولم يعلم سببه، وزال، فله إعادته، لأن الظاهر وضعه بحق، وكذا سيل (١) مائه في أرض غيره، أو مجرى ماء سطحه على سطح غيره ونحوه، وإذا اختلفا في أنه بحق أو باطل، فقول صاحبه بيمينه، عملًا بالظاهر.
وله أن يستند ويسند قماشه إلى حائط غيره، ويجلس في ظله بلا إذنه، لمشقة التحرز منه وعدم الضرر. ويجوز نظره في ضوء سراج غيره بلا إذنه، نصًّا (٢)، لما تقدم (وإن طَلَب شريك في حائط أو سقف انهدم) مشاعًا بينه وبين غيره أو بين سفل أحدهما وعلوِّ الآخر (شريكه) فيه (للبناء مَعه، أجبر) على البناء معه، نصًّا (٣)، (ح) ما يجبر على (نقضـ) ـه معه (خوف سقوط) الحائط أو السقف، دفعًا لضرره، لحديث: "لا ضرر ولا ضرار" (٤). (وإن بناه) شريك بإذن شريكه، أو بإذن حاكم، أو بدون إذنهما (بنية الرجوع) على شريكه، وبناه شركة (رجع) عليه، لأنه قام عنه بواجب (وكذا) إن احتيج لعمارة (نهر ونحوه) كبئر، ودولاب (٥)، وناعورة (٦)، وقناة (٧) مشتركة بين اثنين فأكثر، فيجبر الشريك على العمارة إن امتنع، فإن عمرها أحدهم فالماء بينهم على الشركة، ويرجع عليهم بما أنفق كالحائط.
وإن عجز قوم عن عمارة نهرهم أو قناتهم، فأعطوها لمن يعمرها،
стр. 792
ويكون له منها جزء معلوم؛ صح، ومن له علو من طبقتين، والسفلى لآخر، أو له طبقة ثالثة، وما تحتها لغيره؛ فانهدم السفل في الأولى، أو السفل أو الوسط أو هما في الثانية، لم يشارك رب العلو في بناء ما انهدم تحته، لأن الحيطان إنما تبنى لمنع النظر (١)، وهذا يختص به من تحته، دون رب العلو، وأجبر علي بنائه مالكه ليتمكن رب العلو من انتفاعه به، ويلزم الأعلى جعل سترة تمنع مشارفة الأسفل، لحديث: "لا ضرر ولا ضرار" (٢). إذ الإشراف على الجار إضرار به، فإن استويا فلم يكن أحد الجارين أعلى من الآخر، اشتركا في السترة، فإن امتنع أحدهما من ذلك أجبر، لأنه حق عليه، فأجبر عليه كسائر الحقوق. وليس له الصعود على سطحه قبل بناء سترة حيث كان يشرف على جاره، ولا يلزمه سد طاقه إذا لم يشرف منه على جاره.
ولا يجبر ممتنع من بناء حائط بين ملكيهما، ويبني الطالب في ملكه إن شاء. ومن هدم بناء له فيه شركة خيف سقوطه، فلا شيء عليه، وإلا يخف لزمته إعادته كما كان، لتعديه بهدمه على حصة شريكه.
стр. 793
فصل في الحجر على المفلس وغيره
وهو بفتح الحاء وكسرها، وهو لغة: التضييق والمنع، وسمي العقل حِجْرًا، لأنه يمنع صاحبه من تعاطي ما يقبح وتضر عاقبته (١). وشرعًا: منع مالك من تصرفه في ماله (٢). سواء كان المنع من قبل الشرع، كالصغير والمجنون والسفيه، أو الحاكم، كمنعه المشتري من التصرف في ماله حتى يقضي الثمن الحالَّ.
(و) الحجر لفَلس: منعُ حاكم (مَنْ) عليه دين و (ماله لا يفي بما عليه) من الدين (حالًّا) منصوب على الحال و (يجب الحجر عليه) أي: المفلس (طلب بعض غرمائه) فيلزم الحاكم إجابتهم إلى ذلك، وحجر عليه، لحديث كعب بن مالك: أن رسول اللَّه ﷺ حجر على معاذ، وباع ماله (٣). رواه
стр. 794
الخلال. فإن لم يسأله أحد منهم لم يُجْجَرْ عليه، ولو سأله المفلس.
(و) يـ (سن إظهاره) أي الحجر على السفيه، والمفلس، ليعلم الناس حالهما، فلا يعاملان إلا على بصيرة، ويسن الإشهاد على الحجر، ليثبت عند من يقوم مقام الحاكم لو زال فيمضيه، ولا يحتَاجُ إلى ابتداءِ حجرٍ ثانٍ، ويتعلق بالحجر على المفلس أحكام: (فلا ينفذ تصرفه في ماله بعد الحجر) عليه، لتعلق حق غرمائه بماله الموجود والحادث بنحو إرث، لأنه يباع في ديونهم، فتعلقت حقوقهم به كالرهن (ولا) يصح (إقراره عليه) أي على ماله، ولو كان صانعًا كقصَّار وحائك، فأقر بما في يده من المتاع لأربابه، فلا يقبل، ويباع حيث لا بينة، ويقسم ثمنه بين الغرماء (بل) يصح إقراره (في ذمته فيطالب) به (بعد فك حجر) هـ، وإن لزمه كفارة كفَّر بصوم لئلا يضر بغرمائه، وإن تصرف في ذمته بشراء أو إقرار أو إصداق أو ضمان صح، لأنه أهل للتصرف، والحجر يتعلق بماله، لا بذمته، ويتبع به بعد فك حجره.
وإن جنى محجور عليه جناية توجب مالًا أو قصاصًا شارك مجني عليه الغرماء، لثبوت حقه على الجاني بغير اختيار المجني عليه.
(و) الثاني أن (من سلمه) أي: المفلس (عين مال) ببيع أو قرض أو رأس مال سلم (جاهل الحجر) فهو أحق بها، فيـ (أخذها إن كانت) باقية (بحالها و) كان (عوضها) أي العين (كله باق) في ذمته (ولم يتعلق بها حق للغير) كرهن، وجناية، وحق شفعة، فإذ تعلق بها حق للغير، أو تلف
стр. 795
بعضها، أو بيع، أو وُقِفَ، ونحوه، أو مات مفلس؛ فلا رجوع، لحديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن النبي ﷺ قال: "أيما رجل باع متاعه، فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئًا، فوجد متاعه بعينه، فهو أحق به، وإن مات المشتري، فصاحب المتاع أسوة الغرماء" (١). رواه مالك، وأبو داود مرسلًا، ورواه أبو داود مسندًا، وقال: حديث مالك أصح. ولأن الملك انتقل عن المفلس إلى الورثة، أشبه ما لو باعه، وكذا إن زادت السلعة زيادة متصلة، كسمنٍ، وتعلم صنعة، وتجدد حملٍ في بهيمة، فإن زادت كذلك فلا رجوع، لأن الزيادة للمفلس، لحدوثها في ملكه، فلم يستحق رب العين أخذها منه، كالحاصلة بفعله (ويبيع حاكم ماله) أي المفلس وجوبًا، بثمن مثله المستقر في وقته، أو أكثر إن حصل راغب (ويقسمه) أي الثمن (على غرمائه) فورًا لأن هذا جُل المقصود من الحجر عليه، وتأخيره مطل، وظلم للغرماء.
وسن إحضار المفلس عند بيع ماله، ليضبط الثمن، ولأنه أعرف بالجيد من متاعه، فيتكلم عليه، ولأنه أطيب لنفسه، ووكيله كهو، ويحضر معه غرماؤه، لأنه أطيب لقلوبهم، وأبعد للتهمة، وربما وجد أحدهم عين ماله، أو رغب في شيء فزاد في ثمنه.
وسن بيع كل شيء في سوق، وأن يبدأ بأقله بقاء كبطيخ، وأكثره كلفة كحيوان، ويجب أن يترك لمفلس ما يحتاجه من مسكن وخادم صالح لمثله، ما
стр. 796
لم يكونا عين مال غريم، فله أخذهما، للخبر (١)، ويشترى له بدلهما، أو يترك له من ماله بدلهما، دفعًا للحاجة، ويبدل أعلى من مسكن وخادم وثوب ونحوه بصالح لمثله، لأنه الأحظُّ للمفلس والغرماء، ويجب أن يترك له من ماله ما يتجر به إن كان تاجرًا، ويترك له آلة محترف إن كان ذا صنعة، ويجب له ولعياله أدنى نفقة مثلهم، من مأكل ومشرب وكسوة وتجهيز من مات منهم من ماله حتى يقسم، وأجرة مناد ونحوه من المال.
ويبدأ في قسم ماله بمن جنى عليه قِنُّ المفلس، لتعلق حقه بعين الجاني، فيعطى الأقل من ثمنه أو الأرش. ثم بمن عنده رهن لازم من الغرماء، فيخص بثمنه إن كان بقدر دينه أو أقل، لأن حقه متعلق بعين الهـ هن، فإن بقي له دين حَاصَصَ الغرماء، وإن فضل شيئء من الرهن رُدَّ على المال. ثم بمن له عين مال، فيأخذها، بشرطه المتقدم (٢)، أو كان استأجر عينًا من مفلس قبل حجر عليه، فيأخذها، لاستيفاء نفعها مدة إجارته، لتعلق حقه بالعين والمنفعة، وهي مملوكة له في تلك المدة فإن اتفق الغرماء مع المفلس على بيعها بيعت، والإجارة بحالها، وإن بطلت الإجارة في أثناء المدة لنحو موتِ العبدِ المؤجر، أو انهدم الدار، ضرب له بما بقي له من أجرة عجَّلها، ثم يقسم الباقي على قدر ديون من بقي. ولا يلزمهم بيان أن لا غريم سواهم، ثم إن ظهر رب دَين حال رجع على كل غريم بقسطه، لأنه لو كان حاضرًا لقاسمهم، كغريم الميت يظهر بعد قسم ماله، ولم تنقض القسمة، لأنهم لم يأخذوا زائدًا عن حقهم، وإنما تبين مزاحمتهم فيما قبضوه من حقهم.
ويلزم الحاكم إجبار مفلس محترف على الكسب، أو إيجار نفسه فيما يليق به من صنائعه، ليوفي بقية دينه، بعد قسمة ما وجد من ماله.
стр. 797
ولا تجبر امرأة مفلسة على نكاح، ولو رُغب فيها بما تُوفي به دينها، لأنه يترتب عليها بالنكاح ما قد تعجز عنه.
(ومن لم يقدر على وفاء شيء من دينه) الحال (أو هو مؤخل) فـ (تحرم مطالبته) به (وحبسه، وكذا ملازمته) وتجب تخليته، رضي غريمه أو لا، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (١) وفي إنظار المعسر فضل عظيم، لحديث بريدة مرفوعًا: "من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة قبل أن يحل، فإذا حل الدين فأنظره فله بكل يوم مثليه صدقة" (٢) رواه أحمد بإسناد جيد.
وإن ادعى مدين العسرة، ولم يصدقه رب الدين، ودينه عن عوض، كثمن أو قرض، أو عرف له مال سابق، والغالب بقاؤه؛ حبس، أو كان دينه من غير عوض مالي، كعوض خلع، وصداق، وضمان، وكان قد أقر أنه مليء؛ حبس، لأن الأصل بتاء المال، ومؤاخذة له بإقراره، إلا أن يتيم بيّنة بإعساره، ويعتبر فيها أن تَخْبُرَ باطن حاله، لأن الإعسار من الأمور الباطنة التي لا يطلع عليها غالبًا إلا المخالط له، ولا يحلف مع البينة، لما فيه من تكذيبها، أو يدَّعي تلفًا لماله، ويقيم بينة به، ويحلف معها إن أصلب رب الحق يمينه، لأن اليمين على أمؤ محتمل، غير ما شهدت به البينة.
стр. 798
ويحرم إنكار معسر وحلفه أن لا حق عليه، ولو تأول، نصًّا (١)، لظلمه رب الدين فلا ينفعه التأويل (ولا يحل) دين (مؤجل بفلس) نصًّا (٢)، فلا يشارك ربه ذوي الديون الحالة، لأن الأجل حق للمفلس، فلا يسقط بفلسه، كسائر حقوقه، ولا يوقف له من مال المفلس، ولا يرجع على الغرماء بشيء إذا حل دينه، لعدم ملكه المطالبة به حين القسمة، ويشارك من حل دينه قبل القسمة في الكل، وفي أثناء القسمة فيما بقي منها.
ولا يحل دين مؤجل بجنون (ولا بموت) لحديث "من ترك حقًّا أو مالًا فلورثته" (٣)، والأجل حق للميت، فينتقل إلى ورثته، ومحل ذلك (إن وثق الورثة برهن محُرز، أو كفيل مليء) على الأقل من قيمة الدين أو التركة، فإن لم يوثق بذلك حل، لأن الورثة قد لا يكونوا أملياء، ولم يرض بهم الغريم، فيؤدي إلى فوات الحق (وإن ظهر غريم) دينه حال (بعد القسمة) أي قسمة مال المفلس (رجع على الغرماء بقسطه) كما تقدم.
стр. 799
فصل في الحجر لحظ نفس المحجور عليه
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (١) وأضاف الأموال إلى الأولياء، لأنهم مدبروها.
(ويحجر على الصغير والمجنون والسفيه لحظهم) فلا يصح تصرفهم في أموالهم، ولا ذممهم، قبل الإذن، لأن تصحيح تصرفهم يفضي إلى ضياع أموالهم، وفيه ضرر عليهم (ومن دفع إليهم ماله بعقد) كبيع وإجارة (أو) بـ (لا) عقد كوديعة وعارية (رجع فيما (٢) بقي) من ماله، لبقاء ملكه عليه (لا ما تلف) منه بنفسه كموت قن أو حيوان، أو بفعل محجور عليه، كقتله له، فلا يرجع بشيء، لأنه سلطه عليه برضاه، علم الدافع بحجر المدفوع إليه أو لا، لتفريطه، لأن الحجر عليه في مظنة الشهرة.
(ويضمنون) أي المحجور عليهم لحظ أنفسهم (جناية) على نفس أو طرف ونحوه، على ما يأتي تفصيله في الجنايات (٣) (و) يضمنون (إتلاف ما لم يُدفع إليهم) من المال، لاستواء المكلف وغيره، ومن أعطوه مالًا بلا إذن ولي ضمنه، لتعديه بقبضه ممن لا يصح منه دفع حتى يأخذه منه ولي.
ولا يضمن من أخذ من محجور عليه مالًا ليحفظه من الضياع، كأخذه (٤) من غاصب أو غيره ليحفظه لربه، ولم يفرط، لأنه محسن بالإعانة على رد الحق لمستحقه، فإن فرط ضمن.
(ومن بلغ) من ذكر وأنثى وخنثى (رشيدًا) انفك الحجر عنه (أو) بلغ
стр. 800
(مجنونًا ثم عقل ورشد انفك الحجر عنه) لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ (١) الآية، ولأن الحجر عليه إنما كان لعجزه عن التصرف في ماله، حفظًا له، وقد زال، فيزول الحجر، لزوال علته (بلا حكم) بفكه، وسواء رشده الولي أو لا، لأن الحجر عليه لا يحتاج إلى حكم فيزول بدونه، ولقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٢)، واشتراط الحكم زيادة تمنع الدفع عند وجود ذلك، وهو خلاف النص (وأعطي) من انفك الحجر عنه (ماله) للآية، ويستحب بإذن قاض، وإشهاد برشد، ودفع، ليأمن التبعة و (لا) يعطى ماله (قبل ذلك بحال) ولو صار شيخًا، لظاهر الآية.
(وبلوغ ذكر بإمناء) باحتلام أو غيره، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ (٣) (أو تمام خمس عشرة سنة) لحديث ابن عمر: عرضت على النبي ﷺ يوم أحد وأنا ابن عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني (٤). متفق عليه. وفي رواية البيهقي بإسناد حسن: فلم يجزني ولم يرني بلغت (٥).
(أو نبات شعر خشن) أي يستحق أخذه بالموسى (٦)، لا زغب (٧) ضعيف (حول قُبُله) لأنه ﷺ لما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة، حكم بأن يقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وحكم بأن يكشف عن مؤتزراتهم، فمن
стр. 801
أنبت فهو من المقاتل، ومن لم ينبت ألحقوه بالذرية. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "لقد حكم بحكم اللَّه من فوق سبعة أرقعة" (١). متفق عليه.
(و) بلوغ (أنثى بذلك) الذي يحصل به بلوغ الذكر (و) تزيد عليه (بحيض) لحديث: "لا يقبل اللَّه صلاة حائض إلا بخمار" (٢). رواه الترمذي وحسنه (وحملها دليل إمناء) لإجراء اللَّه تعالى العادة بخلق الولد من مائهما، قال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ (٣) الآية. وإذا ولدت حكم ببلوغها من أقل مدة الحمل وهو ستة أشهر؛ لأنه اليقين.
(ولا يُدفع إليه) أي من بلغ رشيدًا ظاهرًا (ماله حتى يُختبر بما يليق به، ويؤنس رشده، ومحله) أي الاختبار (قبل بلوغ) لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ (٤) الآية (والرشد هنا إصلاح المال).
والناس يختلفون في ذلك، فيختلف إيناس الرشد باختلافهم، فولد التاجر يعلم رشده (بأن يبيع ويشتري فلا يغبن غالبًا) غبنًا فاحشًا (ولا يبذل ماله في حرام) كقمار، وغناء وشراء محرم، كآلة لهو، ونحو ذلك (و) لا في (غير فائدة) وولد رئيس وكاتب باستيفاء على وكيله فيما وُكِّل فيه.
стр. 802
ويؤنس رشد أنثى باشتراء قطن، واستجادته، ودفعه، ودفع أجرته إلى الغَزَّالات، واستيفاء عليهن.
ومن نوزع في رشده، فشهد به عدلان ثبت. وإلا بأن لم يشهد أحد، فادعى محجور عليه علم وليه برشده، حَلَفَ أنه لا يعلم رشده، لاحتمال صدق مدع.
ومن تبرع في حجر، فثبت كونه مكلفًا رشيدًا؛ نفذ تصرفه، لتبين أهليته له.
(ووليهم) أي المحجور عليهم لحظ أنفسهم (حال الحجر) عليهم (الأب) لكمال شفقته (الرشيد) لأن غير الرشيد محجور عليه (ثم) وليهم بعد الأب (وصيُّه) لأنه نائبه، أشبه وكيله في الحياة، ولو كان بجُعْلٍ وثَمَّ متبرع، أو كان الأب أو وصيه كافرًا على كافر، إن كان عدلًا في دينه، ولا ولاية لكافر على مسلم (ثم) بعد الأب ووصيِّه، وليهم (الحاكم) لانقطاع الولاية من جهة الأب، فتكون للحاكم، كولاية النكاح، لأنه وليُّ من لا وليَّ له.
وتكفي العدالة في الولي ظاهرًا، فإن عدم حاكم أهل، فأمين يقوم مقامه، وعلم منه أنه لا ولاية للجد، والأم، وباقي العصبات.
(و) يجب على الولي أن (لا يتصرف لهم) أي المحجور عليهم (إلا بالأحظِّ) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١)، فإن تبرع الولي بصدقة أو هبة، أو حابى، بأن باع من مال موليه بأنقص من ثمنه، أو اشترى له بأزيد، أو زاد في النفقة على الإنفاق بالمعروف، ضمن لتفريطه، وللولي تعجيل نفقة موليه مدة جرت به عادة أهل بلده، إن لم يفسدها، وإلا فتدفع إليه يومًا بيوم، فإن أفسدها بإتلاف، أو دفع لغيره أطعمه معاينة، وإلا كان مفرطًا، وإن أفسد كسوته ستر عورته فقط في بيت إن لم يمكن تحَيّل على إبقائها عليه ولو بتهديد.
стр. 803
ولا يصح أن يبيع ولي أو يشتري أو يرهن من مالهم لنفسه، لأنه مظنة التهمة، إلا الأب، فله ذلك، لأن التهمة منتفية بين الوالد وولده، إذ من طبعه الشفقة عليه، وترك حظ نفسه لحظه. وللأب ولغيره من الأولياء مكاتبة قنه، وعتقه على مال، وتزويجه لمصلحة، وإذنه في تجارة، وسفر بمال مع أمن بلد، وطريق، لجريان العادة به، ولأب وغيره مضاربة بمالهم بنفسه، لحديث ابن عمرو (١) مرفوعًا: "من ولي يتيما له مال، فليتجر به، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة". وروي موقوفًا على عمر، وهو أصح (٢).
ولمحجور ربحه كله، لأنه نماء ملكه، فلا يستحقه غيره إلا بعقد، ولا يعقدها الولي لنفسه للتهمة، ولولي دفع مال محجور عليه لغيره مضاربة بجزء معلوم من ربحه، لأن عائشة ﵂ أبضعت مال محمد بن أبي بكر (٣).
стр. 804
ولوليٍّ بيع مال موليه نساء، وله قرضه ولو بلا رهن لمصلحة، وله شراء أضحية لمحجور عليه موسر، نصًّا (١). وله مداواته لمصلحة، ولو بأجرة، نصًّا (٢). وله ترك صبي بمكتب لتعلم خط ونحوه بأجرة، لأنه من مصالحه، وله شراء لعب غير مصورة لصغيرة تحت حِجْرِهِ من مالها، نصًّا (٣)، للتمرن، وله -أيضًا- تجهيزها إذا زوجها، أو كانت مزوجة بما يليق بها من لباس وحلي وفرش على عادتهن في ذلك البلد، وله خلط نفقة موليه بماله إذا كان أرفق به، وله بيع عقاره لمصلحة، نصًّا (٤)، ولو بلا ضرورة، أو زيادة على ثمن مثله.
ولولي صغير وسفيه ومجنون، غير حاكيم وأمينه؛ الأكل لحاجة من مال موليه، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٥)، ولحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: إني فقير وليس لي شيء، ولي يتيم، فقال: "كل من مال يتيمك غير مسرف" (٦). رواه أبو بكر. ولا يأكل الحاكم ولا أمينه شيئًا، لاستغنائهما بما لهما في بيت المال، فيأكل من يباح له الأقل من أجرة مثله وكفايته، ولا يلزمه عوضه إذا أيسر؛ لأنه عوض عن عمله، ولظاهر الآية، ومع عدم الحاجة يأكل من
стр. 805
مالهم ما فرضه له حاكم، فإن لم يفرض له شيئًا لم يأكل منه، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ (١).
ولناظرِ وقفٍ ولو لم يحتج أكْل منه بمعروف، إلحاقًا له بعامل الزكاة، فإن شرط له الواقف شيئًا فله ما شرطه (ويتكبل قوله) أي الولي (بعد فك حجر) عن محجور عليه (في) وجود (منفعة) أي غبطة في بيع عقار (و) وجود (ضرورة) في ذلك (و) في (تلف) مال، أو قدر نفقة، ولو على عقار محجور عليه، أو كسوة لمحجور عليه، أو لزوجته، أو رقيقه، ونحوه، فيقبل قول الولي في ذلك، لأنه أمين ما لم تخالفه عادة وعرف، فيرد للقرينة، ويحلف ولي حيث قبل قوله، لاحتماد صدق الآخر.
و(لا) يقبل قول ولي (في دفع مال بعد رشد) أو بعد عقل، لأنه قبض المال لمصلحته، أشبه المستعير (إلا) أن يكون الدفع (من) ولي (متبرع) فيقبل قوله في دفع المال إذن، لأنه قبض المال لمصلحة المحجور عليه فقط، أشبه الوديع، ولا يقبل قول ولي في قدر زمن إنفاق إلا ببينة، لأن الأصل عدم ما يدَّعيه.
وليس لزوج حرة رشيدة حجر عليها في تبرع زائد على ثلث مالها.
ولولي حر مميز، وسيد قيت مميز، أن يآذن له أن يتَّجر، لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ (٢) ولأنه عاقل محجور عليه، فصح تصرفه بإذن وليه وسيده، كالعبد الكبير والسفيه، وكذلك يصح أن يأذن له أن يدّعي على خصم، وأن يقيم بينة على الخصم، وأن يحلِّفه إذا أنكر.
(ويتعلق) جميع (دَين) قن (مأذون له) في تجارة إن استدان فيما أذن له فيه، أو غيره (بذمة سيد) لأنه غر الناس بإذنه له، وكذا ما اقترضه ونحوه بإذن سيده، لأنه تصرف لسيده (و) يتعلق (دَين غيره) أي غير المأذون له في
стр. 806
تجارة، بأن اشترى في ذمته، أو اقترض بغير إذن سيده، وتلف ما اشتراه، أو اقترضه بيده، أو بيد سيده، برقبته.
(و) يتعلق (أرش جناية قن وقِيَم متلفاته برقبته) فيفديه سيده بالأقل من الدين أو قيمته، أو يبيعه ويعطيه أو يسلمه لرب الدين.
تتمة:
ويجوز للرقيق المأذون له هدية مأكول، وإعارة دابة، وعمل دعوة، وتصدق بيسير بلا إسراف في الكل، لأنه ﷺ "كان يجيب دعوة المملوك" (١). ولرقيق غير مأذون له في تجارة أن يتصدق من قوته بما لا يضر به، كرغيف ونحوه، كفلس وبيضة، لجريان العادة بالمسامحة فيه، ولزوجة، وكل متصرف في بيتٍ كأجير، الصدقة منه بلا إذن صاحبه، بنحو ذلك، لحديث عائشة مرفوعًا: "إذا أنفقت المرأة من طعام زوجها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجر ما كسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئًا" (٢). متفق عليه، ولم يذكر إذنًا، ولأن العادة السماح وطيب النفس به، إلا أن يمنع رب البيت منه، أو يكون رب البيت بخيلًا، ويشك في رضاه، فيحرم الإعطاء من ماله بلا إذنه، لأن الأصل عدم رضاه إذن.
стр. 807
فصل في الوكالة
بفتح الواو وكسرها، اسم مصدر بمعنى التوكيل. وهي لغة: التفويض، تقول: وكلت أمري إلى اللَّه -أي: فوضته إليه واكتفيت به- وتطلق -أيضًا- بمعنى الحفظ ومنه: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ (١) أي: الحفيظ. (٢) وهي شرعًا: استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة (٣).
(وتصح الوكالة) مطلقة، ومنجزة، ومؤقتة، كأنتَ وكيلي شهرًا أو سنة، وتصح معلقة، نصًّا (٤)، كقوله: إذا قدم زيد فبع هذا، أو إذا دخل رمضان فافعل كذا، هاذا طلب أهلي منك شيئًا فادععه لهم ونحوه، وتصح (بكل قول) أو فعل (يدل على إذن) نصًّا (٥)، كبع عبدي فلانًا، أو اعتقه، ونحوه، أو فوضت إليك أمره، أو جعلتك نائبًا عني في كذا، أو أقمتك مقامي، لأنه لفظ دل على الإذن فصح، كلفظها الصريح. قال في "الفروع" (٦): ودل كلام القاضي على انعقادها بفعلٍ دالٍّ كبيع، وهو ظاهر كلام الشيخ فيمن دفع ثوبه إلى قصار أو خياط، وهو أظهر، كالقبول.
стр. 808
(و) يصح (قبولُها) أي الوكالة (بكل قول أو فعل يدل (١) عليه)، لأن وكلاءه ﷺ لم ينقل عنهم سوى امتثال أوامره، ولأنه أذن في التصرف، فجاز قبوله بالفعل، كأكل الطعام، ولو كان القبول متراخيًا عن الإذن، فلو بلغه أن زيدًا وكله في بيع عبده منذ سنة، فقبل، أو باعه من غير قولٍ؛ صح لأن الإذن قائم، ما لم يرجع عنه.
(وشُرط كونهما) أي: الموكل والوكيل (جائزي التصرف) لأن غير جائز التصرف ممنوع من التصرف لنفسه، فلا يصح منه أن يتوكل لغيره، ولا أن يوكله (ومن) يصح (له تصرف في شيء فله توكل) فيه (وتوكيل فيه) لأن النائب فرع عن المستنيب سوى أعمى، ونحوه، كمن يريد شراء عقار لم يره، إذا وكل عالمًا بالمبيع فيما يحتاج لرؤية، كجوهر، وعقار، فيصح، وإن لم يصح منه ذلك بنفسه، لأن منعهما التصرف في ذلك لعجزهما عن العلم بالمبيع، لا لمعنى فيهما يقتضي منع التوكيل.
فلا يصح أن يوجب نكاحًا عن غيره، مَنْ لا يصح منه إيجابه لموليته، لنحو فسق، لأنه إذا لم يجز أن يتولاه أصالة، لم يجز بالنيابة، كالمرأة، ولا يصح أن يقبله لغيره، من لا يصح منه قبوله لنفسه، ككافر يتوكل في قبول نكاح مسلم لمسلمة، سوى قبول نكاح أخته ونحوها لأجنبي تحل له، وسوى قبول حر واجد الطَوْلَ (٢) نكاح أمة لمن تباح له، وسوى توكل غني في قبض زكاة لفقير، وسوى طلاق امرأة نفسها وغيرها بوكالة؛ فيصح، لأنها إذا ملكت طلاق نفسها بجعله لها، ملكت طلاق غيرها بالوكالة.
ولا تصح وكالة في بيع ما سيملكه، أو في طلاق من يتزوجها، لأن الموكل لا يملكه حين التوكيل، ويصح: إن ملكت فلانًا فقد وكلتك في عتقه، لأنه يصح تعليقه على ملكه، بخلاف: إن تزوجت فلانة فقد وكلتك في طلاقها.
стр. 809
ولو قال من ادَّعى عليه وكيل غائب، عن دين ثابت: موكلك أخذَ حقه، لم يقبل قوله إلا ببينة، لأنه مقرٌّ، مدع الوفاء، ولا يؤخر الطلب حتى يحضر الموكل، ليحلف أنه لم يأخذه منه، لأنه وسيلة لتأخير حق متيقن لمشكوك فيه، أشبه ما لو ذكر المدَّعى عليه أن له بينة غائبة عن البلد بالوفاء، فلا يؤخر الحق لحضورها.
(وتصح) الوكالة (في كل حق آدمي) متعلق بمالٍ وما يجري مجراه، من عقدٍ كبيع، وهبة، وإجارة، ونكاح، وفسْخٍ لنحو بيع، وطلاق، ورجعة، وتملك مباح، وصلح، وإقرار، وعتق، وإبرار، ولو لأنفسهما إن عيِّنا (١).
و(لا) تصح وكالة في (ظهار) لأنه قول منكر وزور محرم أشبه بقية المعاصي (و) لا (لعان وأيمان) ونذر، وإيلاء، وقسامة، لتعلقها بعين الحالف والناذر، فلا تدخلها النيابة، كالعبادات، ولا في قسم لزوجات، ولا في شهادة، ولا في التقاط، ولا في دفع جزية، ولا في معصية، ولا في رضاع.
وتصح في بيع ماله كله أو ما شاء منه، وتصح في المطالبة بحقوقه كلها أو ما شاء منها، وفي الإبراء منها أو ما شاء منها. ولا تصح في عقد فاسد، أو في كل قليل وكثير، لأنه يدخل فيه كل شيء من هبة ماله، وطلاق نسائه، وغير ذلك، فيعظم الغرر والضرر.
(و) تصح الوكالة (في كل حق للَّه تعالى تدخله النيابة) من إثبات حد واستيفائه، لحديث: "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها". فاعترفت، فأمر بها، فرجمت (٢)، متفق عليه. ومِنْ عبادة تتعلق بالمال،
стр. 810
كتفرقة صدقة ونذر وزكاة، لأنه ﷺ كان يبعث عماله لقبض الصدقات وتفريقها (١)، وحديث معاذ (٢) يشهد به. ويصح قوله: أخرج زكاة مالي من كالك، لأنه اقتراض من مال وكيل، وتوكيل له في إخراجه.
وتصح وكالة في فعل حج وعمرة، فيستنيب من يفعلهما عنه مطلقًا في النفل، ومع العجز في الفرض، على ما سبق في الحج (٣)، وتدخل ركعتا طواف تبعًا. ولا تصح وكالة في عبادة بدنية محضة، كصلاة، وصوم، وطهارة من حدث، لتعلقها ببدن من هي عليه.
ولوكيل توكيل فيما يعجز عنه لكثرته، ولو في جميعه، لدلالة الحال على الإذن فيه، وفي ما لا يتولى مثله بنفسه، كالأعمال الدنية في حق أشراف الناس المترفعين عنها عادة، لأن الإذن إنما ينصرف لما جرت به العادة، ولا يصح أن يوكل وكيل فيما يتولى مثله بنفسه ويقدر عليه، لأنه لم يؤذن له في التوكيل، ولا تضمنه الإذن له، فلم يجز كما لو نهاه، إلا بإذن موكل فيجوز، لأنه عقد أذن له فيه، أشبه سائر العقود، قال في "الفروع" (٤): ولعل ظاهر ما سبق: يستنيب نائب في اهج لمرض، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي، -رحمهما اللَّه تعالى (٥) -.