← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13785

الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات

عثمان ابن جامع

Полный текст (2 242 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

كسر إناء فضة أو ذهب، أو حليًا محرمًا على ذكر لم يتخذه مالكه يصلح للنساء، أو آلة سحر، أو تنجيم، أو كتب صور خيال، أو أوثانًا، أو كتب مبتدعة مضلة، أو كتب كفر، أو كتبًا فيها أحاديث رديئة، لم يضمن الجميع.

стр. 877

فصل في الشفعة بإسكان الفاء، من الشفع، وهو: الزوج، لأن نصيب الشفيع كان منفردًا في ملكه، وبالشفعة يضم المبيع إلى ملكه فيشفعه به (١). وهي شرعًا: استحقاق الشريك انتزاع شقص شريكه ممن انتقل إليه بعوض مالي إن كان المنتقل إليه مثله مسلمًا أو كافرًا (٢). والشفعة ثبتت بالسنة، واتفاق كافة العلماء (٣)، لحديث جابر: قضى رسول اللَّه ﷺ بالشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصُرِّفت الطرق، فلا شفعة (٤). متفق عليه. ولا تسقط باحتيال على إسقاطها، لأنها إنما شرعت لدفع الضرر، كأن يظهر المتعاقدان في البيع شيئًا لا يؤخذ بالشفعة معه، ويتواطآن في الباطن على خلافه، كإظهار التواهب، أو زيادة الثمن، ونحوه. (وتثبت الشفعة) للشريك في الشِّقص (٥) المبيع (فورًا) أي ساعة يعلم بالبيع، إن لم يكن عذر، وإلا بطلت، نصًّا (٦)، لحديث: "الشفعة كحل

стр. 878

العقال" (١) رواه ابن ماجه، وفي لفظ: "الشفعة كنشطة العقال إن قيدت ثبتت وإن تركت فاللوم على من تركها" فإن أخر طلب الشفعة لشدة جوع، أو عطش، حتى يأكل أو يشرب، أو لطهارة، أو لإغلاق باب، أو ليخرج من حمام، أو ليؤذن ويقيم، أو ليشهد الصلاة في جماعة يخاف فوتها، أو من علم ليلًا حتى يصبح، مع غيبة مشتر في جميع هذه الصور، أو لصلاة وسننها ولو مع حضوره، لم تسقط، لأن العادة تقديم هذه الحوائج ونحوها على غيرها، أو أخر الطلب جهلًا بأن التأخير مسقط للشفعة، ومثله يجهله، لم تسقط، بخلاف ما لو تركها جهلًا باستحقاقه لها، أو نسيانًا للطلب، أو البيع، فإن لم يكن مثله يجهله، سقطت شفعته، وإن أشهد بطلبه غائب، أو محبوس، أو مريض، لم تسقط، فإن لم يشهد سقطت، أو سار في طلبها بلا إشهاد سقطت -أيضًا-. وإنما تثبت الشفعة (لمسلم) فلا شفعة لكافر على مسلم، بخلاف عكسها، كما تقدم (٢) (تام الملك) فلا تثبت الشفعة لمالك بملك غير تام،

стр. 879

كشركة وقف، ولو على معين، فلا يأخذ موقوف عليه بالشفعة، لقصور ملكه عليه، فتثبت له (في حصة شريكه المنتقلة) عنه (لغيره، بعوض مالي) إما بالبيع، أو ما في معناه، كما تقدم (١) (بما استقر عليه العقد) متعلق وما قبله بتثبت فخرج بقوله: في حصة شريكه: الجار، والموصى له بنفع دار، إذا باعها، أو بعضها وارث، لأن الموصى له ليس بمالك لشيء من الدار، وقولة: بعوضٍ، مخرج للموروث والموصى به، والموهوب بلا عوض، ونحوه، وقوله: مالي مخرج للمجعول عوضًا عن مهر، أو خلع، أو دم عمد صلحًا، ونحوه، وقوله: بما استقر عليه العقد: أي عقد البيع أو ما في معناه، لحديث جابر مرفوعًا: "هو أحق به بالثمن" (٢). رواه الجوزجاني (٣) في "المترجم"، ولأن الشفيع إنما استحق الشقص بالبيع، فكان مستحقًّا له بالثمن كالمشتري، ويدفع لمشتر مثل ثمن مثلي، وقيمة ثمن متقوم، فإن تعذر مثل مثلي فقيمته، أو تعذرت معرفة المتقوم، فقيمة شقص مشفوع، وإن جهل الثمن كصبرة تلفت، أو اختلطت بما لا تتميز منه، ولم يكن ثمَّ حيلة على إسقاطها، سقطت، لأنها لا تستحق بغير بدل، فإن اتهمه شفيع أنه فعله حيلة حلفه. (وشُرط) لثبوت الشفعة (تقدُّم مِلك شفيع) لجزء من رقبة ما منه الشقص المبيع، بأن يملكه قبل البيع، لأن الشفعة ثبتت لدفع الضرر عن

стр. 880

الشريك، فإذا لم يكن له ملك سابق، فلا ضرر عليه. (و) شرط (كون شقص) مبيع (مشاعًا) أي غير مفرز (من أرض تحب قسمتها) إخبارًا بطلب من له فيها جزء، لحديث جابر مرفوعًا: "الشفعة فيما لم ينقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة" (١) رواه الشافعي -رحمه اللَّه تعالى- ولحديثه -أيضًا-: "إنما جعل رسول اللَّه ﷺ الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" (٢) رواه أبو داود. (ويدخل غراس وبناء) في الشفعة (تبعًا) لأرض، لحديث قضائه ﷺ بالشفعة في كل مشترك لم يقسم ربعة أو حائطًا (٣)، وهذا يدخل فيه البناء والأشجار، و (لا) تدخل (ثمرة) ظاهرة (و) لا (زرع) في شفعة، لا تبعًا، ولا مفردًا، لأنه لا يدخل في البيع تبعًا، فلا يدخل في الشفعة، كقماش لدار. (و) شرط (أخذ جميع) شقص (مبيع) دفعًا لضرر المشتري، بتبعيض الصفقة في حقه، بأخذ بعض المبيع (فإن أراد) الشريك (أخذ البعض) من المبيع، مع بقاء الكل، سقطت شفعته، وإن تلف بعضه، كانهدام بيت من دار بيع بعضها بأمر سماوي، أو بفعل آدمي مشتر، أو غيره، أخذ الشفيع باقيه إن شاء بحصته من ثمنه، فلو اشترى شقصًا من دار بألف تساوي ألفين، فباع بابها، أو هدمها، فبقيت بألف، أخذها الشفيع بخمسمائة بالحصة من الثمن نصًّا (٤) (أو) إن (عجز عن بعض الثمن) أو عجز عنه كله (بعد إنظاره ثلاثًا) إن طلب الإنظار سقطت شفعته (أو قال لمشتر: بعني) ما اشتريت (أو صالحني) عليه، وأكرنيه، أو هَبْهُ لي، أو اشتريت رخيصًا،

стр. 881

سقطت شفعته، لأن هذا وشبهه دليل رضاه بشرائه، وتركه للشفعة (أو أخبره) إنسان (عدل) بالبيع (فكذبه) أي كذب مخبرًا له ولو واحدًا، لأنه خبر عدل يجب قبوله في الرواية والفتيا والأخبار الدينية، أشبه ما لو أخبره أكثر من عدل (ونحوه) أي نحو ما تقدم، مما يدل على رضاه بشرائه (سقطت) شفعته. (فإن عفا بعضهم) أي الشركاء وترك شفعته، سقطت و (أخذ باقيهم الكلَّ، أو تركه) قال ابن المنذر: أجمع كل من احفظ عنه من أهل العلم على هذا (١)، لأن في أخذ البعض إضرارًا بالمشتري، بتبعيض الصفقة عليه، والضرر لا يزال بالضرر، وكما لو كان بعضهم غائبًا، فإنه ليس للحاضر إلا أخذ الكل أو تركه، فإن أخذه، فلصاحبه الخيار إذا حضر بين أخذ قدر سهمه من الشفعة وبين الترك، فإن امتنع من حضر من الشركاء من الشفعة حتى يحضر صاحبه، بطل حقه من الشفعة، لأن في تأخيره إضرارًا بالمشتري. (وإن مات شفيع قبل طلب) مع قدرة، أو إشهاد مع عذر (بطلت) أي سقطت شفعته، لأنه نوع خيار، شرع للتمليك، أشبه الإيجاب قبل القبول، ولأنه لا يُعلم بقاؤه على الشفعة، لاحتمال رغبته عنها، ولا ينتقل إلى الورثة ما يشك في ثبوته (وإن كان الثمن مؤجلًا أُخذ) شفيع (مليء) أي قادر على الوفاء (به) أي بالثمن المؤجل (وغيره) أي غير الملئ، يأخذه (بكفيل ملئ) نصًّا (٢)، لأنه تابع للمشتري في الثمن وصفته، والتأجيل من صفاته، ويعتد في قدر ثمن بما زيد فيه أو حط منه زمن خيار، لأنه كحالة العقد. (ولو أقر بائع بالبيع، وأنكر مشتر) الشراء (ثبتت) الشفعة، لثبوت موجبها.

стр. 882

فصل في الوديعة من وَدَعَ الشيء إذا تركه، لتركها عند المودَع (١)، وأجمعوا على جواز الإيداع (٢)، لقوله تعالى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (٣)، وحديث أبي هريرة مرفوعًا "أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" (٤) رواه أبو داود وغيره، ولحاجة الناس إليها. والوديعة شرعًا: المال المدفوع إلى من يحفظه بلا عوض (٥)، ويعتبر لها أركانُ وكالة، من كون كل منهما جائز التصرف، وتعيين وديع ونحوه، وتبطل بما يبطلها، إلا إذا عزله ولم يعلم، وإن عزل نفسه فهي أمانة بيده، كثوب أطارته الريح إلى داره، يجب رده إلى مالكه. (ويسن قبول وديعة لمن يعلم من نفسه الأمانة) أي أنه ثقة قادر على حفظها، لقوله ﷺ : "واللَّه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" (٦)، قال في "المبدع" (٧): ويكره لغيره إلا برضى ربها، قال في "شرح الإقناع" (٨):

стр. 883

قلت: ولعل المراد بعد إعلامه بذلك إن كان لا يعلمه لا يغره. وهي عقد جائز من الطرفين، فإن أذن ربها للمدفوع إليه في التصرف ففعل صارت عارية مضمونة كالرهن إذا أذن ربه للمرتهن في استعماله. (ويلزم) الوديع (حفظها) أي الوديعة (في حرز مثلها) عرفًا، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (١)، ولا يمكن أداؤها بدون حفظها (وإن عينه) أي الحرز (ربها) أي: الوديعة، بأن قال احفظها بهذا البيت. (فأحرز) ها (بدونه) أي دون المعهين رتبة، ضمن، لمخالفته، وإن أحرزها بمثله، أو فوقه، كما لو أودعه خاتمًا، وقال: البسه في خنصرك فلبسه في بنصره (٢)، ولو لغير حاجة، فلا يضمن الوديعة إن تلفت، لأن تعيين الحرز يقتضي الإذن في مثله، وإن نهاه عن إخراجها، فأخرجها، لغشيان شيء الغالب منه الهلاك، كحريق، ونهب، فتلفت، لم يضمن، وإن تركها إذن، فتلفت، ضمن لتفريطه، ويحرم، أو قال: لا تخرجها، فإن أخرجها لغير خوف، فتلفت، ضمن، وإن خفت عليها، فحصل خوف، وأخرجها، أو لا، فتلفت، لم يضمنها (أو تعدى) وديع (أو فرط) أي قصر في حفظها، ضمنها، لأن المتعدي متلف لمال غيره، فيضمنه، كما لو أتلفه من غير إيداع، والمفرط متسبب بترك ما وجب عليه من حفظها. (أو قطع) وديع (علف دابة عنها) أو سقيها (بغير قول) من مالك: لا تعللها، أو لا تسقها، حتى ماتت (ضمنـ) ـها، لأن عللها وسقيها من تمام الحفظ الذي استلزمه بالاستيداع، ولا يضمن إن نهاه مالك عن علفها، وسقيها، فتركه، حتى ماتت، كما لو أمره بقتلها فقتلها، ويحرم ترك علفها، وسقيها مطلقًا، لحرمتها في نفسها، فيجب إحياؤها، لحق اللَّه تعالى.

стр. 884

وإن دفع الوديعة مستودع إلى من يحفظ ماله عادة، كزوجته، وعبده، وخازنه، فتلفت، لم يضمن، لأنه مأذون فيه عادة، أشبه ما لو سلم الماشية إلى الراعي، أو دفعها لعذر كمن حضره الموت، أو أراد سفرًا إلى أجنبي ثقة، أو إلى حاكم، فتلفت، لم يضمن، وإلا يكن له عذر، ضمن لتعديه، لأنه ليس له أن يودع بلا عذر، ولمالك مطالبة الأجنبي -أيضًا- ببدل الوديعة، لأنه قبض ما ليس له قبضه، أشبه المودع من الغاصب، وعليه قرار الضمان، إن علم الحال، لتعديه، فإن لم يعلم فعلى وديع أول، لأنه غرّه. ومن أراد سفرًا، أو خاف على الوديعة عنده ردها إلى مالكها، أو إلى من يحفظ ماله عادة، أو إلى وكيله في قبضها، إن كان، لأن فيه تخلصًا له من دركها، وإيصالًا للحق إلى مستحقه، فإن لم يجده، ولا وكيله، حملها معه إن كان أحفظ لها، ولم ينهه مالكها عنه، لأنه موضع حاجة، فإن تلفت لم يضمن. (ويقبل قول مودعَ في ردها) أي الوديعة (إلى ربها) أو إلى من يحفظ ماله بيمينه، لأنه لا منفعة له في قبضها، أشبه الوكيل بلا جعل (أو) ردها إلى (غيره بإذنه) أي: ويقبل قول مودع في رد الوديعة إلى غير ربها بإذنه، بيمينه، نصًّا (١)، لأنه ادعى دفعًا يبرأ به من رد الوديعة، أشبه ما لو ادعى الرد إلى مالكها، ولا يلزم المدعى عليه للمالك غير اليمين، ما لم يقر بالقبض، و (لا) يقبل قول مودع في ردها إلى (وارثه) أي المالك إلا ببينة، لأنهم لم يأتمنوه، وإن ادعى ردًّا بعد مطله بلا عذر، أو بعد منعه منها، لم يقبل إلا ببينة، لأنه صار ضامنًا، كالغاصب، أو ادعى ورثة مودعَ ردًّا منهم، أو من مورثهم، ولو لمالك، لم يقبل ذلك إلا ببينة، لأنهم غير مؤتمين عليها من قبل مالكها، وكذا لو ادعى ملتقط، أو من أطارت الريح إلى داره ثوبًا ونحوه، فلا يقبل إلا ببينة.

стр. 885

(و) يقبل قول مودع (في تلفها) أي الوديعة، بسبب خفي، كسرقة، لتعذر إقامة البينة عليه، ولئلا يمتنع الناس من قبول الأمانات مع الحاجة إليه، وكذا إن لم يذكر سببًا، ولا يقبل دعواه التلف بسبب ظاهر، كحريق، ونهب، إلا ببينة تشهد بوجوده، ثم يحلف أنها ضاعت به، ويصدق بيمينه في عدم خيانة (و) في (عدم تفريط وتعدٍّ) فيها، لأنه أمين، والأصل براءته (وفي الإذن) في دفعها إلى غير ربها، كما تقدم (١). وفيه تكرار. (وإن أودع اثنان) واحدًا (مكيلًا أو موزونًا يُقْسَمُ) إجبارًا (فطلب أحدهما نصيبه لغيبة شريك أو) مع حضوره، و (امتناعه) من أخذ نصيبه، أو من الإذن لشريكه في أخذ نصيبه (سلم إليه) أي الطالب، نصيبه وجوبًا، لأنه حق مشترك يمكن فيه تمييز نصيب أحد الشريكين من نصيب الآخر، بغير غبن ولا ضرر، أشبه ما لو كان متميزًا، فإن كان المشترك غير مكيل وموزون، أو كان كذلك، لكن لا ينقسم لصناعة فيه، كآنية نحاس، ونحوها، وحلي مباح، أو مختلف الأجزاء ونحوه، لم يسلم إليه، إلا بإذن شريكه، أو حاكم، لأن قسمته لا يؤمن عليها الحيف، لافتقارها إلى التقويم، وهو ظن وتخمين (ولمودَع ومضارب ومرتهن ومستأجر) قال الشيخ منصور ﵀: قلت ومثلهم العدل بيده الرهن، والأجير على حفظ عين والوكيل فيه، والمستعير، والمجاعل على عملها (٢)، انتهى (إن غصبت العين) المودعة، وما عطف عليها (المطالبة بها) من غاصبها، لأنها من جملة حفظها المأمور به، ولا يضمن مودع أكره على دفع الوديعة إلى غير ربها، كما لو أخذها منه قهرًا، لأن الإكراه عذر يبيح له دفعها، فإن طلب يمينه أن لا وديعة لفلان عنده، ولم يجد بدًّا من الحلف، لتغلب الصالب عليه بسلطنة، أو تلصص، ولا يمكنه الخلاص منه إلا بالحلف، حلف متأولًا، ولم يحنث،

стр. 886

فإن لم يحلف حتى أخذت منه، ضمنها، لتفريطه بترك الحلف، ويأثم إن حلف ولم يتأول لكذبه، وإثم حلفه بدون تأويل دون إثمه بإقراره بها، لأن حفظ مال الغير عن الضياع آكد من بر اليمين، ويكفِّر كفارة يمين وجوبًا، إن حلف ولم يتأوَّل، وإن أكره على اليمين بالطلاق، فقال أبو الخطاب: لا تنعقد، كما لو أكره على إيقاع الطلاق (١). ومن مات وعنده وديعة، وجهلت في ماله، فربها يكون غريمًا بها، كسائر الديون.

стр. 887

فصل في إحياء الموات والموات هو: الأرض الخراب الدارسة، وتسمى ميتة ومواتًا وموتًا بفتح الميم والواو (١). (ومن أحيا أرضًا منفكة عن الاختصاصات و) عن (ملك معصوم) من مسلم، أو ذمي، أو مستأمن (ملكها) أي الأرض. جوابُ مَنْ، بما فيها من معدن جامد باطن، كذهب، وفضة، وحديد، ونحاس، ورصاص، ومن معدن جامد ظاهر، كجص، وكحل، وكبريت، وزرنيخ (٢)، لأنه من أجزاء الأرض، فيتبعها في الملك، كما لو اشتراها، بخلاف الركاز، لأنه مودع للنقل، وليس من أجزائها، وهذا في المعدن الظاهر إذا ظهر بإظهاره وحفره، وأما ما كان ظاهرًا فيها قبل إحيائها، فلا يملك، لأنه قُطع لنفع كان واصلًا للمسلمين، بخلاف ما ظهر بإظهاره. وإن ظهر فيما أحيا عين ماء، أو معدن جار كنفط، وقار، أو كلأ، فهو أحق به، ولا يملك، لحديث: "الناس شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار" (٣) رواه الخلال، وابن ماجه. ويجب بذل ما فضل من الماء عن حاجته، وحاجة عياله، وماشيته، وزرعه، لبهائم غيره، وزرعه، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ" (٤) متفق عليه. وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، مرفوعًا: "من منع فضل مائه، أو فضل كلئه منعه اللَّه فضله يوم

стр. 888

القيامة" (١) رواه أحمد، ولا يتوعد على ما يحل، فإن آذاه بالدخول، أو تضرر ببذله، فله منعه، أو كان له فيه ماء السماء، فيخاف عطشًا، أو حازه في إناء، لم يلزمه بذله. ولا يملك بالإحياء موات الحرم، وعرفات، لما فيه من التضييق على الحاج، واختصاصه بما يستوي فيه الناس، ولا ما أحياه مسلم من أرض كفار صولحوا على أنها لهم، ولنا الخراج عنها، ولا ما قرب من العامر عرفًا، وتعلق بمصالحه، كطرقه، وفنائه، ومسيل مائه، ومرعاه، ومحتطبه، وحريمه، ومدفن موتاه، ومطرح ترابه، ولا ما جرى عليه ملك لأحد، أو وجد فيه أثر عمارة، وإن ملكه من له حرمة من مسلم أو ذمي أو مستأمن، أو شك فيه، بأن وجد مالكه، أو وجد أحد من ورثته، لم يملك بإحياء، حكاه ابن عبد البر إجماعًا (٢)، وكذا إن جهل مالكه، بأن لم تعلم عينه، مع العلم بجريان الملك عليه لذي حرمة، فلا يملك بالإحياء، نصًّا (٣)، لمفهوم حديث عائشة: "من أحيا أرضًا ليست لأحد" (٤) ولأنه مملوك فلا يملك بالإحياء، كما لو كان مالكه معينًا، وإن علم ولم يعقب أقطعه الإمام لمن شاء، لأنه فيء، وإن ملك بإحياء، ثم ترك حتى دثر، وعاد مواتًا، لم يملك بإحياء إذ كان لمعصوم، لمفهوم حديث: "من أحيا أرضًا ميتة ليست

стр. 889

لأحد" (١) وهو مقيد بحديث: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له" (٢)، ولأن ملك المحيي أولًا لم يزل عنها بالترك، كسائر الأملاك. (ويحصل) إحياء الأرض (بحوزها بحائط منيع) بحيث يمنع ما وراءه، لقوله ﷺ : "من أحاط حائطًا على الأرض فهي له" (٣) رواه أحمد، ويكون مما جرت عادة أهل البلد به، من لبن، أو حجر، أو قصب، أو خشب، ونحوه، ولا يعتبر في ذلك تسقيف، ولا نصب باب (أو إجراء ماء) لها (لا تزرع إلا به) أي بالماء المسوق إليها (أو قطع ماء) عنها (لا تزرع معه) كأرض البطائح التي يفسدها غرقها بالماء، لكثرته، فإحياؤها بسده عنها (أو حفر بئرٍ) أو نهر، نصًّا (٤)، ويصل إلى ماء البئر، فإذا خرج الماء استقر ملكه، إلا أن يحتاج إلى طي (٥)، فتمام الإحياء بطيها (أو غرس شجر فيها) أي الأرض، بأن كانت لا تصلح لغرس، لكثرة أحجارها، ونحوها، فينقيها، ويغرسها. ولا يحصل الإحياء بحرث، وزرع، وبحفر بئر بموات يملك حريمها، وهو من كل جانب في قديمة -وتسمى العاديَّة- (٦) خمسون

стр. 890

ذراعًا، وفي غير القديمة خمسة وعشرون ذراعًا، نصًّا (١)، لحديث أبي عبيدة في "الأموال" عن سعيد بن المسيب: السنة في حريم القليب العادي خمسون ذراعًا والبدي خمسة وعشرون ذراعًا (٢). رواه الخلال، والدارقطني نحوه مرفوعًا (٣). والبئر التي لها ماء ينتفع به ليس لأحد احتجاره، كالمعادن الظاهرة، وحريم عين وقناة حفرتا بموات: خمسمائة ذراع، وحريم نهر بموات من جانبيه ما يحتاج إليه لطراح كرايته (٤)، وطريق شاويه -أي قيمه- قال في "شرح المنتهى" لمصنفه: والكراية والشاوي لم أجد لهما أصلًا في اللغة بهذا المعنى، ولعلهما مولدتان من قبل أهل الشام (٥). انتهى. وحريم شجرة غرست بموات قدر مد أغصانها حواليها، لحديث أبي داود، عن أبي سعيد قال: اختصم إلى النبي ﷺ في حريم نخلة، فأمر بجريدة من جرائدها، فذرعت، فكانت سبعة أذرع أو خمسة أذرع، فقضى بذلك (٦). وحريم أرض تزرع ما تحتاج إليه لسقيها، وربط دوابها، وطرح سبخها، ومصرف مائها عند الاستغناء عنه، وحريم دار من موات حولها

стр. 891

مطرح تراب، وكناسة، وماء ميزاب وممر لباب، ولا حريم لدار محفوفة بملك لغيره، ويتصرف كل من أرباب الأملاك المتلاصقة بحسب عادة. وإن وقع في قدر الطريق نزاع وقت الإحياء، فلها سبعة أذرع، للخبر (١). ولا تغير بعد وضعها، ومن تحجر مواتًا، بأن أدار حوله أحجارًا، أو ترابًا، أو شوكًا، أو حائطًا غير منيع، أو حفر بئرًا لم يصل ماؤها، أو شفى شجرًا مباحًا، كالزيتون والخرنوب (٢)، أي قطع الأغصان الرديئة لتخلفها أغصان جيدة، أو أصلحه ولم يركبه، أو أقطعه الإمام مواتًا ليحييه، لم يملكه بذلك، وهو أحق به من غيرد، وكذا وارثه من بعده، وكذا من ينقله المتحجر، والمقطع إليه. وكذا من نزل عن أرض خراجية بيده لغيره، أو عن وظيفة لأهلٍ، فالمنزول له أحق بها من غيره، وليس لمن قلنا إنه أحق بشيء من ذلك بيعه، لأنه لم يملكه، كحق الشفعة قبل الأخذ، لكن النزول عنه بعوض لا على وجه البيع جائز، كما ذكره ابن نصر اللَّه (٣)، قياسًا على الخلع. (ومن سبق إلى طريق واسع) أو رحبة مسجد غير محوطة، ولم يضيق على الناس (فهو أحق بالجلوس فيه ما بقي متاعه، ما لم يضر)، لحديث: "من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به" (٤) وإن سبق اثنان فأكثر إلى ما

стр. 892

ذكر، أو إلى خان مسبل (١)، أو رباط، أو مدرسة، أو خانكاه (٢)، ولم يتوقف الانتفاع فيها إلى تقرير ناظر، وضاق المكان عن انتفاع جميعهم، أقرع. والسابق إلى معدن أحق بما يناله منه، والسابق إلى مباح، كصيد، وعنبر، وحطب، ومنبوذ رغبة عنه، وما يتركه حصاد، ونحوه من زرع، وثمر، رغبة عنه، أحق به، فيملكه بأخذه، مسلمًا كان، أو ذميًّا، ويقسم بين عدد أخذوه دفعة واحدة بالسوية، ولا يجوز لأحد أن يأخذ من أرباب الدواب عوض مرعى موات، أو حمى، لأنه ﷺ شرك الناس فيه (٣). تتمة: ولمن في أعلى ماء غير مملوك، كالأمطار، والأنهار الصغار، أن يسقي ويحبسه حتى يصل إلى كعبه، ثم يرسله إلى من يليه أولًا، ثم هو كذلك، مرتبًا الأعلى فالأعلى، إلى انتهاء الأراضي، إن فضل شيء، وإلا فلا شيء للباقي. ولو استوى اثنان فأكثر في قرب من أول نهر، قسم الماء بينهم على قدر الأرض، إن أمكن، وإلا أقرع، ولو أحيا سابق مواتًا في أسفل النهر، ثم أحيا آخر فوقه، ثم أحيا ثالث فوق ثان، سقى المحيي أولًا، ثم ثان، ثم ثالث، اعتبارًا بالسبق إلى الإحياء، لا إلى أول النهر، كما تقدم، لأنه إذا

стр. 893

ملك الأرض ملكها بحقوقها ومرافقها. والماء الجاري المملوك وغيره، لكل أحد أن يأخذ منه لشربه، ووضوئه، وغسله، وغسل ثيابه، والانتفاع به في أشباه ذلك، مما لا يؤثر فيه، بلا إذن مالكه، إن لم يدخل إليه في مكان محوط عليه، ولا يحل لصاحبه المنع منه، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "ثلاثة لا ينظر اللَّه إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل كان بفضل مائه بالطريق، فمنعه ابن السبيل" (١) رواه البخاري. بخلاف ما يؤثر فيه، كسقي ماشية كثيرة، ونحوه، فإن فضل شيء من الماء عن حاجته لزمه بذله لذلك، وإلا فلا.

стр. 894

فصل في الجعالة بتثليث الجيم -كما ذكره ابن مالك (١) - (٢) مشتقة من الجُعل، بمعنى التسمية. لأن الجاعل يسمى الجعل للعامل. أو من الجَعْل، بمعنى الإيجاب. يقال: جعلت له كذا أي: أوجبت (٣). ويدل لمشروعيتها قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (٤)، وحديث اللديغ (٥). ولدعاء الحاجة إليه. وهي شرعًا: جعل مال معلوم لمن يعمل له عملًا، ولو مجهولًا (٦) فلذلك قال: (ويجوز جعل شيء معلوم) فلا يصح: من رد عبدي فله نصفه، ونحوه، لا إن كان من مال حربي، فيصح مجهولًا (لمن يعمل) متعلق بجعل (عملًا) مباحًا، بخلاف نحو زمر، وزنًا (ولو) كان العمل (مجهولًا) كمن خاط لي ثوبًا، ونحوه، فله كذا، أو لمن يعمل له مدة ولو مجهولة، كمن حرس زرعي، أو أذَّن في هذا المسجد، فله في كل شهر كذا و (كرد عبد، ولقطة، وبناء حائط) كقوله: من رد عبدي الآبق فله كذا، أو رد لقطتي، أو

стр. 895

بنى حائطي، فله كذا (فمن فعله) أي العمل المسمى عليه الجعل (بعد علمه) أي بعد أن بلغه الجعل (استحقه) كدين، لأن العقد استقر بتمام العمل، فاستحق ما جعل له، ومن بلغه الجعل في أثناء العمل، استحق من الجعل حصة تمامه، إن أتمه بنية الجعل، ومن بلغه بعد تمامه لم يستحقه، ولا شيء منه، لما سبق، وحرم عليه أخذه، إلا إن تبرع له به ربه، بعد إعلامه بالحال. (ولكلٍّ) من المجاعل والعامل (فسخها) لأنها من العقود الجائزة، (فـ) إن وقع الفسخ (من عامل فلا شيء له) لإسقاطه حق نفسه، حيث لم يوف ما شرط عليه (و) إن وقع (من جاعل فلعامل أجرة) مثل (عمله) لأنه عمل بعوض لم يسلم له، ولا شيء لما يعمله بعد الفسخ، لأنه غير مأذون فيه، وإن زاد جاعل في جعل، أو نقص منه قبل شروع في عمله، جاز، وعمل به، لأنه عقد جائز، كالمضاربة (وإن عمل) شخص (غير معدٍّ لأخذ أجرة لغيره عملًا بلا جعل) فلا شيء له، لأنه بذل منفعته من غير عوض، فلم يستحقه (أو) عمل معدٍّ لأخذ أجرة لغيره عملًا (بلا إذن فلا شيء له) لتبرعه بعمله، حيمث بذله بلا عوض (إلا في تحصيل) أي تخليص (متاع) غيره، ولو قنًّا (من بحر أو فلاة) أو فم سبع، يظن هلاكه في تركه (فله أجر مثله) لأنه يخشى هلاكه، وتلفه على مالكه، بخلاف اللقطة، وفيه حث وترغيب في إنقاذ الأموال من الهلكة (وفي) رد (رقيق دينار أو اثنا عشر درهمًا) ولو جعل دون ذلك، وسواء كان يساويها، أو لا لئلا يلتحق بدار الحرب، ويشتغل بالفساد. روي عن عمر وعلي (١) وعن عمرو بن دينار، وابن أبي مليكة مرسلًا: أن النبي ﷺ جعل في رد الآبق إذا جاء به خارجًا من الحرم

стр. 896

دينارًا (١). وإن اختلفا في أصل جعل، فالقول قول من ينفيه منهما، لأن الأصل عدمه، وإن اختلفا في قدره، أو قدر مسافة، فقول جاعل، لأنه منكر. تتمة: متى كان العمل في مال الغير إنقاذًا له من التلف المشرف عليه، كان جائزًا بغير إذن مالكه، لأنه إحسان إليه، كذبح الحيوان المأكول إذا خيف موته، ولا يضمن ما نقص بذبحه، لأنه محسن به.

стр. 897

فصل في اللقطة وهي محركة، وكحُزْمة وهمُزَة وثمامة: ما التقط. قاله في "القاموس" (١). وهي عرفًا: مال كنقد، أو متاع، أو مختمر، كخمر خلَّال، ضائع، أو في معناه، كمتروك قصدًا لمعنى يقتضيه، ومدفون منسي لغير حربي (٢). والأصل في الالتقاط: حديث زيد بن خالد الجهني قال: سئل رسول اللَّه ﷺ عن لقطة الذهب والوَرِق (٣)؟ فقال: "اعرف وكاءها وعفاصها (٤)، ثم عرِّفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك، فإذا جاء طالبها يومًا من الدهر، فادفعها إليه". وسأله عن ضالة الإبل؟ فقال: "مالك ولها؟ فإن معها حذاءها وسقاءها، ترد الماء، وتأكل الشجر، حتى يجدها ربُّها". وسأله عن الشاة؟ فقال: "خذها فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب" (٥). متفق عليه. (واللقطة ثلاثة أقسام) بالاستقراء: الأول: (ما لا تتبعه همة أوساط الناس) أي: يهتمون في طلبه (كرغيف وشسع) -بتقديم المعجمة- أحد

стр. 898

سيور النعل الذي يدخل بين الأصبعين (١)، وكرغيف، وتمرة، وكل ما لا خطر له، (فيملك) بأخذ ويباح الانتفاع به، نصًّا (٢)، لحديث جابر: رخص النبي ﷺ في العصا، والسوط، والحبل يلتقطه الرجل، ينتفع به (٣). رواه أبو داود (بلا تعريف) لأنه من قبيل المباحات، ولا يلزمه بدله إن وجد ربه، لملك ملتقطه له بأخذه، وظاهره: إن بقي بعينه، لزمه رده لربه كما ذكره في "الإقناع" (٤). وكذا لو لقي كناس ومن في معناه قطعًا صغارًا متفرقة من فضة، ملكها بأخذها، ولا يلزمه تعريفها، ولا بَدلها إن وجد ربها، ولو كثرت بضمها، لأن وجودها متفرقة، يدل على تعدد أربابها. ومن ترك دابة بمهلكة، أو فلاة، لانقطاعها، أو عجزه عن علفها، ملكها آخذها، لحديث الشعبي مرفوعًا: "من وجد دابة قد عجز عنها أهلها فسيبوها، فأخذها، فأحياها، فهي له". قال عبد اللَّه (٥) بن محمد بن حميد بن عبد الرحمن: فقلت -يعني للشعبي- من حدثك بهذا؟ قال: غير واحد من أصحاب رسول اللَّه ﷺ (٦) رواه أبو داود والدارقطني. وكذا ما يلقى من

стр. 899

سفينة، خوف غرق، فيملكه آخذه، لإلقاء صاحبه له اختيارًا، فيما يتلف بتركه، أشبه ما لو ألقاه رغبة عنه. القسم (الثاني: الضوالُّ) جمع ضالة، اسم للحيوان خاصة، دون سائر اللقطة، ويقال لها: الهوامي، والهوافي، والهوامل (١) (التي تمتنع من صغار السباع) كذئب، وأسد صغير، وابن آوى، وامتناعها إما لكبر جثتها (كخيل وإبل وبقر) وبغال، وحمير، وإما لسرعة عدوها، كظباء، وإما بطيرانها، كطير، وإما بنابها، كفهد، ونحوه (فيحرم التقاطها) لقوله ﷺ : "مالك ولها، دعها فإن معها حذاءها وسقاءها، ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يجدها ربها" (٢). ولحديث: "لا يؤوي الضالة إلا ضال" (٣). رواه أحمد وغيره. (ولا تملك) ما حرم التقاطها (بتعريفها) لعدوانه، لعدم إذن المالك والشارع فيه، أشبه الغاصب، ولإمام ونائبه أخذه، ليحفظه لربه، لا على أنه لقطة، ولا يلزمه تعريفه، لأن عمر لم يكن يعرِّف الضوال (٤). ولا يؤخذ منه بوصف، لأنها كانت ظاهرة للناس حين كانت بيد ربها، فلا يختص بمعرفة صفاتها، ويمكنه إقامة البينة عليها. ويجوز التقاط صيود متوحشة، لو تركت رجعت إلى الصحراء، بشرط

стр. 900

عجز ربها عنها، ولا يملكها آخذها بالتعريف، لأنه يحفظها لربها، فهو كالوديع. ولا يجوز التقاط أحجار طواحين، وقدور ضخمة، وأخشاب كبيرة، ونحوها مما ينحفظ بنفسه، لأنها لا تبرح من مكانها. وما حرم التقاطه، ضمنه آخذه إن تلف، أو نقص، كغاصب، ولا يضمن كلبًا مع تحريم التقاطه، لأنه ليس بمال، ومن التقط ما لا يجوز التقاطه، وكتمه عن ربه، فتلف، فعليه قيمته مرتين، نصًّا (١)، لحديث: "في الضالة المكتومة غرامتها ومثلها معها" (٢). ويزول ضمان ما حرم التقاطه بدفعه إلى الإمام، أو نائبه، أو رده إلى مكانه، بأمره، أو بأمر نائبه، لقول عمر لرجل وجد بعيرًا: "أرسله حيث وجدته" (٣). رواه الأثرم، فإن رده بغير أمره، فتلف، ضمن، كالمسروق، والمغصوب. القسم الثالث: (باقي الأموال) ما عدا القسمين السابقين (كثمن) أي نقد (ومتاع) كثياب، وكتب، وفرش، ونحوها (وغنم وفصلان) بضم الفاء وكسرها، جمع فُصيل، ولد الناقة إذا فُصل عن أمِّه (وعجاجيل) جمع عجل، ولد البقرة، وأفلاء -بالمد- جمع فُلُو، وهو المهر والجحش إذا فطما أو بلغا السنة، وقن صغير، ومريض كبارِ إبلٍ ونحوها، ونحو ذلك، كخشبة صغيرة، وقطعة حديد، وزِق دهن أو عسل، وغرارة (٤) نحو بر (فلمن أمن نفسه عليها) وقوي على تعريفها (أخذها) للخبر في النقدين والشاة (٥)، وقيس على ذلك غيره، والإمام وغيره في ذلك سواء، فإن لم يأمن نفسه عليها، أو عجز عن تعريفها، فليس له أخذها، لما فيه من تضييعها على

стр. 901

ربها، ويضمنها به إن تلفت، فرط أو لم يفرط، لأنه غير مأذون فيه أشبه الغاصب، ولم يملكها، ولو عرفها، والأفضل لمن أمن نفسه عليها، وقوي على تعريفها؛ تركها، روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر (١)، ومن أخذها ثم ردها إلى موضعها، أو فرط فيها، فتلفت، ضمنها، إلا أن يأمره إمام، أو نائبه، فيبرأ به، فإن تلفت منه في حول التعريف بلا تفريط، لم يضمنها. تتمة: ما أبيح التقاطه، ولم يملك به، ثلاثة أضرب: أحدها: حيوان مأكول، كشاة، ودجاجة، فيلزمه فعل الأصلح من أكله بقيمته في الحال، لحديث: "هي لك أو لأخيك أو للذئب" (٢). أو بيعه، وحفظ ثمنه. أو حفظه، وينفق عليه من ماله، وله الرجوع بما أنفق بنيته، فإن استوت الثلاثة خُيِّر. الضرب الثاني: ما يخشى فساده، بإبقائه، كخضروات، ونحوها، فيلزمه فعل الأحظ من بيعه، وحفظ ثمثه، أو أكله بقيمته، أو تجفيف ما يجفف، كعنب، ورطب، فإن استوت الثلاثة خُير. الضرب الثالث: باقي المال المباح التقاطه، من أثمان، ومتاع، ونحو

стр. 902

ذلك (ويجب) على ملتقط (حفظها) جميعها (و) يجب عليه (تعريفها) أي اللقطة، لأنه ﷺ أمر به زيد بن خالد، وأبي بن كعب (١). ولأن حفظها لربها إنما يفيد بإيصالها إليه، وطريقة التعريف فورًا، لأنه مقتضى الأمر، ولأن صاحبها يطلبها عقب ضياعها (في مجامع الناس) كالأسواق، وأبواب المساجد، وأوقات الصلوات، لأن المقصود إشاعة ذكرها، ويكثر منه في موضع وجدانها، وإن كان في صحراء عرفها في أقرب البلاد إليها نهارًا، لأنه مجمع الناس، وملتقاهم أول كل يوم، قبل اشتغال الناس بمعاشهم، أسبوعًا، لأن الطلب فيه أكثر، ثم يعرفها كعادة الناس في ذلك، وقيل: يعرفها في كل يوم أسبوعًا، ثم في كل أسبوع مرة شهرًا، ثم في كل شهر مرة في (غير المساجد) وأما فيها فيكره، حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا أداها اللَّه إليك. فإن المساجد لم تبن لهذا" (٢). واختار جماعة (حولًا كاملًا) من التقاطه، روي عن عمر، وعلي، وابن عباس (٣)، لحديث زيد بن خالد: فإنه ﷺ أمره بعام

стр. 903

واحد (١) فينادي: من ضاع منه شيء، أو نفقه، ولا يصفها، لأنه لا يؤمن أن يدعيها بعض من سمع صفتها، فتضيع على مالكها (وتملك بعده) أي: بعد تعريفها حولًا كاملًا، ولم تعرف فيه، وهي مما يجوز التقاطه (حكمًا) كالميراث، نصًّا (٢)، فلا يقف على اختياره، لحديث "وإلا فهي كسبيل مالك" (٣). ولو كانت عرضًا، أو لقطة الحرم، فتملك بالتعريف، كلقطة الحل، روي عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة (٤)، لعموم الأحاديث، وكحرم المدينة، وحديث: "لا تحل ساقطتها إلا لمنشد" (٥) يحتمل أن يراد به إلا لمن عرَّفها عامًا، وتخصيصها بذلك لتأكدها، كحديث: "ضالة المسلم حرق النار" (٦) وإن أخر التعريف الحول كله، أو بعضه، لغير عذر، أَثِمَ، ولم يملكها بالتعريف بعد الحول، لأن شرط الملك التعريف فيه، ولم يوجد. (ويحرم تصرفه) أي، الملتقط (فيها) أي اللقطة (قبل معرفة وعائها) وهو كيسها ونحوه، كخرقة شدت فيها، أو زقٍّ فيه مائع، ولفافة على ثوب (و) قبل معرفة (وكائها) وهو ما يشد به الكيس، أو الزق (و) قبل معرفة (عفاصها) بكسر العين المهملة، وهو صفة الشد (٧)، فيعرف الربط، هل هو

стр. 904

عقدة، أو عقدتان، وأنشوطة، أو غيرها (و) قبل معرفة (قدرها) بكيل، أو وزن، أو عد، أو ذرع (وجنسها وصفتها) أي نوعها، ولونها، لحديث أبي بن كعب أنه قال: وجدت مائة دينار فأتيت بها النبي ﷺ فقال: "عرِّفها حولًا". فعرفتها حولًا، فلم تعرف، فرجعت إليه، فقال: "اعرف عدتها ووعاءها ووكاءها، واخلطها بمالك، فإن جاء ربها فأدها إليه" (١). وسن معرفة ما ذكر عند وجدانها، وإشهاد عدلين عليها، لحديث: "من وجد لقطة فليشهد ذا عدل أو ذوي عدل" (٢). ولم يأمر به في خبر زيد بن خالد، وأبي بن كعب، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فتعين حمله على الندب، وكالوديعة (ومتى جاء ربها فوصفها لزم دفعها إليه) بنمائها المتصل مطلقًا. والمنفصل في حول التعريف، لأنه تابع له، ولا يشترط في ذلك بينة تشهد بالملك له، ولا أنها ضاعت منه، ولا يمينه على ذلك، ولا أن يغلب على ظن الملتقط صدقه، للأخبار، فإن دفعها بلا بينة ولا وصف، ضمن إن جاء آخر فوصفها، وله تضمين أيهما شاء، وقرار الضمان على الآخذ، وإن لم يأت أحد فللملتقط مطالبة آخذها بها، لأنها أمانة بيده، ولا يأمن مجيء صاحبها، فيلزمه بها. ومع رقٍّ ملتقط، وإنكار سيده أنها لقطة، فلابد من بينة تشهد بأنه التقطها، لأن إقرار القن بالمال لا يصح.

стр. 905

وإن تلفت اللقطة، أو نقصت قبل الحول بيد ملتقط، ولم يفرط، لم يضمنها، وبعده يضمنها مطلقًا، لدخولها في ملكه، وتعتبر القيمة يوم عرت ربها، وإن وصف اللقطة ثان قبل دفعها للأول، أقرع بينهما، ودفعت إلى قارع بيمينه، نصًّا (١)، وبعده لا شيء لثان، لأن الأول استحقها بوصفها، وعدم المنازع له فيها حين أخذها، وإن أقام آخر بينة أنها له، أخذها من واصف، ولو أدركها ربها بعد الحول والتعريف مبيعة أو موهوبة، فليس له إلا البدل. ويفسخ العقد إن أدركها ربها زمن خيار لهما، أو لبائع، ومن استيقظ فوجد في ثوبه، أو كيسه مالًا، لا يدري من صره؛ فهو له، ولا يبرأ من أخذ من نائم شيئًا، إلا بتسليمه له بعد انتباهه، لتعديه. ومن وجد في حيوان ذبحه نقدًا، أو درة، فلقطة، وإن وجد درة غير مثقوبة في سمكة فهي لصياد، ولو باعها، نصًّا (٢). ومن ادعى ما بيد لص، أو ناهب، أو قاطع طريق، ووصفه، فهو له، ولا يكلف بينة، لأنه بيد من لم يدع ملكه، وربه مجهول، بخلاف من ادعى وديعة، أو عارية، أو رهنًا، فلا يكفي الوصف، بك لابد من بينة أو يقترعان، فمن قرع، حلف وأخذها، وإن وجدها صغير، أو سفيه، أو مجنون، قام وليه بتعريفها تأدية للواجب عليه، فإن تلفت بيد أحدهم بتفريط، ضمن، كاتلافه، وإن كان بتفريط الولي، فضمانها عليه. (ومن أُخذ نعلُه ونحوه) كمداسه، أو أخذ متاعه، كثياب في حمام (ووجد غيره مكانه، فلقطةٌ) لا يملكه بذلك، لأن سارق ذلك لم يجر بينه وبين مالكة معاوضة، تقتضي زوال ملكه عنه، فإذا أخذه فقد أخذ مال غيره، ولا يعرف صاحبه، فيعرفه كاللقطة، ويأخذ حقه منه بعد تعريفه.

стр. 906

(واللقيط) (١) فعيل بمعنى مفعول، كجريح وطريح (٢). وشرعًا (٣): (طفل لا يُعرَفُ نسبُه، ولا رقه، نبذ) بالبناء للمفعول -أي طرح- في شارع، أو غيره (أو ضل) الطريق ما بين ولادته (إلى) سن (التمييز) فقط على الصحيح، قاله في "الإنصاف" (٤)، (والتقاطه فرض كفاية) لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٥)، ولأن فيه إحياء نفسه، فكان واجبًا، كإطعامه إذا اضطر. فإن تركه جميع من رآه أثموا، فإن كان معه شيء أنفق عليه منه، لوجوب نفقته في ماله، وما معه فهو ماله (وإن لم يكن معه شيء) أنفق عليه من بيت المال، لما روى سعيد، عن سُنين أبي جميلة قال: وجدت ملقوطًا فأتيت به عمر، فقال عريفي: يا أمير المؤمنين إنه رجل صالح، فقال عمر: أكذلك هو؟ قال: نعم.: فاذهب فهو حر، ولك ولاؤه، وعلينا نفقته (٦)، وفي لفظ: وعلينا رضاعه (٧) (و) إن (تعذر) ت النفقة عليه من (بيت المال) لكون البلد ليس به بيت مال، أو به ولا مال به، ونحوه، اقترض عليه حاكم، ووفى من بيت المال إن حصل به شيء، فإن تعذر الاقتراض عليه، أو الأخذ منه (أنفق عليه عالم به بلا رجوع) بما أنفق، لوجوبه عليه، فالنفقة على من علم به فرض كفاية.

стр. 907

(وهو مسلم) حكمًا (إن وجد في بلد يكثُر فيه المسلمون) لظاهر البلد، وتغليبًا للإسلام، لأنه يعلو ولا يُعلى عليه، ويحكم بحرِّيته، لأنه الأصل في الآدميين، إلا إن وجد في بلد أهل حرب، ولا مسلم فيه، أو فيه مسلم، كتاجر، وأسير، فهو كافر رقيق، وإن كان بها مسلم يمكن كونه منه، فمسلم، وما وجد معه من مال أو متاع، فهو له، كما تقدم. والأولى بحضانته: واجده، إن كان أمينًا عدلًا، لما تقدم عن عمر (١)، ولسبقه إليه، فكان أولى به، ولو كانت عدالته ظاهرًا، كولاية النكاح، والشهادة فيه، وأكثر الأحكام، وكان حرًّا تام الحرية، لأن منافع القن، والمدبر، والمعلق عتقه بصفة، وأم الولد، مستحقة لسيده، فلا يذهبها في غير نفعه إلا بإذنه مكلفًا، لأن غير المكلف لا يلي أمر نفسه، فغيره أولى. وميراث اللقيط وديته إن قتل لبيت المال، إن لم يكن له وارث، فإن كان له زوجة، فلها الربع، والباقي لبيت المال، وإن كان له وارث غير الزوجة، أخذ الجميع. (وإن أقر به) أي اللقيط (من يمكن كونه منه) ولو كان المقر كافرًا، أو رقيقًا، أو أنثى ذات زوج، أو ذات نسب معروف (أُلحقَ) اللقيط (به) ولو كان اللقيط ميتًا، لأن الإقرار بالنسب مصلحة محضة للقيط، لاتصال نسبه، ولا مضرة على غيره فيه، فقبل كما لو أقر له بمال. ولأن الأنثى أحد الأبوين فثبت النسب بدعواها، كالأب، ولأنه لا يمكن أن يكون منها كما يمكن كونه من الرجل بل أكثر، لأنها تأتي به من زوج: ومن وطء شبهة، ويلحقها ولدها من الزنا دون الرجل، ولا يلحق بزوج امرأة مقرة، لأنه لم يولد على فراشه، ولم يقر به، وكما لو ادعى الرجل نسبه لم يلحق بزوجته، ولا يتبع رقيقًا ادعى نسبه في رق، ولا يتبع كافرًا في دينه، إلا أن يقيم بيِّنة أنه ولد على فراشه، فيلحقه في دينه، لثبوت أنه ولد ذميين.

стр. 908

فصل في الوقف وهو مصدر وقف الشيء إذا حبسه، وأحبسه وأوقفه لغة شاذة (١)، قال الشافعي-رحمه اللَّه تعالى-: لم تحبس أهل الجاهلية وإنما حبس أهل الإسلام (٢). (والوقف سنة) وهو من القرب المندوب إليها؛ لحديث ابن عمر قال: أصاب عمر أرضًا بخيبر فأتى النبي ﷺ يستأمره فقال: يا رسول اللَّه إني أصبت مالًا بخيبر (٣) لم أصب قط مالًا أنفس عندي منه، فما تأمرني فيه؟ قال: "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، غير أنه لا يباع أصلها، ولا توهب، ولا تورث". قال: فتصدق بها عمر في الفقراء وفي القربى والرقاب وفي سبيل اللَّه وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقًا غير متمول فيه"، وفي لفظ: "غير متأثل" (٤) متفق عليه، ولحديث: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (٥)، قال الترمذي: حسن

стр. 909

صحيح. وقال جابر: لم يكن أحد من أصحاب النبي ﷺ ذا مقدرة إلا وقف (١). وهو شرعًا: تحبيس مالك مطلق التصرف ماله المنتفع به مع بقاء عينه بقطع تصرفه وغيره في رقبته بشيء من التصرفات يصرف ريعه إلى جهة بر تقربًا إلى اللَّه تعالى، قال في "شرح المنتهى" "كالإقناع" (٢): وهذا الحد لصاحب "المطلع" (٣)، وتبعه المنقح عليه (٤)، وتابعهما المصنف (٥)، واستظهر في "شرحه" (٦) أن قوله: تقربًا إلى اللَّه تعالى إنما هو في وقف يترتب عليه الثواب، فإن الإنسان قد يقف على غيره توددًا أو على ولده خشية بيعه بعد موته وإتلاف ثمنه، أو خشية أن يحجر عليه ويباع في دَيْنِهِ، أو رياء ونحوه، وهو وقف لازم لا ثواب فيه، لأنه لم يبتغ به وجه اللَّه تعالى. انتهى. (ويصح) الوقف (بقول) ويأتي صريحه وكنايته (و) يصح الوقف أيضًا بـ (فعل) مع (دال عليه) أي الوقف (عرفًا) كالقول، لاشتراكهما في الدلالة عليه، وذلك (كمن بنى أرضه مسجدًا) أي على هيئة مسجد (أو) جعل أرضه (مقبرة وأذنَ للناس أن يصلوا فيه) أي المسجد إذنًا عامًّا، لأن الإذن

стр. 910

الخاص قد يقع على غير الموقوف فلا يفيد دلالة الوقف (و) أذن للناس أن (يدفنوا فيها) أي المقبرة إذنًا عامًا لما تقدم، أو يبني بيتًا لقضاء حاجة الإنسان والتطهير ويشرعه (١) لهم، أو يملأ خابية (٢) أو نحوها ماء في المسجد أو على الطريق. ولو جعل سفل بيته مسجدًا وانتفع بعلوه أو عكسه أو وسطه ولو لم يذكر استطراقًا صح، ويستطرق كما لو باع أو أجر بيتًا من داره ولم يذكر له استطراقًا، فإنه يصح البيع والإجارة ويستطرق إليه على العادة، (وصريحه) أي القول (وقفت وحبّست وسبّلت) ويكفي أحدها (وكنايته: تصدقت وحرمت وأبدت) لعدم خلوص كل منها عن الاشتراك، فالصدقة تستعمل في الزكاة وهي ظاهرة في صدقة التطوع، والتحريم صريح في الظهار، والتأبيد يستعمل في كل ما يراد تأبيده من وقف وغيره، ولا يصح الوقف بها إلا بنية فمن أتى بكناية واعترف أنه نوى بها الوقف لزمه حكمًا، لأنها بالنية صارت ظاهرة فيه. وإن قال: ما أردت الوقف قبل قوله، لأن نيته لا يطلع عليها غيره، أو قرنها بأحد الألفاظ الخمسة وهي الصرائح الثلاث والكنايتان كقوله: تصدقت صدقة موقوفة أو محرمة ونحو ذلك، أو يقرن الكناية بحكم الوقف كقوله: تصدقت به صدقة لا تباع، أو صدقة لا توهب أو لا تورث، أو على قبيلة أو طائفة كذا، لأن ذلك كله لا يستعمل في غير الوقف فانتفت الشركة، وكذا تصدقت بأرضي أو داري على زيد والنظر لي أيام حياتي، ثم من بعد زيد على عمرو ونحو ذلك.

стр. 911

(وشروطه) أي الوقف (خمسة): أحدها: (كونه في عين معلومة يصح بيعها) بخلاف نحو أم ولد (غير مصحف) فيصح وقفه وإن لم يصح بيعه كما تقدم (١) (وينتفع بها) دائمًا (مع بقائها) عرفًا كإجارة واستغلال ثمرة ونحو ذلك، لأن الوقف يراد للدوام ليكون صدقة جارية ولا يوجد ذلك فيما لا تبقى عينه، عقارًا كان الموقوف كأرض أو شجر أو منقولًا كالحيوان والأثاث والسلاح والمصحف وكتب العلم ونحو ذلك. ويصح وقف المشاع؛ لحديث ابن عمر: أن عمر قال: المائة سهم التي بخيبر لم أصب مالًا قط أعجب إلي منها، فأردت أن أتصدق بها فقال ﷺ : احبس أصلها وسبِّل ثمرتها (٢). رواه النسائي وابن ماجه. ويعتبر أن يقول: كذا سهمًا من كذا سهمًا (٣) قاله أحمد (٤). ويصح وقف الحلي للبس وعارية، ولو أطلق وقفه لم يصح، ولا يصح الوقف في الذمة كوقفت عبدًا أو دارًا، ولا وقف مبهم كأحد هذين العبدين، ولا يصح وقف مطعوم ومشروب غير الماء، ولا وقف شمع ورياحين لما تقدم، ولو تصدق بدهن على مسجد ليوقد فيه جاز وهو من باب الوقف قاله الشيخ (٥). (و) الشرط الثاني: (كونه) أي الوقف (على برٍّ) مسلمًا كان الواقف أو

стр. 912

ذميًا، نصًّا (١)، كالوقف على المساكين والمساجد والقناطر والأقارب؛ لأنه شُرع لتحصيل الثواب، فإذا لم يكن على بر لم يحصل مقصوده الذي شرع لأجله، فلا يصح على طائفة الأغنياء، ولا على طائفة أهل الذمة ولا على صنف منهم (ويصح من مسلم على ذمي) معين، لما روي أن صفية بنت حيي ﵂ زوج النبي ﷺ وقفت على أخ لها يهودي (٢). ولأنه موضع للقربة لجواز الصدقة عليه (وعكسه) أي يصح مات ذمي على مسلم معين أو طائفة كالفقراء والمساكين. (و) الشرط الثالث: (كونه) أي الوقف (في غير مسجد) معين (ونحوه) كمدرسة ورباط معينين (على معين) من جهة أو شخص (يملك) ملكًا ثابتًا كزيد أو مسجد كذا؛ لأن الوقف تمليك فلا يصح على غير معين كعلى رجل أو مبهم كأحد هذين الرجلين أو المسجدين، ولا على ما لا يملك كقن وأم ولد ومَلَك -بفتح اللام- وبهيمة، وأما الوقف على المساجد ونحوها فعلى المسلمين إلا أنه عين في نفع خاص لهم. ولا يصح الوقف على حمل أصالة كعلى من سيولد لي أو لفلان، بل تبعًا كعلى أولادي ثم أولادهم أو على أولاد فلان ثم أولادهم وفيهم حمل فيستحق بوضع. وكل حمل من أهل وقف من ثمر وزرع ما يستحقه مشتر، وكذا من قدم إلى مكان موقوف عليه فيه أو خرج منه إلى مثله، إلا أن يشترط لكل

стр. 913

زمن قدر معين فيكون له بقسطه، وقياسه من نزل في مدرسة ونحوها. وقال ابن عبدا القوي (١): ولقائل أن يقول: ليس كذلك؛ لأن واقف المدرسة ونحوها جعل ريع الوقف في السنة كالجعل على اشتغال من هو في المدرسة عامًا، فينبغي أن يستحق بقدر عمله من السنة من ريع الوقف في السنة، لئلا يفضي إلى أن يحفر الإنسان شهرًا فيأخذ جميع الوقف ويحضره غيره باقي السنة بعد ظهور الثمرة فلا يستحق شيئًا، وهذا يأباه مقتضى الوقوف ومقاصدها، انتهى (٢). وكذا قال الشيخ تقي الدين: يستحق بحصته من مغله ومن جعله كالولد فقد أخطأ (٣)، انتهى. أو يملك لا ثابتًا كمكاتب؛ فلا يصح الوقف عليه، لأن ملكه غير مستقر، ويصح وقفه فإن أدى عتق وبطل الوقف. (و) الشرط الرابع: (كون واقف نافذ التصرف) وهو المكلف الرشيد، فلا يصح من صغير أو سفيه كسائر تصرفاته. (و) الشرط الخامس: (وقفه ناجزًا) أي غير معلق ولا مؤقت ولا مشروط فيه خيار إلا إن علق بموت كقول واقف: هو وقف بعد موتي، فيصح لأنه تبرع مشروط بالموت أشبه ما لو قال: قفوا داري على جهة كذا بعد موتي، واحتج أحمد (٤) بأن عمر ﵁ وصى فكان في وصيته: هذا ما وصى به عبد اللَّه عمر أمير المؤمنين إن حدث به حدث الموت أن ثمغًا صدقة. وذكر بقية الخبر، وروى نحوه أبو داود (٥)، قال في "القاموس":

стр. 914

وثمغ بالفتح -أي فتح الميم- مال بالمدينة لعمر وقفه (١). ويلزم الوقف المعلق بالموت من حينه، ويكون من ثلثه، فإن كان قدر الثلث فأقل لزم، وإن زاد لزم في الثلث ووقف الباقي على الإجازة، وشرط بيعه أو هبته متى شاء أو خيار فيه أو تحويله مبطل للوقف لمنافاته لمقتضاه، ولا يشترط للزومه إخراجه عن يده، نصًّا (٢)، لحديث عمر، فإنه روي أن وقفه كان بيده إلى أن مات (٣)، ولا يشترط فيما وقف على شخص معين قبوله، لأنه إزالة ملك يمنع البيع والهبة والميراث أشبه العتق، ولا يبطل برده. ويتعين صرف الوقف إلى الجهة المعينة له، لأن تعيينه لها صرف له عما سواها، فلو سبّل ماءً للشرب لم يجز الوضوء به ولا الغسل ونحوه، وكذا عكسه لأنه لو لم يجب اتباع تعيينه لم يكن له فائدة. (ويجب العمل بشرط واقف إن وافق الشرع) كقوله: شرطت لزيد كذا، أو لعمرو كذا لأن عمر شرط في وقفه شروطًا (٤)، ولو لم يجب اتباع شرطه لم يكن في اشتراطه فائدة، ولأن الوقف متلقى من جهته فاتبع شرطه، ونصه كنص الشارع (٥)، ويجب العمل بشرطه في عدم إيجار الوقف أو قدر مدته وفي قسمته، قال الشيخ تقي الدين: والشروط إنما يلزم الوفاء بها إذا لم

стр. 915

يفض ذلك إلى الإخلال بالمقصود الشرعي (١). ويجب العمل بشرطه في تقديم بعض أهل الوقف كقوله: وقفت على زيد وعمرو وبكر. ويبدأ بالدفع إلى زيد وعكس ذلك، وفي ترتيب كجعل استحقاق بطن مرتبًا على آخر، وفي ناظر لأن عمر جعل وقفه إلى بنته حفصة ثم يليه ذو الرأي من أهلها (٢)، وفي سائر أحواله. وإن خصص مقبرة أو رباطًا أو مدرسة أو إمامتها أو إمامة مسجد بأهل مذهب أو أهل بلد أو قبيلة تخصصت بهم عملًا بشرطه، لا المصلين بها فلا يصح تخصيصهم بذي مذهب ولغيرهم الصلاة فيها لعدم التزاحم، ولو وقع فهو أفضل لأن الجماعة تراد له. ولا تخصيص الإمامة بذي مذهب مخالف لظاهر السنة، ولو جهل شرط الواقف بأن قامت بينة بالوقف دون شرطه عُمِلَ بعادة جارية ثم عرف، فإن لم يكن عادة ولا عرف ببلد الواقف كمن ببادية فيسوى فيه بين المستحقين لثبوت الشركة دون التفضيل، ولذلك قال الشيخ: (ومع إطلاق يستوي غني وفقير وذكر وأنثى) لعدم ما يقتضي التفضيل. (والنظر عند عدم الشرط) من واقف لوقفه أو عند شرطه لمعين فمات (لموقوف عليه إن كان محصورًا) فينظر كل منهم على حصته عدلًا أو فاسقًا، لأنه ملكه، وغلته له، وإن كان محجورًا عليه لحظه فوليه يقوم مقامه
следующие страницы →